Полный текст (8 642 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.
стр. 2801
﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم﴾ من الأبواب المتفرقة من البلد قيل كانت له أربعةُ أبوابٍ فدخلوا منها وإنما اكتُفى بذكره لاستلزامه الانتهاءَ عمَّا نُهوا عنْهُ
﴿مَا كَانَ﴾ ذلك الدخولُ
﴿يُغْنِى﴾ فيما سيأتي عند وقوعِ ما وقع
﴿عَنْهُمْ﴾ عن الداخلين لأن المقصودَ به استدفاعُ الضرر عنهم والجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقبل لتحقيق المقارنةِ الواجبةِ بين جوابِ لمّا ومدخولِه فإن عدمَ الإغناءِ بالفعل إنما يتحقق عند نزولِ المحذورِ لا وقت الدخول وإنما المتحققُ حينئذ ما أفاده الجمعُ المذكور من عدم كونِ الدخولِ المذكورِ مغْنياً فيما سيأتي فتأمل
﴿مِنَ الله﴾ من جهته
﴿مِن شَىْءٍ﴾ أي شيئاً مما قضاه عليهم مع كونه مَظِنةً لذلك في بادي الرأي حيث وصّاهم به يعقوبُ ﵇ وعمِلوا بموجبه واثقين بجدواه من فضل الله تعالى فليس المرادُ بيانَ سببية الدخولِ المذكور لعدم الإغناءِ كما في قوله تعالى فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلَاّ نُفُوراً فإن مجيءَ النذير هناك سببٌ لزيادة نفورِهم بل بيانُ عدم سببيته للإغناء مع كونها متوقعةً في بادي الرأي كما في قولك حلف أن يُعطيَني حقي عند حلولِ الأجلِ فلما حل لم يُعطني شيئاً فإن المرادَ بيانُ عدمِ سببية حلولِ الأجلِ للإعطاء مع كونها مرجُوّةً بموجب الحلِف لا بيانُ سببيته لعدم الإعطاءِ فالمآلُ بيانُ عدمِ ترتبِ الغرضِ المقصود على التدبير المعهودِ مع كونه مرجوَّ الوجود لا بيانُ ترتبِ عدمِه عليه ويجوز أن يراد ذلك أيضاً بناءً على ما ذكره ﵇ في تضاعيف وصيّتِه من أنه لا يُغني عنهم من الله شيئاً فكأنه قيل ولمّا فعلوا ما وصاهم به لم يُفِدْ ذلك شيئاً ووقع الأمر حسبما قال ﵇ فلقُوا ما لقُوا فيكون من باب وقوعِ المتوقع فتأمل
﴿إِلَاّ حَاجَةً﴾ استثناءٌ منقطعٌ أي ولكنْ حاجةً وحرازةً كائنة
﴿فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ أي أظهرها ووصّاهم بها دفعاً للخاطرة غيرَ معتقدٍ أن للتدبير تأثيراً في تغيير التقديرِ وقد جعل ضميرُ الفاعل في قضاها للدخول على معنى أن ذلك الدخولَ قضى حاجةً في نفس يعقوبَ وهي إرادتُه أن يكون دخولُهم من أبواب متفرقةٍ فالمعنى ما كان ذلك الدخولُ يغني عنهم من جهة الله تعالى شيئاً ولكن قضى حاجةً حاصلةً في نفس يعقوبَ بوقوعه حسب إرادتِه فالاستثناءُ منقطعٌ أيضاً وعلى التقديرين لم يكن للتدبير فائدةٌ سوى دفعِ الخاطرة وأما إصابةُ العين فإنما لم تقع لكونها غيرَ مقدّرةٍ عليهم لا لأنها اندفعت بذلك مع كونها مقتضية عليهم
﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ﴾ جليلٍ
﴿لّمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ لتعليمنا إياه بالوحي ونصْبِ الأدلةِ حيث لم يعتقِدْ أن الحذرَ يدفع القدر وأن التدبير له حظٌ من التأثير حتى يتبينَ الخللُ في رأيه عند تخلفِ الأثر أو حيث بتّ القولَ بأنه لا يغني عنهم من الله شيئاً فكان الحالُ كما قال وفي تأكيد الجملةِ بإن واللامِ وتنكيرِ العلْم وتعليلِه بالتعليم المسند إلى ذاته سبحانه من الدِّلالةِ على جلالة شأنِ يعقوبَ ﵇ وعلوِّ مرتبة علمِه وفخامته ما لا يخفى
﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لَا يَعْلَمُونَ﴾ أسرارَ القدر ويزعمُون أنه يغني عنه الحذرُ وأما ما يقال مِنْ أنَّ المعنى لا يعلمون إيجابَ الحذر مع أنه لا يغني شيئاً من القدر فيأباه مقام بيان تخلّفِ المطلوب عن المبادي
стр. 2802
يوسف آية (٦٩ ٧١)
стр. 2803
﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ اوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ بنيامينَ أي ضمه إليه في الطعام أو في المنزل أو فيهما رُويَ أنَّهم لَمَّا دخلُوا عليه قالوا له هذا أخونا قد جئناك به فقال لهم أحسنتم وستجدون ذلك عندي فأكرمهم ثم أضافهم وأجلسهم مثنى مثنى فبقي بنيامين وحيداً فبكى وقال لو كان أخي يوسفُ حياً لأجلسني معه فقال يوسف بقيَ أخوكم فريداً وأجلسه معه على مائدته وجعل يؤاكله ثم أنزل كلَّ اثنين منهم بيتاً فقال هذا لا ثانيَ معه فيكون معي فبات يوسف يضمه إليه ويَشمُّ رائحته حتى أصبح وسأله عن ولده فقال لي عشرةُ بنينَ اشتققْتُ أسماءهم من اسم أخٍ لي هلك فقال له أتُحِب أن أكون أخاك بدلَ أخيك الهالِك قال من يجدُ أخاً مثلك ولكن لم يلدْك يعقوبُ ولا راحيل فبكى يوسف وقام إليه وعانقه وتعرف إليه وعند ذلك
﴿قَالَ إِنّى أَنَاْ أَخُوكَ﴾ يوسف
﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾ أي فلا تحزن
﴿بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ بنا فيما مضى فإن الله تعالى قد أحسن إلينا وجمعنا بخير ولا تُعلِمْهم بما أعلمتك قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعن وهْبٍ أنه لم يتعرّف إليه بل قال له أنا أخوك بدل أخيك المفقودِ ومعنى فلا تبتئس لا تحزنْ بما كنت تلقى منهم من الحسد والأذى فقد أمِنْتَهم وروي أنه قال له فأنا لا أفارقك قال قد علمتُ باغتمام والدي بي فإذا حبستك يزداد غمُّه ولا سبيل إلى ذلك إلا أن أنسُبَك إلى ما لا يجمُل قال لا أبالي فافعل ما بدا لك قال أدُسّ صاعي في رَحْلك ثم أنادي عليك بأنك سرقتَه ليتهيّأ لي ردُّك بعد تسريحِك معهم قال افعلْ
стр. 2804
﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السقاية﴾ أي المشرَبةَ قيل كانت مشربة جعلت صاعاً يكال به وقيل كانت تسقى بها الدوابُّ ويكال بها الحبوب وكانت من فضة وقيل من ذهب وقيل من فضة مموّهة بالذهب وقيل كانت إناءً مستطيلة تشبه المكّوك الفارسيَّ الذي يلتقي طرفاه يستعمله الأعاجم وقيل كانت مرصّعة بالجواهر
﴿فِى رَحْلِ أَخِيهِ﴾ بنيامين وقرىء وجعل على حذف جواب لما تقديره أمهلهم حتى انطلقوا ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذّنٌ﴾ نادى منادٍ
﴿أَيَّتُهَا العير﴾ وهي الإبلُ التي عليها الأحمالُ لأنها تعير أي تذهب وتجيءُ وقيل هي قافلة الحمير ثم كثُر حتى قيل لكل قافلة عِيرٌ كأنها جمع عَيْر وأصلها فعل مثل سَقْف وسُقُف ففعل به ما فُعل ببِيض وغِيد والمراد أصحابُها كما في قولِه ﵇ يا خيلَ الله اركبي روي أنهم ارتحلوا وأمهلهم يوسفُ حتى انطلقوا منزلاً وقيل خرجوا من العمارة ثم أمر بهم فأُدرِكوا ونودوا
﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ هذا الخطابُ إن كان يأمر يوسف فلعله أريد بالسرقة أخذُهم له من أبيه ودخول بنيامين فيه بطريق التغليب وإلا فهو من قبل المؤذّن بناء على زعمه والأولُ هو الأظهرُ الأوفق للسياق وقرأ اليماني سارقون بلالام
стр. 2805
﴿قَالُواْ﴾ أي الإخوة
﴿وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ﴾
стр. 2806
جملةٌ حالية من ضمير قالوا جيء بها للدِّلالةِ على انزعاجهم مما سمعوه لمباينته لحالهم
﴿مَّاذَا تَفْقِدُونَ﴾ أي تعدَمون تقول فقَدت الشيء إذا عدِمته بأن ضل عنك لا بفعلك والمآل ماذا أضاع عنكم وصيغة المستقبل لاستحضار الصورة وقرىء تُفقِدون من أفقدته إذا وجدته فقيداً وعلى التقديرين فالعدولُ عما يقتضيه الظاهرُ من قولهم ماذا سُرق منكم لبيان كمال نزاهتِهم بإظهار أنه لم يُسْرق منهم شيء فضلاً أن يكونوا هم السارقين له وإنما الممكنُ أن يضيع منهم شيء فيسألونهم أنه ماذا وفيه إرشادٌ لهم إلى مراعاة حسنِ الأدب والاحتراز عن المجازفة ونسبة البُرَآء إلى ما لا خيرَ فيه لا سيما بطريق التوكيد فلذلك غيروا كلامهم حيث
стр. 2807
﴿قَالُواْ﴾ فى جوابهم
﴿نَفْقِدُ صُوَاعَ الملك﴾ ولم يقولوا سرقتموه أو سرق وقريء صاع وصوع وصوع بفتح الصاد وضمها وبإهمال العين وإعجامها من الصياغة ثم قالوا تربية لما تلقوه من قبلهم وإراءة لاعتقاد أنه إنما بقى فى رحلهم اتفاقا
﴿وَلِمَن جَآءَ بِهِ﴾ من عند نفسه مظهراً له قبل التفتيش
﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ من الطعام جعلا له لا على نية تحقيق الوعد لجزمهم بامتناع وجود الشرط وعزمهم على ما لا يَخفْى من أخذ من وجد فى رحله
﴿وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ﴾ كفيل أؤديه إليه وهو قول المؤذن
стр. 2808
﴿قَالُواْ تالله﴾ الجمهور على أن التاء بدل من الواو ولذلك لَا تدخلُ إلَاّ على الجلالة المعظمة أو الرب المضاف إلى الكعبة أو الرحمن فى قول ضعيف ولو قلت تالرحيم لم يجز وقيل من الباء وقيل أصل بنفسها وأيا ما كان ففيه تعجب
﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ﴾ علماً جازماً مطابقاً للواقع
﴿مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأرض﴾ أى لنسرق فإنه من أعظم أنواع الإفساد أو لنفسد فيها أى إفساد كان مما عز أو هان فضلا عما نسبتمونا إليه من السرقة ونفي المجيء للإفساد وإن لم يكن مستلزماً لما هو مقتضى المقام من نفى الإفساد مطلقا لكنهم جعلوا المجيء الذى يترتب عليه ذلك ولو بطريق الاتفاق مجيئاً لغرض الإفساد مفعولا لأجله ادعاء إظهار لكمال قبحه عندهم وتربية لاستحالة صدوره عنهم كما قيل في قوله تعالى ما يبدل القول لدى وَمَا أَنَاْ بظلَاّمٍ لّلْعَبِيدِ الدال بظاهره على نفي المبالغةِ في الظلم دون نفى الظلم فى الجملة الذى هو مقتضى المقام من أن المعنى إذا عذبت من لا يستحق التعذيب كنت ظلاماً مفرطاً فى الظلم فكأنهم قالوا إن صدر عنا إفساد كان مجيئنا لذلك مريدين به تقبيح حاله وإظهار كمال نزاهتهم عنه يعنون أنه قد شاع بينكم فى كرتى مجيئنا ما نحن عليه وقد كانوا على غايةِ ما يكونُ من الديانة والصيانة فيما يأتون ويذرون حتى روى أنهم دخلوا مصر وأفواه رواحلهم مكمومة لئلا تتناول زرعا أو طعاماً لأحد وكانوا مثابرين على فنون الطاعات وعلمتم بذلك أنه لا يصدر عنا إفساد
﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ أى ما كنا نوصف بالسرقة قط وإنما حكموا بعلمهم ذلك لأن العلم بأحوالهم الشاهدة يستلزم العلم بأحوالهم الغائبة وإنما لم يكتفوا بنفى الأمرين المذكورين بل استشهدوا بعلمهم بذلك إلزاماً للحجة عليهم وتحقيقاً للتعجب المفهوم من تاء القسم
стр. 2809
يوسف الآية (٧٤ ٧٦)
стр. 2810
﴿قَالُواْ﴾ أي أصحاب يوسف ﵇
﴿فَمَا جَزَاؤُهُ﴾ الضمير للصُّواع على حذفِ المضافِ أي فما جزاء سرقتِه عندكم وفي شريعتكم
﴿إِن كُنتُمْ كاذبين﴾ لا في دعوى البراءةِ عن السرقة فإنهم صادقون فيها بل فيما يستلزمه ذلك من نفي كون الصواعِ فيهم كما يؤذِن به قوله عز وجل
стр. 2811
﴿قالوا جزاؤه مَن وُجِدَ﴾ أي أخْذُ مَنْ وُجد الصواع
﴿فِى رَحْلِهِ﴾ حيث ذكر بعنوان الوُجدان في الرحل دون عنوان السرقةِ وإن كان ذلك مستلزِماً لها في اعتقادهم المبنيِّ على قواعد العادة ولذلك أجابوا بما أجابوا فإن الأخذَ والاسترقاقَ سنةً إنما هو جزاءُ السارقِ دون من وُجد في يده مالُ غيره كيفما كان فتأمل واحمِلْ كلام كل فريقٍ على ما لا يزاحِم رأيَه فإنه أقربُ إلى معنى الكيد وأبعدُ من الافتراء وقوله تعالى
﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ تقريرٌ لذلك الحكمِ أي فأخذُه جزاؤه كقولك حقُّ الضيف أن يكرم فهو حقه ويجوز أن يكون جزاؤه مبتدأً والجملة الشرطية كما هي خبرُه على إقامة الظاهر مُقامَ المضمر والأصل جزاؤُه من وجد في رحله فهو هو على أن الأول لمن والثاني للظاهر الذي وضع موضعه
﴿كذلك﴾ أي مثلَ ذلك الجزاءِ الأوفى
﴿نَجْزِى الظالمين﴾ بالسرقة تأكيدٌ للحكم المذكور غِبَّ تأكيدٍ وبيانٌ لقبح السرقة ولقد فعلوا ذلك ثقةً بكمال براءتِهم عنها وهم عما فُعل بهم غافلون
стр. 2812
﴿فَبَدَأَ﴾ يوسف بعد ما راجعوا إليه للتفتيش ﴿بِأَوْعِيَتِهِمْ﴾ بأوعية الإخوةِ العشرةِ أي بتفتيشها قَبْلَ تفتيش
﴿وِعَاء أَخِيهِ﴾ بنيامين لنفي التهمة روي أنه لما بلغت النوبةُ إلى وعائه قال ما أظن هذا أخذ شيئاً فقالوا والله لا نترُكه حتى تنظرَ في رحله فإنه أطيبُ لنفسك وأنفسنا
﴿ثُمَّ استخرجها﴾ أي السقاية أو الصُّواعَ فإنه يذكر ويؤنث
﴿مِن وِعَاء أَخِيهِ﴾ لم يقل منه على رجع الضميرِ إلى الوعاء أو من وعائه على رجعه إلى أخيه قصداً إلى زيادة كشفٍ وبيان وقرىء بضم الواو وبقلبها همزة كما في أشاح في وشاح
﴿كذلك﴾ نُصب على المصدرية والكافُ مقحمةٌ الدلالة على فخامة المشارِ إليه وكذا ما في ذلك من معنى البُعد أي مثلَ ذلك الكيدِ العجيبِ وهو عبارةٌ عن إرشاد الإخوةِ إلى الإفتاء المذكورِ بإجرائه على ألسنتهم وبحملهم عليه بواسطة المستفتين مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ فمعنى قوله
﴿كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ صنعنا له ودبّرنا لأجل تحصيل غرضِه من المقدمات التي رتبها من دس الصُواعِ وما يتلوه فاللام ليست كما في قوله فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا فإنها داخلة على المتضرِّر على ما هو الاستعمالُ الشائع وقولُه تعالى
﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ الملك﴾ استئنافٌ وتعليلٌ لذلك الكيدِ وصُنعه لا تفسيرٌ وبيانٌ له كما قيل كأنَّه قيل لماذا فعل ذلك فقيل لأنه لم يكن ليأخذ أخاه بما فعله في دين الملِكِ في أمر السارق أي في سلطانه قاله ابن عباس
стр. 2813
أو في حكمه وقضائِه قاله قتادة إلا به لأن جزاءَ السارقِ في دينه إنما كان ضربَه وتغريمَه ضعفَ ما أخذ دون الاسترقاق والاستعباد كما هو شريعةُ يعقوبَ ﵇ فلم يكن يتمكن بما صنعه من أخذ أخيه بالسرقة التي نسبها إليه في حالٍ من الأحوالِ
﴿إلا أن يشاء الله﴾ أي إلا حالَ مشيئتِه التي هي عبارةٌ عن إرادته لذلك الكيدِ أو إلا حالَ مشيئتِه للأخذ بذلك الوجهِ ويجوز أن يكون الكيدُ عبارةً عنه وعن مباديه المؤدِّية إليه جميعاً من إرشاد يوسفَ وقومِه إلى ما صدرَ عنهُم من الأفعال والأقوالِ حسبما شرح مرتباً لكن لا على أن يكون القصرُ المستفادُ من تقديمِ المجرورِ مأخوذاً بالنسبة إلى غيره مطلقاً على معنى مثلَ ذلك الكيدِ كدنا لا كيداً آخرَ إذ لا معنى لتعليله بعجز يوسفَ عن أخذ أخيه في دين الملك في شأن السارق قطعا إذا لا علاقة بين مطلقِ الكيد ودينِ الملك في أمر السارق أصلا بل بالنسبة إلى بعضه على معنى مثلَ ذلك الكيدِ البالغ إلى هذا الحد كدنا له ولم نكتف ببعض من ذلك لأنه لم يكن يأخذ أخاه في دين الملك به إلا حالَ مشيئتِنا له بإيجاد ما يجري مجرى الجزاء الصّوري من العلة التامة وهو إرشادُ إخوتِه إلى الإفتاء المذكور وعلى هذا ينبغي أن يحمل القصرُ في تفسير من فسر قوله تعالى كِدْنَا لِيُوسُفَ بقوله علّمناه إياه وأوحينا به إليه أي مثلَ ذلك التعليم المستتبعِ لما شرح مرتباً علّمناه دون بعض من ذلك فقط الخ وعلى كل حال فالإستثناء من أعم الأحوال كما أشير إليه ويجوزُ أنْ يكونَ مَنْ أعم العلل والأسبابِ أي لم يكن يأخذ أخاه لعلة من العلل أو بسببٍ من الأسبابِ إلا لعلة مشيئتِه تعالى أو إلا بسبب مشيئتِه تعالى وأيا ما كان فهو متصلٌ لأن أخذَ السارق إذا كان ممن يرى ذلك ويعتقده ديناً لا سيما عند رضاه وإفتائِه به ليس مخالفاً لدين الملِك وقد قيل معنى الإستثناء إلا أن يشاء الله أن يجعل ذلك الحكمَ حكمَ الملكِ وأنت تدري أن المرادَ بدينه ما عليه حينئذ فتغييرُه مُخِلٌّ بالاتصال وإرادةُ مطلقِ ما يتدين به أعمّ منه ومما يحدث تفضي إلى كون الاستثناءِ من قبيل التطبيقِ بالمحال إذ المقصودُ بيانُ عجزِ يوسفَ ﵇ عن أخذ أخيه حينئذ ولم تتعلق المشيئةُ بالجعل المذكور إذا ذاك وإرادةُ عجزِه مطلقاً تؤدي إلى خلاف المراد فإن استثناءَ حال المشيئةِ المذكورة من أحوال عجزه ﵇ مما يُشعر بعدم الحاجةِ إلى الكيد المذكور فتدبر وقد جُوّز الانقطَاعُ أي لكنْ أخذُه بمشيئة الله تعالى وإذنِه في دين غيرِ دينِ الملك
﴿نَرْفَعُ درجات﴾ أي رتباً كثيرةً عاليةً من العلم وانتصابُها على المصدرية أو الظرفية أو على نزع الخافض أي إلى درجات والمفعول قوله تعالى
﴿مَّن نَّشَاء﴾ أي نشاء رفعه حسبما تقتضيه الحكمة وتستدعيه المصلحةُ كما رفعنا يوسف وإيثارُ صيغةَ الاستقبالِ للإشعارِ بأن ذلك سنةٌ مستمرةٌ غيرُ مختصةٍ بهذه المادة والجملةُ مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب
﴿وفوقَ كلَّ ذي علمٍ﴾ من أولئك المرفوعين
﴿عليم﴾ لا ينالون شأوه واعمل أنه إن جعل الكيدُ عبارةً عن المعنيَيْن الأولين فالمرادُ برفع يوسفَ ﵇ ما اعتُبر فيه بالشرطية أو الشطرية من إرشاده ﵇ إلى دس الصّواع في رحل أخيه وما يتفرَّع عليه من المقدمات المرتبة لاستبقاء أخيه مما يتم من قِبَله والمعنى أرشدنا إخوته إلى الإفتاء المذكور لأنه لم يكن متمكناً من أخذ أخيه بدونه أو أرشدنا كلاًّ منهم ومِنْ يوسف وأصحابه إلى ما صدر عنهم ولم نكتف بما تم من قِبل يوسف فقط لأنه لم يكن متمكناً من أخذ أخيه بذلك فقوله تعالى نرفع درجات إلى
стр. 2814
يوسف الآية (٧٧) قوله تعالى عَلِيمٌ توضيحٌ لذلك على معنى أن الرفع المذكورَ لا يوجب تمامَ مرامِه إذ ليس ذلك بحيث لَا يعزُب عنْ علمِه شيءٌ بل إنما نرفع كلَّ من نرفع حسب استعدادِه وفوق كلِّ واحدٍ منهم عليمٌ لا يقادر قدر علمُه ولا يكتنه كنهُه يرفع كلا منهم إلى ما يليقُ به من معارج العلمِ ومدارجِه وقد رَفع يوسفَ إلى ما يليقُ به من الدرجات العاليةِ وعلم أن ما حواه دائرةُ علمِه لا يفي بمرامه فأرشد إخوتَه إلى الإفتاء المذكورِ فكان ما كان وكأنه ﵇ لم يكُنْ على يقين من صدور الإفتاء المذكورِ عن إخوته وإن كان على طمع منه فإن ذلك إلى الله وجوداً وعلماً والتعرضُ لوصف العلم لتعيين جهةِ الفوقية وفي صيغة المبالغةِ مع التنكير والالتفاتِ إلى الغَيبة من الدلالة على فخامة شأنِه عز وعلا وجلالةِ مقدارِ علمِه المحيطِ ما لا يخفى وإما إن جُعل عبارةً عن التعليم المستتبعِ للإفتاء المذكور فالرفعُ عبارةٌ عن ذلك التعليم والإفتاءِ وإن لم يكن داخلاً تحت قدرتِه ﵇ لكنه كان داخلاً تحت عمله بواسطة الوحي والتعليم والمعنى مثلَ ذلك التعليم البالغِ إلى هذا الحد علّمناه ولم نقتصر على تعليمِ ما عدا الإفتاءَ الذي سيصدر عن إخوته إذ لم يكن متمكناً من أخذ أخيه إلا بذلك فقوله نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء توضيحٌ لقوله كدنا وبيانٌ لأن ذلك من باب الرفعِ إلى الدرجات العاليةِ من العلم ومدحٌ ليوسف برفعه إليها وقوله وفوقَ كلَّ ذي علمٍ عليمٌ تذييلٌ له أي نرفع درجاتٍ عاليةً من العلم من نشاء رفعَه وفوق كلَ منهم عليمٌ هو أعلى درجةً قال ابن عباس ﵄ فوق كلِّ عالمٍ عالمٌ إلى أن ينتهيَ العلمِ إلى الله تعالى والمعنى إن إخوة يوسف ﵇ كانوا علماءَ إلا أن يوسفَ ﵇ أفضلُ منهم وقرىء درجاتِ مَنْ نشاء بالإضافة والأولُ أنسبُ بالتذييل حيث نُسب فيه الرفعُ إلى من نسب إليه الفوقية لا إلى درجتِه ويجوز أن يكون العليمُ في هذا التفسير أيضاً عبارةً عن الله أي وفوق كلَ من أولئك المرفوعين عليمٌ يرفع كلاًّ منهم إلى درجته اللائقةِ به والله تعالى أعلم
стр. 2815
﴿قَالُواْ إِن يَسْرِقْ﴾ يعنون بنيامين
﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ يريدون به يوسفَ ﵇ وما جرى عليه من جهة عمّتِه على ما قيلَ من أنها كانت تحضِنه فلما شب أراد يعقوبُ ﵇ انتزاعَه منها وكانت لا تصبِر عنه ساعةً وكانت لها منطقةٌ ورثتها من أبيها إسحق ﵇ فاحتالت لاستبقاء يوسفَ ﵇ فعمَدت إلى المنطة فحزمَتْها عليه من تحت ثيابه ثم قالت فقدتُ منطة إسحاقَ ﵇ فانظروا مَنْ أخذها فوجدوها محزومةً على يوسف فقالت إنه لي سَلَم أفعل به ما أشاء فخلاّه يعقوبُ ﵇ عندها حتى ماتت وقيل كان أخذ في صِباه صنماً لأبي أمِّه فكسره وألقاه في الجيف وقيل دخل كنيسة فأخذ تمثالاً صغيراً من ذهب كانوا يعبُدونه فدفنه
﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ﴾ أي أكنّ الحزازةَ الحاصلة مما قالوا
﴿فِى نَفْسِهِ﴾ لا أنه أسرّها لبعض أصحابه كما في قوله تعالى وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً
﴿وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ لا قولاً ولا فعلاً صفحاً عنهم وحِلماً وهو تأكيد لما سبق
﴿قَالَ﴾ أي في نفسه وهو استئناف
стр. 2816
يوسف الآية (٧٨ ٧٩ ٨٠) مبني على سؤال نشأ من الإخبار بالإسرار المذكور كأنَّه قيلَ فماذَا قالَ في نفسه في تضاعيف ذلك الإسرارِ فقيل قال
﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً﴾ أي منزلةً حيث سرقتم أخاكم من أبيكم ثم طفِقتم تفترون على البريء وقيل بدل من أسرها والضمير للمقالة المفسرة بقوله أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً
﴿والله أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ﴾ أي عالمٌ علماً بالغاً إلى أقصى المراتب بأن الأمرَ ليس كما تصفون من صدور السرقةِ منا بل إنما هو افتراءٌ علينا فالصيغةُ لمجرد المبالغة لا لتفضيل علمه على علمهم كيف لا وليس لهم بذلك من علم
стр. 2817
﴿قَالُواْ﴾ عندما شاهدوا مخايلَ أخذ بنيامين مستطفين
﴿يا أيها العزيز إِنَّ لَهُ أَبًا﴾ لم يريدوا بذلك الإخبارَ بأن له أبا فإن ذلك معلومٌ مما سبق وإنما أرادوا الإخبار بأن له أباً
﴿شَيْخًا كَبِيرًا﴾ في السن لا يكاد يستطيع فراقَه وهو عَلالةٌ به يتعلل عن شقيقه الهالك
﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ فلسنا عنده بمنزلته من المحبة والشفقة
﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين﴾ إلينا فأتمم إحسانَك بهذه التتمة أو المتعوّدين بالإحسان فلا تغيّر عادتك
стр. 2818
﴿قَالَ مَعَاذَ الله﴾ أي نعوذ بالله معاذاً من
﴿أَن نَّأْخُذَ﴾ فحُذف الفعلُ وأُقيم مُقامَه المصدرُ مضافاً إلى المفعول به بعد حذفِ الجارِّ
﴿إِلَاّ مَن وَجَدْنَا متاعنا عِندَهُ﴾ لأن أخْذنا له إنما هو بقضية فتواكم فليس لنا الإخلالُ بموجبها وإيثارُ صيغة التكلم مع الغير مع كون الخطابِ من جانب إخوتِه على التوحيد من باب السلوكِ إلى سنن الملوك أو للإشعار بأن الأخذَ والإعطاءَ ليس مما يُستبدّ به بل هو منوطٌ بآراء أولي الحلِّ والعقد وإيثارُ مَنْ وجدنا متاعنا عنده دون سرق متاعنا لتحقيق الحقِّ والاحتراز عن الكذب في الكلام مع تمام المرام فإنهم لا يحمِلون وُجدان الصُّواعِ في الرحل على محمل غيرِ السرقة
﴿إِنَّا إِذَاً﴾ أي إذا أخذنا غيرَ من وجدنا متاعنا عنده ولو برضاه
﴿لظالمون﴾ في مذهبكم وما لنا ذلك وهذا المعنى هو الذي أريد بالكلام في أثناء الحوارِ وله معنى باطنٌ هو أن الله إنما أمرني بالوحي أن آخذَ بنيامينَ لمصالحَ علمها الله في ذلك فلو أخذتُ غيرَه كنت ظالماً وعاملاً بخلاف الوحي
стр. 2819
﴿فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ﴾ أي يئسوا من يوسف وإجباته لهم أشدَّ يأس بدِلالة صيغة الاستفعال وإنما حصَلت لهم هذه المرتبةُ من اليأس لِما شاهدوه من عَوْذه بالله مما طلبوه الدالِّ على كون ذلك عنده في أقصى مراتب الكراهةِ وأنه مما يجب أن يُحترز عنه ويُعاذَ منه بالله ومن تسميته ظلماً بقوله إِنَّا إِذًا لظالمون
﴿خَلَصُواْ﴾ اعتزلوا وانفردوا عن الناس
﴿نَجِيّاً﴾ أي ذوي نجوى على أن يكون بمعنى النجوى والتناجي أو فوجاً نجياً على أن يكون بمعنى المناجي كالشعير والسمير بمعنى المعاشر والمسامر
стр. 2820
يوسف الآية (٨١) ومنه قوله تعالى وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً ويجوز أن يقال هم نَجيٌّ كما يقال هم صديق لأنه بزنة المصادر من الزفير والزئير
﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ في السن وهو روبيلُ أو في العقل وهو يهوذا أو رئيسهم شمعون
﴿أَلَمْ تَعْلَمُواْ﴾ كأنهم أجمعوا عند التناجي على الانقلاب جملةً ولم يرضَ به فقال منكِراً عليهم ألم تعلموا
﴿أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقًا مّنَ الله﴾ عهداً يوثق به وهو حِلفُهم بالله تعالى وكونُه من الله لإذنه فيه وكونِ الحلف باسمه الكريم
﴿وَمِن قَبْلُ﴾ أي ومن قبل هذا
﴿مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ﴾ قصرتم في شأنه ولم تحفظوا عهدَ أبيكم وقد قلتم وإنا له لناصحون وإنا له لحافظون وما مزيدةٌ أو مصدرية ومحلُّ المصدر النصبُ عطفاً على مفعول تعلموا أي ألم تعلموا أخذَ أبيكم عليكم موثقاً وتفريطَكم السابقَ في شأن يوسف ﵇ ولا ضير في الفصل بين العاطفِ والمعطوفِ بالظرف وقد جوّز النصبُ عطفاً على اسمِ إنَّ والخبر في يوسف أو من قبل على معنى ألم تعلموا أن تفريطَكم السابق وقع في شأن يوسفَ ﵇ أو أن تفريطَكم الكائنَ أو كائناً في شأن يوسف ﵇ وقع من قبل وفيه أن مقتضى المقام إنما هو الإخبارُ بوقوع ذلك التفريطِ لا بكون تفريطِهم السابقِ واقعاً في شأن يوسف كما هو مفادُ الأول ولا بكون تفريطِهم الكائنِ في شأنه واقعاً من قبل كما هو مفادُ الثاني على أن الظرفَ المقطوعَ عن الإضافة لا يقع خبراً ولا صفة ولا صلة ولا حالاً عند البعض كما تقرر في موضعه وقيل محلُّه الرفعُ على الابتداءِ والخبرُ من قبلُ وفيه ما فيه وقيل ما موصولةٌ أو موصوفة ومحلها النصبُ عطفاً على مفعول تعلموا أي ما فرطتموه بمعنى قدمتموه في حقه من الخيانة وأما النصبُ عطفاً على اسمِ إنَّ والرفع على الابتداء فقد عرفتَ حاله
﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الارض﴾ متفرِّعٌ على ما ذكَره وذكره إياهم من ميثاق أبيه وقوله لَتَأْتُنَّنِى بِهِ إِلَاّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ أي فلن أفارق أرضَ مصرَ جارياً على قضية الميثاق
﴿حتى يَأْذَنَ لِى أَبِى﴾ في البَراح بالانصراف إليه وكأن أيمانَهم كانت معقودةً على عدم الرجوعِ بغير إذن يعقوبَ ﵇
﴿أَوْ يَحْكُمَ الله لِى﴾ بالخروج منها على وجه لا يؤدّي إلى نقض الميثاقِ أو بخلاص أخي بسبب من الأسباب روي أنهم كلموا العزيز في إطلاقه فقال روبيلُ أيها الملك لترُدَّن إلينا أخانا أو لأصِيحن صَيْحةً لا تبقى بمصرَ حاملٌ إلا ألقت ولدها ووقفت كل شعرة في جسده فخرجت من ثيابه وكان بنو يعقوب إذا غضِبوا لا يطاقون خلا أنه إذا مس مَنْ غضب واحدٌ منهم سكن غضبُه فقال يوسف لابنه قم إلى جنبه فَمُسّه فَمَسَّه فقال روبيل مَنْ هذا إن في هذا البلد بَذْراً من بَذر يعقوب
﴿وهو خير الحاكمين﴾ إذا لَا يحكُم إلا بالحقِّ والعدل
стр. 2821
﴿ارجعوا﴾ أنتم
﴿إلى أَبِيكُمْ فقولوا يا أبانا إِنَّ ابنك سَرَقَ﴾ على ظاهر الحالِ وقرىء سُرق أي نسب إلى السرقة
﴿وَمَا شَهِدْنَا﴾ عليه
﴿إِلَاّ بِمَا عَلِمْنَا﴾ وشاهدنا أن الصُواعَ استُخرجت من وعائه
﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ﴾ أي باطن الحال
﴿حافظين﴾ فما ندري أن حقيقةَ الأمرِ كما شاهدنا أم بخلافه أو وما كنا عالمين حين أعطيناك المَوْثِقَ أنه سيسرق أو أنا
стр. 2822
يوسف الآية (٨٢ ٨٤) نلاقيَ هذا الأمر أو أنك تصاب به كما أصبت بيوسف
стр. 2823
﴿واسأل القرية التى كُنَّا فِيهَا﴾ أي مصرَ أو قريةً بقربها لحِقهم المنادي عندها أي أرسلْ إلى أهلها واسألهم عن القصة
﴿والعير التى أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ أي أصحابَها فإن القصة معروفةٌ فيما بينهم وكانوا قوماً من كنعان من جيران يعقوبَ ﵇ وقيل من صنعاء
﴿وِإِنَّا لصادقون﴾ تأكيدٌ في محل القسم
стр. 2824
﴿قَالَ﴾ أي يعقوبُ ﵇ وهو استئنافٌ مبني على سؤال نشأ مما سبق فكأنه قيل فماذا كان عند قولِ المتوقّف لإخوته ما قال فقيل قال يعقوبُ عندما رجَعوا إليه فقالوا له ما قالوا وإنما حُذف للإيذان بأن مسارعتَهم إلى قبوله ورجوعَهم به إلى أبيهم أمرٌ مسلَّم غنيٌّ عن البيان وإنما المحتاجُ إليه جوابُ أبيهم
﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾ أي زيّنت وسهّلت وهو إضرابٌ لا عن صريح كلامهم فإنهم صادقون في ذلك بل عما يقتضيه من ادعاء البراءة عن التسبب فيما نزل به وأنه لم يصدرُ عنهم ما يؤدي إلى ذلك من قولٍ أو فعلٍ كأنه قيل لم يكُنِ الأمرُ كذلكَ بل زينت
﴿لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ من الأمور فأتيتموه يريد بذلك فُتياهم بأخذ السارق بسرقته
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أي فأمري صبر جميل أو فصبر جميل أجملُ
﴿عَسَى الله أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا﴾ بيوسف وأخيه والمتوقِّف بمصر
﴿إِنَّهُ هُوَ العليم﴾ بحالي وحالهم
﴿الحكيم﴾ الذي لم يبتلِني إلا لحكمة بالغة
стр. 2825
﴿وتولى﴾ أي أعرض
﴿عَنْهُمْ﴾ كراهةً لما سمع منهم
﴿وقال يا أسفى على يُوسُفَ﴾ الأسفُ أشدُّ الحزن والحسرةُ أضافه إلى نفسه والألفُ بدلٌ من الياء فناداه أي يا أسفي تعالى فهذا أوانك وإنما أسف على يوسف مع أن الحادثَ مصيبةٌ أخويه لأن رُزْأَه كان قاعدةَ الأرزاءِ غضاً عنده وإن تقادم عهده آخذاً بمجامع قلبه لا ينساه ولأنه كان واثقاً بحياتهما عالماً بمكانهما طامعاً في إيابهما وأما يوسفُ فلم يكن في شأنه ما يحرك سلسلةَ رجائِه سوى رحمةِ الله تعالى وفضلِه وفي الخبر لم تُعطَ أمةٌ من الأمم إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون إلا أمةُ محمدٍ ﷺ ألا يُرى إلى يعقوبَ حين أصابه ما أصابه لم يسترجِعْ بل قال ما قال والتجانسُ بين لفظي الأسَف ويوسف مما يزيد النظمَ الكريم بهجةً كما في قوله وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وقوله اثاقلتم إِلَى الارض أَرَضِيتُم وقوله ثُمَّ كُلِى مِن كُلّ الثمرات وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ونظائرها
﴿وابيضت عَيْنَاهُ مِنَ الحزن﴾ الموجبِ للبكاء فإن العَبْرة إذا كثُرت محقَت سوادَ العين وقلبتْه إلى بياض كدِر قيل قد عميَ بصرُه وقيل كان يدرك إدراكاً ضعيفاً روي أنه ما جفّت عينا يعقوبَ من يوم فراقِ يوسفَ إلى حين لقائه ثمانين عاماً وما على وجه الأرض أكرمُ على الله من يعقوبَ ﵇ وعن رسول الله ﷺ أنه سأل جبريلَ ﵇ ما بلغ من وجد يعقوبَ عليه السلام
стр. 2826
يوسف الآية (٨٥ ٨٧) على يوسف قال وجْدَ سبعين ثكلى قال فَمَا كَانَ لَهُ مِن الأجر قال أجرُ مائةِ شهيد وما ساء ظنُّه بالله ساعةً قط وفيه دليلٌ على جواز التأسف والبكاءِ عند النوائبِ فإن الكفَّ عن ذلك مما لا يدخل تحت التكليف فإنه قل من يملك نفسه عند الشدائد ولقد بكى رسول الله ﷺ على ولده آبراهيمَ وقال القلبُ يحزن والعين تدمَع ولا نقول ما يُسخِط الربَّ وإنا عليك يا إبراهيمُ لمحزونون وإنما الذي لا يجوز ما يفعله الجهلةُ من الصياح والنياحة ولطْمِ الخدودِ والصدور وشقِّ الجيوبِ وتمزيقِ الثياب وعن النبيِّ ﷺ أنه بكى على ولد بعضِ بناتِه وهو يجود بنفسه فقيل يا رسول الله تبكي وقد نَهَيتنا عن البكاء فقال ما نهيتهم عن البكاء وإنما نهيتُكم عن صورتين أحمقين صوتٍ عند الفرَح وصوت عند الترَح
﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ مملوءٌ من الغيظ على أولاده مُمسِكٌ له في قلبه لا يُظهره فعيل بمعنى مفعول بدليل قوله تعالى وَهُوَ مَكْظُومٌ من كظمَ السِّقاءَ إذا شده على ملئه أو بمعنى فاعل كقوله والكاظمين الغيظ من كظم الغيظَ إذا اجترعه وأصله كظم البعيرُ جِرَّتَه إذا ردها في جوفه
стр. 2827
﴿قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ﴾ أي لا تفتأ ولا تزال
﴿تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ تفجّعاً عليه فحذف حرف النفي كما في قوله ... فَقُلْتُ يَمينُ الله أَبْرَحُ قَاعِداً ...
لعدم الالتباس بالإثبات فإن القسمَ إذا لم يكن معه علامةُ الإثبات يكون على النفي البتةَ
﴿حتى تَكُونَ حَرَضاً﴾ مريضاً مُشْفياً على الهلاك وقيل الحَرضُ مَنْ أذابه هم أو مرض وهو في الأصل مصدرٌ ولذلك لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع والنعت منه بالكسر كدنِف وقد قرىء به وبضمتين كجُنُب وغَرِب
﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الهالكين﴾ أي الميتين
стр. 2828
﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى﴾ البثّ أصعبُ الهم الذي لا يصبر عليه صاحبُه فيبثّه إلى الناس أي ينشره فكأنهم قالوا له ما قالوا بطريق التسلية والإشكاءِ فقال لهم إني لا أشكو ما بي إليكم أو إلى غيركم حتى تتصدّوا لتسليتي وإنما أشكو همي
﴿وَحُزْنِى إِلَى الله﴾ تعالى ملتجئاً إلى جنابه متضرِّعاً لدى بابه في دفعه وقري بفتحتين وضمتين
﴿وَأَعْلَمُ مِنَ الله ما لا تعلمون﴾ من لطفه ورحمته فأرجو أن يرحمني ويلطُفَ بي ولا يُخيِّب رجائي أو أعلمَ وحياً أو إلهاماً من جهته ما لا تعلمون من حياة يوسف قيل رأى ملكَ الموتِ في المنام فسأله عنه فقال هو حي وقيل علم من رؤيا يوسف ﵇ أنه سيخرّ له أبواه وإخوتُه سجّداً
стр. 2829
﴿يا بني اذهبوا فَتَحَسَّسُواْ﴾ أي تعرّفوا وهو تفعُّلٌ من الحَسّ وقرىء بالجيم من الجسّ وهو الطلب أي تطلبوا
﴿مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ أي من خبرهما ولم يذكر الثالثِ لأن غَيبته اختياريةٌ لا يعسُر إزالتها
﴿وَلَا تيأسوا من رَوْح الله﴾ لا تقنَطوا من فرجه وتنفيسه وقرىء بضم الراء أي من رحمته التي يُحيي بها العبادَ وهذا إرشادٌ لهم إلى بعض ما أُبهم في قولِه وأعلم من الله ما لا
стр. 2830
يوسف آية (٨٨ ٨٩) تَعْلَمُونَ ثم حذرهم عن ترك العمل بموجب نهيه بقوله
﴿إنه لا ييأس مِن رَّوْحِ الله إِلَاّ القوم الكافرون﴾ لعدم علمِهم بالله تعالى وصفاتِه فإن العارفَ لا يقنط في حالٍ من الأحوالِ
стр. 2831
﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ﴾ أي على يوسف بعد ما رجعوا إلى مصر بموجب أمرِ أبيهم وإنما لم يُذكر ذلك إيذاناً بمسارعتهم ألى مَا أُمروا بهِ وإشعاراً بأن ذلك أمرٌ محققٌ لا يفتقر إلى الذكر والبيان
﴿قالوا يا أيها العزيز﴾ أي الملكُ القادرُ المتمنع
﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضر﴾ الهُزالُ من شدة الجوع
﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ﴾ مدفوعةٍ يدفعها كلُّ تاجر رغبةً عنها واحتقاراً لها من أزجَيتُه إذا دفعتُه وطردتُه والريحُ تزجي السحابَ قيل كانت بضاعتُهم من متاع الأعراب صوفاً وسمناً وقيل الصنوبرَ وحبةَ الخضراء وقيل سُويقُ المُقْل والأقِطُ وقيل دراهمَ زيوفاً لا تؤخذ إلا بوضيعة وإنما قدّموا ذلك ليكون ذريعةً إلى إسعاف مرامهم ببعث الشفقةِ وهز العطفُ والرأفة وتحريكُ سلسلة المرحمة ثم قالوا ﴿فَأَوْفِ لَنَا الكيل﴾ أي أتممْه لنا ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ بردّ أخينا إلينا قاله الضحاك وابن جريج وهو الأنسبُ بحالهم نظراً إلى أمر أبيهم أو بالإيفاء أو بالمسامحة وقَبول المُزجاة أو بالزيادة على ما يساويها تفضلاً وإنما سمَّوه تصدقاً تواضعاً أو أرادوا التصدقَ فوق ما يعطيهم بالثمن بناء على اختصاص حُرمة الصدقة بنبينا ﷺ وإنما لم يبدءوا بما أُمروا به استجلاباً للرأفة والشفقة ليبعثوا بما قدّموا من رقة الحالِ رقةَ القلب والحنُوَّ على أن ما ساقوه كلامٌ ذو وجهين فإن قولهم وتصدّق علينا
﴿إِنَّ الله يَجْزِى المتصدقين﴾ يحتمل الحملَ على المحملين فلعله ﵇ حمله على المحمل الأول ولذلك
стр. 2832
﴿قَالَ﴾ مجيباً عما عرّضوا به وضمّنوه كلامَهم من طلب ردِّ أخيهم
﴿هَلْ علمتم ما فعلتم بيوسف وَأَخِيهِ﴾ وكان الظاهرُ أن يتعرضَ لما فعلوا بأخيه فقط وإنما تعرض لما فعلوا بيوسف لاشتراكهما في قوع الفعلِ عليهما فإن المراد بذلك إفرادُهم له عن يوسف وإذلالُه بذلك حتى كان لا يستطيع أن يكلمهم إلا بعجز وذِلةٍ أي هل تُبتم عن ذلك بعد علمِكم بقبحه فهو سؤالٌ عن الملزوم والمرادُ لازمُه
﴿إِذْ أَنتُمْ جاهلون﴾ بقبحه فلذلك أقدمتم على ذلك أو جاهلون عاقبتَه وإنما قاله نصحاً لهم وتحريضاً على التوبة وشفقةً عليهم لمّا رأى عجزَهم وتمسكنَهم لا معاتبةً وتثريباً ويجوز أن يكون هذا الكلام منه ﵇ منقطعاً عن كلامهم وتنبيهاً لهم على ما هو حقُّهم ووظيفتهم من الإعراض عن جميع المطالب والتمحضِ في طلب بنيامين بل يجوز أن يقف ﵇ بطريق الوحي أو الإلهام على وصية أبيه وإرسالِه إياهم للتحسس منه ومن أخيه فلما رآهم قد اشتغلوا عن ذلك قال ما قال وقيل أعطَوه كتابَ يعقوبَ ﵇ وقد كتب فيه كتابٌ من يعقوبَ إسرائيلَ اللَّهِ ابنِ إسحق ذبيحِ الله بن إبراهيمَ خليل الله إلى عزيز مصرَ أما بعد فإنا أهلُ بيتٍ موكلٍ بنا البلاءُ أما جدّي فشُدت يده ورجلاه فرُمي به في النار فنجّاه الله تعالى وجعلت له برداً وسلاماً وأما أبي فوضع السكين
стр. 2833
يوسف آية (٩٠ ٩١ ٩٢) على قفاه ليُقتل ففداه الله تعالى وأما أنا فكان لي ابنٌ وكان أحبَّ أولادي إلىّ فذهب به إخوتُه إلى البرية ثم أتَوْني بقميصه ملطخاً بالدم فقالوا قد أكله الذئبُ فذهبت عيناي من بكائي عليه ثم كان لي ابنٌ وكان أخاه من أمه وكنت أتسلى به فذهبوا به ثم رجعوا وقالوا إنه سرَق وأنك حبستَه وإنا أهلُ بيت لا نسرِق ولا نلد سارقاً فإن رددتَه عليَّ وإلا دعوتُ عليك دعوةً تُدرك السابعَ من ولدَك والسلام فلما قرأه لم يتمالكْ وعيل صبرُه فقال لهم ما قال وقيل لما قرأه بكى وكتب الجواب اصبِر كما صبروا تظفرْ كما ظفِروا
стр. 2834
﴿قالوا أئنك لأَنتَ يُوسُفُ﴾ استفهامُ تقريرٍ ولذلك أكدوه بأن واللام قالوه استغراباً وتعجباً وقرىء إنك بالإيجاب قيل عرفوه بروائه وشمائله حين كلمهم به وقيل تبسم فعرفوه بثناياه وقيل رفع التاجَ عن رأسه فرأوا علامةً بقَرنه تشبه الشامة البيضاء وكان لسارةَ ويعقوبَ مثلُها وقرىء أئنك أو أنت يوسف على معنى أئنك يوسف أو أنت يوسف فحُذف الأولُ لدِلالة الثاني عليه وفيه زيادةُ استغراب
﴿قَالَ أَنَاْ يوسف﴾ جوابا عن مسئلتهم وقد زاد عليه قوله
﴿وهذا أَخِى﴾ أي من أبويّ مبالغةً في تعريف نفسه وتفخيماً لشأن أخيه وتكملةً لما أفاده قوله هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه حسبما يفيده قولُه
﴿قَدْ مَنَّ الله عَلَيْنَا﴾ فكأنه قال هل علمتم ما فعلتم بنا من التفريق والإذلالِ فأنا يوسفُ وهذا أخي قد منّ الله علينا بالخلاص عما ابتُلينا به والاجتماعِ بعد الفُرقةِ والعزة بعد الذِلة والأُنس بعد الوحشة ولا يبعُد أنْ يكونَ فيه إشارةٌ إلى الجواب عن طلبهم لرد بنيامين بأنه أخي لا أخوكم فلا وجهَ لطلبكم ثم علل ذلك بطريق الاستئناف التعليلي بقوله
﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ﴾ أي يفعل التقوى في جميع أحوالِه أو يقِ نفسه عما يوجب سخطَ الله تعالى وعذابه
﴿وَيِصْبِرْ﴾ على المحن أو على مشقة الطاعاتِ أو عن المعاصي التي تستلذها النفس
﴿فَإِنَّ الله لَا يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين﴾ أي أجرهم وإنما وُضع المظهرُ موضعَ المضمرِ تنبيهاً على أن المنعوتين بالتقوى والصبر موصوفون بالإحسان
стр. 2835
﴿قَالُواْ تالله لَقَدْ اثَرَكَ الله عَلَيْنَا﴾ اختارك وفضلك علينا بما ذكرت من النعوت الجليلة
﴿وَإِن كُنَّا﴾ وإن الشأن كنا
﴿لخاطئين﴾ لمتعمِّدين للذنب إذ فعلنا بك ما فعلنا ولذلك أعزك وأذلنا وفيه إشعارٌ بالتوبة والاستغفار ولذلك
стр. 2836
﴿قَالَ لَا تَثْرَيبَ﴾ أي لا عتْبَ ولا تأنيب
﴿عَلَيْكُمْ﴾ وهو تفعيل من الثرب وهو الشحمُ الغاشي للكرِش ومعناه إزالته كما أن التجليد إزالةُ الجلد والتقريعُ إزالة القرع لأنه إذا ذهب كان ذلك غايةَ الهُزال فضرب مثلاً للتقريع الذي يذهب بماء الوجوه وقوله عز وعلا
﴿اليوم﴾ منصوب بالتثريب أو بالمقدر خبرا للاأى لا أثر بكم أو لا تثريبَ مستقرٌ عليكم اليوم الذي هو مظنةٌ له فما ظنُّكم بسائر الأيام
стр. 2837
يوسف الآية (٩٣ ٩٤ ٩٥ ٩٦) أو بقوله
﴿يَغْفِرَ الله لَكُمْ﴾ لأنه حينئذ صفح عن جريمتهم وعفا عن جريرتهم بما فعلوا من التوبة
﴿وهو أرحم الراحمين﴾ يغفر الصغائرَ والكبائرَ ويتفضل على التائب بالقَبول ومن كرمه ﵊ إن إخوتَه أرسلوا إليه إنك تدعونا إلى طعامك بكرة وعشيا ونحن نستحي منك بما فرَط منا فيك فقال ﵊ إن أهلَ مصرَ وإن ملكت فيهم كانوا ينظرون إليّ بالعين الأولى ويقولون سبحان من بلّغ عبداً بيع بعشرين درهماً ما بلّغ ولقد شرُفت بكم الآن وعظُمتُ في العيون حيث علم الناسُ أنكم إخوتي وأني من حفدة إبراهيمَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ
стр. 2838
﴿اذهبوا بِقَمِيصِى هذا﴾ قيل هو الذي كان عليه حينئذ وقيل هو القميصُ المتوارَث الذي كان في التعويذ أمره جبريلُ بإرساله إليه وأوحى إليه أن فيحَ ريحِ الجنةِ لا يقع على مبتلىً إلا عُوفي
﴿فَأَلْقُوهُ على وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا﴾ يكن بصيراً أو يأت إليَّ بصيراً وينصره قوله
﴿وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي بأبي وغيره ممن ينتظمه لفظُ الأهل جميعاً من النساء والذراري قيل إنما حمل القميصَ يهوذا وقال أنا أحزنتُه بحمل القميصِ ملطخاً بالدم إليه فأُفرِحه كما أحزنته وقيل حمله وهو حافٍ حاسرٌ من مصر إلى كنعان وبينهما مسيرةُ ثمانين فرسخاً
стр. 2839
﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ العير﴾ خرجت من عريش مصر يقال فصَل من البلدِ فُصُولاً إذا انفصل منه وجاوز حيطانَه وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما انفصل العير
﴿قَالَ أَبُوهُمْ﴾ يعقوب ﵊ لمن عنده
﴿إِنّى لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ أوجده الله سبحانه ما عبق بالقميص من ريح يوسف من ثمانين فرسخاً حين أقبل به يهوذا
﴿لَوْلَا أَن تُفَنّدُونِ﴾ أي تنسُبوني إلى الفند وهو الخرفُ وإنكارُ العقل وفسادُ الرأي مِنُ هرمٍ يقال شيخٌ مفنّد ولا يقال عجوزٌ مفنّدة إذ لم تكن في شبيبتها ذاتَ رأي فتُفَنّد في كِبَرها وجواب لولا محذوف أي لصدقتموني
стр. 2840
﴿قَالُواْ﴾ أي الحاضرون عنده
﴿تالله إِنَّكَ لَفِى ضلالك القديم﴾ لفي ذهابك عن الصواب قدُماً في إفراط محبتِك ليوسف ولَهجِك بذكره ورجائِك للقائه وكان عندهم أنه قد مات
следующие страницы →