← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

﴿قَالَ لَا تَثْرَيبَ﴾ أي لا عتْبَ ولا تأنيب ﴿عَلَيْكُمْ﴾ وهو تفعيل من الثرب وهو الشحمُ الغاشي للكرِش ومعناه إزالته كما أن التجليد إزالةُ الجلد والتقريعُ إزالة القرع لأنه إذا ذهب كان ذلك غايةَ الهُزال فضرب مثلاً للتقريع الذي يذهب بماء الوجوه وقوله عز وعلا ﴿اليوم﴾ منصوب بالتثريب أو بالمقدر خبرا للاأى لا أثر بكم أو لا تثريبَ مستقرٌ عليكم اليوم الذي هو مظنةٌ له فما ظنُّكم بسائر الأيام

стр. 2837

يوسف الآية (٩٣ ٩٤ ٩٥ ٩٦) أو بقوله ﴿يَغْفِرَ الله لَكُمْ﴾ لأنه حينئذ صفح عن جريمتهم وعفا عن جريرتهم بما فعلوا من التوبة ﴿وهو أرحم الراحمين﴾ يغفر الصغائرَ والكبائرَ ويتفضل على التائب بالقَبول ومن كرمه ﵊ إن إخوتَه أرسلوا إليه إنك تدعونا إلى طعامك بكرة وعشيا ونحن نستحي منك بما فرَط منا فيك فقال ﵊ إن أهلَ مصرَ وإن ملكت فيهم كانوا ينظرون إليّ بالعين الأولى ويقولون سبحان من بلّغ عبداً بيع بعشرين درهماً ما بلّغ ولقد شرُفت بكم الآن وعظُمتُ في العيون حيث علم الناسُ أنكم إخوتي وأني من حفدة إبراهيمَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ

стр. 2838

﴿اذهبوا بِقَمِيصِى هذا﴾ قيل هو الذي كان عليه حينئذ وقيل هو القميصُ المتوارَث الذي كان في التعويذ أمره جبريلُ بإرساله إليه وأوحى إليه أن فيحَ ريحِ الجنةِ لا يقع على مبتلىً إلا عُوفي ﴿فَأَلْقُوهُ على وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا﴾ يكن بصيراً أو يأت إليَّ بصيراً وينصره قوله ﴿وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي بأبي وغيره ممن ينتظمه لفظُ الأهل جميعاً من النساء والذراري قيل إنما حمل القميصَ يهوذا وقال أنا أحزنتُه بحمل القميصِ ملطخاً بالدم إليه فأُفرِحه كما أحزنته وقيل حمله وهو حافٍ حاسرٌ من مصر إلى كنعان وبينهما مسيرةُ ثمانين فرسخاً

стр. 2839

﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ العير﴾ خرجت من عريش مصر يقال فصَل من البلدِ فُصُولاً إذا انفصل منه وجاوز حيطانَه وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما انفصل العير ﴿قَالَ أَبُوهُمْ﴾ يعقوب ﵊ لمن عنده ﴿إِنّى لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ أوجده الله سبحانه ما عبق بالقميص من ريح يوسف من ثمانين فرسخاً حين أقبل به يهوذا ﴿لَوْلَا أَن تُفَنّدُونِ﴾ أي تنسُبوني إلى الفند وهو الخرفُ وإنكارُ العقل وفسادُ الرأي مِنُ هرمٍ يقال شيخٌ مفنّد ولا يقال عجوزٌ مفنّدة إذ لم تكن في شبيبتها ذاتَ رأي فتُفَنّد في كِبَرها وجواب لولا محذوف أي لصدقتموني

стр. 2840

﴿قَالُواْ﴾ أي الحاضرون عنده ﴿تالله إِنَّكَ لَفِى ضلالك القديم﴾ لفي ذهابك عن الصواب قدُماً في إفراط محبتِك ليوسف ولَهجِك بذكره ورجائِك للقائه وكان عندهم أنه قد مات

стр. 2841

﴿فَلَمَّا أَن جَاء البشير﴾ وهو يهوذا ﴿أَلْقَاهُ﴾ أي ألقى البشيرُ القميصَ ﴿على وجهه﴾ أي وجهه يعقوب أو ألقاه يعقوبُ على وجه نفسه ﴿فارتد﴾ عاد ﴿بَصِيراً﴾ لما انتعش فيه من القوة ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ﴾ يعني قولَه إني لأجد ريحَ يوسف فالخطابُ لمن كان عنده بكنعان أو قولَه ولا تيأسوا من رَوْح الله فالخطابُ لبنيه وهو الأنسب بقوله ﴿إِنّى أَعْلَمُ من الله ما لا تعلمون﴾

стр. 2842

يوسف الآية (٩٧ ٩٨ ٩٩) فإن مدارَ النهي المذكورِ إنما هو العلمُ الذي أوتي يعقوبُ من جهة الله سبحانه وعلى هَذا يجوزُ أنْ يكون هذا مقولَ القولِ أي ألم أقل لكم حين أرسلتكم إلى مصرَ وأمرتُكم بالتحسس ونهيتُكم عن اليأس من رَوْح الله تعالى وأعلم من الله ما لا تعلمون من حياة يوسف ﵊ روي أنه سأل البشيرَ كيف يوسف فقال هو ملِكُ مصرَ قال ما أصنع بالمُلك على أي دينٍ تركتَه قال على دين الإسلام قال الآن تمت النِّعمة

стр. 2843

﴿قَالُواْ يَا أَبَانَا استغفر لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خاطئين﴾ ومن حق من اعترف بذنبه أن يُصفح عنه ويُستغفرَ له فكأنهم كانوا على ثقة من عفوه ﵊ ولذلكَ اقتصروا على استدعاء الاستغفار وأدرجوا ذلك في الاستغفار

стр. 2844

﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّى إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم﴾ وهذا مُشعرٌ بعفوه قيل أخّر الاستغفارَ إلى وقت السحر وقيل إلى ليلة الجمعة ليتحرّى به وقت الإجابة وقيل أخّره إلى أن يستحِلَّ لهم من يوسف ﵊ أو يعلم أنه قد عفا عنهم فإن عفوَ المظلوم شرطُ المغفرة ويعضُده أنه روي عنه أنه استقبل القِبلة قائماً يدعو وقام يوسفُ خلفه يؤمّن وقاموا خلفَهما أذلةً خاشعين عشرين سنة حتى بلغ جهدَهم وظنوا أنها الهلكة نزل جبريل ﵊ فقال إن الله قد أجاب دعوتَك في ولدك وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة فإن صح ثبتت نبوتُهم وإن ما صدر عنهم إنما صدر قبل الاستنباء وقيل المرادُ الاستمرارُ على الدعاء فقد روي أنه كان يستغفر كلَّ ليلةِ جمعةٍ في نيّف وعشرين سنة وقيل قام إلى الصلاة في وقت السحر فلما فرَغ رفع يديه فقال اللهم اغفِرْ لي جزَعي على يوسف وقلةَ صبري عنه واغفِر لولدي ما أتوا إلى أخيهم فأوحى الله إليه أن الله قد غفر لك ولهم أجمعين

стр. 2845

﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ﴾ روي أنه وجّه يوسفُ إلى أبيه جَهازاً ومائتي راحلةٍ ليتجهز إليه بمن معه فاستقبله يوسفُ والملكُ في أربعة آلاف من الجند والعُظماء وأهلِ مصرَ بأجمعهم فتلقوا يعقوب ﵊ وهو يمشي متوكئاً على يهوذا فنظر إلى الخيل والناس فقال يا يهوذا أهذا فرعونُ مصرَ قال لا بل ولدُك فلما لقيه قال ﵊ السلامُ عليك يا مذهبَ الأحزان وقيل قال له يوسف يا أبت بكَيتَ عليّ حتى ذهب بصرُك ألم تعلم أن القيامةَ تجمعنا فقال بلى ولكني خشِيتُ أن يسلَبَ دينُك فيُحالَ بيني وبينك وقيل إن يعقوبَ وولدَه دخلوا مصرَ وهم اثنان وسبعون ما بين رجلٍ وامرأةٍ وكانوا حين خرجوا مع موسى ستَّمائةِ ألفٍ وخمسَمائةٍ وبضعةً وسبعين رجلاً سوى الذرية والهرمى وكانت الذريةُ ألفَ ألفٍ ومائتي ألف ﴿آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ أي أباه وخالتَه وتنزيلُها منزلةَ الأمِّ كتنزيل العمِّ منزلةَ الأب في قولِه وإله آبائك إبراهيم وإسمعيل وإسحق أو لأن يعقوب ﵊ تزوّجها بعد أمّه وقال

стр. 2846

يوسف الآية (١٠٠) الحسن وابن إسحق كانت أمُّه في الحياة فلا حاجة إلى التأويل ومعنى آوى إليه ضمّهما إليه واعتناقهما وكأنه ﵊ ضَرب في الملتقى مضرباً فنزل فيه فدخلوا عليه فآواهما إليه ﴿وَقَالَ ادخلوا مِصْرَ إِن شَاء الله آمنين﴾ من الشدائد والمكاره قاطبةً والمشيئةُ متعلقةٌ بالدخول على الأمن

стр. 2847

﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ﴾ عند نزولِهم بمصر ﴿عَلَى العرش﴾ على السرير تكرِمةً لهما فوق ما فعله لإخوته ﴿وَخَرُّواْ لَهُ﴾ أي أبواه وإخوتُه ﴿سُجَّدًا﴾ تحية له فإنه كان السجودُ عندهم جارياً مجرى التحية والتكرمة كالقيامة والمصافحةِ وتقبيلِ اليد ونحوِها من عادات الناس الفاشية في التعظيم والتوقير وقيل ما كان ذلك إلا انحناءً دون تعفيرِ الجباه ويأباه الخرُورُ وقيل خروا لأجله سجداً لله شكراً ويرده قوله تعالى ﴿وَقَالَ يا أبت هذا تَأْوِيلُ رؤياى﴾ التي رأيتها وقصصتها عليك ﴿مِن قَبْلُ﴾ في زمن الصِّبا ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبّى حَقّا﴾ صدقاً واقعاً بعينه والاعتذارُ بجعل يوسف لمنزلة القِبلة وجعلِ اللامُ كما في قولِه ... أَلَيْسَ أولَ من صلَّى لقبلتكم ... يخفى وتأخيرُه عن الرفع على العرش ليس بنص في ذلك لأن الترتيبَ الذكريَّ لا يجب كونُه على وفق الترتيب الوقوعي فلعل تأخيرَه عنه ليصل به ذكرُ كونِه تعبيراً لرؤياه وما يتصل به من قوله ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بَى﴾ المشهورُ استعمالُ الإحسان بإلى وقد يستعمل بالباء أيضاً كَما في قولِه عز اسمُه وبالوالدين إحسانا وقيل هذا بتضمين لَطَف وهو الإحسانُ الخفيُّ كما يُؤذِن به قولُه تعالى إِنَّ رَبّى لَطِيفٌ لّمَا يَشَاء وفيه فائدة لا تخفى أي لطَف بي محسناً إليَّ غيرَ هذا الإحسان ﴿إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السجن﴾ بعدما ابتُليت به ولم يصرِّح بقصة الجُبّ حِذاراً من تثريب إخوتِه لأن الظاهرَ حضورُهم لوقوع الكلام عَقيب خرورهم سجّداً واكتفاءً بما يتضمنه قوله تعالى ﴿وَجَاء بِكُمْ مّنَ البدو﴾ أي البادية ﴿مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشيطان بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى﴾ أي أفسد بيننا بالإغواء وأصلُه من نخْس الرائضِ الدابةَ وحملِها على الجري يقال نزَغه ونسَغه إذا نخسَه ولقد بالغ ﵊ في الإحسان حيث أسند ذلك إلى الشيطان ﴿إِنَّ رَبّى لَطِيفٌ لّمَا يَشَاء﴾ أي لطيفُ التدبير لأجله رفيقٌ حتى يجيء على وجه الحِكمة والصواب ما من صعبٍ إلا وهو بالنسبة إلى تدبيره سهلٌ ﴿إنه هو العليم﴾ بوجوه المصالح ﴿الحكيم﴾ الذي يفعلُ كلَّ شيء على قضية الحكمة روي أن يوسف أخذ بيد يعقوبَ عليهما الصلاة والسلام فطاف به في خزائنه فأدخله في خزائن الورِقِ والذهب وخزائن الحِليّ وخزائن الثياب وخزائنِ السلاح وغيرِ ذلك فلما أدخله خزائنَ القراطيس قال يا بني ما أعقّك عندك هذه القراطيسُ وما كتبت إلي على ثماني مراحلَ قال أمرني جبريلُ قال أو ما تسأله قال أنت أبسطُ إليه مني فسأله قال جبريلُ الله تعالى أمرني بذلك لقولك أخاف أن يأكلَه الذئب قال فهلا خِفْتني ورُوي أن يعقوب ﵊ أقام معه أربعاً وعشرين سنة ثم مات وأوصى أن يدفِنه بالشام إلى جنب أبيه إسحق فمضى بنفسه ودفنه ثمةَ ثم عاد إلى مصرَ وعاش بعد

стр. 2848

يوسف الآية (١٠١ ١٠٢) أبيه ثلاثاً وعشرين سنة فلما تم أمرُه وعلِم أنه لا يدوم له تاقت نفسُه إلى المُلك الدائم الخالد فتمنى الموت فقال

стр. 2849

﴿رَبّ قَدْ اتَيْتَنِى مِنَ الملك﴾ أي بعضاً منه عظيماً وهو ملكُ مصرَ ﴿وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ الاحاديث﴾ أي بعضاً من ذلك كذلك إن أريد بتعليم تأويلِ الأحاديث تفهيمُ غوامضِ أسرار الكتب الإلهية ودقائق سَننِ الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسلام فالترتيبُ ظاهرٌ وأما إن أريد به تعليمُ تعبيرِ الرؤيا كما هو الظاهرُ فلعل تقديمَ إيتاءِ الملك عليه في الذكر لأنه بمقام تعدادِ النعم الفائضةِ عليه من الله سبحانه والمُلك أعرقُ في كونه نعمةً من التعليم المذكور وإن كان ذلك أيضاً نعمةً جليلةً في نفسه ولا يمكن تمشيةُ هذا الاعتذارِ فيما سبق لأن التعليمَ هناك واردٌ على نهج العلة الغائيةِ للتمكين فإن حُمل على معنى التمليك لزم تأخرُه عنه وأما الواقع ههنا فمجردُ التأخيرِ في الذكر والعطف بحرف الواو لا يستدعي ذلك الترتيبَ في الوجود ﴿فاطر السماوات وَالأَرْضِ﴾ مُبدعَهما وخالقَهما نُصب على أنه صفةٌ للمنادى أو منادى آخرُ وصفه تعالى به بعد وصفِه بالربوبية مبالغةً في ترتيب مبادى ما يعقبُه من قوله ﴿أَنْتَ وَلِيِّي﴾ مالكُ أموري ﴿فِى الدنيا والاخرة﴾ أو الذي يتولاني بالنعمة فيهما وإذ قد أتممتَ عليّ نعمة الدنيا ﴿تَوَفَّنِى﴾ اقبِضْني ﴿مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بالصالحين﴾ من آبائي أو بعامة الصالحين في الرتبة والكرامةِ فإنما تتم النعمةُ بذلك قيل لما دعا توفاه الله طيباً طاهراً فتخاصم أهلُ مصرَ في دفنه وتشاحّوا في ذلك حتى همّوا بالقتال فرأوا أن يصنعوا له تابوتاً من مَرمر فجعلوه فيه ودفنوه في النيل ليمُرَّ عليه ثم يصلَ إلى مصر ليكونوا شرعاً واحداً في التبرك به ووُلد له أفراييم وميشا ولأفراييم نونٌ ولنونٍ يوشع فتى موسى ﵊ ولقد توارثت الفراعنة من العمالقة بعده مصر ولم يزل بنو إسرائيلَ تحت أيديهم على بقايا دين يوسفَ وآبائِه إلى أن بعث الله تعالى موسى عليه الصلاة والسلام

стр. 2850

﴿ذلك﴾ إشارة إلى ما سبق من نبأ يوسفَ وما فيه من معنى البُعد لما مر مرارا من الدِلالة على بُعد منزلتِه أو كونه بالانقضاء في حكم البعيدِ والخطابُ للرسول ﷺ وهو مبتدأ خبره ﴿من أَنبَاء الغيب﴾ الذي لا يحومُ حولَهُ أحدٌ وقوله ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ خبرٌ بعد خبر أو حال من الضمير في الخبرِ ويجوزُ أنْ يكونَ ذلكَ اسماً موصولا ومن أنباء الغيب صلتَه ويكون الخبرُ نوحيه إليك ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ﴾ يريد إخوةَ يوسف ﵊ ﴿إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ﴾ وهو جعلهم إياه في غيابة الجب ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ به ويبغون له الغوائلَ حتى تقف على ظواهر أسرارِهم وبواطنها وتطّلع على سرائرهم طُراً وتحيط بما لديهم خُبراً وليس المرادُ مجردَ نفيَ حضورُه ﵊ في مشهد إجماعِهم ومكرِهم فقط بل في سائر المشاهدِ أيضاً وإنما تخصيصُه بالذكر لكونه مطْلعَ القصة وأخفى أحوالِها كما ينبىء عنه قوله وهم يمكرون والخطابُ وإن كان لرسول الله ﷺ لكن

стр. 2851

يوسف الآية (١٠٣ ١٠٤ ١٠٥ ١٠٦ ١٠٧) المرادُ إلزامُ المكذبين والمعنى ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك إذ لا سبيلَ إلى معرفتك إياه سوى ذلك إذ عدمُ سماعِك ذلك من الغير وعدمُ مطالعتِك للكتب أمرٌ لا يشك فيه المكذِّبون أيضاً ولم تكن بين ظَهرانِيهم عند وقوعِ الأمر حتى تعرِفه كما هو فتبلّغَه إليهم وفيه تهكم بالكفار فكأنهم يشكون في ذلك فيدفع شكهم وفيه أيضاً إيذانٌ بأنَّ ما ذُكر من النبأ هو الحقُّ المطابق للواقع وما ينقُله أهلُ الكتاب ليس على ما هو عليه يعني أن مثلَ هذا التحقيقِ بلا وحي لا يُتصوّر إلا بالحضور والمشاهدة وإذ ليس ذلك بالحضور فهو بالوحي ومثلُه قوله تعالى وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أقلامهم أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وقولُه وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربى إِذْ قَضَيْنَا إلى مُوسَى الامر

стр. 2852

﴿وَمَا أَكْثَرُ الناس﴾ يريد به العمومَ أو أهلَ مكة ﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ أي على إيمانهم وبالغت في إظهار الآياتِ القاطعةِ الدالةِ على صدقك ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ لتصميمهم على الكفر وإصرارِهم على العناد روي أن اليهود وقريشاً لما سألوا عن قصة يوسفَ وعدوا أن يُسْلموا فلما أخبرهم بها على موافقة التوراةِ فلم يسلموا حزن النبيِّ ﷺ فقيل له ذلك

стр. 2853

﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ﴾ أي على الأنباء أو القرآن ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ من جُعْل كما يفعله حَمَلةُ الأخبار ﴿إِنْ هُوَ إِلَاّ ذِكْرٌ﴾ عظةٌ من الله تعالى ﴿للعالمين﴾ كافة لا أن ذلك مختصٌّ بهم

стр. 2854

﴿وكأين من آية﴾ أي كأي عددٍ شئت من الآيات والعلاماتِ الدالةِ على وجود الصانع ووحدته وكمال علمِه وقدرتِه وحكمته غيرِ هذه الآيةِ التي جئت بها ﴿في السماوات والارض﴾ أي كائنةٍ فيهما من الأجارم الفلكية وما فيها من النجوم وتغيّر أحوالها ومن الجبال والبحار وسائرِ ما فى الأرض من العجائب الفائتةِ للحصر ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾ أي يشاهدونها ولا يعبئون بها وقرىء برفع الأرضِ على الابتداء ويمرّون خبره وقرىء بنصبها على معنى ويطئون الأرضَ يمرون عليها وفي مصحف عبد اللَّه والارض يَمْشُونَ عَلَيْهَا والمراد ما يرَون فيها من آثار الأمم الهالكةِ وغيرُ ذلك من الآيات والعبر ﴿وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ غيرُ ناظرين إليها ولا متفكّرين فيها

стр. 2855

﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بالله﴾ في إقرارهم بوجوده وخالقيته ﴿إِلَاّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ بعبادتهم لغيره أو باتخاذهم الأحبارَ والرهبان أرباب أو بقولهم باتخاذه تعالى ولداً عن ذلكَ عُلواً كبيراً أو بالنور والظلمة وهي جلمة حالية أي لا يؤمن أكثرُهم إلا في حال شركِهم قيلَ نزلتِ الآيةُ في أهل مكة وقيل في المنافقين وقيل في أهل الكتاب

стр. 2856

﴿أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مّنْ عَذَابِ الله﴾ أي عقوبة

стр. 2857

يوسف الآية (١٠٨ ١٠٩ ١١٠) تغشاهم وتشمَلُهم ﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ الساعة بَغْتَةً﴾ فجأةً من غير سابقةِ علامة ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بإتيانها غير مستعدّين لها

стр. 2858

﴿قُلْ هذه سَبِيلِى﴾ وهي الدعوةُ إلى التوحيد والإيمان والإخلاص وفسّرها بقوله ﴿أَدْعُو إلى الله على بَصِيرَةٍ﴾ بيانٍ وحجةٍ واضحةٍ غيرِ عمياءَ أو حال من الضمير في سبيلي والعاملُ فيها معنى الإشارةِ ﴿أَنَاْ﴾ تأكيدٌ للمستكن في أدعو أو على بصيرة لأنه حال منه أو مبتدأ خبرُه على بصيرة ﴿وَمَنِ اتبعنى﴾ عطف عليه ﴿وَسُبْحَانَ الله وَمَا أَنَاْ مِنَ المشركين﴾ مؤكد لما سبق من الدعوة إلى الله

стр. 2859

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَاّ رِجَالاً﴾ رد لقولِهم لَوْ شَاء الله لَانزَلَ ملائكة ﴿نُّوحِى إِلَيْهِمْ﴾ كما أوحينا إليك وقرىء بالياء ﴿مّنْ أَهْلِ القرى﴾ لأنهم أعلمُ وأحلم وأهلُ البوادي فيهم الجهلُ والجفاءُ والقسوة ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِم﴾ من المكذبين بالرسل والآياتِ فيحذَروا تكذيبك ﴿وَلَدَارُ الاخرة﴾ أي الساعةُ أو الحياة الآخرة ﴿خَيْرٌ لّلَّذِينَ اتقوا﴾ الشركَ والمعاصيَ ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ فتستعملوا عقولَكم لتعرِفوا خيريةَ دارِ الآخرة وقرىء بالياء على أنه غيرُ داخل تحت قل

стр. 2860

﴿حتى إذا استيأس الرسل﴾ غايةٌ لمحذوف دل عليه السياقُ أي لا يغُرّنهم تماديهم فيمَا هُم فيهِ من الدعة والرخاء فإن مَنْ قبلهم قد أُمهلوا حتى أيِسَ الرسل عن النصر عليهم في الدنيا أو عن إيمانهم لانهماكهم في الكفر وتماديهم في الطغيان من غير وازع ﴿وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ﴾ كذَّبتْهم أنفسُهم حين حدثتْهم بأنهم ينصرون عليه أو كذّبهم رجاؤهم فإنه يوصف بالصدق والكذب والمعنى أن مدة التكذيبِ والعداوة من الكفار وانتظارَ النصر من الله تعالى قد تطاولت وتمادت حتى استشعروا القُنوطَ وتوهّموا أن لا نصر لهم في الدنيا ﴿جَاءهُمْ نَصْرُنَا﴾ فجأة وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وظنوا أنهم قد أُخلِفوا ما وعدهم الله من النصر فإن صح ذلك عنه فلعله أراد بالظن ما يخطُر بالبال من شبه الوسوسة وحديثِ النفس وإنما عبر عنه بالظن تهويلاً للخطب وأما الظنُّ الذي هو ترجّحُ أحدِ الجانبين على الآخر فلا يُتصوّر ذلك من آحاد الأمة فما ظنُّك بالأنبياء عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ وهم هم ومنزلتُهم في معرفة شئون الله سبحانه منزلتُهم وقيل الضميران للمُرسل إليهم وقيل الأول لهم والثاني للرسل وقرىء بالتشديد أي ظن الرسلُ أن القوم كذّبوهم فيما أوعدوهم وقرىء بالتخفيف على بناء الفاعل على أن الضمير للرسل أي ظنوا أنهم كذَبوا عند قومهم فيما حدّثوا به لِما تراخى عنهم ولم يرَوا له أثراً

стр. 2861

يوسف الآية (١١١) أو على أن الأول لقومهم ﴿فَنُجّىَ مَن نَّشَاء﴾ هم الرسلُ والمؤمنون بهم وقرىء فننجّي على لفظ المستقبل بالتخفيف والتشديد وقرىء فنجا ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ القوم المجرمين﴾ إذا نزل بهم وفيه بيانٌ لمن تعلق بهم المشيئة

стр. 2862

﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ﴾ أي قَصص الأنبياء وأممِهم وينصره قراءةُ من قرأ بكسر القاف أو قصص يوسفَ وإخوتِه ﴿عِبْرَةٌ لاّوْلِى الألباب﴾ لذوِي العقولِ المبرّأةِ عن شوائب أحكام الحِس ﴿مَا كَانَ﴾ أي القرآنُ المدلولُ عليه بما سبق دَلالة واضحةً ﴿حَدِيثًا يفترى ولكن﴾ كان ﴿تَصْدِيقَ الذى بين يديهِ﴾ من الكتبِ السماوية وقرىء بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي ولكن هو تصديقُ الذي بين يديه ﴿وَتَفْصِيلَ كُلّ شَىْء﴾ مما يحتاج إليه في الدين إذ ما من أمر دينيّ إلا وهو يستند إلى القرآن بالذات أو بوسط ﴿وهدى﴾ من الضلالة ﴿وَرَحْمَةً﴾ ينال بها خيرُ الدارين ﴿لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي يصدّقونه لأنهم المنتفعون به وأما مَنْ عداهم فلا يهتدون بهداه ولا ينتفعون بجدواه عن رسول الله ﷺ علّموا أرقاءَكم سورةَ يوسف فإنه أيُّما مسلمٍ تلاها وعلَّمها أهلَه وما ملكتْ يمينَه هوّن الله عليه سكراتِ الموتِ وأعطاه القوة أن لا يحسُد مسلماً تم الجزء الرابع ويليه الجزء الخامس وأوله سورة الرعد

стр. 2863

الرعد ١ ٢ سورة الرعد مدنية وقيل مكية إلا قوله ويقول الذين كفروا الآية وآيها ثلاث وأربعون ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾

стр. 2864

﴿المر﴾ اسمٌ للسورة ومحلُّه إمَّا الرفعُ عَلَى أنه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ أي هذه السورة مسماة بهذا الاسمِ وهو أظهرُ من الرَّفع على الابتداء إذ لم يسبِق العلَم بالتسمية كما مرَّ مِراراً وقولُه تعالى ﴿تِلْكَ﴾ على الوجه الأول مبتدأٌ مستقلٌ وعلى الوجه الثاني مبتدأٌ ثانٍ أو بدلٌ من الأول أشير به إليه إيذاناً بفخامته وإما النصبُ بتقدير فعلٍ يناسب المقامَ نحوُ اقرأ أو اذكر فتلك مبتدأٌ كما إذا جعل آلمر مسروداً على نمطِ التعديدِ أو بمعنى أنا الله أعلمُ وأرى على ما رُوي عن ابن عباس ﵄ والخبر على التقادير قوله تعالى ﴿آياتِ الكتاب﴾ أي الكتابِ العجيب الكامل الغنيِّ عن الوصف به المعروفِ بذلك من بين الكتب الحقيق باختصاص اسم الكتاب به فهو عبارةٌ عن جميع القرآن أو عن الجميعِ المنزلِ حينئذ حسبما مرَّ في مطلعِ سورة يونس إذ هو المتبادرُ من مطلق الكتابِ المستغني عن النعت وبه يظهر ما أريد من وصف الآياتِ بوصف ما أضيفت إليه من نعوت الكمالِ بخلاف ما إذا جُعل عبارةً عن السورة فإنها ليست بتلك المثابة من الشهرة في الاتصاف بذلك المغنية عن التصريح بالوصف على أنَّها عبارةٌ عن جميع آياتها فلا بد من جعل تلك إشارة إلى كل واحدةٍ منها وفيه مالا يخفى من التعسف الذي مرَّ تفصيلُه في سورة يونس ﴿والذى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ﴾ أي الكتابَ المذكور بكماله لا هذه السورةُ وحدها ﴿الحق﴾ الثابتُ المطابق للواقع في كل ما نطق به الحقيقُ بأن يُخصَّ به الحقّيةُ لعراقته فيها وليس فيه ما يدل على أن ما عداه ليس بحق أصلاً على أن حقّيتَه مستتبِعةٌ لحقية سائرِ الكتبِ السماوية لكونه مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ومهيمِناً عليه وفي التعبير عنه بالموصول وإسنادِ الإنزال إليه بصيغة المبنيِّ للمفعول والتعرّضِ لوصف الربوبية مضافاً إلى ضميرِه ﵇ من الدلالة على فخامة المنزَّل التابعةِ لجلالة شأنِ المنزَّل وتشريفِ المنزَّل إليه والإيماءِ إلى وجه بناء الخبر مالا يخفى ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بذلك الحقِّ المبين لإخلالهم بالنظر والتأملِ فيه فعدمُ إيمانهم متعلقٌ بعنوان حقّيتِه لأنه المرجِعُ للتصديق والتكذيب لا بعنوان كونِه منزلاً كما قيل ولأنه واردٌ على طريقة الوصفِ دون الإخبار

стр. 2865

﴿الله الذي رفع السماوات﴾

стр. 2866

الرعد ٣ أي خلقهن مرتفعاتٍ على طريقة قولِهم سبحان من كبّر الفيل وصغّر البعوض لا أنه رفعها بعد أن لم تكن كذلك والجملةُ مبتدأ وخبرٌ كقوله وَهُوَ الذى مَدَّ الأرض ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ أي بغير دعائمَ جمع عِماد كإهاب وأَهَب وهو ما يُعمَد به أي يُسند يُقال عمَدتُ الحائطَ أي أدعمته وقرىء عُمُد على جمع عَمود بمعنى عماد كرُسُل ورسول إيراد صيغةِ الجمع لجمع السموات لا لأن المنفيَّ عن كل واحدة منها عَمدٌ لا عماد ﴿تَرَوْنَهَا﴾ استئنافٌ استُشهد به على ما ذكرَ من رفع السموات بغير عمد وقيل صفة لعَمَدٍ جيء بها إيهاماً لأن لها عمداً غيرَ مرئيةٍ هي قدرة الله تعالى ﴿ثُمَّ استوى﴾ أي استولى ﴿عَلَى العرش﴾ بالحفظ والتدبير أو استوى أمرُه وعن أصحابنا أن الاستواءَ على العرش صفةٌ لله بلا كيف وأياما كان فليس المرادُ به القصدَ إلى إيجاد العرش وخلقِه فلا حاجة إلى جعل كلمة ثُم للتَّراخي في الرُّتبةِ ﴿وَسَخَّرَ الشمس والقمر﴾ ذللهما وجعلهما طائعَين لما أريد منهما من الحركات وغيرها ﴿كُلٌّ﴾ من الشمس والقمر ﴿يَجْرِى﴾ حسبما أريد منها ﴿لاِجَلٍ مُّسَمًّى﴾ لمدة معينةٍ فيها تتم دورتُه كالسنة للشمس والشهر للقمر فان كل منهما يجري كلَّ يوم على مدار معينٍ من المدارات اليوميةِ أو لمدة ينتهي فيها حركاتُهما ويخرج جميعُ ما أريد منهما من القوةِ إلى الفعلِ أو لغاية يتم عندها ذلك والجملةُ بيانٌ لحكم تسخيرهما ﴿يُدَبّرُ﴾ بما صنع من الرَّفْع والاستواء والتسخير أي يقضي ويقدرُ حسبما تقتضيهِ الحكمةُ والمصلحة ﴿الأمر﴾ الخلق كلَّه وأمرَ ملكوتِه وربو بيته ﴿يفصل الآيات﴾ الدلالةِ عَلى كمالِ قدرتِه وبالغِ حكمتِه أي يأتي بها مفصلةً وهي ما ذُكرَ من الأفعالِ العجيبةِ وما يتلوها من الأوضاع الفلكيةِ الحادثةِ شيئاً فشيئاً المستتبعةِ للآثار الغريبة في السُّفليات على موجب التدبيرِ والتقديرِ فالجملتان إما حالان من ضمير استوى وقوله وَسَخَّرَ الشمس والقمر من تتمة الاستواءِ وإما مفسّرتان له أو الأولى حالٌ منه والثانية من الضمير فيها أو كلاهما من ضمائر الأفعالِ المذكورة وقوله كُلٌّ يَجْرِى لاِجَلٍ مُّسَمًّى من تتمة التسخيرِ أو خبران عن قوله الله خبراً بعد خبر والموصولُ صفةٌ للمبتدأ جيء به للدلالة على تحقيق الخبرِ وتعظيمِ شأنِه كما في قول الفرزدق ... إن الذي سمك السماءَ بنى لنا ... بيتاً دعائمُه أعزُّ وأطول ... ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ عند معاينتِكم لها وعثورِكم على تفاصيلها ﴿بِلِقَاء رَبّكُمْ﴾ بملاقاته للجزاء ﴿تُوقِنُونَ﴾ فإن من تدبّرها حقَّ التدبر أيقن أن من قدَر على إبداع هذه الصنائعِ البديعةِ على كل شىء قديرٌ وأن لهذه التدبيراتِ المتينة عواقبَ وغاياتٍ لا بد من وصولها وقد بُيّنتْ على ألسنة الأنبياءِ ﵈ أن ذلك ابتلاء المكلفين ثم جزاؤهم حسب أعمالِهم فإذن لا بد من الإيقان بالجزاء ولمّا قرر الشواهدَ العلوية أردفها بذكر الدلائلِ السفلية فقال

стр. 2867

(وَهُوَ الذى مَدَّ الأرض) أي بسطها طولاً وعَرضاً قال الأصم المد هو البسطُ إلى ما لا يدرك منتهاه ففيه دَلالةٌ على بعد مداها وسَعةِ أقطارها ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ﴾ أي جبالاً ثوابتَ في أحيازها من الرُّسوّ وهو ثباتُ الأجسام الثقيلة ولم يُذكر الموصوفُ لإغناء غلبة الوصفِ بها

стр. 2868

عن ذلك وانحصارُ مجيءِ فواعل جمعاً لفاعل في فوارس وهو الك ونواكسَ إنما هو في صفات العقلاءِ وأما في غيرهم فلا يراعى ذلك أصلاً كما في قوله تعالى أَيَّامًا معدودات وقوله الحج أَشْهُرٌ معلومات إلى غير ذلك فلا حاجة إلى أن يُجعل مفردُها صفةً لجمع القلة أعني أجبُلاً ويعتبر في جمع الكثرة أعني جبالاً انتظامُها لطائفة من جموع القلة وتنزيلُ كلَ منها منزلة مفردِها كما قيل على أنه لا مجال لذلك فإن جمعيةَ كلَ من صبغتي الجمعَين إنما هي باعتبار الأفرادِ التي تحتها لا باعتبار انتظام جمعِ القلةِ للأفراد وجمعِ الكثرة لجموع القلة فكل منها جمعُ جبلٍ لا أن جبالاً جمعُ أجبل كما أن طوائفَ جمعُ طائفة ولا إلى أن يُلتجأَ إلى جعل الوصفِ المذكور بالغلبة في عداد الأسماءِ التي تُجمع على فواعل كما ظن على أنه لا وجه له لما أن الغلبةَ إنما هي في الجمع دون المفردِ والتعبيرُ عن الجبال بهذا العنوانِ لبيان تفرّعِ قرارِ الأرض على ثباتها ﴿وأنهارا﴾ مجاريَ واسعةً والمرادُ ما يجري فيها من المياه وفي نظمها مع الجبال في معمولية فعلٍ واحد إشارةٌ إلى أن الجبالَ منشأٌ للأنهار وبيانٌ لفائدة أخرى للجبال غيرِ كونها حافظةً للأرض عن الاضطراب المُخِلّ بثبات الأقدام وتقلّب الحيوان متفرّعةً على تمكنه وتقلّبه وهي تعيُّشُه بالماء والكلأ ﴿وَمِن كُلّ الثمرات﴾ متعلقٌ بجعل في قوله تعالى ﴿جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثنين﴾ أي اثنينية حقيقية وهما الفردان اللذان كلٌّ منهما زوجُ الآخر وأكدبه الزوجين لئلا يُفهم أن المرادَ بذلك الشفْعان إذ يطلق الزوجُ على المجموع ولكن اثنينية ذلك اثنينيةً اعتبارية أي جعل من كل نوع من أنواع الثمرات الموجودة في الدنيا ضر بين صنفين إما في اللون كالأبيض والأسود أو في الطعم كالحُلو والحامض أو في القدر كالصغير والكبير أو في الكيفية كالحار والبارد وما أشبه ذلك ويجوز أن يتعلق بجعَلَ الأولِ ويكونَ الثاني استئنافاً لبيان كيفيةِ ذلك الجعْل ﴿يُغْشِى الليل النهار﴾ استعارةٌ تبعيةٌ تمثيليةٌ مبنيَّةٌ على تشبيه إزالةِ نورِ الجو بالظلمة بتغطية الأشياءِ الظاهرةِ بالأغطية أي يستر النهارَ بالليل والتركيب وإن احتمل العكسَ أيضاً بالحمل على تقديم المفعولِ الثاني على الأول فإن ضوء النهار أيضاً ساترٌ لظلمة الليلِ إلا أن الأنسبَ بالليل أن يكون هو الغاشي وعدُّ هذا في تضاعيف الآيات السفلية وإن كان تعلقُه بالآيات العلوية ظاهراً باعتبار أن ظهورَه في الأرض فإن الليل إنما هو ظلُّها وفيما فرق موقعِ ظلها لا ليلَ أصلاً ولأن الليل والنهار لهما تعلقٌ بالثمرات من حيث العقدُ والإنضاج على أنهما أيضاً زوجان متقابلان مثلُها وقرىء يُغشّي من التغشية ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ أي فيما ذكر من مد الأرضِ وإيتادِها بالرواسي وإجراءِ الأنهار وخلق الثمرات وإغشاءِ الليل النهارَ وفي الإشارة بذلك تنبيهٌ على عِظَمِ شأنِ المُشار إليه في بابه (لَايَاتٍ) باهرةً وهي آثارُ تلك الأفاعيل البديعة جلت حكمت صانعِها ففي على معناها فإن تلك الآثارَ مستقرةٌ في تلك الأفاعيل منوطةٌ بها ويجوز أنْ يُشار بذلكَ إلى تلك الآثار المدلولِ عليها بتلك الأفاعيل ففي تجريدية ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فإن التفكر فيها يؤدّي إلى الحكم بأن تكوين كلَ من ذلك على هذا النمط الرائِق والأسلوب اللائق لا بد له من مكوّن قادرٍ حكيم يفعل ما يشاء ويخار ما يريدُ لا معقِّبَ لحكمه وهو الحميد المجيد

стр. 2869

الرعد

стр. 2870

٤ - ﴿وَفِى الأرض قِطَعٌ﴾ جملةٌ مستأنفة مشتملةٌ على طائفة أخرى من الآيات أي بقاعٌ كثيرةٌ مختلفة في الأوصاف فمن طيِّبة إلى سَبْخة وكريمة إلى زهيدة وصُلبة إلى رِخْوة إلى غير ذلك ﴿متجاورات﴾ أي متلاصقاتٌ وفي بعض المصاحف قطعاً متجاوراتٍ أي جعل في الأرض قطعاً ﴿وجنات مّنْ أعناب﴾ أي بساتينُ كثيرة منها ﴿وَزَرْعٌ﴾ من كل نوع من أنواع الحبوبِ وإفرادُه لمراعاة أصله ولعل تقديمَ ذكرِ الجنات عليه مع كونه عمودَ المعاشِ لظهور حالها في اختلافها ومبايَنتِها لسائرها ورسوخ ذلك فيها وتأخيرُ قوله تعالى ﴿وَنَخِيلٌ﴾ لئلا يقعَ بينها وبين صفتها وهي قوله تعالى ﴿صنوان وَغَيْرُ صنوان﴾ فاصلة والصنوان جمع صِنْو كقِنوان وقِنْو وهي النخلةُ التي لها رأسان وأصلُها واحدٌ وقرىء بضم الصاد على لغة بني تميم وقيس وقرىء جناتٍ بالنصب عطفاً على زوجين وبالجر على كل الثمرات فلعل عدمَ نظمِ قولِه تعالَى وَفِى الأرضِ قِطَعٌ متجاورات في هذا السلكِ مع أن اختصاصَ كل من تلك القِطع بما لها من الأحوال والصفات بمحض جعْل الخالقِ الحكيم جلت قدرتُه حين مد الأرضَ ودحاها للإيماء إلى كون تلك الأحوال صفاتٍ راسخةً لتلك القطع وقرىء وزرعٍ ونخيلٍ بالجر عطفاً على أعناب أو جناتٍ ﴿يسقى﴾ أي ما ذكر من القِطع والجنات والزرع والنخيل وقرىء بالتأنيث مراعاةً للّفظ والأول أوفقُ بمقام بيان اتحادِ الكل في حالة السقْي ﴿بِمَاء واحد﴾ اختلاف في طبعه سواءٌ كان السقيُ بماء الأمطار أو بماء الأنهار ﴿وَنُفَضّلُ﴾ مع تآخذ أسبابِ التشابه بمحض قدرتِنا واختيارنا ﴿بَعْضَهَا على بَعْضٍ﴾ آخَرَ منها ﴿فِى الأكل﴾ فيما يحصُل منها من الثمر والطعْمِ وقرىء بالياء على بناء الفاعل رداً على يدبّر ويفصّلُ ويغشي وعلى بناء المفعول وفيه مالا يخفى من الفخامة والدلالة على أن عدمَ احتمال استنادِ الفعل إلى فاعل آخرَ مغنٍ عن بناء الفعل للفاعل ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ الذي فُصّل من أحوال القِطع والجنات ﴿لَايَاتٍ﴾ كثيرةً عظيمةً ظاهرة ﴿لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يعلمون على قضية عقولِهم فإن من عقَل هذه الأحوالَ العجيبةَ لا يتعلثم في الجزم بأن مَن قدَر على إبداع هذه البدائعِ وخلقَ تلك الثمارَ المختلفة في الأشكال والألوان والطعومِ والروائحِ في تلك القِطع المتباينةِ المتجاورةِ وجعَلَها حدائقَ ذاتَ بهجةٍ قادرٌ على إعادة ما أبداه بل هي أهونُ في القياس وهذه الأحوالُ وإن كانت هي الآياتِ أنفسَها لا أنها فيها إلا أنه قد جُرّدت عنها أمثالُها مبالغةً في كونها آيةً ففي تجريديةٌ مثلُها في قولِه تعالَى لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ أو المشارُ إليه الأحوالُ الكلية والآياتُ أفرادُها الحادثةُ شيئاً فشيئاً في الأزمنة وآحادُها الواقعةُ في الأقطار والأمكنةِ المشاهدة لأهلها ففي على معناها وحيث كانت دلالةُ هذه الأحوالِ على مدلولاتها أظهرَ مما سبق علق كونُها آياتٍ بمحض التعقّل ولذلك لم يتعرض لغير تفضيل بعضِها على بعض في الأكُل الظاهرِ لكل عاقلٍ مع تحقق ذلك في الخواصّ والكيفيات مما يتوقف العثورُ عليه على نوع تأملٍ وتفكر كأنه لا حاجة في ذلكَ إلى التفكر أيضاً وفيه تعريضٌ بأن المشركين غيرُ عاقلين

стр. 2871

الرعد

стр. 2872

٥ - ٦ ﴿وَإِن تَعْجَبْ﴾ يا محمد من شيء ﴿فَعَجَبٌ﴾ لا أعجبُ منه حقيقٌ بأن يُقصَرَ عليه التعجب ﴿قَوْلُهُمْ﴾ بعد مشاهدةِ ما عدد لك من الآيات الشاهدةِ بأنه تعالَى على كُلِّ شيءٍ قدير ﴿أئذا كُنَّا تُرَابًا﴾ على طريقة الاستفهامِ الإنكاريِّ المفيدِ لكمال الاستبعادِ والاستنكارِ وهو في محلِ الرفعِ على البدلية من قولهم على أنه بمعنى المقول أو في محلِّ النصبِ على المفعولية منه على أنَّه مصدرٌ فالعجبُ على الأول كلامُهم وعلى الثاني تكلّمُهم بذلك والعاملُ فِي إذَا ما دل عليه قوله ﴿أئنا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وهو نُبعث أو نعاد وتقديمُ الظَّرفِ لتقويةِ الإنكارِ بالبعث بتوجيهه إليه في حالةٍ منافيةٍ له وتكريرُ الهمزة في قولهم أئنا لتأكيد الإنكارِ وليس مدارُ إنكارِهم كونَهم ثابتين في الخلق الجديد بالفعل عند كونِهم بعريضة ذلك واستعدادِهم له وفيه من الدلالة على عتوّهم وتماديهم في النكير ما لا يخفى وقيل إن تعجب من قولهم في إنكار البعثِ فعجبٌ قولُهم والمآلُ وإن تعجبْ فقد تعجّبت في موضع التعجّبِ وقيل وإن تعجب من إنكارِهم البعثَ فعجبٌ قولُهم الدالُّ عليه فتأمل وقد جُوّز كونُ الخطاب لكلِّ من يصلُح له أي إن تعجبْ يا من ينظُر في هذه الآياتِ من قدرة مَنْ هذه أفعالُه فازددْ تعجباً ممن ينكر مع هذه الدلائلِ قدرتِه تعالى على البعث وهو أهونُ من هذه والأنسبُ بقوله ويستعجلونك بالسيئة هُو الأولُ وقولُه تعالى فَعَجَبٌ خبرٌ قُدّم على المبتدأ للقصر والتسجيل من أول الأمر بكون قولهم ذاك أمراً عجيباً ويجوز أن يكون مبتدأً لكونه موصوفاً بالوصف المقدر كما أشير إليه فالمعنى وإن تعجب فالعجب الذي لا عجب وراءه قولُهم هذا فاعجب منه وعلى الأول وإن تعجب فقولُهم هذا عجبٌ لا عجبَ فوقه ﴿أولئك﴾ مبتدأٌ والموصولُ خبرُه أي أولئك المنكرون لقدرته تعالى على البعث ريثما عاينوا ما فُصّل من الآيات الباهرةِ المُلْجئة لهم إلى الإيمان لو كانوا يبصرون ﴿الذين كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ﴾ وتمادَوْا في ذلك فإن إنكارهم لقدرته كفرٌ به وأيُّ كفر ﴿وَأُوْلئِكَ﴾ مبتدأ خبرُه قوله ﴿الأغلال فِى أعناقهم﴾ أي مقيّدون بقيود الضلال لا يرجى خلاصُهم أو مغلولون يوم القيامة ﴿وَأُوْلئِكَ﴾ الموصوفون بما ذكر من الصفات ﴿أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون﴾ لا ينفكوّن عنها وتوسيطُ ضمير الفصلِ ليس لتخصيص الخلودِ بمنكري البعثِ خاصة بل بالجميع المدلولِ عليه بقوله تعالى ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ﴾

стр. 2873

﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة﴾ بالعقوبة التي أُنذِروها وذلك حين سألوا رسول الله ﷺ أن يأتيَهم بالعذاب استهزاءً منهم بإنذاره ﴿قَبْلَ الحسنة﴾ أي العافيةِ والإحسانِ إليهم بالإمهال ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المثلات﴾ أي عقوباتُ أمثالِهم من المكذبين فما لهم لا يعتبرون بها ولا يحترزون حلولَ مثلها

стр. 2874

الرعد ٧ ٨ بهم والجملة الحاليةُ لبيان ركاكةِ رأيِهم في الاستعجال بطريق الاستهزاءِ أي يستعجلونك بها مستهزئين بإنذارك منكِرين لوقوع ما أنذرتَهم إياه والحالُ أنه قد مضت العقوباتُ النازلةُ على أمثالهم من المكذبين والمستهزئين والمُثْلة بوزن السُّمْرة العقوبةُ سميت بها لما بينها وبين المعاقَب عليه من المماثلة ومنه المثال القصاص وقرىء المُثُلات بضمتين بإتباع الفاء العين والمَثْلات بفتح الميم وسكون الثاء كما يقال السَّمْرة والمُثْلات بضم الميم وسكون الثاء تخفيف المُثُلات جمع مُثْلة كرُكبة ورُكْبات ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ عظيمةٍ ﴿لّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ﴾ أنفسهم بالذنوب والمعاصي ومحلُّه النصبُ عَلى الحاليّةِ أي ظالمين والعاملُ فيه المغفرة والمعنى إن ربك لغفورٌ للناس لا يعجّل لهم العقوبةَ وإن كانوا ظالمين بل يمهلهم بتأخيرها ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العقاب﴾ يعاقب من يشاء منهم حين يشاء فتأخيرُ ما استعجلوه ليس للإهمال وعنه ﵊ لولا عفوُ الله وتجاوزُه ما هنأ لأحد العيشُ ولولا وعيده وعقابه لا تكل كُلُّ أحد

стр. 2875

﴿وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ﴾ وهم المستعجلون أيضاً وإنما عدَل عن الإضمار إلى الموصول ذماً لهم ونعياً عليهم كفرَهم بآياتِ الله تعالى التي تخِرُّ لها صُمُّ الجبال حيث لم يرفعُوا لها رأساً ولم يعُدّوها من جنس الآيات وَقَالُواْ ﴿لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آية مّن رَّبّهِ﴾ مثلَ آياتِ موسى وعيسى عليهما الصلاة السلام عناداً ومكابرةً وإلا ففي أدنى آيةٍ أُنزلت ﵊ غُنيةٌ وعِبرةٌ لأولي الألباب ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ﴾ مرسَلٌ للإنذار من سوء عاقبةِ ما يأتون ويذرون كدأب مَنْ قبلك من الرسل وليس عليك إلا الإتيانُ بما يُعلم به نُبوَّتُك وقد حصل ذلكَ بما لا مزيدَ عليهِ ولا حاجةَ إلى إلزامهم وإلقامِهم الحجرَ بالإتيان بما اقترحوا من الآيات ﴿وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ معينٌ لا بالذات بل بعنوان الهدايةِ يعني لكل قوم نبيٌّ مخصوصٌ له هدايةٌ مخصوصةٌ يقتضي اختصاصُ كلَ منهم بما يختص به حكم لا يعلمُها إلا الله أو لكل قوم هادٍ عظيمُ الشأنِ قادرٌ على ذلك هو الله سبحانه وما عليك إلا إنذارُهم فلا يُهِمَنك عنادُهم وإنكارُهم للآيات المنزّلةِ عليك وازدراؤهم بها ثم عقّبه بما يدل على كمال علمِه وقدرتِه وشمولِ قضائِه وقدَره المبنيَّين على الحِكَم والمصالحِ تنبها على أن تخصيصَ كلِّ قوم بنبي وكل نبي بجنس معين من الآيات إنما هو للحِكَم الداعية إلى ذلك إظهاراً لكمال قدرتِه على هدايتهم لكن لا يهدي إلا من تعلّق بهدايته مشيئتُه التابعةُ لِحكَم استأثر بعلمها فقال
следующие страницы →