Полный текст (8 642 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم ما كسبتم ولا تسألون عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تكريرٌ للمبالغة في الزجرُ عمَّا هُم عليهِ من الافتخارِ بالآباء والاتكالِ على أعمالهم وقيل الخطابُ السابق لهم وهذا لنا تحذيرٌ عن الاقتداء بهم وقيل المرادُ بالأُمة الأولى الأنبياءُ ﵈ وبالثانيةِ أسلافُ اليهود
стр. 317
﴿سَيَقُولُ السفهاء﴾ أي الذين خفّت أحلامُهم واستمهنوها بالتقليد والإعراضِ عن التدبر والنظرِ من قولهم ثوبٌ سفيهٌ إذا كان خفيفَ النسج وقيل السفيهُ البهّاتُ الكذابُ المتعمدُ خلافَ ما يَعلم وقيل الظلومُ الجهولُ والمراد بالسفهاء هم اليهودُ على ما رُوي عن ابنُ عباس ومجاهدٌ ﵃ قالوه إنكاراً للنسخ وكراهةً للتحويل حيث كانوا يأنَسون بموافقته ﵊ لهم في القبلة وقيل هم المنافقون وهو الأنسب بقوله عز وعلا أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السفهاءُ وإنما قالوه لمجرد الاستهزاء والطعن لا لاعتقادهم حقية القِبلة الأولى وبُطلان الثانية إذ ليس
стр. 318
البقرة (١٤٣)
كلُّهم من اليهود وقيل هم المشركون ولم يقولوه كراهة للتحويل إلى مكةَ بل طعناً في الدين فإنهم كانوا يقولون رغِبَ عن قِبلة آبائه ثم رجع ولَيَرْجِعَنّ إلى دينهم أيضاً وقيل هم القادحون في التحويل منهم جميعاً فيكون قوله تعالى
﴿مِنَ الناس﴾ أي الكفرةِ لبيانِ أن ذلك القول المَحْكيِّ لم يصدُر عن كل فردٍ فردٍ من تلك الطوائف الثلاث بل عن اشيقائهم المعتادين للخوض في فنون الفساد وهو الأظهر إذ لو أريد بهم طائفة مخصوصة منهم لما كان لبيان كونِهم من الناس مزيدُ فائدة وتخصيصُ سفهائهم بالذكر لا يقتضي تسليمَ الباقين للتحويل وارتضاءَهم إياه بل عدم التفوه بالقدح مطلقاً أو بالعبارة المحكية
﴿مَا ولاهم﴾ أي أيُّ شئ صرفهم والاستفهامُ للإنكار والنفي
﴿عَن قِبْلَتِهِمُ﴾ القبلة فِعلة من المقابلة كالوجهة من المواجهة وهي الحال التي يقابل الشئ غيرَه عليها كالجِلسة للحالة التي يقع عليها الجلوسُ يقال لا قِبلة له ولا دِبْرَةَ إذا لم يهتدِ لجهة أمرِه غلَبت على الجهة التي يستقبلها الإنسانُ في الصلاة والمراد بها ههنا بيتُ المقدس وإضافتُها إلى ضمير المسلمين ووصفُها بقوله تعالى
﴿التى كَانُواْ عَلَيْهَا﴾ أي ثابتين مستمرين على التوجه إليها ومراعاتها واعتقاد حقيقتها لتأكيد الإنكار فإن الاختصاصَ بالشئ والاستمرارَ عليه باعتقاد حقّيتِه مما ينافي الانصرافَ عنه فإن أريد بالقائلين اليهودُ فمدَارُ الإنكارِ كراهتُهم للتحويل عنها وزعمُهم أنه خطأ وإن أريد بهم المشركون فمدارُه مجردُ القصدِ إلى الطعن في الدين والقدحِ في أحكامه وإظهارُ أن كلاً من التوجه إليها والانصرافِ عنها واقعٌ بغير داعٍ إليه لا لكراهتهم الانصرافَ عنها أو التوجهَ إلى مكةَ وتعليقُ الإنكار بما يولّيهم عنها لا بما يوجههم الى غيرهما مع تلازمها في الوجود لما أن تركَ الدين القديمِ أبعدُ عند العقول وإنكارُ سببه أدخلُ لا للإيذان بأن المنكِرين هم اليهودُ بناءً على أن المنكرَ عندهم هو التحويلُ عن خصوصية بيتِ المقدس الذي هو القِبلة الحقَّةُ عندهم لا التوجهُ إلى خصوصية قبلةٍ أخرى أو هم المشركون بناءً على أن المنكرَ عندهم تركُ القبلة القديمةِ على وجه الطعن والقدحِ لا التوجهُ إلى الكعبة لأنه الحقُّ عندهم فإنَّه بمعزلٍ عن ذلك كيف لا والمنافقون من أحد الفريقين لا محالة والإخبارُ بذلك قبل الوقوعِ مع كونه من دلائل النبوة حيث وقع كما أُخبر لتوطين النفوس وإعدادِ ما يُبَكّتُهم فإن مفاجأةَ المكروهِ على النفس أشقُّ وأشدُّ والجوابُ العتيد لشغَب الخصمِ الألدِّ ارد وقوله
﴿قُل لّلَّهِ المشرق والمغرب﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على السؤالِ كأنه قيل فماذا أقول عند ذلك فقيل قل الخ أي لله تعالى ناحيتا الأرضِ أي الجهاتُ كلها ملكا وملكا وتصرفاً فلا اختصاصَ لناحيةٍ منها لذاتها بكونها قبلةً بدون ما عداها بل إنما هو بأمر الله سبحانه ومشيئتِه
﴿يَهْدِى مَن يَشَآء﴾ أنْ يهديَه مشيئةٌ تابعةٌ للحِكَم الخفية التي لَا يَعْلَمُهَا إِلَاّ هُوَ
﴿إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ﴾ موصلٍ إلى سعادة الدارين وقد هدانا إلى ذلك حيث أمرنا بالتوجه إلى بيت المقدس تارة وإلى الكعبة أخرى حسبَما تقتضيهِ مشيئتُه المقارِنة لحِكَم أبيّةٍ ومصالِحَ خفية
стр. 319
﴿وكذلك جعلناكم﴾ توجيه للخطاب إلى المؤمنين
стр. 320
بين الخطابين المختصين بالرسول ﷺ لتأييد ما في مضمون الكلامِ من التشريف وذلكَ إشارةٌ إلى مصدرِ جعلناكم لا إلى جعل آخرَ مفهوم مما سبق كما قيل وتوحيدُ الكاف مع القصد إلى المؤمنين لِما أن المرادَ مجردُ الفَرْق بين الحاضرِ والمنقضِي دون تعيين المخاطبين وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو درجة المُشَارِ إليهِ وبُعْدِ منزلتِه في الفضل وكمال تميزه وانتظامِه بسببه في سلك الأمور المشاهَدة والكافُ لتأكيدِ ما أفاده اسمُ الإشارةِ من الفخامة ومحلُها في الأصلِ النصبُ على أنَّه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ وأصل التقدير جعلناكم أمة وسَطاً جَعْلاً كائناً مثل ذلك الجعلِ فقُدّم على الفعلِ لإفادةِ القصِر واعتُبرت الكافُ مقحمةً للنكتة المذكورة فصار نفسَ المصدرِ المؤكدِ لا نعتاً له أي ذلك الجعلَ البديعَ جعلناكم
﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ لا جعلاً آخرَ أدنى منه والوسَطُ في الأصل اسمٌ لما يستوي نِسبةُ الجوانبِ إليه كمركز الدائرة ثم استُعير للخصال المحمودةِ البشرية لكن لا لأن الأطرافَ يتسارع إليها الخللُ والإعوازُ والأوساطُ محميّةٌ مَحوطَةٌ كما قيل واستُشهد عليه بقول ابن أوسٍ الطائي ... كانت هي الوسَطَ المَحْمِيَّ فاكتَنَفَت ... بها الحوادثُ حتى أصبحت طَرَفا ...
فإن تلك العلاقةَ بمعزل من الاعتبار في هذا المقام إذ لا ملابَسةَ بينها وبين أهليةِ الشهادة التي جُعلت غايةً للجعل المذكور بل لكون تلك الخصالِ أوساطاً للخصال الذميمةِ المكتنفة بها من طرفي الإفراطِ والتفريطِ كالعِفة التي طرفاها الفجورُ والخمودُ وكالشجاعة التي طرفاها الظهور والجُبن وكالحِكمة التي طرفاها الجربزة والبَلادةُ وكالعدالة التي هي كيفية متشابهةٌ حاصلةٌ من اجتماع تلك الأوساط المحفوفة بأطرافها ثم أطلقَ على المتصِّف بها مبالغةً كأنه نفسُها وسُوّي فيه بين المفرد والجمعِ والمذكرِ والمؤنث رعايةً لجانب الأصلِ كدأب سائر الأسماءِ التي يوصف بها وقد روُعيت ههنا نُكتةٌ رائقةٌ هي أن الجعلَ المشارَ إليه عبارةٌ عما تقدم ذكرُه من هدايته تعالى إلى الحق الذي عبَّر عنه بالصراط المستقيم الذي هو الطريقُ السويُ الواقعُ في وسط الطرُق الجائرةِ عن القصد الى الجوانب فإنا إذا فرضنا خطوطاً كثيرةً واصلةً بين نُقطتين متقابلتين فالخطُ المستقيم إنما هو الخطُ الواقعُ في وسط تلك الخطوطِ المنحنية ومن ضرورة كونِه وسطاً بين الطرُق الجائرةِ كونُ الأمةِ المَهْديّة إليه أمةً وسطاً بين الأمم السالكة إلى تلك الطرق الزائغة أي متصفةً بالخصال الحميدةِ خياراً وعدُولاً مُزَكَّيْنَ بالعلم والعمل
﴿لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس﴾ بان الله قد أوضح السبُل وأرسل الرُسل فبلّغوا ونصَحوا وذكّروا فهل من مُدَكِّرٍ وهي غاية للجعل المذكور مترتبةٌ عليه فإن العدالة كما أشير إليه حيث كانت هي الكيفيةُ المتشابهةُ المتألّفةُ من العفة التي هي فضيلةُ القوة الشَّهْوية البهيمية والشجاعة التي هي فضيلةُ القوةِ الغضبيةِ السَّبُعية والحكمة التي هي فضيلةُ القوةِ العقلية المَلَكية المشارِ إلى رتبتها بقوله عز وعلا وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا كان المتّصِفُ بها واقفاً على الحقائقِ المودَعةِ في الكتاب المبين المنطوي على أحكام الدين وأحوالِ الأممِ أجمعين حاويا لشرائط الشهادةَ عليهم رُوي أن الأممَ يوم القيامة يجحدون تبليغَ الأنبياءِ ﵈ فيطالبهم الله تعالى بالبينة وهو أعلم إقامةً للحجة على المنكرين وزيادةً لخِزْيهم بأن كذَّبهم مَنْ بعدهم من الأمم فيؤتى بأمةِ محمدٍ ﷺ فيشهدون فيقول الأممُ من أين عرفتم فيقولون علمنا ذلك بإخبار الله تعالَى في كتابِه الناطقِ على لسان نبيِّه الصادقِ فيؤتى عند ذلك بالنبي ﷺ ويُسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بعدالتهم وذلك قولُه عز قائلاً
﴿وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ وكلمةُ
стр. 321
الاستعلاءِ لما في الشهيد من معنى الرقيب والمهيمِن وقيل لتكونوا شهداءَ على الناس في الدنيا فيما لا يُقبل فيه الشهادةُ إلا من العدول الأخيار وتقديم الظرف لدلالة على اختصاص شهادتِه ﵇ بهم
﴿وَمَا جَعَلْنَا القبلة التى كُنتَ عَلَيْهَا﴾ جرد الخطاب للنبي ﷺ رمزاً إلى أن مضمونَ الكلام من الأسرار الحقيقةِ بأن يخص معرفته به ﵇ وليس الموصولُ صفةً للقِبلة بل هو مفعولٌ ثانٍ للجعل وما قيل من أن الجعلَ تحويل الشئ من حالة إلى أخرى فالملتبسُ بالحالة الثانية هو المفعول الثاني كما في قولك جعلتُ الطينَ خَزَفاً فينبغي أن يكون المفعولُ الأول هو الموصولَ والثاني هو القبلة فكلام صناعي ينساق إليه الذهن بحسب النظرِ الجليلِ ولكنَّ التأملَ اللائقَ يهدي إلى العكس فإن المقصودَ إفادتُه ليس جعلَ الجهة قبلةً لا غيرُ كما يفيده ما ذُكر بل هو جعلُ القبلةِ المحققةِ الوجود هذه الجهةَ دون غيرِها والمرادُ بالموصولِ هي الكعبةُ فإنه ﵊ كان يصلي إليها أولاً ثم لما هاجرَ أُمِر بالصلاة إلى الصخرة تألّفاً لليهود أو هي الصخرةُ لِما روي عن ابن عباس ﵄ مَنْ أن قِبلته ﵇ بمكة كانت بيتَ المقدس إلا أنه كان يجعلُ الكعبةَ بينه وبينه وعلى هذه الرواية لا يمكن أن يرادَ بالقبلة الأولى الكعبةُ وأما الصخرةُ فيتأتى إرادتُها على الروايتين والمعنى على الأول وما جعلنا القِبلة الجهةَ التي كنت عليها آثر ذي أثير وهي الكعبة وعلى الثاني وما جعلناها التي كنت عليها قبل هذا الوقت وهي الصخرة
﴿إلا لنعلم﴾ استثاء مفرغٌ من أعم العلل أي وما جعلنا ذلك لشئ من الأشياء إلا لنمتحنَ الناسَ أي نعاملهم معاملةَ من يمتحنُهم ونعلم حينئذ
﴿مَن يَتَّبِعُ الرسول﴾ في التوجّه إلى مَا أُمر بهِ من الدين أو القبلة والالتفات إلى الغيبة مع إيراده ﵇ بعنوان الرسالة للإشعار بعلة الاتباعِ
﴿مِمَّن يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ﴾ يرتدُّ عن دين الإسلامِ أو لايتوجه إلى القِبلة الجديدة أو لنعلمَ الآن مَن يتبعُ الرسول مِمَّن لايتبعه وما كان لعارضٍ يزول بزواله وعلى الأول مارددناك إلى ما كنت عليه إلا لنعلم الثابتَ على الإسلام والناكصَ على عَقِبيه لقلقه وضعفِ إيمانِه والمرادُ بالعلم ما يدور عليه فلَكُ الجزاءِ من العلم الحالي أي ليتعلّق علمُنا به موجوداً بالفعلِ وقيل المرادُ علمُ الرسولِ ﵇ والمؤمنين وإسنادُه إليه سبحانه لما أنهم خواصه وليتميز الثابت عن المتزلزل كقوله تعالى ﴿لِيَمِيزَ الله الخبيث مِنَ الطيب﴾ فوضَع العلمَ موضِعَ التمييزِ الذي هو مسبَّبٌ عنه ويشهد له قراءةُ ليُعْلَمَ على بناء المجهول من صيغة الغَيبة والعلمُ إما بمعنى المعرفة أو متعلقٌ بما في مَنْ من معنى الاستفهام أو مفعوله الثاني ممن ينقلب الخ أي لِنَعْلَمَ مَن يتبعُ الرسولَ متميِّزاً مِمَّن يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ
﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ أي شاقة ثقيلة وإنْ هيَ المخففةُ منَ الثقيلةِ دخَلتْ على ناسخ المبتدأ والخبر واللامُ هي الفارقةُ بينها وبين النافية كما في قوله تعالى إِن كَانَ وَعْدُ رَبّنَا لَمَفْعُولاً وزعم الكوفيون أنها نافيةٌ واللامُ بمعنى إلا أي ما كانت إلا كبيرة والضميرُ الذي هو اسم كان راجعٌ إلى ما دل عليه قوله تعالى وَمَا جَعَلْنَا القبلة التى كُنتَ عَلَيْهَا من الجعلة أو التولية أو التحويلة أو الردة أوالقبلة وقرئ لكبيرةٌ بالرفعِ على أنَّ كانَ مزيدةٌ كما في قولِه ... وإخوانٍ لنا كانوا كرامِ ...
وأصله وإنْ هي لكبيرةٌ كقوله إن زيدٌ لمنطلقٌ
﴿إِلَاّ عَلَى الذين هَدَى الله﴾ أي إلى سرِّ الأحكام الشرعية المبنيةِ على الحِكمَ والمصالحِ إجمالاً وتفصيلاً وهم المهديّون إلى الصراط المستقيم الثابتون على الإيمان واتباعِ الرسول ﵇
﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم﴾ أي ما صحَّ وما استقام له
стр. 322
البقرة (١٤٤)
أن يُضيعَ ثباتَكم على الإيمان بل شكرَ صنيعَكم وأعدَّ لكم الثوابَ العظيمَ وقيل أيمانَكم بالقِبلة المنسوخةِ وصلاتَكم إليها لما رُوي أنه ﵇ لما توجّه إلى الكعبة قالوا كيف حالُ إخوانِنا الذين مضَوْا وهم يصلون إلي بيت المقدس فنزلت واللام في ليُضيعَ إما متعلقةٌ بالخبر المقدر لكان كما هو رأي البصرية وانتصاب الفعل بعدها بأن المقدرة أي ما كان الله مريداً أو متصدياً لأن يُضيعَ الخ ففي توجيه النفي إلى إادة الفعل تأكيدٌ ومبالغةٌ ليس في توجهه إلى نفسه وإما مزيدةٌ للتأكيد ناصبةٌ للفعل بنفسها كما هو رأيُ الكوفية ولا يقدحُ في ذلك زيادتُها كما لا يقدح زيادة حروف الجر في عملها وقوله تعالى
﴿إِنَّ الله بالناس لرؤوف رَّحِيمٌ﴾ تحقيقٌ وتقريرٌ للحُكم وتعليلٌ له فإن اتصافَه بهما يقتضي لا محالة أن لا يُضيعَ أجورَهم ولا يدَعَ ما فيه صلاحهم والباء متعلقة برءوف وتقديمُه على رحيم مع كونه أبلغَ منه لما مر في وجه تقديمِ الرحمن على الرحيم وقيل أكثرُ من الرأفة في الكمية والرأفةُ أقوى منها في الكيفية لأنها عبارة عن إيصال النعم الصافية عن الآلام والرحمةُ إيصالُ النعمة مطلقاً وقد يكون مع الألم كقطعِ العضوِ المتأكّل وقرئ رءوف بغير مد كندس
стр. 323
﴿قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السماء﴾ أي تردُّدَه وتصرُّفَ نظرِك في جهتها تطلعاً للوحي وذلكَ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ كان يقع في رَوْعة ويتوقع من ربه أن يحوله إلى الكعبة لأنها قِبلةُ إبراهيمَ وأدعى للعرب إلى الإيمان لأنها مفخرتُهم ومزارُهم ومَطافُهم ولمخالفة اليهود فكان يُراعي نزولَ جبريلَ بالوحي بالتحويل
﴿فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً﴾ الفاء للدلالة على سببية ما قبلَها لما بعدَها وهي في الحقيقة داخلةٌ على قسمٍ محذوف يدل عليه اللام أي فو الله لنولِّينَّك أي لنُعطِينَّكها ولنُمَكِّنَنَّك من استقبالها من قولك ولتيه كذا أي صيّرته والياً له أو لنَجْعَلَنك تلي جِهتَها أو لنُحَوِّلنَّك على أن نَصْبَ قبلةً بحذف الجار أي إلى قبلة وقيل هو متعدٍ إلى مفعولين
﴿تَرْضَاهَا﴾ تحبها وتشتاق إليها لمقاصدَ دينيةٍ وافقتْ مشيئتَه تعالى وحِكْمتَه
﴿فَوَلّ وَجْهَكَ﴾ الفاء لتفريع الأمرِ بالتولية على الوعد الكريمِ وتخصيصُ التوليةِ بالوجه لما أنه مدارُ التوجه ومعيارُه وقيل المرادُ به كلُّ البدنِ أي فاصرِفْه
﴿شَطْرَ المسجد الحرام﴾ أي نحوَه وهو نصبٌ على الظرفية من ول أو على نزع الخافض أو على مفعول ثانٍ له وقيل الشطرُ في الأصل اسمٌ لما انفصل من الشئ ودارٌ شَطورٌ إذا كانت منفصلةً عن الدور ثم استعمل لجانبه وإن لم ينفصِلْ كالقُطر والحرامُ المُحرَّم أي محرم فيه القتالُ أو ممنوعٌ من الظَلَمة أن يتعرضوا له وفي ذكر المسجد الحرامِ دون الكعبة إيذانٌ بكفاية مراعاةِ الجهةِ لأن في مراعاةِ العينِ من البعيد حرجاً عظيماً بخلاف القريب رُوي عن البراء بن عازبٍ أن نبي الله ﷺ قدِم المدينةَ فصلَّى نحوَ بيت المقدس ستة عشرة شهراً ثم وُجِّه إلى الكعبة وقيل كان ذلك في رجبٍ بعد زوال الشمس قبيل قتال بدر بشهرين ورسوله الله ﷺ في
стр. 324
البقرة (١٤٥)
مسجد بني سَلَمة وقد صلى بأصحابه ركعتين من صلاة الظهر فتحوَّل في الصلاة واستقبل الميزاب وحوّل الرجالَ مكانَ النساء والنساءَ مكانَ الرجال فسُمِّيَ المسجدُ مسجد القبلتين
﴿وحيث ما كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ خص الرسول ﷺ بالخطاب تعظيما لجنابه وإيذان بإسعاف مرامِه ثم عُمّم الخطابُ للمؤمنين مع التعرُّض لاختلاف أماكنِهم تأكيداً للحُكم وتصريحاً بعُمومه لكافة العباد من كل حاضر باد وحثاً للأمة على المتابعة وحيثما شرطية وكنتم في محل الجزم بها وقوله تعالى فَوَلُّواْ جوابُها وتكون هي منصوبةً على الظرفية بكنتم نحوُ قوله تعالى أياما تَدْعُواْ فَلَهُ الأسماء الحسنى
﴿وَإِنَّ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ من فريقي اليهود والنصارى
﴿لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾ أي التحويل أو التوجهَ المفهومَ من التولية
﴿الحق﴾ لاغير لعلمهم بأن عادتَه جاريةٌ على تخصيص كلِّ شريعةٍ بقِبلة ومعاينتِهم لما هو مسطورٌ في كتبهم من أنه ﵊ يصلِّي إلى القِبلتين كما يُشعر بذلك التعبيرُ عنهم بالاسم الموصول بإيتاء الكتاب وأن مع اسمها وخبرِها سادٌ مسدَّ مفعولي يعلمون أو مسدَّ مفعولِه الواحد على أن العلم بمعنى المعرفة وقولُه تعالى
﴿مّن رَّبّهِمُ﴾ متعلقٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من الحق أي كائنا من ربهم أوصفة له على رأي من يجوِّز حذفَ الموصول مع بعض صلتِه أي الكائنَ من ربهم
﴿وَمَا الله بغافل عما تعملون﴾ وعد ووعيد للفريقين والخطابُ للكل تغليبا وقرئ على صيغة الغيبة فهو وعيدٌ لأهل الكتاب
стр. 325
﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ وضْعُ الموصولِ موضِعَ المضمرِ للإيذان بكمالِ سوءِ حالِهم من العناد مع تحقق ما يُرْغِمُهم منه من الكتاب الناطق بحقِّية ما كابروا في قبوله
﴿بِكُلّ آية﴾ أي حجةٍ قطعيةٍ دالةٍ على حقيقة التحويل واللامُ موطئةٌ للقسمِ وقولُه تعالى
﴿مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ﴾ جوابٌ للقسم المضمَر سادٌّ مسدَّ جوابِ الشرط والمعنى أنهم ماتركوا قبلَتك لشُبهةٍ تُزيلها الحجةُ وإنما خالفوك مكابرةً وعِناداً وتجريد الخطاب للنبي ﷺ بعد تعميمِه للأمة لما أن المُحاجةَ والإتيانَ بالآية من الوظائف الخاصةُ به ﵇ وقوله تعالى
﴿وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ جملةٌ معطوفةٌ على الجملة الشرطية لا على جوابها مسوقةٌ لقطع أطماعِهم الفارغةِ حيث قالت اليهودُ لو ثبتَّ على قبلتنا لكنا نرجوا أن تكون صاحبَنا الذي ننتظره تغريرا له ﵊ وطمعاً في رجوعه وإيثارُ الجملة الاسمية للدلالة على دوامِ مضمونِها واستمرارِه وإفراد قبلتَهم مع تعدُّدِها باعتبار اتحادِها في البُطلان ومخالفةِ الحق ولئلا يُتوَهّم أن مدارَ النفي هو التعدُّدُ وقرئ يتابع قبلتِهم على الإضافة
﴿وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ فإن اليهودَ تستقبلُ الصخرةَ والنصارى مطلع الشمس لا يرجى توافقُهم كما لا يرجى موافقتُهم لك لتصلُّب كلِّ فريقٍ فيما هو فيه
﴿وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءهُم﴾ الزائغةَ المتخالفة
﴿مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ العلم﴾ ببطلانها وحقّيةِ ما أنت عليه وهذه الشرطيةُ الفرَضية واردةٌ على منهاج التهييج والإلهابِ للثبات على الحق أي ولئن اتبعت أهواءَهم فرضاً
﴿إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ الظالمين﴾ وفيه لطفٌ للسامعين وتحذير لهم عن
стр. 326
البقرة (١٤٧ - ١٤٦)
متابعة الهوى فإن مَنْ ليس من شأنه ذلك إذا نُهيَ عنه ورُتِّبَ على فرض وقوعِه ما رُتِّبَ من الانتظام في سِلكِ الراسخين في الظلم فما ظنُّ من ليس كذلك وإذن حرفُ جوابٍ وجزاءٍ توسطت بين اسمِ إنَّ وخبرِها لتقرير ما بينهما من النسبة إذ كان حقهاأن تتقدمَ أو تتأخر فلم تتقدمْ لئلا يُتوَهَّم أنها لتقرير النسبةِ التي بين الشرط وجوابِه المحذوفِ لأن المذكورَ جوابُ القسم ولم تتأخرْ لرعاية الفواصل ولقد بولغ في التأكيد من وجوهٍ تعظيماً للحق المعلومِ وتحريضاً على اقتفائه وتحذيراً عن متابعة الهوى واستعظاماً لصدورِ الذنبِ من الأنبياءِ عليهم السلام
стр. 327
﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ أي علماءهم إذهم العمدةُ في إيتائه ووضعُ الموصول موضعَ المضمرِ مع قرب العهد للإشعار بعلية مَا في حيزِ الصِّلةِ للحكم والضميرُ المنصوبُ في قوله تعالى
﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ للرسول ﷺ والالتفاتُ إلى الغَيبة للإيذانِ بأن المراد ليس معرفتَهم له ﵇ منْ حيثُ ذاتُه ونسبُه الزاهرُ بل من حيث كونُه مسطوراً في الكتاب منعوتاً فيه بالنعوت التي من جملتها أنه ﵇ يصلي إلى القبلتين كأنه قيل الذين آتيناهم الكتابَ يعرِفون مَنْ وصفناه فيه وبهذا يظهر جزالةُ النظمِ الكريم وقيل هو إضمارٌ قبل الذكر للإشعار بفخامة شأنِه ﵊ أنه عِلْمٌ معلوم بغير إعلامٍ فتأمل وقيل الضميرُ للعلم أو سببِه الذي هو الوحيُ أو القرآنُ أو التحويل ويؤيد الأولَ قوله
﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ﴾ أي يعرفونه ﵊ بأوصافه الشريفة المكتوبة في كتابهم ولا يشتبه علهيم كما لا يشتبه أبناؤُهم وتخصيصُهم بالذكر دون ما يعم البناتِ لكونهم أعرفَ عندهم منهن بسبب كونِهم أحبَّ إليهم عن عمرَ ﵁ أنَّه سأل عبدُ اللَّه بنَ سلامٍ ﵁ عنِ رسول الله ﷺ فقال أنا أعلم به مني بابني قال ولِمَ قال لأني لست أشكُّ فيه أنه نبي فأما ولدي فلعل والدتَه خانت فقبل عمر رأسه ﵄
﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحق وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ هم الذين كابروا وعاندوا الحقَّ والباقون هم الذين آمنوا منهم فإنهم يُظهرون الحقَّ ولا يكتُمونه وأما الجهلةُ منهم فليست لهم معرفةٌ بالكتاب ولا بما في تضاعيفه فما هم بصدد الإظهارِ ولا بصدد الكَتْم وإنما كفرُهم على وجه التقليد
стр. 328
﴿الحقُّ﴾ بالرفع على أنه مبتدأ وقولُه تعالى
﴿مِن رَبّكَ﴾ خبرُه واللامُ للعهد والإشارةِ إلى ما عليه النبيِّ ﷺ أو إلى الحقِّ الذي يكتُمونه أو للجنس والمعنى أن الحقَّ ما ثبت أنَّه من اللَّهِ تعالى كالذي أنت عليه لاغيره كالذي عليه أهلُ الكتاب أو على أنَّه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أيْ هُو الحقُّ وقولُه تعالى مِن رَبّكَ إما حالٌ أو خبرٌ بعد خبر وقرئ بالنَّصبِ على أنَّه بدلٌ من الأول أو مفعولٌ ليعلمون وفي التعرُّض لوصفِ الرُّبوبيَّةِ مع الإضافة إلى ضميره ﵇ من إظهار اللطفِ به ﵇ ما لا يخفى
﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الممترين﴾ أي الشاكّين في كتمانهم الحقَّ عالمين به وقيل في أنه من ربك وليس المراد به نهى الرسول ﷺ عن الشك فيه لأنه غير متوقع
стр. 329
البقرة (١٥٠ - ١٤٨)
منه ﵇ وليس بقصد واختيار بل إما تحقيقُ الأمر وأنه بحيث لا يشك فيه ناظر أو أمرُ الأمةِ باكتساب المعارف المزيحة للشك على الوجه الأبلغ
стр. 330
﴿وَلِكُلّ﴾ أي ولكل أمةٍ من الأمم على أن التنوين عوضٌ من المضاف إليه
﴿وِجْهَةٌ﴾ أي قِبلة وقد قرئ كذلك أو لكل قومٍ من المسلمين جانبٌ من جوانب الكعبة
﴿هُوَ مُوَلّيهَا﴾ أحدُ المفعولين محذوفٌ أي موليها وجهَه أو الله موليها إياه وقرئ ولكلِّ وِجهةٍ بالإضافة والمعنى ولكلَ وجهةٌ الله مولِّيها أهلَها واللام مزيدة للتأكيد وجبر ضعف العامل وقرئ مولاها أي مولى تلك الجهةِ قد وَلِيهَا
﴿فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ﴾ أي تسابقوا إليها بنزع الجار كما في قوله ... ثنائي عليكم آلَ حربٍ ومنْ يمِل ... سواكم فإني مهتدٍ غيرُ مائلِ ... وهو أبلغَ من الأمر بالمسارعة لما فيه من الحث على إحراز قصَبِ السبْقِ والمرادُ بالخيرات جميعُ أنواعِها من أمر القِبلة وغيرِه مما يُنال به سعادةُ الدارين أو الفاضلاتُ من الجهات وهي المسامتة للكعبة
﴿أين ما تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ الله جَمِيعًا﴾ أي في أيّ موضعٍ تكونوا من موافِقٍ أو مخالفٍ مجتمعِ الأجزاء أو متفرقِها يحشُرُكم الله تعالى إلى المَحْشَر للجزاء أو أينما تكونوا من أعماق الأرضِ وقُلل الجبال يقبضُ أرواحَكم أو أينما تكونوا من الجهات المختلفةِ المتقابلةِ يجعلُ صلواتِكم كأنها صلاةٌ إلى جهة واحدة
﴿إِنَّ الله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ﴾ فيقدِر على الإماتة والإحياء والجمعِ فهو تعليل للحكم السابق
стр. 331
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ تأكيدٌ التحويل وتصريحٌ بعدم تفاوت الأمرِ في حالتي السفر والحضَر ومنْ متعلقة بقوله تعالى
﴿فَوَلّ﴾ أو بمحذوفٍ عُطف هو عليه أي من أي مكان خرجت إليه للسفر فولِّ
﴿وَجْهَكَ﴾ عند صلاتك
﴿شَطْرَ المسجد الحرام﴾ أو افعلْ ما أُمرت بِه من أي مكانٍ خرجت إليه فول الخ
﴿وَأَنَّهُ﴾ أي هذا الأمرَ
﴿لَلْحَقُّ مِن رَّبّكَ﴾ أي الثابتُ الموافق للحِكمة
﴿وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ فيجازيكم بذلك أحسنَ جزاءٍ فهو وعدٌ للمؤمنين وقرئ يعملون على صيغة الغيبة فهو وعيد للكافرين
стр. 332
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ إليه في أسفارك ومغازيك من المنازل القريبةِ والبعيدةِ
﴿فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام﴾ الكلامُ فيه كما مرَّ آنفا
﴿وحيث ما كُنتُمْ﴾ من أقطار الأرضِ مقيمين أو مسافرين حسبما يعرب عنه إيثار
стр. 333
البقرة (١٥١)
كنتم على خرجتم فإن الخطابَ عامٌ لكافة المؤمنين المنتشرين في الآفاق من الحاضرين والمسافرين فلو قيل وحيثما خرجتم لما تناول الخطابُ المقيمين في الأماكن المختلفة من حيث إقامتُهم فيها
﴿فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ﴾ من مَحالِّكم
﴿شَطْرَهُ﴾ والتكريرُ لما أن القِبلةَ لها شأنٌ خطير والنسخُ من مظانِّ الشبهةِ والفتنة فبالحَريِّ أن يؤكد أمرها مرة غب أخرى مع أنه قد ذُكر في كل مرة حِكمةٌ مستقلة
﴿لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ متعلقٌ بقوله تعالى فَوَلُّواْ وقيل بمحذوفٍ يدلُّ عليه الكلام كأنه قيل فعلنا ذلك لئلا الخ والمعنى أن التوليةَ عن الصخرة تدفع احتجاجَ اليهود بأن المنعوتَ في التوراة من أوصافه أنه يحوِّلُ إلى الكعبة واحتجاجُ المشركين بأنه يدَّعي ملة إبراهيم يخالف قِبلتَه
﴿إِلَاّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ وهم أهلُ مكةَ أي لئلا يكونَ لأحد من الناس حجةٌ إلا المعاندين منهم الذين يقولون ما تحوَّلَ إلى الكعبة إلا مَيْلاً إلى دين قومِه وحباً لبلده أو بَدا لَهُ فرجَع إلى قِبلةِ آبائِه ويوشك أن يرجع إلى دينهم وتسمية هذه الكلمة الشنعاء حجة مع انها أفحش الأباطيل من قبيل ما في قوله تعالى حجتهم داحضة حيث كانوا يسوقونها مساق الحجة وقيل الحجة بمعنى مطلق الاحتجاج وقيل الاستثناء للمبالغة في نفى الحجة رأسا كالذي في قولهِ ... ولا عيبَ فيهم غيرَ أن سيوفَهم ... بهن فُلولٌ من قراع الكتائبِ ...
ضرورة أن لا حجة للظالم وقرئ ألا الذين بحرف التنبيه على أنه استئناف
﴿فلا تخشوهم﴾ فإن مطاعنهم لاتضركم شيئا
﴿واخشوني﴾ فلا تخالفوا أمرى
﴿ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون﴾ علة لمحذوف يدل عليه النظم الكريم أي وأمرتكم بما مر لإتمام النعمة عليكم لما أنه نعمة جليلة ولإرادتي اهتدائكم لما أنه صراط مستقيم مؤد إلى سعادةِ الدَّارينِ كما أشير إليه في قولِه يَهْدِى مَن يَشَاء إلى صراط مستقيم وفي التعبير عن الإرادة بكلمة لعل الموضوعة للترجي على طريقة الاستعارةِ التبعية من الدلالةِ عَلى كمالِ العناية بالهداية مالا يخفى أو عطفٌ على علة مقدرةٍ أي واخشوني لأحفظكم عنهم واتم الخ أو عَلى قولِه تعالَى لئلا يكون وتوسط قوله تعالى فلا تخشوهم الخ بينهما للمسارعة الى التسلية والتثبيت وفي الخبر تمام النعمة دخول الجنة وعَنْ عليَ ﵁ تمام النعمة الموت على الاسلام
стр. 334
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مّنْكُمْ﴾ متصلٌ بما قبله والظرفُ الأول متعلقٌ بالفعل قُدِّم على مفعوله الصريحِ لما في صفاته من الطول والظرفُ الثاني متعلقٌ بمُضمرٍ وقع صفةً لرسولاً مبينةً لتمام النعمةِ أي ولأتمَّ نعمتي عليكم في أمر القِبلة أو في الآخرة إتماماً كائناً كإتمامي لها بإرسال رسولٍ كائنٍ منكم فإن إرسالَ الرسول لاسيما المجانسُ لهم نعمةٌ لا يكافئُها نعمة قطُّ وقيل متصلٌ بما بعده أي كما ذُكِّرْتم بالإرسال فاذكروني الخ وإيثارُ صيغةِ المتكلم مع الغير بعد التوحيد فيما قبله افتنانٌ وجَرَيانٌ على سَنن الكبرياء
﴿يَتْلُو عليكم آياتنا﴾ صفة ثانيةٌ لرسول كاشفةٌ لكمال النعمة
﴿وَيُزَكِيكُمْ﴾ عطفٌ على يتلو أي يحمِلُكم على ما تصيرون به أزكياءَ
﴿وَيُعَلّمُكُمُ الكتاب والحكمة﴾ صفةٌ أُخْرَى مترتبةٌ في الوجودِ عَلَى التِّلاوةِ وإنَّما وَسَّطَ بينَهُما التزكية التي
стр. 335
البقرة (١٥٤ - ١٥٢)
هيَ عبارةٌ عنْ تكميلِ النفسِ بحسَبِ القوةِ العمليةِ وتهذيبِهَا المتفرعِ عَلَى تكميلِهَا بحسبِ القوةِ النظريةِ الحاصلِ بالتعليمِ المترتبِ على التلاوةِ للإيذانِ بأنَّ كلاً منَ الأمورِ المترتبةِ نعمةٌ جليلةٌ على حيالِهَا مستوجبةٌ للشكرِ فَلَو رُوعِي ترتيبَ الوجودِ كما في قوله تعالى وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ يتلو عَلَيْهِمْ آياتك وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب والحكمة وَيُزَكّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم لتبادَر إلى الفهمِ كونُ الكلِّ نعمةً واحدةً كمَا مر نظيرُه في قصة البقرةِ وهُوَ السرُّ في التعبيرِ عن القرآنِ تارةً بالآياتِ وَأُخْرَى بالكتابِ والحِكمة رمزاً إلى أنَّه باعتبارِ كلِّ عنوانٍ نعمةٌ عَلى حدةٍ ولا يقدحُ فيهِ شمولُ الحكمةِ لِمَا في تضاعيف الأحاديثِ الشريفةِ من الشرائع وقولُه
﴿وَيُعَلّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾ صريحٌ في ذلك فإن الموصولَ مع كونه عبارةً عن الكتاب والحِكمة قطعاً قد عُطف تعليمُه على تعليمهما وما ذلك إلا لتفصيل فنونِ النعم في مقامٍ يقتضيه كما في قوله تعالى وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ عقيب قولِه تعالى نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا والمراد بعدم علمِهم أنه ليس من شأنهم أن يعلموه بالفكر والنظر وغيرِ ذلك من طرق العلم لانحصار الطريقِ في الوحي
стр. 336
﴿فاذكرونى﴾ الفاءُ للدلالة على ترتب الأمرِ على ما قبله من موجباته أي فاذكروني بالطاعة
﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ بالثواب وهو تحريضٌ على الذكر مع الإشعار بما يوجبُه
﴿واشكروا لِي﴾ ما أنعمتُ به عليكم من النعم
﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ بجَحدها وعِصيان ما أمرتُكم به
стр. 337
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ﴾ وصفَهم بالإيمان إثرَ تعدادِ ما يوجبه ويقتضيه تنشيطاً لهم وحثاً على مراعاة ما يعقُبه من الأمر
﴿استعينوا﴾ في كل ما تأتون وما تذرون
﴿بالصبر﴾ على الأمور الشاقةِ على النفس التي من جملتها معاداةُ الكَفَرة ومقابلتُهم المؤديةُ إلى مقاتلتهم
﴿والصلاة﴾ التي هي أمُّ العبادات ومِعراجُ المؤمنين ومناجاةُ ربِّ العالمين
﴿إِنَّ الله مَعَ الصابرين﴾ تعليل للأمر بالاستعانة بالصبر خاصة لما أنه المحتاجُ إلى التعليل وأما الصلاةُ فحيث كانت عند المؤمنين اجل المطالب كما ينبئ عنه قولُه ﵇ وجُعلت قُرةُ عيني في الصلاة لم يفتقر الأمرُ بالاستعانة بها إلى التعليل ومعنى المعية الولايةُ الدائمةُ المستتبِعة للنُصرة وإجابةِ الدعوة ودخول مع على الصابرين لما أنهم المباشِرون للصبر حقيقةً فهم متبوعون من تلك الحيثية
стр. 338
﴿وَلَا تَقُولُواْ﴾ عطف على استعينوا الخ مَسوقٌ لبيان ان لا غائلة للمأمور به وأن الشهادةُ التي ربما يؤدي إليها الصبرُ حياةٌ أبدية
﴿لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبيلِ الله أَمْوَاتٌ﴾ أي هم أموات
﴿بَلْ أَحْيَاء﴾ أي بل هم أحياءٌ
﴿وَلَكِن لَاّ تَشْعُرُونَ﴾ بحياتهم وفية رمزٌ إلى أنها ليست مما يُشعِر به بالمشاعر الظاهرةِ من الحياة الجُسمانية وإنما هي أمرٌ روحاني لا يُدرَكُ بالعقل بل بالوحي وعنِ الحسنِ ﵀ أن الشهداءَ أحياءٌ عند الله تُعرَضُ أرزاقُهم على أرواحِهم فيصلُ إليهم الرَّوْحُ والفَرَحُ كما تُعرض النارُ على آل فِرعونَ غدُوّاً وعشياً فيصلُ إليهم الألمُ والوجَع قلت رأيت في المنام سنة
стр. 339
البقرة (١٥٧ - ١٥٥)
تسعٍ وثلاثين وتسعمائة أني أزور قبورَ شهداءِ أُحدٍ رضي الله تعالى عنهم اجمعين وانا أتلوا هذه الآيةَ وما في سورة آلِ عمرانَ وأردّدهما متفكراً في أمرهم وفي نفسي أن حياتَهم روحانية لا جسمانية فبينما أنا على ذلك إذ رأيتُ شاباً منهم قاعداً في قبره تامَّ الجسدِ كامِلَ الخِلْقة في أحسنُ ما يكونُ من الهيئة والمنظر ليس عليه شيءٌ من اللباس قد بدا منه ما فوق السُرةِ والباقي في القبر خلا أني أعلم يقيناً أن ذلك أيضاً كما ظهر وإنما لا يظهر لكونه عورةً فنظرت إلى وجهه فرأيته ينظُر إلي مبتسما كأنه ينبِّهُني على أن الأمر بخلاف رأيي فسُبحان من عَلَتْ كلمتُه وجلّت حِكمتُه وقيل الآية نزلت في شهداءِ بدرٍ وكانوا اربعة عشر وفيهَا دلالةً على أنَّ الأرواحَ جواهرُ قائمةٌ بأنفسها مغايرةٌ لما يُحَسُّ به من البدن تبقى بعد الموت دراكة وعليه جمهورُ الصحابة والتابعين رضوانُ الله تعالَى عليهم اجمعين وبه نطقت الآيات والسنن وعلى هذا فتخصيصُ الشهداء بذلك لما يستدعيه مقامُ التحريض على مباشرة مباديَ الشهادةِ ولاختصاصهم بمزيد القُرب من الله عز وعلا
стр. 340
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم﴾ لنُصيبنَّكم إصابةَ من يختبرُ أحوالَكم أتصبرون على البلاء وتستسلمون للقضاء
﴿بِشَيْء مّنَ الخوف والجوع﴾ أي بقليلٍ من ذلك فإن ما وقاهم عنه أكثرُ بالنسبة إلى ما أصابهم بألف مرة وكذا ما يصيبُ به معانديهم وإنما أَخبرَ به قبل الوقوعِ ليُوطِّنوا عليه نفوسَهم ويزدادَ يقينُهم عند مشاهدتهم له حسبما أَخبرَ به وليعلموا أنه شيءٌ يسير له عاقبةٌ حميدة
﴿وَنَقْصٍ مّنَ الاموال والانفس والثمرات﴾ عطفٌ على شيءٍ وقيل على الخوف وعن الشافعي ﵀ الخوفُ خوفُ الله والجوعُ صومُ رمضانَ ونقصٌ من الأموال الزكاةُ والصدقاتُ ومن الأنفس الأمراضُ ومن الثمرات موتُ الأولاد وعن النبيِّ ﷺ إذا مات ولدُ العبد قال الله تعالى للملائكة أقبضتم روح ولد عبدي فيقولون نعم فيقول أقبضتم ثمرةَ قلبِه فيقولون نعم فيقول الله تعالى ماذا قال عبدي فيقولون حمِدَك واسترجَع فيقول الله عز وعلا ابنُوا لعبدي بيتاً في الجنة وسمُّوه بيتَ الحمد
﴿وَبَشّرِ الصابرين﴾
стр. 341
﴿الذين إِذَا أصابتهم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون﴾ الخطابُ للرسول ﷺ أو لكلِّ مَنْ يتأتَّى منْهُ البِشارة والمصيبةُ ما يصيب الإنسانَ من مكروه لقوله ﵇ كلُّ شيءٍ يؤذي المؤمنَ فهو له مصيبةٌ وليس الصبرُ هو الاسترجاعُ باللسان بل بالقلب بأن يَتصوَّرَ ما خُلق له وأنه راجِعٌ إلى ربه ويتذكرَ نِعمَ الله تعالى عليه ويرى أن ما أبقى عليه اضعاف ما استرده منه فيهونُ ذلك على نفسه ويستسلم والمبشَّرُ به محذوفٌ دلَّ عليه ما بعده
стр. 342
﴿أولئك﴾ إشارة إلى الصابرين باعتبار اتصافهم بما ذُكِرَ من النعوتِ ومعنى البعد فيه للإيذان بعلوِّ رُتبتِهم
﴿عَلَيْهِمْ صلوات مّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾
стр. 343
الصلاةُ من الله سبحانه المغفرةُ والرأفةُ وجمعُها للتنبيه على كثرتها وتنوُّعِها والجمعُ بينهما وبين الرحمةِ للمبالغةِ كما في قولِهِ تعالى رَأْفَةً ورحمة رءوف رَّحِيمٌ والتنوين فيهما للتفخيم والتعرضُ لعنوانِ الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضميرهم لإظهارِ مزيدِ العناية بهم أي أولئك الموصوفون بما ذكر من النعوت الجليلةِ عليهم فنونُ الرأفةِ الفائضةِ من مالك أمورِهم ومبلِّغِهم إلى كمالاتهم اللائقةِ بهم وعن النبيِّ ﷺ من استرجعَ عند المصيبةِ جَبر الله مصيبَته وأحسن عُقباه وجعل له خَلَفاً صالحاً يرضاه
﴿وَأُوْلئِكَ﴾ إشارةٌ إليهم إما بالاعتبار السابقِ والتكريرُ لإظهارِ كمالِ العناية بهم وإما باعتبار حيازتِهم لما ذُكر من الصلوات والرحمة المترتبِ على الاعتبار الأول فعلى الأول المرادُ بالاهتداء في قولِه
﴿هُمُ المهتدون﴾ هو الاهتداءُ للحق والصواب مطلقاً لا الاهتداءُ لما ذكر من الاسترجاعِ والاستسلامِ خاصة لما أنه متقدمٌ عليهما فلا بدّ لتأخيره عما هو نتيجةٌ لهما من داعٍ يوجبُه وليس بظاهر والجملةُ اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبلَهُ كأنَّه قيلَ وأولئك هم المختصون بالاهتداء لكل حقَ وصواب ولذلك استرجعوا واستسلموا لقضاء الله تعالى وعلى الثاني هو الاهتداءُ والفوزُ بالمطالب والمعنى أولئك هم الفائزون بمباغيهم الدينيةِ والدنيويةِ فإن مَنْ نال رأفةَ الله تعالى ورحمتَه لم يفُتْه مَطلبٌ
стр. 344
﴿إِنَّ الصفا والمروة﴾ علمانِ لجبلين بمكةَ المعظمةِ كالصَّمّان والمُقَطَّم
﴿مِن شَعَائِرِ الله﴾ من أعلام مناسكِه جمعُ شعيرةٍ وهي العلامة
﴿فَمَنْ حَجَّ البيت أَوِ اعتمر﴾ الحجُّ في اللغة القصدُ والاعتمارُ الزيارة غلباً في الشريعة على قصدِ البيت وزيارتِه على الوجهين المعروفين كالبيت والنجم في الأعيان وحيث أُظهر البيتُ وجب تجريدُه عن التعلق به
﴿فلا جناح عليه أن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ أي في أن يطوفَ بهما أصلُه يتطوف قلبت التاءُ طاءً فأدغمت الطاءُ في الطاء وفي إيراد صيغةِ التفعُّل إيذانٌ بأن من حق الطائفِ أن يتكلف في الطواف ويبذُل فيه جُهدَه وهذا الطواف واجبٌ عندنا والشافعي وعن مالك رحمهما الله أنه ركنٌ وإيرادُه بعدم الجُناح المشعرِ بالتخيير لما أنه كان في عهد الجاهلية على الصفا صنمٌ يقال له إساف وعلى المروة آخرُ اسمُه نائلة وكانوا إذا سعَوْا بينهما مسَحوا بهما فلما جاء الإسلامُ وكسَّر الأصنامَ تحرَّج المسلمون أن يطوفوا بينهما لذلك فنزلت وقيل هو تطوُّع ويعضُده قراءةُ ابنِ مسعود فلا جُناحَ عليه أن لا يطوفَ بهما
﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ أي فعلَ طاعةً فرضاً كان أو نفلاً أو زاد على ما فُرض عليه من حج أو عمرةٍ أو طوافٍ وخيراً حينئذ نُصب على أنه صفةٌ لمصدر محذوفٍ أي تطوعاً خيراً أو على حذفِ الجارِّ وإيصالِ الفعل إليه أو على تضمين معنى فعل وقرئ يَطوَّع وأصلُه يتطوع مثل يطوف وقرئ ومن يَتَطَوَّع بخيرٍ
﴿فَإِنَّ الله شَاكِرٌ﴾ أي مُجازٍ على الطاعة عُبّر عن ذلك بالشكر مبالغةً في الإحسان إلى العباد
﴿عَلِيمٌ﴾ مبالغٌ في العلمِ بالأشياء فيعلم مقاديرَ أعمالِهم وكيفياتِها فلا يَنْقُصُ من أجورهم شيئاً وهو علةٌ لجواب الشرطِ قائم مقامَه كأنه قيل ومن تطوعَ خيراً جازاه الله وأثابه فإن الله شاكر عليم
стр. 345
البقرة (١٦٠ - ١٥٩)
стр. 346
﴿إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ﴾ قيل نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا ما في التوراة من نُعوت النبيِّ ﷺ وغيرُ ذلك من الأحكام وعن ابن عبَّاسٍ ومُجاهدٍ وقَتادةَ والحسنِ والسُّدي والربيع والأصمِّ أنها نزلت في أَهْلَ الكتاب من اليَّهودِ والنصارى وقيل نزلت في كل من كتم شيئاً من أحكام الدين لعموم الحكمِ للكل والأقربُ هو الأول فإن عمومَ الحُكم لا يأبى خصوصَ السبب والكَتم والكتمان تركُ إظهارِ الشيء قصداً مع مساس الحاجة إليه وتحققِ الداعي الى اظهار وذلك قد يكون بمجرد سَترِه وإخفائِه وقد يكون بإزالته ووضْعِ شيءٍ آخرَ في موضعه وهو الذي فعله هؤلاء
﴿مَآ أَنزَلْنَا مِنَ البينات﴾ من الآيات الواضحة الدالةِ على أمر محمدٍ ﷺ
﴿والهدى﴾ أي والآياتِ الهاديةِ إلى كُنه أمرِه ووجوب اتباعِه والإيمانِ به عَبَّر عنها بالمصدر مبالغةً ولم يُجمَعْ مراعاةُ للأصل وهي المرادة بالبينات أيضاً والعطفُ لتغايُر العنوان كما في قوله هُدًى لّلنَّاسِ وبينات الخ وقيل المراد بالهدى الأدلةُ العقلية ويأباه الإنزالُ والكتم
﴿مِن بَعْدِ مَا بيناه لِلنَّاسِ﴾ متعلق بيكتمون والمرادُ بالناس الكلُّ لا الكاتمون فقط واللام متعلقة ببيناه وكذا الظرف في قولِه تعالى
﴿فِى الكتاب﴾ فإن تعلقَ جارَّيْن بفعلٍ واحدٍ عند اختلافِ المعنى مما لا ريب في جوازه أو الأخيرُ متعلقٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من مفعوله أي كائناً في الكتاب وتبيينه لهم تلخيصُه وإيضاحُه بحيث يتلقاه كلُّ أحد منهُم منْ غيرِ أنْ يكون له فيه شُبهةٌ وهذا عنوانٌ مغايرٌ لكونه بيناً في نفسه وهدى مؤكد لقبح الكتم أو تفهيمُه لهم بواسطة موسى ﵇ والأول أنسبُ بقوله تعالى في الكتاب والمرادُ بكتمه إزالتُه ووضعُ غيرِه في موضعه فإنهم محو انعته ﵊ وكتبوا مكانه ما يخالفه كما ذكرناه في تفسير قولِه عزَّ وعلا فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب الخ
﴿أولئك﴾ إشارةٌ إليهم باعتبارِ ما وصفوا به للإشعار بعلِّيته لما حاق بهم وما فيه من معنى البعدُ للإيذان بتَرامي أمرهم وبُعد منزلتِهم في الفساد
﴿يَلْعَنُهُمُ الله﴾ أي يطرُدهم ويبعدهم من رحمته والالتفاتُ إلى الغَيبة بإظهار اسمِ الذاتِ الجامعِ للصفاتِ لتربية المهابةِ وإدخالِ الروعةِ والإشعارِ بأن مبدأ صدورِ اللعن عنه سبحانه صفةُ الجلالِ المغايرةِ لما هو مبدأ الإنزال والتبيينِ من وصَفِ الجمالِ والرحمة
﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللاعنون﴾ أي الذين يتأتى منهم اللعنُ أي الدعاءُ عليهم باللعن من الملائكة ومؤمني الثقلين والمرادُ بيانُ دوام اللعنِ واستمرارُه وعليه يدور الاستثناءُ المتصلُ في قوله تعالى
стр. 347
﴿إلا الذين تابوا﴾ أي عن الكِتمان
﴿وَأَصْلَحُواْ﴾ أي ما أفسدوا بأن أزالوا الكلام المحرف وكتبوا مكانه ما كانوا أزالوه عند التحريف
﴿وَبَيَّنُواْ﴾ للناس معانيَه فإنه غير الإصلاح المذكور أو بينوا لهم ما وقع منهم أولاً وآخراً فإنه أدخلُ في إرشاد الناس إلى الحق وصرفُهم عن طريق الضلال الذي كانوا أوقعوهم فيه أو بيّنوا توبتَهم ليمحُوا به سِمةَ ما كانوا فيه ويقتديَ بهم أضرابهم
стр. 348
البقرة (١٦٣ - ١٦١)
وحيث كانت هذه التوبة المقرونةُ بالإصلاح والتبيين مستلزمةً للتوبة عن الكفر مبنية عليها لم يصرَّحْ بالإيمان وقولُه تعالى
﴿أولئك﴾ إشارةٌ إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة للإشعار بعلّيته للحكم والفاءُ لتأكيد ذلك
﴿أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ أي بالقَبول وإفاضةِ المغفرةِ والرحمةِ وقولُه تعالَى
﴿وَأَنَا التواب الرحيم﴾ أي المبالغُ في قبول التوْب ونشرِ الرحمةِ اعتراضٌ تذييليٌّ محققٌ لمضمون ما قبله والالتفاتُ إلى التكلم للافتيان في النظمِ الكريم مع ما فيه من التلويحِ والرمزِ إلى ما مرَّ من اختلاف المبدأ في فِعليه تعالى السابقِ واللاحِقِ
стр. 349
﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ﴾ جملةٌ مستأنفة سيقت لتحقيق بقاءِ اللعن فيما وراء الاستثناءِ وتأكيدِ دوامِه واستمرارِه على غير التائبين حسبما يفيده الكلام والاقتصارُ على ذكر الكفر في الصلة من غير تعرضٍ لعدم التوبة والإصلاحِ والتبيينِ مبنيٌّ على ما أشيرَ إليهِ فكما أن وجودَ تلك الأمور الثلاثةِ مستلزِمٌ للإيمان الموجبِ لعدم الكفر كذلك وجودُ الكفر مستلزمٌ لعدمها جميعاً أي إن ذلك استمرار على الكفر المستتبِع للكتمان وعدمِ التوبة
﴿وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ لا يرعوون عن حالتهم الأولى
﴿أولئك﴾ الكلامُ فيه كما فيما قبله
﴿عَلَيْهِمْ﴾ أي مستقِرٌّ عليهم
﴿لعنة الله والملائكة والناس أَجْمَعِينَ﴾ ممن يُعتَدُّ بلعنتهم وهذا بيانٌ لدوامها الثبوتي بعد بيان دوامِها التجدّدي وقيل الأولُ لعنتَهم أحياءً وهذا لعنتهم أمواتا وقرئ والملائكةُ والناسُ أجمعون عطفاً على محلِّ اسم الله لأنه فاعلٌ في المعنى كقولك أعجبني ضربُ زيدٍ وعمروٍ تريد مِنْ أنْ ضرب زيد وعمر وكأنه قيل أولئك عليهم أنْ لعنهم الله والملائكةُ الخ وقيل هو فاعل لفعل مقدرٍ أي ويلعنهم الملائكة
стр. 350
﴿خالدين فِيهَا﴾ أي في اللعنة أو في النار على أنها أُضمرت من غير ذكرٍ تفخيماً لشأنها وتهويلاً لأمرِها
﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب﴾ إما مستأنفٌ لبيان كثرة عذابِهم من حيث الكيفُ إثرَ بيانِ كثرتِه من حيث الكمُّ أو حال من الضمير في خالدين على وجه التداخُل أو من الضميرِ في عليهم على طريقة الترادُف
﴿وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ عطف على ما قبله جار فيه ما جرى فيه وإيثارُ الجملةِ الاسميةِ لإفادة دوامِ النفي واستمراره أي لا يُمهلون ولا يُؤجّلون أو لا يُنتظرون ليعتذروا أو لا يُنظر إليهم نَظَر رحمة
стр. 351
﴿وإلهكم﴾ خطابٌ عام لكافة الناس أي المستحِقُّ منكم للعبادة
﴿إله واحد﴾ أي فرد في الإلهيه لاصحة لتسمية غيرِه إلها أصلاً
﴿لَا إله إِلَاّ هو﴾ خبرٌ ثانٍ للمبتدأ أو صفةٌ أخرى للخبر أو اعتراض وأياما كان فهو مقرِّرٌ للوحدانية ومزيح لما عسى يُتوهّم أن في الوجود إلها لكن لا يستحق العبادة
﴿الرحمن الرحيم﴾ خبران آخران لمبتدأ محذوفٍ وهو تقريرٌ للتوحيد فإنه تعالى حيث كان مُولياً لجميع النعم أصولِها وفروعِها جليلِها ودقيقِها وكان ما سواه كائناً ما كان مفتقراً إليه في وجوده وما تتفرع عليه من كمالاته تحققتْ وحدانيتُه بلا ريب وانحصر استحقاقُ العبادةِ فيه تعالى قطعاً قيل كان للمشركين
стр. 352
البقرة (١٦٤)
حول الكعبة المكرمة ثلثُمائة وستون صنماً فلما سمعوا هذه الآية تعجبوا أو قالوا إن كنت صادقاً فأتِ بآيةٍ نعرِفْ بها صدقك فنزلت
стр. 353
﴿إن في خلق السماوات والارض﴾ أي في إبداعهما على ما هما عليه مع ما فيهما من التعاجيب العِبَر وبدائِع صنائعَ يعجِزُ عن فهمها عقولُ البشر وجمعُ السموات لما هو المشهورُ من أنها طبقاتٌ متخالفة الحقائقِ دون الأرض
﴿واختلاف الليل والنهار﴾ أي اعتقابِهما وكونِ كلَ منهما خلَفاً للآخر كقولِه تعالى وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ اليل والنهار خِلْفَةً أو اختلافُ كل منهما في أنفسهما ازدياداً وانتقاصاً على ما قدّره الله تعالى
﴿والفلك التى تَجْرِى فِى البحر﴾ عطفٌ على ما قبله وتأنيثُه إما بتأويل السفينة أو بأنه جمعٌ فإن ضمةَ الجمعِ مغايرةٌ لضمة الواحد في التقدير إذا الأُولى كما في حُمُر والثانية كما في قُفْل وقرئ بضم اللام
﴿بِمَا يَنفَعُ الناس﴾ أي متلبسه بالذي ينفعُهم مما يُحمل فيها من أنواع المنافعِ أو بنفعهم
﴿وَمَا أَنزَلَ الله مِنَ السماء مِن مَّاء﴾ عطفٌ على الفلك وتأخيرُه عن ذكرها مع كونه أعمَّ منها نفعاً لما فيه من مزيد تفصيلٍ وقيل المقصودُ الاستدلالُ بالبحر وأحوالِه وتخصيصُ الفلك بالذكر لأنه سببُ الخوض فيه والاطلاعِ على عجائبه ولذلك قدِّم على ذكر المطرِ والسحابِ لأن منشأهما البحرُ في غالب الأمر ومن الأولى ابتدائيةٌ والثانية بيانية أو تبيعضية وأياما كان فتأخيرُها لما مرَّ مرارا من التشويقِ والمرادُ بالسماء الفَلَكُ أو السحابُ أو جهةُ العلوِّ
﴿فأحيا بِهِ الارض﴾ بأنواع النباتِ والإزهارِ وما عليها من الأشجار
﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ باستيلاء اليُبوسةِ عليها حسبما تقتضيه طبيعتُها كما يوزن به إيرادُ الموت في مقابلة الإحياء
﴿وَبَثَّ فِيهَا﴾ أي فرَّق ونشر
﴿مِن كُلّ دَابَّةٍ﴾ من العقلاء وغيرهم والجملة معطوفةٌ على أنزل داخلةٌ تحت حكمِ الصلةِ وقوله تعالى فأحيا الخ متصلٌ بالمعطوف عليه بحيث كانا في حكم شئ واحد كأنه قيل وما أَنزل في الأرض من ماءٍ وبثَّ فيها الخ أو على أحيا بحذف الجارِّ والمجرور العائدِ إلى الموصول وإن لم يتحقق الشرائط المعهودة كما قي قوله ... وإن لساني شَهْدةٌ يشتفى بها ... ولكنْ على مَنْ صَبَّه الله علقمُ ... أي علقمٌ عليه وقولِه ... لعلَّ الذي أصْعَدْتَني أن يرُدَّني ... إلى الأرضِ إن لم يقدِرِ الخيرَ قادِرُهْ ...
على معنى فأحيا بالماء الأرضَ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلّ دابةٍ فإنهم ينمُون بالخصب ويعيشون بالحَيا
﴿وَتَصْرِيفِ الرياح﴾ عطف على ماأنزل أي تقليبها من مهب إلى آخر أومن حال إلى أخرى وقرئ على الإفراد
﴿والسحاب﴾ عطفٌ على تصريفِ أو الرياحِ وهو اسمُ جنسٍ واحده سَحابةٌ سمي بذلك لانسحابه في الجو
﴿المسخر بَيْنَ السماء والارض﴾ صفةٌ للسحاب باعتبار لفظه وقد يُعتبر معناه فيوصف بالجمع كما في قوله تعالى سَحَابًا ثِقَالاً وتسخيرُه تقليبُه في الجو بواسطة الرياحِ حسبما تقتضيه مشيئةُ الله تعالى ولعل تأخيرَ تصريفِ الرياحِ وتسخيرِ السحاب في الذكر عن جريان الفُلك وإنزال الماء مع انعكاس الترتيب الخارجيّ لما مرَّ في قصَّةِ البقرةِ من الإشعار باستقلال كلَ من الأمور المعدودة في
стр. 354
البقرة (١٦٥)
كونها آيةً ولو رُوعيَ الترتيبُ الخارجيُّ لربما تُوهُم كونُ المجموعِ المترتبِ بعضُه على بعضٍ آيةً واحدة
﴿لَايَاتٍ﴾ اسمُ إن دخلته اللام لتأخره عن خبرها والتنكيرُ للتفخيم كماً وكيفاً أي آياتٍ عظيمةً كثيرةً دالة على القدرة والحِكمة الباهرةِ والرحمةِ الواسعة المقتضية لاختصاص الألوهية به سبحانه
﴿لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي يتفكرون فيها وينظرون إليها بعيون العقول وفيه تعريضٌ بجهل المشركين الذين اقترحوا على النبيِّ ﷺ آيةً تصدِّقه في قوله تعالى وإلهكم إله واحد وتسجيلٌ عليهم بسخافة العقولِ وإلا فمن تأمل في تلك الآيات وجدَ كلاً منها ناطقةً بوجوده تعالى ووحدانيته وسائرِ صفاتِه الكماليةِ الموجبةِ لتخصيصِ العبادةِ بهِ تعالى واستُغني بها عن سائرها فإن كلَّ واحدٍ من الأمور المعدودةِ قد وجد على وجه خاصَ من الوجوه الممكنةِ دون ما عداه مستتبعاً لآثار معينةٍ وأحكامٍ مخصوصةٍ من غير أن تقتضي ذاتُه وجودَه فضلاً عن وجوده على نمطٍ معين مستتبعٍ لحكمٍ مستقل فإذن لا بدله حتماً من موجدٍ قادر حكيمٍ يوجده حسبما تقتضيه حكمتُه وتستدعيه مشيئتُه متعالٍ عن معارضة الغير إذ لو كان معه آخرُ يقدِر على ما يقدرُ عليه لزمَ إما اجتماعُ المؤثِّرَيْن على أثر واحدٍ أو التمانعُ المؤدي إلى فساد العالم
стр. 355
﴿وَمِنَ الناس مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الله﴾ بيانٌ لكمال ركاكةِ آراءِ المشركين إثرَ تقريرِ وحدانيتِه سبحانه وتحريرِ الآياتِ الباهرةِ المُلجئةِ للعقلاء إلى الاعتراف بها الفائضةِ باستحالة أن يشاركَه شئ من الموجودات في صفة من صفات الكمالِ فضلاً عن المشاركة في صفة الألوهية والكلامُ في إعرابه كما فُصِّل في قولِه تعالى وَمِنَ الناس مَن يقول آمنا بالله وباليوم الأخر الخ ومن دون الله متعلقٌ بيتخذ أي من الناس من يتخذ من دون ذلك الإله الواحدِ الذي ذكرت شئونه الجليلةُ وإيثارُ الاسمِ الجليل لتعيينه تعالى بالذات غِبَّ تعيينه بالصفات
﴿أَندَاداً﴾ أي أمثالاً وهم رؤساؤُهم الذين يتبعونهم فيما يأتُون وما يَذَرُون لاسيما في الأوامر والنواهي كما يفصح عنه ماسيأتى من وصفهم بالتبرِّي من المتّبعين وقيل هي الأصنام وإرجاعُ ضميرِ العقلاءِ إليها في قوله عز وعلا
﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾ مبنيٌّ على آرائهم الباطلة في شانها من وصفهم بمالا يوصف به إلا العقلاءُ والمحبةُ ميلُ القلب من الحب استُعير لحبَّة القلبِ ثم اشتُق منه الحبُ لأنه أصابها ورسخ فيها والفعل منها حبَّ على حدمد لكن الاستعمالَ المستفيضَ على أحب حباً ومحبةً فهو مُحِب وذاك محبوبٌ ومُحَبّ قليل وحابّ أقلُ منه ومحبةُ العبد لله سبحانه إرادةُ طاعتِهِ في أوامرِهِ ونواهيهِ والاعتناءُ بتحصيل مراضيه فمعنى يُحبونهم يطيعونهم ويعظمونهم والجملةُ في حيز النصبِ إما صفةٌ لأنداداً أو حالا من فاعل يتخذ وجمعُ الضميرِ باعتبارِ مَعْنى من كما أن إفرادَه باعتبار لفظِها
﴿كَحُبّ الله﴾ مصدرٌ تشبيهيٌّ أي نعتٌ لمصدر مؤكدٍ للفعل السَّابقِ ومن قضية كونِه مبنياً للفاعل كونُه أيضاً كذلك والظاهرُ اتحادُ فاعلِهما فإنهم كانوا يُقِرّون به تعالى أيضاً ويتقربون إليه فالمعنى يحبونهم حباً كائناً كحبهم لله تعالى أي يسوّون بينه تعالى وبينهم في الطاعة والتعظيم وقيل فاعلُ الحبِّ المذكور هم
следующие страницы →