← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

﴿وإلهكم﴾ خطابٌ عام لكافة الناس أي المستحِقُّ منكم للعبادة ﴿إله واحد﴾ أي فرد في الإلهيه لاصحة لتسمية غيرِه إلها أصلاً ﴿لَا إله إِلَاّ هو﴾ خبرٌ ثانٍ للمبتدأ أو صفةٌ أخرى للخبر أو اعتراض وأياما كان فهو مقرِّرٌ للوحدانية ومزيح لما عسى يُتوهّم أن في الوجود إلها لكن لا يستحق العبادة ﴿الرحمن الرحيم﴾ خبران آخران لمبتدأ محذوفٍ وهو تقريرٌ للتوحيد فإنه تعالى حيث كان مُولياً لجميع النعم أصولِها وفروعِها جليلِها ودقيقِها وكان ما سواه كائناً ما كان مفتقراً إليه في وجوده وما تتفرع عليه من كمالاته تحققتْ وحدانيتُه بلا ريب وانحصر استحقاقُ العبادةِ فيه تعالى قطعاً قيل كان للمشركين

стр. 352

البقرة (١٦٤) حول الكعبة المكرمة ثلثُمائة وستون صنماً فلما سمعوا هذه الآية تعجبوا أو قالوا إن كنت صادقاً فأتِ بآيةٍ نعرِفْ بها صدقك فنزلت

стр. 353

﴿إن في خلق السماوات والارض﴾ أي في إبداعهما على ما هما عليه مع ما فيهما من التعاجيب العِبَر وبدائِع صنائعَ يعجِزُ عن فهمها عقولُ البشر وجمعُ السموات لما هو المشهورُ من أنها طبقاتٌ متخالفة الحقائقِ دون الأرض ﴿واختلاف الليل والنهار﴾ أي اعتقابِهما وكونِ كلَ منهما خلَفاً للآخر كقولِه تعالى وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ اليل والنهار خِلْفَةً أو اختلافُ كل منهما في أنفسهما ازدياداً وانتقاصاً على ما قدّره الله تعالى ﴿والفلك التى تَجْرِى فِى البحر﴾ عطفٌ على ما قبله وتأنيثُه إما بتأويل السفينة أو بأنه جمعٌ فإن ضمةَ الجمعِ مغايرةٌ لضمة الواحد في التقدير إذا الأُولى كما في حُمُر والثانية كما في قُفْل وقرئ بضم اللام ﴿بِمَا يَنفَعُ الناس﴾ أي متلبسه بالذي ينفعُهم مما يُحمل فيها من أنواع المنافعِ أو بنفعهم ﴿وَمَا أَنزَلَ الله مِنَ السماء مِن مَّاء﴾ عطفٌ على الفلك وتأخيرُه عن ذكرها مع كونه أعمَّ منها نفعاً لما فيه من مزيد تفصيلٍ وقيل المقصودُ الاستدلالُ بالبحر وأحوالِه وتخصيصُ الفلك بالذكر لأنه سببُ الخوض فيه والاطلاعِ على عجائبه ولذلك قدِّم على ذكر المطرِ والسحابِ لأن منشأهما البحرُ في غالب الأمر ومن الأولى ابتدائيةٌ والثانية بيانية أو تبيعضية وأياما كان فتأخيرُها لما مرَّ مرارا من التشويقِ والمرادُ بالسماء الفَلَكُ أو السحابُ أو جهةُ العلوِّ ﴿فأحيا بِهِ الارض﴾ بأنواع النباتِ والإزهارِ وما عليها من الأشجار ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ باستيلاء اليُبوسةِ عليها حسبما تقتضيه طبيعتُها كما يوزن به إيرادُ الموت في مقابلة الإحياء ﴿وَبَثَّ فِيهَا﴾ أي فرَّق ونشر ﴿مِن كُلّ دَابَّةٍ﴾ من العقلاء وغيرهم والجملة معطوفةٌ على أنزل داخلةٌ تحت حكمِ الصلةِ وقوله تعالى فأحيا الخ متصلٌ بالمعطوف عليه بحيث كانا في حكم شئ واحد كأنه قيل وما أَنزل في الأرض من ماءٍ وبثَّ فيها الخ أو على أحيا بحذف الجارِّ والمجرور العائدِ إلى الموصول وإن لم يتحقق الشرائط المعهودة كما قي قوله ... وإن لساني شَهْدةٌ يشتفى بها ... ولكنْ على مَنْ صَبَّه الله علقمُ ... أي علقمٌ عليه وقولِه ... لعلَّ الذي أصْعَدْتَني أن يرُدَّني ... إلى الأرضِ إن لم يقدِرِ الخيرَ قادِرُهْ ... على معنى فأحيا بالماء الأرضَ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلّ دابةٍ فإنهم ينمُون بالخصب ويعيشون بالحَيا ﴿وَتَصْرِيفِ الرياح﴾ عطف على ماأنزل أي تقليبها من مهب إلى آخر أومن حال إلى أخرى وقرئ على الإفراد ﴿والسحاب﴾ عطفٌ على تصريفِ أو الرياحِ وهو اسمُ جنسٍ واحده سَحابةٌ سمي بذلك لانسحابه في الجو ﴿المسخر بَيْنَ السماء والارض﴾ صفةٌ للسحاب باعتبار لفظه وقد يُعتبر معناه فيوصف بالجمع كما في قوله تعالى سَحَابًا ثِقَالاً وتسخيرُه تقليبُه في الجو بواسطة الرياحِ حسبما تقتضيه مشيئةُ الله تعالى ولعل تأخيرَ تصريفِ الرياحِ وتسخيرِ السحاب في الذكر عن جريان الفُلك وإنزال الماء مع انعكاس الترتيب الخارجيّ لما مرَّ في قصَّةِ البقرةِ من الإشعار باستقلال كلَ من الأمور المعدودة في

стр. 354

البقرة (١٦٥) كونها آيةً ولو رُوعيَ الترتيبُ الخارجيُّ لربما تُوهُم كونُ المجموعِ المترتبِ بعضُه على بعضٍ آيةً واحدة ﴿لَايَاتٍ﴾ اسمُ إن دخلته اللام لتأخره عن خبرها والتنكيرُ للتفخيم كماً وكيفاً أي آياتٍ عظيمةً كثيرةً دالة على القدرة والحِكمة الباهرةِ والرحمةِ الواسعة المقتضية لاختصاص الألوهية به سبحانه ﴿لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي يتفكرون فيها وينظرون إليها بعيون العقول وفيه تعريضٌ بجهل المشركين الذين اقترحوا على النبيِّ ﷺ آيةً تصدِّقه في قوله تعالى وإلهكم إله واحد وتسجيلٌ عليهم بسخافة العقولِ وإلا فمن تأمل في تلك الآيات وجدَ كلاً منها ناطقةً بوجوده تعالى ووحدانيته وسائرِ صفاتِه الكماليةِ الموجبةِ لتخصيصِ العبادةِ بهِ تعالى واستُغني بها عن سائرها فإن كلَّ واحدٍ من الأمور المعدودةِ قد وجد على وجه خاصَ من الوجوه الممكنةِ دون ما عداه مستتبعاً لآثار معينةٍ وأحكامٍ مخصوصةٍ من غير أن تقتضي ذاتُه وجودَه فضلاً عن وجوده على نمطٍ معين مستتبعٍ لحكمٍ مستقل فإذن لا بدله حتماً من موجدٍ قادر حكيمٍ يوجده حسبما تقتضيه حكمتُه وتستدعيه مشيئتُه متعالٍ عن معارضة الغير إذ لو كان معه آخرُ يقدِر على ما يقدرُ عليه لزمَ إما اجتماعُ المؤثِّرَيْن على أثر واحدٍ أو التمانعُ المؤدي إلى فساد العالم

стр. 355

﴿وَمِنَ الناس مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الله﴾ بيانٌ لكمال ركاكةِ آراءِ المشركين إثرَ تقريرِ وحدانيتِه سبحانه وتحريرِ الآياتِ الباهرةِ المُلجئةِ للعقلاء إلى الاعتراف بها الفائضةِ باستحالة أن يشاركَه شئ من الموجودات في صفة من صفات الكمالِ فضلاً عن المشاركة في صفة الألوهية والكلامُ في إعرابه كما فُصِّل في قولِه تعالى وَمِنَ الناس مَن يقول آمنا بالله وباليوم الأخر الخ ومن دون الله متعلقٌ بيتخذ أي من الناس من يتخذ من دون ذلك الإله الواحدِ الذي ذكرت شئونه الجليلةُ وإيثارُ الاسمِ الجليل لتعيينه تعالى بالذات غِبَّ تعيينه بالصفات ﴿أَندَاداً﴾ أي أمثالاً وهم رؤساؤُهم الذين يتبعونهم فيما يأتُون وما يَذَرُون لاسيما في الأوامر والنواهي كما يفصح عنه ماسيأتى من وصفهم بالتبرِّي من المتّبعين وقيل هي الأصنام وإرجاعُ ضميرِ العقلاءِ إليها في قوله عز وعلا ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾ مبنيٌّ على آرائهم الباطلة في شانها من وصفهم بمالا يوصف به إلا العقلاءُ والمحبةُ ميلُ القلب من الحب استُعير لحبَّة القلبِ ثم اشتُق منه الحبُ لأنه أصابها ورسخ فيها والفعل منها حبَّ على حدمد لكن الاستعمالَ المستفيضَ على أحب حباً ومحبةً فهو مُحِب وذاك محبوبٌ ومُحَبّ قليل وحابّ أقلُ منه ومحبةُ العبد لله سبحانه إرادةُ طاعتِهِ في أوامرِهِ ونواهيهِ والاعتناءُ بتحصيل مراضيه فمعنى يُحبونهم يطيعونهم ويعظمونهم والجملةُ في حيز النصبِ إما صفةٌ لأنداداً أو حالا من فاعل يتخذ وجمعُ الضميرِ باعتبارِ مَعْنى من كما أن إفرادَه باعتبار لفظِها ﴿كَحُبّ الله﴾ مصدرٌ تشبيهيٌّ أي نعتٌ لمصدر مؤكدٍ للفعل السَّابقِ ومن قضية كونِه مبنياً للفاعل كونُه أيضاً كذلك والظاهرُ اتحادُ فاعلِهما فإنهم كانوا يُقِرّون به تعالى أيضاً ويتقربون إليه فالمعنى يحبونهم حباً كائناً كحبهم لله تعالى أي يسوّون بينه تعالى وبينهم في الطاعة والتعظيم وقيل فاعلُ الحبِّ المذكور هم

стр. 356

البقرة (١٦٦) المؤمنون فالمعنى حباً كائناً كحب المؤمنين له تعالى فلا بُدَّ من اعتبارِ المشابهة بينهما في أصل الحبِّ لا في وصفِه كماً أو كيفاً لما سيأتي من التفاوت البين وقيل هو مصدرٌ من المبنيِّ للمفعولِ أي كما يُحب الله تعالى ويعظم وإنما استُغني عن ذكر مَنْ يحبه لأنه غير ملبس وأنت خبيرٌ بأنه لا مشابهة بين محبيتهم لأندادهم وبين محبوبيتِه تعالى فالمصيرُ حينئذ ما أسلفناه في تفسير قولِه عزَّ قائلاً كَمَا سُئِلَ موسى مِن قَبْلُ وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في مقام الإضمار لتربية المهابة وتفخيمِ المضاف وإبانةِ كمال قُبحِ ما ارتكبوه ﴿والذين آمنوا أَشَدُّ حُبّا لِلَّهِ﴾ جملة مبتدأة جئ بها توطئةً لما يعقُبها من بيان رخاوةِ حبِّهم وكونِه حسرة عليهم والمفضلُ عليه محذوف أي المؤمنين أشدُّ حباً له تعالى منهم لأندادهم ومآلُه أن حبَّ أولئك له تعالى أشدُّ من حب هؤلاءِ لأندادهم فيهِ منَ الدَلالة عَلى كون الحبِّ مصدراً من المبنى للفاعل مالا يخفى وإنما لم يُجعل المفضلُ عليه حبَّهم لله تعالى لما أنَّ المقصودَ بيانُ انقطاعِه وانقلابِه بغضاً وذلك إنما يُتصور في حبهم لأندادهم لكونه منوطاً بمبانٍ فاسدةٍ ومبادٍ موهومةٍ يزول بزوالها قيل ولذلك كانوا يعدلون عنها عند الشدائد إلى الله سبحانه وكانوا يعبُدون صنماً أياماً فإذا وجدوا آخَرَ رفضوه إليه وقد أكلت باهلةُ إلهها عام المجاعةِ وكان من حيس وأنت خبيرٌ بأن مدارَ ذلك اعتبارُ اختلال حبِّهم لها في الدنيا وليس الكلام فيه بل في انقطاعه في الآخرة عند ظهورِ حقيقةِ الحال ومعاينةِ الأهوال كما سيأتي بل اعتبارُه مخِلٌّ بما يقتضيه مقامُ المبالغةِ في بيان كمالِ قبحِ ما ارتكبوه وغايةِ عظم ما اقترفوه وإيثارُ الإظهار في موضعِ الإضمارِ لتفخيمِ الحُبِّ والإشعارِ بعلّته ﴿وَلَوْ يَرَى الذين ظَلَمُواْ﴾ أي باتخاذ الأنداد ووضعِها موضعَ المعبود ﴿إِذْ يَرَوْنَ العذابَ﴾ المُعدَّ لهم يومَ القيامة أي لو علِموا إذا عاينوه وإنما أوثر صيغةُ المستقبل لجريانها مجرى الماضي في الدلالة على التحقيق في أخبار علامِ الغيوب ﴿أَنَّ القوة لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ سادّ مسدَّ مفعولي يرى ﴿وَأَنَّ الله شَدِيدُ العذاب﴾ عطفٌ عليه وفائدتُه المبالغةُ في تهويل الخطبِ وتفظيعِ الأمر فإن اختصاصَ القوة به تعالى لا يوجب شدةَ العذاب لجواز تركِه عفواً مع القدرة عليه وجوابُ لو محذوفٌ للإيذان بخروجه عن دائرة البيانِ إما لعدم الإحاطةِ بكنهه وإما لضيق العبارةِ عنه وإما لإيجاب ذكره مالا يستطيعه المعبِّر أو المستمِعُ من الضجر والتفجُّع عليه أي لو علموا إذ رأوُا العذابَ قد حل بهم ولم يُنقِذْهم منه أحدٌ من أندادهم أن القوة لله جميعاً ولا دخل لاحد في شئ أصلاً لوقعوا من الحسرة والندم فيما لا يكاد يوصف وقرئ ولو ترى بالتاء الفوقانية على أن الخطابَ للرسول ﷺ أو لكل أحد ممن يصلُح للخطاب فالجوابُ حينئذ لرأيتَ أمراً لا يوصَف من الهول والفظاعة وقرئ إذ يُرَوْن على البناء للمفعول ﴿وأن الله شديد العذاب﴾ على الاستئناف وإضمارِ القول

стр. 357

﴿إِذْ تَبَرَّأَ الذين اتبعوا﴾ بدلٌ من إذ يرون أي إذ تبرأ الرؤساء ﴿مِنَ الذين اتبعوا﴾ من الأتْباع بأن اعترفوا ببطلان ما كانوا يدّعونه في الدنيا ويدْعونهم إليه من فنون الكفر والضلالِ واعتزلوا عن مخالطتهم وقابلوهم باللعن كقول إبليس إِنّى كَفَرْتُ بما اشر كتموني من قبل وقرئ بالعكس أي تبرأ الأتْباعُ من الرؤساء والواو في قولِه ﴿وَرَأَوُاْ العذاب﴾

стр. 358

حالية وقد مضمرةٌ وقيل عاطفةٌ على تبرأ والضمير في رأوا للموصوفين جميعاً ﴿وتقطعت بهم الأسباب﴾ والوصل التي كانت بينهم من التبعية والمتبوعيةِ والاتّفاقِ على الملة الزائغةِ والأغراضِ الداعيةِ إلى ذلك وأصلُ السبب الحبلُ الذي يرتقى به الشجر ونحوه معطوفةٌ على تبرأ وتوسيطُ الحال بينهما للتنبيه على علة التبرّي وقد جُوّز عطفُها على الجملة الحالية

стр. 359

﴿وَقَالَ الذين اتبعوا﴾ حين عاينوا تبرُؤَ الرؤساءِ منهم وندِموا على ما فعلوا من اتّباعهم لهم في الدنيا ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ أي ليت لنا رجعةً إلى الدنيا ﴿فَنَتَبَرَّأَ منهم﴾ هناك ﴿كما تبرؤوا منا﴾ اليوم ﴿كذلك﴾ إشارةٌ إلى مصدرِ الفعل الذي بعده لا الى شئ آخر مفهوم مما سبق وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو درجة المُشَارِ إليهِ وبُعْدِ منزلتِه مع كمال تميُّزِه عما عداه وانتظامِه في سلك الأمور المشاهدة والكاف مُقحَمَةٌ لتأكيد ما أفاده اسمُ الإشارةِ من الفخامة ومحلُّه النصبُ على المصدرية أي ذلك الإراءَ الفظيعَ ﴿يُرِيهِمُ الله أعمالهم حسرات عَلَيْهِمْ﴾ أي نداماتٍ شديدةً فإن الحسرةَ شدةُ الندم والكمَدِ وهي تألمُ القلبِ وانحسارُه عما يؤلمه واشتقاقها من قولهم بعير حسيرٌ أي منقطعٌ القوة وهي ثالثُ مفاعيلِ يُري إن كان من رؤية القلبِ وإلا فهي حالٌ والمعنى أن أعمالَهم تنقلبُ حسراتٍ عليهم فلا يرَوْن إلا حسراتٍ مكانَ أعمالِهم ﴿وَمَا هُم بخارجين مِنَ النار﴾ كلامٌ مستأنفٌ لبيان حالِهم بعد دخولِهم النارَ والأصلُ وما يخرجون والعدولُ إلى الاسمية لإفادة دوامِ نفي الخروج والضميرُ للدَلالة على قوةِ أمرِهم فيما أُسند إليهم كما في قوله ... هُمُ يفرُشون اللِّبْدَ كُلَّ طمرة ... واجرد سباق يبذ المغاليا ...

стр. 360

﴿يا أيها الناس كُلُواْ مِمَّا فِى الارض﴾ أي بعضِ ما فيها من أصناف المأكولات التي من جملتها ما حرّمتموه افتراءً على الله من الحرْثِ والأنعام قال ابن عباس ﵄ نزلت في قوم من ثقيفٍ وبني عامرِ بنِ صَعْصَعةَ وخُزاعةَ وبني مدلج حرَّموا على أنفسهم ما حرموه من الحرْث والبحائرِ والسوائبِ والوصائل والحامِ وقولُه تعالى ﴿حلالا﴾ حالٌ من الموصولِ أي كلوه حال كونه حلالاً أو مفعولٌ لكلوا على أنّ مِنْ ابتدائيةٌ وقد جُوِّز كونُه صفةً لمصدر مؤكَّدٍ أي أكلاً حلالاً ويؤيد الأولَيْن قولُه تعالى ﴿طَيّباً﴾ فإنه صفةٌ له ووصفُ الأكل به غيرُ معتاد وقيل نزلت في قوم من المؤمنين حرموا على أنفسهم رفيعَ الأطعمة والملابس ويردّه قوله ﴿وَلَا تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان﴾ أي لا تقتدوا بها في اتباع الهوى فإنه صريحٌ في أن الخطابَ للكفرة كيف لا وتحريمُ الحلال على نفسه تزهدا ليس من باب اتباع خطواتِ الشيطانِ فضلاً عن كونه تقوُّلاً وافتراءً على الله تعالى وإنما نزل فيهم ما في

стр. 361

البقرة (١٧٠ - ١٦٩) سورة المائدة من قوله تعالى بأيها الذين آمنوا لَا تُحَرّمُواْ طيبات مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ الآية وقرئ خُطْواتِ بسكون الطاء وهما لغتان في جمع خُطْوة وهي ما بين قدمي الخاطى وقرئ بضمتين وهمزة جعلت الضمةُ على الطاء كأنها على الواو وبفتحتين على أنها جمعُ خَطْوة وهي المرة من الخَطْو ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ تعليلٌ للنَّهي أيْ ظاهر العدواة عند ذوي البصيرة وإن كان يُظهر الولاية لمن يُغويه ولذلك سُمِّي ولياً في قوله تعالى أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت

стр. 362

﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بالسوء والفحشاء﴾ استئنافٌ لبيان كيفيةِ عداوتِه وتفصيلٌ لفنون شرِّه وإفسادِه وانحصارِ معاملتِه معهم في ذلك والسوءُ في الأصل مصدرُ ساءه يسوؤُه سُوءاً ومَساءةً إذا أحزنه يُطلقُ على جميع المعاصي سواءٌ كانت من أعمال الجوارحِ أو أفعالِ القلوب لاشتراك كلِّها في أنها تسوءُ صاحبَها والفحشاءُ أقبحُ أنواعِها وأعظمُها مساءةً ﴿وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ عطفٌ على الفحشاء أي وبأن تفتروا على الله بأنه حرّم هذا وذاك ومعنى مالا تعلمون مالا تعلمون إنَّ الله تعالَى أمرَ به وتعليقُ أمرِه بتقوُّلِهم على الله تعالى مالا يعلمون وقوعَه منه تعالى لا بتقوُّلهم عليه ما يعلمون عدمَ وقوعِه منه تعالى مع أن حالَهم ذلك للمبالغة في الزجر فإن التحذيرَ من الأول مع كونه في القُبْحِ والشناعةِ دون الثاني تحذيرٌ عن الثاني على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه وللإيذان بأن العاقلَ يجبُ عليهِ أنْ لا يقولَ على الله تعالى مالا يعلم وقوعَه منه تعالى مع الاحتمال فضلاً عن أن يقول عليه ما يعلم عدمَ وقوعِه منه تعالى قالُوا وفيه دليلٌ على المنع من اتباع الظنِّ رأساً وأما اتباعُ المجتهدِ لما أدَّى إليه ظنُّه فمستنِدٌ إلى مَدْرَكٍ شرعيَ فوجوبُه قطعيٌّ والظنُّ في طريقه

стр. 363

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَا أَنزَلَ الله﴾ التفاتٌ إلى الغَيْبة تسجيلاً بكمال ضلالِهم وإيذاناً بإيجاب تعدادِ ما ذكر من جناياتهم لصرف الخطاب عنهم وتوجيهِه إلى العقلاء وتفصيلُ مساوي أحوالِهم لهم على نهج المباثة أي إذا قيل لهم على وجه النصيحةِ والإرشادِ اتبعوا كتاب الله الذي أنزله ﴿قَالُواْ﴾ لا نتبعه ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عليه آباءنا﴾ أي وجدناهم عليه إما على أن الظرفَ متعلقٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من آباءَنا وألفَيْنا متعدَ إلى واحد وإما على أنه مفعولٌ ثانٍ له مقدمٌ على الأول نزلت في المشركين أُمروا باتباع القرآنِ وسائرِ ما أنزل الله تعالى من الحجج الظاهرةِ والبينات الباهرةِ فجنحوا للتقليد والموصولُ إما عبارةٌ عمَّا سبقَ من اتخاذ الأندادِ وتحريمِ الطيبات ونحوِ ذلك وإما باقٍ على عمومه وما ذكره داخلٌ فيه دخولا أوليا وقيل نزلت في طائفة من اليهود دعاهم رسولُ الله ﷺ فقالوا بَلْ نتبعُ مَا وجدْنا عليه آباءَنا لأنهم كانوا خيراً منا وأعلم فعلى هذا يعُمّ ما أنزل الله تعالى التوراةَ لأنها أيضاً تدعو إلى الإسلام وقوله ﴿أولو كَانَ آبَاؤُهم لَا يَعْقِلُونَ شيئا ولا يهتدون﴾ استئنافٌ مَسوقٌ من جهتِه تعالَى رداً لمقالتهم الحمقاءِ وإظهاراً لبطلان آرائِهم والهمزةُ لإنكارِ الواقعِ واستقباحِه والتعجيب منه لا

стр. 364

لإنكار الوقوعِ كالتي في قولِه تَعالَى أَوْ لَّوْ كُنَّا كارهين وكلمة لو في أمثالِ هذا المقامِ ليست لبيان انتفاء الشئ في الزمان الماضي لانتفاء غيرِه فيه فلا يلاحظ لها جوابٌ قد حُذف ثقةٍ بدلالةِ ما قبلها عليه بل هي لبيان تحققِ ما يفيده الكلامُ السابقُ بالذَّاتِ أو بالواسطةِ من الحُكم الموجَبِ أو المنفي على كل حالٍ مفروض من الأحوال المقارنةِ له على الإجمال بإدخالِها على أبعدِها منه وأشدِّها منافاةً له ليظهرَ بثبوتهِ أو انتفائِه معه ثبوتُه أو انتفاؤه مع ماعداه من الأحوال بطريق الأولية لما أن الشئ متى تحقَّقَ مع المنافي القويَّ فلأنْ يتحقَّقَ مع غيره أولى ولذلك لا يذكر معه شئ من سائر الأحوال ويكتفى عنه بذكر الواوِ العاطفةِ للجُملة على نظيرتها المقابلةِ لها المتناولة لجميع الأحوالِ المغايرة لها وهذا معنى قولِهم أنها لاستقصاء الأحوالِ على سبيلِ الإجمالِ وهذا المعنى ظاهرٌ في الخبر الموجَبِ والمنفيِّ والأمرِ والنهي كما في قولك فلانٌ جوادٌ يُعطي ولو كان فقيراً وبخيلٌ لا يُعطي ولو كان غنياً وقولِك أحسنْ إليه ولو أساءَ إليك ولا تُهِنْه ولو أهانك لبقائه على حاله وأما فيما نحن فيه نوع خفاء ناشئ من ورود الإنكارِ عليه لكن الأصلَ في الكل واحدٌ إلا أن كلمةَ لو في الصور المذكورةِ متعلقةٌ بنفس الفعل المذكورِ قبلها وأن ما يُقصدُ بيانُ تحققِه على كل حالٍ هو نفسُ مدلولِه وأن الجملةَ حالٌ من ضميره أو مما يتعلق به وأن ما في حيِّز لو باقٍ على ما هو عليه من الاستبعاد غالباً بخلاف ما نحن فيه لما أن كلمةَ لو متعلقةٌ فيه بفعل مقدرٍ يقتضيه المذكورُ وأن ما يُقصد بيانُ تحققِه على كل حال مدلولُه لا مدلولُ المذكورِ من حيث هو مدلولُه وأن الجملةَ حالٌ مما يتعلق به لا مما يتعلق بالمذكور من حيث هو متعلِّقٌ به وأن المقصودَ الأصليَّ إنكارُ مدلولِه باعتبار مقارنتُه للحالة المذكورةِ وأما تقديرُ مقارنته لغيرها فلتوسيع الدائرةِ وأن ما في حيز لولا يُقصد استبعادُه في نفسه بل يقصد الإشعارُ بأنه أَمْرٌ محقَّق إلا أنه أُخرج مُخرَجَ الاستبعادِ معاملةً مع المخاطَبين على معتقدَهم لئلا يلبَسوا من التصريح بنسبة آبائهم إلى كمال الجهالةِ والضلالةِ جلدَ النَّمِرِ فيركبوا متنَ العِناد ومبالغةً في الإنكار من جهة اتباعهم لآبائهم حيث كان منكراً مستقبحاً عند احتمالِ كونِ آبائهم كما ذُكر احتمالاً بعيداً فلأَنْ يكونَ مُنْكراً عند تحققِ ذلك أولى والتقديرُ أيتبعون ذلك لو لم يكن آبَاؤُهم لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا من الدين ولا يهتدون للصواب ولو كانوا كذلك فالجملةُ في حيز النصبِ على الحالية من آبائهم على طريقة قوله تعالى أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا كأنه قيل أيتبعون دين آبائهم حالَ كونِهم غافلين وجاهلين ضالّين إنكاراً لما أفاده كلامُهم من الاتّباع على أي حالةٍ كانت من الحالتين غيرَ أنه اكتُفيَ بذكر الحالةِ الثانية تنبيهاً على أنها هي الواقعةُ في نفس الأمر وتعويلاً على اقتضائها للحالة الأولى اقتضاءً بيّناً فإن اتباعهم الذي تعلق به الإنكارُ حيث تحقق مع كونه آبائِهم جاهلين ضالين فلأَنْ يتحقّقَ مع كونهم عاقلين ومُهتدين أوْلى إن قلتَ الإنكارُ المستفادُ من الاستفهام الإنكاريِّ بمنزلة النفي ولا ريب في أن الأولويةَ في صورة النفي معتبرةٌ بالنسبة إلى النفي ألا يُرى أن الأولى بالتحقق فيما ذُكر من مثال النفي عند الحالةِ المسكوتِ عنها أعني عدمَ الغِنى هو عدمُ الإعطاءِ لا نفسُه فكان ينبغي أن يكون الأولى بالتحقق فيما نحن فيه عند الحالةِ المسكوتِ عنها وهي حالة كونِ آبائهم عاقلين ومهتدين إنكار الا تباع لا نفسُه إذ هو الذي يدل عليه أيتبعون االخ فلم اختلفت الحالُ بينهما قلتُ لِما أن مناطَ الأولويةِ هو الحكمُ الذي أريد بيانُ تحققه على كل حال وذلك

стр. 365

البقرة (١٧٢ - ١٧١) في مثال النفي عدمُ الإعطاءِ المستفادِ من الفعل المنفيِّ المذكور وأما فيما نحن فيه فهو نفسُ الاتباعِ المستفادِ من الفعل المقدرِ إذ هو الذي يقتضيه الكلامُ السابقُ أعني قولَهم بل نتبعُ الخ وأما الاستفهامُ فخارجٌ عنه وارد عليه الإنكار ما يُفيدُه واستقباحِ ما يقتضيه لا أنه تمامه كما في الصورة النفي وكذا الحالُ فيما إذا كانت الهمزةُ لإنكار الوقوعِ ونفْيِه مع كونه بمنزلة صريح النفي كما سيأتي تحقيقُه في قوله تعالى أَوَلَوْ كُنَّا كارهين وقيل الواوُ حالية ولكن التحقيقَ أن المعنى يدور على معنى العطفِ في سائر اللغات أيضاً

стр. 366

﴿وَمَثَلُ الذين كَفَرُواْ﴾ جملةٌ ابتدائيةٌ واردة لتقرير ما قبلها بطريق التصوير وفيها مضافٌ قد حُذف لدِلالة مَثَلُ عليه ووضعُ الموصولِ موضعَ الضميرِ الراجع إلى ما يرجع إليه الضمائر السابقةُ لذمِّهم بما في حيزِ الصلة وللإشعار بعِلّة ما أثبت لهم من الحُكم والتقديرُ مثلُ ذلك القائلِ وحالِه الحقيقةِ لغرابتها بأنْ تسمَّى مَثَلاً وتسيرَ في الآفاق فيما ذُكر من دعوته إياهم إلى اتباع الحقِّ وعدمِ رفعِهم إليه رأساً لانهماكهم في التقليد وإخلادِهم إلى ماهم عليه من الضلالة وعدمِ فهمهم من جهة الداعي إلى الدعاء من غير أن يُلقوا أذهانَهم إلى ما يلقى عليهم ﴿كَمَثَلِ الذى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَاّ دُعَاء وَنِدَاء﴾ من البهائم فإنها لا تسمع إلا صوتَ الراعي وهَتفَه بها من غير فهم لكلامه أصلاً وقيل إنما حُذف المضافُ من الموصول الثاني لدلالة كلمة ما عليه فإنها عبارةٌ عنه مُشعِرَةٌ مع مَا في حيزِ الصِّلةِ بما هو مدارُ التمثيل أي مَثَلُ الذين كفروا فيما ذُكر من انهماكَهم فيما هم فيه وعدمِ التدبر فيما أُلقيَ إليهم من الآيات كمثل بهائمِ الذي ينعِق بها وهي لا تسمع منه إلا جرسَ النغمة ودويَّ الصوت وقيل المرادُ تمثيلُهم في اتباع آبائهم على ظاهر حالهم جاهلين بحقيقتها بالبهائم التي تسمع الصوت ولا تفهم ما تحته وقيل تمثيلُهم في دعائهم الأصنام بالناعق في نعقه وهو تصويتُه على البهائم وهذا غنيٌّ عن الإضمار لكن لا يساعدُه قولُه إلا دعاءً ونداءً فإن الأصنام بمعزلٍ من ذلك وقد عرفتَ أن حسنَ التمثيل فيما إذا تشابه أفرادُ الطرفين ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ﴾ بالرفع على الذم أي هم صمّ الخ ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ شيئاً لأن طريقَ التعقل هو التدبّر في مبادي الأمورِ المعقولة والتأمل في ترتيبها وذلك إنما يحصُلُ باستماعِ آياتِ الله ومشاهدةِ حُججِه الواضحةِ والمفاوضة مع من يؤخَذ منه العُلوم فإذا كانوا صماً بكماً عمياً فقد انسدّ عليهم أبوابُ التعقل وطرُقُ الفهم بالكلية

стр. 367

﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ كلوا مِن طَيّبَاتِ مَا رزقناكم﴾ أي مستلَذّاتِه ﴿واشكروا للَّهِ﴾ الذي رزقَكُموها والالتفاتُ لتربية المهابة ﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ فإن عبادتَه تعالى لاتتم إلا بالشكر له وعن النبيِّ ﷺ يقولُ الله إني والإنسُ والجنُ في نبإٍ عظيمٍ أخلُقُ ويُعبد غيري وأرزُقُ ويُشكَر غيري

стр. 368

البقرة (١٧٤ - ١٧٣)

стр. 369

﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة﴾ أي أكلها والانتفاعَ بها وهي التي ماتت على غير ذَكاةٍ والسمكُ والجرادُ خارجان عنها بالعُرف أو استثناء الشرع وخرج الطحال من الدم ﴿والدم وَلَحْمَ الخنزير﴾ إنما خُصّ لحمُه مع أن سائر أجزائه أيضاً في حكمه لأنه معظمُ ما يؤكل من الحيوان وسائرُ أجزائِه بمنزلة التابع له ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله﴾ أي رافع به الصوتُ عند ذبحه للصنم والإهلالُ أصلُه رؤيةُ الهلالِ لكن لما جرت العادةُ برفع الصوتِ بالتكبير عندها سمِّي ذلك إهلالاً ثم قيل لرفع الصوت وإن كان لغيره ﴿فَمَنِ اضطر غير باغ﴾ بالاستثناء على مضطر آخرَ ﴿وَلَا عَادٍ﴾ سدَّ الرمق والجَوْعة وقيل غير باغ على الوالي ولاعاد بقطع الطريق وعلى هذا لايباح للعاصي بالسفر وهو ظاهرُ مذهب الشافعي وقولُ أحمدَ رحمهما الله ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ في تناوله ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ﴾ لِمَا فعل ﴿رَّحِيمٌ﴾ بالرخصة إن قيل كلمة إنما تفيد قصرَ الحكم على ما ذكروكم من حرام لم يُذكَرْ قلنا المرادُ قصرُ الحرمة على ما ذُكر مما استحلوه لا مطلقاً أو قصرُ حرمتِه على حالة الاختيارِ كأنه قيل إنما حُرِّم عليكم هذه الأشياءُ مالم تضطروا إليها

стр. 370

﴿إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ الله من الكتاب﴾ المشتمل على فنون الأحكامِ التي من جُملتها أحكامُ المحلَّلات والمحرَّمات حسبما ذكر آنفاً وقالَ ابنُ عباسٍ ﵄ نزلت في رؤساء اليهود حين كتموا نعت النبيِّ ﷺ ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ﴾ أي يأخذون بدلَه ﴿ثَمَناً قَلِيلاً﴾ عِوَضاً حقيراً وقد مر سرُّ التعبير عن ذلك الثمن الذي هو وسيلة في عقود المعاوضة وقولُه تعالى ﴿أولئك﴾ إشارةٌ إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة من الوصفَين الشنيعين المميَّزين لهم عمن عداهم أكملَ تمييز الجاعلَيْن إياهم بحيث كأنهم حُضّارٌ مشاهِدون على ماهم عليه وما فيه من معنى البُعد للإيذانِ بغايةِ بُعدِ منزلتِهم في الشر والفساد وهو مبتدأٌ خبرُه قولُه تعالى ﴿مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَاّ النار﴾ والجملةُ خبرٌ لإن أو اسمُ الإشارة مبتدأٌ ثانٍ أو بدلٌ من الأول والخبر ما يأكلون الخ ومعنى أكلِهم النارَ أنهم يأكلون في الحال ما يستتبِعُ النار ويستلزمُها فكأنه عينُ النار وأكلُه أكلُها كقوله ... أكلتُ دماً إن لم أَرُعْكِ بضَرَّة ... بعيدةِ مهوى القُرط طيّبةِ النشْرِ ... أو يأكلون في المآل يوم القيامة عينَ النار عقوبةً على أكلهم الرِّشا في الدنيا وفي بطونهم متعلقٌ بيأكلون وفائدتُه تأكيدُ الأكلِ وتقريرُه ببيان مقرِّ المأكول وقيل معناه ملءَ بطونهم كما في قولهم أكل في بطنه وأكل في بعض بطنه ومنه كُلوا في بعض بطنِكم تعفّوا فلا بد من الالتجاء إلى تعليقه بمحذوف وقعَ حالاً مقدّرة من النار مع تقديمه على حرف الاستثناء وإلا فتعليقُه بيأكلون يؤدّي إلى قصْر ما يأكلونه إلى الشبع على النار والمقصود قصرُ ما يأكلونه مطلقاً عليها

стр. 371

البقرة (١٧٧ - ١٧٥) ﴿وَلَا يُكَلّمُهُمُ الله يَوْمَ القيامة﴾ عبارة عن غضبه العظيم عليهم وتعريض بحر مانهم ما أتيح للمؤمنين من فُنُونِ الكراماتِ السنيةِ والزلفى ﴿ولا يزكيهم﴾ لايثنى عليهم ﴿وَلَهُمْ﴾ معَ ما ذُكر ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم

стр. 372

﴿أولئك﴾ إشارة إلى ما أُشير إليه بنظيره بالاعتبار المذكور خاصة لا مع ما يتلوه من أحوالهم الفظيعةِ إذ لا دخل لها في الحكم الذي يراد إثباتُه ههنا فإن المقصود تصويرُ ما باشروه من المعاملة بصورة فبيحة تنفِر منها الطباعُ ولا يتعاطاها عاقلٌ أصلاً ببيان حقيقةِ ما نبذوه وإظهار كُنهِ ما أخذوهُ وإبداءِ فظاعة تِبعاتِه وهو مبتدأ خبرُه الموصولُ أي أولئك المشترون بكتاب الله ثمناً قليلاً ليسوا بمشترين للثمن وإن قل بل هم ﴿الذين اشتروا﴾ بالنسبة إلى الدنيا ﴿الضلالة﴾ التي ليست مما يمكن أن يشترى قطعاً ﴿بالهدى﴾ الذي ليس من قبيل ما يبذل بمقابلة شئ وإن جل ﴿والعذاب﴾ أي اشتروا إلى الآخرة العذاب الذي لا يُتوَهَّم كونُه مما يشترى ﴿بالمغفرة﴾ التي يتنافسُ فيها المتنافسونَ ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار﴾ تعجيبٌ من حالهم الهائلة التي هي ملابستُهم بما يوجب النارَ إيجاباً قطعياً كأنه عينها وما عند سيبويهِ نكرةٌ تامة مفيدة لمعنى التعجب مرفوعة بالابتداء وتخصصها كتخصص شر في أَهَرَّ ذَا نَابٍ خبرُها ما بعدها أي شئ ما عظيم جعلهم صابرين على النار وعند الفراء استفهامية وما بعدها خبرها أي أي شئ أصبرَهم على النار وقيل هي موصولة وقيل موصوفة بما بعدها والخبر محذوف أي الذي أصبرهم على النار او شئ أصبرهم على النار أمرٌ عجيب فظيع

стр. 373

﴿ذلك﴾ العذاب ﴿بِأَنَّ الله نَزَّلَ الكتاب﴾ أي جنسَ الكتابِ ﴿بالحق﴾ أي ملتبساً به فلا جرم يكون من يرفضه بالتكذيب والكتمان ويركب متنَ الجهل والغَواية مُبتلىً بمثل هذا من أفانينِ العذاب ﴿وَإِنَّ الذين اختلفوا فِى الكتاب﴾ أي في جنس الكتابِ الإلهي بأن آمنوا ببعض كتبِ الله تعالى وكفروا ببعضها أو في التوراة بأن آمنوا ببعض آياتِها وكفروا ببعضٍ كالآيات المُغيَّرة المشتملةِ على أمر بعثه النبيِّ ﷺ ونعوته الكريمة فمعنى الاختلافِ التخلفُ عن الطريق الحق أو الاختلافُ في تأويلها أو في القرآن بأن قال بعضهم أنه سحرٌ وبعضُهم أنه شعرٌ وبعضهم أساطيرُ الأولين كما حكى عن المفسرين ﴿لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ عن الحقِّ والصوابِ مستوجب لأشد العذاب

стр. 374

﴿لَّيْسَ البر أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المشرق والمغرب﴾

стр. 375

البِرُّ اسمٌ جامع لمراضِي الخصالِ والخطابُ لأهل الكتابين فإنهم كانوا أكثروا الخوضَ في أمر القِبلة حين حُوِّلت إلى الكعبة وكان كلُّ فريقٍ يدّعي خيريةَ التوجُّه إلى قبلته من القُطرين المذكورين وتقديمُ المشرق على المغرب مع تأخر زمانِ الملّةِ النصرانية إما لرعاية ما بينهما من الترتيب المتفرِّع على ترتيب الشروق والغروب وإما لأن توجّه اليهودِ إلى المغرب ليس لكونه مَغرِباً بل لكون بيتِ المقدس من المدينة المنورة واقعاً في جانب الغرب فقيل لهم ليس البر ما ذكرتم من التوجه إلى تينك الجهتين على أن البر خبرُ ليس مقدما على اسمها كما في قوله ... سلي إن جهِلتِ الناس عني وعنهم ... فليس سواءً عالمٌ وجَهولُ ... وقوله ... أليس عظيماً أن تُلمَّ مُلِمَّة ... وليس علينا في الخطوب مقولُ ... وإنما أخر ذلك أن المصدرَ المؤولَ أعرفُ من المحلَّى باللام لأنه يُشبهُ الضمير من حيثُ إنَّه لا يوصف ولا يوصف به والأعرفُ أحق بالاسمية ولأن في الاسم طولاً فلو روعيَ الترتيبُ المعهود لفات تجاوبُ أطرافِ النظم الكريم وقرئ برفع البرُّ على أنه اسمها وهو أقوى بحسب المعنى لأن كل فريق يدعي أن البرَّ هذا فيجب أن يكون الردُّ موافقاً لدعواهم وما ذلك إلا بكَوْن البِرِّ اسماً كما يُفصح عنه جعلُه مُخْبَراً عنه في الاستدراك بقوله ﴿ولكن البر من آمن بالله﴾ وهو تحقيقٌ للحق بعد بيان بطلان الباطلِ وتفصيلٌ لخِصال البِر مما لا يختلف باختلاف الشرائعِ وما يختلف باختلافها أي ولكن البِرَّ المعهود الذي يحِقّ أن يُهتَمَّ بشأنه ويُجَدَّ في تحصيله بِرُّ مَنْ آمن بالله وحده إيماناً بريئاً من شائبة الإشراكِ لا كإيمان اليهود والنصارى والمشركين بقولهم عَزِيزٌ ابن الله وقولِهم المسيحُ ابن الله ﴿واليوم الآخر﴾ أي على ما هو عليه لا كما يزعُمون من أن النار لاتمسهم إلا أياما معدودة وأن آباءَهم الأنبياءَ يشفعون لهم ففيه تعريضٌ بأن إيمانَ أهلِ الكتابين حيث لم يكن كما ذكر من الوجه الصحيحِ لم يكن إيماناً وفي تعليق البِرِّ بهما من أول الأمر عَقيبَ نفيه عن التوجُّه إلى المشرق والمغرب من الجزالة مالا يخفى كأنه قيل ولكن البِر هو التوجُّه إلى المبدأ والمَعاد اللذيْن هما المشرِقُ والمغرِب في الحقيقة ﴿والملائكة﴾ أي وآمن بهم وبأنهم عبادٌ مُكْرَمون متوسِّطون بينه تعالى وبين أنبيائِه بإلقاء الوحي وإنزالِ الكتب ﴿والكتاب﴾ أي بجنس الكتابِ الذي من أفراده الفرقانُ الذي نبذوه وراءَ ظهورِهم وفيه تعريضٌ بكِتمانهم نعوتَ النبيِّ ﷺ واشترائِهم بما أنزل الله تعالى ثمناً قليلاً ﴿والنبيين﴾ جميعاً من غير تفرقةٍ بين أحدٍ منهم كما فعل أهلُ الكتابَيْن ووجهُ توسيط الكتابِ بين حَمَلةِ الوحي وبين النبيين واضحٌ وسيأتي في قولِه تعالى كُلُّ آمن بالله وملائكته وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ﴿وآتى المالَ عَلَى حُبِّه﴾ حالٌ من الضمير في آتى والضميرُ المجرور للمال أي آتاه كائناً على حب المال في قوله ﷺ حين سُئِل أيُّ الصدقةِ افضل لان تؤتيه وأنت صحيح شحيح وقول ابن مسعود ﵁ أن تؤتيه وأنت صحيح شحيحٌ تأمُلُ العيشَ وتخشى الفقرَ ولا تُمهِلَ حتى إذا بلغت الحُلقومَ قلت لفلانٍ كذا ولفلانٍ كذا وقيل الضَّميرُ لله تعالى أي آتاه كائناً على محبته تعالى لا على قصد الشرِّ والفساد ففيه نوع تعريض لباذلي الرشي وآخذيها لتغيير التوارة وقيل للمصدرِ أي كائناً على حب الإيتاء ﴿ذَوِى القربى﴾ مفعولٌ أولٌ لآتى قُدِّم عليه مفعولُه الثاني أعني المالَ للاهتمام به أو لأن في الثاني معَ ما عُطف عليه طُولاً لو رُوعي الترتيبُ لفات تجاوبُ الأطرافِ

стр. 376

في الكلام وهو الذي اقتضى تقديمَ الحال أيضاً وقيل هو المفعولُ الثاني ﴿واليتامى﴾ أي المحاويجَ منهم على ما يدلُّ عليهِ الحال وتقديمُ ذوي القربى عليهم لما أن إيتاءَهم صدقةٌ وصِلَة ﴿والمساكين﴾ جمعُ مِسكينٍ وهو الدائمُ السُكون لما أن الخَلّة أسكنَتْهُ بحيث لا حَراكَ به أو دائمُ السكون إلى الناس ﴿وابن السبيل﴾ أي المسافرَ سُمي به لملازمته إياه كما سمِّي القاطِعُ ابنالطريق وقيل الضيف ﴿والسائلين﴾ الذين أَلْجأتهم الحاجةُ والضرورةُ إلى السؤال قال ﵊ أعطوا السائل ولو على فرَسٍ ﴿وَفِي الرقاب﴾ أي وضَعَه في فكّ الرقابِ بمعاونة المكاتَبين حتى يفُكّوا رِقابَهم وقيل في فك الأُسارى وقيل في ابتياع الرقاب وإعتاقها واياما كان فالعدولُ عن ذكرِهم بعنوان مُصححٍ للمالكية كالذين من قبلهم إما للإيذان بعدم قرارِ مِلكِهم فيما أوتوا كما في الوجهين الأولين أو بعدم ثبوتِه رأساً كما في الوجه الأخير وإما للإشعار برسوخهم في الاستحقاق والحاجةِ لما أن في للظرفية المُنْبئة عن محلِّيتهم لما يؤتى ﴿وأقامَ الصَّلَاةَ﴾ أي المفروضةَ منها ﴿وآتَى الزَّكَاةَ﴾ أي المفروضة على أنَّ المرادَ بما مرَّ من إيتاءِ المالِ التنفّلُ بالصدقات قُدِّم على الفريضة مبالغةٌ في الحثِّ عليه أو المرادُ بهما المفروضةُ والأول لبيان المصارفِ والثاني لبيان وجوب الأداءِ ﴿والموفون بِعَهْدِهِمْ﴾ عطفٌ على مَنْ آمن فإنه في قوَّةِ أنْ يقالَ ومَنْ أوفَوْا بعهدهم وإيثارُ صيغة الفاعل للدلالة على وجوب استمرار الوفاءِ والمرادُ بالعهد مالا يحرِّم حلالاً ولا يُحلِّل حَراماً من العهود الجارية فيما بين الناس وقولُه تعالى ﴿إِذَا عاهدوا﴾ للإيذان بعدمِ كونِه من ضروريات الدين ﴿والصابرين﴾ نُصب على الاختصاص غُيِّر سبكُه عما قبله تنبيهاً على فضيلة الصبر وميزيته وهو في الحقيقة معطوفٌ على ما قبله قال أبو علي إذا ذكرت صفات للمدح أو للذم فخولفَ في بعضها الإعرابُ فقد خولف للافتنان ويسمَّى ذلك قطعاً لأن تغييرَ المألوفِ يدل على زيادة ترغيبٍ في استماع المذكورِ ومزيدِ اهتمامٍ بشأنه كما مرَّ في صدرِ السورة وقد قرئ والصابرون كما قرىء والموفين ﴿فِى البأساء﴾ أي في الفقر والشدة ﴿والضراء﴾ أي المرض والزَّمانة ﴿وَحِينَ البأس﴾ أي وقتَ مجاهدةِ العدوِّ في مواطن الحرب وزيادةُ الحينِ للإشعار بوقوعه أحياناً وسرعةِ انقضائِه ﴿أولئك﴾ إشارةٌ إلى المذكورين باعتبار اتّصافِهم بالنعوت الجميلةِ المعدودة وما فيه من معنى البُعد لما مر مرارا من التنبيه على علوِّ طبقتِهم وسُموِّ رُتبتِهم ﴿الذين صَدَقُوا﴾ أي في الدين واتباعِ الحقِّ وتحرَّى البِرِّ حيث لم تغيِّرْهم الأحوالُ ولم تُزلزلهم الأهوال ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المتقون﴾ عن الكفر وسائرِ الرذائلِ وتكريرُ الإشارة لزيادة تنويهِ شأنِهم وتوسيطُ الضمير للإشارة إلى انحصار التقوى فيهم والآيةُ الكريمة كما ترى حاويةٌ لجميع الكمالات البشرية برُمَّتها تصريحاً أو تلويحاً لما أنها مع تكثُّر فنونها وتشعُّب شجونِها منحصرةٌ في خِلالِ ثلاث صحةِ الاعتقاد وحسنِ المعاشرة مع العباد وتهذيبِ النفس وقد أشير إلى الأولى بالإيمان بما فُصِّل وإلى الثانية بإيتاء المالِ وإلى الثالثة بإقامة الصلاة الخ ولذلك وُصف الحائزون لها بالصدق نظراً إلى إيمانهم واعتقادِهم وبالتقوى اعتباراً بمعاشرتهم مع الخلق ومعاملتهم مع الحق وإليه يشير قوله ﷺ من

стр. 377

البقرة (١٧٨) عمل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان

стр. 378

﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ﴾ شروع في بيان بعض الأحكامِ الشرعية على وجه التلافي لما فرَط من المُخِلّين بما ذكر من أصول الدين وقواعدِه التي عليها بُنيَ أساسُ المَعاش والمَعاد ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ أي فُرض وأُلزم عند مطالبةِ صاحبِ الحق فلا يقدَحُ فيه قدرةُ الوليِّ على العفو فإن الوجوبَ إنما اعتُبر بالنسبة إلى الحكّام والقاتلين ﴿القصاص فِي القتلى﴾ أي بسبب قتلِهم كما في قوله ﷺ إن امرأةً دخلت النارَ في هِرَّةٍ رَبَطَتْها أي بسبب ربطها إياها ﴿الحر بِالْحُرّ والعبد بالعبد والانثى بالانثى﴾ كان في الجاهلية بين حيَّيْنِ من أَحياء العربِ دماءٌ وكان لأحدهما طَوْلٌ على الآخر فأقسموا لنقتُلَنَّ الحرَّ منكم بالعبد والذكرَ بالأنثى فلما جاء الإسلامُ تحاكموا إلى رسول الله ﷺ فنزلت فأمرهم أن يتبوءوا وليس فيها دِلالةٌ على عدم قتل الحرِّ بالعبد عند الشافعي أيضاً لأن اعتبارَ المفهومِ حيث لم يظهر للتخصيص بالذكر وجهٌ سوى اختصاصِ الحُكم بالمنطوقِ وقد رأيتَ الوجهَ ههنا وإنما يتمسك في ذلك هو ومالكٌ رحمهما الله بما روى علي ﵁ أن رجلاً قتل عبدَه فجلده رسول الله ﷺ ونفاه سنةً ولم يُقِدْه وبما روى عنه ﵁ أنَّه قال من السنة أن لايقتل مسلمٌ بذي عهدٍ ولا حرٌّ بعبد وبأن أبا بكر وعمررضي الله عنهما كانا لا يقتلان الحر بالعبد بين أظهر الصحابة من غير نكيرٍ وبالقياس على الأطراف وعندنا يُقتل الحرُّ بالعبد لقوله تعالى أَنَّ النفس بالنفس فإن شريعة مَنْ قبلَنا إذا قُصَّتْ علينا من غير دلالة على نسخها فالعملُ بها واجبٌ على أنها شريعةٌ لنا ولأن القصاصَ يعتمدُ المساواةُ في العصمة وهي بالدين أو بالدار وهما سيان فيهما وقرئ كتب على البناءِ للفاعلِ ونصْبِ القصاص ﴿فَمَنْ عُفِىَ له من أخيه شىء﴾ أي شئ من العفو لأن عفا لازمٌ وفائدتُه الإشعار بأن بعض العفو بمنزلة كلّه في إسقاط القصاصِ وهو الواقع أيضاً في العادة إذ كثيراً ما يقعُ العفوُ من بعض الأولياءِ فهو شئ من العفو وقيل معنى عفى ترك وشئ مفعولٌ به وهو ضعيف إذ لم يثبُتْ عفاه بمعنى تركه بل أعفاه وحُمل العفو على المحو كما في قول من قال ... ديارٌ عفاها جَوْرُ كل معاندِ ... وقوله ... عفاها كل حنان ... كثيرِ الوبل هَطّالِ ... فيكونُ المعنى فمن مُحيَ له من أخيه شئ صرف للعبارة المتداولة في الكتاب والسنةِ عن معناها المشهور المعهودِ إلى ما ليس بمعهود فيهما وفي استعمال الناس فإنهم لا يستعملون العفوَ في باب الجنايات إلا فيما ذكرَ من قبلُ وعفا يُعدَّى بعن إلى الجاني والذنب قال تعالى عفا الله عنك وقال عَفَا الله عَنْهَا فإذا تعدَّى إلى الذنب قيل عفوْتُ لفلان عما جنى كأنه قيل فمن عُفي له عن جنايته من جهة أخيه يعني وليَّ الدم وإيرادُه بعنوان الأخوّة الثابتةِ بينهما بحكم كونِهما من بني آدمَ ﵇ لتحريك سلسلة الرقةِ والعطف عليه ﴿فاتباع﴾ بالمعروف فالأمرُ اتباعٌ أو فليكن اتباع والمراد

стр. 379

البقرة (١٨٠ - ١٧٩) وصية العافي بالمسامحة ومطالبة الدية بالمعروف من غير تعسفٍ وقوله عزوجل ﴿وَأَدَاء إِلَيْهِ بإحسان﴾ حثٌّ المعفو عنه على أن يؤدِّيَها بإحسان من غير مما طلة وبخس ﴿ذلك﴾ أي ما ذكر من الحُكم ﴿تَخْفِيفٌ مّن ربكم ورحمة﴾ لمافيه من التسهيل والنفعِ وقيل كُتب على اليهود القصاصُ وحده وحرِّم عليهم العفوُ والدية وعلى النصارى العفوُ على الإطلاق وحرِّم عليهم القصاص والدية وخبرات هذه الأمةُ بين الثلاث تيسيراً عليهم وتنزيلاً للحُكم على حسَب المنازل ﴿فَمَنِ اعتدى بَعْدَ ذلك﴾ بأن قتلَ غيرَ القاتل بعد ورود هذا الحُكم أو قتلَ القاتلَ بعد العفو أو أخذِ الدية ﴿فَلَهُ﴾ باعتدائه ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أما في الدنيا فبا لاقتصاص بما قتله بغير حقَ وأما في الآخرة فبالنار

стр. 380

﴿وَلَكُمْ فِي القصاص حياة﴾ بيانٌ لمحاسِنِ الحُكم المذكور على وجهٍ بديعٍ لا تناله غايته حيث جعل الشئ محلاً لضِدِّه وعُرِّف القصاص ونُكِّر الحياةُ ليدل على أن في هذا الجنس نوعاً من الحياة عظيماً لا يبلُغه الوصفُ وذلك لأن العلمَ به يردَعُ القاتلَ عن القتل فيتسبَّب لحياةِ نفسَيْن ولأنهم كانوا يقتُلون غيرَ القاتل والجماعةَ بالواحد فتثورُ الفتنةُ بينهم فإذا اقتُصَّ من القاتل سلِم الباقون فيكون ذلك سبباً لحياتهم وعلى الأول فيه إضمارٌ وعلى الثاني تخصيصٌ وقيل المرادُ بالحياة هي الأُخروية فإن القاتلَ إذا اقتُصَّ منه في الدنيا لم يؤاخذ به في الآخرة والظَّرْفان إما خبرانِ لحياةٌ أو أحدُهما خبرٌ والآخَرُ صِلةٌ له أو حالٌ من المستكنِّ فيه وقرئ في القَصَصِ أي فيما قُصَّ عليكم من حُكم القتل حياة أو القرآن حياة للقلوب ﴿يا أولي الالباب﴾ أي ذوي العقولِ الخالصةِ عن شَوْب الأوهام خوطبوا بذلك بعد ما خُوطبوا بعنوان الإيمان تنشيطاً لهم إلى التأمل في حِكمة القصاص ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أي تقون أنفسَكم من المساهلة في أمره والإهمالِ في المحافظة عليه والحُكمِ به والإذعانِ أو في القصاص فتكُفّوا عن القتل المؤدِّي إليه

стр. 381

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ بيانٌ لحكمٍ آخَرَ من الأحكام المذكورة ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت﴾ أي حضر أسبابُه وظهرَ أماراتُه أو دنا نفسُه من الحضور وتقديمُ المفعول لإفادة كمال تمكن الفاعل عند النفس وقت وروده عليها ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ أي مالاً وقيل مالاً كثيراً لما رُوي عن عليَ ﵁ أن مولىً له أراد أن يوصِيَ وله سبعُمائة درهمٍ فمنعه وقال قال الله تعالَى إنْ تركَ خيراً وإن هذا لشئ يسيرٌ فاترُكْه لعيالك وعنْ عائشةَ ﵂ أن رجلاً أراد الوصيةَ وله عيالٌ وأربعُمائة دينارٍ فقالت ما أرى فيه فضلاً وأراد آخرُ أن يوصِيَ فسألته كم مالُك فقال ثلاثةُ آلافِ درهم قالت كم عيالُك قال أربعة قالت إنما قال الله تعالَى إنْ تركَ خيراً وإن هذا لشئ يسيرٌ فاترُكْه لعيالك ﴿الوصية للوالدين والاقربين﴾ مرفوعٌ بكُتِبَ أُخِّر عما بينهما لما مر مرار وإيثارُ تذكيرِ الفعلِ مع جواز تأنيثه أيضا للفعل أو على تأويل أن يوصى أو الإبصار ولذلك ذُكّر الضميرُ في قولِه تعالى فَمَن بَدَّلَهُ بعد ما سَمِعَهُ وإذا ظرفٌ محضٌ والعاملُ فيه كُتب لكن لامن حيث

стр. 382

البقرة (١٨١) صدورُ الكتْب عنه تعالى بل من حيث تعلُّقُه بهم تعلقاً فِعلياً مستتبِعاً لوجوب الأداء كما ينبئ عنه البناءُ للمفعول وكلمةُ الإيجاب ولا مساغَ لجعل العامل هو الوصيةُ لتقدّمه عليها وقيلَ هو مبتدأٌ خبرُه للوالدين والجملةُ جوابُ الشرط بإضمار الفاءِ كما في قوله ... من يفعل الحسناتِ الله يشكُرُها ... ورد بانه إن صحّ فمن ضرورةِ الشعر ومعنى كُتب فُرض وكان هذا الحكمُ في بدءِ الإسلامِ ثم نسخ عند نزول آيةِ المواريثِ بقوله ﵇ أنْ الله قد أعطى كلَّ ذي حقه ألا لاوصية لوارثٍ فإنه وإن كان من أخبار الآحادِ لكن حيثُ تلقته الأمةُ بالقَبول انتظم في سلك المتواتِر في صلاحيته للنسخ عند ائمتنا على أن التحقيقَ أن الناسخَ حقيقةً هي آيةُ المواريث وإنما الحديثُ مُبيّنٌ لجهة نسخِها ببيانِ أنه تعالى كان قد كتب عليكم أن تؤدوا إلى الوالدين والأقربين حقوقَهم بحسب استحقاقهم من غير تبيين لمراتب استحقاقِهم ولا تعيين لمقادير أنصبائِهم بل فوض ذلك إلى آرائكم حيث قال ﴿بالمعروف﴾ أي بالعدْل فالآن قد رَفَعَ ذلك الحُكمَ عنكم لتبيين طبقاتِ استحقاقِ كلِّ واحدٍ منهم وتعيينِ مقاديرِ حقوقِهم بالذات وأعطى كلَّ ذي حق منهم حقه الذي يستحقه بحكم القرابة من غير نقصٍ ولا زيادة ولم يدَعْ ثمةَ شيئاً فيه مدخلٌ لرأيكم أصلاً حسبما يعرب عنه الجملةُ المنفيَّةُ بلا النافية للجنس وتصويرها بكلمة التنبيه إذا تحققتَ هذا ظهر لك أن ما قيل من أن آيةَ المواريثِ لا تعارضُه بل تحقِّقه وتؤكّدُه من حيث إنها تدلُ على تقديمِ الوصيةِ مطلقاً والحديثُ من الآحاد وتلقّي الأمةِ إياه بالقَبول لا يُلحِقُه بالمتواتر ولعله احترَز عنه مَنْ فسَّر الوصيةَ بما أوصى به الله من توريث الوالدين والقربين بقوله تعالى يُوصِيكُمُ الله أو بإيصاءِ المُحتَضَرِ لهم بتوفير ما أوصى به الله تعالى عليهم بمعزلٍ من التحقيق وكذا ماقيل من أن الوصيةَ للوارث كانت واجبةً بهذه الآية من غير تعيينٍ لأنصبائهم فلما نزلت آيةُ المواريثِ بيانا للانصباء فُهم منها بتنبيه النبيِّ ﷺ أن المراد هذه الوصيةُ التي كانت واجبة كأنَّه قيل إنَّ الله تعالى أوصى بنفسه تلك الوصيةَ ولم يُفَوِّضْها إليكم فقام الميراثُ مقامَ الوصيةِ فكان هذا معنى للنسخ لا أن فيها دلالةً على رفع ذلك الحُكمِ فإن مدلولَ آيةِ الوصيةِ حيث كان تفويضاً للأمر إلى آراء المكلَّفين على الإطلاق وتسنّي الخروجِ عن عُهدة التكليف بأداءِ ما أدَّى إليه آراؤُهم بالمعروف فتكون آيةُ المواريثِ الناطقةِ بمراتب الاستحقاقِ وتفاصيل مقاديرِ الحقوقِ القاطعةِ بامتناعِ الزيادةِ والنقصِ بقوله تعالى فَرِيضَةً مّنَ الله ناسخةً لها رافعةً لحُكمها مما لا يَشتبهُ على أحد وقولُه تعالى ﴿حَقّا عَلَى المتقين﴾ مصدر مؤكد أي حق ذلك حقا

стр. 383

﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ أي غيَّره من الأوصياء والشهود ﴿بَعْدِ مَا سَمِعَهُ﴾ أي بعد ما وصل إليه وتحقّق لديه ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ﴾ أي إثم الإيصار المُغيِّر أو إثمُ التبديل ﴿عَلَى الذين يُبَدّلُونَهُ﴾ لأنهم خانوا وخالفوا حكمَ الشرعِ ووضعُ الموصولِ في موضع الضميرِ الراجعِ إلى مَنْ لتأكيد الإيذان بعِلّية مَا في حيزِ الصِّلةِ الأولى وإيثار الجمع للإشعار بتعداد المبدّلين أنواعاً أو كثرتِهم أفراداً والإيذانِ بشمول الإثمِ لجميع الأفراد ﴿إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وعيدٌ شديد للمبدلين

стр. 384

البقرة (١٨٤ - ١٨٢)

стр. 385

﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ﴾ أي توقعَ وعلِم من قولهم أخاف أن يُرسِلَ السماء وقرئ من مُوَصَ ﴿جَنَفًا﴾ أي ميلاً بالخطأ في الوصية ﴿أَوْ إِثْماً﴾ أي تعمداً للجنف ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ أي بين الموصى لهم بإجرائهم على منهاج الشريعةِ الشريفةِ ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي في هذا التبديل لأنه تبديلُ باطلٍ إلى حق بخلاف الأول ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ وعدٌ للمُصْلِح وذكرُ المغفرة لمطابقة ذكرِ الإثم وكونِ الفعل من جنس ما يؤثم

стр. 386

﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام﴾ بيان لحكم آخر من الأحكام الشرعية وتكريرُ النداء لإظهارِ مزيدِ الاعتناءِ والصيامُ والصومُ في اللغة الإمساك عما تنزع إليه النفسُ ومنه قوله تعالى إِنّى نَذَرْتُ للرحمن صَوْماً فَلَنْ أُكَلّمَ الآية وقيل هو الإمساك عن الشئ مطلقاً ومنه صامت الريحُ إذا أمسكت عن الهبوب والفرسُ إذا أمسكت عن العدْو قال ... خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمة ... تحت العَجاجِ وأُخرى تعلِكُ اللُّجُما ... وفي الشريعة هو الإمساكُ نهاراً مع النية عن المفطِرات المعهودة التي هي معظمُ ما تشتهيه الأنفس ﴿كَمَا كُتِبَ﴾ في حيِّز النصبِ على أنه نعت للمصدر المؤكَّد أي كتاباً كائناً كما كُتب أو على أنه حالٌ من المصدر المعْرِفة أي كتب عليكم الصيامُ الكَتْبَ مُشْبَهاً بما كُتب فما على الوجهين مصدرية أوعلى أنه نعتٌ لمصدر من لفظ الصيام أي صوماً مماثلاً للصوم المكتوبِ على مَنْ قبلَكم فما موصولةٌ أو على أنه حالٌ من الصيام أي حالَ كونِه مماثلاً لما كتِب ﴿عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ﴾ من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأممِ من لدُنْ آدمَ ﵇ وفيه تأكيدٌ للحكم وترغيبٌ فيه وتطييبٌ لأنفس المخاطبين به فإن الشاقَّ إذا عمّ سهُل عملُه والمرادُ بالمماثلة إما المماثلةُ في أصل الوجوب وإما في الوقت والمقدار كما يروى أن صومَ رمضانَ كان مكتوباً على اليهود والنصارى أما اليهودُ فقد تركتْه وصامَتْ يوماً من السنة زعَموا أنه يومَ غرِقَ فرعونُ وكذبوا في ذلك فإنه كان يوم عاشوراء وأما النصارى فإنهم صاموا رمضانَ حتى صادفوا حرّاً شديداً فاجتمعت آراءُ علمائهم على تعيين فصلٍ واحدٍ بين الصيف والشتاء فجعلوه في الربيع وزادوا عليه عشَرةَ أيامِ كفارةً لما صنعوا فصار أربعين ثم مرِضَ ملكُهم أو وقع فيهم موتان فزادوا عشرةَ أيامٍ فصار خمسين ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أي المعاصيَ فإن الصومَ يكسِرُ الشهوةَ الداعيةَ إليها كَما قالَ ﵊ فعليه بالصوم فإن الصوم لَهُ وِجاءٌ أو تتقون الإخلالَ بأدائه لأصالته أو تصِلون بذلك إلى رتبة التقوى

стр. 387

﴿أياما معدودات﴾ موقتات بعدد معلومٍ أو قلائلَ فإن القليلَ من المال يُعدّ عداً والكثير يُهال هَيْلاً والمرادُ بها إما رمضانُ أو ما وجب في بدءِ الإسلامِ ثم نُسخ به من صوم عاشوراءَ وثلاثةِ أيامٍ من كل شهر وانتصابه

стр. 388

البقرة (١٨٥) ليس بالصيام كما قيل لوقوع الفصلِ بينهما بأجنبي بل بمضمرٍ دل هو عليه أعني صوموا إما على الظرفية أو المفعولية اتساعاً وقيل بقوله تعالى كتب على أحد الوجهين وفيه أن الأيامَ ليست محلاً له بل للمكتوب فلا تتحققُ الظرفيةُ ولا المفعولية المتفرِّعةُ عليها اتساعاً ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا﴾ أي مرَضاً يضُره الصومُ أو يعسُر معه ﴿أَوْ على سَفَرٍ﴾ مستمرّين عليه وفيه تلويحٌ ورمزٌ إلى أن من سافر في أثناء اليوم لم يُفطر ﴿فَعِدَّةٌ﴾ أي عليه صومُ عدةِ أيامِ المرضِ والسفر ﴿مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ إن أفطر فحُذِفَ الشرطُ والمضاف ثقة بالظهور وقرئ بالنصب أي فليصُم عِدةً وهذا على سبيل الرخصة وقيل على الوجوب وإليه ذهب الظاهرية وبه قال أبو هريرةَ ﵁ ﴿وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ﴾ أي وعلى المطيقين للصيام وإن أفطروا ﴿فِدْيَةٌ﴾ أي إعطاءَ فدية وهي ﴿طعام مسكين﴾ وهو نصفُ صاعٍ منْ بُرَ أو من غيره عند أهل العراق ومُدٌّ عند أهل الحجاز وكان ذلك في بدء الإسلامِ لما أنَّه قد فُرض عليهم الصومُ وما كانوا متعوِّدين له فاشتد عليهم فرُخِّص لهم في الإفطار والفدية وقرئ يطيقونه أي يكلَّفونه أو يُقلَّدونه ويتطوَّقونه ويطَّوَقونه بإدغام التاء في الطاء ويطيقونه بمعنى يتطيقونه وأصلهما يطوقونه ويتطوقونه من فعيل وتفعيل من الطوْق فأُدغمت الياء في الواو وبعد قلبها ياء كقولهم تدبّر المكان وما بها ديّار وفيه وجهان أحدُهما نحوُ معنى يُطيقونه والثاني يكلَّفونه أو يَتَكلفونه على جهدٍ منهم وعسورهم الشيوخُ والعجائزُ وحكمُ هؤلاءِ الإفطارُ والفديةُ وهو حينئذ غيرُ منسوخٍ ويجوز أن يكون هذا معنى يطيقونه أي يصومونه جهدَهم وطاقتَهم ومبلغَ وسعهم ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ فزاد في الفدية ﴿فَهُوَ﴾ أي التطوُّعُ أو الخيرُ الذي تطوَّعه ﴿خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ﴾ أيها المُطيقون أو المُطوِّقون وتحمِلوا على أنفسكم وتجهَدوا طاقتَكم أو المرَخَّصون في الإفطار من المرضى والمسافرين ﴿خيرا لَّكُمْ﴾ من الفدية أو من تطوُّعَ الخير أو منهما أو من التأخير إلى أيام أُخَرَ والالتفاتُ إلى الخطاب للهز والتنشيط ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي ما في صومِكم مع تحقّق المبيحِ للإفطار من الفضيلة والجوابُ محذوفٌ ثقةٍ بظهورِه أي اخترتموه أو سارعتم إليه وقيل معناه إنْ كنتُم من أهلِ العلم والتدبير علمتم أن الصومَ خيرٌ من ذلك

стр. 389

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ مبتدأٌ سيأتي خبرُه أو خبرٌ لمبتدإٍ محذوفٍ أي ذلك شهرُ رمضانَ أو بدلٌ من الصيام على حذفِ المضافِ أي صيامُ شهرِ رمضانَ وقرئ بالنصب على إضمار صُوموا أو على أنَّه مفعولٌ تصوموا أو بدلٌ من أياماً معدودات ورمضانُ مصدرُ رمِضَ أي احترق من الرمضاء فأضيفَ إليه الشهرُ وجُعل علماً ومُنع الصرفَ للتعريف والألفِ والنون كما قيل ابنُ دأْيةَ للغراب فقولُه ﵇ من صام رمضان الحديث وأراد على حذف المضافِ للأمن من الالتباس وإنما سُمِّي بذلك إما لارتماضِهم فيه من الجوع والعطش أو لإرتماض الذنوب في الصيام فيه أو لوقوعه في أيام رَمَضِ الحرِّ عند

стр. 390

البقرة (١٨٦) نَقْل أسماء الشهور عن اللغة القديمة ﴿الذى أُنزِلَ فِيهِ القرآن﴾ خبرٌ للمبتدأ على الوجه الأول وصفةٌ لشهر رمضانَ على الوجوه الباقية ومعنى إنزالِه فيه أنه أبتدى إنزالُه فيه وكان ذلك ليلةَ القدرِ أو أنزل فيه جملةَ إلى السماءِ الدُّنيا ثم نزل مُنَجَّماً إلى الأرض حسبما تقتضيه المشيئةُ الربانية أو أُنزل في شأنه القرآنُ وهو قوله كُتِبَ عَلَيْكُمْ وعن النبيِّ ﷺ نزلتْ صحفُ إبراهيمَ أولَ ليلةٍ من رمضانَ وأُنزلت التوراةُ لستٍ مضَيْن منه والإنجيلُ لثلاثَ عشرةَ منه والقرآنُ لأربع وعشرين ﴿هُدًى لّلنَّاسِ وبينات مِّنَ الهدى والفرقان﴾ حالان من القرآن أي أُنزل حال كونه هدية للناس بما فيه من الإعجاز وغيرِه وآياتٍ واضحةٍ مرشدةً إلى الحق فارقةً بينه وبين الباطل بما فيه من الحُكم والأحكام ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾ أي حضرَ فيه ولم يكن مسافراً ووضعُ الظاهر موضعَ الضمير للتعظيم والمبالغة في البيان والفاءُ للتفريعِ والترتيب أو لتضمُّن المبتدأِ معنى الشَّرطِ أو زائدةٌ على تقدير كونِ شهرُ رمضانَ مبتدأً والموصولُ صفة له وهذه الجملةُ خبرٌ له وقيل هي جزائية كأنه قيل لما كُتب عليكم الصيامُ في ذلك الشهر فمنْ حضَرَ فيه ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ أي فليصم فيه بجذف الجارِّ وإيصالِ الفعلِ إلى المجرور اتساعاً وقيل من شهد منكم هلالَ الشهرِ فليصمْه على أنه مفعولٌ به كقولك شهِدتُ الجمعةَ أي صلاتها فيكونُ ما بعده مخصِّصاً له كأنه قيل ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا﴾ وإن كان مقيماً حاضِراً فيه ﴿أَوْ على سَفَرٍ﴾ وإن كان صحيحاً ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ أي فعليه صيامُ أيامٍ أخَرَ لأن المريضَ والمسافرَ ممن شهد الشهرَ ولعل التكريرَ لذلك أو لئلا يُتَوَهم نسخُه كما نُسخ قرينُه ﴿يُرِيدُ الله﴾ بهذا الترخيص ﴿بِكُمُ اليسر وَلَا يُرِيدُ بكم العسر﴾ لغاية رأفتُه وسعةُ رحمتِه ﴿وَلِتُكْمِلُواْ العدة وَلِتُكَبّرُواْ الله على مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ علل لفعلٍ محذوفٌ يدلُّ عليه ما سبق أي ولهذه الأمورِ شُرِعَ ما مرَّ من أمرِ الشاهد بصوْمِ الشهر وأمرِ المرخَّص لهم بمراعاة عدةِ ما أَفطر فيه ومن الترخيص في إباحة الفطر فقوله تعالى لتكلموا علةُ الأمر بمراعاة العِدة ولتكبروا علةُ ما عَلِمه من كيفية القضاء وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ علةُ الترخيص والتيسير وتديه فعل التكبير بعلى لتضمُّنه معنى الحمد كأنه ولتكبروا الله حامدين على ما هداكم ويجوز أن يكون معطوفةً على علة مقدرةٍ مثلُ ليُسهل عليكم أو لتعلموا ما تعلمون ولتكملوا الخ ويجوز عطفُها على اليُسرَ أي يريد بكم لتكلموا الخ كقوله تعالى يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ الخ والمعنى بالتكبير تعظيمُه تعالى بالحمد والثناءِ عليه وقيل تكبيرُ يومِ العيد وقيل التكبيرُ عند الإهلال وما تحتمل المصدرية والموصولة أي على هدايتِه أيَّاكم أو على الذي هداكم إليه وقرئ ولِتُكَمِّلوا بالتشديد
следующие страницы →