Полный текст (8 642 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام﴾ بيان لحكم آخر من الأحكام الشرعية وتكريرُ النداء لإظهارِ مزيدِ الاعتناءِ والصيامُ والصومُ في اللغة الإمساك عما تنزع إليه النفسُ ومنه قوله تعالى إِنّى نَذَرْتُ للرحمن صَوْماً فَلَنْ أُكَلّمَ الآية وقيل هو الإمساك عن الشئ مطلقاً ومنه صامت الريحُ إذا أمسكت عن الهبوب والفرسُ إذا أمسكت عن العدْو قال ... خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمة ... تحت العَجاجِ وأُخرى تعلِكُ اللُّجُما ... وفي الشريعة هو الإمساكُ نهاراً مع النية عن المفطِرات المعهودة التي هي معظمُ ما تشتهيه الأنفس
﴿كَمَا كُتِبَ﴾ في حيِّز النصبِ على أنه نعت للمصدر المؤكَّد أي كتاباً كائناً كما كُتب أو على أنه حالٌ من المصدر المعْرِفة أي كتب عليكم الصيامُ الكَتْبَ مُشْبَهاً بما كُتب فما على الوجهين مصدرية أوعلى أنه نعتٌ لمصدر من لفظ الصيام أي صوماً مماثلاً للصوم المكتوبِ على مَنْ قبلَكم فما موصولةٌ أو على أنه حالٌ من الصيام أي حالَ كونِه مماثلاً لما كتِب
﴿عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ﴾ من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأممِ من لدُنْ آدمَ ﵇ وفيه تأكيدٌ للحكم وترغيبٌ فيه وتطييبٌ لأنفس المخاطبين به فإن الشاقَّ إذا عمّ سهُل عملُه والمرادُ بالمماثلة إما المماثلةُ في أصل الوجوب وإما في الوقت والمقدار كما يروى أن صومَ رمضانَ كان مكتوباً على اليهود والنصارى أما اليهودُ فقد تركتْه وصامَتْ يوماً من السنة زعَموا أنه يومَ غرِقَ فرعونُ وكذبوا في ذلك فإنه كان يوم عاشوراء وأما النصارى فإنهم صاموا رمضانَ حتى صادفوا حرّاً شديداً فاجتمعت آراءُ علمائهم على تعيين فصلٍ واحدٍ بين الصيف والشتاء فجعلوه في الربيع وزادوا عليه عشَرةَ أيامِ كفارةً لما صنعوا فصار أربعين ثم مرِضَ ملكُهم أو وقع فيهم موتان فزادوا عشرةَ أيامٍ فصار خمسين
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أي المعاصيَ فإن الصومَ يكسِرُ الشهوةَ الداعيةَ إليها كَما قالَ ﵊ فعليه بالصوم فإن الصوم لَهُ وِجاءٌ أو تتقون الإخلالَ بأدائه لأصالته أو تصِلون بذلك إلى رتبة التقوى
стр. 387
﴿أياما معدودات﴾ موقتات بعدد معلومٍ أو قلائلَ فإن القليلَ من المال يُعدّ عداً والكثير يُهال هَيْلاً والمرادُ بها إما رمضانُ أو ما وجب في بدءِ الإسلامِ ثم نُسخ به من صوم عاشوراءَ وثلاثةِ أيامٍ من كل شهر وانتصابه
стр. 388
البقرة (١٨٥)
ليس بالصيام كما قيل لوقوع الفصلِ بينهما بأجنبي بل بمضمرٍ دل هو عليه أعني صوموا إما على الظرفية أو المفعولية اتساعاً وقيل بقوله تعالى كتب على أحد الوجهين وفيه أن الأيامَ ليست محلاً له بل للمكتوب فلا تتحققُ الظرفيةُ ولا المفعولية المتفرِّعةُ عليها اتساعاً
﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا﴾ أي مرَضاً يضُره الصومُ أو يعسُر معه
﴿أَوْ على سَفَرٍ﴾ مستمرّين عليه وفيه تلويحٌ ورمزٌ إلى أن من سافر في أثناء اليوم لم يُفطر
﴿فَعِدَّةٌ﴾ أي عليه صومُ عدةِ أيامِ المرضِ والسفر
﴿مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ إن أفطر فحُذِفَ الشرطُ والمضاف ثقة بالظهور وقرئ بالنصب أي فليصُم عِدةً وهذا على سبيل الرخصة وقيل على الوجوب وإليه ذهب الظاهرية وبه قال أبو هريرةَ ﵁
﴿وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ﴾ أي وعلى المطيقين للصيام وإن أفطروا
﴿فِدْيَةٌ﴾ أي إعطاءَ فدية وهي
﴿طعام مسكين﴾ وهو نصفُ صاعٍ منْ بُرَ أو من غيره عند أهل العراق ومُدٌّ عند أهل الحجاز وكان ذلك في بدء الإسلامِ لما أنَّه قد فُرض عليهم الصومُ وما كانوا متعوِّدين له فاشتد عليهم فرُخِّص لهم في الإفطار والفدية وقرئ يطيقونه أي يكلَّفونه أو يُقلَّدونه ويتطوَّقونه ويطَّوَقونه بإدغام التاء في الطاء ويطيقونه بمعنى يتطيقونه وأصلهما يطوقونه ويتطوقونه من فعيل وتفعيل من الطوْق فأُدغمت الياء في الواو وبعد قلبها ياء كقولهم تدبّر المكان وما بها ديّار وفيه وجهان أحدُهما نحوُ معنى يُطيقونه والثاني يكلَّفونه أو يَتَكلفونه على جهدٍ منهم وعسورهم الشيوخُ والعجائزُ وحكمُ هؤلاءِ الإفطارُ والفديةُ وهو حينئذ غيرُ منسوخٍ ويجوز أن يكون هذا معنى يطيقونه أي يصومونه جهدَهم وطاقتَهم ومبلغَ وسعهم
﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ فزاد في الفدية
﴿فَهُوَ﴾ أي التطوُّعُ أو الخيرُ الذي تطوَّعه
﴿خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ﴾ أيها المُطيقون أو المُطوِّقون وتحمِلوا على أنفسكم وتجهَدوا طاقتَكم أو المرَخَّصون في الإفطار من المرضى والمسافرين
﴿خيرا لَّكُمْ﴾ من الفدية أو من تطوُّعَ الخير أو منهما أو من التأخير إلى أيام أُخَرَ والالتفاتُ إلى الخطاب للهز والتنشيط
﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي ما في صومِكم مع تحقّق المبيحِ للإفطار من الفضيلة والجوابُ محذوفٌ ثقةٍ بظهورِه أي اخترتموه أو سارعتم إليه وقيل معناه إنْ كنتُم من أهلِ العلم والتدبير علمتم أن الصومَ خيرٌ من ذلك
стр. 389
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ مبتدأٌ سيأتي خبرُه أو خبرٌ لمبتدإٍ محذوفٍ أي ذلك شهرُ رمضانَ أو بدلٌ من الصيام على حذفِ المضافِ أي صيامُ شهرِ رمضانَ وقرئ بالنصب على إضمار صُوموا أو على أنَّه مفعولٌ تصوموا أو بدلٌ من أياماً معدودات ورمضانُ مصدرُ رمِضَ أي احترق من الرمضاء فأضيفَ إليه الشهرُ وجُعل علماً ومُنع الصرفَ للتعريف والألفِ والنون كما قيل ابنُ دأْيةَ للغراب فقولُه ﵇ من صام رمضان الحديث وأراد على حذف المضافِ للأمن من الالتباس وإنما سُمِّي بذلك إما لارتماضِهم فيه من الجوع والعطش أو لإرتماض الذنوب في الصيام فيه أو لوقوعه في أيام رَمَضِ الحرِّ عند
стр. 390
البقرة (١٨٦)
نَقْل أسماء الشهور عن اللغة القديمة
﴿الذى أُنزِلَ فِيهِ القرآن﴾ خبرٌ للمبتدأ على الوجه الأول وصفةٌ لشهر رمضانَ على الوجوه الباقية ومعنى إنزالِه فيه أنه أبتدى إنزالُه فيه وكان ذلك ليلةَ القدرِ أو أنزل فيه جملةَ إلى السماءِ الدُّنيا ثم نزل مُنَجَّماً إلى الأرض حسبما تقتضيه المشيئةُ الربانية أو أُنزل في شأنه القرآنُ وهو قوله كُتِبَ عَلَيْكُمْ وعن النبيِّ ﷺ نزلتْ صحفُ إبراهيمَ أولَ ليلةٍ من رمضانَ وأُنزلت التوراةُ لستٍ مضَيْن منه والإنجيلُ لثلاثَ عشرةَ منه والقرآنُ لأربع وعشرين
﴿هُدًى لّلنَّاسِ وبينات مِّنَ الهدى والفرقان﴾ حالان من القرآن أي أُنزل حال كونه هدية للناس بما فيه من الإعجاز وغيرِه وآياتٍ واضحةٍ مرشدةً إلى الحق فارقةً بينه وبين الباطل بما فيه من الحُكم والأحكام
﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾ أي حضرَ فيه ولم يكن مسافراً ووضعُ الظاهر موضعَ الضمير للتعظيم والمبالغة في البيان والفاءُ للتفريعِ والترتيب أو لتضمُّن المبتدأِ معنى الشَّرطِ أو زائدةٌ على تقدير كونِ شهرُ رمضانَ مبتدأً والموصولُ صفة له وهذه الجملةُ خبرٌ له وقيل هي جزائية كأنه قيل لما كُتب عليكم الصيامُ في ذلك الشهر فمنْ حضَرَ فيه
﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ أي فليصم فيه بجذف الجارِّ وإيصالِ الفعلِ إلى المجرور اتساعاً وقيل من شهد منكم هلالَ الشهرِ فليصمْه على أنه مفعولٌ به كقولك شهِدتُ الجمعةَ أي صلاتها فيكونُ ما بعده مخصِّصاً له كأنه قيل
﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا﴾ وإن كان مقيماً حاضِراً فيه
﴿أَوْ على سَفَرٍ﴾ وإن كان صحيحاً
﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ أي فعليه صيامُ أيامٍ أخَرَ لأن المريضَ والمسافرَ ممن شهد الشهرَ ولعل التكريرَ لذلك أو لئلا يُتَوَهم نسخُه كما نُسخ قرينُه
﴿يُرِيدُ الله﴾ بهذا الترخيص
﴿بِكُمُ اليسر وَلَا يُرِيدُ بكم العسر﴾ لغاية رأفتُه وسعةُ رحمتِه
﴿وَلِتُكْمِلُواْ العدة وَلِتُكَبّرُواْ الله على مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ علل لفعلٍ محذوفٌ يدلُّ عليه ما سبق أي ولهذه الأمورِ شُرِعَ ما مرَّ من أمرِ الشاهد بصوْمِ الشهر وأمرِ المرخَّص لهم بمراعاة عدةِ ما أَفطر فيه ومن الترخيص في إباحة الفطر فقوله تعالى لتكلموا علةُ الأمر بمراعاة العِدة ولتكبروا علةُ ما عَلِمه من كيفية القضاء وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ علةُ الترخيص والتيسير وتديه فعل التكبير بعلى لتضمُّنه معنى الحمد كأنه ولتكبروا الله حامدين على ما هداكم ويجوز أن يكون معطوفةً على علة مقدرةٍ مثلُ ليُسهل عليكم أو لتعلموا ما تعلمون ولتكملوا الخ ويجوز عطفُها على اليُسرَ أي يريد بكم لتكلموا الخ كقوله تعالى يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ الخ والمعنى بالتكبير تعظيمُه تعالى بالحمد والثناءِ عليه وقيل تكبيرُ يومِ العيد وقيل التكبيرُ عند الإهلال وما تحتمل المصدرية والموصولة أي على هدايتِه أيَّاكم أو على الذي هداكم إليه وقرئ ولِتُكَمِّلوا بالتشديد
стр. 391
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي﴾ في تلوينِ الخطابِ وتوجيهِه إلى رسول الله ﷺ ما لا يَخفْى من تشريفِه ورفعِ محله
﴿فَإِنّي قَرِيبٌ﴾ أي فقل لهم إني قريبٌ وهو تمثيلٌ لكمال علمِه بأفعال العبادِ وأقوالِهم واطلاعِه على أحوالهم بحال من قُرب مكانُه رُوي أن أعرابياً قال لرسول الله ﷺ أقريب ربنا فنناجيه أم بعيدٌ فنناديَه فنزلت
﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ﴾
стр. 392
تقريرٌ للقُرب وتحقيقٌ له ووعدٌ للداعي بالإجابة
﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى﴾ إذا دعوتُهم للإيمان والطاعةِ كما أجيبهم إذا دعَوْني لمُهمّاتهم
﴿وَلْيُؤْمِنُواْ بِى﴾ أمرٌ بالثبات على ما هم عليه
﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ راجين إصابةَ الرُشْد أي الحق وقرئ بفتح الشين وكسرِها ولمّا أمرهم الله تعالى بصوم الشهر ومرعاة العِدةِ وحثَّهم على القيام بوظائف التكبير عقّبه بهذه الآيةِ الكريمةِ الدالة على أنه تعالى خبيرٌ بأحوالهم سميعٌ لأقوالهم مجيبٌ لدعائهم مجازيهم على أعمالهم تأكيداً له وحثاً عليه ثم شرَع في بيان أحكام الصيام فقال
стр. 393
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَائِكُمْ﴾ رُوي أن المسلمين كانوا إذا أمسَوْا حلَّ لهم الأكلُ والشربُ والجِماعُ إلى أن يُصلّوا العشاءَ الأخيرة أو يرقُدوا ثم أن عمرَ ﵁ باشر بعد العِشاء فندِم وأتى النبيِّ ﷺ واعتذر إليه فقام رجالٌ فاعترفوا بما صنعوا بعد العِشاء فنزلت وليلةُ الصيام الليلةُ التي يصبِحُ منها صائماً والرفثُ كنايةٌ عن الجماع لأنه لا يكاد يخلو من رفث وهو الإفصاحُ بما يجب أن يكنَّى عنه وعُدِّي بإلى لتضمُّنه معنى الإفضاءِ والإنهاء وإيثارُه ههنا لاستقباح ما ارتكبوه ولذلك سمِّي خيانةً وقرئ الرُفوث وتقديمُ الظرف على القائم مَقامَ الفاعلِ لما مرَّ مراراً من التشويق فإنَّ ما حقُّه التقديمُ إذا أُخِّر تبقى النفسُ مترقبة إليه فيتمكن عندها وقتَ ورودِه فضلَ تمكِّنٍ
﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ استئنافٌ مبينٌ لسبب الإحلالِ وهو صعوبةُ الصبر عنهنّ مع شِدة المخالطة وكَثرةِ الملابَسة بهن وجُعل كلٌّ من الرجل والمرأة لِباساً للآخرَ لاعتناقهما واشتمال كلَ منهما على الآخر بالليل قال ... إذا ما الضجيعُ ثَنَى عِطفَها ... تثنَّتْ فكانت عليه لِباساً ...
أو لأن كلاً منهما يستُر حالَ صاحبِه ويمنعُه من الفجور
﴿عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ استئنافٌ آخرُ مبين لما ذُكر من السبب والاختيانُ أبلغُ من الخيانة كالاكتساب من الكسْب ومعنى تختانون تظلِمونها بتعريضها للعقاب وتنقيصِ حظَّها من الثواب
﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ عطفٌ على علِم أي تابَ عليكم لما تُبتم مما اقترفتموه
﴿وَعَفَا عَنكُمْ﴾ أي محا أثرَه عنكم
﴿فالآن﴾ لما نُسخ التحريمُ
﴿باشروهن﴾ المباشرةُ إلزاقُ البَشَرة بالبَشَرة كُنِّي بها عن الجماع الذي يستلزِمُها وفيه دليلٌ على جواز نسخِ الكتاب للسنة
﴿وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ﴾ أي واطلُبوا ما قدّره الله لكم وقرَّره في اللوحِ من الوَلدِ وفيه أن المباشِرَ ينبغي أنْ يكونَ غرضُه الولدَ فإنه الحكمةُ في خلق الشهوة وشرع النكاحِ لا قضاءِ الشهوة وقيل فيه نهيٌ عن العَزْل وقيل عن غير المأتيّ والتقديرُ وابتغوا المحلَ الذي كتب
стр. 394
البقرة (١٨٨)
الله لكم
﴿وَكُلُواْ واشربوا حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الابيض مِنَ الخيط الاسود مِنَ الفجر﴾ شبه أول مايبدو من الفجر المعترِض في الأفق وما يمتدّ معه عن غلس الليل بخيطين الأبيض والأسود واكتُفي ببيان الخيط الأبيض بقوله تعالى مِنَ الفجر عن بيان الخيطِ الأسودِ لدلالته عليه وبذلك خرجا عن الاستعارة إلى التمثيل ويجوزُ أنْ يكونَ مَنْ للتبعيض فإن ما يبدوا بعضُ الفجر وما رُوي من أنَّها نزلت ولم ينزلْ من الفجر فعمَد رجالٌ إلى خيطين أبيضَ وأسودَ وطفِقوا يأكلون ويشربون حتى يتبيَّنا لهم فنزلت فلعل ذلك كان قبل دخولِ رمضانَ وتأخيرُ البيان إلى وقت الحاجة جائز أو اكتفى أو لا باشتهارهما في ذلك ثم صُرِّح بالبيان لما التَبَس على بعضهم وفي تجويز المباشرةِ إلى الصبح دلالةٌ على جواز تأخيرِ الغُسل إليه وصحةِ صومِ من أصبح جُنباً
﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إلى الليل﴾ بيانٌ لآخِرِ وقتِه
﴿وَلَا تباشروهن وَأَنتُمْ عاكفون فِي المساجد﴾ أي معتكِفون فيها والمرادُ بالمباشرة الجِماعُ وعن قتادةَ كان الرجلُ يعتكِفُ فيخرُجُ إلى امرأته فيباشرُها ثم يرجِع فنُهوا عن ذلك وفيه دليلٌ على أنَّ الاعتكافَ يكون في المسجد غيرَ مختص ببعضٍ دون بعضٍ وأن الوطءَ فيه حرامٌ ومفسدٌ له لأن النهيَ في العبادات يوجبُ الفساد
﴿تِلْكَ حُدُودُ الله﴾ أي الأحكامُ المذكورةُ حدود وضعها اله تعالى لعباده
﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ فضلاً عن تجاوُزها نهْيٌ أن يُقرَبَ الحدُّ الحاجزُ بين الحقِّ والباطل مبالغةً في النهي عن تخطِّيها كما قال ﷺ إن لكل ملكٍ حِمىً وحِمى الله محارمُه فمن رتَعَ حولَ الحِمى يُوشك أن يقَعَ فيه ويجوز أن يراد بحدود الله تعالى محارمُه ومناهيه ﴿كذلك﴾ أي مثلَ ذلك التبيينِ البليغ
﴿يُبَيّنُ الله آيَاتِهِ﴾ الدالةَ على الأحكام التي شرعها
﴿لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ مخالفةَ أوامرِه ونواهيه
стр. 395
﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُم بالباطل﴾ نهيٌ عن أكل بعضِهم أموالَ بعضٍ على خلاف حُكم الله تعالى بعد النهيِ عن أكل أموالِ أنفسِهم في نهار رمضان أي لايأكل بعضكم أموال بعض بالوجه الذي لم يُبِحْه الله تعالى وبين نصب على الظرفية أو الحالية من أموالكم
﴿وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الحكام﴾ عطفٌ على المنهيِّ عنه أو نُصِبَ بإضمار أن والإدلاءُ الإلقاءُ أي ولا تُلقوا حكومتَها إلى الحكام
﴿لِتَأْكُلُواْ﴾ بالتحاكم إليهم
﴿فَرِيقًا مّنْ أَمْوَالِ الناس بالإثم﴾ بما يوجبُ إثماً كشهادة الزورِ واليمين الفاجرة أو متلبسين بالإثم
﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنكم مُبْطلون فإن ارتكابَ المعاصي مع العلم بها أقبحُ رُوي أن عبدانَ الحضْرمي ادعى على امرئ القيسِ الكنديِّ قطعةَ أرضٍ ولم يكن له بينةٌ فحكم رسول الله ﷺ بأن يحلِفَ امرُؤُ القيسِ فهم به فقرأ ﵊ إِنَّ الذين يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وأيمانهم ثَمَنًا قَلِيًلا الآية فارتدَعَ عن اليمين فسلّم الأرضَ إلى عبدان فنزلت ورُوي أنه اختصم إليه خصمان فقال ﵇ إنما أنا بشرٌ مثلُكم وأنتم تختصِمون إلي ولعل بعضَكم ألحنُ بحجَّته من بعضٍ فأقضِيَ له على نحو ما أسمَع منه فمن قضَيْتُ له بشيءٍ من حقِّ أخيه فإنما أقضي له قطعة من نار فبَكَيا فقال كلُّ واحدٍ منهما حقي لصاحبي
стр. 396
البقرة (١٩٠ - ١٨٩)
فقال اذهبا فتوخيا ثم استهما ثم ليحلل كلُّ واحدٍ منكما صاحبَه
стр. 397
﴿يسألونك عَنِ الأهلة﴾ سألهُ معاذُ بنُ جبلٍ وثعلبةُ بنُ غنم فقالا ما بالُ الهلالِ يبدو رقيقاً كالخيط ثم يزيد حتى يستويَ ثم لا يزال ينقُص حتى يعودَ كما بدأ
﴿قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج﴾ كانوا قد سألوه ﵊ عن الحِكمة في اختلاف حالِ القمرِ وتبدُّل أمرِه فأمره الله العزيزُ الحكيمُ أن يُجيبهم بأن الحِكمةَ الظاهرةَ في ذلك أن تكون معالِمَ للناس في عبادتهم لا سيما الحجُّ فإن الوقتَ مراعىً فيه أداءً وقضاءً وكذا في معاملاتهم على حسب ما يتّفقون عليه والمواقيتُ جمع ميقاتٍ من الوقت والفرقُ بينه وبين المدة والزمان أن المدةَ المطلقةَ امتدادُ حركةِ الفلك من مبدَئها إلى منتهاها والزمانُ مدةٌ مقسومةٌ إلى الماضي والحالِ والمستقبل والوقتُ الزمان المفروضُ لأمرٍ
﴿وَلَيْسَ البر بِأَن تَأْتُواْ البيوت مِن ظُهُورِهَا﴾ كانت الأنصارُ إذا أحْرَموا لم يدخُلوا داراً ولا فُسطاطاً من بابه وإنما يدخُلون ويخرُجون من نَقْبٍ أو فُرجةٍ وراءَها ويعدّون ذلك بِرَّاً فبين لهم أنه ليس ببر فقيل
﴿ولكن البر من اتقى﴾ أي بِرَّ من اتقى المحارمَ والشهواتِ ووجهُ اتصالِه بما قبله أنهم سألوا عن الأمرين أو أنه لما ذكر أنها مواقيتُ للحج ذكر عقيبة ماهو من أفعالهم في الحجِّ استطراداً أو أنهم لمّا سألوا عما لا يَعنيهم ولا يتعلَّق بعِلمِ النبوة فإنه ﵊ مبعوثٌ لبيان الشرائعِ لا لبيان حقائِقِ الأشياءِ وتركوا السؤال عما يَعنيهم ويختصُّ بعلم الرسالةِ عقّبَ بذكره جوابَ ما سألوا عنه تنبيهاً على أن اللائقَ بهم أن يسألوا عن أمثال ذلك ويهتموا بالعلم بها أو أريد به التنبيهُ على تعكيسهم في السؤال وكونِه من قبيل دخولِ البيتِ من ورائه والمعنى وليس البرُّ بأن تعكسوا في مسائِلكم ولكنّ البرَّ من اتقى ذلك ولم يجترئ على مثله
﴿وَأْتُواْ البيوت مِنْ أبوابها﴾ إذ ليس في العُدول بِرٌّ أو باشروا الأمورَ من وجوهها
﴿واتقوا الله﴾ في تغيير أحكامِه أو في جميع أموركم أمرَ بذلك صريحاً بعد بيان أن البِرَّ برٌّ من اتقى إظهاراً لزيادة الاعتناءِ بشأن التقوى وتمهيداً لقوله تعالى
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي لكي تظفَروا بالبرِّ والهدى
стр. 398
﴿وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله﴾ أي جاهِدوا لإعزاز دينِه وإعلاءِ كلمتِه وتقديمُ الظرفِ على المفعولِ الصريحِ لإبراز كمالِ العنايةِ بشأن المقدّم
﴿الذين يقاتلونكم﴾ قيل كان ذلك قبل ما أُمِروا بقتال المشركين كافةَ المقاتلين منهم والمحاجزين وقيل معناه الذين يناصبونكم القتالَ ويُتوقعُ منهم ذلك دون غيرهم من المشايخ والصبيان والرهابنة والنساء أو الكفَرَةُ جميعاً فإن الكلَّ بصدد قتالِ المسلمين ويؤيد الأولَ ما رُوي أن المشركين صدُّوا رسول الله ﷺ عامَ الحُديبية وصالحوه على أن يرجِع من قابل فيُخَلّوا له مكةَ شرَّفها الله تعَالَى ثلاثةَ أيامٍ فرجَع لعمُرة القضاء فخاف المسلمون أن لا يفوا لهم ويقاتلوهم في الحَرم والشهرِ الحرام وكرِهوا ذلك فنزلت ويعضُده إيرادُه في أثناء بيان أحكامِ الحج
﴿وَلَا تَعْتَدُواْ﴾ بابتداء
стр. 399
البقرة (١٩٤ - ١٩١)
القتالِ أو بقتال المعاهَد والمفاجأة به من غير دعوةٍ أو بالمُثلة وقتلِ من نُهيتم عن قتلِه من النساء والصِّبيان ومن يجري مَجراهم
﴿إِنَّ الله لَا يُحِبُّ المعتدين﴾ أي لا يريد بهم الخير وهو تعليل للنهي
стр. 400
﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ أي حَيْثُ وجدتمُوهم من حِلَ أو حَرَم وأصلُ الثقَفِ الحذَقُ في إدراك الشيء علماً أو عملاً وفيه معنى الغلبة ولذلك استعمل فيها قال ... فإما تَثْقَفوني فاقتُلوني ... فمَنْ أثقَفْ فليس إلى خلود ...
﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ أي من مكةَ وقد فُعل بهم ذلك يوم الفتح بمن لم يُسلم من كفارها
﴿والفتنة أَشَدُّ مِنَ القتل﴾ أي المحنة التي يُفتتن بها الإنسانُ كالإخراج من الوطن أصعبُ من القتل لدوام تعبها وبقاء تألم النفس بها وقيل شركُهم في الحرم وصدُّهم لكم عنه أشدُّ من قتلكم إياهم فيه
﴿وَلَا تقاتلوهم عِندَ المسجد الحرام﴾ أي لا تفاتحوهم بالقتل هناك ولا تهتِكوا حرمةَ المسجد الحرام
﴿حتى يقاتلوكم فِيهِ فَإِن قاتلوكم﴾ ثمَةَ
﴿فاقتلوهم﴾ فيه ولا تُبالوا بقتالهم ثمةَ لأنهم الذين هتَكوا حُرمتَه فاستحقُّوا أشدَّ العذاب وفي العُدول عن صِيغة المفاعَلة التي بها وردَ النهيُ والشرطُ عِدَةً بالنصر والغلبة وقرئ ولا تقتُلوهم حتى يقتُلوكم فإن قتلوكم فاقتلوهم والمعنى حتى يقتُلوا بعضَكم كقولهم قتلتْنا بنو أسدٍ
﴿كذلك جَزَاء الكافرين﴾ يُفعلُ بهم مثلُ ما فعلوا بغيرهم
стр. 401
﴿فَإِنِ انْتَهَوْاْ﴾ عن القتال والكفر بعد ما رأَوا قتالَكم
﴿فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ يغفرُ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ
стр. 402
﴿وقاتلوهم حتى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي شِرْكٌ
﴿وَيَكُونَ الدين للَّهِ﴾ خالصاً ليس للشيطان فيه نصيب
﴿فَإِنِ انْتَهَوْاْ﴾ بعد مقاتَلتِكم عن الشِّرك
﴿فَلَا عدوان إِلَاّ عَلَى الظالمين﴾ أي فلا تعتَدوا عليهم إذ لا يحسُن الظلمُ إلا لمن ظَلَم فوضعُ العلة موضعَ الحُكم وتسميةُ الجزاءِ بالعُدوان للمشاكلة كما في قوله فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ أو إنكم إنْ تعرَّضتم للمنتهين صِرْتم ظالمين وتنعكس الحالُ عليكم والفاءُ الأولى للتعقيب والثانيةُ للجزاء
стр. 403
﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام﴾ قاتلَهم المشركون عامَ الحُديبية في ذي القَعدة فقيل لهم عند خروجِهم لعُمرة القضاء في ذي القَعدة أيضاً وكراهتِهم القتالَ فيه هذا الشهرُ الحرامُ بذلك الشهر الحرامِ وهتكُه بهتكه فلا تبالوا به
﴿والحرمات قِصَاصٌ﴾ أي كلُّ حرمةٍ وهي ما يجب المحافظةُ عليه يجري فيها القصاصُ فلما هتكوا حُرمة شهرِكم بالصَّد فافعلوا بهم مثلَه وادخُلوا عليهم عُنوةً فاقتُلوهم إن قاتلوكم كما قال تعالى
﴿فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عليكم﴾
стр. 404
وهو فذلَكةٌ مقرِّرة لما قبلها
﴿واتقوا الله﴾ في شأن الانتصار واحذروا أن تعتدوا الى مالم يُرَخَّصْ لكم
﴿واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين﴾ فيحرُسُهم ويصلح شئونهم بالنصر والتمكين
стр. 405
﴿وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ الله﴾ أمرٌ بالجهاد بالمال بعد الأمرِ به بالأنفس أي ولا تُمسِكوا كلَّ الإمساك
﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة﴾ بالإسراف وتضييعِ وجهِ المعاش أو بالكفِّ عن الغزو والإنفاق فيه فإن ذلك مما يقوِّي العدوَّ ويسلطهم عليكم ويؤيدُه ما رُوي عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنَّه قال لما أعزَّ الله الإسلامَ وكثُر أهلُه رجعنا إلى أهالينا وأموالنا نُقيمُ فيها ونُصلِحها فنزلت أو بالإمساك وحبِّ المال فإنه يؤدّي إلى الهلاك المؤبَّد ولذلك سُمي البخلُ هلاكاً وهو في الأصل انتهاءُ الشيء في الفساد والإلقاءُ طرحُ الشيء وتعديتُه بإلى لتضمُّنه معنى الانتهاء والباءُ مزيدةٌ والمرادُ بالأيدي الأنفسُ والتهلُكة مصدر كالتنصُرَة والتسترة وهي والهلك والهلاك واحدٌ أي لا توقِعوا انفسكم في الهلاك وقيل معناه لا تجعلوها آخذة بأيديكم أولا تلقوا بأيديكم أنفسَكم إليها فحُذِف المفعول
﴿وَأَحْسِنُواْ﴾ أي أعمالَكم وأخلاقَكم أو تفضّلوا على الفقراء
﴿إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين﴾ أي يريد بهم الخيرَ وقوله تعالى
стр. 406
﴿وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة لِلَّهِ﴾ بيانٌ لوجوب إتمامِ أفعالهما عند التصدي لأدائهما وإرشادٍ للناس إلى تدارُك ما عسى يعتريهم من العوارض المُخِلَّة بذلك من الإحصار ونحوه من غير تعرُّضٍ لحالها في أنفسهما من الوجوب وعدمِه كما في قوله تعالى ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام الى الليل فإنه بيانٌ لوجوب مدِّ الصيام إلى الليل من غيرِ تعرُّضٍ لوجوبِ أصلِه وإنما هو بقوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام الآية كما أن وجوبَ الحج بقوله تعالى وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت الآية فإن الأمرَ بإتمام فعلٍ من الأفعال ليس أمراً بأصله ولا مستلزماً له أصلاً فليس فيه دليل على وجوب العُمرة قطعاً وادعاءُ أن الأمرَ بإتمامهما أمرٌ بإنشائهما تامين كاملين حسبما تقتضيه قراءةُ وَأَقِيمُواْ الحج والعمرة وأن الأمرَ للوجوب مالم يدلَّ على خلافه دليل مما لا سَدادَ له ضرورةَ أنْ ليس البيانُ مقصوراً على أفعال الحجِّ المفروضِ حتى يُتصوَّرَ ذلك بل الحقُّ أن تلك القراءةُ أيضاً محمولةٌ على المشهورة ناطقةٌ بوجوب إقامةِ أفعالهما كما ينبغي من غير تعرُّضٍ لحالهما في أنفسهما فالمعنى أكمِلوا أركانَهما وشرائطَهما وسائرَ أفعالِهما المعروفةِ شرعاً لوجهِ الله تعالى من غير إخلالٍ منكم بشيء منها هذا وقد قيل إتمامُهما أن تحرِمَ
стр. 407
بهما من دُوَيرَة أهلِك رُوي ذلكَ عن عليَ وابن عباسٍ وابنِ مسعودٍ ﵃ وقيل أن تُفرِدَ لكل واحدٍ منها سَفَراً كما قال محمد حَجةٌ كوفية وعُمرةٌ كوفية أفضلُ وقيل هو جعلُ نفقتِهما حلالاً وقيل أن تُخلِصوهما للعبادة ولا تشوبوهما بشئ من الأعراض الدنيوية وأياً ما كانَ فلا تعرُّضَ في الآية الكريمة لوجوب العُمرة أصلاً وأما ما رُوي أن ابن عباس ﵄ قال إن العمرةَ لقرينةُ الحج وقول عمر ﵁ هُديتَ لسنة نبيِّك حين قال له رجلٌ وجدتُ الحج العمرة مكتوبين على أهللت بهما وفي رواية فأهللتُ بهما جميعاً فبمعزلٍ من إفادة الوجوب مع كونه معارَضاً بما رُوي عن جابرٍ أنه قالَ يا رسولَ الله العمرةُ واجبةٌ مثلَ الحجِّ قال لا ولكن أن تعتمِرَ خيرٌ لك وبقوله ﵇ الحجُّ جهاد والعُمرةُ تطوُّعٌ فتدبر
﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ أي مُنعتم من الحج يقال حصره العدو وأحصره إذا حبَسه ومنعه من المُضيِّ لوجهه مثلُ صَدَّه وأصدّه والمرادُ منعُ العدو عند مالك والشافعي ﵄ لقوله تعالى فَإِذَا أَمِنتُمْ ولنزوله في الحديبية ولقولِ ابنِ عباسٍ لا حصْرَ إلا حصرُ العدوِّ وكلُّ منعٍ من عدو أو مرضٍ أو غيرهما عند أبي حنيفة رضى الله عنه لما رُوي عن النبيِّ ﷺ من كُسِر أو عَرَج فعليه الحجُّ من قابل
﴿فَمَا استيسر مِنَ الهدى﴾ أي فعليكم أو فالواجبُ ما استيسر أو فاهدوا ما استيسر والمعنى أن المُحرِم إذا أُحصر وأراد أن يتحلّل تحلَّل بذبح هدى تيسر عليه من بدَنة أو بقرةٍ أو شاة حيث أُحصر عند الأكثر وعندنا يَبعث به إلى الحرَم ويجعلُ للمبعوث بيده يوم أمارة فإذا جاء اليومُ وظن أنه ذبح تحلّل لقوله تعالى
﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يَبْلُغَ الهدى مَحِلَّهُ﴾ أي لا تُحِلوا حتى تعلموا أن الهديَ المبعوثَ إلى الحرم بلغ مكانه الذي يجب أن يُنْحَر فيه وحمل الأولون بلوغَ الهدْي مَحِلّه على ذبحه حيث يحل ذبحه فيه حِلاًّ كان حَرَماً ومرجعُهم في ذلك أن رسول الله ﷺ ذبحَ عامَ الحديبية بها وهي من الحِل قلنا كان محصرة ﵊ طرفَ الحديبية الذي إلى أسفلِ مكةَ وهو من الحَرَم وعن الزُهري أن رسول الله ﷺ نحرَ هديَه في الحَرَم وقال الواقديُّ الحديبيةُ هي طرفُ الحرم على تسعة أميالٍ من مكةَ والمَحِلُّ بالكسر يُطلق على المكان والزمان والهدْيُ جمع هَدْية كجدى وجدية وقرئ من الهَدِيّ جمع هَديّة كمَطِيّ ومطية
﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا﴾ مرَضاً مُحوجاً إلى الحَلْق
﴿أَوْ بِهِ أَذًى مّن رَّأْسِهِ﴾ كجراحة أو قُمَّلٍ
﴿فَفِدْيَةٌ﴾ أي فعليه فديةُ إن حلق
﴿مّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أو نسك﴾ بيان الجنس الفدية وأما قدرُها فقد روى أنه ﷺ قال لكعب بنِ عُجرةَ لعلك آذاك هو أمك قال نعم يا رسولَ الله قالَ احلِقْ وصُم ثلاثةَ أيام أو تصدّقْ بفَرْقٍ على ستةِ مساكينَ أو انسُك شاةً والفَرْقُ ثلاثة آصُع
﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ﴾ أي الإحصار أو كنتم في حال أمن أو سعة
﴿فَمَن تَمَتَّعَ بالعمرة إِلَى الحج﴾ أي فمن انتفع بالتقرُّب إلى الله تعالى بالعُمرة قبل الانتفاعِ بتقرّبه بالحج في أشهره وقيل من استمتع بعد التحلُّل من عُمرته باستباحة محظوراتِ الإحرام إلى أن يُحرِم بالحج
﴿فَمَا استيسر مِنَ الهدى﴾ أي فعليه دمٌ استيسر عليه بسبب التمتع وهو دمُ جُبرانٍ يذبحه إذا أحرَمَ بالحج ولا يأكلُ منه عند الشافعي وعندنا هو كالأضحية
﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾ أيْ الهديَ
﴿فَصِيَامُ ثلاثة أَيَّامٍ فِي الحج﴾ أي في أشهره بين الإحرامين وقال الشافعيُّ في أيام الاشتغالِ بأعماله بعد الإحرام وقبل التحلل والأحب أن يصومَ سابعَ ذي الحِجة وثامنَه وتاسعَه فلا يصح يومَ النحرِ وأيامَ التشريق
﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ أي نفَرْتم وفرغتم من
стр. 408
البقرة (١٩٧)
أعماله وفي أحدِ قولي الشافعيِّ إذا رجعتم إلى أهليكم وقرئ وسبعةً بالنَّصبِ عطفاً على محلِّ ثلاثةِ أيام
﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ﴾ فذلكةُ الحسابِ وفائدتُها أن لا يُتَوَهّم أن الواوَ بمعنى أو كما في قولك جالسِ الحسنَ وابنَ سيرين وأن يُعلم العددُ جملةً كما عُلم تفصيلاً فإن أكثرَ العرب لا يعرِفُ الحسابَ وأن المرادَ بالسبعة هو العددُ المخصوصُ دون الكثرة كما يراد بها ذلك أيضاً
﴿كَامِلَةٌ﴾ صفةٌ مؤكدةٌ لعشَرة تفيد المبالغةَ في المحافظة على العدد أو مبيِّنةٌ لكمال العشرة فإنها أولُ عددٍ كاملٍ إذْ بهِ ينتهي الآحادُ ويتم مراتبُها أو مقيِّدة تفيدُ كمالَ بَدَليتها من الهدْي
﴿ذلك﴾ إشارةٌ إلى التمتع عندنا وإلى الحكم المذكورِ عند الشافعي
﴿لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى المسجد الحرام﴾ وهو مَنْ كان من الحرَم على مسافة القصْرِ عند الشافعي ومن كان مسكنُه وراءَ الميقاتِ عندنا وأهلُ الحل عند طاوس وغيرُ أهل مكةَ عند مالك
﴿واتقوا الله﴾ في المحافظة على أوامره ونواهيه لا سيما في الحج
﴿واعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب﴾ لمن لم يَتَّقْهِ كي يصُدَّكم العلمُ به عن العِصيان وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موضع الإضمار لتربية المهابةِ وإدخالِ الرَّوْعة
стр. 409
﴿الْحَجُّ﴾ أي وقته
﴿أَشْهُرٌ معلومات﴾ معروفاتٌ بين الناس هي شوَّالٌ وذو القَعدة وعشرُ ذي الحِجة عندنا وتسعةٌ بليلةِ النحر عند الشافعي وكلُّه عند مالكٍ ومدارُ الخلافِ أن المرادَ بوقته وقتُ إحرامِه أو وقتُ أعماله ومناسِكهُ أو مالا يحسُن فيه غيرُه من المناسِك مطلقاً فإن مالِكاً كرِه العُمرةَ في بقية ذي الحِجة وأبو حنيفةَ وإن صحَّح الإحرامَ به قبل شوالٍ فقد استكرهه وإنما سمى شهرين وبعضُ شهرٍ أشهراً إقامةً للبعض مقام الكل أوإطلاقا للجمع على ما فرق الواحدِ وصيغةُ جمعِ المذكر في غير العقلاء تجئ بالألف والتاء
﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج﴾ أي أوجبه على نفسه بالإحرام فيهن أو بالتلبية أو بسَوْق الهدْي
﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ أي لا جِماعَ أو فلا فحشَ من الكلام ولا خروجَ من حدود الشرعِ بارتكاب المحظوراتِ وقيل بالسباب والتنابذ بالألقاب
﴿وَلَا جِدَالَ﴾ أي لا مِراءَ مع الخدَم والرِفقة
﴿فِي الحج﴾ أي في أيامه والإظهارُ في مقامِ الإضمارِ لإظهار كمالِ الاعتناءِ بشأنه والإشعارِ بعِلة الحُكم فإن زيارةَ البيت المعظَّم والتقرُّبَ بها إلى الله من موجبات تركِ الأمورِ المذكورة وإيثارُ النفي للمبالغة في النهي والدَلالة على أن ذلك حقيقٌ بأن لا يكون فإن ما كان مُنْكراً مستقبَحاً في نفسه ففي تضاعيفِ الحجِّ أقبحُ كلبُس الحريرِ في الصلاة والتطريبِ بقراءة القرآن لأنه خروجٌ عن مقتضى الطبعِ والعادةِ إلى محض العبادة وقرئ الأولان بالرفع على معنى لا يكونن رَفثٌ ولا فسوقٌ والثالثُ بالفتح على معنى الإخبار بانتفاء الخلافِ في الحج وذلك أن قريشاً كانت تخالف سائرَ العرب فتقفُ بالمشعَر الحرام فارتفعَ الخلافُ بأن أُمروا بأن يقفوا أيضاً بعَرَفاتٍ
﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله﴾ فيجزي به خيرَ جزاءٍ وهو حثٌّ على فعل الخيرِ إِثرَ النهْي عن الشر
﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى﴾ أي تزوّدوا لمِعَادكم التقوى فإنه خيرُ زادٍ وقيل نزلت في أهل اليمن كانوا يحُجُّون ولا يتزوّدون ويقولون
стр. 410
١٩٨ - ١٩٩ البقرة نحن متوكلون فيكونون كَلاًّ على الناس فأُمروا أن يتزوّدوا ويتقوا الإبرامَ في السؤال والتثقيل على الناس
﴿واتقون يا أولي الالباب﴾ فإن قضيةَ اللُبِ استشعار خشية الله وتقواه حثهم على التقوى ثم أمرَهم بأن يكون المقصودُ بذلك هو الله تعالى فيتبرءوا من كل شئ سواه وهو مقتضى العقلِ المعرَّى عن شوائبِ الهوى فلذلك خُصَّ بهذا الخطاب أُولوا الألباب
стр. 411
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ﴾ أي في أن تبتغوا أي تطلُبوا
﴿فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ﴾ عطاءً ورزقاً منه أي الربحَ بالتجارة وقيل كان عُكاظُ ومَجنّةُ وذو المَجازِ أسواقَهم في الجاهلية يُقيمونها أيامَ مواسمِ الحج وكانت معايشُهم منها فلما جاء الإسلامُ تأثّموا منه فنزلت
﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عرفات﴾ أي دفعتم منها بكثرة من أفضتُ الماء إذا صبَبْتُه بكثرة وأصلُه أفضتم أنفسَكم فحُذِفَ المفعولُ حذفَه من دفعتُ من البَصْرة وعَرَفاتٌ جمعٌ سُمّي به كأذرِعات وإنما نوّن وكُسر وفيه علميةٌ وتأنيثٌ لما أن تنوين الجمعِ تنوينُ المقابلة لا تنوينُ التمكن ولذلك يُجمع مع اللام وذهابُ الكسرة تبعُ ذهابِ التنوين من غير عِوَض لعدم الصرْف وههنا ليس كذلك أو لأن التأنيثَ إما بالتاء المذكورة وهي ليست بتاء التأنيث وإنما هي مع الألف التي قبلها علامةُ جمعِ المؤنَّث أو بتاءٍ مقدَّرةٍ كما في سُعادَ ولا سبيل إليه لأن المذكور تأبى تقديرَها لما أنها كالبدل منها لاختصاصِها بالمؤنث كتاءِ بنت وإنما سمي الموقفُ عَرَفة لأنه نُعِتَ لإبراهيمَ ﵇ فلما أبصره عَرَفه أو لأن جبريلَ ﵇ كان يدور به في المشاعر فلما رآه قال عرَفتُ أو لأن آدمَ وحواءَ التقيا فيه فتعارَفا أو لأن الناسَ يتعارفون فيه وهي من الأسماءِ المُرْتجلة إلا من يجعلها جمعَ عارف قيل وفيه دليلٌ على وجوب الوقوف بها لأن الإفاضةَ لا تكون إلا بعده وهي مأمور بها بقوله تعالى ثُمَّ أَفِيضُواْ وقد قال النبيِّ ﷺ الحجُّ عَرَفةُ فمن أدرك عَرَفةَ فقد أدرك الحجَّ أو مقدمة للذكر المأمور به وفيه نظرٌ إذ الذكرُ غيرُ واجب والأمرُ به غيرُ مطلق
﴿فاذكروا الله﴾ بالتلبية والهليل والدعاء وقيل بصلاة العشاءين
﴿عِندَ المشعر الحرام﴾ هو جبلٌ يقف عليه الإمامُ ويسمى قُزَح وقيل ما بين مأزمي عرفةَ ووادي مُحسِّر ويؤيد الأول ما روى جابر أنه ﵊ لما صلى الفجرَ يعني بالمزدَلِفةِ بغَلَسٍ ركِب ناقتَه حتى أتى المشعَرَ الحرامَ فدعا فيه وكبّر وهلَّل ولم يزَلْ واقفاً حتى اسفرو إنما سُمِّي مَشعَراً لأنه مَعْلمُ العبادة ووُصِف بالحرام لحُرمته ومعنى عند المشعر الحرامِ ما يليه ويقرُب منه فإنه أفضلُ وإلا فالمزدلفةُ كلها موقف الا وادي مُحَسِّر
﴿واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ﴾ أي كما علَّمكم أو اذكُروه ذِكراً حسناً كما هداكم هدايةً حسَنةً إلى المناسك وغيرِها وما مصدرية أو كافّة
﴿وَإِن كُنتُمْ مِن قَبْلِهِ﴾ من قبلِ ما ذُكر من هدايتِه إياكم
﴿لَمِنَ الضالين﴾ غيرِ العاملين بالإيمان والطاعة وإنْ هيَ المخففةُ واللامُ هيَ الفارقة وقيل هي نافيةٌ واللامُ بمعنى إلا كما في قوله عز وعلا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الكاذبين
стр. 412
﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس﴾
стр. 413
أي من عرَفةَ لا من المزدَلِفة والخطابُ لقريش لمّا كانوا يقفون بجمعٍ وسائرُ الناس بعرَفةَ ويرَوْن ذلك ترفعاً عليهم فأُمروا بأن يساووهم وثمَّ لتفاوتِ ما بينَ الإفاضتين كما في قولك أحسِنْ إلى الناس ثم لا تُحسِنْ إلا إلى كريم وقيل من مزدلفةَ إلى مِنىً بعد الإفاضةِ من عرَفة إليها والخطابُ عام وقرئ الناسِ بكسر السين أي الناسي على أن يراد به آدمُ ﵇ من قوله تعالى فَنَسِىَ والمعنى أن الإفاضةَ من عرفه شرعٌ قديم فلا تغيِّروه
﴿واستغفروا الله﴾ من جاهليتكم في تغيير المناسكِ
﴿إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ يغفرُ ذنبَ المستغفِر ويُنعِمُ عليه فهو تعليلٌ للاستغفار أو للأمر به
стр. 414
﴿فإذا قضيتم مناسككم﴾ عباداتكم المتعلّقةَ بالحج وفرَغتم منها
﴿فاذكروا الله كذكركم آباءكم﴾ أي فاكثِروا ذكرَه تعالى وبالغوا في ذلك كما تفعلون بذكر آبائِكم ومفاخرِهم وأيامِهم وكانت العربُ إذا قضَوْا مناسكهم وقفوا بمنىً بين المسجد والجبل فيذكرون مفاخِرَ آبائِهم ومحاسِنَ أيامِهم
﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ إما مجرورٌ معطوفٌ على الذكر بجعله ذاكراً على المجاز والمعنى فاذكروا الله ذكراً كائناً مثلَ ذكرِكم آباءَكم أو كذكرٍ أشدَّ منه وأبلغَ أو على ما أضيفَ إليهِ بمعنى أو كذكر قومٍ أشدَّ منكم ذكراً أو منصوبٌ بالعطف على آباءَكم وذكراً من فعل المذكور بمعنى أو كذكركم أشدَّ مذكورٍ من آبائكم أو بمضمرٍ دلَّ عليهِ تقديرُه أو كونوا أشدَّ ذكراً لله منكم لآبائكم
﴿فَمِنَ الناس﴾ تفصيلٌ للذاكرين الى من لا يطلب بذكر الله الا الدنيا وإلى من يطلُب به خيرَ الدارَيْن والمرادُ به الحثُّ على الإكثار والانتظامِ في سلك الآخَرين
﴿مَن يِقُولُ﴾ أي في ذكره
﴿ربنا آتِنا في الدنيا﴾ أي اجعل إيتاءَنا ومِنحَتَنا في الدنيا خاصة
﴿وَمَا لَهُ فِى الأخرة من خلاق﴾ أي من حظَ ونصيبٍ لاقتصار همِّه على الدنيا فهو بيانٌ لحاله في الآخرة أو من طلبِ خَلاقٍ فهو بيانٌ لحاله في الدنيا وتأكيدٌ لقصر دعائه على المطالب الدنيوية
стр. 415
﴿وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنا في الدنيا حسنةً﴾ هي الصِّحةُ والكَفاف والتوفيقُ للخير
﴿وَفِي الاخرة حَسَنَةً﴾ هي الثوابُ والرحمة
﴿وَقِنَا عَذَابَ النار﴾ بالعفو والمغفرةِ وروى عن عليَ ﵁ أن الحسنةَ في الدنيا المرأةُ الصالحة وفي الآخرةِ الحوراء وعذابُ النار امرأةُ السوءِ وعن الحَسَن أن الحسنةَ في الدنيا العلمُ والعبادة وفي الآخرة الجنة وقنا عذابَ النار معناه احفظنا من الشهوات والذنوب المؤدِّية إلى النار
стр. 416
﴿أولئك﴾ إشارةٌ إلى الفريق الثاني باعتبار اتصافِهم بما ذُكر من النعوتِ الجميلةِ وما فيه من معنى البعد لمامر مراراً من الإشارة إلى علوِّ درجتِهم وبُعْدِ منزلتِهم في الفضلِ وقيل إليهما معاً فالتنوينُ في قولِهِ تعالَى
﴿لَهُمْ نَصِيبٌ مّمَّا كَسَبُواْ﴾ على الأول للتفخيم وعلى الثاني للتنويعِ أي لكل منهم نوع نصيب
стр. 417
٢٠٣ - ٢٠٤ البقرة من جنس ما كسَبوا أو من أجله كقوله تعالى مّمَّا خطيئاتهم أُغْرِقُواْ أو مما دَعَوْا به نعطيهم منه ما قدّرناه وتسميةُ الدعاء كسْباً لما أنه من الأعمال
﴿والله سَرِيعُ الحساب﴾ يحاسبُ العبادَ على كثرتهم وكثرةِ أعمالهم في مقدار لمحة فاحذَروا من الإخلال بطاعةِ مَنْ هذا شأنُ قدرتِه أو يوشك أن يُقيمَ القيامةَ ويحاسِبَ الناسَ فبادروا إلى الطاعات واكتساب الحسنات
стр. 418
﴿واذكروا الله﴾ أي كبِّروه في أعقاب الصلواتِ وعند ذبحِ القرابينِ ورمي الجمارِ وغيرِها
﴿فِى أَيَّامٍ معدودات﴾ هي أيامُ التشريق
﴿فَمَن تَعَجَّلَ﴾ أي استعجَلَ في النفر أو النفْرَ فإن التفعّل والاستفعال يجيئان لازمين ومتعدّيين يقال تعجل في الأمر واستعجل فيه وتعجله واستعجله والأول أوفقُ للتأخر كما في قوله
قد يُدرك المتأني بعضَ حاجتِه ... وقد يكون من المستعجل الزللُ
﴿فِى يَوْمَيْنِ﴾ أي في تمامِ يومين بعد يوم النحر هو يوم النحر ويوم الرءؤس واليومُ بعده ينفِر إذا فرَغ من رمي الجمار
﴿وَمَن تَأَخَّرَ﴾ في النفر حتى رمى في اليوم الثالثِ قبل الزوالِ أو بعده وعند الشافعيّ بعده فقط
﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ بما صنعَ من التأخُّرِ والمرادُ التخييرُ بين التعجل والتأخر ولا يقدح فيه أفضليةُ الثاني وإنما ورد بنفي الإثم تصريحاً بالرد على أهل الجاهلية حيث كانوا مختلفين فمن مُؤثِّمٍ للمتعجل ومؤثمٍ للمتأخر
﴿لِمَنِ اتقى﴾ خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ أي الذي ذُكر من التخيير ونفي الإثم عن المتعجّل والمتأخر أو من الأحكام لمن اتقى لأنه الحاج على الحقيقة والمنتفع به أو لأجله حتى لا يتضرِّرَ بترك ما يُهمُّه منهما
﴿واتقوا الله﴾ في مَجامِع أمورِكم بفعل الواجبات وترك المحضورات ليعبأبكم وتنظموا في سلك المغتنمين بالأحكام المذكورة والرُخَص أو احذروا الإخلالَ بما ذُكر من الأحكام وهو الأنسبُ بقوله
﴿واعلموا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي للجزاء على أعمالكم بعد الإحياءِ والبعث وأصلُ الحشر الجمع وضم المتفرّق وهو تأكيدٌ للأمر بالتقوى وموجب للامتثال به فإن من علِم بالحشر والمحاسبة والجزاءِ كان ذلك من أَقْوى الدَّواعي إلى ملازمة التقوى
стр. 419
﴿وَمِنَ الناس مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ تجريدٌ للخطابِ وتوجيهٌ لهُ إليه ﵊ وهو كلامٌ مبتدأ سيق لبيان تحزُّب الناسِ في شأن التقوى إلى حِزبين وتعيينِ مآلِ كلَ منهما ومَن موصولةٌ أو موصوفةٌ وإعرابُه كما بُيّن في قوله تعالى وَمِنَ الناس مَن يقول آمنا بالله واليوم الاخر أي ومنهم من يروقْك كلامُه ويعظُم موقعُه في نفسك لما تشاهد فيه من ملاءمة الفحوى ولُطف الأداءِ والتعجُّب حِيْرةٌ تعرِضُ للإنسان بسبب عدمِ الشعور بسبب ما يتعجّب منه
﴿في الحياة الدنيا﴾ متعلق يقوله أي ما يقوله في حق الحياة الدنيا ومعناها فإنها الذي يريده بما يدّعيه من الإيمان ومحبةِ الرسول ﷺ وفيه إشارة إلى أن له قولاً آخرَ ليس بهذه الصفة أو بيُعجبُك أي يعجبك قولُه في الدنيا بحلاوته
стр. 420
٢٠٥ - ٢٠٦ ٢٠٧ البقرة وفصاحته لافي الآخرة لما أنه يظهر هناك كذِبُه وقُبحُه وقيل لما يُرهِقه من الحبْسة واللُكنة وأنت خبيرٌ بأنه لا مبالغة حينئذ في سوء حالِه فإن مآلَه بيانُ حسنِ كلامِه في الدنيا وقبُحِه في الآخرة وقيل معنى في الحياة الدنيا مدة الحياة الدنيا أي لا يصدُر منه فيها إلا القولُ الحسن
﴿وَيُشْهِدُ الله على ما فى قلبه﴾ أي بحسَب ادِّعائِه حيث يقول الله يعلم أن ما في قلبي موافِقٌ لما في لساني وهو عطف على يعجبك وقرئ ويُشهدُ الله فالمرادُ بما في قلبه ما فيه حقيقةً ويؤيده قراءةُ ابنِ عبَّاسً ﵄ والله يشهَدُ على ما في قلبه على أن كلمةَ على لكون المشهودِ به مُضِرّاً له فالجملةُ اعتراضية وقرئ ويستشهدُ الله
﴿وَهُوَ أَلَدُّ الخصام﴾ أي شديد العدواه والخصومةِ للمسلمين على أن الخِصامَ مصدرٌ وإضافة ألدُّ اليه بمعنى في كقولهم ثبْتُ العذرِ أو أشدُّ الخصوم لهم خصومةً على أنه جمع خَصْم كصَعْب وصِعاب قيل نزلتْ في الأخنسِ بنِ شُرَيقٍ الثقفي وكان حسنَ المنظر حلوَ المنطق يوالي رسولَ الله ﷺ ويدعي الإسلامَ والمحبة وقيل في المنافقين والجملةُ حالٌ منَ الضميرِ المجرور في قوله أو من المستكنّ في يُشهد وعطف على ما قبلها على القراءتين المتوسطتين
стр. 421
﴿وَإِذَا تولى﴾ أي من مجلسك وقيل إذا صار والياً
﴿سعى فِى الارض لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحرث والنسل﴾ كما فعله الأخنسُ بثقيفٍ حيث بيتهم وأحرَق زروعَهم وأهلَك مواشيَهم أو كما يفعله ولاةُ السوء بالقتل والإتلاف أو بالظلم حتى يمنع الله تعالى بشؤمه القَطْرَ فيهلِكَ الحرثَ والنسل وقرئ ويَهلِكَ الحرثُ والنسلُ على إسناد الهلاك إليهما عطفاً على سعى وقرئ بفتح اللام وهي لغة وقرئ على البناءِ للمفعولِ من الإهلاك
﴿والله لَا يُحِبُّ الفساد﴾ أي لا يرتضيه ويبعضه ويغضَبُ على من يتعاطاه وهو اعتراضٌ تذييلي
стр. 422
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ﴾ على نهْج العِظة والنصيحة
﴿اتق الله﴾ واترُكْ ما تباشِرُه من الفساد أو النفاق واحذرْ سوءَ مغبَّتِه
﴿أَخَذَتْهُ العزة بالإثم﴾ أي حملتْه الأَنَفةُ وحَمِيةُ الجاهلية على الإثم الذي نُهِيَ عنه لَجاجاً وعِناداً من قولك أخذتُه بكذا إذا حملتُه عليه أوألزمته إياه
﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ مبتدأٌ وخبر أي كافِيهِ جهنَّمُ وقيل جهنمُ فاعلٌ لحسبُه سادٌّ مسدَّ خبرِه وهو مصدر بمعنى الفاعل وقويَ لاعتماده على الفاء الرابطة للجملة بما قبلها وقيل حسبُ اسمُ فعلٍ ماضٍ أي كفتْه جهنَّمُ
﴿وَلَبِئْسَ المهاد﴾ جوابُ قسمٍ مقدَّرٍ والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ لظهوره وتعيُّنه والمِهادُ الفِراش وقيل ما يوطأ للجَنْب والجملةُ اعتراض
стр. 423
﴿وَمِنَ الناس مَن يَشْرِى نَفْسَهُ﴾ مبتدأ وخبرٌ كما مر أي يبيعها ببذْلِها في الجهاد ومشاقِّ الطاعات وتعريضِها للمهالك في الحروب أو يأمرُ بالمعروف وينهى عن المنكر وإن ترتب عليه القتلُ
﴿ابتغاء مرضات الله﴾ أي طالبا لرضاه وهذا كمالُ التقوى وإيرادُه قسيماً للأول من حيث إن ذلك يأنفُ من الأمر بالتقوى وهذا يأمرُ بذلك وإن أدى إلى الهلاك وقيل نزلت في صهيبِ بنِ سنانٍ الروميّ أخذه المشركون وعذبوه ليرتدَّ فقال إني شيخٌ كبير
стр. 424
٢٠٨ - ٢٠٩ ٢١٠ البقرة لاأنفعكم إن كنت معكم ولا أضرُّكم إن كنت عليكم فخلُّوني وما أنا عليه وخُذوا مالي فقَبِلوا منه مالَه فأتى المدينة فيشري حينئذٍ بمعنى يشتري لجريان الحال على صورة الشرى
﴿والله رؤوف بالعباد﴾ ولذلك يكلفهم التقوى ويعرِّضهم للثواب والجملةُ اعتراضٌ تذييلى
стр. 425
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ ادخلوا فِي السلم﴾ أي الاستسلام والطاعةِ وقيل الإسلام وقرئ بفتح السين وهي لغة فيه بفتح اللام أيضاً وقوله تعالى
﴿كَافَّةً﴾ حال من الضمير في ادخلو اأو من السِّلم أو منهما معاً كما في قولِهِ ... خرجتُ بها تمشي تجرُّ وراءَنا ... على أَثَريْنا ذيلَ مِرْطٍ مُرَجَّل ... وهي في الأصل اسمُ لجماعة تكفُّ مُخالِفَها ثم استعملت في معنى جميعاً وتاؤُها ليست للتأنيت حتى يُحتاجَ إلى جعل السِّلم مؤنثاً مثلَ الحربِ كما في قوله وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا وفي قوله ... السلم تأخذ منها مارضيت به ... والحربُ يكفيكَ من أنفاسها جُرَعُ ...
وإنَّما هي للنقل كما في عامة وخاصة وقاطبة والمعنى استسلموا لله تعالى وأطيعوه جملةً ظاهراً وباطناً والخطابُ للمنافقين أو ادخُلوا في الإسلام بكلّيته ولا تخلِطوا به غيَره والخطابُ لمؤمني أهلِ الكتاب فإنهم كانوا يراعون بعضَ أحكام دينهم القديمِ بعد إسلامهم أو شرائع الله تعالى كلِّها بالإيمان بالأنبياء ﵈ والكتب جيعا والخطابُ لأهل الكتاب كلِّهم ووصفُهم بالإيمان إما على طريقة التغليب وإما بالنظر إلى إيمانهم القديم أو في شعب الإسلام وأحكامِه كلها فلا يخلوا بشئ منها والخطاب للمسلمين وإنما خوطب أهلُ الكتاب بعنوان الإيمان مع أنه لا يصِح الإيمانُ إلا بما كلَّفوه الآن إيذاناً بأن ما يدّعونه لا يتمّ بدونه
﴿وَلَا تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان﴾ بالتفرُّق والتفريقِ أو بمخالفة ما أُمرتم به
﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ ظاهرُ العداوة أو مُظْهِرٌ لها وهو تعليلٌ للنهي أو الانتهاءِ
следующие страницы →