← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

طه ٥٢ ٥٣ قوله تعالى

стр. 3852

﴿قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبّى﴾ فإن معناه أنه من الغيوب التي لا يعلمُها إلا الله تعالى وإنما أنا عبدٌ لا أعلم مها إلا ما علّمنيه من الأمور المتعلقة بما أُرسلت به ولو كان المسؤولُ عنه ما ذكر من الشقاوة والسعادةِ لأجيب ببيان أن من اتبع الهدى منهم فقد سلِم ومن تولى فقد عُذّب حسبما نطق به قوله تعالى والسلام الآيتين ﴿فِى كتاب﴾ أي مُثْبتٍ في اللوحِ المحفوظِ بتفاصيلِه ويجوزُ أنْ يكونَ ذلكَ تمثيلاً لتمكنه وقرره في علم الله عزل وجل بما استحفظه العالَم وقيده بالكَتَبة كَما يلوحُ بهِ قولُه تعالى ﴿لَا يَضِلُّ رَبّى وَلَا يَنسَى﴾ أي لا يخطئ ابتداءً ولا يذهب علمه بقاء بل ثابتٌ أبداً فإنهما مُحالان عليه سبحانه وهو على الأول لبيان أن إثباتَه في اللوح ليس لحاجته تعالى إليه في العلم به ابتداءً أو بقاءً وإظهارُ ربي في موقع الإضمار للتلذذ بذكره ولزيادة التقريرِ والإشعارِ بعِلة الحُكم فإن الربوبيةَ مما يقتضي عدمَ الضلالِ والنسيانِ حتماً ولقد أجاب ﵊ عن السؤال بجواب عبقري بديعٍ حيث كشف عن حقيقة الحقِّ حجابَها مع أنه لم يخرُجْ عما كان بصدده من بيان شئونه تعالى ثم تخلّص إليه حيث قال بطريق الحكايةِ عن الله لما سيأتي من الالتفات

стр. 3853

﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً﴾ على أن الموصولَ إما مرفوعٌ على المدح أو منصوبٌ عليه أو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أي جعلها لكم كالمهد تتمهدونها أو ذاتَ مهدٍ وهو مصدرٌ سُمِّي به المفعولُ وقرئ مِهاداً وهو اسمٌ لما يُمْهد كالفِراش أو جمعُ مهد أي جعل كلَّ موضع منها مهداً لكل واحد منكم ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾ أي حصّل لكم طرقاً ووسّطها بين الجبال والأودية والبراري تسلُكونها من قُطْر إلى قطر لتقضُوا منها مآربَكم وتنتفعوا بمنافعها ومرافقها ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاء﴾ هو المطر ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ أيْ بذلكَ الماءِ وهو عطفٌ على أنزل داخلٌ تحت الحكاية وإنما التُفت إلى التكلم للتنبيه على ظهور ما فيهِ منَ الدلالةِ عَلى كمال القدرةِ والحكمة والإيذان بأنه لا يتأتى إلا من قادر مُطاعٍ عظيمِ الشأن تنقاد لأمره وتُذعِن لمشيئته الأشياءُ المختلفة كما في قوله تعالى أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أنزل مِنَ السماء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وقولِه تعالى أَم مَّنْ خلقِ السمواتِ والأرضِ وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ السماء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ خلا أن ما قبل الالتفاتِ هناك صريحُ كلامِه تعالى وأما ها هنا فحكايةٌ عنه تعالى وجَعْلُ قوله تعالى فأخرجا بِهِ هو المحكيَّ مع كون ما قبله كلَام موسى ﵊ خلافُ الظاهر مع أنه يفوّت حينئذ الالتفاتَ لعدم اتحادِ المتكلم ﴿أزواجا﴾ أصنافاً سميت بذلك لازدواجها واقترانِ بعضِها ببعض ﴿مّن نبات﴾ بيانٌ أو صفةٌ لأزواجاً أي كائنة من نبات وكذا قوله تعالى ﴿شتى﴾ أي متفرقة جمعُ شتيت ويجوزُ أن يكونَ صفةً لنبات لما أنه في الأصل مصدرٌ يستوي فيه الواحدُ والجمعُ يعني أنها شتّى مختلفةٌ في الطعم والرائحة والشكل والنفع بعضُها صالح للباس على اختلاف وجوهِ الصلاح وبعضُها للبهائم فإن من تمام نعمته تعالى

стр. 3854

طه ٥٤ ٥٦ أن أرزاقَ عبادِه لما كان تحصّلها بعمل الأنعامِ جعل علَفها مما يفضُل عن حاجاتهم ولا يليق بكونه طعاماً لهم وقوله تعالى

стр. 3855

﴿كُلُواْ وارعوا أنعامكم﴾ حال من ضمير فأخرجنا على إرادةِ القولِ أيْ أخرجنا منها أصنافَ النباتِ قائلين كلوا وارعَوا أنعامَكم أي معدّيها لانتفاعكم بالذات وبالواسطة آذنين في ذلك ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما ذكر من شئونه تعالى وأفعاله وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو رتبتِه وبُعدِ منزلتِه في الكمال والتنكيرُ في قوله تعالى ﴿لَايَاتٍ﴾ للتفخيم كماً وكيفاً أي لآياتٍ كثيرةً جليلةً واضحةَ الدِلالة على شئون الله تعالى في ذاتِهِ وصفاتِه وأفعالِهِ وعلى صحة نبوةِ موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام ﴿لأُوْلِى النهى﴾ جمع نُهْية سمّي بها العقلُ لنهيه عن اتباع الباطلِ وارتكاب القبائح كما سمّي بالعقل والحِجْر لعقله وحَجْره عن ذلك أي لذوي العقول الناهية عن الأباطيل التي من جملتها ما يدّعيه الطاغية ويقبله منه فئتُه الباغية وتخصيصُ كونها آياتٍ بهم مع أنها آياتٌ للعالمين باعتبار أنهم المنتفعون بها

стр. 3856

﴿مِنْهَا خلقناكم﴾ أي في ضمن أبيكم آدم ﵊ منها فإن كلَّ فردٍ من أفراد البشر له حظٌّ من خلقه ﵊ إذ لم تكن قطرته البديعةُ مقصورةً على نفسه ﵊ بل كانت أُنموذَجاً منطويا على فطرة سائر أفراد الجنس انطواء إجماليا مستتبِعاً لجَرَيان آثارِها على الكل فكان خلقَه ﵊ منها خلقا للكل مها وقيل المعنى خلقنا أبدانَكم من النُطفة المتولدة من الأغذية المتولّدة من الأرض بوسائطَ وقيل إن الملَك الموكلَ بالرحِم يأخذ من تربة المكان الذي يُدفن المولود فيبدّدها على النطفة فيخلق من التراب والنطفة ﴿وفيها نعيدكم﴾ بالإمانة وتفريقِ الأجزاء وإيثار كلمةُ في على كلمة إلى للدِلالة على الاستقرار المديدِ فيها ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أخرى﴾ بتأليف أجزائِكم المتفتّتة المختلطةِ بالتراب على الهيئة السابقةِ وردِّ الأرواح إليها وكونُ هذا الإخراجِ تارةً أخرى باعتبار أن خلقَهم من الأرض إخراجٌ لهم منها وإن لم يكن على نهج التارةِ الثانيةِ والتارة في الأصل اسمٌ للتَّوْر الواحد وهو الجرَيانُ ثم أطلق على كل فعلة واحدة من الفعلات المتجددة كما مر في المرة

стр. 3857

﴿وَلَقَدْ أريناه﴾ حكايةٌ إجماليةٌ لما جرى بين موسى ﵊ وبين فرعونَ إثرَ حكايةِ ما ذِكرِه ﵊ بجلائل نَعمائِه الداعيةِ له إلى قَبول الحقِّ والانقيادِ له وتصديرُها بالقسم لإبراز كما العنايةِ بمضمونها وإسنادُ الإراءةِ إلى نون العظمةِ نظراً إلى الحقيقة لا إلى موسى نظر إلى الظاهر لتهويل أمرِ الآياتِ وتفخيمِ شأنها وإظهار كمال شاعة للعين وتماديه في المكابرة والعناد أي وبالله لقد بصّرنا فرعون أو عرفناه ﴿آياتنا﴾ حين قال لموسى ﵊ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآية فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصادقين فألقى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَاء للناظرين وصيغةُ الجمع مع كونهما اثنتين باعتبار ما في تضاعيفهما من بدائع الأمورِ التي كلٌّ منهَا آيةٌ بينةٌ لقوم يعقلون

стр. 3858

طه ٥٧ حسبما بُيّن في تفسيرِ قولِه تعالى اذهب أَنتَ وأخوك بآياتي وقد ظهر عند فرعونَ أمورٌ أُخَرُ كلُّ واحد منها داهيةٌ دهياءُ فإنَّه رُويَ أنَّه ﵊ لما ألقاها انقلبتْ ثُعباناً أشعَرَ فاغراً فاهُ بين لَحْيَيهِ ثمانونَ ذراعاً وَضع لَحيَه الأسفلَ عَلى الأرضِ والأَعْلى على سور القصر وتوجه نحوَ فرعونَ فهربَ وأحدثَ وانهزم الناسُ مزدحِمين فماتَ منهُم خمسةٌ وعشرونَ ألفاً من قومه فصاح فرعونُ يا موسى أنشدكَ بالذي أرسلكَ إلا أخذتَه فأخذَهُ فعادَ عصا وروي أنها انقلبتْ حيةً ارتفعتْ في السماءِ قدرَ ميلٍ ثمَّ انحطتْ مُقبلةً نحوَ فرعونٍ وجعلتْ تقولُ يا مُوسَى مُرْني بما شئتَ ويقولُ فرعون أنشدك الخ ونزع يده من جيبه فإذا هي بيضاءُ بياضاً نورانيا خراجا عن حدود العادات قد غلب شعاعُه شعاعَ الشمس يجتمع عليه النَّظارةُ تعجباً من أمره ففي تضاعيف كلَ من الآيتين آياتٌ جمّةٌ لكنها لما كانت غيرَ مذكورةٍ صراحة أُكدتْ بقوله تعالى ﴿كُلَّهَا﴾ كأنه قيل أريناه آيتَيْنا بجميع مُستتبَعاتِهما وتفاصيلِهما قصداً إلى بيان إنه لم يبقَ له في ذلك عذرٌ ما ولا مساغَ لعد بقية الآياتِ التسعِ منها لما أنها إنما ظهرتْ على يدِه ﵊ بعدما غلبَ السحرةَ على مهلٍ في نحوٍ من عشرينَ سنةً كما مرَّ في تفسير سورةِ الأعرافِ ولا ريبَ في أن أمرَ السحرةِ مترقَّبٌ بعُد وأبعدُ من ذلك أن يُعدَّ منها ما جُعل لإهلاكهم لا لإرشادهم إلى الإيمان من فلْق البحرِ وما ظهر بعد مهلِكِه من الآيات الظاهرةِ لبني إسرائيل من نتْق الجبل والحجر سواءٌ أريد به الحجرَ الذي فرَّ بثوبه أو الذي انفجرت منه العيون وكذا أن يُعدّ منها الآياتِ الظاهرةِ على يد الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام بناءً على أن حكايته ﵊ إياها لفرعون في حكم إظهارِها بين يديه وإراءتِه إياها لاستحالة الكذب عليه ﵊ فإنَّ حكايته ﵊ إياها لفرعون مما لم يجر ذكره ههنا على أن ما سيأتي من حمل ما أظهره ﵊ على السحر والتصدي للمعارضة بالمثل يأباه إباءً بيّناً وينطِق بأن المرادَ بها ما ذكرناه قطعاً ولولا ذلك لجاز جعلُ ما فصله ﵊ من أفعاله تعالى الدالة على اختصاصه بالربوبية وأحكامِها من جملة الآيات ﴿فَكَذَّبَ﴾ موسى ﵊ من غير تردّد وتأخُّر مع ما شاهد في يده من الشواهد الناطقةِ بصدقه جحوداً وعِناداً ﴿وأبى﴾ الإيمانَ والطاعةَ لعتوّه واستكبارِه وقيل كذب بالآيات جميعاً وأبى أن يقبل شيئاً منها أو أبى قَبولَ الحق وقوله تعالى

стр. 3859

﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أرضنا بسحرك يا موسى﴾ استئنافٌ مبينٌ لكيفية تكذيبه وإبائِه والهمزةُ لإنكارِ الواقعِ واستقباحِه وادعاءِ أنه أمرٌ محال والمجئ إما على حقيقته أو بمعنى الإقبال على الأمر والتصدي له أي أجئتنا من مكانك الذي كنتَ فيه بعدما غِبت عنا أو أقبلت علينا لتُخرِجنا من مصرَ بما أظهرْته من السحر فإن ذلك مما لا يصدُر عن العاقل لكونه من باب محاولة المُحال وإنما قاله لحمل قومِه على غاية المقْت لموسى ﵊ بإبراز أن مرادَهُ ﵊ ليس مجردَ إنجاءِ بني إسرائيلَ من أيديهم بل إخراجُ القِبط من وطنهم وحيازة أموالهم وأملاكهم بالكية حتى لا يتوجّهَ إلى اتباعه أحدٌ ويبالغوا في المدافعة والمخاصمة وسمي ما أظهره ﵊ من المعجزة الباهرة سحراً لتجسيرهم على المقابلة ثم ادّعى أنه يعارضه

стр. 3860

طه ٥٨ ٦١ بمثل ما أتى به ﵊ فقال

стр. 3861

﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مّثْلِهِ﴾ الفاءُ لترتيب ما بعدها على ما قبلها واللامُ جوابُ قسمٍ محذوفٍ كأنَّه قيلَ إذَا كان كذلك فو الله لنأتينك بسحر مثلِ سحرِك ﴿فاجعل بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً﴾ أي وعدا كما ينبئ عنه وصفُه بقوله تعالى ﴿لَاّ نُخْلِفُهُ﴾ فإنه المناسبُ لا المكانُ والزمانُ أي لا نخلف ذلك الوعد ﴿نَحْنُ وَلا أَنتَ﴾ وإنما فوّض اللعينُ أمرَ الوعد إلى موسى ﵊ للاحتراز عن نسبته إلى ضعف القلب وضيقِ المجال وإظهارِ الجلادة وإراءة أنه متمكّنٌ من تهيئه أسباب المعارضةِ وترتيبِ آلاتِ المغالبة طال الأمدُ أم قصُر كما أن تقديمَ ضميره على ضمير موسى ﵊ وتوسيطَ كلمةِ النفي بينهما للإيذان بمسارعته إلى عدم الإخلافِ وأن عدم إخلافِه لا يوجب إخلافه ﵊ ولذلكَ أُكّد النفيُ بتكرير حرفِه وانتصابُ ﴿مَكَاناً سُوًى﴾ بفعل يدل عليه المصدرُ لا به فإنه موصوفٌ أو بأنه بدلٌ من موعداً على تقدير مكان مضاف إليه فحينئذ تكون مطابقةُ الجواب في قوله تعالى

стр. 3862

﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة﴾ من حيث المعنى فإن يوم الزينة يدلّ على مكان مشتهرٍ باجتماع الناس فيه يومئذ أو بإضمار مثلَ مكانِ موعدِكم مكانَ يوم الزينة كما هو على الأول أو وعدُكم وعدُ يوم الزينة وقرئ يومَ بالنصب وهو ظاهرٌ في أنَّ المرادَ بِه المصدرُ ومعنى سُوى مُنتصَفاً تستوي مسافته إلينا وإليك وهو في النعت كقولهم قوم عدي في الشذوذ وقرئ بكسر السين قيل يومُ الزينة يومُ عاشوراءَ أو يومُ النَّيْروز أو يومُ عيد كان لهم في كل عام وإنما خصه ﵊ بالتعيين لإظهار كمالِ قوتِه وكونِه على ثقة من أمره وعدم مشهور على رءوس الأشهاد ويشيع ذلك فيما بين كل حاضرٍ وباد ﴿وَأَن يُحْشَرَ الناس ضُحًى﴾ عطفٌ على يومُ أو يوم الزينة وقرئ على البناء للفاعل بالتاء على خطاب فرعونَ وبالياء على أن الضميرَ له على سنن الملوك أو لليوم

стр. 3863

﴿فتولى فِرْعَوْنُ﴾ أي انصرف عن المجلس ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ أي ما يُكادُ به من السحرة وأدواتِهم ﴿ثُمَّ أتى﴾ أي الموعدَ ومعه ما جمعه من كيده وفي كلمة التراخي إماء إلى أنه لم يسارعْ إليه بل أتاه بعد لأْيٍ وتلعثم وقوله تعالى

стр. 3864

﴿قَالَ لَهُمْ موسى﴾ الخ بطريق الاستئنافِ المبنيِّ على السؤال يقضي بأن المترقَّبَ من أحواله ﵊ حينئذٍ والمحتاجَ إلى السؤال والبيانِ ليس إلا ما صدر عنه ﵊ من الكلام وأما إتيانُه أولاً فأمرٌ محققٌ غنيٌّ عن التصريحِ بهِ كأنهُ قيل فماذا صنعَ موسى ﵊ عند إتيان فرعون بما جمعه من السحرة فقيل قال لهم بطريق النصيحة ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُواْ عَلَى الله كَذِباً﴾

стр. 3865

بأن تدْعوا آياتِه التي ستظهر على يدي سِحراً كما فعل فرعون ﴿فَيُسْحِتَكُم﴾ أي يستأصلكم بسببه ﴿بِعَذَابِ﴾ هائل لا يقادر قدره وقرئ يَسحَتُكم من الثلاثي على لغة أهلِ الحجاز والإسحاتُ لغةُ بني تميم ونجد ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افترى﴾ أي على الله كائناً مَنْ كان بأي وجهٍ كان فيدخل فيه الافتراءُ المنهيُّ عنه دخولاً أولياً أو وقد خاب فرعونُ المفتري فلا تكونوا مثلَه في الخَيبة والجملةُ اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قلها

стр. 3866

﴿فتنازعوا﴾ أي السحرةُ حين سمعوا كلامِه ﵊ كأن ذلك غاظهم فتنازعوا ﴿أمرهم﴾ الذين أريد منهم مِنْ مغالبته ﵊ وتشاوروا وتناظروا ﴿بَيْنَهُمْ﴾ في كيفية المعارضةِ وتجاذبوا أهدابَ القول في ذلك ﴿وَأَسَرُّواْ النجوى﴾ أي من موسى ﵊ لئلا يقِفَ عليه فيدافعَه وكان نجواهم ما نطَق به قولُه تعالى

стр. 3867

﴿قَالُواْ﴾ أي بطريق التناجي والإسرار ﴿إن هذان لساحران﴾ الخ فإنه تفسيرٌ له ونتيجةٌ لتنازعهم وخلاصةُ ما استقرت عليه آراؤُهم بعد التناظرِ والتشاور وإنْ مخففةٌ من أن قد أهملت عن العمل واللام فارقة وقرئ بتشديد نون هذان وقيل هي نافيةٌ واللامُ بمعنى إلا أي ما هذان إلا ساحران وقرئ إنّ بالتشديد وهذان اسمُها على لغة بلحارث بن كعب فإنهم يُعربون التثنيةَ تقديراً وقيل اسمُها ضميرُ الشأن المحذوفُ وهذان لساحران خبرُها وقيل إن بمعنى نعم وما بعدها جملةٌ من مبتدإٍ وخبر وفيهما أن اللامَ لا تدخُل خبرَ المبتدأ وقيل أصله إنه هذان لهما ساحران فحذف الضمير وفيه أن المؤكدَ باللام لا يليق به الحذف وقرئ إن هذين لساحران وهي قراءةٌ واضحة ﴿يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مّنْ أَرْضِكُمْ﴾ أي أرض مصرَ بالاستيلاء عليها ﴿بِسِحْرِهِمَا﴾ الذي أظهراه من قبل ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ المثلى﴾ أي بمذهبكم الذي هو أفضلُ المذاهب وأمثلُها بإظهار مذهبهما وإعلاءِ دينهما يريدون به ما كان عليه قومُ فرعون لا طريقةَ السحر فإنهم ما كانوا يعتقدونه ديناً وقيل أرادوا أهلَ طريقتكم وهم بنو إسرائيل لقول موسى ﵊ أرسل معنا نبي إسرائيلَ وكانوا أربابَ علمٍ فيما بنيهم ويأباه أن إخراجَهم من أرضهم إنما يكون الاستيلاء عليها تمكناً وتصرفاً فكيف يتصور حينئذ نقلُ بني إسرائيلَ إلى الشام وحملُ الإخراج على أخراج بني إسرائيلَ منها مع بقاء قومِ فرعون على حالهم مما يجب تنزيهُ التنزيلِ عن أمثالِه على أن هذه المقالةَ منهم للإغراء بالمبالغة في المغالبة والاهتمامِ بالمناصبة فلا بد أن يكون الإنذارُ والتحذيرُ بأشد المكاره وأشقِّها عليهم ولا ريب في أن إخراجَ بني إسرائيل من بنيهم والذهابَ بهم إلى الشام وهم آمنون في ديارهم ليس فيه كثيرُ محذورٍ وقيل الطريقةُ اسمٌ لوجوه القوم وأشرافِهم لما أنهم قُدوةٌ لغيرهم ولا يخفى أن تخصيصَ الإذهاب بهم مما لا مزية فيه

стр. 3868

طه ٦٤ ٦٥ وقوله تعالى

стр. 3869

﴿فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ﴾ تصريحٌ بالمطلوب إثرَ تمهيدِ المقدّمات والفاءُ فصيحةٌ أي إِذا كانَ الأمرُ كَما ذُكر من كونهما ساحرَين يريد أن بكم ما ذُكر من الإخراج والإذهاب فأزمعوا كيدَكم واجعلوه مُجمَعاً عليه بحيث لا يتخلّف عنه واحدٌ منكم وارمُوا عن قوس واحدةٍ وقرىء فاجْمعوا من الجمع ويعضدُه قوله تعالى فجمع كيده أي فاجمعوا أدواتِ سحركم ورتّبوها كما ينبغي ﴿ثُمَّ ائتوا صَفّاً﴾ أي مصطفّين أُمروا بذلك لأنه أهْيبُ في صدور الرائين وأدخلُ في استجلاب الرهبة من المشاهِدين قيل كانوا سبعين ألفاً مع كل منهم حبلٌ وعصاً وأقبلوا عليه إقبالةً واحدة وقيل كانوا اثنين وسبعين ساحراً اثنان من القِبط والباقي من بني إسرائيل وقيل تِسعَمائة ثلاثُمائةٍ من الفرس وثلاثُمائةٍ من الروم وثلاثمائة من الإسكندرية وقيل خمسةَ عشرَ ألفاً وقيل بضعةً وثلاثين ألفاً والله أعلم ولعل الموعدَ كان مكاناً متسعاً خاطبهم موسى ﵊ بمَا ذكره في قُطر من أقطاره وتنازعوا أمرهم في قُطر آخرَ منه ثم أُمروا بأن يأتوا وسَطَه على الوجه المذكور وقد فُسّر الصفُّ بالمصلّى لاجتماع الناسِ فيه في الأعياد والصلواتِ ووجهُ صِحّتِه أن يكون علماً لموضع معّينٍ من المكان المعود وأما إرادةُ مصلًّى من مصليات بعد تعين المكان الموعودِ فلا مساغ لها قطعاً وقوله تعالى ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ اليوم مَنِ استعلى﴾ اعتراضٌ تذييليٌّ من قِبلهم مؤكدٌ لما قله من الأمرين أي قد فاز بالمطلوب من غلب يريدون بالمطلوب ما وعدهم فرعونُ من الأجر والتقريب حسبما نطق به قوله تعالى قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ المقربين وبمن غلب أنفسَهم جميعاً على طريقة قولهم بِعِزَّةِ فِرْعَونَ إِنَّا لَنَحْنُ الغالبون أو مَنْ غلب منهم حثاً لهم على بذل المجهودِ في المغالبة هذا هو اللائقُ بتجاوب أطرافِ النظمِ الكريم وقد قيل كان نجواهم أن قالوا حين سمِعوا مقالة موسى ﵊ ما هذا بقول ساحر وقيل كان ذلك أن قالوا إن غَلَبنا موسى اتّبعناه وقيل كان ذلك قولَهم إن كان ساحراً فسنغلِبه وإن كان من السماء فله أمرٌ فيكون إسرارُهم حينئذ من فرعون ومَلئِه ويُحمل قولُهم إن هذان لساحران الخ على أنهم اختلفوا فيما بنيهم على الأقاويل المذكورةِ ثم رجعوا عن ذلك بعد التنازُعِ والتناظُر واستقرت آراؤهم على ذلك وأبَوْا إلا المناصبةَ للمعارضة وأما جعلُ ضمير قالوا لفرعون وملَئِه على أنهم قالوا ذلك للسحرة رداً لهم عن الاختلاف وأمروهم الإجماع والإزماعِ وإظهارِ الجلادة بالإتيان على وجه الاصطفافِ فمُخِلٌّ بجزالة النظمِ الكريم كما يشهد به الذوقُ السليم

стр. 3870

﴿قالوا﴾ استئناف مبني على سؤال ناشئ من حكايةِ ما جَرَى بينَ السحرة من المقاولة كأنَّه قيلَ فمَاذا فعلُوا بعد ما قالوا فيما بينهم ما قالوا فقيل قالوا ﴿يا موسى﴾ وإنما لم يتعرض لإجماعهم وإتيانِهم بطريق الاصطفافِ إشعاراً بظهور أمرِهما وغناهما عن البيان ﴿إِمَّا أَن تُلْقِىَ﴾ أي ما نلقيه أولاً على أن المفعولَ محذوفٌ لظهوره أو تفعل الإلقاءَ أولاً على أن الفعلَ منزّلٌ منزلةَ اللازم ﴿وإما أن نكون أول مَنْ ألقى﴾ ما يُلقيه أو أولَ من يفعل الإلقاء خيروه ﵊ بمَا ذُكر مراعاةً للأدب لِما رأوا

стр. 3871

طه ٦٦ ٦٩ منه ﵊ ما رأَوا من مخايل الخيرِ ورزانةِ الرأْي وإظهاراً للجلادة بإراءة أنه لا يختلف حالُهم بالتقديم والتأخير وأنْ مع ما في حيزها منصوبٌ بفعل مضمر أو مرفوعٌ بخبرية مبتدأ محذوفٍ أي اخترْ إلقاءَك أولاً أو إلقاءَنا أو الأمرُ إما إلقاؤُك أو إلقاؤنا

стр. 3872

﴿قال﴾ استئناف كما سلف ناشىءٌ من حكاية تخييرِ السحرة إياه ﵊ كأنَّه قيلَ فماذَا قالَ ﵊ فقيلَ قال ﴿بَلْ أَلْقُواْ﴾ أنتم أولاً مقابلةً للأدب بأحسنَ مِنْ أدبهم حيث بتّ القولَ بإلقائهم أولاً وإظهاراً لعدم المبالاةِ بسحرهم ومساعدةً لما أوهموا من الميل إلى البدء وليبُرِزوا ما معهم ويستفرغوا أقصى جُهدِهم ويستنفدوا قُصارى وُسعِهم ثم يظهر الله سلطانَه فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه لمّا علم أن ما سيظهر بيده سيلقَف ما يصنعون من مكايد السحر ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى﴾ الفاءُ فصيحة معربة عن مسارعتهم إلى الإلقاء كما في قوله تعالى فَقُلْنَا اضرب بّعَصَاكَ البحر فانفلق أي فألقَوا فإذا حبالُهم وهي للمفاجأة والتحقيقُ أنها أيضاً ظرفيةٌ تستدعي متعلَّقاً بنصبها وجملة تضاف إليها لكنها خُصت بكون متعلَّقِها فعلَ المفاجأة والجملةُ ابتدائيةٌ والمعنى فألقوا ففاجأ موسى ﵊ وقت أن يُخيَّل إليه سعيُ حبالِهم وعِصِيِّهم من سحرهم وذلك أنهم كانوا لطّخوها بالزئبق فلما ضربت عليها الشمسُ اضطربت واهتزت فخُيل إليه أنها تتحرك وقرئ تُخيِّل بالتاء على إسناده إلى ضمير الحبال والعِصِيّ وإبدالِ أنها تسعى منه بدل اشتمال وقرئ يُخيِّل بإسناده إليه تعالى وقرئ تَخَيَّل بحذف إحدى التاءين من تتخيل

стр. 3873

﴿فأوجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفة موسى﴾ أي أضمر فيها بعضَ خوفٍ من مفاجأته بمقتضى البشريةِ المجبولةِ على النفْرة من الحيّات والاحترازِ من ضررها المعتاد من اللسْع ونحوِه وقيل من أن يخالج الناسَ شكٌّ فلا يتبعوه وليسَ بذاكَ كما ستعرفُهُ وتأخيرُ الفاعل لمراعاة الفواصل

стр. 3874

﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ﴾ أي ما توهمتَ ﴿إِنَّكَ أَنتَ الأعلى﴾ تعليلٌ لما يوجبه النهيُ من الانتهاء عن الخوف وتقريرٌ لغلبته على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه كما يُعرب عنه الاستئنافُ وحرفُ التحقيق وتكريرُ الضمير وتعريفُ الخبر ولفظ العلو المنبئ عن الغلَبة الظاهرة وصيغةُ التفضيل

стр. 3875

﴿وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ﴾ أي عصاك كما وقعَ في سورةِ الأعراف وإما أُوثر الإبهامُ تهويلاً لأمرها وتفخيماً لشأنها وإيذاناً بأنها ليست من جنس العِصِيِّ المعهودة المستتبعةِ للآثار المعتادة بل خارجةٌ عن حدود سائرِ أفراد الجنسِ مبهمةُ الكُنْهِ مستتبِعةٌ لآثار غريبةٍ وعدمُ مراعاة هذه النُّكتةِ عند حكايةِ الأمرِ في موضع آخرَ لا يستدعي عدمَ مراعاتها عند وقوع المحكيّ هذا وحملُ الإبهامِ على التحقير بأن يراد لا تُبالِ بكثرة حبالِهم

стр. 3876

طه ٧٠ وعصيهم وألق العويدالذي في يدك فإنه بقدرة الله تعالى يلقَفها مع وَحدته وكثرتها وصِغره وعِظَمها يأباه ظهورُ حالها فيما مر مرتين على أن ذلك المعنى إنما يليقُ بما لو فعلتْ العصا ما فعلتْ وهي على هيئتها الأصليةِ وقد كان منها ما كان وقوله تعالى ﴿تَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ﴾ بالجزم جواباً للأمر من لقِفه إذا ابتلعه والتقمه بسرعة والتأنيثُ لكون ما عبارةً عن العصا أي تبتلع ما صنعوه من الحبال والعِصِيّ التي خُيّل إليك سعيُها وخِفّتُها والتعبيرُ عنها بما صنعوا للتحقير والإيذان بالتمويه والتزوير وقرئ تَلَقّف بتشديد القاف وإسقاطِ إحدى التاءين من تتلقف وقرئ بالرفع على الحال اوالاستئناف والجملةُ الأمرية معطوفةٌ على النهي متمّمةٌ بما في حيزها لتعليل موجبِه ببيان كيفية غلبتِه ﵊ وعلوِّه فإن ابتلاعَ عصاه لأباطيلهم التي منها أوجسَ في نفسه ما أوجس مما يقلَع مادّته بالكلية وهذا كما ترى صريحٌ في أن خوفه ﵊ لم يكن مما ذكر من مخالجة الشكِّ للناس وعدمِ اتّباعِهم له ﵊ وإلا لعُلّل بما يُزيله من الوعد بما يوجب إيمانهم واتباعهم له ﵊ وقوله تعالى ﴿إنما صَنَعُواْ﴾ الخ تعليلٌ لقوله تعالى تَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ وما إما موصولةٌ أو موصوفةٌ أي إن الذي صنعوه أو إن شيئاً صنعوه ﴿كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ بالرفع على أنه خبرُ لن أي كيدُ جنسِ الساحر وتنكيرُه للتوسل به إلى تنكير ما أضيف إيه للتحقير وقرئ بالنصب على أنه مفعولٌ صنعوا وما كافة وقرئ كيدُ سحرٍ على أن الإضافةَ للبيان كما في علمُ فقةٍ أو على معنى ذي سحر أو على تسمية الساحر سحراً مبالغةً وقوله تعالى ﴿وَلَا يُفْلِحُ الساحر﴾ أي هذا الجنسُ ﴿حَيْثُ أتى﴾ أي حيث كان وأين أقبل من تمام التعليل وعدمُ التعرض لشأن العصا وكونِها معجزةً إلهية مع ما في ذلك من تقوية التعليلِ للإيذان بظهور أمرِها والفاء في قوله تعالى

стр. 3877

﴿فَأُلْقِىَ السحرة سُجَّداً﴾ كما سلف فصيحةٌ معربةٌ عن محذوفين ينساق إيهما النظمُ الكريم غنيّين عن التصريح بهما لعدم احتمال تردّدِ موسى ﵇ في الامتثال بالأمر واستحالةِ عدمِ وقوعِ اللقْف الموعود أي فألقاه ﵇ فوقع ما وقع من اللقف فألقى السحرةُ سجّداً لما تيقنوا أن ذلك ليس من باب السحر وإنما هي آيةٌ من آياتِ الله روي أن رئيسَهم قال كنا نغلِب الناسَ وكانت الآلاتُ تبقى علينا فلو كان هذا سحراً فأين ما ألقَيناه من الآلاتِ فاستَدلّ بتغير أحوال الأجسامِ على الصانع القادرِ العالِم وبظهور ذلك على يد موسى ﵊ على صحة رسالتِه لا جرم ألقاهم ما شاهدوه على وجوههم وتابوا وآمنوا وأتَوا بما هو غايةُ الخضوعِ قيل لم يرفعوا رءوسهم حتى رأَوا الجنةَ والنارَ والثوابَ والعقاب وعن عِكرمة لما خرّوا سجداً أراهم الله تعالى في سجودهم منازلَهم في الجنة ولا ينافيه قولهم إِنَّا امَنَّا بربنا يغفر لَنَا خطايانا الخ لأن كونَ تلك المنازلِ منازلَهم باعتبار صدورُ هذا القول عنهم ﴿قَالُواْ﴾ استئنافٌ كما مر غيرَ مرة ﴿امَنَّا بِرَبّ هارون وموسى﴾ تأخيرُ موسى عند حكاية كلامِهم لرعاية الفواصل وقد جُوّز أن يكون ترتيبُ كلامهم أيضاً هكذا إما لِكبَر سن هارون ﵊ وَأَمَّا للمبالغة في الاحتراز عن التوهم الباطلِ من جهة فرعونَ وقومِه حيث كان فرعون ربي موسى ﵊ فلو قدموا موسى ﵊ لربما توهم اللعينُ وقومُه من أول الأمر

стр. 3878

طه ٧١ ٧٢ أن مرادَهم فرعونُ

стр. 3879

﴿قَالَ﴾ أي فرعون للسحرة ﴿آمنتم له﴾ أي لموسى ﵊ واللامُ لتضمين الفعلِ معنى الاتباع وقرئ على الاستفهام التوبيخي ﴿قَبْلَ أن آذن لَكُمْ﴾ أي من غير أن آذن لكم في الإيمان له كما في قوله تعالى لنقد البحر قَبْلَ أَن تَنفَدَ كلمات رَبّى لا أن إذنَه لهم في ذلك واقعٌ بعده أو متوقَّع ﴿أنه﴾ يعني موسى ﵊ ﴿لَكَبِيرُكُمُ﴾ أي في فنكم وأعلمُكم به وأستاذكُم ﴿الذى علمكم السحر﴾ فتواطأتم على ما فعلتم أو فعلّمكم شيئا دون شيء فلذلك غلبكم وهذه شهة زوّرها اللعينُ وألقاها على قومه وأراهم أن أمرَ الإيمان منوطٌ بإذنه فلما كان إيمانُهم بغير إذنه لم يكن معتدًّا به وأنهم من تلامذته ﵊ فلا عبرةَ بما أظهره كما لا عبرةَ بما أظهروه وذلك لِما اعتراه من الخوف من اقتداء الناسِ بالسحرة في الأيمان بالله تعالى ثم أقبل عليهم بالوعيد المؤكّد حيث قال ﴿فلأقطعن﴾ أي فو الله لاقَطّعَنَّ ﴿أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مّنْ خِلَافٍ﴾ أي اليدَ اليمنى والرجلَ اليسرى ومن ابتدائيةٌ كأن القطعَ ابتداءٌ من مخالفة العضو العضو فإن المبتدئ من المعروض مبتدئ من العارض أيضاً وهي مع مجرورها في حيز النصبِ على الحالية أي لأقطعنها مخلفات وتعيينُ تلك الحال للإيذان بتحقيق الأمر وإيقاعِه لا محالة بتعيين كيفيتِه المعهودة في باب السياسة لا لأنها أفظعُ من غيرها ﴿وَلاصَلّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ النخل﴾ أي عليها وإثار كلمةِ في للدلالة على إبقائهم عليها زماناً مديداً تشبيهاً لاستمرارهم عليها باستقرار المظروف في الظرف المشتملِ عليه قالوا وهو أولُ من صَلَب وصيغةُ التفعيل في الفعلَين للتكثير وقد قرئا بالتخفيف ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا﴾ يريد به نفسه وموسى ﵊ لقوله آمنتم له قبل أن آذَنَ لكم واللامُ مع الإيمان في كتاب الله تعالى لغيره تعالى وهذا إما لقصد توضيعِ موسى ﵊ والهُزْءِ به لأنه لم يكن من التعذيب في شيء وإما لإراءة أن إيمانَهم لم يكن عن مشاهدة المعجزة ومعاينةِ البرهان بل كان عن خوف من قبل موسى ﵊ حيث رأوا ابتلاعَ عصاه لحبالهم وعِصِيَّهم فخافوا على أنفسهم أيضاً وقيل يريد به ربَّ موسى الذي آمنوا به بقولهم آمنا برب هارون وموسى ﴿أَشَدُّ عَذَاباً وأبقى﴾ أي أدوم

стр. 3880

﴿قَالُواْ﴾ غير مكترثين بوعيده ﴿لَن نُّؤْثِرَكَ﴾ لن نختارك بالإيمان والاتّباع ﴿على مَا جَاءنَا﴾ من الله على يد موسى ﵊ ﴿مِنَ البينات﴾ من المعجزات الظاهرة فإن ما ظهر بيده ﵊ من العصا كان مشتملاً على معجزاته جمعة كما مر تحقيقه فيما سلف فإنهم كانوا عارفين بجلائلها ودقائِقها ﴿والذى فَطَرَنَا﴾ أي خلقنا وسائرَ المخلوقات وهو عطفٌ على ما جاءنا وتأخيرُه لأن ما في ضمنه آيةٌ عقليةٌ نظرية وما شاهدوه آيةٌ حسيةٌ ظاهرة وإيرادُه تعالى بعنوان فاطريته تعالى لهم للإشعارِ بعلَّةِ الحُكم فإنَّ خالقيته تعالى لهم وكونَ فرعونَ من جملة مخلوقاتِه مما يوجب عدَم إيثارِهم له عليه

стр. 3881

طه ٧٣ ٧٥ وهذا جوابٌ منهم لتوبيخ فرعونَ بقوله آمنتم له قبل أن آذن لكم وقيل هو قسَمٌ محذوفُ الجواب لدِلالة المذكورِ عليه أي وحقَّ الذي فطرنا لا نؤثرك الخ ولا مساغَ لكون المذكورِ جواباً له عند من يجوّز تقديمَ الجواب أيضاً لما أن القسمَ لا يجاب بلن إلا على شذوذ وقوله تعالى ﴿فاقضِ مَا أَنتَ قاضٍ﴾ جوابٌ عن تهديده قوله لأقطعن الخ أي فاصنع ما أنت صانعُه أو فاحكم ما أنت حاكم به وقوله تعالى ﴿إنما تقضي هذه الحياة الدنيا﴾ مع ما بعده تعليلٌ لعدم المبالاة المستفادِ مما سبق من الأمر بالقضاء أي إنما تصنع ما تهواه أو تحكم بما تراه فِى هذه الحياةِ الدنيا فحسبُ وما لنا من رغبة في عذْبها ولا رهبةٍ من عذابها

стр. 3882

﴿إِنَّا امَنَّا بِرَبّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خطايانا﴾ التي اقترفنا فيها من الكفر والمعاصي ولا يؤاخذَنا بها في الدار الآخرة لا ليمتّعنا بتلك الحياةِ الفانية حتى نتأثرَ بما أوعدتَنا به من القطع والصلب وقوله تعالى ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السحر﴾ عطفٌ على خطايانا أي ويغفرَ لنا السحر الذي علمناه في معارضة موسى ﵊ بإكراهك وحشرِك إيانا من المدائن القاصية خصّوه بالذكر مع اندراجه في خطاياهم إظهاراً لغاية نفرتِهم عنه ورغبتهم في مغفرته وذكرُ الإكراه للإيذان بأنه مما يجب أن يُفرَد بالاستغفار منه مع صدوره عنهم بالإكراه وفيه نوعُ اعتذارٍ لاستجلاب المغفرةِ وقيل أرادوا الإكراهَ على تعلم السحر حيث روي أن رؤساءَهم كانوا اثنين وسبعين اثنان منهم من القِبط والباقي من بني إسرائيل وكان فرعون أكرههم على تعلم السحر وقيل إنه أكرههم على المعارضة حيث روي أنهم قالوا لفرعون أرِنا موسى نائماً ففعل فوجدوه تحرسه عصاه فاقلوا ما هذا بسحر فإن الساحرَ إذا نام بطل سحرُه فأبى إلا أن يعارضوه ويأباه تصدّيهم للمعارضة على الرغبة والنشاط كما يعرب عنه قولهم أئن لَنَا لاجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الغالبين وقولهم بِعِزَّةِ فِرْعَونَ إِنَّا لَنَحْنُ الغالبون ﴿والله خَيْرُ﴾ أي في خد ذاتِه وهو ناظرٌ إلى قولهم والذي فطرنا ﴿وأبقى﴾ أي جزاءً ثواباً كان او عذابا خيرٌ ثواباً وأبقى عذاباً وقوله تعالى

стр. 3883

﴿أَنَّهُ﴾ إلى آخر الشرطيتين تعليلٌ من جهتهم لكونه تعالى خيراً وأبقى جزاءٌ وتحقيقٌ له وإبطالٌ لما ادّعاه فرعون وتصديرُهما بضمير الشأنِ للتنبيه على فخامة مضمونِهما لأن مناطَ وضْع الضمير موضعه ادعاء شهدته المغْنيةِ عن ذكره مع ما فيه من زيادة التقريرِ فإنَّ الضميرَ لا يُفهمُ منه من أولِ الأمرِ إلا شأنٌ مبهمٌ لهُ خطرٌ فيبقى الذهنُ مترقِّباً لما يعقُبه فيتمكنُ عندَ ورودِه لَهُ فضلُ تمكُّنٍ كأنه قيل إن الشأنَ الخطيرَ هذا أي قوله تعالى ﴿مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ بأن مات على الكفر والمعاصي ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا﴾ فينتهيَ عذابُه وهذا تحقيقٌ لكون عذابه أبقى ﴿ولا يحيى﴾ حياةً ينتفع بها

стр. 3884

﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً﴾ به تعالى وبما جاء من عنده من المعجزاتِ التي من جملتها ما شاهدناه ﴿قَدْ عَمِلَ الصالحات﴾ الصالحةُ كالحسنة جاريةٌ مجرى الاسم ولذلك لا تُذكر غالباً مع

стр. 3885

طه ٧٦ ٧٧ الموصوف وهي كلُّ ما استقام من الأعمال بدليل العقلِ والنقل ﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى مَنْ والجمع باعتبار معناها كما أن الإفراد في الفعلين السابقين باعتبار لفظِها وما فيهِ من معنى البعد للإشعار بعلو درجتِهم وبُعد منزلتِهم أي فأولئك المؤمنون العاملون للصالحات ﴿لَهُمْ﴾ بسبب إيمانِهم وأعمالِهم الصالحة ﴿الدرجات العلى﴾ أي المنازلُ الرفيعةُ وليس فيه ما يدل على عدم اعتبارِ الإيمانِ المجرد عن العمل الصالحِ في استتباع الثوابِ لأن ما نيط بالإيمان المقرون بالأعمال الصالحة هو الفوزُ بالدرجات العلى لا بالثواب مطلقاً وهل التشاجرُ إلا فيه

стр. 3886

﴿جنات عَدْنٍ﴾ بدلٌ من الدرجات العلى أو بيان وقد مر أنّ عدْناً علمٌ لمعنى الإقامة أو لأرض الجنة فقوله تعالى ﴿تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ حال من الجنات وقولُه تعالَى ﴿خالدين فِيهَا﴾ حال من الضمير في لهم والعاملُ معنى الاستقرارِ أو الإشارةِ ﴿وَذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما أتيح لهم من الفوز بما ذُكر من الدرجات العُلى ومعنى البُعدِ لما مر من التفخيم ﴿جَزَاء مَن تزكى﴾ أيْ تطهرَ من دنس الكفرِ والمعاصي بما ذُكر من الإيمان والأعمالِ الصالحةِ وهذا تحقيقٌ لكون ثوابِه تعالى أبقى وتقديمُ ذكرِ حال المجرمِ للمسارعة إلي بيان أشدّية عذابِه ودوامِه رداً على ما ادعاه فرعونُ بقوله أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وأبقى هذا وقد قيل هذه الآياتُ الثلاثُ ابتداءُ كلامٍ من الله قالوا ليس في القرآن أن فرعونَ فعل بأولئك المؤمنين ما أوعدهم به ولم يثبُت في الأخبار

стр. 3887

﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إلى موسى﴾ حكايةٌ إجماليةٌ لما انتهى إليه أمرُ فرعونَ وقومِه وقد طُويَ في البين ذِكرُ ما جرى عليهم من الآيات المفصّلات الظاهرةِ على يد موسى ﵊ بعد ما غلب السحرةَ في نحوٍ من عشرينَ سنةً حسبما فُصِّل في سورة الأعراف وتصديرُها بالقسم لإبراز كمال العناية بمضمونها وأنْ في قولِه تعالَى ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى﴾ إما مفسرةُ لأن الوحيَ فيه معنى القول أو مصدريةٌ حذف عنها الجارُّ والتعبيرُ عنهم بعنوان كونِهم عباداً له تعالى لإظهار المرحمةِ والاعتناءِ بأمرهم والتنبيهِ على غاية قُبح صنيعِ فرعونَ بهم حيث استعبدهم وهم عباده وفعل بهم من فنون الظلم ما فعل أي وبالله لقد أوحينا إليه ﵊ إن أسرِ بعبادي الذين أرسلتُك لإنقاذهم من مَلَكة فرعونَ أي سربهم من مصرَ ليلاً ﴿فاضرب لَهُمْ﴾ أي فاجعل أو فاتخذْ لهم ﴿طَرِيقاً فِى البحر يَبَساً﴾ أي يابساً على أنه مصدر وُصف به الفاعل مبالغةً وقرئ يَبْساً وهو إما مخففٌ منه أو وصفٌ كصعب أو جمعُ يابس كصحْب وصف به الواحد للمبالغة أو لتعدّده حسبَ تعدّدِ الأسباط ﴿لَاّ تَخَافُ دَرَكاً﴾ حالٌ من المأمور رأى آمِناً من أن يُدركَكم العدوُّ أو صفةٌ أخرى لطريقا والعائد محذوف وقرئ لا تخَفْ جواباً للأمر ﴿وَلَا تخشى﴾ عطف على لا تخاف داخلٌ في حُكمهِ أيْ ولا تخشى الغرقَ وعلى قراءة الجزم استئنافٌ أي وأنت لا تخشى أو عطفٌ عليه والألفُ للإطلاق كما في قوله تعالى وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا وتقديم نفي الخوفِ المذكورِ للمسارعة إلى إزاحة

стр. 3888

طه ٧٨ ٨٠ ما كانوا عليه من الخوف العظيمِ حيث قالوا إنا لمدرَكون

стр. 3889

﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ أي تبِعهم ومعه جنودُه حتى لحِقوهم يقال أتْبعتُهم أي تبِعتُهم وذلك إذا كانوا سبقوك فلحِقتهم ويؤيده أنه قرئ فاتّبعهم من الافتعال وقيل المعنى أتْبعهم فرعونُ نفسَه فحذف المفعولُ الثاني وقيل الباءُ زائدةٌ والمعنى فأتبعهم فرعون جنوده أي سافهم خلفهم وأياً ما كان فالفاءُ فصيحةٌ مُعرِبة عن مُضمر قد طُوي ذكرُه ثقةً بغاية ظهورِه وإيذاناً بكمال مسارعة موسى ﵊ إلى الامتثال بالأمر أي ففعل ما أُمر بهِ من الإسراء بهم وضرْب الطريقِ وسلوكِه فأتبعهم فرعونُ بجنوده براً وبحراً رُوي أن موسى ﵊ خرج بهم أولَ الليل وكانوا ستَّمائةٍ وسبعين ألفاً فأخبر فرعونُ بذلك فاتّبعهم بعساكره وكانت مقدمتُه سبعَمائة ألف فقص أثرهم فلحِقهم بحيث تراءى الجمعان فعند ذلك ضرب ﵊ بعصاه البحرَ فانفلق على اثني عشر فرِقاً كلُّ فرق كالطود العظيم فعبر موسى ﵊ بمن معه من الأسباط سالمين وتبِعهم فرعونُ بجنوده ﴿فَغَشِيَهُمْ مّنَ اليم مَا غَشِيَهُمْ﴾ أي علاهم منه وغمرهم ما غرمهم من الأمر الهائلِ الذي لا يُقَادرُ قدرُهُ ولا يُبلغ كُنهُه وقيل غشِيهم ما سُمِعَت قِصتُه وليس بذاك فإن مدارَ التهويلِ والتفخيمِ خروجُه عن حدود الفهم والوصفِ لا سماعُ قصته وقرئ فغشّاهم من اليم ما غشاهم أي غطاهم ما غطاهم والفاعلُ هو الله عز وعلا أو ما غشاهم وقيل فرعونُ لأنه الذي ورّطهم للهلكة ويأباه الإظهارُ في قوله تعالى

стр. 3890

﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ أي سلك بهم مسلَكاً أداهم إلى الخَيبة والخُسران في الدين والدنيا معاً حيث ماتوا على الكفر بالعذاب الهائلِ الدنيويّ المتصل بالعذاب الخالدِ الأخروي وقوله تعالى ﴿وَمَا هدى﴾ أي ما أرشدهم قطُّ إلى طريق موصلٍ إلى مطلب من المطالب الدينية والدنيوية تقريرٌ لإضلاله وتأكيدٌ له إذ رُبّ مضِلٍ قد يُرشد من يُضِلّه إلى بعض مطالبِه وفيه نوعُ تهكمٍ به في قوله وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَاّ سَبِيلَ الرشاد فإن نفيَ الهدايةِ عن شخص مُشعرٌ بكونه ممن يُتصور منه الهدايةَ في الجملة وذلك إنما يُتصور في حقه بطريق التهكم وحملُ الإضلالِ والهداية على ما يختص بالديني منهما يأباه مقامُ بيانِ سَوْقه بجنوده إلى مساق الهلاكِ الدنيوي وجعلُهما عبارةً عن الإضلال في البحر والإنجاءِ منه مما لا يقبله العقل السليم
следующие страницы →