← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

﴿وَإِذَا تولى﴾ أي من مجلسك وقيل إذا صار والياً ﴿سعى فِى الارض لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحرث والنسل﴾ كما فعله الأخنسُ بثقيفٍ حيث بيتهم وأحرَق زروعَهم وأهلَك مواشيَهم أو كما يفعله ولاةُ السوء بالقتل والإتلاف أو بالظلم حتى يمنع الله تعالى بشؤمه القَطْرَ فيهلِكَ الحرثَ والنسل وقرئ ويَهلِكَ الحرثُ والنسلُ على إسناد الهلاك إليهما عطفاً على سعى وقرئ بفتح اللام وهي لغة وقرئ على البناءِ للمفعولِ من الإهلاك ﴿والله لَا يُحِبُّ الفساد﴾ أي لا يرتضيه ويبعضه ويغضَبُ على من يتعاطاه وهو اعتراضٌ تذييلي

стр. 422

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ﴾ على نهْج العِظة والنصيحة ﴿اتق الله﴾ واترُكْ ما تباشِرُه من الفساد أو النفاق واحذرْ سوءَ مغبَّتِه ﴿أَخَذَتْهُ العزة بالإثم﴾ أي حملتْه الأَنَفةُ وحَمِيةُ الجاهلية على الإثم الذي نُهِيَ عنه لَجاجاً وعِناداً من قولك أخذتُه بكذا إذا حملتُه عليه أوألزمته إياه ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ مبتدأٌ وخبر أي كافِيهِ جهنَّمُ وقيل جهنمُ فاعلٌ لحسبُه سادٌّ مسدَّ خبرِه وهو مصدر بمعنى الفاعل وقويَ لاعتماده على الفاء الرابطة للجملة بما قبلها وقيل حسبُ اسمُ فعلٍ ماضٍ أي كفتْه جهنَّمُ ﴿وَلَبِئْسَ المهاد﴾ جوابُ قسمٍ مقدَّرٍ والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ لظهوره وتعيُّنه والمِهادُ الفِراش وقيل ما يوطأ للجَنْب والجملةُ اعتراض

стр. 423

﴿وَمِنَ الناس مَن يَشْرِى نَفْسَهُ﴾ مبتدأ وخبرٌ كما مر أي يبيعها ببذْلِها في الجهاد ومشاقِّ الطاعات وتعريضِها للمهالك في الحروب أو يأمرُ بالمعروف وينهى عن المنكر وإن ترتب عليه القتلُ ﴿ابتغاء مرضات الله﴾ أي طالبا لرضاه وهذا كمالُ التقوى وإيرادُه قسيماً للأول من حيث إن ذلك يأنفُ من الأمر بالتقوى وهذا يأمرُ بذلك وإن أدى إلى الهلاك وقيل نزلت في صهيبِ بنِ سنانٍ الروميّ أخذه المشركون وعذبوه ليرتدَّ فقال إني شيخٌ كبير

стр. 424

٢٠٨ - ٢٠٩ ٢١٠ البقرة لاأنفعكم إن كنت معكم ولا أضرُّكم إن كنت عليكم فخلُّوني وما أنا عليه وخُذوا مالي فقَبِلوا منه مالَه فأتى المدينة فيشري حينئذٍ بمعنى يشتري لجريان الحال على صورة الشرى ﴿والله رؤوف بالعباد﴾ ولذلك يكلفهم التقوى ويعرِّضهم للثواب والجملةُ اعتراضٌ تذييلى

стр. 425

﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ ادخلوا فِي السلم﴾ أي الاستسلام والطاعةِ وقيل الإسلام وقرئ بفتح السين وهي لغة فيه بفتح اللام أيضاً وقوله تعالى ﴿كَافَّةً﴾ حال من الضمير في ادخلو اأو من السِّلم أو منهما معاً كما في قولِهِ ... خرجتُ بها تمشي تجرُّ وراءَنا ... على أَثَريْنا ذيلَ مِرْطٍ مُرَجَّل ... وهي في الأصل اسمُ لجماعة تكفُّ مُخالِفَها ثم استعملت في معنى جميعاً وتاؤُها ليست للتأنيت حتى يُحتاجَ إلى جعل السِّلم مؤنثاً مثلَ الحربِ كما في قوله وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا وفي قوله ... السلم تأخذ منها مارضيت به ... والحربُ يكفيكَ من أنفاسها جُرَعُ ... وإنَّما هي للنقل كما في عامة وخاصة وقاطبة والمعنى استسلموا لله تعالى وأطيعوه جملةً ظاهراً وباطناً والخطابُ للمنافقين أو ادخُلوا في الإسلام بكلّيته ولا تخلِطوا به غيَره والخطابُ لمؤمني أهلِ الكتاب فإنهم كانوا يراعون بعضَ أحكام دينهم القديمِ بعد إسلامهم أو شرائع الله تعالى كلِّها بالإيمان بالأنبياء ﵈ والكتب جيعا والخطابُ لأهل الكتاب كلِّهم ووصفُهم بالإيمان إما على طريقة التغليب وإما بالنظر إلى إيمانهم القديم أو في شعب الإسلام وأحكامِه كلها فلا يخلوا بشئ منها والخطاب للمسلمين وإنما خوطب أهلُ الكتاب بعنوان الإيمان مع أنه لا يصِح الإيمانُ إلا بما كلَّفوه الآن إيذاناً بأن ما يدّعونه لا يتمّ بدونه ﴿وَلَا تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان﴾ بالتفرُّق والتفريقِ أو بمخالفة ما أُمرتم به ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ ظاهرُ العداوة أو مُظْهِرٌ لها وهو تعليلٌ للنهي أو الانتهاءِ

стр. 426

﴿فَإِن زَلَلْتُمْ﴾ أي عن الدخول في السلم وقرئ بكسر اللام وهي لغة فيه ﴿مّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ﴾ الآياتُ ﴿البينات﴾ والحججُ القطعية الدالَّةُ على حقيقته المُوجبة للدخول فيه ﴿فاعلموا أَنَّ الله عَزِيزٌ﴾ غالبٌ على أمره لا يعجزه الانتقام منكم ﴿حكيم﴾ لايترك ما تقتضيه الحِكمةُ من مؤاخذة المجرمين المستعصين على أوامره

стр. 427

﴿هَلْ يَنظُرُونَ﴾ استفهامٌ إنكاري في معنى النفي أي ما ينتظرون بما يفعلون من العِناد والمخالفة في الامتثال بما أُمروا به والانتهاءِ عمَّا نُهوا عنهُ ﴿إِلَاّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله﴾ أي أمرُه وبأسُه أو يأتيَهم اللَّهُ بأمره وبأسِه فحُذف المأتيُّ به لدِلالة الحال عليه والالتفاتُ إلى الغَيبة للإيذانِ بأن سوءَ صنيعهم موجبٌ للإعراض عنهم وحكايةُ جنايتهم لمن عداهم من أهل الإنصاف على طريقة المباثة وإيرادُ الانتظارِ للإشعار بأنهم لانهماكهم فيمَا هُم فيهِ من موجبات العقوبة

стр. 428

٢١١ - ٢١٢ البقرة كأنهم طالبون لها مترقبون لوقوعها ﴿في ظلل﴾ كقلل في جمع قُلَّة وهي ما أظلك وقرئ في ظلال كقلال في جمع قلة ﴿مّنَ الغمام﴾ أي السحاب الأبيض وإنما أتاهم العذابُ فيه لما أنه مظنة الرحمة فإذا أتى منه العذاب كان أفظعَ وأقطعَ للمطامع فإن إتيان الشر مِن حيثُ لَا يُحتسب صعبٌ فكيف بإتيانه من حيث يرجى منه الخير ﴿والملائكة﴾ عطف على الاسم الجليل أي ويأتيهم الملائكة فإنهم وسائط في إتيان أمره تعالى بل هم الآتون ببأسه على الحقيقة وتوسيط الظرف بينهما للإيذان بأن الآتي أو لا من جنس ما يلابس الغمام ويترتب عليه عادة وأما الملائكة وإن كان إتيانهم مقارناً لما ذكر من الغمام لكن ذلك ليس بطريق الاعتياد وقرئ بالجر عطفا على ظلل أوالغمام ﴿وقضي الأمر﴾ أي اتم أمرُ إهلاكهم وفُرغ منه وهو عطفٌ على يأتيَهم داخل في حيز الانتظار وإنما عُدل إلى صيغة الماضي دَلالة على تحققه فكأنه قد كان أو جملةٌ مستأنفةٌ جِيءَ بها إنباءً عن وقوع مضمونها وقرئ وقضاءُ الأمر عطفاً على الملائكةُ ﴿وإلى الله﴾ لا إلى غيره ﴿تُرْجَعُ الامور﴾ بالتأنيث على البناءِ للمفعولِ من الرجع وقرئ بالتذكير وعلى البناء للفاعل بالتأنيث من الرجوع

стр. 429

﴿سل بني إسرائيل﴾ الخطاب للرسول ﷺ أو لكل أحدٍ من أهل الخطابِ والمرادُ بالسؤال تبكيتهم وتقريعهم بذلك وتقريرلمجيء البينات ﴿كَمْ آتيناهم مّنْ آيَةٍ بَيّنَةٍ﴾ مُعجِزَةٌ ظاهرة على أيدي الأنبياءِ ﵈ وآيةٌ ناطقة بحقّية الإسلامِ المأمورِ بالدخول فيه وكم خبريةٌ أو استفهاميةٌ مقرِّرةٌ ومحلها النصبُ على المفعولية أو الرفع بالابتداء على حذف العائدِ من الخبر وآيةٍ مميِّزُها ﴿وَمَن يُبَدّلْ نِعْمَةَ الله﴾ التي هي آياته الباهرةِ فإنها سببٌ للهدى الذي هو أجلُّ النعم وتبديلُها جعلُها سبباً للضلالة وازديادِ الرِّجس أو تحريفها أو تأويلها الزائغ ﴿مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ﴾ ووصلتْ إليه وتمكَّن من معرفتها والتصريحُ بذلك مع أنَّ التبديلَ لا يُتصوَّرُ قبل المجيءِ للإشعار بأنهم قد بدَّلوها بعد ما وقفوا على تفصيلها كما في قوله ثُمَّ يُحَرّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يعلمون قيل تقديره فبذلوها ومن يبدل وإنما حُذف للإيذان بعدمِ الحاجةِ إلى التَّصريحِ بهِ لظهوره ﴿فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب﴾ تعليلٌ للجواب كأنه قيل ومن يبدل نعمة الله عاقبه أشدَّ عقوبةٍ فإنه شديدُ العقاب وإظهارُ الاسمِ الجليلِ لتربية المهابة وإدخال الروعة

стр. 430

﴿زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الحياة الدنيا﴾ أي حسُنت في أعيانهم وأُشرِبت محبتُها في قلوبهم حتى تهالكوا عليها وتهافتوا فيها معرِضين عن غيرها والتزيينُ من حيث الخلقُ والإيجاد مستند الى الله سبحانه كما يُعرِبُ عنه القراءةُ على البناء للفاعل اذا ما مِنْ شيءٍ إلا وهو خالقُه وكلٌّ من الشيطان والقُوى الحيوانية وما في الدنيا من الأمور البهيَّة والأشياءِ الشهيةِ مُزيَّنٌ بالعَرْض ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الذين آمنوا﴾ عطفٌ على زُين وإيثارُ صيغة الاستقبال للدلالة

стр. 431

٢١٣ - البقرة على استمرار السُّخريةِ منهم وهم فقراء المؤمنين كبلالٍ وعمار وصهيب ﵃ كانوا يسترذلونهم ويستهزءون بهم على رفضهم الدُّنيا وإقبالِهم على العقبى ومن ابتدائية فكأنهم جعلوا السخرية مبتدأة منهم ﴿والذين اتقوا﴾ هم الذين آمنوا بعينهم وإنما ذُكروا بعنوان التقوى للإيذان بأن إعراضَهم عن الدنيا للاتقاء عنها لكونها مُخِلَّةً بتبتُّلهم إلى جناب القدس شاغلة عنهم ﴿فَوْقَهُمْ يَوْمَ القيامة﴾ لأنَّهم في أعلى عِلّيين وهم في أسفل سافلين أو لأنهم في أوج الكرامةِ وهم في حضيض الذلِّ والمهانةِ أو لأنهم يتطاولون عليهم في الآخرة فيسخَرون منهم كما سخِروا منهم في الدنيا والجملةُ معطوفةٌ على ما قبلها وإيثارُ الاسمية للدلالة على دوام مضمونِها ﴿والله يَرْزُقُ مَن يَشَاء﴾ أي في الدارين ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ بغير تقدير فيوسِّعُ في الدنيا استدراجاً تارةً وابتلاءً أخرى

стр. 432

﴿كَانَ الناس أُمَّةً واحدة﴾ متفقين على كلمة الحق ودينِ الإسلام وكان ذلك بين آدمَ وإدريسَ أو نوحٍ ﵈ أو بعدَ الطوفان ﴿فَبَعَثَ الله النبيين﴾ أي فاختلفوا فبَعَثَ إلخ وهي قراءةُ ابنِ مسعود ﵁ وقد حُذف تعويلاً على ما يُذكر عَقيبه ﴿مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ عن كعب الذي علمتُه من عددُ الأنبياءِ ﵈ مئة وأربعةٌ وعشرون ألفاً والمرسَلُ منهم ثلثُمائةٍ وثلاثة عشرَ والمذكورُ في القرآن ثمانيةٌ وعشرون وقيل كَانَ الناسُ أُمَّةً واحدة متفقةً على الكفر والضلال في فترة إدريسَ أو نوحٍ فبعث اللَّهُ النبيين فاختلفوا عليهم والأولُ هو الأنسبُ بالنظم الكريم ﴿وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتاب﴾ أي جنسَ الكتابِ أو مع كل واحد منهم ممن له كتابٌ كتابُه الخاصُّ به لا مع كلِّ واحدٍ منهم على الإطلاق إذ لم يكنْ لبعضهم كتابٌ وإنما كانوا يأخُذون بكتب مَن قبلَهم وعمومُ النبيين لا ينافي خصُوصَ الضمير العائد إليه بمعونة المقام ﴿بالحق﴾ حال من الكتاب أي ملتبساً بالحق أو متعلقا بأنزل كقوله عزَّ وعلَاّ وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ ﴿لِيَحْكُمَ﴾ أي الكتابُ أو الله أو كلُّ واحد من النبيين ﴿بَيْنَ الناس﴾ أي المذكورين والإظهارُ في موضعِ الإضمارِ لزيادة التعيين ﴿فِيمَا اختلفوا فِيهِ﴾ أي في الحق الذي اختلفوا فيه أو فيما التَبَس عليهم ﴿وَمَا اختلف فِيهِ﴾ أي في الحق أو في الكتاب المُنْزل ملتبساً به والواوُ حالية ﴿إِلَاّ الذين أُوتُوهُ﴾ أي الكتابَ المنزلَ لإزالة الاختلاف وإزاحةِ الشقاق والتعبيرُ عن الإنزال بالإيتاء للتنبيه منْ أولِ الأمرِ عَلى كمال تمكُّنِهم من الوقوف على ما في تضاعيفِه من الحق فإن الإنزالَ لا يفيد تلك الفائدةَ أي عكسوا الأمرَ حيث جعلوا ما أُنزل لإزالة الاختلافِ سبباً لاستحكامه ورسوخِه ﴿مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات﴾ أي رَسَخَتْ في عقولهم ومن متعلِّقة بمحذوف يدل عليه الكلامُ أي فاختلفوا وما اختلف فيه إلخ وقيل بالملفوظ بناءً على عدم منع إلا عنه كما في قولك ما قام إلا زيد يوم

стр. 433

٢١٤ - ٢١٥ البقرة الجمعة ﴿بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ متعلِّقٌ بما تعلقتْ به من أي اختلفوا بغياً وتهالُكاً على الدنيا ﴿فَهَدَى الله الذين آمنوا لِمَا اختلفوا فِيهِ﴾ أي للحق الذي اختَلَف فيه من اختَلَف ﴿مِنَ الحق﴾ بيانٌ لما وفي إبهامه أولاً وتفسيرِه ثانياً ما لا يَخفْى من التفخيم ﴿بِإِذْنِهِ﴾ بأمره أو بتيسيره ولطفهِ ﴿والله يَهْدِى مَن يَشَاء إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ موصِلٍ إلى الحقّ وهو اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما سبق

стр. 434

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ خُوطب به رسولُ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ من المؤمنينَ حثًّا لهم على الثبات على المصابرة على مخالفة الكفَرَة وتحمُّل المشاقِّ من جهتهم إثر بيانِ اختلافِ الأممِ على الأنبياءِ ﵈ وقد بُيّن فيه مآلُ اختلافِهم وما لَقِيَ الأنبياء ومن معهم من قبلهم من مكابدة الشدائد ومقاساة الهموم وأن عاقبة أمرِهم النصرُ وأم منقطعة والهمزةُ فيها للإنكار والاستبعاد أي بل حَسِبْتُمْ ﴿أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم﴾ من الأنبياء ومن معهم من المؤمنين أي والحال أنه لم يأتِكم مثلُهم بعد ولم تبتلوا بما بتلوا به من الأحوالِ الهائلةِ التي هي مَثَلٌ في الفظاعة والشدّة وهو متوقَّعٌ ومنتظَرٌ ﴿مَسَّتْهُمْ﴾ استئنافٌ وقعَ جوابا عما ينساق إليه الذهنُ كأنَّه قيلَ كيفَ كان مثلهم فقيل مسَّتْهم ﴿البأساء﴾ أي الشدَّةُ من الخوف والفاقةِ ﴿والضراء﴾ أي الآلامُ والأمراضُ ﴿وَزُلْزِلُواْ﴾ أي أزْعجوا إزعاجاً شديداً بما دَهَمهم من الأهوال والأفزاعِ ﴿حتى يقول الرسول والذين آمنوا مَعَهُ﴾ أي انتهى أمرُهم من الشدة إلى حيث اضطَرَّهم الضَّجرُ إلى أن يقول الرسولُ وهو أعلمُ الناس بشئون اللَّهِ تعالى وأوثقُهم بنصره والمؤمنون المقتدون بآثاره المستضيئون بأنواره ﴿متى﴾ أي متى يأتي ﴿نَصْرُ الله﴾ طلباً وتمنياً له واسْتطالةً لمدة الشدة والعناء وقرئ حتى يقولُ بالرفع على أنه حكاية حال ما ضية وهذا كما ترى غايةُ الغاياتِ القاصيةِ ونهايةُ النهايات النائيةِ كيف لا والرسلُ مع علوّ كعبهم في الثبات والاصطبارِ حيث عيلَ صبرُهم وبلغوا هذا المبلغَ من الضجر والضجيج عُلم أن الأمرَ بلغ إلى غاية لامطمح وراءَها ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ﴾ على تقدير القولِ أي فقيل لهم حينئذٍ ذلك إسعافاً لمرامهم بالقرب القُربُ الزمانيُّ وفي إيثار الجملة الاسميةِ على الفعلية المناسبة لما قبلها وتصديرها بحرف التنبيه والتأكيد من الدلالة على تحقيق مضمونها وتقريره مالا يخفى واختيارُ حكاية الوعد بالنصر لنا أنها في حكم إنشاء الوعد لرسول الله ﷺ والاقتصارُ على حكايتها دون حكايةِ نفسِ النصر مع تحققه للإيذان بعدم الحاجةِ إلى ذلك لاستحالة الخُلْف ويجوز أن يكون هذا وارداً من جهته تعالى عند الحكاية على نهج الاعتراض لا وارداً عند وقوعِ المحكي وفيه رمزٌ إلى أنَّ الوصولَ إلى جناب القدسِ لا يتسنَّى إلا برفض اللذات ومكايدة المشاق كما ينبئ عنه قوله ﷺ حضت الجنة بالمكارة وحضت النار بالشهوات

стр. 435

﴿يسألونك مَاذَا يُنفِقُونَ﴾

стр. 436

أي من أصناف أموالِهم ﴿قُلْ مَا أَنفَقْتُم مّنْ خَيْرٍ﴾ ما إما شرطية وإما موصولة حُذف العائدُ إليها أي ما أنفقتموه من خير أي خير كان ففيه تجويزُ الإنفاق من جميع أنواعِ الأموالِ وبيانٌ لما في السؤال إلا أنه جُعل من جُملةِ ما في حيز الشرطِ أو الصلة وأُبرِز في معرِض بيانِ المصرِفِ حيث قيل ﴿فللوالدين والاقربين﴾ للإيذان بأن الأهمَّ بيانُ المصارفِ المعدودة لأن الاعتدادَ بالإنفاق بحسب وقوعِه في موقعه وعن ابن عباس ﵄ أنه جاء عمْرُو بنُ الجموح وهو شيخ هرم له مالٌ عظيم فقال يارسول الله ماذا نُنفق من أموالنا أين نضعُها فنزلت ﴿واليتامى﴾ أي المحتاجين منهم ﴿والمساكين وابن السبيل﴾ ولم يتعرضْ للسائلين والرقاب إما اكتفاء بما ذكر في المواقع الأُخَرِ وإما بناءً على دخولهم تحت عموم قوله تعالى ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ﴾ فإنه شاملٌ لكل خير واقعٍ في أي مصرِفٍ كان ﴿فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ﴾ فيوفّي ثوابَه وليس في الآية ما ينافيه فرض الزكاة لينسخ له كما نُقل عن السُدي

стр. 437

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال﴾ ببناء الفعل للمفعول ورفعِ القتال أي قتال الكفرة وقرئ ببنائه للفاعل وهو اللَّهُ ونصب القتال وقرئ كُتِب عليكم القَتْلُ أي قتلُ الكفرة والواو في قولِه تعالى ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ حالية أي والحال أنه مكروهٌ لكم طبعاً على أن الكُرهَ مصدرٌ وُصف به المفعولُ مبالغة أو بمعنى المفعولِ كالخُبز بمعنى المخبوز وقرئ بالفتح على أنه بمعنى المضموم كالضَّعف والضُّعف أو على أنَّه بمعنى الإكراه مَجازاً كأنهم أُكرهوا عليه لشدة كراهتِهم له ومشقتِه عليهم ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ وهو جميعُ ما كُلّفوه من الأمور الشاقةِ التي من جملتها القتالُ فإن النفوسَ تكرَهُه وتنفِرُ عنه والجملة اعتراضية دالَّةٌ على أن في القتال خيراً لهم ﴿وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾ وهو جميع ما نُهوا عنه من الأمور المستلَذة وهو معطوفٌ على ما قبله لا محلَّ لهما من الإعراب ﴿والله يَعْلَمُ﴾ ما هو خيرٌ لكم فلذلك يأمركم به ﴿وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي لا تعلَمونه ولذلك تكرَهونه أو واللَّهُ يعلم ما هو خيرٌ وشرٌّ لكم وأنتم لا تعلمونهما فلا تتبعوا في ذلك رأيَكم وامتثلوا بأمره تعالى

стр. 438

﴿يسألونك عَنِ الشهر الحرام﴾ رُوِيَ أنَّ رسولَ الله ﷺ بعث عبد اللَّه بن جَحْشٍ على سرية في جُمادى الآخِرَة قبل قتالِ بدرٍ بشهرين ليترصَّدوا عِيراً لقُريش فيهم عمرُو بنُ عبدِ اللَّه الحَضْرمي وثلاثةٌ معه فقتلوه وأسروا اثنين واستاقوا العِير بما فيها من تجارة الطائفِ وكان ذلك أولَ يوم من رجبٍ وهم يظنونه من جمادى

стр. 439

الآخرة فقالت قريش وقد استحل محمَّدٌ الشهرَ الحرامَ شهراً يأمنُ فيه الخائفُ ويبذعِرُ فيه الناسُ إلى معايشهم فوقف رسولُ الله ﷺ العِيرَ وعظَّم ذلك على أصحاب السرية وقالوا ما نبرح حتى تنزِلَ توبتُنا ورد رسول الله ﷺ العِيرَ والأُسارى وعن ابن عباس ﵄ لما نزلتْ أخذ رسولُ الله ﷺ الغنيمة والمعنى يسألك الكفارُ أو المسلمون عن القتال في الشهر الحرامِ على أن قوله ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾ بدلُ اشتمالٍ من الشهر وتنكيرُه لما أن سؤالهم كان عن مُطلق القتال الواقعِ في الشهر الحرام لا عن القتال المعهودِ ولذلك لم يقل يسألونك عن القتال في الشهر الحرام وقرئ عن قتال فيه بتكرير العامل كما في قوله تعالى للذين استضعفوا لمن آمن منهم وقرئ قتل ﴿قُلْ﴾ في جوابهم ﴿قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ جملةٌ من مبتدإٍ وخبرٍ محلّها النصبُ بقل وإنما جاز وقوعُ قتالٌ مبتدأً مع كونه نكرةً لتخصُّصه إما بالوصف إنْ تعلق الظرفُ بمحذوفٍ وقعَ صفةً له أي قتالٌ كائن فيه وإما بالعمل إن تعلق به وإنما أوثر التكير احترازاً عن توهم التعيين وإيذاناً بأن المرادَ مطلقُ القتال الواقعِ فيه أيِّ قتالٍ كان عن عطاءٍ أنه سُئل عن القتال في الشهر الحرام فحلف بالله ما يحِلّ للناس أن يغزوا في الحَرَم ولا في الشهر الحرام إلا أن يقاتلوا فيه وما نُسخت وأكثرُ الأقاويل أنها منسوخةٌ بقوله تعالى فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴿وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله﴾ مبتدأ قد تخصَّصَ بالعمل فيما بعده أي ومَنْعٌ عن الإسلام الموصِلِ للعبد إلى الله تعالى ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ عطفٌ على صدٌّ عاملٌ فيما بعده مثلَه أي وكفرٌ بالله تعالى وحيث كان الصدُ عَن سَبِيلِ الله فرداً من أفراد الكفرِ به تعالى لم يقدَحِ العطفُ المذكورُ في حسن عطفِ قوله تعالى ﴿والمسجد الحرام﴾ على سبيل الله لأنه ليس بأجنبيَ محضٍ وقيل هو أيضاً معطوف على صدٌ بتقدير المضاف أي وصدُ المسجدِ الحرام ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ﴾ وهو النبيِّ ﷺ والمؤمنون ﴿مِنْهُ﴾ أي من المسجد الحرام وهو عطفٌ على وكفر به ﴿أَكْبَرُ عِندَ الله﴾ خبرٌ للأشياء المعدودةِ أي كبائرُ السائلين أكبر عند الله مما عنوا بالسؤال وهو ما فعلته السريةُ خطأً وبناءً على الظن وأفعلُ يستوي فيه الواحدُ والجمعُ والمذكرُ والمؤنثُ ﴿والفتنة﴾ أي ما ارتكبوه من الإخراج والشركِ وصدِّ الناسِ عن الإسلام ابتداءً وبقاءً ﴿أَكْبَرُ مِنَ القتل﴾ أي أفظعُ من قتل الحَضْرميّ ﴿وَلَا يَزَالُونَ يقاتلونكم﴾ بيانٌ لاستحكام عداوتهم وإصرارِهم على الفتنة في الدين ﴿حتى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ﴾ الحقِّ إلى دينهم الباطلِ وإضافةُ الدين إليهم لتذكير تأكُّدِ ما بينهما من العلاقة الموجبةِ لامتناع الافتراق ﴿إِنِ اسْتَطَاعُواْ﴾ إشارةٌ إلى تصلُّبهم في الدين وثباتِ قدمِهم فيه كأنه قيل وأنى لهم ذلك ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ﴾ تحذيرٌ من الارتداد أي ومن يفعلْ ذلك بإضلالهم وإغوائهم ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ بأن لم يرجِعْ إلى الإسلام وفيه ترغيبٌ في الرجوعِ إلى الإسلام بعد الارتداد ﴿فأولئك﴾ إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيِّز الصلةِ من الارتداد والموتِ عليه وما فيه من معنى البُعد للإشعارِ ببُعد منزلتهم في الشر والفساد والجمعُ للنظر إلى المعنى أي أولئك المُصِرُّون على الارتداد إلى حينِ الموتِ ﴿حَبِطَتْ أعمالهم﴾ الحسنةُ التي كانوا عمِلوها في حالة الإسلام حبوطا لاتلافى له قطعاً ﴿فِى الدنيا والاخرة﴾ بحيثُ لم يبْقَ لها حكمٌ من الأحكام الدنيوية والأخروية ﴿وَأُوْلئِكَ﴾ الموصوفون بما ذكر سابقاً ولاحقاً من القبائح ﴿أصحاب النار﴾ أي مُلابِسوها ومُلازِموها ﴿هُمْ فيها خالدون﴾ كدأب

стр. 440

٢١٨ - ٢١٩ البقرة سائرِ الكَفَرة

стр. 441

﴿إِنَّ الذين آمنوا﴾ نزلت في أصحاب السريةِ لما ظُنَّ بهم أنهم إنْ سلِموا من الإثم فلا أجرَ لهم ﴿والذين هَاجَرُواْ وجاهدوا فِي سَبِيلِ الله﴾ كرَّر الموصولَ مع أن المرادَ بهما واحدٌ لتفخيم شأنِ الهجرةِ والجهاد فكأنهما مستقلانِ في تحقيق الرجاء ﴿أولئك﴾ المنعوتون بالنُّعوتِ الجليلةِ المذكورة ﴿يرجعون﴾ بما لهم من مبادئ الفوزِ ﴿رَّحْمَةِ الله﴾ أي ثوابه أثبت لهم الرجاءَ دون الفوز بالمرجوِّ للإيذان بأنهم عالمون بأن العملَ غيرُ موجبٍ للأجر وإنما هو على طريق التفضُّلِ منه سبحانه لا لأن في فوزهم اشتباهاً ﴿والله غَفُورٌ﴾ مبالِغٌ في مغفرةِ ما فرَط من عباده خطأً ﴿رَّحِيمٌ﴾ يُجزِل لهم الأجرَ والثوابَ والجملةُ اعتراضٌ محقَّقٌ لمضمون ما قبلها

стр. 442

﴿يسألونك عَنِ الخمر والميسر﴾ تواردَتْ في شأن الخمر أربعُ آياتٍ نزلت بمكة وَمِن ثمرات النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا فطفق المسلمون بشربونها ثم إن عمرَ ومُعاذاً ونفراً من الصَّحابةِ رضوانُ الله تعالى عليهم أجمعين قالوا أَفْتِنا يا رسولَ الله في الخمر فإنها مُذهبةٌ للعقل فنزلت هذه الآية فشرِبها قومٌ وتركها آخرون ثم دعا عبدُ الرحمن بنُ عَوْف ناساً منهم فشربوا فسكروا فأقام أحدُهم فقرأ قُلْ يا أَيُّهَا الكافرون أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ فنزلت لَا تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى الآية فقلَّ من يشرَبُها ثم دعا عتبانُ بن مالك سعدَ بنَ أبي وقاصٍ في نفرٍ فلما سكِروا تفاخَروا وتناشدوا حتى أنشد سعدٌ شعراً فيه هجاءٌ الأنصار فضرَبه أنصاريٌّ بلَحْي بعيرٍ فشجه موُضِحَة فشكا إلى رسول الله ﷺ فقال اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً فنزلت إِنَّمَا الخمر والميسر إلى قوله تعالى فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ فقال عمرُ ﵁ انتهينا يا رب وعَنْ عليَ ﵁ لو وقعت قطرةٌ منها في بئر فبُنيت في مكانها مَنارةٌ لم أؤذّنْ عليها ولو وقعت في بحر ثم جَفَّ فنبت فيه الكلأُ لم أَرْعَه وعن ابنِ عمرَ رضي الله الله عنهما لو أدخلتُ أُصبَعي فيها لم تَتْبَعْني وهذا هو الإيمانُ والتقى حقاً رضوانُ الله تعالَى عليهم أجمعين والخمرُ مصدرُ خمرَه أي ستره سُمّي به من عصير العنب ما غلى واشتد وقذف بالزبد لتغطيتها العقلَ والتمييزَ كأنها نفسُ السَّتر كما سُميت سكَراً لأنها تسكُرهما أي تحجزهما والميسِرُ مصدرٌ ميميٌّ من يَسَر كالموعِد والمرجِع يقال يسَرْته إذا قمَرْته واشتقاقه إما من اليُسر لأنه أخذُ المال بيُسرٍ من غير كد وإما من اليَسار لأنه سلبٌ له وصفتُه أنه كانت لهم عشرة أقداح هي الأزلام زالاقلام الفذ والتوأم والرقيب والحلس والنافسُ والمُسبِلُ والمعلى والمَنيح والسَفيح والوغد لكل منها نصيبٌ معلوم من جَزور ينحرونها ويُجزّئونها عشرةَ أجزاء وقيل ثمانيةً وعشرين إلا الثلاثة هي المنيحُ والسفيحُ والوغدُ للفذ سهمٌ وللتوأم

стр. 443

سهمان وللرقيب ثلاثة وللحلس أربعة وللنافس خمسة وللمُسبل ستة وللمعلَّى سبعة يجعلونها في الربابة وهي خريطةٌ ويضعونها على يديْ عدلٍ ثم يجلجلها ويُدخِلُ يده فيُخرِج باسم رجلٍ رجلٍ قِدْحاً قدحاً فمن خرج له قِدْحٌ من ذوات الأنصباء أخذ النصيب المعيّنَ لها ومن خرج له من تلك الثلاثة غَرِم ثمنَ الجزور مع حِرمانه وكانوا يدفعون تلك الأنصباءَ إلى الفقراء ولا يأكلون منها ويفتخرون بذلك ويذمون من لايدخل فيه ويسمّونه البرم وفي حكمه جميعُ أنواعِ القمارِ من النرْدِ والشطرنج وغيرهما وعن النبيِّ ﷺ أنه قال إياكم وهاتين اللعبتين المشئومتين فإنهما مياسِرُ العجم وعن عليٌّ كرم الله وجهه أن النرد والشطرنج من الميسر وعن ابن سيرين كلُّ شيء فيه خطرٌ فهو من الميسر والمعنى يسألونك عن حُكمهما وعما في تعاطيهما ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ أي في تعاطيهما ذلك لما أن الأولَ مسلبةٌ للعقول التي هي قطبُ الدين والدنيا مع كونِ كلَ منهما مَتلفةً للأموال ﴿ومنافع لِلنَّاسِ﴾ من كسب الطرَب واللذة ومصاحبةِ الفتيان وتشجيعِ الجبان وتقوية الطبيعة وقرئ إثمٌ كثير بالمثلثة وفي تقديم بيانِ إثمِه ووصفُه بالكِبَر وتأخيرِ ذكر منافعِه مع تخصيصهما بالناس من الدِلالة على غلبة الأول مالا يخفى على ما نطقَ به قولُه تعالى ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ أي المفاسدُ المترتبةُ على تعاطيهما أعظمُ من الفوائد المترتبة عليه وقرئ أقرب من نفعهما ﴿ويسألونك ماذا ينفقون﴾ عطفٌ على يسألونك عن الخمر الخ عطفَ القصة على القصة أي أيُّ شيءٍ ينفقونه قيل هو عمْرو بنُ الجموح أيضاً سأل أولا لا من أيّ جنسٍ ينفق من أجناس الأموال فلما بُيّن جوازُ الإنفاق من جميع الأجناس سأل ثانياً من أي أصنافها نُنفِقُ أمن خيارها أم من غيرها أو سأل عن مقدار ما يُنفقه منه فقيل ﴿قُلِ العفو﴾ بالنصب أي ينفقون العفوَ أو انفقوا العفو وقرئ بالرفع على أن ما استفهامية وذا موصولةٌ صلتُها ينفقون أي الذي ينفقونه العفوُ قال الواحدي أصلُ العفوِ في اللغة الزيادة وقال القفال العفوُ ما سُهل وتيسر مما فضَل من الكفاية وهو قول قتادةَ وعَطاءٍ والسدي وكانت الصَّحابةِ رضوانُ الله تعالَى عليهم أجمعين يكسِبون المالَ ويُمسكون قدرَ النفقة ويتصدقون بالفضل ورُوي أن رجلاً أتى النبيِّ ﷺ ببيضة من ذهب أصابها في بعض المغانم فقال خذها مني صدقة فأعرض عنه فكرر ذلك مراراً حتى قال ﵇ مغضبا هاتها فأخذها فخذفها عليه خذفا لو أصابته لشجته ثم قال يأتي أحدُكم بماله كلِّه يتصدق به ويجلِس يتكفّف الناسَ إنما الصدقةُ عن ظهر غنى ﴿كذلك﴾ إشارةٌ إلى مصدرِ الفعل الآتي وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو درجةِ المشارِ إليه في الفضلِ مع كمال تميّزِه وانتظامِه بسببِ ذلكَ في سلكِ الأمور المشاهَدة والكافُ لتأكيدِ ما أفاده اسمُ الإشارةِ من الفخامة وإفرادُ حرف الخطاب مع تعدد المخاطبين باعتبار القَبيل أو الفريق أو لعدم القصد إلى تعيين المخاطب كما مر ومحلُه النصبُ على أنَّه نعتٌ لمصدر محذوفٍ أي مثل ذلك البيان الواضحِ الذي هو عبارةٌ عمَّا مضى في أجوبة الأسئلة المارّة ﴿يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات﴾ الدالة على الأحكام الشرعية المذكورة لا بياناً أدنى منه وقد مر تمامُ تحقيقِه في قوله تعالى وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا وتبيين الآياتِ تنزيلها مبينة الفحوى واضحةَ المدلول لا أنَّه تعالى يبينها بعد أن كانت مشْتبهةً ملتبسةً وصيغة الاستقبال لاستحضار الصورة ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ لكي تتفكروا فيها

стр. 444

٢٢٠ - البقرة ٢٢١ البقرة وتقِفوا على مقاصدها وتعملوا بمَا في تضاعيفِها وقولُه تعالى

стр. 445

﴿فِى الدنيا والاخرة﴾ متعلقٌ إما بيُبيْن أي يبين لكم فيما يتعلق بالدنيا والآخرة الآيات وإما بمحذوفٍ وقعَ حالاً من الآيات أي يبينها لكم كائنةً فيهما أي مبيِّنةً لأحوالكم المتعلقةِ بهما وإنما قدم عليه التعليلُ لمزيد الاعتناءِ بشأن التفكر وإما بقوله تعالى تَتَفَكَّرُونَ أي تتفكرون في الأمور المتعلقة بالدنيا والآخرة في الأحكام الواردةِ في أجوبة الأسئلة المارّة فتختارون منها ما يصلُح لكم فيهما وتجتنبون عن غيره وهذا التخصيصُ هو المناسبُ لمقام تعدادِ الأحكام الجزئيةِ ويجوزُ التعميمُ لجميع الأمور المتعلقة بالدنيا والآخرة فذلك حينئذ إشارةٌ إلى ما مرَّ من البيانات كلاً أو بعضاً لا إلى مصدر ما بعده فإنه حينئذ فعلٌ مستقلٌ ليس عن تلك البيانات والمرادُ بالآيات غيرُ ما ذكر والمعنى مثلَ ذلك البيان الوارد في الأجوبة المذكورة يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات والدلائلَ لعلكم تتفكرون في أموركم المتعلقة بالدنيا والآخرة وتأخذون بما يصلح لكم وينفعُكم فيهما وتذرون ما يضرُّكم حسبما تقتضيهِ تلك الآياتُ المبينة ﴿ويسألونك عن اليتامى﴾ عطفٌ على ما قبله من نظيره رُوي أنَّه لمَّا نزلتْ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً الآية تحامى الناسُ عن مخالطة اليتامى وتعهُّد أموالهم فشق عليهم ذلك فذكروه للنبي ﷺ فنزلت ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾ أي التعرضُ لأحوالهم وأموالهم على طريق الإصلاح خيرٌ من مجانبتهم اتقاءً ﴿وَإِن تُخَالِطُوهُمْ﴾ وتعاشِروهم على وجهٍ ينفعهم ﴿فَإِخوَانُكُمْ﴾ أي فهم إخوانُكم أيْ في الدينِ الذي هُو أقوى من العلاقة النسبية ومن حقوق الأخوة ومواجبها المخالطةُ بالأصلاح والنفعِ وقد حُمل المخالطةُ على المصاهرة ﴿والله يَعْلَمُ المفسد مِنَ المصلح﴾ العلم بمعنى المعرفة المتعدية الى واحد ومن لتضمينه معنى التمييز أي يعلم مَنْ يفسد في أمورهم عند المخالطة أو مَنْ يقصِد بمخالطته الخيانةَ والافساد مميزا له ممن يُصلح فيها أو يقصد الإصلاح فيجازي كلاً منهما بعمله ففيه وعدٌ ووعيد خلا أن في تقديم المفسد مزيدَ تهديد وتأكيد للوعيد ﴿وَلَوْ شَاء الله لاعْنَتَكُمْ﴾ أي لو شاء أن يعنتكم أي يكلفَكم ما يشق عليكم من العنت وهو المشقة لفعل ولم يجوِّزْ لكم مداخلتَهم ﴿أَنَّ الله عَزِيزٌ﴾ غالبٌ على أمره لا يعِزُّ عليه أمر من الأمور التي من جملتها إعناتُكم فهو تعليلٌ لمضمون الشرطية وقوله ﴿حَكِيمٌ﴾ أي فاعل لأفعاله حسبما تقتضيه الحكمةُ الداعيةُ إلى بناء التكليف على أساس الطاقة دليلٌ على ما تفيده كلمة لو من انتفاء مقدمها

стр. 446

﴿وَلَا تَنْكِحُواْ المشركات﴾ أي لا تتزوجوهن وقرئ بضم التاء من الإنكاح أي لا تُزوِّجوهن

стр. 447

من المسلمين ﴿حتى يُؤْمِنَّ﴾ والمرادُ بهن إما ما يعم الكتابياتِ أيضاً حسبما يقتضيه عمومُ التعليلين الآتيين لقوله تعالى وَقَالَتِ اليهودُ عُزَيْرٌ ابنُ الله وَقَالَتِ النصارى المسيح ابن الله إلى قوله سبحانه عَمَّا يُشْرِكُونَ فالآية منسوخةٌ بقوله تعالى والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وأما غيرُ الكتابيات فهي ثابتة ورُوي أنَّ رسولَ الله ﷺ بعث مَرْثدَ بنَ أبي مرثد الغنوي إلى مكةَ ليُخرج منها ناساً من المسلمين وكان يهوى امرأةً في الجاهلية اسمُها عَنَاق فأتته فقالت ألا تخلو فقال ويحك إن الإسلامَ حال بيننا فقال هل لك أن تتزوّجَ بي قال نعم ولكن ارجع الى النبيِّ ﷺ فاستأمَره فنزلت ﴿وَلأمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ﴾ تعليل للنهي عن مواصلتهن وترغيبٌ في مواصلة المؤمنات صُدِّر بلام الابتداء الشبيهةِ بلام القسم في إفادة التأكيد مبالغة في الحمل على الانزجار وأصلُ أمة أمو حذفت لامها على غير قياس وعوِّض منه تاء التأنيث ودليلُ كون لامها واوا رجعوها في الجمع قال الكلابي أما الإماءُ فلا يدعونني ولدا ... إذا تداعى بنو الأمواتِ بالعار وظهورُها في المصدر يقال هي أَمةٌ بيِّنة الأُموَّة وأقرَّتْ له بالأموّة وقد وقعت مبتدأ لما فيها من لام الابتداء والوصف أي ولأمة مؤمنة مع ما بها من خساسة الرق وقلة الخطر ﴿خَيْرٌ﴾ بحسب الدين والدنيا ﴿مّن مُّشْرِكَةٍ﴾ أي امرأة مشركة مع مالها من شرف الحرية ورفعة الشأن ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ قد مر أن كلمةَ لو في أمثالِ هذهِ المواقعِ ليستْ لبيان انتفاءِ الشيءِ في الماضي لانتفاء غيرِه فيه فلا يُلاحظ لها جوابٌ قد حُذف ثقةٍ بدلالةِ ما قبلها عليه من انصباب المعنى على تقديره بل هي لبيان تحققِ ما يفيده الكلام السابق من الحُكم على كل حالٍ مفروض من الأحوال المقارنة له على الإجمال بإدخالِها على أبعدِها منه وأشدِّها منافاةً له ليظهرَ بثبوته معه ثبوتُه مع ما عداه من الأحوال بطريق الأولوية لما أن الشيءَ متى تحقق مع المنافي القويَّ فلأنْ يتحققَ مع غيره أولى ولذلك لا يذكر معه شيءٌ من سائرِ الأحوالِ ويكتفى عنه بذكر الواوِ العاطفةِ للجُملة على نظيرتها المقابلةِ لها المتناولة لجميع الأحوال المغايرة لها وهذا معنى قولِهم أنها لاستقصاء الأحوال على وجه الإجمال كأنه قيل لو لم تعجبْكم ولو أعجبتكم والجملةُ في حيز النصبِ على الحالية من مشركة إذ المآل وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خيرٌ مّن امرأة مشركة حال عدمِ اعجابها وحال إعجابها إياكم بجمالها ومالِها ونسبها وبغير ذلك من مبادي الإعجابِ وموجباتِ الرغبة فيها أي على كل حال وقد اقتُصر على ذِكْر ما هو أشدُّ منافاةً للخيرية تنبيهاً على أنها حيث تحققت معه فلأَنْ تتحققَ مع غيره أولى وقيل الواوُ حاليةٌ وليس بواضح وقيل اعتراضيةٌ وليس بسديد والحقُّ أنها عاطفة مستتبعةٌ لما ذكر من الاعتبار اللطيف نعم يجوز أن تكونَ الجملةُ الأولى مع ما عطف عليها مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها فتدبر ﴿وَلَا تُنكِحُواْ المشركين﴾ من الإنكاح والمراد بهم الكفار على الإطلاق لما مر أي لا تُزوِّجوا منهم المؤمناتِ سواءٌ كن حرائرَ أو إماءً ﴿حتى يؤمنوا﴾ ويتركوا ماهم فيه من الكفر ﴿وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ﴾ مع ما به من ذل المملوكية ﴿خَيْرٌ من مشرك﴾ مع ماله من عز المالكية ﴿وَلَوْ أعجبكم﴾ مما فيه من دواعي الرغبة فيه الراجعةِ إلى ذاته وصفاته ﴿أولئك﴾ استئنافٌ مقرِّرٌ لمضمون التعليلين المارَّيْن أي أولئك المذكورون من المشركات والمشركين ﴿يَدَّعُونَ﴾ من يقارِنُهم ويعاشِرُهم ﴿إِلَى النار﴾ أيْ إلى ما يُؤدِّي إليها من الكفر والفسوق فلا بد من الاجتناب عن مقارنتهم ومقاربتِهم ﴿والله يَدْعُو﴾ بواسطة عباده

стр. 448

٢٢٢ - البقرة المؤمنين مَنْ يقارِنُهم ﴿إِلَى الجنة والمغفرة﴾ أي إلى الاعتقاد الحق والعملِ الصالحِ الموصلَيْن إليهما وتقديمُ الجنة على المغفرة مع أن حق التخلية أن تُقدَّم على التحلية لرعاية مقابلة النار ابتداءً ﴿بِإِذْنِهِ﴾ متعلق بيدعو أي يدعو ملتبساً بتوفيقه الذي من جملته إرشادُ المؤمنين لمقارِنيهم إلى الخير ونصيحتُهم إياهم فهم أحقاءُ بالمواصلة ﴿ويبين آياته﴾ المستملة على الأحكام الفائقةِ والحِكَمِ الرائقة ﴿لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي لكى يتذكروا ويعملوا بما فيها فيفوزوا بما دُعوا إليه من الجنة والغفران هذا وقد قيل معنى والله يدعوا وأولياءُ الله يدْعون وهم المؤمنون على حذفِ المضافِ وإقامةِ المضافِ إليه مقامه تشريفاً لهم وأنت خبيرٌ بأن الضميرَ في المعطوف على الخبر أعني قوله تعالى ويبين لله تَعَالَى فيلزم التفكيكُ وقيل معناه والله يدعو بأحكامه المذكورة إلى الجنة والمغفرة فإنها موصلةٌ لمن عمِل بها إليهما وهذا وإن كان مستدعياً لاتحاد مرجِع الضميرين الكائنين في الجملتين المتعاطفتين الواقعتين خبراً للمبتدأ لكنْ يفوِّت حينئذ حسنَ المقابلة بينه وبينَ قولِهِ تعالى أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النار ولعل الطريق الأسلمَ ما أوضحناه أولاً وإيرادُ التذكر ههنا للإشعار بأنه واضحٌ لا يحتاج إلى التفكر كما في الأحكام السابقة

стр. 449

﴿ويسألونك عَنِ المحيض﴾ عطفٌ على ما تقدم من مثله ولعل حكايةَ هذه الأسئلة الثلاثةِ بالعطف لوقوع الكلِّ عند السؤال عن الخمر وحكاية ما عداها بغير عطف لوقوع كلَ من ذلك في وقت على حِدَة والمحيض مصدر من حاضت المراة كالمجئ والمبيت روي أن أهل الجاهلية كانوا لا يساكنون الحُيَّضَ ولا يؤاكلونهن كدأب اليهودِ والمجوسِ واستمر الناسُ على ذلك إلى أنْ سأل عن ذلك أبو الدحاح في نفر من الصَّحابةِ رضوانُ الله عليهم فنزلت ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ أي شئ يُستقذرُ منه ويؤذي من يقرَبُه نفرةً منه وكراهةً له ﴿فاعتزلوا النساء فِي المحيض﴾ أي فاجتنبوا مجامعتَهن في حالة المحيض قيل لأخذ المسلمون بظاهر الاعتزال فأخرجوهن من بيوتهم فقال ناسٌ من الأعراب يارسول الله البردُ شديدٌ والثيابُ قليلة فإن آثرناهن هلك سائرُ أهل البيت وإن استأثرنا بها هلكت الحُيَّض فقال ﷺ إنما أُمِرْتم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حِضْنَ ولم يأمركم بإخراجهن من البيوت كفعل الأعاجم وقيل إن النصارى كانوا يجامعونهن ولا يبالون بالحيض واليهودُ كانوا يفرِّطون في الاعتزال فأُمر المسلمون بالاقتصاد بين الأمرَيْن ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ﴾ تأكيدٌ لحكم الاعتزال وتنبيه على أن المرادَ به عدم قربانهن لاعدم القربِ منهن وبيانٌ لغايته وهو انقطاعُ الدم عندَ أبي حنيفةَ ﵀ فإن كان ذلك في أكثر المدة حلَّ القُربان كما انقطع وإلا فلا بدَّ من الاغتسال أو من مُضيِّ وقت صلاة وعندَ الشافعيِّ ﵀ أن يغتسلن بعد الانقطاع كما تُفصح عنه القراءة بالتشديد ويبنى عنه قولُه ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ فإن التطهرَ هو الاغتسال ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله﴾ من المأتى الذي حلله لكم وهو القُبُل ﴿إِنَّ الله يحب التوابين﴾ مما عسى يندر منهم من ارتكاب بعض ما نُهوا عنه ومن سائر الذنوب ﴿وَيُحِبُّ المتطهرين﴾ المتنزِّهين عن الفواحش والأقذار وفي ذكر التوبة إشعارٌ بمِساس الحاجة إليها بارتكاب بعض الناس لما

стр. 450

٢٢٣ - ٢٢٤ البقرة نُهوا عنه وتكريرُ الفعل لمزيد العناية بأمر التطهر

стр. 451

﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ أي مواضعُ حرثٍ لكم شُبِّهن بها لما بين ما يلقى في أرحامهن وبين البذورِ من المشابهة من حيث إن كلا منهما مادةٌ لما يحصُل منه ﴿فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ﴾ لما عبّر عنهن بالحرث عبّر عن مجامعتهن بالإتيان وهو بيانٌ لقوله تعالى فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله ﴿أنى شِئْتُمْ﴾ من أيِّ جهة شئتم روي أن اليهود كانوا يزعُمون أن مَنْ أتى امرأتَه في قبُلها من دبرها يأتي ولده أحول فذُكِر ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت ﴿وَقَدّمُواْ لاِنفُسِكُمْ﴾ أي ما يُدخَّر لكم من الثواب وقيل هو طلبُ الولد قيل هو التسمية عند المباشرة ﴿واتقوا الله﴾ بالاجتناب عن معاصيه التي من جملتها ما عُدَّ من الأمور ﴿واعلموا أَنَّكُم ملاقوه﴾ فتعرَّضوا لتحصيل ما تنتفعون به حينئذ واجتنبوا اقترافَ ما تُفتَضَحون به ﴿وَبَشّرِ المؤمنين﴾ الذين تلقَّوا ما خُوطِبوا بهِ من الأوامر والنواهي بحسن القَبول والامتثال بما يقصُر عنه البيانُ من الكرامة والنعيم المقيم أو بكل ما يُبشَّر به من الأمور التي تُسرُّ بها القلوب وتَقَرُّ بها العيونُ وفيه مع ما في تلوين الخطاب وجعلِ المبشِّرِ رسول الله ﷺ من المبالغة في تشريف المؤمنين مالا يخفى

стр. 452

﴿وَلَا تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لايمانكم﴾ قيل نزلتْ في عبدُ اللَّه بنِ رَواحةَ حينَ حلفَ أنْ لا يكلم ختنه بشير بنَ النعمان ولا يُصلِحَ بينه وبين أخته وقيل في الصدِّيقِ ﵁ حينَ حلفَ أنْ لا يُنفِقَ على مِسْطَحٍ لخوضه في حديث الأفك والعُرضة فُعلة بمعنى مفعول كالقُبضة والغرفة تطلق على ما يعرض دون الشئ فيصير حاجزاً عنه كما يقال فلان عُرضة للخير وعلى المَعْرِض للأمر كما في قوله ... فلا تجعلوني عُرضة لِلَّوائمِ ... فالمعنى على الوجه الأول لاتجعلوا الله مانعا للأمور الحسنة التي تحلِفون على تركها وعبر عنها بالإيمان لملابستها بها كما في قولِه ﵇ لعبد اللَّه بنِ سَمُرةَ إذا حَلَفتَ على يمينٍ فرأيتَ غيرَها خيراً منها فأتِ الذي هو خيرٌ وكفِّر عن يمينك وقوله تعالى ﴿أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بَيْنَ الناس﴾ عطفُ بيانٍ لأَيْمانكم أو بدلٌ منها لما عرفت أنها عبارةٌ عن الأمور المحلوف عليها واللام في لأيمانكم متعلقة بالفعل أو بعُرضةً لما فيها من معنى الاعتراض أي لاتجعلوا الله لبركم وتقوا كم وإصلاحكم بين الناس عُرضةً أي برزخاً حاجزاً بأن تحلِفوا به تعالى على تركها أولا تجعلوه تعالى عرضة أي شيئاً يَعترِض الأمورَ المذكورة ويحجُزُها بما ذُكر من الحَلِف به تعالى على تركها وقد جُوِّز أن تكون اللامُ للتعليل ويتعلق أن تبروا الخ بالفعل أو بعرضة فيكون الأيمانُ بمعناها وأنت خبير بأنه يؤدي إلى الفصلُ بين العامل ومعمولِه بأجنبي وعلى الوجه الثاني لا تجعلوا الله مَعْرِضاً لأيمانكم تبتذلونه بكثرة الحلف به ولذلك ذُمَّ من نزلت فيه وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَاّفٍ مَّهِينٍ بأشنعِ المذامِّ وجُعل الحلاف مقدمتها وأن تَبَرُّواْ حينئذ علة للنهي أي إرادةَ أن تبرّوا وتتقوا وتصلحوا لأن الحلافَ مجترئ على الله سبحانه غيرُ معظِّمٍ له فلا يكون برا متقيا ثقة

стр. 453

٢٢٥ - ٢٢٦ ٢٢٧ البقرة بين الناس فيكون بمعزل من التوسط في إصلاح ذاتِ البين ﴿والله سَمِيعٌ﴾ يسمع أَيْمانكم ﴿عَلِيمٌ﴾ يعلم نياتِكم فحافظوا على ما كُلفتموه

стр. 454

﴿لَاّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو فِى أيمانكم﴾ اللغوُ ما سقط من الكلام عن درجة الاعتبارِ والمرادُ به في الإيمان مالا عقدَ معه ولا قصْدَ كما ينبئ عنه قوله تعالى ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الايمان وهو المعنى بقوله ﴿ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ وقد اختُلف فيه فعندنا هو أن يحلِف على شئ يظنُّه على ما حلف عليه ثم يظهرُ خلافُه فإنه لا قصْدَ فيه إلى الكذبَ وعندَ الشافعيِّ ﵀ هو قولُ العرب لا والله وبلى مما يؤكِّدون به كلامَهم من غير إخطار الحلِف بالبال فالمعنى على الأول لا يؤاخذُكم الله أي لا يعاقبُكم بلغو اليمين الذي يحلِفه أحدُكم ظاناً أنه صادقٌ فيه ولكن يعاقبُكم بما اقترفتْه قلوبُكم من إثم القصْد إلى الكذب في اليمين وذلك في الغَموس وعلى الثاني لا يلزمُكم الكفارةُ بما لا قصدَ معه إلى اليمين ولكن يلزمُكُموها بما نوَتْ قلوبُكم وقصَدَتْ به اليمينَ ولم يكن كسبَ اللسان فقط ﴿والله غَفُورٌ﴾ حيث لم يؤاخذْكم باللغو مع كونه ناشئاً من عدم التثبّت وقلةِ المبالاة ﴿حَلِيمٌ﴾ حيث لم يعجَلْ بالمؤاخذة والجملة اعتراض مقر لمضمونِ قولِه تعالى لا يؤاخذكم الخ وفيه إيذانٌ بأن المرادَ بالمؤاخذة المعاقبة لا إيجابُ الكفارة إذ هي التي يتعلق بها المغفرةُ والحِلْمُ دونه

стр. 455

﴿لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ﴾ الإيلاءُ الحلِفُ وحقُّه أن يستعمل بعلى واستعمالى بمن لتضمينه معنى البُعد أي للذين يحلِفون متباعدين من نسائهم ويُحتمل أن يراد لهم من نسائهم ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ كقولك لى منك كذا وقرئ آلوا من نسائهم وقرئ يُقسمون من نسائهم والإيلاءُ من المرأة أن يقول والله لا أقرَبُك أربعةَ أشهرٍ فصاعداً على التقييد بالأشهر أولا أقربك على الإطلاق ولا يكون فيما دون ذلك وحكمه أنه إن فاء إليها في المدة بالوطء إن أمكن أوبالقول إن عجِز عنه صح الفئ وحنِث القادرُ ولزِمَتْه كفارةُ اليمين ولاكفارة على العاجز وإن مضت الأربعةُ بانت بتطليقه والتربُّص الانتظارُ والتوقف أضيف إلى الظرف اتساعاً أي لهم أن ينتظروا في هذه المدة من غير مطالبة بفئ أو طلاق ﴿فإن فاؤوا﴾ أي رجعوا عن اليمن بالحِنْث والفاء للتفصيل كما إذا قلت أنا نزيلُكم هذا الشهر فإن أحمدتكم أقمتُ عندكم إلى آخره والالم أبث إلا ريثا أتحوّل ﴿فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ يغفرُ للمُولي بفيئته التي هي كتوبته إثم حنثه عند تكفيره أو ما قصَد بالإيلاء من ضرار المرأة

стр. 456

﴿وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق﴾ وأجمعوا عليه ﴿فَإِنَّ الله سَمِيعٌ﴾ بما جرى منهم من الطلاق وما يتعلق به من الدمدمة والمقاولةِ التي لا تخلوا عنها الحالُ عادة ﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتهم وفيه من الوعيد على الإصرار وترك الفَيئة ما لا يخفى

стр. 457

٢٢٨ - البقرة

стр. 458

﴿والمطلقات﴾ أي ذواتُ الأقراءِ من الحرائر المدخولِ بهن لما قد بُين أن لا عدةَ على غير المدخولِ بها وأنَّ عدَّةَ من لا تحيضُ لصِغَرٍ أو كِبَرٍ أو حملٍ بالأشهر ووضعِ الحمل وأن عدة الأمة قرءان أو شهران ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ خبرٌ في مَعْنى الأمرِ مفيدٌ للتأكيد بإشعاره بأن المأمور به مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى الإيتان به فكأنهن امتثلن بالأمر فتخبر به موجوداً متحققاً وبناؤه على المبتدأ مفيدٌ لزيادة تأكيد ﴿بِأَنفُسِهِنَّ﴾ الباء للتعدية أي يقمَعْنها ويحمِلْنها على مالا تشتهيه بل يشق عليها من التربص وفيه مزيدُ حثَ لهن على ذلك لما فيه من الإنباء عن الاتصاف بما يستنكفْن منه من كون نفوسِهن طوامِحَ إلى الرجال فيحملُهن ذلك على الإقدام على الإتيان بما أمرن به ﴿ثلاثة قُرُوء﴾ نُصب على الظرفية أو المفعولية بتقدير مضافٍ أي يتربصن مدةَ ثلاثةِ قروء أو يتربصن مُضِيَّ ثلاثةِ قروءٍ وهو جمع قُرءٍ والمراد به الحيضُ بدليل قوله ﷺ دعي الصَّلاةَ أيامَ أقرائِك وقوله ﷺ طلاقُ الأمَةِ تطليقتانِ وعِدَّتُها حَيْضتان وقوله تعالى واللائى يَئِسْنَ مِنَ المحيض مِن نّسَائِكُمْ إِنِ ارتبتم فَعِدَّتُهُنَّ ثلاثة أَشْهُرٍ ولأن المقصودَ الأصليَّ من العدة استبراءُ الرحِم ومدارُه الحيضُ دون الطهر ويقال أقْرَأت المرأة إذا حاضت وقوله تعالى فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ معناه مستقبلاتٍ لعدتهن وهي الحِيَضُ الثلاثُ وإيرادُ جمع الكثرة في مقام جمع القِلة بطريق الاتساع فإن إيراد كلَ من الجمعين مكانَ الآخر شائع ذائع وقرئ ثلاثة قُرو بغير همز ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِى أَرْحَامِهِنَّ﴾ من الحَيْض والولد استعجالا في العدة وإبطالاً لحقِّ الرَّجْعة وفيه دليل على قبول قولهِن في ذلك نفياً وإثباتاً ﴿إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بالله واليوم الآخر﴾ جوابُ الشرط محذوفٌ يدل عليه ما قبله دَلالةً واضحة أي فلا يجترئن على ذلك فإنَّ قضيةَ الإيمانِ بالله تعالى واليومِ الآخِرِ الذي يقع فيه الجزاءُ والعقوبةُ منافيةٌ له قطعاً ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ البعولةُ جمعُ بعلٍ وهو في الأصل السيدُ المالك والتاءُ لتأنيث الجمع كما في الحزونة والسهولة أو مصدرٌ بتقدير مضافٍ أي أهلُ بعولتهن أي أزواجُهن الذين طلقوهن طلاقاً رَجْعياً كما ينبئ عنه التعبيرُ عنهم بالبعولة والضميرُ لبعض أفراد المطلقات ﴿أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ﴾ إلى مِلْكهم بالرَّجْعة إليهن ﴿فِي ذَلِكَ﴾ أي في زمانِ التربُّص وصيغة التفضيلِ لإفادة أن الرجلَ إذا أراد الرجعةَ والمرأة تأباها وحب إيثارُ قولِه على قولها لا أن لها أيضاً حقاً في الرجعة ﴿إِنْ أَرَادُواْ﴾ أي الأزواجُ بالرجعة ﴿إصلاحا﴾ لما بينهم وبينهن وإحساناً إليهن ولم يريدوا مضارَّتَهن وليس المرادُ به شرطيةَ قصْدِ الإصلاح بصحة الرجعة بل هو الحثُّ عليه والزجرُ عن قصد الضِّرار ﴿وَلَهُنَّ﴾ عليهم من الحقوق ﴿مِثْلُ الذى﴾ لهم ﴿عَلَيْهِنَّ بالمعروف﴾ من الحقوق التي يجب مراعاتُها ويتحتم المحافظةُ عليها ﴿وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ أي زيادةٌ في الحق لأن حقوقَهم في أنفسهن وحقوقَهن في المَهْر

стр. 459

٢٢٩ - البقرة والكَفاف وتركِ الضِّرار ونحوها أو مزيةٌ في الفضل لما أنهم قوامون عليهن حُرَّاسٌ لهن ولما في أيديهن يشاركونهن فيما هو الغرَض من الزواج ويستبدّون بفضيلة الرعاية والإنفاق ﴿والله عَزِيزٌ﴾ يقدِرُ على الانتقام ممن يخالفُ أحكامَه ﴿حَكِيمٌ﴾ تنطوي شرائعهُ على الحِكَم والمصالح

стр. 460

﴿الطلاق﴾ هو بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم والمراد به الرجعى لما أنه السابقَ الأقربُ حكمُه ولما روى لأنه ﷺ سُئل عن الثالثة فقال ﷺ أو تسريحٌ بإحسان وهو مبتدأ بتقدير مضافٍ خبرُه ما بعده أي عددُ الطلاق الذي يستحقُّ الزوجُ فيه الردَّ والرجعة حسبما بيّن آنفاً مَرَّتَانِ أي ثبان وإيثارُ ما ورد به النظمُ الكريم عليه للإيذان بأن حقَّهما أن يقعا مرة بعد مرة لادفعة واحدة وإن كان حكمُ الرد ثابتاً حينئذٍ أيضاً ﴿فإمساك﴾ أي فالحكمُ بعدهما إمساكٌ لهن بالرجعة ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ أي بحسن عِشرةٍ ولطفِ معاملة ﴿أَوْ تسريح بإحسان﴾ بالطلقة الثالة كما روى عنه ﷺ أو بعدم الرجعةِ إلى أن تنقضيَ العِدَّةُ فَتَبينُ وقيل المرادُ به الطلاقُ الشرعيُّ وبالمرتين مطلقُ التكرير لا التثنيةُ بعينها كما في قوله تعالى ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ أي كرة والمعنى أن التطليق الشرعيَّ تطليقةٌ بعد تطليقةٍ على التفريق دون الجمع بين الطلقتين أو الثلاثِ فإن ذلك بدعةٌ عندنا فقوله تعالى فَإِمْسَاكٌ الخ حُكمٌ مبتدأٌ وتخييرٌ مستأنف والفاء فيه للترتيب على التعليم كأنه قيل إذا علمتم كيفية التطليق فأمرُكم أحدُ الأمرين ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ﴾ منهن بمقابلة الطلاق ﴿مما آتيتموهن﴾ أي من الصدقات وتخصيصُها بالذكر وإن شاركها في الحكم سائرُ أموالِهن إما لرعاية العادة أو للتنبيه على أنه إذا لم يحِلَّ لهم أن يأخُذوا مما آتَوْهن بمقابلة البُضْع عند خروجه عن ملكهم فلأَنْ لا يحِلَّ أن يأخذوا مما لا تعلُّقَ له بالبُضع أولى وأحرى ﴿شَيْئاً﴾ أي نزْراً يسيراً فضلاً عن الكثير وتقديمُ الظرفِ عليه لما مر مرارا أو الخطاب مع الحكام وإسنادُ الأخذِ والإيتاءِ إليهم لأنهم الآمرون بهما عند المرافعة وقيل مع الأزواج وما بعده مع الحكام وذلك مما يشوش النظمَ الكريمَ على القراءة المشهورة ﴿إِلَاّ أَن يخافا﴾ أي الزوجان وقرئ يظنا وهو مؤيد لتفسير الخوف بالظن ﴿ألا يُقِيمَا حُدُودَ الله﴾ أي أن لايراعيا مواجب أحكام الزوجية وقرئ يخافا على البناء للفعول وإبدال أن بصلته من الضمير بدل الاشتمال وقرئ تخافا وتُقيما بتاء الخطاب ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ أيها الحكامُ ﴿ألا يقيما﴾ أي على الزوجين ﴿حُدُودَ الله﴾ بمشاهدة بعض الأماراتِ والمخايل ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ أي على الزوجين ﴿فِيمَا افتدت بِهِ﴾ لا على الزوج في أخذ ما افتدت به ولا عليهما في إعطائه إياه وروى أن جميلة بنتَ عبدِ الله بن أبي بن سلول كانت تبعض زوجَها ثابتَ بنَ قيس فأتت رسول الله ﷺ فقالت لا أنا ولا ثابت لا يجمع رأسي ورأسه شئ والله ما أعيبُ عليه في دين ولا خلُق ولكن أكره الكفرَ بعد الإسلام ما أُطيقه بغضاً إني رفعت جانبَ الخِباء فرأيتُه أقبلَ في عِدَّةٍ فإذا هو أشدُهم سواداً
следующие страницы →