Полный текст (8 642 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
﴿وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق﴾ وأجمعوا عليه
﴿فَإِنَّ الله سَمِيعٌ﴾ بما جرى منهم من الطلاق وما يتعلق به من الدمدمة والمقاولةِ التي لا تخلوا عنها الحالُ عادة
﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتهم وفيه من الوعيد على الإصرار وترك الفَيئة ما لا يخفى
стр. 457
٢٢٨ - البقرة
стр. 458
﴿والمطلقات﴾ أي ذواتُ الأقراءِ من الحرائر المدخولِ بهن لما قد بُين أن لا عدةَ على غير المدخولِ بها وأنَّ عدَّةَ من لا تحيضُ لصِغَرٍ أو كِبَرٍ أو حملٍ بالأشهر ووضعِ الحمل وأن عدة الأمة قرءان أو شهران
﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ خبرٌ في مَعْنى الأمرِ مفيدٌ للتأكيد بإشعاره بأن المأمور به مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى الإيتان به فكأنهن امتثلن بالأمر فتخبر به موجوداً متحققاً وبناؤه على المبتدأ مفيدٌ لزيادة تأكيد
﴿بِأَنفُسِهِنَّ﴾ الباء للتعدية أي يقمَعْنها ويحمِلْنها على مالا تشتهيه بل يشق عليها من التربص وفيه مزيدُ حثَ لهن على ذلك لما فيه من الإنباء عن الاتصاف بما يستنكفْن منه من كون نفوسِهن طوامِحَ إلى الرجال فيحملُهن ذلك على الإقدام على الإتيان بما أمرن به
﴿ثلاثة قُرُوء﴾ نُصب على الظرفية أو المفعولية بتقدير مضافٍ أي يتربصن مدةَ ثلاثةِ قروء أو يتربصن مُضِيَّ ثلاثةِ قروءٍ وهو جمع قُرءٍ والمراد به الحيضُ بدليل قوله ﷺ دعي الصَّلاةَ أيامَ أقرائِك وقوله ﷺ طلاقُ الأمَةِ تطليقتانِ وعِدَّتُها حَيْضتان وقوله تعالى واللائى يَئِسْنَ مِنَ المحيض مِن نّسَائِكُمْ إِنِ ارتبتم فَعِدَّتُهُنَّ ثلاثة أَشْهُرٍ ولأن المقصودَ الأصليَّ من العدة استبراءُ الرحِم ومدارُه الحيضُ دون الطهر ويقال أقْرَأت المرأة إذا حاضت وقوله تعالى فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ معناه مستقبلاتٍ لعدتهن وهي الحِيَضُ الثلاثُ وإيرادُ جمع الكثرة في مقام جمع القِلة بطريق الاتساع فإن إيراد كلَ من الجمعين مكانَ الآخر شائع ذائع وقرئ ثلاثة قُرو بغير همز
﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِى أَرْحَامِهِنَّ﴾ من الحَيْض والولد استعجالا في العدة وإبطالاً لحقِّ الرَّجْعة وفيه دليل على قبول قولهِن في ذلك نفياً وإثباتاً
﴿إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بالله واليوم الآخر﴾ جوابُ الشرط محذوفٌ يدل عليه ما قبله دَلالةً واضحة أي فلا يجترئن على ذلك فإنَّ قضيةَ الإيمانِ بالله تعالى واليومِ الآخِرِ الذي يقع فيه الجزاءُ والعقوبةُ منافيةٌ له قطعاً
﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ البعولةُ جمعُ بعلٍ وهو في الأصل السيدُ المالك والتاءُ لتأنيث الجمع كما في الحزونة والسهولة أو مصدرٌ بتقدير مضافٍ أي أهلُ بعولتهن أي أزواجُهن الذين طلقوهن طلاقاً رَجْعياً كما ينبئ عنه التعبيرُ عنهم بالبعولة والضميرُ لبعض أفراد المطلقات
﴿أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ﴾ إلى مِلْكهم بالرَّجْعة إليهن
﴿فِي ذَلِكَ﴾ أي في زمانِ التربُّص وصيغة التفضيلِ لإفادة أن الرجلَ إذا أراد الرجعةَ والمرأة تأباها وحب إيثارُ قولِه على قولها لا أن لها أيضاً حقاً في الرجعة
﴿إِنْ أَرَادُواْ﴾ أي الأزواجُ بالرجعة
﴿إصلاحا﴾ لما بينهم وبينهن وإحساناً إليهن ولم يريدوا مضارَّتَهن وليس المرادُ به شرطيةَ قصْدِ الإصلاح بصحة الرجعة بل هو الحثُّ عليه والزجرُ عن قصد الضِّرار
﴿وَلَهُنَّ﴾ عليهم من الحقوق
﴿مِثْلُ الذى﴾ لهم
﴿عَلَيْهِنَّ بالمعروف﴾ من الحقوق التي يجب مراعاتُها ويتحتم المحافظةُ عليها
﴿وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ أي زيادةٌ في الحق لأن حقوقَهم في أنفسهن وحقوقَهن في المَهْر
стр. 459
٢٢٩ - البقرة والكَفاف وتركِ الضِّرار ونحوها أو مزيةٌ في الفضل لما أنهم قوامون عليهن حُرَّاسٌ لهن ولما في أيديهن يشاركونهن فيما هو الغرَض من الزواج ويستبدّون بفضيلة الرعاية والإنفاق
﴿والله عَزِيزٌ﴾ يقدِرُ على الانتقام ممن يخالفُ أحكامَه
﴿حَكِيمٌ﴾ تنطوي شرائعهُ على الحِكَم والمصالح
стр. 460
﴿الطلاق﴾ هو بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم والمراد به الرجعى لما أنه السابقَ الأقربُ حكمُه ولما روى لأنه ﷺ سُئل عن الثالثة فقال ﷺ أو تسريحٌ بإحسان وهو مبتدأ بتقدير مضافٍ خبرُه ما بعده أي عددُ الطلاق الذي يستحقُّ الزوجُ فيه الردَّ والرجعة حسبما بيّن آنفاً
مَرَّتَانِ أي ثبان وإيثارُ ما ورد به النظمُ الكريم عليه للإيذان بأن حقَّهما أن يقعا مرة بعد مرة لادفعة واحدة وإن كان حكمُ الرد ثابتاً حينئذٍ أيضاً
﴿فإمساك﴾ أي فالحكمُ بعدهما إمساكٌ لهن بالرجعة
﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ أي بحسن عِشرةٍ ولطفِ معاملة
﴿أَوْ تسريح بإحسان﴾ بالطلقة الثالة كما روى عنه ﷺ أو بعدم الرجعةِ إلى أن تنقضيَ العِدَّةُ فَتَبينُ وقيل المرادُ به الطلاقُ الشرعيُّ وبالمرتين مطلقُ التكرير لا التثنيةُ بعينها كما في قوله تعالى ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ أي كرة والمعنى أن التطليق الشرعيَّ تطليقةٌ بعد تطليقةٍ على التفريق دون الجمع بين الطلقتين أو الثلاثِ فإن ذلك بدعةٌ عندنا فقوله تعالى فَإِمْسَاكٌ الخ حُكمٌ مبتدأٌ وتخييرٌ مستأنف والفاء فيه للترتيب على التعليم كأنه قيل إذا علمتم كيفية التطليق فأمرُكم أحدُ الأمرين
﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ﴾ منهن بمقابلة الطلاق
﴿مما آتيتموهن﴾ أي من الصدقات وتخصيصُها بالذكر وإن شاركها في الحكم سائرُ أموالِهن إما لرعاية العادة أو للتنبيه على أنه إذا لم يحِلَّ لهم أن يأخُذوا مما آتَوْهن بمقابلة البُضْع عند خروجه عن ملكهم فلأَنْ لا يحِلَّ أن يأخذوا مما لا تعلُّقَ له بالبُضع أولى وأحرى
﴿شَيْئاً﴾ أي نزْراً يسيراً فضلاً عن الكثير وتقديمُ الظرفِ عليه لما مر مرارا أو الخطاب مع الحكام وإسنادُ الأخذِ والإيتاءِ إليهم لأنهم الآمرون بهما عند المرافعة وقيل مع الأزواج وما بعده مع الحكام وذلك مما يشوش النظمَ الكريمَ على القراءة المشهورة
﴿إِلَاّ أَن يخافا﴾ أي الزوجان وقرئ يظنا وهو مؤيد لتفسير الخوف بالظن
﴿ألا يُقِيمَا حُدُودَ الله﴾ أي أن لايراعيا مواجب أحكام الزوجية وقرئ يخافا على البناء للفعول وإبدال أن بصلته من الضمير بدل الاشتمال وقرئ تخافا وتُقيما بتاء الخطاب
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ أيها الحكامُ
﴿ألا يقيما﴾ أي على الزوجين
﴿حُدُودَ الله﴾ بمشاهدة بعض الأماراتِ والمخايل
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ أي على الزوجين
﴿فِيمَا افتدت بِهِ﴾ لا على الزوج في أخذ ما افتدت به ولا عليهما في إعطائه إياه وروى أن جميلة بنتَ عبدِ الله بن أبي بن سلول كانت تبعض زوجَها ثابتَ بنَ قيس فأتت رسول الله ﷺ فقالت لا أنا ولا ثابت لا يجمع رأسي ورأسه شئ والله ما أعيبُ عليه في دين ولا خلُق ولكن أكره الكفرَ بعد الإسلام ما أُطيقه بغضاً إني رفعت جانبَ الخِباء فرأيتُه أقبلَ في عِدَّةٍ فإذا هو أشدُهم سواداً
стр. 461
٢٣٠ - ٢٣١ البقرة وأقصرُهم قامة وأقبحُهم وجهاً فنزلت فاختلعَتُ منه بحديقة كان أصْدقَها إياها
﴿تِلْكَ﴾ أي الأحكام المذكور ﴿حُدُودُ الله فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ بالمخالفة والرفض ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله فَأُوْلَئِكَ﴾ المتعدّون والجمعُ باعتبار معنى الموصول
﴿هُمُ الظالمون﴾ أي لأنفسهم بتعريضها لسخط الله تعالى وعقابه ووضعُ الاسمِ الجليل في المواقعِ الثلاثةِ الأخيرةِ موقعَ الضمير لتربية المهابةِ وإدخال الروعةِ وتعقيبُ النهي بالوعيد للمبالغة في التهديد
стр. 462
﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ أي بعد الطلقتين
﴿فَلَا تَحِلُّ﴾ هي
﴿لَهُ مِن بَعْدُ﴾ أي من بعد هذا الطلاقِ
﴿حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أي تتزوج غيره فإن النكاحَ أيضاً يُسند إلى كلَ منهما وتعلَّقَ بظاهره من اقتصر على العقد والجمهورُ على اشتراط الإصابة لما رُوي أن امرأة رُفاعةَ قالت لرسول الله ﷺ إن رُفاعةَ طلقني فبتَّ طلاقي وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوجني وإن ما معه مثلُ هُدْبة الثوب فقال ﷺ أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة قالت نعم قال ﷺ لا إلا أن تذوقي عُسَيْلَتَه ويذوقَ عُسَيْلَتَكِ وبمثله تجوز الزيادةُ على الكتاب وقيل النكاحُ بمعنى الوطء والعقدُ مستفاد من لفظ الزوج والحكمةُ من هذا التشريع الردعُ عن المسارعة إلى الطلاق والعودُ إلى المطلقة ثلاثاً والرغبة فيها والنكاحُ بشرط التحليل مكروهٌ عندنا ويُروى عدمُ الكراهة فيما لم يكن الشرطُ مصرَّحاً به وفاسدٌ عند الأكثرين لقوله ﷺ لعن الله المحلِّل والمحلَّل له
﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ أي الزوجُ الثاني ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ أي على الزوج الأول والمرأة
﴿أَن يَتَرَاجَعَا﴾ أن يرجِعَ كلٌّ منهما إلى الآخَر بالعقد
﴿إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله﴾ التي أوجب مراعاتِها على الزوجين من الحقوق ولا وجهَ لتفسير الظنِّ بالعلم لما أن العواقبَ غيرُ معلومةٍ ولأن أن الناصية للتوقع المنافي للعلم ولذلك لا يكاد يقال علمتُ أن يقومَ زيد
﴿وَتِلْكَ﴾ إشارةٌ إِلى الأحكامُ المذكورة إلى هنا
﴿حُدُودَ الله﴾ أي أحكامُه المعيّنة المحمية من التعرض لها بالتغير والمخالفة
﴿يُبَيّنُهَا﴾ بهذا البيان اللائق أو سيبينها فيما سيأتي بناءً على أن بعضَها يلحقُه زيادةُ كشفٍ وبيانٌ بالكتاب والسنةَ والجملة خبرٌ ثانٍ عند من يجوِّزُ كونَه جملةً كما في قوله تعالى فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تسعى أو حالٌ من حدود الله والعامل معنى الإشارة
﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي يفهمون وتخصيصُهم بالذِّكرِ مع عموم الدعوة والتبليغِ لما أنهم المنتفعون بالبيان أو لأن ما سيلحق بعضَ النصوص من البيان لا يقف عليه إلا الراسخون في العلم
стр. 463
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النساء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي آخِرَ عدَّتِهن فإن الأجل كما ينطلِقُ
стр. 464
على المدة ينطلق على منتهاها والبلوغُ هو الوصولُ إلى الشئ وقد يقال للدنو منه اتساعا وهو المراد ههنا لقوله
﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرّحُوهُنَّ بمعروف﴾ إذ لا مكان للإمساك بعد تحققِ بلوغِ الأجلِ أي فراجعوهن بغير ضِرارٍ أو خلُّوهن حتى ينقضِيَ أجلُهن بإحسان من غير تطويل وهذا كما ترى إعادةٌ للحكم في بعض صورِه اعتناءً بشأنه ومبالغةً في إيجاب المحافظةِ عليه
﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ تأكيدٌ للأمر بالإمساك بمعروف وتوضيح لمعناه وزجر صريحٌ عما كانوا يتعاطَوْنه أي لا تراجعوهن إرادة الإضرار بهن كان المطلق يترُكَ المعتدةَ حتى إذا شارفت انقضاءَ الأجلِ يراجعها لا لرغبة فيها بل ليطوِّل عليها العدةَ فنُهي عنه بعد ما أُمر بضده لما ذكر وضِراراً نُصب على العِلّية أو الحالية أي لا تمسكوهن للمضارة أو مضارّين واللام في قوله
﴿لّتَعْتَدُواْ﴾ متعلقة بضراراً أي لتظلموهن لالإلجاء إلى الافتداء
﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلك﴾ أي ما ذكر من الإمساك المؤدّي إلى الظلم وما فيه من معنى البُعد للدِلالة على بُعد منزلتِه في الشرِّ والفساد
﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ في ضمن ظلمِه لهن بتعريضها للعقاب
﴿وَلَا تَتَّخِذُواْ آيات الله﴾ المنطويةَ على الأحكام المذكورة أو جميعَ آياتهِ وهي داخلةٌ فيها دخولاً أولياً
﴿هُزُواً﴾ أي مَهُزوًّا بها بأن تُعرِضوا عنها وتتهاونوا في المحافظة على ما في تضاعيفها من الأحكام والحدود من قولهم لمنْ لَمْ يجِدَّ فِي الأمر أنت هازئ كأنه نُهي عن الهُزْؤ بها وأريد ما يستلزمه من الأمر بضده أي جِدُّوا في الأخذ بها والعملِ بما فيها وارعَوْها حقَّ رعايتها وإلا فقد أخذتموها هُزُؤاً ولعباً ويجوزُ أن يرادَ بهِ النهيُ عن الإمساك ضراراً فإن الرجعةَ بلا رغبة فيها عملٌ بموجب آياتِ اللَّهِ تعالى بحسب الظاهر دون الحقيقة وهو معنى الهزء وقيل كان الرجل ينكِحُ ويطلِّقُ ويُعتِقُ ثم يقول إنما كنت ألعَبُ فنزلت ولذلك قال ﷺ ثلاثٌ جِدُّهن جدٌ وهزلُهن جدٌّ النكاحُ والطلاقُ والعِتاق
﴿واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ﴾ حيث هداكم إلى ما فيه سعادتُكم الدينية والدنيوية أي قابلوها بالشكر والقيام بحقوقها والظرفُ متعلقٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من نعمة الله أي كائنةً عليكم أو صفةٌ لها على رأي من يجوِّز حذفَ الموصول مع بعض صلته أي الكائنة عليكم ويجوز أن يتعلق بنفسها إن أريد بها الإنعام لأنها اسم مصدر كنبات من أنبت ولا يقدح في عمله تاء التأنبث لأنه مبنيٌّ عليها كما في قولِه
فلولا رجاءُ النصر منك ورهبة ... عقابك قد كانوا لنا كالموارد
وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم عطفٌ على نعمة الله وما موصولةً حُذف عائدُها من الصلة ومن في قولِه
﴿مّنَ الكتاب والحكمة﴾ بيانية أي من القرآن والسنة أو القرآن الجامع للعنوانين على أن العطف لتغايُر الوصفين كما في قولِه
إلى الملكِ القَرْم وابن الهُمام
وفي إبهامه أولاً ثم بيانه من التفخيم مالا يخفى وفي إفراده بالذكر مع كونه أولَ ما دخل في النعمة المأمورِ بذكرها إبانةٌ بخطره ومبالغةٌ في البعث على مرعاة ما ذكر قبله من الأحكام
﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ أي بما أنزل حال من فاعل أنزل أو مفعوله أو منهما معاً
﴿واتقوا الله﴾ في شأن المحافظة عليه والقيام بحقوقه الواجبة
﴿واعلموا أَنَّ الله بِكُلّ شَىْء عليم﴾ فلا يخفى عليه شئ مما تأتون وما تذرون فيؤاخذكم بأفانين العقاب
стр. 465
٢٣٢ - البقرة
стр. 466
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النساء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ بيانٌ لحكم ما كانوا يفعلونه عند بلوغِ الأجل حقيقةً بعد بيانِ حُكمِ ما كانوا يفعلونه عند المشارفة إليه والعضْلُ الحبسُ والتضييقُ ومنه عضَلت الدجاجةُ إذا نشِبَ بيضُها ولم يخرج والمراد المنعُ والخطاب إما للأولياء لما رُوي أنَّها نزلتْ في معقِل بنِ يسارَ حين عضل أخته جملا أن ترجِع إلى زوجها الأول بالنكاح وقيل نزلت في جابرِ بن عبدِ اللَّه حين عضَل ابنةَ عمَ له وإسنادُ التطليق إليهم لتسبُّبهم فيه كما ينبى عنه تصدّيهم للعضل ولعل التعرضَ لبلوغ الأجل مع جواز التزوج بالزوج الأول قبله أيضاً لوقوع العضلِ المذكور حينئذ وليس فيه دلالةٌ على أن ليس للمرأة أن تزوِّج نفسَها وإلا لما احتيج إلى نهي الأولياء عن العضل لما أن النهيَ لدفع الضرر عنهن فإنهن وإن قدَرْن على تزويج أنفسِهن لكنهن يحترزن عن ذلك مخافة اللوم والقطيعة وإما للأزواج حيث كانوا يعضُلون مطلقاتِهم ولا يدَعونهن يتزوجْن ظُلما وقسراً لحمية الجاهلية وإما للناس كافة فإن إسناد ما فعله واحد منهم إلى الجميع شائعٌ مستفيضٌ والمعنى إذا وجد فيكم طلاق فلا يقعْ فيما بينكم عضلٌ سواء كان ذلك من قبل الأولياء أو من جهة الأزواج أو من غيرهم وفيه تهويلٌ لأمر العضل وتحذيرٌ منه وإيذانٌ بأن وقوع ذلك بين ظهرانهم وهم ساكتون عنه بمنزلة صدوره عن الكل في استتباع اللأئمة وسرابة الغائلة
﴿أَن يَنكِحْنَ﴾ أي مِنْ أن ينكِحن فمحلُه النصبُ عند سيبويهِ والفرَّاءِ والجرُّ عند الخليل على الخلاف المشهور وقيل هو بدلُ اشتمالٍ من الضميرِ المنصوبِ في تعضُلوهن وفيه دَلالةٌ على صحة النكاح بعبارتهن
﴿أزواجهن﴾ إن أريد بهم المطلقون فالزوجية إما باعتبار ماكان وإما باعتبار ما يكون والا فبالا عتبار الأخير
﴿إِذَا تراضوا﴾ ظرفٌ لِلا تعضُلوا وصيغةُ التذكير باعتبار تغليبِ الخطاب على النساء والتقييدُ به لأنه المعتاد لا لتجويز المنع قبل تمام التراضي وقيل ظرفٌ لأن ينكحن وقوله تعالى
﴿بَيْنَهُمْ﴾ ظرفٌ للتراضي مفيدٌ لرسوخه واستحكامه
﴿بالمعروف﴾ الجميلِ عند الشرع المستحسنِ عند الناس والباءُ إما متعلقةٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من فاعل تراضوا أو نعتاً لمصدر محذوفٍ أي تراضِياً كائناً بالمعروف وإما بتراضَوا أي يتراضوا بما يحسُن في الدين والمروءة وفيه إشعارٌ بأن المنعَ من التزوج بغير كفؤ أو بما دون مَهرِ المثل ليس من باب العضْل
﴿ذلك﴾ إشارةٌ إلى ما فصل منَ الأحكامِ وما فيهِ من معنى البُعد لتعظيم المشار إليه والخطابُ لجميع المكلفين كما فيما بعده والتوحيدُ إما باعتبارِ كلِّ واحدٍ منهم وإما بتأويل القَبيل والفريق وإما لأن الكافَ لمجرد الخطابِ والفرقِ بين الحاضِرِ والمنقضي دون تعيين المخاطبين أو للرسول ﷺ كما في قوله تعالى يأيُّهَا النبى إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء للدلالة على أن حقيقةَ المشارِ إليه أمرٌ لا يكاد يعرِفه كلُّ أحد
﴿يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر﴾ فيسارع إلى الامتثال بأوامر ونواهيه إجلالاً له وخوفاً من عقابه وقوله تعالى
стр. 467
٢٣٣ - البقرة مّنكُمْ إما متعلق بكان عند من يجوز عملها في الظروف وشبهها وإما بمحذوفٍ وقعَ حالاً من فاعل يؤمن أي كائناً منكم
﴿ذلكم﴾ أي الاتعاظُ به والعملُ بمقتضاه
﴿أزكى لَكُمْ﴾ أي أنمى وأنفعُ
﴿وَأَطْهَرُ﴾ من أدناس الآثام وأوضارِ الذنوب
﴿والله يَعْلَمُ﴾ ما فيه من الزكاة والطُهر
﴿وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذلك أو والله يعلمُ ما فيه صلاحُ أمورِكم من الأحكام والشرائعَ التي من جملتها ما بينه ههنا وأنتم لا تعلمونها فدعُوا رأيكم وامتثِلوا أمرَه تعالى ونهيَه في كل ما تأتون وما تذرون
стр. 468
﴿والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن﴾ شروعٌ في بيان الأحكام المتعلقة بأولادهن خصوصاً واشتراكاً وهو أمرٌ أُخرِجَ مُخرجَ الخبر مبالغة في الحمل على تحقيق مضمونِه ومعناه الندبُ أو الوجوبُ إن خص بمادة عدم قَبول الصبيِّ ثديَ الغير أو فقدانِ الظِئْر أو عجزِ الوالدِ عن الاستئجار والتعبيرُ عنهن بالعنوان المذكور لِهزّ عَطفِهن نحوَ أولادِهن والحكمُ عام للمطلقات وغيرهن وقيل خاصٌّ بهن إذ الكلامُ فيهن
﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ التأكيدُ بصفة الكمال لبيان أن التقديرَ تحقيقيٌّ لا تقريبيٌّ مبني على المسامحة المعتادة
﴿لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة﴾ بيانٌ لمن يُتوجّه إليه الحكمُ أي ذلك لمن أراد إتمامَ الرضاعة وفيه دلالةٌ على جواز النقص وقيل اللام متعلقة بيرضعن فإن الأبَ يجبُ عليه الإرضاعُ كالنفقة والأمُ ترضع له كما يقال أرضعت فلانةٌ لفلان ولدَه
﴿وَعلَى المولود لَهُ﴾ أي الوالد فإن الولد يولد له ويُنسَب إليه وتغييرُ العبارة للإشارة إلى المعنى المقتضي لوجوب الإرضاع ومؤنة المرضعة عليه
﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ أجرةٌ لهن واختلف في استئجار الأمِّ وهو غيرُ جائز عندنا ما دامت في النكاح أو العدة جائز عند الشافعيِّ ﵀
﴿بالمعروف﴾ حسبما يراه الحاكم ويفي به وسعَه
﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَاّ وُسْعَهَا﴾ تعليل لإيجاب المُؤَن بالمعروف أو تفسيرٌ للمعروف وهو نص على أنَّه تعالى لا يكلف العبد مالا يُطيقُه وذلك لا ينافي إمكانه
﴿لَا تُضَارَّ والدة بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾ تفصيلٌ لما قبلَه وتقريرٌ لهُ أي لا يكلِّف كلُّ واحد منهما الآخر مالا يُطيقه ولا يُضارُّه بسبب ولده وقرئ لا تضارُّ بالرفع بدلاً من لاتكلف وأصله على القراءتين لا تضارر بالكسر على البناء للفاعل وبالفتح على البناء للمفعول وعلى الوجه الأول يجوز أن يكون بمعنى تضرّ والباء من صلته أي لا يُضَر الوالدان بالولد فيُفَرَّط في تعهده ويُقصَّر فيما ينبغي له وقرئ لا تضارّ بالسكون مع التشديد على نية الوقف وبه مع التخفيف على أنه من ضاره يَضيرُه وإضافة الولد إلى كل منهما لاستعطافهما إليه وللتنبيه على أنه جدير بأن يتفقا على استصلاحه ولا ينبغي أن يضرابه أو يُتضارّا بسببه
﴿وَعَلَى الوارث مِثْلُ ذلك﴾
стр. 469
عطف على قوله تعالى وعلى المولود لَهُ رِزْقُهُنَّ الخ وما بينهما تعليل أو تفسيرٌ معترِضٌ والمرادُ به وارثُ الصبيِّ ممن كان ذا رحِمٍ محرَمٍ منه وقيل عَصَباتُه وقال الشافعي ﵀ هو وارثُ الأب وهو الصبيُّ أي تُمأنُ المرضعةُ من ماله عند موت الأب ولا نزاعَ فيه وإنما الكلام فيما إذا لم يكن للصبيِّ مالٌ وقيل الباقي من الأبوين من قولُه ﵊ واجعله الوارثَ منا وَذَلِكَ إشارةٌ إلى ما وجب على الأب من الرزق والكسوةِ
﴿فَإِنْ أَرَادَا﴾ أي الوالدان
﴿فِصَالاً﴾ أي فِطاماً عن الرَّضاع قبل تمام الحولين والتنكيرُ للإيذان بأنه فصال غيرُ معتاد
﴿عَن تَرَاضٍ﴾ متعلقٌ بمحذوف ينساق إليه الذهنُ أي صادراً عن تراض
﴿مِنْهُمَا﴾ أي من الوالدين لا من أحدهما فقط لاحتمال إقدامه على ما يضُرُّ بالولد بأن تمَلَّ المرأةُ الإرضاعِ ويبخَلَ الأبُ بإعطاء الأجرة
﴿وَتَشَاوُرٍ﴾ في شأن الولد وتفحُّصٍ عن أحواله وإجماعٍ منهما على استحقاقه للفِطام والتشاور من المَشورة وهي استخراجُ الرأي من شُرتُ العسلَ إذا استخرجته وتنكيرُهما للتفخيم
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ في ذلك لما أن تراضِيَهما إنما يكون بعد استقرار رأيِهما أو اجتهادِهما على أن صلاحَ الولدِ في الفِطام وقلما يتفقان على الخطأ
﴿وَإِنْ أَرَدْتُّمُ﴾ بيان لحكم عدم اتفاقِهما على الفطام والالتفاتُ إلى خطاب الآباء لهزهم إلى الامتثال بما أُمروا به
﴿أَن تَسْتَرْضِعُواْ أولادكم﴾ بحذف المفعول الأول استغناءً عنه أي أن تسترضعوا المراضِعَ لأولادكم يقال أرضعتِ المرأةُ الصبيَّ واسترضعتُها إياه وقيل إنما يتعدَّى إلى الثاني بحرف الجرِّ يقال استرضعتُ المرأةَ للصبيِّ أي أن تسترضعوا المراضِعَ لأولادكم فحُذف حرفُ الجر أيضاً كَما في قولِه تعالى وَإِذَا كَالُوهُمْ أي كالوا لهم
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أي في الاسترضاع وفيه دلالة على أن للأب أن يسترضِعَ للولد ويمنعَ الأمَّ من الإرضاع
﴿إِذَا سَلَّمْتُم﴾ أي إلى المراضع
﴿ما آتيتم﴾ أي ما أردتم إيتاءَه كما في قوله تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله وقرئ ما أَتيتم من أتى إليه إحساناً إذا فعله وقرئ ما أُوتيتم أي من جهةِ الله كما في قولِه تعالى وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ وفيه مزيدُ بعثٍ لهم إلى التسليم
﴿بالمعروف﴾ متعلقٌ بسلَّمتم أي بالوجه المتعارَفِ المستحسَن شرعاً وجوابُ الشرط محذوف لدلالة المذكور عليه وليس التسليمُ بشرطٍ للصحة والجواز بل هو ندب الى ماهو الأليقُ والأَولى فإن المراضعَ إذا أُعطين ما قُدّر لهن ناجزاً يداً بيد كان ذلك أدخلَ في استصلاح شئون الأطفال
﴿واتقوا الله﴾ في شأن مراعاةِ الأحكامِ المذكورة
﴿واعلموا أَنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيجازيكُم بذلك واظهار الاسم في موضع الإضمار لتربية المهابة وفيه من الوعيد والتهديد مالا يخفى
стр. 470
﴿والذين﴾ على حذفِ المضافِ أي وأزواجُ الذين
﴿يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ أي تُقبض أرواحُهم بالموت فإن التوفيَ هو القبضُ يقال توفّيتُ مالي من فلان واستوفيتُه منه أي أخذته وقبضته والخطاب لكافة الناس بطريق التلوينِ
﴿وَيَذَرُونَ أزواجا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ أو على حذف العائدِ إلى المبتدأ في الخبر
стр. 471
٢٣٥ - البقرة أي يتربصن بعدَهم كَما في قولِهم السمنُ مَنَوانِ بدرهم أي مَنَوانِ منه وقرئ يَتَوفون بفتح الياء أي يستوفون آجالهم وتأنيث العشر باعتبار الليالي لأنها غُررُ الشهور والأيام ولذلك تراهم لا يكادون يستعملون التذكير في مثله أصلاً حتى إنهم يقولون صُمت عشراً ومن البين في ذلك قولُه تعالى إِن لَّبِثْتُمْ إِلَاّ عَشْراً ثم ان لبثتم الايوما ولعل الحكمةَ في هذا التقديرِ أن الجنينَ إذا كان ذكراً يتحرك غالباً لثلاثة أشهر وإن كان أنثى يتحرك لأربعة فاعتُبر أقصى الأجلين وزيد عليه العشر استظهاراً إذ ربما تضعف الحركة فلا يُحس بها وعمومُ اللفظ يقتضي تساوي المسلمة والكتابية والحرة والأمة في هذا الحكم ولكن القياسَ اقتضى التنصيفَ في الامة وقوله وأولات الاحمال خَصَّ الحاملَ منه وعن علي وابنِ عبَّاسٍ ﵃ أنها تعتدُّ بأبعد الأجلين احتياطاً
﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي انقضت عدتُهن
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أيها الحكامُ والمسلمون جميعاً
﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ﴾ من التزيُّن والتعرُّض للخُطّاب وسائرِ ما حُرِّم على المعتدة
﴿بالمعروف﴾ بالوجه الذي لا ينكره الشرعُ وفيه إشارةٌ إلى أنهن لو فعلن ما ينكره الشرعُ فعليهم أن يكفّوهن عن ذلك وإلا فعليهم الجُناحُ
﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ فلا تعملوا خلافَ ما أُمرتم به
стр. 472
﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ خطابٌ للكل
﴿فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ﴾ التعريضُ والتلويحُ إبهامُ المقصودِ بما لم يوضَعْ له حقيقةً ولا مجازاً كقول السائل جئتُك لأُسلِّم عليك وأصلُه إمالةُ الكلام عن نهجه إلى عُرُضٍ منه أي جانب والكناية هي الدِلالةُ على الشيء بذكر لوازمِه وروادِفه كقولك طويلُ النِّجاد للطويل وكثيرُ الرماد للمِضْياف
﴿مِنْ خِطْبَةِ النساء﴾ الخِطبة بالكسر كالقِعدة والجِلسة ما يفعلُه الخاطبُ من الطلب والاستلطاف بالقول والفعل فقيل هي مأخوذةٌ من الخَطْب أي الشأن الذي له خطرٌ لما أنها شأن من الشئون ونوع من الخُطوب وقيل من الخطاب لأنها نوعُ مخاطبة تجري بين جانب الرجل وجانب المرأة والمرادُ بالنساء المعتداتُ للوفاة والتعريضُ لخطبتهن أن يقول لها إنك لجميلةٌ أو صالحةٌ أو نافعة ومن غرضي أن أتزوَّجَ ونحوُ ذلك مما يوهم أنه يريد نِكاحَها حتى تحبِسَ نفسَها عليه إن رغبت فيه ولا يصرح بالنكاح
﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ فِى أَنفُسِكُمْ﴾ أي أضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه تصريحاً ولا تعريضاً
﴿عَلِمَ الله أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ ولا تصبِرون على السكوت عنهن وعن إظهار الرغبة فيهن وفيه نوعُ توبيخٍ لهم على قلة التثبت
﴿ولكن لَاّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّا﴾ استدراك عن محذوفٌ دل عليه سَتَذْكُرُونَهُنَّ أي فاذكُروهن ولكن لا تواعدوهن نِكاحاً بل اكتفوا بما رُخّص لكم من التعريض والتعبيرُ عن النكاح بالسر لأن مُسبَّبَه الذي هو الوطء مما يُسرّ به وإيثارُه على اسمه للإيذان بأنه مما ينبغي أن يُسرّ به ويكتَم وحملُه على الوطء ربما يُوهم الرُّخصة في المحظور الذي هو التصريحُ بالنكاح وقيل انتصابُ سراً على الظرفية أي لا تواعدوهن في السر على أَنَّ المرادَ بذلكَ
стр. 473
٢٣٦ - البقرة المواعدةُ بما يُستهجن وفيه ما فيه
﴿إِلَاّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا﴾ استثناءٌ مفرَّغ مما يدل عليه النهي أي لا تواعدهن مواعدةً ما إلا مواعدةً معروفة غيرَ منْكرةٍ شرعاً وهي ما يكون بطريق التعريض والتلويح أو إلا مواعدةً بقول معروف أو لا تواعدوهن بشيءٍ من الأشياءِ إلا بأن تقولوا قولاً معروفاً وقيل هو استثناءٌ منقطعٌ من سراً وهو ضعيف لأدائه إلى جعل التعريض موعوداً وليس كذلك
﴿وَلَا تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النكاح﴾ من عزم الأمرَ إذا قصده قصداً جازماً وحقيقتُه القطع بدليل قوله ﷺ لا صيامَ لمن لم يعزِمِ الصيامَ من الليل وروي لمن لم يبيّت الصيام والنهي عنه للمبالغةِ في النَّهيِ عن مباشرة عقدِ النكاح أي لا تعزموا عقد عُقدة النكاح
﴿حتى يَبْلُغَ الكتاب أجله﴾ أي العدةُ المكتوبة المفروضةُ آخِرَها وقيل معناه لا تقطعوا عقدة النكاحِ أي لا تُبرِموها ولا تلزَموها ولا تَقَدَّموا عليها فيكونُ نهياً عن نفس الفعل لا عن قصده
﴿واعلموا أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُمْ﴾ من ذواتِ الصُدور التي من جملتها العزمُ على ما نُهيتم عنه
﴿فاحذروه﴾ بالاجتناب عن العزم ابتداءً أو إقلاعاً عنه بعد تحققِه
﴿واعلموا أَنَّ الله غَفُورٌ﴾ يغفِرُ لمن يُقلعُ عن عزمه خشيةً منه تعالى
﴿حَلِيمٌ﴾ لا يعاجلُكم بالعقوبة فلا تستدلوا بتأخيرها على أن ما نُهيتم عنه من العزم ليس مما يستتبعُ المؤاخذةَ وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موضع الإضمار لإدخال الروعة
стр. 474
﴿لَاّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أي لا تِبعةَ من مهرٍ وهو الأظهرُ وقيل من وِزْر إذ لا بدعةَ في الطلاق قبل المسيس وقيل كان النبيِّ ﷺ يكثر النهيَ عن الطلاق فظُن أن فيه جُناحاً فنُفيَ ذلك
﴿إِن طَلَّقْتُمُ النساء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أي مالم تجامعوهن وقرئ تُماسُّوهن بضم التاء في جميع المواقع أي مدة عدمِ مِساسِكم إياهن عَلى أنَّ مَا مصدريةٌ ظرفية بتقدير المضاف ونقل أبو البقاءِ أنها شرطية بمعنى إن فيكون من باب اعتراض الشرط على الشرط فيكون الثاني قيداً للأول كما في قولك إن تأتِني إن تُحسِنْ إلي أكرمْك أي إن تأتني محسِناً إليَّ والمعنى إن طلقتموهن غير ما سين لهن وهذا المعنى أقعَدُ من الأول لما أن ما الظرفية إنما يحسُن موقعُها فيما إذا كان المظروفُ أمراً ممتداً منطبقاً على ما أضيف إليها من المدة أو الزمان كما في قوله تعالى خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السموات والارض وقوله تعالى وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ولا يخفى أن التطليقَ ليس كذلك وتعليقُ الظرف بنفي الجُناحِ ربما يوهم إمكانَ المسيسِ بعد الطلاق فالوجهُ أن يقدَّرَ الحالُ مكان الزمان والمدة
﴿أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أي إلا أن تفرضوا لهن أو حتى تفرضوا لهن عند العقد مَهراً على أن فريضة فعلية بمعنى مفعول والتاءُ لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية وانتصابُه على المفعولية ويجوزُ أنْ يكونَ مصدراً صيغةً وإعراباً والمعنى أنه لا تِبعَةَ على المطلِّق بمطالبة المَهر أصلاً إذا كان الطلاقُ قبل المسيس على كل حالٍ إلا في حال تسمية المهرِ فإن عليه حينئذٍ نصفَ المسمَّى وفي حال عدمِ تسميتِه عليه المتعة لانصف مَهرِ المثل وأما إذا كان بعد المساس فعليه في صورة التسمية تمامُ المسمَّى وفي صورة عدمها تمامُ مَهر المثل وقيل كلمةُ أو عاطفةٌ لمدخولها على
стр. 475
٢٣٧ - البقرة ما قبلها من الفعل المجزومِ على معنى ما لم يكن منكم مسيسٌ ولا فرضُ مَهرٍ
﴿وَمَتّعُوهُنَّ﴾ عطفٌ على مقدَّرٍ ينسحبُ عليه الكلام أي فطلِّقوهن ومتِّعوهن والحكمةُ في إيجاب المتعة جبرُ إيحاش الطلاقِ وهي دِرعٌ ومِلْحفة وخِمار على حسب الحال كما يفصحُ عنه قولُه تعالى
﴿عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدْرُهُ﴾ أي ما يليق بحال كلَ منهما وقرئ بسكون الدال وهي جملةٌ مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب مبينةٌ لمقدار المتعة بالنظر إلى حال المطلِّق إيساراً وإقتاراً أو حالٌ من فاعل متِّعوهن بحذف الرابط أي على الموسع منكم الخ أو على جعل الألف واللام عوضاً من المضاف إليه عند من يجوّزه أي على موسعكم الخ وهذا إذَا لم يكُن مهرُ مثلها أقا من ذلك فإن كان أقل فلها الأقلُ من نصف مهر المثل ومن المتعة ولا يُنقص عن خمسةِ دراهم
﴿متاعا﴾ أي تمتيعاً
﴿بالمعروف﴾ أي بالوجه الذي تستحسنه الشريعةُ والمروءة
﴿حَقّاً﴾ صفةٌ لمتاعاً أو مصدرٌ مؤكدٌ أي حق ذلك حقا
﴿عَلَى المحسنين﴾ أي الذين يُحسنون إلى أنفسهم بالمسارعة إلى الامتثال أو إلى المطلقات بالتمتيع بالمعروف وإنما سموا محسنين اعتبارا للمشاركة وترغيباً وتحريضاً
стр. 476
﴿وإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ﴾ قبل ذلك
﴿فَرِيضَةً﴾ أي وإن طلقتموهن من قبل المسيسِ حال كونِكم مُسمِّين لهن فيما سبق أي عند النكاحِ مَهراً على أنَّ الجملةَ حالٌ من فاعل طلقتُموهن ويجوزُ أن تكون حالاً من مفعوله لتحقيق الرابطِ بالنسبة إليهما ونفس الفرض من المبني للفاعل أو للمفعول وإن لم يقارِنْ حالةَ التطليق لكن اتصاف المطلقِ بالفارضية فيما سبق مما لا ريب في مقارنته لها وكذا الحال في اتصاف المطلقة بكونها مفروضاً لها فيما سبق
﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ أي فلهن نصف ماسميتم لهن من المهر أو فالواجبُ عليكم ذلك وهذا صريحٌ في أنَّ المنفي في الصورة السابقة إنما هو تبعة المهر وقرئ بالنصب أي فأدوا نصفَ ما فرَضتم ولعل تأخيرَ حكمِ التسمية مع أنها الأصلُ في العقد والأكثرُ في الوقوع لما أن الآية الكريمة نزلت في أنصاريَ تزوج امرأةً من بني حنيفةَ وكانت مفوضةً فطلقها قبل الدخول بها فتخاصما إلى رسول الله ﷺ فقال له ﷺ عند إظهار أن لا شئ له متِّعْها بقَلَنْسُوتك
﴿إَّلا أَن يَعْفُونَ﴾ استثناءٌ مفرغٌ من أعم الأحوال أي فلهن نصفُ المفروض معيناً في كل حالٍ إلا حالَ عفوِهن فإنه يسقُط ذلك حينئذ بعد وجوبه وظاهرُ الصيغة في نفسها يحتمل التذكيرَ والتأنيث وإنما الفرقُ في الاعتبار والتحقيق فإن الواوَ في الأولى ضميرٌ والنون علامة الرفع وفي الثانية لامُ الفعل والنون ضمير والفعل مبنيّ لذلك لم يؤثر فيه أن تأثيرُه فيما عُطِفَ على محله من قوله تعالى
﴿أَوَ يعفو﴾ بالنصب وقرئ بسكون الواو
﴿الذى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح﴾ أي يتركُ الزوجُ المالك لعقده وحَلّه ما يعود إليه من نصفِ المَهر الذي ساقه إليها كاملاً على ما هو المعتادُ تكرماً فإن ترك حقه عليها عفو بلا شُبهة أو سمي ذلك عفواً في صورة عدم السوق
стр. 477
٢٣٨ - البقرة مشاكلةً أو تغليباً لحال السَوْق على حال عدمِه فمرجِعُ الاستثناء حينئذ إلى منع الزيادةِ في المستثنى منه كما أنه في الصورة الأولى إلى منع النقصانِ فيه أي فلهن هذا القدر زيادة ولا نقصان في جميعِ الأحوال إلَاّ في حال عفوهن فإنه حينئذ لا يكون لهن القدرُ المذكور بل ينتفي ذلك أو ينحطّ أو في حال عفو الزوج فإنه حينئذ يكون لهن الزيادة على ذلك القدر هذا على التفسير الأول وأما على التفسير الثاني فلا بد من المصير إلى جعل الاستثناء منقطعاً لأن في صورة عفوِ الزوجِ لا يُتصور الوجوبُ عليه هذا عندنا وفي القول القديم للشافعي ﵀ أن المراد عفوُ الولي الذي بيده عقدةُ نكاحِ الصغيرة وهو ظاهرُ المأخذ خلا أن الأولى أنسبُ بقوله تعالى
﴿وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى﴾ إلى آخره فإن إسقاط حقِّ الصغير ليس في شئ من التقوى وعن جُبير بن مُطعِم أنه تزوج امرأةً وطلقها قبل الدخول وأكمل لها الصَّداقَ وقال أنا أحق بالعفو وقرئ بالياء
﴿وَلَا تَنسَوُاْ الفضل بَيْنَكُمْ﴾ أي لا تتركوا أن يتفضل بعضُكم على بعض كالشئ المنسى وقرئ بكسر الواو والخطاب في الفعلين للرجال والنساء جميعاً بطريق التغليب
﴿إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فلا يكاد يُضيع ما عمِلتم من التفضل والإحسان
стр. 478
﴿حافظوا عَلَى الصلوات﴾ أي داوموا على أدائها لأوقاتها من غير إخلالٍ بشيء منها كما تنبئ عنه صيغةُ المفاعلة المفيدة للمبالغة ولعل الأمرَ بها في تضاعيف بيان أحكامِ الأزواج والأولاد قبل الإتمام للإيذان بأنها حقيقةٌ بكمال الاعتناءِ بشأنها والمثابرة عليها من غير اشتغال عنها بشأنهم بل بشأن أنفسهم أيضاً كما يفصحُ عنهُ الأمر بها في حالة الخوف ولذلك أمر بها في خلال بيان ما يتعلق بهم من الأحكام الشرعية المتشابكةِ الآخذِ بعضها بحجزة بعض
﴿والصلاة الوسطى﴾ أي المتوسطة بينها أو الفُضلى منها وهي صلاةُ العصر لقوله ﷺ يوم الأحزاب شغَلونا عن الصلاة الوسطى صلاةِ العصر ملأ الله تعالى بيوتَهم نارا وقال ﷺ إنها الصلاةُ التي شُغل عنها سليمانُ بنُ داود عليهما الصلاة والسلام وفضلُها لكثرة اشتغال الناسِ في وقتها بتجاراتهم ومكاسبهم واجتماعِ ملائكةُ الليل وملائكةُ النهار حينئذ وقيل هي صلاةُ الظهر لأنها في وسط النهار وكانت أشقَّ الصلواتِ عليهم لما أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يصليها بالهاجرة فكانت افضلها لقوله ﷺ أفضلُ العبادات أحمزُها وقيل هي صلاة الفجر لأنها بين صلاتي الليل والنهار والواقعةُ في الحد المشترك بينهما ولأنها مشهودةٌ كصلاة العصر وقيل هي صلاةُ المغرب لأنها متوسطة من حيث العددُ ومن حيث الوقوعُ بين صلاتي النهار والليل ووتر النهار ولا تُنقص في السفر وقيل هي صلاة العِشاء لأنها بين الجهريتين الواقعتين في طرفي الليل وعن عائشة وابنُ عبَّاسٍ ﵃ أنَّهُ ﷺ كان يقرأ والصلاة الوسطى وصلاة العصر فتكون حينئذ إحدى الأربعِ قد خُصت بالذكر مع العصر لانفرادها بالفضل وقرئ وعلى الصلاة الوسطى وقرئ بالنصب على المدح وقرئ الوسطى
﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ﴾ أي في الصلاة
﴿قانتين﴾ ذاكرين له تعالى في القيام لأن القنوتَ هو الذكر فيه وقيل هو إكمالُ الطاعة وإتمامُها بغير إخلال بشيء من أركانها وقيل خاشعين وقال ابن المسيِّب المراد به القنوتُ في الصبح
стр. 479
٢٣٩ - البقرة ٢٤٠ البقرة
стр. 480
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ أي من عدو أو غيرِه
﴿فَرِجَالاً﴾ جمع راجل كقيام وقائم أو رجل بمعنى راجل وقرئ بضم الراء مع التخفيف وبضمها مع التشديد أيصا وقرئ فرَجِلاً أي راجلاً
﴿أَوْ رُكْبَانًا﴾ جمع راكب أي فصلو راجلين أو راكبين حسبما يقتضيه الحال له ولا تخلوا بها ماأمكن الوقوفُ في الجملة وقد جوز الشافعي ﵀ أداءها حال المسايفة أيصا
﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ﴾ بزوال الخوف
﴿فاذكروا الله﴾ أي فصلّوا صلاة الأمن عبر عنها بالذكر لأنه معظمُ أركانِها
﴿كَمَا عَلَّمَكُم﴾ متعلق بمحذوف وقع وصفاً لمصدر محذوف أي ذكراً كائناً كما علمكم أي كتعليمه إياكم
﴿ما لم تكونوا تَعْلَمُونَ﴾ من كيفية الصلاة والمرادُ بالتشبيه أن تكون الصلاةُ المؤداة موافقةً لما علّمه الله تعالى وإيرادُها بذلك العنوانِ لتذكير النعمةِ أو اشكُروا الله تعالى شكراً يوازي تعليمَه إياكم ما لم تكونوا تعلمونه من الشرائع والأحكامِ التي من جملتها كيفيةُ إقامةِ الصلاة حالتي الخوفِ والأمن هذا وفي إيراد الشرطية الأولى بكلمة إن المفيدةِ لمشكوكية وقوعِ الخوفِ ونُدرته وتصديرِ الشرطيةِ الثانية بكلمة إذا المنبئة عن تحقيق وقوعِ الأمن وكثرته مع الإيجاز في جواب الولى والإطناب في جواب في جواب الثانية المبنيّين على تنزيل مقامِ وقوعِ المأمور به فيهما منزلةَ مقامِ وقوعِ الأمر تنزيلاً مستدعياً لإجراءِ مقتضى المقام الأولِ في كل منهما مُجرى مقتضى المقام الثاني من الجزالة ولطفِ الاعتبار ما فيه عبرةٌ لأولي الأبصار
стр. 481
﴿والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أزواجا﴾ عَودٌ إلى بيانِ بقيةِ الأحكامِ المفصَّلة فيما سلف إثرَ بيانِ أحكامٍ وسطت بينهما لما أشير إليه منَ الحكمةِ الداعيةِ إلى ذلك
﴿وَصِيَّةً لاّزْوَاجِهِم﴾ أي يوصون أوليوصوا أو كتب الله عليهم وصية ويؤيد مَنْ قرأ كتب عليكم الوصية لأزواجكم وقرئ بالرفع على تقدير مضاف في المبتدأ أو الخبر أي حُكمُ الذين يُتوفون مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أزواجا وصيةٌ لأزواجهم أو والذين يُتوفون أهل وصية لأزواجهم أوكتب عليهم وصيةٌ أو عليهم وصية وقرئ مناع لاّزْوَاجِهِم بدل وصية
﴿متاعا إِلَى الحول﴾ منصوبٌ بيوصون إن أضمَرْته وإلا فبالوصية أو بمتاع على القراءة الأخيرة
﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ بدل منه أومصدر مؤكدٌ كما في قولك هذا القولُ غيرُ ما تقول أو حال من أزواجهم أي غيرَ مُخرَجاتٍ والمعنى يجب على الذين يُتوفَّوْن أن يوصوا قبل الاختصار لأزواجهم بأن يُمتّعْنَ بعدهم حولاً بالنفقة والسكنى وكان ذلك أولَ الإسلام ثم نُسخت المدة بقوله تعالى أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فإنه وإن كان متقدماً في التلاوة متأخرٌ في النزول وسقطت النفقة بتوريثها الربعَ أو الثمنَ وكذلك السكنى عندنا وعند الشافعيّ هي باقية
﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾ عن منزل الأزواج باختيارهن
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أيها الأئمة
﴿فِيمَا فعلن في أنفسهن بالمعروف﴾ لاينكرة الشرْعُ كالتزيُّن والتطيُّب وتركِ الحِدادِ والتعرّضِ للخُطّاب وفيه دلالةٌ على أن المحظورَ إخراجُها عند إرادة القرارِ وملازمةِ مسكنِ الزوجِ والحداد من غير أن يجب
стр. 482
٢٤١ - ٢٤٢ ٢٤٣ البقرة عليها ذلك وأنها كانت مخيّرة بين الملازمة مع أخذ النفقةِ وبين الخروج مع تركها
﴿والله عَزِيزٌ﴾ غالبٌ على أمره يعاقِبُ من خالفه
﴿حَكِيمٌ﴾ يراعي في أحكامه مصالحَ عباده
стр. 483
﴿وللمطلقات﴾ سواءٌ كن مدخولاً بهن أولا
﴿متاع﴾ أي مطلقُ المتعة الشاملة للواجبة والمستحبة وأوجبها سعيدُ بنُ جبير وأبو العالية والزُهري للكل وقيل المراد بالمتاع نفقةُ العِدة وقيل اللام للعهد والمراد غيرُ المدخول بهن والتكريرُ للتأكيد
﴿بالمعروف﴾ شرعاً وعادة
﴿حَقّا عَلَى المتقين﴾ أي مما ينبغي
стр. 484
﴿كذلك﴾ أي مثلَ ذلك البيانِ الواضح
﴿يُبَيّنُ الله لَكُمْ آياته﴾ الدالةَ على أحكامه التي شرعها لعباده
﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ لكي تفهموا ما فيها وتعلموا بموجبها
стр. 485
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تقريرٌ لمن سمع بقصتهم من أهل الكتاب وأرباب الأخبار وتعجيب من شأنهم البديع فإن سماعَهم لها بمنزلة الرؤية النظريةِ أو العلمية أو لكل أحد من له حظٌّ من الخطاب إيذاناً بأن قصتهم من الشهرة والشيوع بحيث يحِقُّ لكل أحد أن يُحمل على الإقرار برؤيتهم وسماع قصتهم ويعجب بها وإن لم يكن رآهم أو سمع بقصتهم فإن هذ الكلامَ قد جرى مجرى المَثلِ في مقام التعجيب لما أنه شُبّه حالُ غير الرائي لشئ عجيب بحال الرائي له بناءً على ادعاء ظهورِ أمره وجلائِه بحيث استوى في إدراكه الشاهدُ والغائبُ ثم أُجريَ الكلامُ معه كما يجري مع الرائي قصداً إلى المبالغة في شهرته وعَراقتِه في التعجب وتعديةُ الرؤيةِ بإلى في قولِه تعالَى
﴿إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن ديارهم﴾ على تقدير كونها بمعنى الابصار باعتبار معنى النظر وعلى تقدير كونها إ دراكا قلبياً لتضمين معنى الوصول والانتهاء على معنى ألم ينتهِ علمُك إليهم
﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ أي ألوف كثيرة قيل عشرةُ آلاف وقيل ثلاثون وقيل سبعون ألفاً والجملةُ حالٌ من ضمير خرجوا وقوله
﴿حَذَرَ الموت﴾ مفعول له رُوي أن أهلَ داوردان قرية قبل واسِط وقع فيهم الطاعونُ فخرجوا منها هاربين فأماتهم الله ثم احياهم ليعتبروا ويعلموا أن لا مفرَّ من حكم الله عز سلطانه وقضائه وقيل مر عليهم حز قيل بعد زمان طويل وقد عرِيَتْ عظامُهم وتفرقت أوصالُهم فلوى شدقيه وأصابعَه تعجباً مما رأى من أمرهم فأُوحيَ إليه نادِ فيهم أن قوموا بإذن الله فنادى فإذا هم قيام يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت وقيل هم قومٌ من بني إسرائيلَ دعاهم ملكُهم إلى الجهاد فهربوا حذراً من الموت فأماتهم الله تعالى ثمانية أيامٍ ثم احياهم وقوله
﴿فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ﴾ إما عبارةٌ عن تعلق إرادتِه تعالى بموتهم دفعةً وإما تمثيلٌ لإماتته تعالى إياهم مِيتةَ نفسٍ واحدة في أقرب وقتٍ وأدناه وأسرعِ زمان وأوحاه بأمر آمرٍ مطاعٍ لمأمور مطيع كما في قوله تعالى
стр. 486
٢٤٤ - ٢٤٥ البقرة إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ
﴿ثُمَّ أحياهم﴾ عطفٌ إما على مقدَّر يستدعيهِ المقامُ أي فماتوا ثم أحياهم وإنما حُذف للدلالة على الاستغناء عن ذكره لاستحالة تخلُّف مرادِه تعالى عن إرادته وإما على قال لما أنه عبارة عن الإمانة وفيه تشجيعٌ للمسلمين على الجهاد والتعرُّضِ لأسباب الشهادةِ وأن الموتَ حيث لم يكن منه بدٌّ ولم ينفعْ منه المفرُّ فأولى أن يكون في سبيلِ الله تعالى
﴿إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ﴾ عظيمٍ
﴿عَلَى الناس﴾ قاطبةً أما أولئك فقد أحياهم ليعتبروا بما جرى عليهم فيفوزوا بالسعادة العظمى وأما الذين سمِعوا قِصتَهم فقد هداهم إلى مسلك الاعتبارِ والاستبصار
﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لَا يَشْكُرُونَ﴾ أي لا يشكرون فضلَه كما ينبغي ويجوز أن يراد بالشكر الاعتبارُ والاستبصارُ وإظهارُ الناس في مقام الإضمار لمزيد التشنيع
стр. 487
﴿وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله﴾ عطفٌ على مقدر يعيِّنه ما قبلَهُ كأنَّه قيلَ فاشكروا فضلَه بالاعتبار بما قص عليكم وقاتلوا في سبيله لما علمتم أن الفِرارَ لا يُنْجي من الحِمام وأن المقدرَ لا مردَّ له فإن كان قد حان الأجلُ فموتٌ في سبيل الله وإلا فنصرٌ عزيزٌ وثواب
﴿واعلموا أَنَّ الله سَمِيعٌ﴾ يسمعُ مَقالة السابقين والمتخلّفين
﴿عَلِيمٌ﴾ بما يُضمِرونه في أنفسهم وهو من وراء الجزاء خيرا وشرا فسارعوا إلى الامتثال واحذروا المخالفة والمساهلة
стр. 488
﴿مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله﴾ من استفهامية مرفوعةُ المحلِّ بالابتداء وذا خبرُه والموصولُ صفة له أو بدلٌ منه وإقراضُ الله تعالى مَثَلٌ لتقديم العمل العاجل طلباً للثواب الآجل والمراد ههنا إما الجهادُ الذي هو عبارةٌ عن بذل النفسِ والمالِ في سبيل الله ابتغاءً لمرضاته وإما مطلقُ العملِ الصالحِ المنتظمُ له انتظاماً أولياً
﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ أي إقراضاً مقروناً بالإخلاصِ وطيبِ النفسِ أو مقرضاً حلالاً طيباً
﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ بالنصب على جواب الاستفهام حملاً على المعنى فإنه في معنى أيقرضه وقرئ بالرفع أي يضاعفُ أجرَه وجزاءَه جعل ذلك مضاعفةً له بناءً على ما بينهما من المناسبة بالسببية ظاهراً وصيغةُ المفاعلة للمبالغة وقرئ فيضعفه بالرفع وبالنصب
﴿أَضْعَافًا﴾ جمعُ ضِعف ونصبُه على أنه حال من الضمير المنصوبِ أو مفعولٌ بأن يضمن المضاعفة معى التصيير أو مصدرٌ مؤكد على أن الضِعْفَ اسم للمصدر والجمع للتنوين
﴿كَثِيرَةٍ﴾ لا يعلم قدرَها إلا الله تعالى وقيل الواحد بسبعمائة
﴿والله يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ أي يقتّر على بعض ويوسّع على بعض أو يقتِّر تارةً ويوسّع أخرى حسبَما تقتضيهِ مشيئتُه المبنيةُ على الحِكَم والمصالحِ فلا تبخلوا عليه بما وسَّع عليكم كي لا يبدِّل أحوالَكم ولعل تأخيرَ البسط عن القبض في الذكر للإيماء إلى أنه يعقُبه في الوجود تسليةً للفقراء وقرئ يبصُط بالصاد لمجاورة الطاء
﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيجازِيكم على ما قدَّمتُم من الأعمالِ خيرا وشرا
стр. 489
٢٤٦ - البقرة
стр. 490
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تقريرٌ وتعجيب كما سبق قُطع عنه للإيذان باستقلاله في التعجب مع أن له مزيدَ ارتباطٍ بما وُسِّط بينهما من الأمر بالقتال
﴿إِلَى الملإ من بني إسرائيل﴾ الملأُ من القوم وجوهُهم وأشرافهم وهو اسمٌ للجماعة لا واحدَ له من لفظه كالرهط والقوم سْموا بذلك لما أنهم يملئون العيونَ مهابةً والمجالسَ بهاءً أو لأنهم مليئون بما يبتغى منهم ومن تبعيضية ومِنْ في قولِه تعالَى
﴿مِن بَعْدِ موسى﴾ ابتدائيةٌ وعاملُها مقدرٌ وقع حالاً من الملأ أي كائنين بعضَ بني إسرائيلَ من بعد وفاة موسى ولا ضيرَ في اتحاد الحرفين لفظا عند اختلافهما معنى
﴿إِذْ قَالُواْ﴾ منصوبٌ بمُضمر يستدعيه المقامُ أي ألم ترَ إلى قصة الملأ أو حديثهم حين قالوا
﴿لِنَبِىّ لَّهُمُ﴾ هو يوشَعُ بنُ نونِ بنِ أفرائيم بن يوسف ﵉ وقيل شمعون بنُ صعبة بنِ علقمة من ولد لاوي بنِ يعقوبَ ﵉ وقيل وقيل أشمويلُ بنُ بالِ بنِ علقمة وهو بالعبرانية اسمعيل قال مقاتل هو من نسل هرون ﵇ وقال مجاهد أشمويلُ بنُ هلقايا
﴿ابعث لَنَا مَلِكًا نقاتل فِى سَبِيلِ الله﴾ أي أَنهِضْ للقتال معنا أميراً نُصدِرُ في تدبير أمرِ الحرب عن رأيه وقرئ نقاتلُ بالرفع على أنَّه حالٌ مقدَّرةٌ أي ابعثه لنا مقدّرين القتالَ أو استئنافٌ مبنيُّ على السؤال وقرئ يقاتلْ بالياء مجزوماً ومرفوعاً على الجواب للأمر والوصف لملِكاً
﴿قَالَ﴾ استئنافٌ وقع جوابا عن سؤال ينساق إليه الذهنُ كأنَّه قيلَ فماذَا قالَ لهم النبيُّ حينئذ فقيل قال
﴿قال هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال أَلَاّ تقاتلوا قالوا﴾ فُصل بين عسى وخبرِه بالشرط للاعتناء به أي هل قاربتم ان لا تقاتلوا كما أتوقعه منكم والمرادُ تقريرُ أن المتوقَّعَ كائنٌ وإنما لم يُذكر في معرض الشرط ما التمسوه بأن قيل هل عسَيتم إن بعثتُ لكم ملكاً الخ مع أنه أظهر تعلقاً بكلامهم بل ذَكَر كتابةَ القتالِ عليهم للمبالغة في بيان تخلّفِهم عنه فإنهم إذا لم يقاتلوا عند فرضيةِ القتالِ عليهم بإيجاب الله تعالى فلأَن لا يقاتلوا عند عدم فرضيتِه أولى ولأن إيراد ما ذكروه ربما يوهِمُ أن سبب تخلفِهم عن القتال هو المبعوث لانفس القتال وقرئ عسِيتم بكسر السين وهي ضعيفة
﴿قَالُواْ﴾ استئنافٌ كما سبق
﴿وَمَا لَنَا أَلَاّ نقاتل﴾ أي أيُّ سبب لنا في أَن لا نقاتل
﴿فِى سَبِيلِ الله وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن ديارنا وَأَبْنَائِنَا﴾ أي والحال أنه قد عَرَض لنا ما يوجب القتالَ إيجاباً قوياً من الإخراج عن الديار والأوطان والاغترابِ من الأهل والأولاد وإفرادُ الأبناء بالذكر لمزيد تقوية أسبابِ القتال وذلك أن جالوت رأسَ العمالقةِ وملكهم وهو جبارٌ من أولاد عمليق بن عاد كان هُو ومَنْ مَعَهُ من العمالقة يسكنون ساحلَ بحرِ الرومِ بين مصر وفلسطين وظهروا على بني إسرائيلَ وأخذوا ديارَهم وسبَوْا أولادهم وأسرُوا من أبناء ملوكهم أربعمائة
стр. 491
٢٤٧ - البقرة وأربعين نفساً وضربوا عليهم الجزيةَ وأخذوا توراتَهم
﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال﴾ بعد سؤال النبيِّ ﷺ ذلك وبعْثِ الملك
﴿تَوَلَّوْاْ﴾ أي أعرضوا وتخلفوا لكنْ لا في ابتداء الأمرِ بل بعدَ مشاهدةِ كثرةِ العدو وشوكته كما سيجئ تفصيله وإنما ذكر ههنا مآل أمرهم إجمالا إظهار لما بين قولِهم وفعلهم من التنافي والتبايُن
﴿إِلَاّ قَلِيلاً مّنْهُمُ﴾ وهم الذين اكتفَوا بالغُرفة من النهر وجاوزوه وهم ثلثُمائةٍ وثلاثةَ عَشرَ بعدد أهل بدر
﴿والله عَلِيمٌ بالظالمين﴾ وعيد لهم على ظلمهم بالتولي عن القتال وتركِ الجهاد وتنافي أقوالِهم وأفعالِهم والجملة اعتراضٌ تذييليٌّ
стр. 492
﴿وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ﴾ شروعٌ في تفصيل ما جرى بينه ﵇ وبينهم من الأقوال والأفعال إثرَ الإشارةِ الإجمالية إلى مصير حالِهم أي قال لهم بعد ما أُوحي إليه ماأوحى
﴿إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ طالوتُ علمٌ عِبْريٌّ كداودَ وجعلُه فَعْلوتاً من الطول يأباه منع صرفه وملكا حال منه رُوي أنه ﵇ لما دعا ربه أن يجعل لهم ملِكاً أتى بعصاً يُقاس بها من يملِكُ عليهم فلم يساوِها إلا طالوتُ
﴿قَالُواْ﴾ استئنافٌ كما مر
﴿أنى يَكُونُ لَهُ الملك عَلَيْنَا﴾ أي من أين يكون أو كيف يكون ذلك
﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بالملك مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مّنَ المال﴾ الواو الأولى حاليةٌ والثانيةُ عاطفةٌ جامعةٌ للجملتين في الحُكم أي كيف يتملّك علينا والحالُ أنه لا يستحِقُّ التملكُ لوجود من هو أحقُّ منه ولعدم ما يتوقف عليه الملكُ من المال وسبب هذا الاستبعادِ أن النبوةَ كانت مخصوصةً بسِبطٍ معينٍ من أسباط بني إسرائيلَ وهو سِبطُ لاوى بنِ يعقوبَ ﵇ وسبط المملكة بسبط يهودا ومنه داودُ وسليمانُ ﵉ ولم يكن طالوتُ من أحد هذين السِبطين بل من ولد بنيامين قيل كان راعياً وقيل دبّاغاً وقيل سقّاءً
﴿قَالَ إِنَّ الله اصطفاه عَلَيْكُمْ﴾ لمّا استبعدوا تملُّكَه بسقوط نسَبِه وبفقره ردَّ عليهم ذلك أولا مَلاكَ الأمرِ هو اصطفاءُ الله تعالى وقد اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم وثانياً بأن العُمدة فيه وُفورُ العلم ليتمكَّنَ به من معرفة أمورِ السياسةِ وجسامةُ البدن ليعظُم خطرُه في القلوب ويقدِرَ على مقاومة الأعداءِ ومكابدةِ الحروب وقد خصه الله تعالى منهما بحظَ وافرٍ وذلك قوله
﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العلم﴾ أي العلمِ المتعلِّقِ بالمُلك أو به وبالديانات أيضاً وقيل قد أوحي إليه ونبئ
﴿والجسم﴾ قيل بطول القامة فإنه كان أطولَ من غيره برأسه ومنكبيه حتى إن الرجلَ القائم كان يمديده فينال رأسه وقيل بالجمال وقيل بالقوة
﴿والله يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن يَشَاء﴾ لما أنه مالِكُ المُلكِ والملَكوتِ فعّالٌ لما يريد فله أن يؤتِيَه من يشاءُ من عباده
﴿والله واسع﴾ يوسِّع على الفقير ويُغنيه
﴿عَلِيمٌ﴾ بمن يليقُ بالملك ممن لا يليق به وإظهارُ الاسمِ الجليلِ لتربية المهابة
стр. 493
٢٤٨ - البقرة
стр. 494
﴿وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ﴾ توسيطُه فيما بين قوليه المحكِيَّيْن عنه ﵇ للإشعار بعدم اتصالِ أحدِهما بالآخر وتخلُّلُ كلامٍ من جهة المخاطبين متفرِّعٌ على السابق مستتبِعٌ للاحق كأنهم طلبوا منه ﵇ آيةً تدل على أنه تعالى اصطفى طالوتَ وملّكه عليهم رُوي أنهم قالوا ما آية ملكة فقال
﴿إن آية ملكِه أن يأتيكم التابوت﴾ أي الصُندوقُ وهو فَعْلوتٌ من التَّوْب الذي هو الرجوعُ لما أنه لا يزال يرجِعُ إليه ما يخرُج منه وتاؤه مزيدةٌ لغير التأنيث كمَلَكوت ورَهَبوت والمشهورُ أن يوقف على تائه من غير أن تُقلبَ هاءً ومنهم من يقلِبُها إياها والمراد به صُندوقُ التوراةِ وكان قد رفعه الله بعدَ وفاةِ موسى ﵇ سُخطاً على بني إسرائيلَ لما عَصَوا واعتدَوْا فلما طلب القوم من نبيهم آيةً تدل على مُلك طالوتَ قال لهم إن آية ملكِه أن يأتيَكم التابوتُ من السماءِ والملائكةُ يحفَظونه فأتاهم كما وصف والقومُ ينظرون إليه حتى نزل عند طالوتَ وهَذا قولُ ابنِ عباسٍ ﵄ وقال أربابُ الأخبارِ إن الله تعالى أنزل على آدمَ تابوتاً فيه تماثيلُ الأنبياءِ ﵈ من أولاده وكان من عُود الشمشاد نحواً من ثلاثة أذرُعٍ في ذراعين فكان عند آدمَ ﵇ إلى أن توفي فتوارثه أولادُه واحدٌ بعد واحدٍ إلى أن وصلَ إلى يعقوبَ ﵇ ثم بقي في أيدي بني إسرائيلَ إلى أن وصلَ إلى مُوسى ﵇ فكان علية الصلاة والسلام يضعُ فيه التوراةَ وكان إذا قاتل قدّمه فكانت تسكُن إليه نفوسُ بني إسرائيلَ وكان عنده إلى أن توُفي ثم تداولتْه إيدى بنى إسرئيل وكانوا إذا اختلفوا في شئ تحاكَموا إليه فيكلِّمهم ويحكُم بينهم وكانوا إذا حضروا القتالَ يقدِّمونه بين أيديهم ويستفتِحون به على عدوهم وكانت الملائكةُ تحمِلُه فوق العسكر ثم يقاتلون العدوَّ فإذا سمعوا من التابوت صيحةً استيقنوا النصرَ فلما عصَوا وأفسدوا سلّط الله عليهم العمالقةَ فغلبوهم على التابوت وسلبوه وجعلوه في موضع البولِ والغائطِ فلما أراد الله تعالى أنْ يُملِّك طالوتَ سلط عليهم البلاء حتى إن كلَّ من بال عنده ابتُلي بالبواسير وهلكت من بلادهم خمسُ مدائنَ فعلم الكفارُ أن ذلك بسبب استهانتهم بالتابوت فأخرجوه وجعلوه على ثورَيْن فأقبل الثورانِ يسيران وقد وكل الله تعالى بهما أربعةً من الملائكة يسوقونهما حتى أتَوا منزلَ طالوت فلما سألوا نبيَّهم البينةَ على مُلك طالوتَ قال لهم النبيُّ إن آيةَ مُلكِه أنكم تجِدون التابوتَ في داره فلما وجدوه عنده يقنوا بمُلكه
﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مّن رَّبّكُمْ﴾ أي في إتيانِه سكونٌ لكم وطُمَأْنينةٌ كائنةٌ من ربكم أو في التابوت ما تسكُنون إليه وهو التوراةُ المُودَعة فيه بناء على مامر من أن موسى ﵇ إذا قاتل قدَّمه فتسكُن إليه نفوسُ بني إسرائيلَ وقيل السكينةُ صورةٌ كانت فيه من زَبَرْجَدٍ أو ياقوتٍ لها رأسٌ وذنبٌ كرأس الهرِّ وذنبِه وجناحان فتئن فيزف التابوتُ نحوَ العدوِّ وهم يمضُون معه فإذا استقر ثبتوا وسكَنوا ونزل النصرُ وعَنْ عليَ ﵁ كان لها وجهٌ كوجه الإنسان وفيها ريحٌ هفّافة
﴿وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون﴾
стр. 495
٢٤٩ - البقرة هي رضاض الألواحِ وعصا موسى وثيابه من التوراة وكان قد رفعه الله تعالى بعد وفاةِ موسى ﵇ وآلُهما أبناؤُهما أو أنفسُهما والآلُ مقحَمٌ لتفخيم شأنهما أو أنبياءُ بني إسرائيلَ
﴿تَحْمِلُهُ الملائكة﴾ حال من التابوت أي إن آيةَ ملكِه إتيانُه حال كونِه محمولاً للملائكة وقد مر كيفيةُ ذلك ولعل حملَ الملائكةِ على الرواية الأخيرة عبارةٌ عن سَوْقهم للثورين الحاملين له
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما ذكر من شأن التابوت فهو من تمام كلامِ النبي ﵇ لقومه أو إلى نَقلِ القصة وحكايتها فهو ابتداءُ كلامٍ من جهة الله تعالى جيءَ به قبل تمامِ القصةِ إظهاراً لكمال العنايةِ به وإفرادُ حرفِ الخطاب مع تعدُّد المخاطَبين على التقديرين بتأويل الفريق أو غيرِه كما سلف
﴿لآيَةً﴾ عظمة
﴿لَكُمْ﴾ دالةً على مُلك طالوتَ أو على نبوة محمدٍ ﷺ حيث أخبر بهذه التفاصيل على ما هي عليه من غير سماعٍ من البشر
﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ أي مصدقين بتمليكه عليكم أو بشيءٍ من الآيات وإن شرطيةٌ والجواب محذوفٌ ثقةً بما قبله وقيل هي بمعنى إذ
следующие страницы →