Полный текст (8 642 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
٢٤٧ - البقرة وأربعين نفساً وضربوا عليهم الجزيةَ وأخذوا توراتَهم
﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال﴾ بعد سؤال النبيِّ ﷺ ذلك وبعْثِ الملك
﴿تَوَلَّوْاْ﴾ أي أعرضوا وتخلفوا لكنْ لا في ابتداء الأمرِ بل بعدَ مشاهدةِ كثرةِ العدو وشوكته كما سيجئ تفصيله وإنما ذكر ههنا مآل أمرهم إجمالا إظهار لما بين قولِهم وفعلهم من التنافي والتبايُن
﴿إِلَاّ قَلِيلاً مّنْهُمُ﴾ وهم الذين اكتفَوا بالغُرفة من النهر وجاوزوه وهم ثلثُمائةٍ وثلاثةَ عَشرَ بعدد أهل بدر
﴿والله عَلِيمٌ بالظالمين﴾ وعيد لهم على ظلمهم بالتولي عن القتال وتركِ الجهاد وتنافي أقوالِهم وأفعالِهم والجملة اعتراضٌ تذييليٌّ
стр. 492
﴿وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ﴾ شروعٌ في تفصيل ما جرى بينه ﵇ وبينهم من الأقوال والأفعال إثرَ الإشارةِ الإجمالية إلى مصير حالِهم أي قال لهم بعد ما أُوحي إليه ماأوحى
﴿إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ طالوتُ علمٌ عِبْريٌّ كداودَ وجعلُه فَعْلوتاً من الطول يأباه منع صرفه وملكا حال منه رُوي أنه ﵇ لما دعا ربه أن يجعل لهم ملِكاً أتى بعصاً يُقاس بها من يملِكُ عليهم فلم يساوِها إلا طالوتُ
﴿قَالُواْ﴾ استئنافٌ كما مر
﴿أنى يَكُونُ لَهُ الملك عَلَيْنَا﴾ أي من أين يكون أو كيف يكون ذلك
﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بالملك مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مّنَ المال﴾ الواو الأولى حاليةٌ والثانيةُ عاطفةٌ جامعةٌ للجملتين في الحُكم أي كيف يتملّك علينا والحالُ أنه لا يستحِقُّ التملكُ لوجود من هو أحقُّ منه ولعدم ما يتوقف عليه الملكُ من المال وسبب هذا الاستبعادِ أن النبوةَ كانت مخصوصةً بسِبطٍ معينٍ من أسباط بني إسرائيلَ وهو سِبطُ لاوى بنِ يعقوبَ ﵇ وسبط المملكة بسبط يهودا ومنه داودُ وسليمانُ ﵉ ولم يكن طالوتُ من أحد هذين السِبطين بل من ولد بنيامين قيل كان راعياً وقيل دبّاغاً وقيل سقّاءً
﴿قَالَ إِنَّ الله اصطفاه عَلَيْكُمْ﴾ لمّا استبعدوا تملُّكَه بسقوط نسَبِه وبفقره ردَّ عليهم ذلك أولا مَلاكَ الأمرِ هو اصطفاءُ الله تعالى وقد اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم وثانياً بأن العُمدة فيه وُفورُ العلم ليتمكَّنَ به من معرفة أمورِ السياسةِ وجسامةُ البدن ليعظُم خطرُه في القلوب ويقدِرَ على مقاومة الأعداءِ ومكابدةِ الحروب وقد خصه الله تعالى منهما بحظَ وافرٍ وذلك قوله
﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العلم﴾ أي العلمِ المتعلِّقِ بالمُلك أو به وبالديانات أيضاً وقيل قد أوحي إليه ونبئ
﴿والجسم﴾ قيل بطول القامة فإنه كان أطولَ من غيره برأسه ومنكبيه حتى إن الرجلَ القائم كان يمديده فينال رأسه وقيل بالجمال وقيل بالقوة
﴿والله يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن يَشَاء﴾ لما أنه مالِكُ المُلكِ والملَكوتِ فعّالٌ لما يريد فله أن يؤتِيَه من يشاءُ من عباده
﴿والله واسع﴾ يوسِّع على الفقير ويُغنيه
﴿عَلِيمٌ﴾ بمن يليقُ بالملك ممن لا يليق به وإظهارُ الاسمِ الجليلِ لتربية المهابة
стр. 493
٢٤٨ - البقرة
стр. 494
﴿وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ﴾ توسيطُه فيما بين قوليه المحكِيَّيْن عنه ﵇ للإشعار بعدم اتصالِ أحدِهما بالآخر وتخلُّلُ كلامٍ من جهة المخاطبين متفرِّعٌ على السابق مستتبِعٌ للاحق كأنهم طلبوا منه ﵇ آيةً تدل على أنه تعالى اصطفى طالوتَ وملّكه عليهم رُوي أنهم قالوا ما آية ملكة فقال
﴿إن آية ملكِه أن يأتيكم التابوت﴾ أي الصُندوقُ وهو فَعْلوتٌ من التَّوْب الذي هو الرجوعُ لما أنه لا يزال يرجِعُ إليه ما يخرُج منه وتاؤه مزيدةٌ لغير التأنيث كمَلَكوت ورَهَبوت والمشهورُ أن يوقف على تائه من غير أن تُقلبَ هاءً ومنهم من يقلِبُها إياها والمراد به صُندوقُ التوراةِ وكان قد رفعه الله بعدَ وفاةِ موسى ﵇ سُخطاً على بني إسرائيلَ لما عَصَوا واعتدَوْا فلما طلب القوم من نبيهم آيةً تدل على مُلك طالوتَ قال لهم إن آية ملكِه أن يأتيَكم التابوتُ من السماءِ والملائكةُ يحفَظونه فأتاهم كما وصف والقومُ ينظرون إليه حتى نزل عند طالوتَ وهَذا قولُ ابنِ عباسٍ ﵄ وقال أربابُ الأخبارِ إن الله تعالى أنزل على آدمَ تابوتاً فيه تماثيلُ الأنبياءِ ﵈ من أولاده وكان من عُود الشمشاد نحواً من ثلاثة أذرُعٍ في ذراعين فكان عند آدمَ ﵇ إلى أن توفي فتوارثه أولادُه واحدٌ بعد واحدٍ إلى أن وصلَ إلى يعقوبَ ﵇ ثم بقي في أيدي بني إسرائيلَ إلى أن وصلَ إلى مُوسى ﵇ فكان علية الصلاة والسلام يضعُ فيه التوراةَ وكان إذا قاتل قدّمه فكانت تسكُن إليه نفوسُ بني إسرائيلَ وكان عنده إلى أن توُفي ثم تداولتْه إيدى بنى إسرئيل وكانوا إذا اختلفوا في شئ تحاكَموا إليه فيكلِّمهم ويحكُم بينهم وكانوا إذا حضروا القتالَ يقدِّمونه بين أيديهم ويستفتِحون به على عدوهم وكانت الملائكةُ تحمِلُه فوق العسكر ثم يقاتلون العدوَّ فإذا سمعوا من التابوت صيحةً استيقنوا النصرَ فلما عصَوا وأفسدوا سلّط الله عليهم العمالقةَ فغلبوهم على التابوت وسلبوه وجعلوه في موضع البولِ والغائطِ فلما أراد الله تعالى أنْ يُملِّك طالوتَ سلط عليهم البلاء حتى إن كلَّ من بال عنده ابتُلي بالبواسير وهلكت من بلادهم خمسُ مدائنَ فعلم الكفارُ أن ذلك بسبب استهانتهم بالتابوت فأخرجوه وجعلوه على ثورَيْن فأقبل الثورانِ يسيران وقد وكل الله تعالى بهما أربعةً من الملائكة يسوقونهما حتى أتَوا منزلَ طالوت فلما سألوا نبيَّهم البينةَ على مُلك طالوتَ قال لهم النبيُّ إن آيةَ مُلكِه أنكم تجِدون التابوتَ في داره فلما وجدوه عنده يقنوا بمُلكه
﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مّن رَّبّكُمْ﴾ أي في إتيانِه سكونٌ لكم وطُمَأْنينةٌ كائنةٌ من ربكم أو في التابوت ما تسكُنون إليه وهو التوراةُ المُودَعة فيه بناء على مامر من أن موسى ﵇ إذا قاتل قدَّمه فتسكُن إليه نفوسُ بني إسرائيلَ وقيل السكينةُ صورةٌ كانت فيه من زَبَرْجَدٍ أو ياقوتٍ لها رأسٌ وذنبٌ كرأس الهرِّ وذنبِه وجناحان فتئن فيزف التابوتُ نحوَ العدوِّ وهم يمضُون معه فإذا استقر ثبتوا وسكَنوا ونزل النصرُ وعَنْ عليَ ﵁ كان لها وجهٌ كوجه الإنسان وفيها ريحٌ هفّافة
﴿وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون﴾
стр. 495
٢٤٩ - البقرة هي رضاض الألواحِ وعصا موسى وثيابه من التوراة وكان قد رفعه الله تعالى بعد وفاةِ موسى ﵇ وآلُهما أبناؤُهما أو أنفسُهما والآلُ مقحَمٌ لتفخيم شأنهما أو أنبياءُ بني إسرائيلَ
﴿تَحْمِلُهُ الملائكة﴾ حال من التابوت أي إن آيةَ ملكِه إتيانُه حال كونِه محمولاً للملائكة وقد مر كيفيةُ ذلك ولعل حملَ الملائكةِ على الرواية الأخيرة عبارةٌ عن سَوْقهم للثورين الحاملين له
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما ذكر من شأن التابوت فهو من تمام كلامِ النبي ﵇ لقومه أو إلى نَقلِ القصة وحكايتها فهو ابتداءُ كلامٍ من جهة الله تعالى جيءَ به قبل تمامِ القصةِ إظهاراً لكمال العنايةِ به وإفرادُ حرفِ الخطاب مع تعدُّد المخاطَبين على التقديرين بتأويل الفريق أو غيرِه كما سلف
﴿لآيَةً﴾ عظمة
﴿لَكُمْ﴾ دالةً على مُلك طالوتَ أو على نبوة محمدٍ ﷺ حيث أخبر بهذه التفاصيل على ما هي عليه من غير سماعٍ من البشر
﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ أي مصدقين بتمليكه عليكم أو بشيءٍ من الآيات وإن شرطيةٌ والجواب محذوفٌ ثقةً بما قبله وقيل هي بمعنى إذ
стр. 496
﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بالجنود﴾ أي انفصل بهم عن بيت المقدسِ والأصلُ فصلَ نفسَه ولما اتحد فاعلُه ومفعولُه شاع استعمالُه محذوفَ المفعول حتى نزل منزِلة القاصِرِ كانفصل وقيل فصَل فصُولاً وقد جُوّز كونه أصلاً برأسه ممتازاً من المتعدي بمصدره كوقف وقوفاً ووقَفه وقفاً وكصدَّ صُدوداً ورجَع رجوعاً ورجَعه رجعاً والباءُ متعلقةٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من طالوت أي ملتبساً بهم ومصاحباً لهم رُوي أنه قال لقومه لايخرج معي رجل بنى بناءً لم يفرُغْ منه ولا تاجرٌ مشتغلٌ بالتجارة ولا متزوجٌ بامرأة لم يبْنِ عليها ولا أبتغي إلا الشابَّ النشيطَ الفارغ فاجتمع اليه ممن اختاره ثمانون ألفاً وكان الوقت قَيظاً وسلكوا مفازةً فسألوا أن يُجرِيَ الله تعالى لهم نهراً فبعد ما ظهر له ما تعلقت به مشيئتُه تعالى من جهة النبي ﵇ أو بطريق الوحي عند من يقول بنبوته
﴿قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ﴾ بفتح الهاء وقرئ بسكونها
﴿فَمَن شَرِبَ مِنْهُ﴾ أي ابتدأ شُربه من النهر بأن كرَع لأنه الشرب منه حقيقة
﴿فَلَيْسَ مِنّي﴾ أي من جُملتي وأشياعي المؤمنين وقيل ليس بمتصلٍ بي ومتحدٍ معي من قولهم فلان مني كأنه بعضُه لكمال اختلاطِهما
﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ﴾ أي لم يذُقه من طعِم الشيءَ إذا ذاقه مأكولاً كان أو مشروباً أو غيرَهما قال
وإن شئتِ حرمتُ النساءَ سواكم ... وإن شئت لم أطعَمْ نُقاخاً ولا بردا
أي نوماً
﴿فَإِنَّهُ مِنّى إِلَاّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ استثناءٌ من قولِهِ تعالى فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي وإنما أُخّر عن الجملة الثانية لإبراز كمالِ العناية بها ومعناه الرخصةُ في اغتراف الغرفةِ باليد دون الكروع والغرفة ما يغرف وقرئ بفتح الغين على أنها مصدرٌ والباء متعلقةٌ باغترف أو بمحذوف وقع صفة لغرفة أي غرفةً كائنةً بيده يروى أن الغرفة كانت
стр. 497
تكفي الرجل لشربه وإدواتِه ودوابِّه وأما الذين شرِبوا منه فقد اسودت شفاهُهم وغلبهم العطشُ
﴿فَشَرِبُواْ مِنْهُ﴾ عطفٌ على مقدَّرٍ يقتضيهِ المقامُ أي فابتلُوا به فشرِبوا منه
﴿إِلَاّ قَلِيلاً منهم﴾ وهو المشارُ إليهم فيما سلف بالاستثناء من تولى وقرئ إلا قليلٌ منهم ميلاً إلى جانب المعنى وضرباً عن عُدوة اللفظِ جانباً فإن قوله تعالى فَشَرِبُواْ مِنْهُ في قوَّةِ أنْ يقالَ فلم يُطيعوه فحُقَّ أن يرد المستثنى مرفوعاً كما في قول الفرزدق
وعض الزمان ياابن مروانَ لم يدَع ... مِنَ المالِ إلا مُسْحَتٌ أو مُجلِّفُ
فإن قوله لم يدع في حكم لم يبق
﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ﴾ أي النهرَ
﴿هُوَ﴾ أي طالوتُ
﴿والذين آمنوا مَعَهُ﴾ عطفٌ على الضمير المتصلِ المؤكدِ بالمنفصل والظرفُ متعلقٌ بجاوزَ لا بآمنوا وقيل الواوُ حالية والظرفُ متعلقٌ بمحذوف وقع خبراً من الموصول كأنه قيل فلما جاوزه والحالُ أن الذين آمنوا كائنون معه وهم أولئك القليلُ وفيه إشارةٌ إلى أن مَنْ عداهم بمعزل من الإيمان
﴿قَالُواْ﴾ أي بعضُ مَنْ معهُ منَ المُؤمنينَ لبعضٍ
﴿لَا طَاقَةَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ﴾ أي بمحاربتهم ومقاومتِهم فضلاً عن أن يكونَ لنا غلبةٌ عليهم لِما شاهدُوا منُهم من الكثرة والشدة قيل كانوا مائةَ ألفِ مقاتلٍ شاكي السِّلاح
﴿قَالَ﴾ استئناف مبني على السؤالِ كأنَّه قيلَ فماذَا قال مخاطبُهم فقيل قال
﴿الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلَاقُواْ الله﴾ قيل أي الخُلَّصُ منهم الذين يتيقنون لقاءِ الله تعالى بالبعث ويتوقّعون ثوابَه وإفرادُهم بذلك الوصف لا ينافي إيمانَ الباقين فإن درجاتِ المؤمنين في التيقن والتوقع مُتفاوتةٌ أو الذين يعلمون أنهم يُستشهدون عما قريب فيلقَوْن الله تعالى وقيل الموصولُ عبارةٌ عن المؤمنينَ كافةً والضميرُ في قالوا للمنخذِلين عنهم كأنهم قالوه اعتذاراً عن التخلُّف والنهرُ بينهما
﴿كَم مّن فِئَةٍ﴾ أي فِرْقة وجماعة من الناس من فأَوْتُ رأسَه إذا شققتها أو من فاء إليه إذا رجَع فوزنُها على الأول فِعةٌ وعلى الثاني فِلَةٌ
﴿قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً﴾ وكم خبرية كانت أواستفهامية مفيدةٌ للتكثير وهي في حيز الرفعِ بالابتداء خبرُها غلبتْ أي كثيرٌ من الفئات القليلةِ غلبت الفئاتِ الكثيرةَ
﴿بِإِذُنِ الله﴾ أي بحُكمه وتيسيرِه فإن دورانَ كافةِ الأمور على مشيئته تعالى فلا يذِلُّ من نصرَه وإن قل عددُه ولا يعِزُّ مَنْ خَذله وإن كثر أسبابُه وعُددُه وقد روُعيَ في الجواب نُكتةٌ بديعة حيث لم يقُلْ أطاقت بفئة كثيرةٍ حسبما وقع في كلام أصحابهم مبالغةً في رد مقالتِهم وتسكينِ قلوبهم وهذا كما ترى جواب ناشئ من كمال ثقتِهم بنصر الله تعالى وتوفيقه ولا دخل في ذلك لظن لقاءِ الله تعالى بالبعث لاسيما بالاستشهاد فإن العلمَ به ربما يورِثُ اليأسَ من الغَلَبة ولا لتوقُّع ثوابِه تعالى ولاريب في أن ما ذُكر في حيز الصلةِ ينبغي أن يكونَ مداراً للحكم الواردِ على الموصول فلا أقلَّ من أن يكون وصفاً ملائماً له فلعل المرادَ بلقائه تعالى لقاءُ نصرِه وتأييدُه عُبر عنه بذلك مبالغةً كما عُبر عن مقارَنةِ نصرِه تعالى بمقارنته سبحانه حيث قيل
﴿والله مَعَ الصابرين﴾ فإن المرادَ به معيّةُ نصرِه وتوفيقِه حتماً وحملُها على المعية بالإثابة كما فعل يأباه أنهم إنما قالوه تتميا لجوابهم وتأكيدا له بطريق الاعتراضِ التذييليِّ تشجيعاً لأصحابهم وتثبيتاً لهم على الصبر المؤدي إلى الغَلَبة ولا تعلّقَ له بما ذُكر من المعية بالإثابة قطعاً وكذا الحالُ إذا جُعل ذلك ابتداءَ كلامٍ من جهة الله تعالى جئ به تقريراً لكلامهم والمعنى قال الذين يظنون أو يعلمون من جهة النبي أو من جهة التابوتِ والسكينة أنهم ملاقو نصر العزيزِ كم من فئةٍ قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله تعالى فنحن نغلِبُ جالوتَ وجنودَه وإيرادُ خبرِ أن اسماً مع أن اللقاء
стр. 498
٢٥٠ - ٢٥١ البقرة مستقبلٌ للدَلالة على تقرره وتحققه
стр. 499
﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ﴾ أي ظهر طالوتُ وَمَنْ مَعَهُ من المؤمنينَ وصاروا إلى براز من الأرض في موطن الحرب
﴿لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ وشاهدوا ما هم عليه من العَدد والعُدد وأيقنوا أنهم غير مطيقين بهم عادة
﴿قَالُواْ﴾ أي جميعاً عند تقوى قلوب الفريقُ الأولُ منهم بقول الفريق الثاني متضرِّعين إلى الله تعالى مستعينين به
﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ على مقاساة شدائِد الحربِ واقتحامِ مواردِه الصعبةِ الضيقة وفي التوسل بوصف الربوبيةِ المُنْبئةِ عن التبليغِ إلى الكمال وإيثارِ الإفراغِ المعرب عن الكثرة وتنكيرِ الصبر المفصح عن التفخيم من الجزالة مالا يخفى
﴿وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا﴾ في مداحض القتالِ ومزالِّ النزال وثباتُ القدم عبارةٌ عن كمال القوةِ والرسوخِ عند المقارعة وعدمِ التزلزل وقت المقاومة لا مجرد التقرّر في حيز واحد
﴿وانصرنا عَلَى القوم الكافرين﴾ بقهرهم وهزمِهم ووضعُ الكافرين في موضعَ الضَّميرِ العائد إلى جالوتَ وجنودِه للإشعار بعِلة النصرِ عليهم ولقد راعَوْا في الدعاء ترتيباً بديعاً حيث قدموا سؤالَ إفراغِ الصبر الذي هو مِلاكُ الأمر ثم سؤالَ تثبيتِ القدم المتفرع عليه ثم سؤالَ النصرِ الذي هو الغايةُ القصوى
стр. 500
﴿فَهَزَمُوهُم﴾ أي كسروهم بلا مكث
﴿بِإِذُنِ الله﴾ بنصره وتأييده إجابةً لدعائهم وإيثارُ هذه الطريقة على طريقة قوله فاتاهم الله ثَوَابَ الدنيا الخ للمحافظة على مضمون قولِهم غلَبتْ فئةً كثيرةً بإذن الله
﴿وقتل داود جَالُوتَ﴾ كان إيشى أبو داودَ في عسكر طالوتَ معه ستةٌ من بنيه وكان داودُ ﵇ سابعَهم وكان صغيراً يَرعى الغنم فأوحى الله تعالى إلى نبيهم أنه الذي يقتل جالوتَ فطلبه من أبيه فجاء وقد مر في طريقه بثلاثة أحجار قال له كل منها احمِلنا فإنك بنا تقتُل جالوتَ فحملها في مِخْلاته قيل لما أبطأ على أبيه خبرُ إخوته في المصافِّ أرسل داودُ إليهم ليأتيَه بخبرهم فأتاهم وهم في القراع وقد برز جالوتُ بنفسه إلى البِراز ولا يكاد يبارزه أحدٌ وكان ظلُّه ميلاً فقال داودُ لإخوته أما فيكم من يخرجُ إلى هذا الأقلفِ فزجروه فنحا ناحية أخرى ليس فيها أخوتُه وقد مر به طالوتُ وهو يحرِّض الناسِ على القتال فقال له داودُ ما تصنعون بمن يقتل هذا الأقلفَ قال طالوت أنكحه بنتى وأعطيه شطرَ مملكتي فبرز له داودُ فرماه بما معه من الأحجار بالمِقلاع فأصابه في صدره فنفذ الأحجارُ منه وقتلت بعده ناسا كثيرا وقيل إنما كلمته الأحجارُ عند بروزه لجالوتَ في المعركة فأنجز له طالوتُ ما وعده وقيل إنه حسده وأخرجه من مملكته ثُمَّ ندِمَ عَلَى مَا صنعه فذهب يطلبه إلى أن قُتل ومُلِّك داودُ ﵇ وأعطيَ النبوةَ وذلك قوله تعالى
﴿وآتاه الله الملك﴾ أي مُلكَ بني إسرائيلَ في مشارقِ الأرض المقدسةِ ومغاربِها
﴿والحكمة﴾ أي البنوة ولم يجتمع في بني إسرائيلَ الملكُ والنبوةُ قبله إلا له بل كان الملكُ في سِبط والنبوة في سبط
стр. 501
٢٥٢ - ٢٥٣ البقرة آخرَ وما اجتمعوا قبله على ملك قط
﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء﴾ أي مما يشاء الله تعالى تعليمَه إياه لا مما يشاء داودُ ﵇ كما قيل لأن معظم ما علمه تعالى إياه مما لا يكاد يخطرُ ببال أحد ولا يقع في أمنية بشرٍ ليتمكنَ من طلبه ومشيئته كالسَّرَد بإِلانةِ الحديد ومنطقِ الطير والدوابِّ ونحو ذلك من الأمور الخفية
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم﴾ الذين يباشرون الشر والفساد
﴿بِبَعْضِ﴾ آخرَ منهم بردِّهم عما هم عليه بما قدر الله تعالى من القتل كما في القصة المحكية أو غيره وقرئ دِفاعُ الله على أن صيغة المبالغة للمبالغة
﴿لَفَسَدَتِ الارض﴾ وبطلت منافعُها وتعطلت مصالحُها من الحرْث والنسل وسائر ما يعمُر الأرضَ ويُصلِحها وقيل لولا أن الله ينصُر المسلمين على الكافرين لفسدت الأرضُ بعيثهم وقتلهم المسلمين أولو لم يدفعهم بالمسلمين لعم الكفر ونزلت السخطة فاستؤصلَ أهلُ الأرض قاطبة
﴿ولكن الله ذُو فَضْلٍ﴾ عظِيمٌ لا يقادَر قدرُه
﴿عَلَى العالمين﴾ كافةً وهذا إشارةٌ إلى قياس استثنائي مؤلفٍ من وضع نقيض المقدم منتج لنقيض التالي خلا أنه قد وضع ما يستتبعه ويستوجبه أعني كونه تعالى ذا فضلٍ على العالمين إيذاناً بأنه تعالى متفضِّلٌ في ذلك الدفع من غير أن يجبَ عليه ذلك وأن فضلَه تعالى غيرُ منحصرٍ فيه بل هو فردٌ من أفراد فضلِه العظيم كأنه قيل ولكنه تعالى يدفع فسادَ بعضِهم ببعض فلا تفسد الأرض وتنتطم به مصالِحُ العالمِ وتنصَلِحُ أحوالُ الأمم
стр. 502
﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى ما سلف من حديث الألوفِ وخبرِ طالوتَ على التفصيل المرقومِ وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو شأنِ المشارِ إليه
﴿آيات الله﴾ المنزلةُ من عنده تعالى والجملةُ مستأنفة وقولُه تعالَى
﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ﴾ أي بواسطة جبريلَ ﵇ إما حالٌ من الآيات والعامل معنى الإشارة وإما جملةٌ مستقلة لا محلَّ لها من الإعراب
﴿بالحق﴾ في حيز النصبِ على أنه حالٌ من مفعول نتلوها أي ملتبسةً باليقين الذي لا يرتاب فيه أحدٌ من أهل الكتاب وأربابِ التواريخ لما يجدونها موافقة لما في في كتبهم أو من فاعلِه أي نتلوها عليك ملتبسين بالحق والصواب أو من الضمير المجرور أي ملتبساً بالحق والصدق
﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ المرسلين﴾ أي من جملة الذين أُرسلوا إلى الأمم لتبيلغ رسالاتِنا وإجراءِ أوامرِنا وأحكامنا عليهم فإن هذه المعاملةَ لا تجري بيننا وبين غيرهم فهي شهادة منه سبحانه برسالته ﵊ إثرَ بيانِ مايستوجبها والتأكيدُ من مقتضيات مقامِ الجاحدين بها
стр. 503
﴿تِلْكَ الرسل﴾ استئنافٌ فيه رمز إلى أنه ﵊ من
стр. 504
أفاضلِ الرسلِ العظامِ عليهم الصلاة والسلام وإثر بيانِ كونِه من جملتهم والإشارةُ إلى الجماعة الذين من جملتهم النبيِّ ﷺ فاللام في المآل للاستغراق وما فيه من معنى البُعد للإيذانِ بعلوِّ طبقتِهم وبُعدِ منزلتهم وقيل إلى الذين ثبت علمه ﷺ بهم
﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ﴾ في مراتب الكمالِ بأن خصَصْناه حسبما تقتضيه مشيئتُنا بمآثِرَ جليلةٍ خلا عنها غيرُه
مّنْهُمْ مَّن كلم الله تفصيل للتفضيل المذكور إجمالاً أي فضله بأن كلمهُ تعالى بغير سفير وهو موسى ﵊ حيث كلمهُ تعالى ليلةَ الخِيْرة وفي الطور وقرىء كلم الله بالنصب وقرىء كالَمَ الله من المكالمة فإنه كلّم الله تعالى كما أنه تعالى كلمه ويؤيده كليمُ الله بمعنى مكالمِه وإيرادُ الاسمِ الجليلِ بطريق الالتفاتِ لتربية المهابةِ والرمزِ إلى ما بين التكليم والرفعِ وبين ما سبَقَ من مطلق التفضيل وما لحق من إيتاء البينات والتأييد بروحِ القدسِ من التفاوت
﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درجات﴾ أي ومنهم من رفعه على غيره من الرسل المتفاوتين في معارجِ الفضل بدرجات قاصية ومراتب نائبه وتغييرُ الأسلوب لتربية ما بينهم من اختلاف الحالِ في درجات الشرفِ والظاهرُ انه رسول الله ﷺ كما ينبىء عنه الإخبارُ بكونه ﵊ منهم فإن ذلك في قوة بعضهم فإنه قد خُصَّ بالدعوة العامة والحُجج الجمة والمعجزاتِ المستمرة والآياتِ المتعاقبة بتعاقُب الدهور والفضائلِ العلمية والعمليةِ الفائتة للحصر والإبهامُ لتفخيم شأنه وللإشعار بأنه العلَمُ الفردُ الغنيُّ عن التعيين وقيل إنه إبراهيمَ ﵊ حيث خصه تعالى بكرامة الخُلّة وقيل إدريسُ ﵇ حيث رفعه مكاناً علياً وقيل أوُلو العزم من الرسلُ عليهم الصَّلاةُ والسلام
وآتينا عيسى ابن مَرْيَمَ البيِّنات الآياتِ الباهرةَ والمعجزاتِ الظاهرةَ من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والإخبارِ بالمغيّبات أو الإنجيلَ
﴿وأيدناه﴾ أي قويناه
﴿بِرُوحِ القدس﴾ بضم الدال وقرىء بسكونها أي بالروح المقدسة كقولك رجل صدق وهو روحُ عيسى وإنما وصفت بالقدس للكرامة أو لأنه ﵇ لم تضمه الأصلاب والأرحام والطوامث وقيل بجبريلَ وقيل بالإنجيلِ كما مر وإفرادُه ﵇ بما ذكر لرد ما بين أهلِ الكتابين في شأنه ﵇ من التفريط والإفراط والآيةُ ناطقة بأن الأنبياءَ ﵈ متفاوتةُ الأقدار فيجوزُ تفضيلُ بعضِهم على بعض ولكن بقاطع
﴿وَلَوْ شَاء الله مَا اقتتل الذين مِن بَعْدِهِم﴾ أي جاءوا من بعد الرسلِ من الأمم المختلفة أي لو شاء الله عدم اقتتالهم ما اقتتلوا بأن جعلَهم متفقين على اتباع الرسلِ المتفقةِ على كلمة الحقِّ فمفعولُ المشيئةِ محذوفٌ لكونه مضمونَ الجزاءِ على القاعدة المعروفة وقيل تقديرُه ولو شاء هدى الناس جميعاً ما اقتتل الخ وليس بذاك
﴿مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ﴾ من جهة أولئك الرسلِ
﴿البينات﴾ المعجزاتُ الواضحةُ والآياتُ الظاهرة الدالةُ على حقية الحقِّ الموجبةِ لاتباعهم الزاجرةُ عن الإعراض عن سَننهم المؤدِّي إلى الاقتتال فمِنْ متعلقةٌ باقتتل
﴿ولكن اختلفوا﴾ استدراك من الشرطية أُشير به إلى قياس استثنائي مؤلف من وضع نقيض مقدمها منتج لنقيض تاليها إلا أنه قد وُضع فيه الاختلافُ موضعَ نقيضِ المقدم المترتب عليه للإيذان بأن الاقتتالَ ناشئ من قِبَلهم لا من جهتِه تعالَى ابتداءً كأنه قيل ولكن لم يشأ عدمَ اقتتالِهم لأنهم اختلفوا اختلافاً فاحشاً
﴿فَمِنْهُمْ مَّنْ آمن﴾ بما جاءت به أولئك الرسل من البينات وعلموا به
﴿وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ﴾ بذلك كفراً لا ارعواءَ له عنه فاقتضت الحِكمةُ
стр. 505
٢٥٤ - ٢٥٥ البقرة عدمَ مشيئتِه تعالى لعدم اقتتالِهم فاقتتلوا بموجبِ اقتضاءِ أحوالِهم
﴿وَلَوْ شَاء الله﴾ عدمَ اقتتالهم بعد هذه المرتبة أيضاً من الاختلاف والشقاق المستتبعين للاقتتال بحسب العادة
﴿مَا اقتتلوا﴾ وما نبَض منهم عِرقُ التطاول والتعادي لما أن الكل تحت ملَكوتِه تعالى فالتكريرُ ليس للتأكيد كما ظُن بل للتنبيه على أن اختلافهم ذلك ليس موجب لعدم مشيئته تعالى لعدم اقتتالهم كما يفهم ذلك من وضعه في الاستدراك موضعه بل هو سبحانه مختار في ذلك حتى لو شاء بعد ذلك عدم اقتتالهم ما اقتتلوا كما يفصح عنه الاستدراك بقوله
﴿ولكن الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ أي من الأمور الوجودية والعدمية التي من جملتها عدمُ مشيئته عدم اقتتالهم فإن الترك أيضاً من جملة الأفعال أي يفعل ما يريد حسبما يريد من غيرِ أنْ يوجبَه عليه موجب أو يمنعه منه مانع وفيه دليلٌ بيِّنٌ على أن الحوادث تابعة لمشيئته سبحانه خيرا كان أو شرا إيماناً كان أو كفراً
стр. 506
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ﴾ في سبيل الله
﴿من ما رزقناكم﴾ أي شيئاً مما رزقنا كموه على أن ما موصولةٌ حُذف عائدُها والتعرضُ لوصوله منه تعالى للحث على الإنفاق كما في قوله تعالى وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ والمرادُ به الإنفاقُ الواجبُ بدلالة ما بعده من الوعيد
﴿مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَاّ بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شفاعة﴾ كلمةُ مِن متعلقةٌ بما تعلقت به أختها ولا ضمير فيه لاختلاف معنييهما فإن الأولى تبعيضيةٌ وهذه لابتداء الغايةِ أي أنفِقوا بعضَ ما رزقناكم مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يوم لا تقدِرون على تلافي ما فرّطتم فيه إذ لا تبايُعَ فيه حتى تتبايعوا ما تُنفقونه أو تفتدون به من العذاب ولا خُلةٌ حتى يسامحَكم به أخلاؤكم أو يُعينوكم عليه ولا شفاعةٌ إِلَاّ لِمَنْ أذِنَ لَهُ الرحمن ورضِيَ له قولاً حتى تتوسلوا بشفعاءَ يشفعون لكم في حطّ ما في ذمتكم وإنما رُفعت الثلاثةُ مع قصد التعميم لأنها في التقدير جوابُ هل فيه بيعٌ أو خلةٌ أو شفاعة وقرئ بفتح الكل
﴿والكافرون﴾ أي والتاركون للزكاة وأشارة عليه للتغليظ والتهديد كما في قوله تعالى ومن كَفَرَ مكانَ ومَنْ لم يحُجّ وللإيذان بأن تركَ الزكاة من صفات الكفار قال تعالى وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ الذين لا يؤتون الزكاة
﴿هُمُ الظالمون﴾ أي الذين ظلموا أنفسَهم بتعريضها للعقاب ووضعوا المالَ في غير موضعِه وصرفوه إلى غير وجهه
стр. 507
﴿الله لَا إله إِلَاّ هُوَ﴾ مبتدأٌ وخبرٌ أي هو المستحق للمعبودية لا غير وفي إضمارِ خبرِ لا مِثلَ في الوجودِ أو يصِح أن يوجدَ خلافٌ للنحاة معروفٌ
﴿الحى﴾ الباقي الذي لا سبيل عليه للموت والفناء وهو إما خبرٌ ثانٍ أو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أو بدل من لا إله إلا هو أو بدلٌ من الله أو صفة له ويعضُده القراءة بالنصب على المدح لاختصاصه بالنعت
﴿القيوم﴾ فَيْعولٌ من قام بالأمر إذا حفِظه أي دائمُ القيام بتدبير الخلق وحفظه وقيل
стр. 508
هو القائمُ بذاته المقيمُ لغيره
﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ السِنةُ ما يتقدم النومَ من الفتور قال عديُّ بنُ الرقاعِ العاملي
وَسْنانُ أقصده النعاسُ فرنَّقت ... في عينه سِنةٌ وليس بنائمِ
والنومُ حالةٌ تعرِضُ للحيوان من استرخاء أعصابِ الدماغِ من رُطوبات الأبخرة المتصاعدة بحيث تقِف المشاعرُ الظاهرةُ عن الإحساس رأساً والمرادُ بيان انتفاءِ اعتراءِ شيءٍ منهما له سبحانه لعدم كونهما من شأنه تعالى لا لأنهما قاصران بالنسبة إلى القوة الإلهية فإنه بمعزل من مقامِ التنزيهِ فلا سبيلَ إلى حمل النظم الكريمِ على طريقة المبالغةِ والترقي بناءً على أن القادرَ على دفع السِنة قد لا يقدرُ على دفع النوم القويِّ كما في قولك فلانٌ يقِظٌ لا تغلِبُه سِنةٌ ولا نوم وإنما تأخيرُ النوم للمحافظة على ترتيب الوجودِ الخارجي وتوسيطُ كلمةِ لا للتنصيص على شمول النفي لكلَ منهما كما في قوله وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً الآية وأما التعبيرُ عن عدم الاعتراءِ والعُروضِ بعدم الأخذ فلمراعاة الواقع إذ عُروضُ السِنةِ والنومِ لمعروضهما إنما يكون بطريق الأخذِ والاستيلاء وقيلَ هو من باب التكميل والجملةُ تأكيدٌ لما قبلها من كونه تعالى حياً قيوما فإن من يعتربه أحدُهما يكونُ موقوفَ الحياةِ قاصراً في الحفظ والتدبيرِ وقيل استئنافٌ مؤكدٌ لما سبق وقيل حال مؤكدةٌ من الضَّمير المستكِّنِ في القيوم
﴿لَّهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الارض﴾ تقريرٌ لقيّوميّته تعالى واحتجاجٌ به على تفرّده في الألوهية والمراد بما فيهما ماهو أعمُّ من أجزائهما الداخلةِ فيهما ومن الأمور الخارجةِ عنهما المتمكنة فيهما من العُقلاء وغيرِهم
﴿مَن ذَا الذى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَاّ بِإِذْنِهِ﴾ بيانٌ لكبرياء شأنه وأنه لا يدانيه أحدٌ ليقدِر على تغيير ما يريده شفاعةً وضراعةً فضلاً عن أن يُدافعه عِناداً أو مُناصبةً
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي ما قبلهم وما بعدهم أو بالعكس لأنك مستقبِلُ المستقبَل ومستدبِرُ الماضي أو أمور الدنيا وأمور الآخرة أو بالعكس أوما يُحسّونه وما يعقِلونه أو ما يدركونه ومالا يدركونه والضميرُ لما في السموات والأرض بتغليب ما فيهما من العقلاء على غيرهم أو لما دل عليه من ذا الذي من الملائكةِ والأنبياءُ عليهم الصلاة والسلام
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْء مّنْ عِلْمِهِ﴾ أي من معلوماته
﴿إِلَاّ بِمَا شَاء﴾ أن يعلموه وعطفُه على ما قبله لما أنهما جميعاً دليلٌ على تفرّده تعالى بالعلم الذاتي التامِّ الدالِّ على وحدانيته
﴿وسع كرسيه السماوات والارض﴾ الكرسي ما يُجلَس عليه ولا يفضُلُ عن مقعد القاعد وكأنه منسوبٌ إلى الكِرْس الذي هو المُلبَّد وليس ثمةَ كُرسيٌّ ولا قاعد وإنما هو تمثيل لعظمةِ شأنه وسَعة سلطانه وإحاطةِ علمه بالأشياء قاطبةً على طريقة قولُه عز قائلاً وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ والارض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسموات مطويات بِيَمِينِهِ وقيل كرسيُّه مجازٌ عن علمِه أخذاً من كرسيِّ العالِم وقيل عن مُلكه أخذاً من كرسيّ المُلك فإن الكرسيَّ كلما كان أعظمَ تكون عظمةُ القاعدِ أكثرَ وأوفرَ فعبر عن شمول علمه أو عن بسطةِ ملكه وسلطانِه بسَعة كرسيِّه وإحاطته بالأقطار العلوية والسفلية وقيل هو جِسمٌ بين يدي العرشِ محيطٌ بالسموات السبع لقوله ﷺ ما السمواتُ السبعُ والأرضونَ السبعُ مع الكرسي إلا كحلقة في فلان وفضلُ العرشِ على الكرسيِّ كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة ولعله الفلَكُ الثامن وعن الحسن البصريّ أنه العرش
﴿وَلَا يَؤُودُهُ﴾ أي لا يُثقِله ولا يشُقُّ عليه
﴿حِفْظُهُمَا﴾ أي حفظُ السموات والأرضِ وإنما لم يتعرَّضْ لذكر ما فيهما لما أن حفظتهما مستتبعٌ لحفظه
﴿وَهُوَ العلى﴾ المتعالى بذاته عن الأشياء والأنداد
﴿العظيم﴾
стр. 509
٢٥٦ - البقرة الذي يُستحْقَر بالنسبة إليه كلُّ ما سواه ولما ترى من انطواء هذه الآيةِ الكريمةِ على أمهات المسائل الإلهية المتعلقةِ بالذات العليةِ والصفاتِ الجلية فإنها ناطقةٌ بأنه تعالى موجودٌ متفردٌ بالإلهية متصفٌ بالحياة واجبُ الوجود لذاته موجدٌ لغيره لما أن القيومَ هو القائمُ بذاته المقيمُ لغيره منزَّهٌ عن التحيز والحلول مبرأٌ عن التغير والفتور لا مناسبةَ بينه وبين الأشباح ولا يعتريه ما يعتري النفوسَ والأرواحَ مالكُ المُلك والملكوتِ ومُبدعُ الأصولِ والفروع ذو البطش الشديد لا يشفَع عنده إِلَاّ مَنْ أذِن لَهُ فيه العالِمُ وحده بجميع الأشياء جليِّها وخفيِّها كليِّها وجزئيِّها واسعُ الملك والقدرة لكل ما مِن شأنه أن يُملَكَ ويُقدَرَ عليه لا يشُقّ عليه شاقٌّ ولا يشغَلُه شأنٌ عن شأنٍ متعالٍ عما تناله الأوهامُ عظيمٌ لا تُحدق به الأفهام تفردت بفضائلَ رائقةٍ وخواصَّ فائقة خلت عنها أخواتها قال ﷺ إن أعظمَ آيةٍ في القرآن آيةُ الكرسي من قرأها بعث الله تعالى ملِكاً يكتُب من حسناته ويمحو من سيئاته إلى الغد من تلك الساعة وقال ﵊ ما قُرئت هذه الآيةُ في دار إلا هجرتْها الشياطينُ ثلاثين يوماً ولا يدخُلها ساحرٌ ولا ساحرةٌ أربعين ليلة ياعلي علِّمْها ولدَك وأهلَك وجيرانَك فما نزلت آيةٌ أعظمُ منها وقال ﷺ مَنْ قرأ آيةَ الكرسيِّ في دُبُرِ كلِّ صلاة مكتوبةٍ لم يمنعْه من دخول الجنةِ إلا الموتُ ولا يواظِبُ عليها إلا صدِّيق أو عابدٌ ومن قرأها إذا أخذ مضجعَه أَمَّنَه الله تعالى على نفسه وجارِه وجار جاره والابيات حوله وقال ﵊ سيدُ البشر آدمُ وسيد العربِ محمدٌ ولا فخرٌ وسيدُ الفُرس سلمانُ وسيدُ الرومِ صُهيبٌ وسيدُ الحبشةِ بلالٌ وسيد الجبال الطورُ وسيدُ الأيام يومُ الجمعة وسيد الكلام القرآن وسيدُ القرآنِ سورةُ البقرة وسيدُ البقرةِ آيةُ الكرسي وتخصيص سيادته ﷺ للعرب بالذكر في أثناء تعدادِ السيادات الخاصةِ لا يدل على نفي مادلت عليه الأخبارُ المستفيضةُ وانعقد عليه الإجماعُ من سيادته ﷺ لجميع أفرادِ البشر
стр. 510
﴿لا إِكْرَاهَ فِى الدين﴾ جملة مستأنفة جاء بها إثرَ بيانِ تفرُّدِه بالشئون الجليلةِ الموجبةِ للإيمان به وحده إيذاناً بأن مِنْ حق العاقل أن لايحتاج إلى التكليف والإلزام بل يختارُ الدينَ الحقَّ من غير ترددٍ وتلعثم وقيل هو خبرٌ في معنى النهي أي لا تُكرِهوا في الدين فقيل منسوخٌ بقوله تعالى جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عَلَيْهِمْ وقيل خاصٌّ بأهل الكتاب حيث حصَّنوا أنفسَهم بأداءِ الجزية ورُوي أنه كان لأنصاريَ من بني سالمِ بنِ عوفٍ ابنان قد تنصّرا قبل مبعثه ﷺ ثم قدِما المدينة فلزِمهما أبوهما وقال والله لا أدَعُكما حتى تُسلما فأَبَيا فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فنزلت فخلاّهما
﴿قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي﴾ استئنافٌ تعليلي صُدّر بكلمة التحقيقِ لزيادة تقريرِ مضمونِه كما في قوله قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنّى عُذْراً أي إذ قد تبين بما ذُكر من نعوته تعالى التي يمتنع توهُّمُ اشتراك غيرِه في شيء منهما الإيمانُ الذي هو الرشدُ الموصل إلى السعادة الأبدية من الكفر الذي هو الغيُّ المؤدي إلى الشقاوة السرمدية
﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت﴾
стр. 511
هو بناءُ مبالغة من الطغيان كالمَلَكوت والجَبَروت قُلب مكانُ عينه ولامِه فقيل هو في الأصل مصدر وإليه ذهب الفارسيُّ وقيل اسمُ جنسٍ مُفرَدٍ مذكر وإنما الجمعُ والتأنيثُ لإرادة الآلهةِ وهو رأيُ سيبويه وقيل هو جمعٌ وهو مذهبُ المبرِّد وقيل يستوي فيه المُفرَد والجمعُ والتذكيرُ والتأنيثُ أي فمن يعملْ إثرَ ما تميز الحقُّ من الباطل بموجب الحُججِ الواضحةِ والآياتِ البينة ويكفرْ بالشيطان أو بالأصنام أو بكل ماعبد من دونِ الله تعالَى أو صَدَّ عن عبادته تعالى لِما تبيّن له كونُه بمعزل من استحقاق العبادةِ
﴿وَيُؤْمِن بالله﴾ وحدَه لما شاهد من نعونة الجليلةِ المقتضيةِ لاختصاص الألوهيةِ به الموجبةِ للإيمان والتوحيدِ وتقديمُ الكفرِ بالطاغوت على الإيمان به تعالى لتوقفه عليه فإن التخليةَ متقدّمةٌ على التحلية
﴿فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى﴾ أي بالغَ في التمسُّك بها كأنه وهو ملتبسٌ به يطلُبُ من نفسه الزيادةَ فيه والثباتَ عليه
﴿لَا انفصام لَهَا﴾ الفصم الكسر بغير إبانة كما أن القَصْم هو الكسر بإبانة ونفيُ الأول يدل على انتفاءِ الثاني بالأولوية والجملةُ إما استئنافٌ مقرِّر لما قبلَها من وَثاقة العُروة وإما حالٌ من العروة والعاملُ استمسك أو من الضمير المستتر في الوثقى ولها في حيز الخبر أي كائن لها والكلامُ تمثيلٌ مبنيٌّ على تشبيه الهيئةِ العقليةِ المنتزَعةِ من ملازمة الاعتقادِ الحقِّ الذي لا يحتمل النقيضَ أصلاً لثبوته بالبراهين النيِّرة القطعية بالهيئة الحِسّية المنتزَعه من التمسُّك بالحبل المُحْكَم المأمونِ انقطاعُه فلا استعارةَ في المفردات ويجوز أن تكونَ العُروةُ الوثقى مستعارةً للاعتقاد الحقِّ الذي هو الإيمانُ والتوحيدُ لا للنظر الصحيح المؤدّي إليه كما قيل فإنه غيرُ مذكورٍ في حيز الشرط والاستمساكُ بها مستعاراً لِما ذكر من الملازمة أو ترشيحاً للاستعارة الأولى
﴿والله سَمِيعٌ﴾ بالأقوال
﴿عَلِيمٌ﴾ بالعزائم والعقائدِ والجملةُ اعتراضٌ تذييلي حاملٌ على الإيمان رادِعٌ عن الكفر والنفاق بما فيهِ من الوعدِ والوعيدِ
стр. 512
﴿الله وليُّ الذين آمنوا﴾ أي مُعينُهم أو متولي أمورِهم والمرادُ بهم الذين ثبت في علمه تعالى إيمانهم في الجملة مالاأو حالاً
﴿يُخْرِجُهُم﴾ تفسيرٌ للولاية أو خبرٌ ثانٍ عند من يجوز كونَه جملة أو حال من الضمير في وليّ
﴿مِنَ الظلمات﴾ التي هي أعمُّ من ظلمات الكفرِ والمعاصي وظلماتِ الشُبَه بل مما في بعض مراتبِ العلوم الاستدلالية من نوعِ ضعفٍ وخفاءٍ بالقياس إلى مراتبها القوية الجليةِ بل مما في جميع مراتبِها بالنظر إلى مرتبة العِيان كما ستعرفه
﴿إِلَى النور﴾ الذي يعمُّ نورَ الإيمان ونورَ الإيقان بمراتبه ونورَ العِيان أي يُخرج بهدايته وتوفيقِه كلَّ واحد منهم من الظُلمة التي وقع فيها إلى ما يقابلها من النور وإفراد النور لوحده الحق كما أن جمعَ الظلمات لتعدد فنون الضلال
﴿والذين كَفَرُواْ﴾ أي الذين ثبت في علمه تعالى كفرهم
﴿أولياؤهم﴾ أي الشياطينُ وسائرُ المضلين عن طريق الحق فالموصولُ مبتدأ وأولياؤُهم مبتدأٌ ثانٍ والطاغوتُ خبرُه والجملةُ خبرٌ للأولِ والجملة معطوفة على ماقبلها ولعل تغييرَ السبك للاحتراز عن وضع الطاغوتِ في
стр. 513
٢٥٨ - البقرة مقابلة الاسم الجليل ولقصد المبالغة بتكرير الإسناد مع الإيمان إلى التباين بين الفريقين من كل وجهٍ حتى من جهة التعبير أيضاً
﴿يُخْرِجُونَهُم﴾ بالوساوس وغيرِها من طرق الإضلال والإغواء
﴿مّنَ النور﴾ الفِطري الذي جُبل عليه الناسُ كافةً أو من نور البيناتِ التي يشاهدونها من جهة النبيِّ ﷺ بتنزيل تمكُّنِهم من الاستضاءة بها منزلةَ نفسِها
﴿إِلَى الظلمات﴾ ظلماتِ الكفر والانهماكِ في الغي وقيل نزلت في قوم ارتدّوا عن الإسلام والجملةُ تفسير لولاية الطاغوت أو خبرٌ ثانٍ كما مر وإسنادُ الإخراجِ من حيث السببيةُ إلى الطاغوت لا يقدَحُ في استناده من حيث الخلقُ إلى قدرته سبحانه
﴿أولئك﴾ إشارةٌ إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة وما يتبعه من القبائح
﴿أصحاب النار﴾ أي ملابسوها وملازموها بسبب مالهم من الجرائم
﴿هُمْ فِيهَا خالدون﴾ ما كثون أبداً
стр. 514
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذى حَاجَّ إبراهيم فِى رِبّهِ﴾ استشهادٌ على ما ذكر من أن الكفَرةَ أولياؤُهم الطاغوتُ وتقريرٌ له على طريقة قوله تعالى أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ كما أن ما بعده استشهاد على ولايته تعالى للمؤمنين وتقريرٌ لها وإنما بُدىء بهذا الرعاية الاقترانِ بينه وبين مدلولِه ولاستقلاله بأمر عجيبٍ حقيق بأن يُصدَّر به المقالُ وهو اجتراؤه على المُحاجّة في الله عزوجل وما أتى بها في أثنائها من العظيمة المنادية بكمال حماقته ولأن فيما بعده تعدداً وتفصيلاً يورث تقديمُه انتشار النظم على أنه قد أشير في تضاعيفه إلى هداية الله تعالى أيضاً بواسطة إبراهيمَ ﵇ فإن ما يحكى عنه من الدعوة إلى الحق وإدحاضِ حجةِ الكفار من آثار ولايته تعالى وهمزةُ الاستفهامِ لإنكارِ النفي وتقريرِ المنفي أي ألم تنظُرْ أو ألم ينتهِ علمُك إلى هذا الطاغوت المارد كيف تصدى لإضلال الناس وإخراجهم من النور إلى الظلمات أي قد تحققت الرؤيةُ وتقرَّرت بناءً على أن أمره منَ الظهورِ بحيثُ لا يكاد يخفى على أحد ممن له حظٌّ من الخطاب فظهر أن الكفرة أولئك الطاغوتُ وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره ﵇ تشريفٌ له وإيذانٌ بتأييده في المُحاجة
﴿أَنْ آتاه الله الملك﴾ أي لأن آتاه إياه حيث أبطره ذلك وحملَه على المُحاجّة أو حاجه لأجله وضعاً للمُحاجّة التي هي أقبحُ وجوهِ الكفر موضعَ ما يجبُ عليه من الشكر كما يقال عاديتني لأن أحسنتُ إليك أو وقتَ أن آتاه الله وهو حجةٌ على من منع إيتاءَ الله المُلك للكافر
﴿إِذْ قَالَ إبراهيم﴾ ظرفٌ لحاجَّ أو بدلٌ من آتاه على الوجه الأخير
﴿ربي الذي يُحيي ويميت﴾ بفتح ياء ربي وقرئ بحذفها روى أنه ﷺ لما كسر الأصنام سجنه ثم أخرجه فقال من ربُّك الذي تدعو إليه قال ربي الذي يُحيي ويميت أي يخلُق الحياةَ والموتَ في الأجساد
﴿قَالَ﴾ استئناف مبني على السؤال كأنه قيل كيف حاجّه في هذه المقالة القوية الحقة فقيل قال
﴿أنا أحيى وأميت﴾ رُوي أنه دعا برجلين فقتل أحد هما وأطلق الآخر فقال ذلك
﴿قَالَ إبراهيم﴾ استئنافٌ كما سلف كأنه قيل
стр. 515
٢٥٩ - البقرة
فماذا قال إبراهيمُ لمن في هذه المرتبة من الحماقة وبماذا أفحمه فقيل قال
﴿فَإِنَّ الله يَأْتِى بالشمس مِنَ المشرق﴾ حسبما تقتضيه مشيئتُه
﴿فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب﴾ إن كنت قادراعلى مثل مقدور اته تعالى لم يلتفِتْ ﵇ إلى إبطال مقالةِ اللعين إيذاناً بأن بطلانها من الجلاءِ والظهورِ بحيث لا يكاد يخفى على أحد وأن التصديَ لإبطالها من قبيل السعي في تحصيل الحاصل وأتى بمثال لا يجد اللعين فيه مجالاً للتمويه والتلبيس
﴿فَبُهِتَ الذى كَفَرَ﴾ أي صار مبهوتا وقرئ على بناء الفاعل على أن الموصول مفعوله أي فغلب إبراهيمُ الكافر وأسكته وإيراد الكفر في حيز الصلة للإشعار بعلة الحكم والتنصيص على كون المحاجة كفراً
﴿والله لَا يَهْدِى القوم الظالمين﴾ تذبيل مقرر لمضمون ما قبله أي لا يهدي الذين ظلُموا أنفسَهم بتعريضِها للعذابِ المخلد بسبب إعراضِهم عن قبول الهداية إلى مناهج الاستدلالِ أو إلى سبيل النجاةِ أو إلى طريق الجنةِ يوم القيامة
стр. 516
﴿أَوْ كالذي مَرَّ على قَرْيَةٍ﴾ استشهادٌ على ما ذكر من ولايته تعالى للمؤمنين وتقريرٌ لَهُ معطوفٌ على الموصول السابق وإيثارُ أو الفارقةِ على الواو الجامعة للاحتراز عن توهّم اتحادِ المستشهد عليه من أول الأمر والكاف إما اسميةٌ كما اختاره قوم جيئ بها للتنبيه على تعدد الشواهد وعدم انحصارِها فيما ذُكر كما في قولك الفعلُ الماضي مثلُ نصر وإما زائدة كما ارتضاه آخرون والمعنى اولم ترى إلى مثل الذي أو إلى الذي مرَّ على قرية كيف هداه الله تعالى وأخرجه من ظُلمة الاشتباه إلى نور العِيان والشهود أي قد رأيت ذلك وشاهدت فإذن لا ريبَ في أن الله وليُّ الذين آمنوا الخ هذا وأما جعلُ الهمزةِ لمجرد التعجيبِ على أن يكون المعنى في الأول ألم تنظرُ إلى الذي حاجّ الخ أي انظُر إليه وتعجبْ من أمره وفي الثاني أو أرأيتَ مثلَ الذي مرَّ الخ إيذاناً بأن حالَه وما جرى عليه في الغرابة بحيث لا يُرى له مَثَلٌ كما استقر عليه رأي الجمهور فغيرُ خليقٍ بجزالة التنزيلِ وفخامة شأنه الجليل فتدبر والمارُّ هو عُزيرُ بنُ شرخيا قاله قتادةُ والربيع وعِكْرِمةُ وناجية بن كعب وسليمان بن يزيدَ والضحاك والسدى ﵃ وقيل هو أرميا بن حلقيا من سبط هرون ﵇ قاله وهب وعبيدُ اللَّه بنُ عمير وقيل أرميا هو الخَضِرُ بعينه قال مجاهد كان المارُّ رجلاً كافراً بالبعث وهو بعيد والقريةُ بيتُ المقدِس قاله وهْبٌ وعكرِمة والربيع وقيل هي ديرُ هِرَقل على شط دِجْلةَ قال الكلبي هي ديرُ سابر آباد وقال السدي هي ديار سلما باد والأول هو الأظهر والأشهر رُوي إن بني إسرائيلَ لما بالغوا في تعاطي الشرِّ والفسادِ وجاوزوا في العتوِّ والطغيانِ كلَّ حدّ معتادٍ سلط الله تعالى عليهم بختنصر البابليَّ فسار إليهم في ستمائة ألفِ رايةٍ حتى وطئ الشامَ وخرَّب بيتَ المقدِس وجعل بني إسرائيلَ أثلاثاً ثلثٌ منهم قتلَهم وثلثٌ منهم أقرهم بالشام وثلثٌ منهم سباهم وكانوا مائة ألف
стр. 517
٢٥٩ - البقرة غلام يافعٍ وغيرِ يافع فقسمهم بين الملوك الذين كانوا معه فأصاب كل ملك منهم أربعة غِلمة وكان عُزير من جملتهم فلما نجاه الله تعالى منهم بعد حين مرّ بحماره على بيتَ المقدِس فرآه على أفظع مرأىً وأوحشَ منظرٍ وذلك قوله عزوجل
﴿وَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا﴾ أي ساقطة على سقوفها بأن سقطت العروشُ ثم الحيطانُ من خوَى البيتُ إذا سقط أو من خوَت الأرضُ أي تهدمت والجملةُ حالٌ من ضمير مر أومن قَرْيَةٌ عند من يجوِّز الحالَ من النكرة مطلقاً
﴿قَالَ﴾ أي تلهفاً عليها وتشوقاً إلى عِمارتها مع استشعار اليأس عنها
﴿أنَّى يُحيِى هذه الله﴾ وهي على مايرى من الحالة العجيبةِ المباينة للحياة وتقديمُها على الفاعل للاعتناء بها من حيث أن الاستعباد ناشىء من جهتها لامن جهة الفاعل وأنى نُصب على الظرفية إن كانت بمعنى متى وعلى الحالية من هذه إن كانت بمعنى كيف والعامل يُحيي وأيا ما كان فالمرادُ استبعادُ عمارتها بالبناء والسكان من بقايا أهلها الذين تفرقوا أيديَ سَبَاْ ومن غيرِهم وإنما عبر عنها بالإحياء الذي هو علَمٌ في البعد عن الوقوع عادة تهويلا للخطاب وتأكيداً للاستبعاد كما أنه لأجله عبر عن خرابها بالموت حيث قيل
﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وحيث كان هذا التعبيرُ معرِباً عن استبعاد الإحياء بعد الموت على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه أراه الله آثِرَ ذي أثيرٍ أبعدَ الأمرين في نفسه ثم في غيره ثم أراه ما استبعده صريحاً مبالغةً في إزاحة ما عسى يختلِجُ في خلَده وأما حملُ إحيائها على إحياء أهلها فيأباه التعرُّضُ لحال القرية دون حالهم والاقتصارَ على ذكر موتهم دون كونهم تراباً وعظاماً مع كونه أدخلَ في الاستبعاد لشدة مباينتِه للحياة وغايةِ بعدِه عن قَبولها على أنه لم تتعلقْ إرادتُه تعالى بإحيائهم كما تعلقت بعمارتها ومعايية المارِّ لها كما ستحيطُ به خبرا
﴿فَأَمَاتَهُ الله﴾ وألبثه على الموت
﴿مِاْئَةَ عَامٍ﴾ رُوي أنه لما دخل القريةَ ربطَ حمارَه فطاف بها ولم يرَ بها أحدا فقال ماقال وكانت أشجارُها قد أثمرت فتناول من التين والعنب وشرِب من عصيره ونام فأماته الله تعالى في منامه وهو شابٌّ وأماتَ حماره وبقيةُ تينِه وعِنَبه وعصيرِه عنده ثم أعمى الله تعالى عنه عيونَ المخلوقاتِ فلم يرَه أحد فلما مضى من موته سبعون سنةً وجّه الله عز وعلا ملِكاً عظيماً من ملوك فارسَ يقال له يوشَكُ إلى بيت المقدس ليعمُرَه ومعه ألفُ قهرمانٍ ثلثُمائة ألفِ عاملٍ فجعلوا يعمُرونه وأهلك الله تعالى بُخْتَ نَصَّر ببعوضة دخلتْ دماغَه ونجى الله تعالى من بقيَ من بني إسرائيلَ وردَّهم إلى بيت المقدِس وتراجَع إليه من تفرق منهم في الأكناف فعمروه ثلاثين سنة وكثُروا وكانوا كأحسنِ ما كانوا عليه فلما تمت المائةُ من موت عُزير أحياه الله تعالى وذلكَ قولِه تعالى
﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ وإيثارُه على أحياه للدلالة على سرعته وسهولةِ تأتِّيه على البارئ تعالى كأنه بعثه من النوم للإيذان بأنه أعاده كهيئته يومَ موته عاقلاً فاهماً مستعداً للنظر والاستدلال
﴿قَالَ﴾ استئنافٌ مبني على السؤالِ كأنَّه قيلَ فماذَا قال له بعد بعثه فقيل قال
﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ ليُظهرَ له عجزة عن الإحاطة بشؤنه تعالى وأن إحيائه ليس بعد مدة يسيرةٍ ربما يُتوَهم أنه هيِّنٌ في الجملة بل بعد مدةٍ طويلةٍ وينحسِم به مادةُ استبعادِه بالمرة ويطلُع في تضاعيفه على أمر آخرَ من بدائعِ آثارِ قُدرتِه تعالى وهو إبقاءُ الغذاء المتسارعِ إلى الفساد بالطبع على ما كان عليه دهراً طويلاً من غير تغيّرٍ ما وكم نُصبَ على الظرفية مميِّزُها محذوفٌ أي كم وقتا لبثت والقائلُ هو اللَّهُ تعالى أو ملَكٌ مأمورٌ بذلك من قِبَله تعالى قيل نُوديَ من السماء يا عزيرُ كم لبثت بعد الموت
﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾
стр. 518
قاله بناءً على التقريب والتخمين أو استقصاراً لمدة لُبثِه وأما ما يقال من أنه مات ضُحىً وبُعث بعد المائة قبيل الغروب فقال قبلَ النظرِ إلى الشمس يوماً فالتفت إليها فرأى منها بقيةً فقال أو بعضَ يوم على وجه الإضراب فبمعزلٍ من التحقيق إذ لاوجه للجزم بتمام اليوم ولو بناءً على حُسبان الغروب لتحقق النُقصان من أوله
﴿قال﴾ استئناف كما سلف
﴿بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ﴾ عطفٌ على مقدرٍ أي ما لبثتَ ذلك القدرَ بل هذا المقدارَ
﴿فانظر﴾ لتُعايِنَ أمراً آخرَ من دلائلِ قدرتنا
﴿إلى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ أي لم يتغيرْ في هذه المدة المتطاولةِ مع تداعيه إلى الفساد رُوي أنه وجد تينَه وعِنَبه كما جَنَى وعصيرَه كما عَصَر والجملة المنفيةُ حالٌ بغير واو كقوله تعالى لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء إما من الطعام والشراب وإفرادُ الضمير لجَرَيانهما مجرى الواحدِ كالغذاء وإما من الأخير اكتفاءً بدلالة حالِه على حال الأول ويُؤيده قراءةُ مَن قرأَ وهذا شرابُك لم يتسنه والهاء أصليةٌ أو هاءُ سَكْتٍ واشتقاقُه من السنة لما أن لامها هاءٌ أو واوٌ وقيل أصلُه لم يتسنّنْ من الحمأ المسنون فقلبت نونُه حرفَ علة كما في تقضى البازي وقد جوز أن يكون معنى لم يتسنهْ لم يمرَّ عليه السنونَ التي مرت لا حقيقةً بل تشبيهاً أي هو على حاله كأنه لم يلبث مائة عام وقرئ لم يَسَّنَّهْ بإدغام التاء في السين
وانظر إلى حِمَارِكَ كيف نخِرَتْ عظامُه وتفرقت وتقطعت أوصالُه وتمزقتْ ليتبين لك ماذكر من اللبث المديدِ وتطمئِنَّ به نفسُك وقوله
﴿ولنجعلك آية لِلنَّاسِ﴾ عطفٌ على مقدر متعلقٍ بفعل مقدرٍ قبله بطريق الاستئنافِ مقرِّرٌ لمضمون ما سبق أيْ فعلنَا ما فعلنَا من إحيائك بعد ما ذكر لتُعايِنَ ما استبعَدْتَه من الإحياء بعد دهرٍ طويلٍ ولنجعلَك آيةً للناس الموجودين في هذا القرنِ بأن يشاهدوك وأنت من أهل القرونِ الخاليةِ ويأخذوا منك ما طُوِي عنهم منذ أحقابٍ مِنْ علمِ التوراة كما سيأتي أو متعلقٌ بفعلٍ مقدرٍ بعدَهُ أي ولنجعلك آية لهم على الوجه المذكور فعلنا ما فعلنا فهو على التقديرين دليلٌ على ما ذكر من اللُبث المديدِ ولذلك فُرِّق بينه وبين الأمرِ بالنظر إلى حماره وتكريرُ الأمر في قوله تعالى
﴿وانظر إِلَى العظام﴾ مع أن المرادَ عظامُ الحمار أيضاً لما أن المأمور به أولاً هو النظرُ إليها من حيث دلالتها على ما ذكر من اللُبث المديد وثانياً هو النظرُ إليها من حيث تعتريها الحياةُ ومباديها أي وانظرْ إلى عظام الحمار لتشاهِدَ كيفيةَ الإحياء في غيرك بعد ما شاهدتَ نفسَه في نفسك
﴿كَيْفَ نُنشِزُهَا﴾ بالزاي المعجمة أي نرفَعُ بعضها إلى بعض ويردها إلى أما كنها من الجسد فتركبها تركيباً لائقاً بها وقال الكسائي نليها ونُعْظِمُها ولعل من فسره بنُحييها أراد بالإحياء هذا المعنى وكذا من قرأ نُنْشِرُها بالراء من أَنْشَر الله تعالى الموتى أي أحياها لا معناه الحقيقي لقوله تعالى
﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ أي نستُرها به كما يُستر الجسدُ باللباس وأما من قرأ نَنشُرُها بفتح النون وضم الشين فلعله أراد به ضِدَّ الطيِّ كما قال الفراء فالمعنى كيف نبسُطها والجملةُ إما حالٌ من العظام أي وانظُر إليها مركبةً مكسُوَّةً لحماً أو بدلُ اشتمالٍ أي وانظُرْ إلى العظام كيفيةِ إنشازِها وبسطِ اللحم عليها ولعل عدمَ التعرض لكيفية نفخِ الروحِ لما أنها مما لا تقتضي الحِكمةُ بيانَه رُوي أنه نودي أيتها العظامُ الباليةُ إن الله يأمرُك يأمرُك أن تجتمعي فاجتمعَ كل جزء من أجزائها التي ذهبَ بها الطيرُ والسِّباعُ وطارت بها الرياح من كل سهلٍ وجبلٍ فانظح بعضُها إلى بعض والتصق كلُّ عضوٍ بما يليق به الضلع بالضلع والذراعُ بمحلها والرأسُ بمَوْضِعها ثم الأعصابُ والعروق ثم انبسط عليه اللحم
стр. 519
٢٦٠ - البقرة ثم الجلدُ ثم خرجت منه الشعورُ ثمَّ نُفخ فيهِ الروحُ فإذا هو قائم ينهَقُ
﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ أي ما دل عليه الأمرُ بالنظر إليه من كيفية الإحياءِ بمباديه والفاء للعطف على مقدر يستدعيه الأمرُ المذكور وإنما حذف للإيذان بظهور تحققِه واستغنائِه عن الذكر وللإشعار بسرعة وقوعِه كما في قوله فَلَمَّا رَآهُ مُستقرّاً عِندَه بعد قوله أنا آتيك بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إليك طرفك كأنه قيل فأنشَزَها الله تعالى وكساها لحماً فنظرَ إليها فتبيّن له كيفيتُه فلما تبين له ذلك أي اتضح اتضاحاً تاماً
﴿قال أعلم أَنَّ الله على كُلّ شىء﴾ من الأشياء التي من جملتها ما شاهده في نفسه وفي غيره من تعاجيبِ الآثارِ
﴿قَدِيرٌ﴾ لا يستعصى عليه أمرٌ من الأمور وإيثارُ صيغةِ المضارعِ للدَلالة على أنَّ علمَه بذلك مستمِرٌّ نظراً إلى أن أصلَه لم يتغيرْ ولم يتبدل بل إنما تبدل بالعيان وصفة إشعارٌ بأنه إنما قال ما قال بناءً على الاستبعاد العادي واستعظاماً للأمر وقد قيل فاعلُ تبيَّن مُضمرٌ يفسرُه مفعولُ أَعْلَمُ أي فلما تبيّن له أَنَّ الله على كُلّ شئ قدير قال أعلم أَنَّ الله على كُلّ شئ قدير فتدبر وقرئ تُبُيِّن له على صيغة المجهول وقرئ قالَ اعْلَمْ على صيغة الأمر رُوي أنه ركب حماره وأتى مَحَلّته وأنكره الناسُ وأنكر الناسَ وأنكر المنازلَ فانطلق على وهْمٍ منه حتى أتى منزلَه فإذا هو بعجوزٍ عمياءَ مُقعَدةٍ قد أدركت زمنَ عزيز فقال لها عزيز يا هذه هذا منزلُ عزيز قالت نعم وأين ذكرى عزير قد فقدناه منذ كذا وكذا فبكت بكاءً شديداً قال فإني عزيرٌ قالت سبحان الله أنى يكونُ ذلك قال قد أماتني الله مائة عام ثم بعثني قالت إن عزيزا كان مستجابَ الدعوة فادعُ الله لي يردُّ عليَّ بصري حتى أراك فدعا ربه ومسَحَ بيده عينيها فصحَّتا فأخذ بيدها فقال لها قومي بإذن الله فقامت صحيحةً كأنها نشِطَتْ من عِقالٍ فنظرت إليه فقالت أشهدُ أنك عزيرٌ فانطلقت إلى مَحَلّة بني إسرائيلَ وهم في أنديتهم وكان في المجلس ابنٌ لعزير قد بلغ مائة وثمانيَ عشْرةَ سنةً وبنو بنيه شيوخ فنادت هذا عزيرٌ قد جاءكم فكذبوها فقالت انظُروا فإني بدعائه رجعت إلى هذه الحالة فنهض الناسُ فأقبلوا إليه فقال ابنه كان لأبي شامةٌ سوداءُ بين كتفيه مثل الهلال فكسف فإذا هو كذلك وقد كان قتل بُختُ نَصَّرُ ببيت المقدس من قرّاء التوراةِ أربعين ألفِ رجل ولم يكن يومئذ بينهم نسخةٌ من التوراة ولا أحدٌ يعرفُ التوراةَ فقرأها عليهم عن ظهر قلبه من غير أن يخْرِم منها حرفاً فقال رجل من أولاد المَسْبيّين ممن ورد بيتَ المقدس بعد مهلِك بُختَ نَصَّرَ حدثني أبي عن جدي أنه دفن التوراةَ يوم سُبينا في خابيةٍ في كَرْم فإن أرَيتُموني كرمَ جدّي أخرجتُها لكم فذهبوا إلى كرم جدِّه ففتشوا فوجدوها فعارضوها بما أملى عليهم عزيز عن ظهر القلب فما اختلفا في حرف واحد فعند ذلك قالوا هو ابنُ الله تعالَى الله عن ذلكَ علواً كبيراً
стр. 520
﴿وَإِذْ قَالَ إبراهيم﴾ دليلٌ آخرُ على ولايته تعالى للمؤمنين وإخراجِه لهم مّنَ الظلمات إِلَى النور وإنما لم يسلُك به مسلكَ
стр. 521
الاستشهاد كما قبله بأن يقال أو كالذي قال ربِّ الخ لجَرَيان ذكره ﵇ في أثناء المحاجة ولأنه لادخل لنفسه ﵇ في أصل الدليل كدأب عُزيرٍ ﵇ فإن ما جَرى عليهِ من إحيائه بعد مائةِ عامٍ من جملة الشواهد على قدرته تعالى وهدايته والظرفُ منتصبٌ بمُضمرٍ صُرِّح بمثله في نحوِ قولِه تعالى واذكروا إِذْ جعلنكم خُلَفَاء أي واذكر وقتَ قوله ﵇ وما وقع حينئذ من تعاجيب صنعِ الله تعالى لتقِفَ على ما مر من ولايته تعالى وهدايته وتوجيهُ الأمرِ بالذكر في أمثالِ هذهِ المواقعِ إلى الوقت دون ما وقع فيه من الواقعات مع أنها المقصودة بالتذكير لما ذُكر غير مرة من المبالغة في إيجاب ذكرها لما أن إيجاب ذكر الوقت إيجابٌ لذكر ما وقع فيه بالطريق البرهانيِّ ولأن الوقتَ مشتمِلٌ عليها مفصّلةً فإذا استحضر كانت حاضرة بتفاصيلها بحيثُ لا يشِذُّ عنها شئ مما ذكر عند الحكاية أو لم يُذْكَرْ كأنها مشاهدةٌ عِياناً
﴿رَبّ﴾ كلمة استعطافٍ قُدّمت بين يدي الدعاء مبالغةً في استدعاء الإجابة
﴿أَرِنِى﴾ من الرؤية البَصَرية المتعدِّية إلى واحدٍ وبدخول همزةِ النقل طلبَتْ مفعولاً آخرَ هو الجملةُ الاستفهامية المعلِّقةُ لها فإنها تعلِّق كما يُعلَّق النظرُ البصَريُّ أي اجعلني مبصراً
﴿كيف تحيي الموتى﴾ بأن تحيِيهَا وأنا أنظرُ إليها وكيف في محل نصبٍ على التشبيه بالظرف عند سيبويه وبالحال عند الأخفش والعاملُ فيها تحيي أي في أيِّ حال أو على أي حالٍ تحيي قال القرطبيُّ الاستفهامُ بكيف إنما هو سؤال عن حال شئ متقررِ الوجود عند السائلِ والمسئول فالاستفهام ههنا عن هيئة الإحياءِ المتقرّر عند السائل أي بصِّرْني كيفيةَ إحيائِك للموتى وإنما سأله ﵇ ليتأيّد إيقانُه بالعِيان ويزدادَ قلبُه اطمئناناً على اطمئنان وأما ما قيل من أن نمرودَ لما قال أنا أحي وأميت قال إبراهيمُ ﵇ إن إحياءَ الله تعالى بردِّ الأرواح إلى الأجساد فقال نمرودُ هل عاينتَه فلم يقدِرْ على أن يقول نعم فانتقل إلى تقريرٍ آخرَ ثم سأل ربه أن يُرِيَه ذلك فيأباه تعليلُ السؤال بالاطمئنان
﴿قَالَ﴾ استئناف كما مر غير مرة
﴿أو لم تُؤْمِن﴾ عطفٌ على مقدرٍ أي ألم تعلمْ ولم تؤمنْ بأني قادرٌ على الإحياء كيف أشاء حتى تسألنى إراءته قاله عز وعلا وهو أعلم بأنه ﵇ أثبتُ الناسِ إيماناً وأقواهم يقيناً ليجيبَ بما أجاب به فيكون ذلك لطفاً للسامعين
﴿قَالَ بلى﴾ علِمت وآمنتُ بأنك قادر على الإحياء على أي كيفية شئت
﴿ولكن﴾ سألت ما سألت
﴿لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى﴾ بمُضامَّة العِيانِ إلى الإيمان والإيقان وأزدادَ بصيرةً بمشاهدته على كيفية معينة
﴿قَالَ فَخُذْ﴾ الفاءُ لجواب شرطٍ محذوفٍ أي إنْ أردت ذلك فخُذ
﴿أَرْبَعَةً مّنَ الطير﴾ قيل هو اسمٌ لجمعِ طائر كرَكْبٍ وسَفْرٍ وقيل جمعٌ له كتاجرٍ وتَجْرٍ وقيل هو مصدرٌ سمي به الجنسُ وقيل هو تخفيفُ طيّرٍ بمعنى طائر كهيْنٍ في هيّن ومِنْ متعلقة بخُذ أو بمحذوف وقع صفة لأربعةً أي أربعةً كائنة من الطير قيل هي طاوس وديكٌ وغرابٌ وحَمامةٌ وقيل نَسْرٌ بدلَ الأخير وتخصيصُ الطير بذلك لأنه أقربُ إلى الإنسان وأجمعُ لخواصِّ الحيوان ولسهولةِ تأتيِّ ما يُفعلُ به من التجزئة والتفريق وغيرِ ذلك
﴿فَصُرْهُنَّ﴾ من صارَه يصورُه أي أماله وقرئ بكسر الصاد من صاره يَصيره أي أمِلْهن واضمُمْهن وقرئ فصُرَّهن بضم الصاد وكسرها وتشديد الراء من صرَّه ويصره إذا جمعه وقرئ فصَرِّهِنّ من التَّصْرية بمعنى الجمع أي اجمَعْهن
﴿إِلَيْكَ﴾ لتتأملَها وتعرِفَ شِياتِها مفصَّلةً حتى تعلم بعد الإحياءِ أن جزءاً من أجزائها لم ينتقِلْ من موضعه الأول أصلاً روي أنه أُمر بأن يذبَحها وينتِفَ ريشها ويقطعها ويفرق
стр. 522
٢٦١ - ٢٦٢ البقرة أجزاءها ويخلِطَ ريشها ودماءَها ولحومها ويمسك رءوسها ثم أمر بأن يجعل أجزاءها على الجبال وذلكَ قولُه تعالى
﴿ثُمَّ اجعل على كُلّ جَبَلٍ مّنْهُنَّ جُزْءا﴾ أي جزِّئهن وفرِّق أجزاءَهن على ما بحضرتك من الجبال قيل كانت أربعة أجبُل وقيل سبعة فجعل على كل جبل ربعا أوسبعا من كل طائر وقرئ جُزُؤاً بضمتين وجُزّاً بالتشديد بطرح همزته تخفيفاً ثم تشديدِه عند الوقف ثم إجراءِ الوصل مْجرى الوقف
﴿ثُمَّ ادعهن يَأْتِينَكَ﴾ في حيز الجزمِ على أنَّه جوابُ الأمر ولكنه بُني لاتصاله بنون جمع مؤنث
﴿سَعْيًا﴾ أي ساعيات مسرعات أو ذواتِ سعيٍ طيراناً أو مشياً وإنما اقتصر على حكاية أوامره من غيرِ تعرضٍ لامتثاله ﵇ ولا لما ترتب عليه من عجائب آثارِ قدرتِه تعالى كما روي أنه ﵇ نادى فقال تعالَيْنَ بإذن لله فجعل كلُّ جزءٍ منهن يطير إلى صاحبه حتى صارت جثثاً ثم أقبلْن إلى رءوسهن فانضمَّتْ كلُّ جثةٍ إلى رأسها فعادت كلُّ واحدة منهن إلى ما كانَتْ عليهِ من الهيئة للإيذان بأن ترتب تلك الأمورِ على الأوامر الجليلةِ واستحالةَ تخلّفها عنها من الجلاء والظهورِ بحيث لا حاجة له إلى الذكر أصلاً وناهيك بالقصة دليلاً على فضل الخليل ويمن الضرعة في الدعاء وحُسنِ الأدب في السؤال حيث أراه الله تعالى ما سأله في الحال على أيسرِ ما يكونُ من الوجوهِ وأرى عزيرا ما أراه بعد ما أماته مائةَ عام
﴿واعلم أَنَّ الله عَزِيزٌ﴾ غالبٌ على أمره لا يعجزه شئ عما يريده
﴿حَكِيمٌ﴾ ذُو حكمةٍ بالغةٍ في أفاعيله فليس بناءُ أفعاله على الأسباب العادية لعجزه عن إيجادها بطريق آخرَ خارقٍ للعادات بل لكونه متضمناً للحِكَم والمصالح
стр. 523
﴿مَّثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم فِى سَبِيلِ الله﴾ أي في وجوه الخيرات من الواجب والنفل
﴿كَمَثَلِ حبة﴾ لابد من تقرير مضافٍ في أحد الجانبين أي مَثلُ نفقتِهم كمثلِ حبةً أو مَثلُهم كمَثلِ باذرِ حبة
﴿أَنبَتَتْ سَبْعَ سنابل﴾ أي أخرجت ساقاً تشعّب منها سبعُ لكل واحدة منها سنبلة
﴿فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ﴾ كما يشاهَد ذلك في الذُرة والدخن في الأراضي المغلة بل أكثر من ذلك وإسنادُ الإنباتِ إلى الحبة مجازيٌ كإسناده إلى الأرض والربيع وهذا التمثيلُ تصويرٌ للأضعاف كأنها حاضرةٌ بين يدَي الناظر
﴿والله يضاعف﴾ تلك المضاعفةَ أو فوقها إلى ما شاء الله تعالى
﴿لِمَن يَشَاء﴾ أن يضاعِفَ له بفضله على حسب حالِ المنفِق من إخلاصه وتعبِه ولذلك تفاوتت مراتبُ الأعمال في مقادير الثواب
﴿والله واسع﴾ لا يَضيقُ عليه ما يتفضّل به من الزيادة
﴿عَلِيمٌ﴾ بنية المنفقِ ومقدارِ إنفاقِه وكيفيةِ تحصيلِ ما أنفقه
стр. 524
﴿الذين يُنفِقُونَ أموالهم فِي سبيل الله﴾ جملة مبتدأ جئ بها لبيان كيفيةِ الإنفاق الذي بُيِّن فضلُه بالتمثيل المذكور
﴿ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُواْ﴾
стр. 525
أي ما أنفقوه أو إنفاقَهم
﴿مَنّا وَلا أَذًى﴾ المن أن يَعتدَّ على مَنْ أحسن إليه بإحسانه ويُريَه أنه أوجبُ بذلك عليه حقاً والأذى أن يتطاولَ عليه بسبب إنعامه عليه وإنما قُدم المن لكثرة وقوعِه وتوسيطُ كلمة لا للدَلالة على شمول النفي لإتباع كل واحدٍ منهما وثم لإظهار علوِّ رتبة المعطوف قيل نزلت في عثمانُ ﵁ حين جهز جيش العُسرة بألفِ بعير بأقتابها وأحلاسها وعبد الرحمن ابن عوف ﵁ حينَ اتى النبيِّ ﷺ بأربعة آلاف درهم صدقةً ولم يكد يخطر ببالهما شئ من المن والأذى
﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ أي حسبما وُعدَ لهم في ضمن التمثيل وهو جملة مبتدأ وخبر وقعت خبرا عن الموصول وفي تكرير الإسناد وتقييدِ الأجر بقوله عِندَ رَبّهِمْ من التأكيد والتشريفِ ما لا يخفى وتخليةُ الخبر عن الفاءُ المفيدةُ لسببيةِ ما قبلَها لما بعدَها للإيذانِ بأن ترتبَ الأجر على ما ذكر من الإنفاق وتركَ إِتباعِ المن والأذى أمرٌ بين لا يحتاجُ إلى التَّصريحِ بالسببية وأما إبهام أنهم أهلٌ لذلك وإن لم يفعلوا فكيف بهم إذا فعلوا فيأباه مقامُ الترغيب في الفعل والحث عليه
﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ في الدارين من لحوق مكروهٍ من المكاره
﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ لفوات مطلوبٍ من المطالب قلَّ أو جلَّ أي لا يعتريهم ما يوجبه لا أنه يعتريهم ذلك لكنهم لا يخافون ولا يحزنون ولا أنه لا يعتريهم خوفٌ وحزنٌ أصلاً بل يستمرون على النشاط والسرورِ كيف لا واستشعارُ الخوفِ والخشيةِ استعظاماً لجلال الله وهيبتِه واستقصاراً للجد والسعي في إقامة حقوقِ العبوديةِ من خواص الخواصِّ والمقرَّبين والمرادُ بيانُ دوامِ انتفائِهما لا بيانُ انفاء دوامِهما كما يُوهمه كونُ الخبرِ في الجملة الثانية مضارعا لما أن النفيَ وإن دخل على نفس المضارع يفيد الدوام والاستمرارَ بحسب المقام
стр. 526
﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ أي كلام جميل تقبله القلوبُ ولا تُنكِره يُرد به السائلُ من غير إعطاء شئ
﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أي سَترٌ لما وقع من السائل من الإلحاف في المسألة وغيره مما يثقل على المسئول وصفحٌ عنه وإنما صح الابتداءُ بالنكرة في الأول لاختصاصها بالوصف وفي الثاني بالعطف أو بالصفة المقدرة أي ومغفرة كائنة من المسئول
﴿خَيْرٌ﴾ أي للسائل
﴿مّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ لكونها مشوبةً بضررِ ما يتبعها وخلوصِ الأولَيْن من الضرر والجملة مستأنفةٌ مقرِّرة لاعتبار ترك إتباعِ المن والأذى وتفسيرُ المغفرة بنيل مغفرةٍ من الله تعالى بسبب الرد الجميل أو بعفو السائل بناءً على اعتبار الخيرية بالنسبة إلى المسئول يؤدّي إلى أن يكون في الصدقة الموصوفةِ بالنسبة إليه خيرٌ في الجملة مع بطلانها بالمرة
﴿والله غَنِىٌّ﴾ لا يُحوِجُ الفقراءَ إلى تحمل مؤنةِ المنِّ والأذى ويرزقُهم من جهةٍ أخرى
﴿حَلِيمٌ﴾ لا يعاجل أصحابَ المن والأذى بالعقوبة لا أنهم لا يستحقونها بسببهما والجملةُ تذييلٌ لما قبلَها مشتمِلٌ على الوعد والوعيد مقرِّرٌ لاعتبار الخيرية بالنسبة إلى السائل قطعاً
стр. 527
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ﴾
стр. 528
٢٦٥ - البقرة أقبل عليهم بالخطاب إثرَ بيان ما بين بطريق الغَيبة مبالغةً في إيجاب العمل بموجب النهي
﴿لَا تُبْطِلُواْ صدقاتكم بالمن والأذى﴾ أي لاتحبطوا أجرَها بواحدٍ منهما
﴿كالذى﴾ في محل النصب إما على أنه نعتٌ لمصدر محذوفٍ أي لاتبطلوها إبطالا كإبطال الذي
﴿يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء الناس﴾ وإما على أنه حال من فاعل لاتبطلوا أي لا تُبطلوها مشابهين الذي ينفق أي الذي يُبطل إنفاقَه بالرياء وقيل من ضمير المصدر المقدر على ما هو رأى سيبوبه وانتصابُ رئاءَ إما على أنه عِلةٌ لينفق أي لأجل رئائهم أو على أنه حالٌ من فاعله أي ينفق ماله مرائياً والمراد به المنافقُ لقوله تعالى
﴿وَلَا يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر﴾ حتى يرجوا ثواباً أو يخشى عقاباً
﴿فَمَثَلُهُ﴾ الفاء لربط ما بعدها بما قبلها أي فمثل المرائي في الإنفاق وحالته العجيبة
﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ أي حَجَرٍ أملسَ
﴿عَلَيْهِ تراب﴾ أي شئ يسير منه
﴿فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾ أي مطرٌ عظيمُ القطر
﴿فتركه صلدا﴾ ليس عليه شئ من الغبار أصلاً
﴿لَاّ يَقْدِرُونَ على شَىْء مّمَّا كَسَبُواْ﴾ لا ينتفعون بما فعلوا رئاء ولا يجدون له ثواباً قطعاً كقوله تعالى فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً والجملةُ استئنافٌ مبنيٌّ على السؤالِ كأنَّه قيلَ فماذا يكونُ حالُهم حينئذٍ فقيل لا يقدِرون الخ ومن ضرورة كونِ مَثَلِهم كما ذُكر كونُ مَثَلِ من يُشبِهُهم وهم أصحابُ المن والأذى كذلك والضميران الأخيران للموصول باعتبار المعنى كما في قوله وَخُضْتُمْ كالذي خَاضُواْ لما أنَّ المرادَ به الجنسُ أو الجمعُ أو الفريق كما أن الضمائرَ الأربعةَ السابقة له باعتبار اللفظ
﴿والله لَا يَهْدِى القوم الكافرين﴾ إلى الخير والرشاد والجُملة تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبله وفيه تعريضٌ بأن كلاًّ من الرياء والمنِّ والأذى من خصائص الكفارِ ولا بد للمؤمنين أن يجتنبوها
стр. 529
﴿وَمَثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم ابتغاء مرضات الله﴾ أي لطلب رضاه
﴿وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ أي ولتثبيت بعضِ أنفسِهم على الإيمان فمن تبعيضية كما في قولهم هزّ مِنْ عِطفه وحرك مِنْ نشاطه فإن المالَ شقيقُ الروح فمن بذل مالَه لوجه الله تعالى فقد ثبّت بعضَ نفسه ومن بذل مالَه وروحَه فقد ثبتها كلها أو وتصديقا للإسلام وتحقيقاً للجزاء من أصل أنفسِهم فمن ابتدائية كما في قوله تعالى حَسَدًا مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ويحتمل أن يكون المعنى وتثبيتاً من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقةُ الإيمان مخلصةٌ فيه ويعضُده قراءةُ مَن قرأَ وتبييناً من أنفسهم وفيه تنبيهٌ على أن حكمةَ الإنفاق للمنفق تزكيةُ النفس عن البخل وحبِّ المال الذي هو رأس كل خطيئة
﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ الرَّبوة بالحركات الثلاث وقد قرئت بها المكانُ المرتفع أي مثل نفقتهم في الزكاة كمثل بُستان كائنٍ بمكان مرتفعٍ مأمونٍ من أن يصطلِمَه البردُ لِلطافة هوائهِ بهبوب الرياحِ المُلطّفة له فإن أشجارَ الرُبا تكون أحسنَ منظراً وأزكى ثمراً وأما الأراضي المنخفضةُ فقلما تسلم ثمارُها من البرد لكثافة هوائِها بركود الرياحِ وقرئ كمثل حبةٍ
﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ مطر عظيمُ القطر
﴿فَأَتَتْ أكلها﴾ ثمرتها وقرئ بسكون الكاف تخفيفاً
﴿ضِعْفَيْنِ﴾ أي مِثليْ ما كانت تُثمر في سائر الأوقات بسبب ما أصابها من
стр. 530
٢٦٦ - البقرة الوابل والمرادُ بالضِعف المِثْلُ وقيل أربعةُ أمثال ونصبُه على الحال من أُكُلُهَا أي مضاعفاً
﴿فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ أي فطلٌ يكفيها لجودتها وكَرَمِ منبتِها ولَطافةِ هوائِها وقيل فيصيبها طلٌّ وهو المطرُ الصغيرُ القطرِ وقيل فالذي يصيبها طلٌّ والمعنى أن نفقاتِ هؤلاءِ زاكيةٌ عندَ الله تعالَى لَا تَضيعُ بحال وإن كانت تتفاوتُ باعتبار ما يقارنها من الأحوال ويجوزُ أن يعتبر التمثيلُ بين حالهم باعتبار ما صدَر عنهُم من النفقة الكثيرةِ والقليلةِ وبين الجنة المعهودة باعتبار ماأصابها من المطر الكثير واليسير فكما أنَّ كلَّ واحدٍ من المطرين يُضعِفُ أُكُلَها فكذلك نفقتُهم جلّت أو قلَّت بعد أن يُطلَبَ بها وجهُ الله تعالى زاكيةٌ زائدةٌ في زُلفاهم وحسنِ حالهم عند الله
﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ لا يخفى عليه شئ منه وهو ترغيبٌ في الإخلاص مع تحذير من الرياء ونحوه
следующие страницы →