Полный текст (8 642 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.
стр. 4691
﴿والذى يُمِيتُنِى ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ على أنَّ الموتَ لكونه ذريعةً إلى نيله ﵊ للحياة الأبديَّةِ بمعزل من أن يكون غيرَ مطبوع عنده عليه الصَّلاة والسَّلام
стр. 4692
﴿والذى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدين﴾ ذِكرِه ﵊ هضماً لنفسه وتعليماً للأمَّةِ أنْ يجتنبُوا المعاصي ويكونوا على حَذَرٍ وطلب مغفرة لَما يفرطُ منهم وتلافياً لما عَسَى يندرُ منه ﵊ من الصَّغائر وتنبيهاً لأبيه وقومه على أنْ يتأمَّلوا في أمرهم فيقفُوا على أنَّهم من سوء الحال في درجةٍ لا يقادَر قدرُها فإنَّ حالَه ﵊ مع كونه ف طاعة الله تعالى وعبادتِه في الغاية القاصيةِ حيثُ كانت بتلك المثابة فما ظك بحال أولئك المغمُورين في الكُفر وفُنون المعاصي والخطايا وحملُ الخطيئة على كلماتِه الثَّلاثِ إنِّي سقيمٌ بل فعله كبيرُهم وقوله لسارَّةَ حتى أختي مَّما لا سبيلَ إليه لأنَّها مع كونها معاريض لا من قبيل الخطايا المفتقرةِ إلى الاستغفار إنَّما صدرتْ عنه ﵊ بعد هذه المقاولةِ الجاريةِ بينه وبين قومِه أما الثَّالثةُ فظاهرةٌ لوقوعِها بعد مهاجرتِه ﵊ إلى
стр. 4693
الشأمِ وأما الأوليانِ فلأنَّهما وقعتا مكتنفتينِ بكسرِ الأصنامِ ومن البيِّن أنَّ جريانَ هذه المقالاتِ فيما بينهم كان في مبادىءِ الأمرِ تعليق مغفرةِ الخطيئةِ بيومِ الدَّينِ مع أنَّها إنَّما تُغفر الدنيا لأن أثرها يومئذ يتبيَّن ولأنَّ في ذلك تهويلاً له وإشارةً إلى وقوعِ الجزاءِ فيه إنْ لم تُغفر
стр. 4694
﴿رَبّ هَبْ لِى حُكْماً﴾ بعد ما ذكر ﵊ لهم فنونَ الألطافِ الفائضةِ عليه من الله من مبدأِ خلقِه إلى يومِ بعثهِ حمله ذلك على مُناجاتِه تعالى ودعائِه لربط العتيدِ وجلبِ المزيدِ والحكم الحكمة التي هي الكمالُ في العلم والعملِ بحيثُ يتمكَّنُ به من خلافةِ الحقِّ ورياسة الخلقِ ﴿وَأَلْحِقْنِى بالصالحين﴾ ووفقنِي من العُلومِ والأعمال والملكات لما يرشحن للانتظامِ في زُمرةِ الكاملينَ الرَّاسخينَ في الصَّلاحِ المنزَّهينَ عن كبائرِ الذُّنوبِ وصغائِرها أو اجمعْ بيني وبينَهُم في الجنَّة ولقد أجابَه تعالى حيثُ قال وَإِنَّهُ فِى الأخرة لَمِنَ الصالحين
стр. 4695
﴿واجعل لّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى الأخرين﴾ أي جاهاً وحسنَ صيت في الدُّنيا بحيثُ يبقى أثرُه إلى يومِ الدِّين ولذلك لا ترى أمةً من الأُمم إلا وهي محبَّةٌ له ومثنيةٌ عليه أو صادقاً من ذريتي يحدد أصلَ ديني ويدعُو النَّاسَ إلى ما كنتُ أدعُوهم إليهِ من التَّوحيدِ وهو النبيِّ ﷺ ولذلك قال ﷺ أنا دعوةُ أبي إبراهيمَ
стр. 4696
﴿واجعلنى﴾ في الآخرةِ ﴿مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النعيم﴾ وقد مرَّ معنى الوراثة في سورةِ مريمَ
стр. 4697
﴿واغفر لاِبِى﴾ بالهدايةِ والتَّوفيقِ للإيمان كما يلوحُ به تعليلُه بقوله ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضالين﴾ أي طريقَ الحقَّ وقد مرَّ تحقيقُ المقامِ في تفسير سورة التَّوبةِ وسورة مريمَ بما لا مزيدَ عليهِ
стр. 4698
﴿وَلَا تُخْزِنِى﴾ بمعاتبتي على ما فرطت أو ينقص رُتبتي عن بعض الورَّاثِ أو بتعذيبي لخفاءِ العاقبةِ وجوازِ التَّعذيبِ عقلاً كلُّ ذلك مبنيٌّ على هضمِ النَّفسِ منه ﵊ أو بتعذيب ولدي أو يبعثه في عدادِ الضَّالين بعدمِ توفيقِه للإيمانِ وهو من الخِزيِ بمعنى الهران أو من الخزايةِ بمعنى الحياءِ ﴿يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أي النَّاسُ كافَّةً والإضمار قبل الذكرِ لما في عُموم البعثِ من الشُّهرة الفاشيةِ المغنيةِ عنه وتخصيصه بالضَّالِّين مما يخلُّ بتهويلِ اليوم
стр. 4699
﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ بدلٌ من يومَ يبعثُون جِيء به تأكيداً للتَّهويلِ وتمهيداً لما يعقُبه منْ الإستثناء وهو من أعمِّ المفاعيلِ أي
стр. 4700
سورة الشعراء (٨٩ ٩٤)
لا ينفعُ مالٌ وإن كان مصرُوفاً في الدُّنيا إلى وجوهِ البرِّ والخيراتِ ولا بنون وإن كانُوا صُلحاءَ مستأهلينَ للشَّفاعةِ أحداً
стр. 4701
﴿إِلَاّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أي عن مرض الكُفرِ والنِّفاقِ ضرورةَ اشتراطِ نفع كلَ منهما بالإيمان وفيه تأييدٌ لكونِ استغفارِه ﵊ لأبيه طلباً لهدايتِه إلى الإيمانِ لاستحالةِ طلبِ مغفرتِه بعد موته كافراً مع علمه ﵊ بعدم نفعه لأنَّه من باب الشَّفاعةِ وقيل هو استثناءُ من فاعلٍ ينفعُ بتقدير المضاف أي إلا مال من أو بنو من أتى الله الآية وقيل المضاف المحذوف ليس من جنس المُستثنى منه حقيقةً بل بضرب من الاعتبارِ كما في قولِه تحيةُ بينِهم ضربٌ وجيعُ أي إلا حالَ من أتى الله بقلبٍ سليم على أنَّها عبارةٌ عن سلامة القلبِ كأنَّه قيل إلا سلامةَ قلبِ مَن أتى الله الآية وقيل المضاف المحذوف ما دلَّ عليه المالُ والبنون من الغنى وهو المُستثنى منه كأنَّه قيل يومَ لا ينفعُ غِنَى إلا غنى من أتى الله الآيةَ لأنَّ غنى المرءِ في دينِه بسلامةِ قلبِه وقيل الاستثناءُ منقطعُ والمعنى لكن سلامة قلبه تنفعه
стр. 4702
﴿وَأُزْلِفَتِ الجنة لِلْمُتَّقِينَ﴾ عطف على لا ينفع وصيغةُ الماضي فيه وفيما بعدَهُ من الجُمل المنتظمةِ معه في سلك العطف للدِّلالة على تحقُّق الوقوعِ وتقرُّره كما أن صيغة المضارع في المعطوفِ عليه للدِّلالة على استمرار انتفاءِ النَّفع ودوامِه حسبما يقتضيهِ مقامُ التَّهويل والتَّفظيعِ أي قُربتِ الجنَّةُ للمتَّقين عنِ الكفرِ والمعاصِي بحيثُ يُشاهدونها من الموقفِ ويقفُون عَلى ما فَيها من فنُون المحاسنِ فيبتهجُون بأنَّهم المحشورون إليها
стр. 4703
﴿وَبُرّزَتِ الجحيم لِلْغَاوِينَ﴾ الضَّالِّين عن طريقِ الحقِّ الذي هو الإيمانُ والتَّقوى أي جُعلت بارزةً لهم بحيث يَرَونها مع ما فيها من أنواع الأحوالِ الهائلةِ ويُوقنون بأنَّهم مواقعوها ولا يجدون عنها مصرفا
стр. 4704
﴿قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ في الدنيا ﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ الله﴾ أي أين آلهتكم الذين كنتُم تزعمون في الدُّنيا أنَّهم شفعاؤكم في هذا الموقفِ ﴿هَلْ يَنصُرُونَكُمْ﴾ بدفعِ العذابِ عنكم ﴿أَوْ يَنتَصِرُونَ﴾ بدفعه عن أنفسهم وهذا سؤالُ تقريعٍ وتبكيتٍ لا يُتوقَّع له جوابٌ ولذلك قيل
стр. 4705
﴿فَكُبْكِبُواْ فِيهَا﴾ أي أُلقوا في الجحيمِ على وجوهِهم مرة بعد أرى إلى أنْ يستقرُّوا في قعرها ﴿هُمْ﴾ أي آلهتُهم ﴿والغاوون﴾ الذين كانُوا يعبدونهم وفي تأخير
стр. 4706
سورة الشعراء (٩٥ ٩٩)
ذكرهم عن ذكر آلهتم رمزٌ إلى أنَّهم يؤخَّرون عنها في الكبكبةِ ليُشاهدوا سوءَ حالِها فيزدادوا غمِّاً إلى غمَّهم
стр. 4707
﴿وجنود إبليس﴾ أي شياطنية الذين كانوا يغرونهم ويُوسوسون إليهم ويسوِّلون لهم ما هم عليه من عبادةِ الأصنام وسائر فنون الكُفر والمعاصي ليجتمعُوا في العذاب حسبما كانُوا مجتمعين فيما يُوجبه وقيل متبعوه من عصاة الثَّقلينِ والأوَّلُ هو الوجه ﴿أجمعين﴾ تأكيد للضمير وما عُطِف عليه وقوله تعالى
стр. 4708
﴿قَالُواْ﴾ الخ استئنافٌ وقع جوابا عن سؤالٍ نشأَ من حكايةِ حالهم كأنه قيل ماذا قالوا حينَ فُعل بهم ما فُعل فقيل قال العَبَدةُ ﴿وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾ أي قالوا معترفين بخطئهم في أنهما كهم في الضَّلالةِ متحسَّرين معيِّرين لأنفسهم والحال أنَّهم في الجحيم بصددِ الاختصام مع من معهم من المذكورينَ مخاطبين لمعبودِيهم على أنَّ الله تعالَى يجعلُ الأصنامَ صالحةً للاختصام بأنْ يُعطيها القدرةَ على الفهم والنُّطقِ
стр. 4709
﴿تالله إِن كُنَّا لَفِى ضلال مُّبِينٍ﴾ إنْ مخففةٌ من الثَّقيلةِ قد حُذف اسمَها الذي هو ضميرُ الشأن واللام فارقة بينها وبن النَّافيةِ أي إنَّ الشأنَ كُنَّا في ضلال واضح لإخفاء فيه ووصفهم له بالوضوح للإشباع في إظهار ندمهم وتحسُّرهم وبيان عِظَمِ خطئهم في رأيهم مع وضوح الحقِّ كما ينبىءُ عنه تصديرُ قَسَمهم بحرف التَّاءِ المُشعرةِ بالتَّعجُّبِ وقوله تعالى
стр. 4710
﴿إِذْ نُسَوّيكُمْ بِرَبّ العالمين﴾ ظرفٌ لكونهم في ضلالٍ مبين وقيل لما دل عليه الكلامُ أي ضللنا وقيل للضَّلال المذكورِ وإن كان فيه ضعفٌ صناعيٌّ من حيث إنَّ المصدرَ الموصوفَ لا يعمل بعد الوصف وقيل ظرفٌ لمبين وصيغةُ المضارعِ لاستحضارِ الصُّورَةِ الماضية أي تالله لقد كُنَّا في غاية الضَّلالِ الفاحش وقت تسويتنا إيَّاكُم أيُّها الأصنامُ في استحقاقِ العبادة بربِّ العالمين الذي أنتم أدنى مخلوقاته وأدلهم وأعجزُهم وقولهم
стр. 4711
﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَاّ المجرمون﴾ بيان لسبب ضلالهم بعد اعترافِهم بصدوره عنهم لكنْ لا على مَعْنى قصرِ الإضلال على المجرمين دون عداهم بل على مَعنى قصر ضلالِهم على كونه بسبب إضلالهم من غير أنْ يستقلُّوا في تحقُّقهِ أو يكون بسبب إضلال الغيرِ كأنَّه قيل وما صدرَ عنَّا ذلك الضَّلالُ الفاحش إلا بسبب إضلالِهم والمرادُ بالمجرمين الذين أضلوهم روساؤهم وكُبراؤُهم كما في قولِه تعالى رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السبيلا وعن السدى رحمة الله الأَوَّلُون الذين اقتدَوا بهم وأياما كان ففيه أوفرُ نصيب من التعريض الذين قالُوا بل وجدنا آباءَنا كذلك يفعلون وعن ابنِ جريج
стр. 4712
سورة الشعراء (١٠٠ ١٠٣)
إبليسُ وابنُ آدمَ القاتلُ لأنَّه أوَّلُ من سَنَّ القتلَ وأنواعَ المعاصِي
стр. 4713
﴿فما لنا من شافعين﴾ كما للمؤمنينَ من الملائكةِ والأنبياءُ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ
стр. 4714
﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ كما نرى لهم أصدقاءَ أو فما لنا من شافعين ولا صديقٍ حميمٍ من الذين كنَّا نعدُّهم شفعاءَ وأصدقاءَ على أنَّ عدمَهما كنايةٌ عن عداوتِهما كما أنَّ عدمَ المحبَّةِ في مثلِ قولِه تعالى والله لَا يُحِبُّ الفساد كنايةٌ عن البُغضِ حسبما ينبىءُ عنه قوله تعالى الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَاّ المتقين أو وقعنا في مهلكة لا يخلصنا منها شافعٌ ولا صديقٌ على أنَّ المرادَ بعدمهما عدمُ أثرهِما وجمعُ الشَّافعِ لكثرة الشُّفعاءِ عادةً كما أنَّ إفرادَ الصَّديقِ لقلَّتهِ أو لصحَّةِ إطلاقِه على الجمعِ كالعدوِّ تشبيهاً لهما بالمصادرِ كالحنينِ والقَبولِ وكلمةُ لَوْ في قوله تعالى
стр. 4715
﴿فلو أن لنا كرة﴾ للتَّمنِّي كليتَ لما أنَّ بينَ معنييهما تلاقياً في معنى الفرضِ والتَّقديرِ كأنَّه قيل فليتَ لنا كرَّةً أي رجعةً إلى الدُّنيا وقيل هي علي أصلِها من الشَّرطِ وجوابُه محذوفٌ كأنَّه قيل فلو أنَّ لنا كرةً لفعلنا من الخيراتِ كيتَ وكيتَ ويأَّباهُ قوله تعالى ﴿فَنَكُونَ مِنَ المؤمنين﴾ لتحتُّم كونِه جواباً للتمني مفيدا لترتيب إيمانهم على وقوعِ الكَرَّةِ البتة بلا تخلف كما هو مقتضى حالِهم وعطفه على كرة طريقة للبس عباءة وتقرعيني كما يستدعيه كون لو على أصلها إنَّما يفيد تحقُّقَ مضمون الجوابِ على تقدير تحقق كرتهموإيمانهم معاً من غير دلالة على استلزامِ الكرَّة للإيمانِ أصلاً مع أنَّه المقصودُ حتماً
стр. 4716
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ أي فيما ذُكر من نبأ إبراهيمَ ﵇ المشتملِ على بيان بُطلانِ ما كان عليه أهلُ مكَّةَ من عبادةِ الأصنامِ وتفصيلِ ما يؤول إليه أمرُ عَبَدتها يومَ القيامةِ من اعترافِهم بخطئِهم الفاحشِ وندمِهم وتحسُّرهم على ما فاتَهُم من الإيمان وتمنِّيهم الرَّجعةَ إلى الدُّنيا ليكونُوا من المؤمنين عند مشاهدتِهم لما أزلفت لهم جنَّاتُ النَّعيمِ وبُرِّزتْ لأنفسهم الجحيم وغشيهم ما غشيهم من ألوانِ العذابِ وأنواعِ العقابِ ﴿لآيَةً﴾ أي آية عظيمةٌ لا يُقادرُ قَدرُها موجبةً على عبدة الأصنامِ كافَّةً لا سيَّما على أهلِ مكَّةَ الذين يدَّعُون أنَّهم على ملَّةِ إبراهيمَ ﵊ أنْ يجتنبُوا كلَّ الاجتنابِ ما كانُوا عليه من عبادتها خوفاً أنْ يحيقَ بهم مثلُ ما حاق بأولئك من العذابِ بحكم الاشتراكِ فيما يُوجبه أو أن في ذكر نبئةِ وتلاوته عليهم على ما هو عليه من غير أنْ تسمعه من أحد لآيَةً عظيمة دالَّة على أنَّ ما تتلوه عليهم وحيٌ صادقٌ نازلٌ من جهةِ الله تعالى موجبة للإيمان به قطعاً ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مؤمنين﴾ أي أكثرُ هؤلاءِ الذينَ تتلُو عليهم النبأَ مؤمنين بل هم مُصرُّون على ما كانُوا عليهِ من الكُفرِ والضَّلالِ وأمَّا أنَّ ضمير أكثرُهم لقومِ إبراهيمَ ﵇ كما توهَّمُوا فمما لا سبيلَ إليه أصلاً لظهور أنَّهم ما ازدادوا مما سمعُوا منه عليه الصَّلاةُ والسلام
стр. 4717
سورة الشعراء (١٠٤ ١١١)
إلا طُغياناً وكفراً حتَّى اجترؤا على تلك العظيمةِ التي فعلُوها به ﵊ فكيف يعبَّر عنهم بعدم إيمان أكثرِهم وإنما آمنَ له لوطٌ فنجَّاهُما الله إلى الشَّامِ وقد مرَّ بقيَّةُ الكلام في آخرِ قصَّةِ موُسى عليه السَّلامُ
стр. 4718
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم﴾ أي هو القادرُ على تعجيلِ العُقوبةِ لقومِك ولكنه يمهلهم بحكم الواسعةِ ليؤمن بعضٌ منهم أو من ذريَّاتِهم
стр. 4719
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المرسلين﴾ القوم مؤَّنثٌ ولذلك يُصغَّر على قُويمةٍ وقيل القومُ بمعنى الأُمَّةِ وتكذيبهم للمرسلين إما باعتبارِ إجماع الكلِّ على التَّوحيد وأصولِ الشَّرائعِ التي لا تختلفُ باختلاف الأزمنةِ والأعصارِ وإمَّا لأنَّ المرادَ بالجمعِ الواحدُ كما يقال فلانٌ يركب الدَّوابَّ ويلبس البرود وماله إلا دابة وبردة وإذفى قوله تعالى
стр. 4720
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ﴾ ظرفٌ للتَّكذيبِ على أنَّه عبارةٌ عن زمانٍ مديدٍ وقعَ فيه ما وقعَ من الجانبينِ إلى تمام الأمر كما أنَّ تكذيبَهم عبارةٌ عمَّا صدرَ عنهم من ابتداءِ دعوتِه ﵊ إلى انتهائها ﴿أَخُوهُمْ﴾ أي نسيبُهم ﴿نُوحٌ أَلَا تتقون﴾ الله حين تعبدُون غيرهَ
стр. 4721
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ﴾ من جهته تعالى ﴿أَمِينٌ﴾ مشهور بالأمانةِ فيما بينكم
стр. 4722
﴿فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ﴾ فيما آمرُكم به من التَّوحيدِ والطَّاعةِ لله تعالى
стр. 4723
﴿وما أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي على ما أنا متصدَ له من الدُّعاءِ والنُّصحِ ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ أصلاً ﴿إِنْ أَجْرِىَ﴾ فيما أتولَاّهُ ﴿إِلَاّ على رَبّ العالمين﴾ والفاء في قوله تعالى
стр. 4724
﴿فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ﴾ لترتيب ما بعدها على ما قبلها من تنزهه ﵊ عن الطَّمعِ كما أن نظيرتَها السَّابقةَ لترتيب ما بعدها على أمانتِه والتَّكريرُ للَّتأكيدِ والتَّنبيهِ على أن كلاًّ منهما مستقلٌّ في إيجاب التَّقوى والطَّاعةِ فكيف إذا اجتمَعا وقُرىء إن أَجْرِيْ بسكون الياء
стр. 4725
﴿قَالُواْ أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون﴾ أي الأقلُّون جاهاً ومالاً جمع الأرذلِ على الصِّحَّةِ فإنَّه بالغلبة صار جاريا مجرى الإسم
стр. 4726
سورة الشعراء (١١٢ ١١٨)
كالأكبرِ والأكابرِ وقيل جمعُ أرذُلٍ جمعُ رَذْلٍ كأكالبَ وأَكلُبٍ وكَلْبٍ وقُرىء وأتباعُك وهو جمع تابعٍ كشاهدٍ وأشهادٍ أو جمع تَبَع كبطلٍ وأبطالٍ يعنُون أنَّه لا عبرةَ باتِّباعِهم لك إذْ ليس لهم رزانةُ عقلٍ ولا إصابةَ رأيٍ وقد كان ذلك منهم في بادىءٍ الرَّأي كما ذكر في موضع آخر وهذا من كمال سخافةِ عقولِهم وقصرهم أنظارَهم على حطام الدنيا وكون الأشراف عندهم مَن هو أكثرُ منها حظَّاً والأرذلُ مَن حُرمها وجهلِهم بأنَّها لا تزنُ عندَ الله جناحَ بعوضةٍ وأنَّ النعيم هو نعيمُ الآخرةِ والأشرفُ من فازَ به والأرذلُ من حُرمه
стр. 4727
﴿قَالَ وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ جواب عَّما أُشير إليه من قولهم إنَّهم لم يُؤمنوا عن نظرٍ وبصيرةٍ أي وما وظيفتي إلَاّ اعتبارُ الظَّواهرِ وبناءُ الأحكامِ عليها دون التَّفتيشِ عن بواطنهم والشَّقِّ عن قلوبهم
стр. 4728
﴿إِنْ حِسَابُهُمْ﴾ أي ما محاسبةُ أعمالِهم والتَّنقيرُ عن كفايتها البارزةِ والكامنةِ ﴿إِلَاّ على ربي﴾ فإنه المضطلع السَّرائرِ والضَّمائرِ ﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ أي بشيءٍ من الأشياءِ أو لو كنتُم من أل الشُّعور لعلمتم ذلك ولكنَّكم لستُم كذلك فتقولون ما تقولُون
стр. 4729
﴿وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ المؤمنين﴾ جواب عمَّا أوهمُه كلامُهم من استدعاءِ طردِهم وتعليقِ إيمانِهم بذلك حيثُ جعلوا اتِّباعَهم مانعاً عنه وقوله
стр. 4730
﴿إِنْ أَنَاْ إِلَاّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ كالعلَّةِ أي ما أنا إلا رسولٌ مبعوثٌ لإنذار المكلَّفين وزجرهِم عن الكفر والمعاصي سواءً كانُوا من الأعزَّاء أو الأذِلَاّء فكيف يتسنَّى طرد الفُقراء لاستتباع الأغنياءِ أو ما عليَّ إلَاّ إنذارُكم بالبرهان الواضحِ وقد فعلتُه وما عليَّ استرضاءُ بعضِكم بطردِ الآخرين
следующие страницы →