← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ أي كلام جميل تقبله القلوبُ ولا تُنكِره يُرد به السائلُ من غير إعطاء شئ ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أي سَترٌ لما وقع من السائل من الإلحاف في المسألة وغيره مما يثقل على المسئول وصفحٌ عنه وإنما صح الابتداءُ بالنكرة في الأول لاختصاصها بالوصف وفي الثاني بالعطف أو بالصفة المقدرة أي ومغفرة كائنة من المسئول ﴿خَيْرٌ﴾ أي للسائل ﴿مّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ لكونها مشوبةً بضررِ ما يتبعها وخلوصِ الأولَيْن من الضرر والجملة مستأنفةٌ مقرِّرة لاعتبار ترك إتباعِ المن والأذى وتفسيرُ المغفرة بنيل مغفرةٍ من الله تعالى بسبب الرد الجميل أو بعفو السائل بناءً على اعتبار الخيرية بالنسبة إلى المسئول يؤدّي إلى أن يكون في الصدقة الموصوفةِ بالنسبة إليه خيرٌ في الجملة مع بطلانها بالمرة ﴿والله غَنِىٌّ﴾ لا يُحوِجُ الفقراءَ إلى تحمل مؤنةِ المنِّ والأذى ويرزقُهم من جهةٍ أخرى ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يعاجل أصحابَ المن والأذى بالعقوبة لا أنهم لا يستحقونها بسببهما والجملةُ تذييلٌ لما قبلَها مشتمِلٌ على الوعد والوعيد مقرِّرٌ لاعتبار الخيرية بالنسبة إلى السائل قطعاً

стр. 527

﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ﴾

стр. 528

٢٦٥ - البقرة أقبل عليهم بالخطاب إثرَ بيان ما بين بطريق الغَيبة مبالغةً في إيجاب العمل بموجب النهي ﴿لَا تُبْطِلُواْ صدقاتكم بالمن والأذى﴾ أي لاتحبطوا أجرَها بواحدٍ منهما ﴿كالذى﴾ في محل النصب إما على أنه نعتٌ لمصدر محذوفٍ أي لاتبطلوها إبطالا كإبطال الذي ﴿يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء الناس﴾ وإما على أنه حال من فاعل لاتبطلوا أي لا تُبطلوها مشابهين الذي ينفق أي الذي يُبطل إنفاقَه بالرياء وقيل من ضمير المصدر المقدر على ما هو رأى سيبوبه وانتصابُ رئاءَ إما على أنه عِلةٌ لينفق أي لأجل رئائهم أو على أنه حالٌ من فاعله أي ينفق ماله مرائياً والمراد به المنافقُ لقوله تعالى ﴿وَلَا يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر﴾ حتى يرجوا ثواباً أو يخشى عقاباً ﴿فَمَثَلُهُ﴾ الفاء لربط ما بعدها بما قبلها أي فمثل المرائي في الإنفاق وحالته العجيبة ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ أي حَجَرٍ أملسَ ﴿عَلَيْهِ تراب﴾ أي شئ يسير منه ﴿فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾ أي مطرٌ عظيمُ القطر ﴿فتركه صلدا﴾ ليس عليه شئ من الغبار أصلاً ﴿لَاّ يَقْدِرُونَ على شَىْء مّمَّا كَسَبُواْ﴾ لا ينتفعون بما فعلوا رئاء ولا يجدون له ثواباً قطعاً كقوله تعالى فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً والجملةُ استئنافٌ مبنيٌّ على السؤالِ كأنَّه قيلَ فماذا يكونُ حالُهم حينئذٍ فقيل لا يقدِرون الخ ومن ضرورة كونِ مَثَلِهم كما ذُكر كونُ مَثَلِ من يُشبِهُهم وهم أصحابُ المن والأذى كذلك والضميران الأخيران للموصول باعتبار المعنى كما في قوله وَخُضْتُمْ كالذي خَاضُواْ لما أنَّ المرادَ به الجنسُ أو الجمعُ أو الفريق كما أن الضمائرَ الأربعةَ السابقة له باعتبار اللفظ ﴿والله لَا يَهْدِى القوم الكافرين﴾ إلى الخير والرشاد والجُملة تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبله وفيه تعريضٌ بأن كلاًّ من الرياء والمنِّ والأذى من خصائص الكفارِ ولا بد للمؤمنين أن يجتنبوها

стр. 529

﴿وَمَثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم ابتغاء مرضات الله﴾ أي لطلب رضاه ﴿وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ أي ولتثبيت بعضِ أنفسِهم على الإيمان فمن تبعيضية كما في قولهم هزّ مِنْ عِطفه وحرك مِنْ نشاطه فإن المالَ شقيقُ الروح فمن بذل مالَه لوجه الله تعالى فقد ثبّت بعضَ نفسه ومن بذل مالَه وروحَه فقد ثبتها كلها أو وتصديقا للإسلام وتحقيقاً للجزاء من أصل أنفسِهم فمن ابتدائية كما في قوله تعالى حَسَدًا مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ويحتمل أن يكون المعنى وتثبيتاً من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقةُ الإيمان مخلصةٌ فيه ويعضُده قراءةُ مَن قرأَ وتبييناً من أنفسهم وفيه تنبيهٌ على أن حكمةَ الإنفاق للمنفق تزكيةُ النفس عن البخل وحبِّ المال الذي هو رأس كل خطيئة ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ الرَّبوة بالحركات الثلاث وقد قرئت بها المكانُ المرتفع أي مثل نفقتهم في الزكاة كمثل بُستان كائنٍ بمكان مرتفعٍ مأمونٍ من أن يصطلِمَه البردُ لِلطافة هوائهِ بهبوب الرياحِ المُلطّفة له فإن أشجارَ الرُبا تكون أحسنَ منظراً وأزكى ثمراً وأما الأراضي المنخفضةُ فقلما تسلم ثمارُها من البرد لكثافة هوائِها بركود الرياحِ وقرئ كمثل حبةٍ ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ مطر عظيمُ القطر ﴿فَأَتَتْ أكلها﴾ ثمرتها وقرئ بسكون الكاف تخفيفاً ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ أي مِثليْ ما كانت تُثمر في سائر الأوقات بسبب ما أصابها من

стр. 530

٢٦٦ - البقرة الوابل والمرادُ بالضِعف المِثْلُ وقيل أربعةُ أمثال ونصبُه على الحال من أُكُلُهَا أي مضاعفاً ﴿فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ أي فطلٌ يكفيها لجودتها وكَرَمِ منبتِها ولَطافةِ هوائِها وقيل فيصيبها طلٌّ وهو المطرُ الصغيرُ القطرِ وقيل فالذي يصيبها طلٌّ والمعنى أن نفقاتِ هؤلاءِ زاكيةٌ عندَ الله تعالَى لَا تَضيعُ بحال وإن كانت تتفاوتُ باعتبار ما يقارنها من الأحوال ويجوزُ أن يعتبر التمثيلُ بين حالهم باعتبار ما صدَر عنهُم من النفقة الكثيرةِ والقليلةِ وبين الجنة المعهودة باعتبار ماأصابها من المطر الكثير واليسير فكما أنَّ كلَّ واحدٍ من المطرين يُضعِفُ أُكُلَها فكذلك نفقتُهم جلّت أو قلَّت بعد أن يُطلَبَ بها وجهُ الله تعالى زاكيةٌ زائدةٌ في زُلفاهم وحسنِ حالهم عند الله ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ لا يخفى عليه شئ منه وهو ترغيبٌ في الإخلاص مع تحذير من الرياء ونحوه

стр. 531

﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ الوُدُّ حبُّ الشئ مع تمنيه ولذلك يستعمل استعمالها والهمزةُ لإنكار الوقوعِ كما في قوله أأضرب أبي لا لإنكارِ الواقعِ كَما في قولك أتضرب أباك على أنَّ مناطَ الإنكارِ ليس جميعَ ما تعلّق به الوُدّ بل إنما هو إصابةُ الإعصارِ وما يتبعُها من الاحتراق ﴿أَن تكون له جنة﴾ وقرئ جناتٌ ﴿مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ أي كائنةٍ منهما على أن يكونَ الأصلُ والركنُ فيها هذين الجنسينِ الشريفينِ الجامعين لفنون المنافع والباقي من المستتبِعات لا على أنْ يكونَ فيها غيرُهما كما ستعرِفه والجنَّةُ تطلق على الأشجار الملتفة المتكاثفة قال زهير كأنَّ عيني في غربيِّ مفتلة ... من النواضح تسفى جنَّةً سُحُقاً وعَلَى الأرضِ المشتملةِ عليها والأولُ هو الأنسبُ بقوله تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار على الثاني لا بُدَّ من تقدير مضافٍ أي من تحت وشجارها وكذا لابد من جعل إسناد الاحتراق إليها فيما سيأتي مجازياً والجملةُ في محلِ الرفعِ على أنها صفةُ جنةٍ كما أن قوله تعالى مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ كذلك أو في محلِّ النصبِ على أنها حالٌ منها لأنها موصوفة ﴿لَهُ فِيهَا مِن كُلّ الثمرات﴾ الظرفُ الأولُ خبرٌ والثاني حالٌ والثالثُ مبتدأ أي صفة للمبتدأ قائمة مَقامه أي له رزقٌ من كل الثمرات كما في قوله تعالى وَمَا مِنَّا إِلَاّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ أي وما منَّا أحدٌ إلا له الخ وليس المرادُ بالثمرات العمومَ بل إنما هو التكثيرُ كما في قوله تعالى وَأُوتِيَتْ مِن كل شئ ﴿وَأَصَابَهُ الكبر﴾ أي كِبَرُ السنِّ الذي هو مَظِنَّةُ شدَّةِ الحاجة إلى منافعها ومئنة كمالِ العجز عن تدارك أسباب المعايش والواو حالية أي وقد أصابه الكبر ﴿وَلَهُ ذُرّيَّةٌ ضُعَفَاء﴾ حالٌ من الضمير في أصابه أي أصابه الكِبَرُ والحال أن له ذرية صغار لا يقدرون على الكسب وترتيب مبادى المعاش وقرئ ضعاف ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ﴾ أي ريحٌ عاصفةٌ تستدير في الأرض ثم تنعكس منها ساطعةً إلى السماء على هيئة العَمود ﴿فِيهِ نَارٌ﴾ شديدةٌ ﴿فاحترقت﴾ عطفٌ على فأصابها وهذا كما ترى تمثيلٌ لحال من يعمل أعمالَ البرِّ والحسناتِ ويضُمُّ إليها ما يُحبِطُها من القوادح ثم يجدُها يوم القيامة عند كمال حاجته إلى ثوابها هباءً منثوراً في التحسر

стр. 532

٢٦٧ - ٢٦٨ البقرة والتأسّف عليها ﴿كذلك﴾ توحيدُ الكاف مع كون المخاطَب جمعاً قد مر وجهُه مرارا أي مثل البيان الواضحِ الجاري في الظهور مجرى الأمورِ المحسوسة ﴿يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ كي تتفكروا فيها وتعتبروا بما فيها من العِبَر وتعملوا بموجبها

стр. 533

﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طيبات مَا كَسَبْتُمْ﴾ بيانٌ لحال ما يُنفَقُ منه إثرَ بيانِ أصلِ الإنفاق وكيفيته أي أنفقوا من حلال ما كسبتم وجيادِه لقوله تعالَى ﴿لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مّنَ الارض﴾ أي من طيبات ما أخرجنا لكم من الحبوب والثمار والمعادِن فحذف لدلالة ما قبله عليه ﴿وَلَا تَيَمَّمُواْ﴾ بفتح التاء أصله ولا تتيمموا وقرئ بضمها وقرئ ولا تأَمّموا والكلّ بمعنى القصد أي لا تقصِدوا ﴿الخبيث﴾ أي الردئ الخسيسَ وهو كالطيب من الصفات الغالبة التي لا تُذكرُ موصوفاتها ﴿مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ الجارُّ متعلق بتنفقون والضميرُ للخبيث والتقديمُ للتخصيص والجملةُ حال من فاعل تيمّموا أي لا تقصدوا الخبيث قاصرين الإنفاقَ عليه أو من الخبيث أي مختصًّا به الإنفاق وأياما كان فالتخصيصُ لتوبيخهم بما كانوا يتعاطَوْنه من إنفاق الخبيثِ خاصة لا لتسويغ إنفاقِه مع الطيب عن ابن عباس ﵄ أنهم كانوا يتصدقون بحشَفِ التمر وشِرارِه فنُهوا عنه وقيل متعلقٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من الخبيث والضميرُ للمال المدلول عليه بحسب المقام أو للموصولَين على طريقة قوله ... كأَنَّهُ فِي الجلدِ توليعُ البَهَقْ ... أو للثاني وتخصيصُه بذلك لما أن التفاوتَ فيه أكثرُ وتنفقون حال من الفاعل المذكور أي ولا تقصِدوا الخبيث كائناً من المال أو مما كسبتم وما أخرجنا لكم أومما أخرجنا لكم منفِقين إياه وقوله تعالى ﴿وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ﴾ حال على كل حال من واو تنفقون أيْ وَالحالُ أنكُم لَا تأخذونه في معاملاتكم في وقتٍ من الأوقاتِ أو بوجةٍ منِ الوجوهِ ﴿إِلا أَن تغمضوا فيه﴾ أي إلاوقت إغماضكم فيه أو إلا بإغماضكم فيه وهو عبارةٌ عن المسامحة بطريق الكتابة أو الاستعارة يقال أغمضَ بصره إذا غضه وقرئ على البناءِ للمفعولِ على معنى إلا أن تُحمَلوا على الإغماض وتدخُلوا فيه أو توجدوا مغمضين وقرئ تغمضوا وتَغمُضوا بضم الميم وكسرها وقيل تم الكلامُ عند قوله تعالى وَلَا تَيَمَّمُواْ الخبيث ثم استُؤنف فقيل على طريقة التوبيخ والتقريع منه تنفِقون والحالُ أنكم لاتأخذونه إلا إذا أغمَضْتم فيه ومآلُه الاستفهامُ الإنكاريُّ فكأنه قيل أمِنْه تنفقون الخ ﴿واعلموا أَنَّ الله غَنِيٌّ﴾ عن إنفاقكم وإنما يأمرُكم به لمنفعتكم وفي الأمر بأن يعلموا ذلك مع ظهور علمِهم به توبيخٌ لهم على مايصنعون من إعطاء الخبيث وإيذانٌ بأنَّ ذلك من آثار الجهلِ بشأنه تعالى فإن إعطاءَ مثلِه إنما يكون عادةً عند اعتقادِ المعطي أن الآخذَ محتاجٌ إلى ما يعطيه بل مضطرٌ إليه ﴿حَمِيدٌ﴾ مستحِقٌّ للحمد على نعمه العِظام وقيل حامد بقبول الجيّد والإثابة عليه

стр. 534

﴿الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر﴾ الوعدُ هو الإخبارُ بما سيكون من جهة المخبِر مترتباً

стр. 535

٢٦٩ - البقرة على شئ من زمان أو غيره يُستعمل في الشر استعمالَه في الخير قال تعالى النار وَعَدَهَا الله الذين كَفَرُواْ أي يعدُكم في الإنفاق الفقرَ ويقول إن عاقبة إنفاقِكم أن تفتقِروا وإنما عبر عن ذلك بالوعد مع أن الشيطان لم يضف مجئ الفقرِ إلى جهته للإيذان بمبالغته في الإخبار بتحقق مجيئة كأنه نزوله في تقرّر الوقوعِ منزلةَ أفعالِه الواقعةِ بحسب إرادته أو لوقوعه في مقابلة وعدِه تعالى على طريقة المشاكلة وقرئ بضم الفاء والسكون وبضمتين وبفتحتين ﴿وَيَأْمُرُكُم بالفحشاء﴾ أي بالخَصلة الفحشاء أي ويغريكم على البخل ومنع الصدقاتُ إغراءُ الآمرِ للمأمور على فعل المأمور به والعربُ تسمي البخيلَ فاحشاً قال طرفةُ بن العبد أرى الموتَ يعتامُ الكرامَ ويصطفي ... عقيلةَ مالِ الفاحشِ المتشدِّدِ وقيل بالمعاصي والسيِّئات ﴿والله يَعِدُكُم﴾ أي في الإنفاق ﴿مَغْفِرَةٍ﴾ لذنوبكم والجارُّ في قوله تعالى ﴿مِنْهُ﴾ متعلقٌ بمحذوفٍ هو صفة لمغفرةً مؤكدةٌ لفخامتها التي أفادها تنكيرُها أي مغفرةً أي مغفرة مغفرة كائنة منه ﴿وفضلا﴾ صفة محذوفةٌ لدلالة المذكور عليها كما في قولِه تعالى فانقلبوا بِنِعْمَةٍ مّنَ الله وَفَضْلٍ ونظائرِه أي وفضلاً كائناً منه تعالى أي خلَفاً مما أنفقتم زائداً عليه في الدنيا وفيه تكذيبٌ للشيطان وقيل ثواباً في الآخرة ﴿والله واسع﴾ قدرةً وفضلاً فيحقق ما وعدكم به من المغفرة وإخلافِ ما تنفقونه ﴿عَلِيمٌ﴾ مبالِغٌ في العلمِ فيعلم إنفاقَكم فلا يكاد يُضيع أجرَكم أو يعلمُ ما سيكون من المغفرة والفضل فلا احتمال للخُلْف في الوعد والجملةُ تذييلٌ مقررٌ لمضمونِ ما قبله

стр. 536

﴿يُؤْتِى الْحِكْمَةَ﴾ قال مجاهد الحِكمةُ هي القرآنُ والعلمُ والفِقهُ روي عن ابن نجيح أنها الإصابة في القول والعمل وعن إبراهيم النخعي أنها معرفة معاني الأشياء وفهمُها وقيل هي معرفةُ حقائِقِ الأشياءِ وقيل هي الإقدامُ على الأفعال الحسنةِ الصائبة وعن مقاتل أنها تفسر في القرآن بأربعة أوجهٍ فتارةً بمواعظِ القرآنِ وأخرى بما فيه من عجائب الأسرار ومرةً بالعلم والفهم وأخرى بالنبوة ولعل الأنسبَ بالمقام ما ينتطم الأحكامَ المبينة في تضاعيفِ الآياتِ الكريمةِ من أحد الوجهين الأولين ومعنى إيتائِها تبيينُها والتوفيقُ للعلم والعمل بها أي بينها ويوفِّقُ للعلم والعمل بها ﴿من يشآء﴾ من عباده أن يؤتيها إياه بموجب سعةِ فضلِه وإحاطةِ علمه كما آتاكم ما بيّنه في ضمن الآي من الحِكَم البالغة التي يدور عليها فلَكُ منافعِكم فاغتنموها وسارعوا إلى العمل بها والموصولُ مفعول أول ليؤتي قدم عليه الثاني للعناية به والجملةُ مستأنفة مقرّرةٌ لمضمون ما قبلها ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ على بناء المفعول وقرئ على البناء للفاعل أي ومن يؤتهِ اللَّهُ الحكمةَ واظهار في مقام الإضمارِ لإظهار الاعتناءِ بشأنها وللإشعار بعِلة الحِكم ﴿فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ أي أيَّ خيرٍ كثير فإنه قد خِيرَ له خيرُ الدارين ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ﴾ أي وما يتعظ بما أوتي من الحكمة أو وما يتفكر فيها ﴿إِلَاّ أُوْلُواْ الألباب﴾ أي العقولِ الخالصةِ عن شوائب الوهم والرّكونِ إلى مشايعة الهوى وفيهِ من الترغيبِ في المحافظة على الأحكام الواردةِ في شأن الإنفاق مالا يخفى والجملةُ إما حالٌ أو اعتراض تذييلي

стр. 537

٢٧٠ - ٢٧١ البقرة

стр. 538

﴿وَمَا أَنفَقْتُم مّن نَّفَقَةٍ﴾ بيانٌ لحكمٍ كلي شاملٍ أفراد النفقاتِ وما في حكمها إثرَ بيانِ حكمِ ما كان منها فِى سَبِيلِ الله وَمَا إما شرطيةٌ أو موصولةٌ حُذف عائدُها من الصلة أي وما أنفقتموه من نفقة أي أيِّ نفقةٍ كانت في حق أو باطلٍ في سرَ أو علانية قليلةٍ أو كثيرة ﴿أَوْ نَذَرْتُم﴾ النذرُ عقدُ الضمير على شئ والتزامُه وفعلُه كضرب ونصر ﴿مّن نَّذْرٍ﴾ أيِّ نذرٍ كان في طاعةٍ أو معصية بشرطٍ أو بغير شرط متعلقٍ بالمال أو بالأفعال كالصيامِ والصلاةِ ونحوهما ﴿فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ﴾ الفاء على الأول داخلةٌ على الجواب وعلى الثاني مزيدةٌ في الخبر وتوحيدُ الضمير مع تعدّدِ متعلَّق العلم لاتحاد المرجع بناءً على كون العطف بكلمة أو كما في قولك زيدٌ أو عمرٌو أكرمتُه ولا يقال أكرمتهما ولهذا صير إلى التأويل في قوله عز وعلا وَإِذَا رَأَوْاْ تجارة أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا وأخرى إلى المؤخَّر رعايةً للقُرب كما في هذه الآية الكريمةِ وفي قولِه تعالى وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً وحملُ النظم على تأويلها بالمذكور ونظائِره أو على حذف الأول ثقةً بدلالة الثاني عليهِ كَما في قوله تعالى والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله وقوله نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راضٍ والرأيُ مختلفُ ونحوِهما مما عُطف فيه بالواو الجامعةِ تعسفٌ مستغنىً عنه نعم يجوز إرجاعُ الضمير إلى مَا على تقدير كونها موصولة وتصديرُ الجملة بإن لتأكيدِ مضمونِها إفادةً لتحقيق الجزاء فإنه تعالى يجازيكم عليه ألبتةَ إنْ خيراً فخيرٌ وإنْ شرًّا فشرٌّ فهو ترغيبٌ وترهيب ووعدٌ ووعيد ﴿وَمَا للظالمين﴾ بالإنفاق والنذر في المعاصي أو بمنع الصدقاتِ وعدمِ الوفاء بالنذر أو بإنفاق الخبيثِ أو بالرياء والمنِ والأذى وغيرِ ذلك ما ينتظمُه معنى الظلم الذي هو عبارة عن وضع الشئ في غير موضعِه الذي يحِقُّ أن يوضعَ فيه ﴿مِنْ أَنصَارٍ﴾ أي أعوان ينصرونهم من بأس الله وعقابه لاشفاعه ولا مدافعةً وإيرادُ صيغة الجمع لمقابلة الظالمين أي وما لظالم من الظالمين نصيرٍ من الأنصار والجملةُ اسئناف مقرِّرٌ لما فيما قبله من الوعيد مفيد لفظاعة حالِ مَنْ يفعل ما يفعل من الظالمين لتحصيل الأعواذ ورعاية الخُلاّن

стр. 539

﴿إِن تُبْدُواْ الصدقات فَنِعِمَّا هِىَ﴾ نوعُ تفصيلٍ لبعض ما أُجمل في الشرطية وبيان له ولذلك تُرك العطف بينهما أي إن تُظهِروا الصدقاتِ فنِعمَ شيئاً إبداؤُها بعد أن لم يكن رياء وسمعه وقرئ بفتح النون وكسر العين على الأصل وقرئ بكسر النون وسكون العين وقرئ بكسر النون وإخفاءِ حركة العين وهذا في الصدقات المفروضة وأما في صدقة التطوعِ فالإخفاءُ أفضلُ وهي التي أريدتْ بقولِه تعالى ﴿وَإِن تُخْفُوهَا﴾ أي تعطوها خُفية ﴿وَتُؤْتُوهَا الفقراء﴾ ولعل التصريحَ بإيتائها الفقراءَ مع أنه واجبٌ في الإبداء أيضاً لما أن الإخفاءَ مظِنةُ الالتباسِ والاشتباه فإن الغنيَّ ربما يدّعي الفقرَ ويُقدمُ على قَبول الصدقةِ سرا ولا

стр. 540

٢٧٢ - البقرة يفعل ذلك عند الناس ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أي فالإخفاءِ خيرٌ لكم من الإبداء وهذا في التطوع ومن لم يعرف بالمال وأما في الواجب فالأمرُ بالعكس لدفع التهمة عن ابن عباس ﵄ صدقةُ السر في التطوع تفضُل علانيتها سبعين ضعفاً وصدقة الفريضة علا نيتها أفضلُ من سرّها بخمسة وعشرين ضِعفاً ﴿وَيُكَفّرُ عَنكُم مّن سَيّئَاتِكُمْ﴾ أي والله يكفر أو الإخفاء ومن تبعيضية أي شيئاً من سيئاتكم كما سترتموها وقيل مزيدةٌ على رأي الأخَفْشِ وقرئ بالتاء مرفوعاً ومجزوماً على ان الفعل للصدقات وقرئ بالنون مرفوعاً عطفاً على محل ما بعد الفاء أو على أنَّه خبرُ مبتدإٍ محذوف أي ونحن نكفرُ أو على أنها جملةٌ مبتدأةٌ من فعل وفاعل وقرئ مجزوماً عطفاً على محل الفاء وما بعده لأنه جوابُ الشرط ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من الإسرار والإعلان ﴿خَبِيرٌ﴾ فهو ترغيب في الإسرار

стр. 541

﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ أي لا يجب عليك أن تجعلهم مهدبين إلى الإتيان بما أُمروا به من المحاسن والانتهاءِ عمَّا نُهوا عنهُ من القبائح المعدودة وإنما الواجبُ عليك الإرشادُ إلى الخير والحثُ عليه والنهيُ عن الشر والردعُ عنه بما أُوحِىَ إِلَيْكَ من الآياتِ والذكرِ الحكيم ﴿ولكن الله يَهْدِى﴾ هدايةً خاصَّةً موصِلةً إلى المطلوب حتماً ﴿مَن يَشَآء﴾ هدايتَه إلى ذلك ممن يتذكر بما ذُكّر ويتبعُ الحق ويختار الخيرَ والجملةُ معترضة جيء بها على تلوينِ الخطابِ وتوجيهِه إلى رسول الله ﷺ مع الالتفات إلى الغَيبة فيما بين الخطابات المتعلقة بالمكلفين مبالغةً في حملهم على الامتثال فإن الإخبارَ بعدم وجوب تدارُك أمرِهم على النبيِّ ﷺ مُؤْذنٌ بوجوبه عليهم حسبما ينطِق به ما بعده من الشرطية وقيل لما كثُر فقراءُ المسلمين نهى رسول الله ﷺ السلمين عن التصدق على المشركين كي تحمِلَهم الحاجة على الدخول في الإسلام فنزلت أي ليس عليك هُدى مَنْ خالفك حتى تمنعَهم الصدقةَ لأجل دخولهم في الإسلام فلا التفاتَ حينئذٍ في الكلام وضميرُ الغيبة للمعهودين من فقراءِ المشركين بل فيه تلوينٌ فقط وقوله تعالى ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ﴾ على الأول التفات من الغيبة إلى خطاب الملكفين لزيادة هزّهم نحو الامتثال وعلى الثاني تلوينٌ للخطاب بتوجيهه إليهم وصرفهِ عنِ النبيِّ ﷺ وما شرطيةٌ جازمةٌ لتنفقوا منتصبةٌ به على المفعولية ومن تبعيضيةٌ متعلقةٌ بمحذوفٍ وقعَ صفة لاسم الشرط مبيّنةٌ ومخصصةٌ له أي أيِّ شئ تنفقوا كائنٌ من مال ﴿فَلاِنفُسِكُمْ﴾ أي فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيرُكم فلا تمنوا على من أعطيتموه ولا تؤذوه ولا تنفقوا من الخبيث أو فنفعُه الدينيَّ لكم لا لغيركم من الفقراء حتى تمنعوه ممن لا ينتفع به من حيث الدينُ من فقراء المشركين ﴿وَمَا تُنفِقُونَ إِلَاّ ابتغاء وَجْهِ الله﴾ استثناءٌ من أعم العللِ أو أعم الأحوال أي ليست نفقتكم لشئ من الأشياء إلالابتغاء وجه الله أو ليست في حالٍ من الأحوالِ إلا حال ابتغاء وجه الله فما بالُكم تمنون بها وتنفقون الخبيثَ الذي لا يوجد مثلُه إلى الله تعالى وقيل هو في معنى النهي ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ أي أجرُه وثوابُه أضعافاً مضاعفة حسبما فُصّل فيما قبلُ فلا عذرَ لكم في أن ترغبوا عن أنفاقه

стр. 542

٢٧٣ - ٢٧٤ البقرة على أحسن الوجوهِ وأجملها فهو تأكيد وبيانٌ للشرطية السابقة أو يوفَّ إليكم ما يُخلِفُه وهو من نتائج دعائه ﵇ بقوله اللَّهم اجعل للمنفق خلفا وللمسك تلفاً وقيل حجت أسماءُ بنتِ أبي بكرٍ فأتتها أمُّها تسألها وهي مشركة فأبت أن تعطِيَها وعن سعيد بنِ جبير أنهم كانوا يتقون أن يرضخوا لقراباتهم من المشركين وروي أن ناساً من المسلمين كانت لهم أصهارٌ في اليهود ورَضاعٌ كانوا ينفقون عليهم قبل الإسلام فلما أسلموا كرهوا أن ينفقوهم فنزلت وهذا في غير الواجب وأما الواجب فلا يجوز صرفُه إلى الكافر وإن كان ذميًّا ﴿وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ لا تنقصون شيئاً مما وُعدتم من الثواب المضاعف أو من الخلَف

стр. 543

﴿لِلْفُقَرَاء﴾ متعلقٌ بمحذوفٍ ينساقُ إليه الكلامُ كما في قوله ﴿في تسع آيات إلى فرعون﴾ أي اعمِدوا للفقراء أو اجعلوا ما تنفقونه للفقراء أو صدقاتِكم للفقراء ﴿الذين أُحصِرُواْ فِى سَبِيلِ الله﴾ بالغزو والجهاد ﴿لَا يستطيعون﴾ لاشتعغالهم به ﴿ضَرْبًا فِى الارض﴾ أي ذهاباً فيها للكسب والتجارة وقيل هم أهلُ الصفة كانوا ﵃ نحواً من أربعمائة من فقراء المهاجرين يسكنون صُفّة المسجدِ يستغرقون أوقاتَهم بالتعلم والجهاد وكانوا يخرجون في كل سَريةٍ بعثها رسول الله ﷺ ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهل﴾ بحالهم ﴿أَغْنِيَاء مِنَ التعفف﴾ أي من أجل تعفّفهم عن المسألة ﴿تَعْرِفُهُم بسيماهم﴾ أي تعرِف فقرَهم واضطرارهم بما تعايِنُ منهم من الضعف ورَثاثةِ الحال والخطابُ للرسول ﵇ أو لكل أحدٍ ممن له حظٌّ من الخطاب مبالغةً في بيان وضوحِ فقرهم ﴿لَا يسألون الناس إلحافاً﴾ أي إلحاحاً وهو أن يلازِمَ السائلُ المسئول حتى يعطيَه من قولهم لَحفني من فضل لِحافِه أي أعطاني من فضل ما عنده والمعنى لا يسألونهم شيئاً وإن سألوا لحاجةٍ اضْطَرَّتهم إليه لم يُلِحّوا وقيل هو نفيٌ لكلا الأمرين جميعاً على طريقةِ قولِه ... على لا حب لا يُهتدَى لمنارهِ ... أي لا منارَ ولا اهتداء ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ﴾ فيجازيكم بذلك أحسن جزاء فهو ترغيبٌ في التصدق لاسيما على هؤلاء

стр. 544

﴿الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سِرّا وَعَلَانِيَةً﴾ أي يعُمّون الأوقاتَ والأحوالَ بالخير والصدقة وقيل نزلت في شأن الصدِّيقِ ﵁ حيث تصدّق بأربعينَ ألفَ دينارٍ عشرةَ آلافٍ منه بالليل وعشرة بالنهار وعشرةٌ سراً وعشرةٌ علانية وقيل في عليَ ﵁ حين لم يكن عنده إلا أربعةُ دراهمَ فتصدق بكل واحد منها على وجهٍ من الوجوه المذكورة ولعل تقديمَ الليل على النهارِ والسرّ على العلانية للإيذان بمزية الإخفاء على الإظهار وقيل في رباط الخيل والإنفاق عليها ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ﴾ خبرٌ للموصول والفاء للدلالة على سببية ما قبلَها لما بعدَها وقيل للعطف والخبر محذوف أي ومنهم الذين الخ ولذلك جوز

стр. 545

٢٧٥ - البقرة الوقفُ على علانية ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ تقدم تفسيره

стр. 546

﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الربا﴾ أي يأخُذونه والتعبيرُ عنه بالأكل لما أنه معظم ما قُصد به ولشيوعه في المطعومات مع ما فيه من زيادة تشنيعٍ لهم وهو الزيادةُ في المقدار او الأجل حسبما فُصّل في كتب الفقه وإنما كتب بالواو كالصلوة على لغة من يفخّم في أمثالها وزيدت الألفُ تشبيهاً بواو الجمع ﴿لَا يَقُومُونَ﴾ أي من قبورهم إذا بُعثوا ﴿إِلَاّ كَمَا يَقُومُ الذى يَتَخَبَّطُهُ الشيطان﴾ أي إلا قياماً كقيام المصروعِ وهو وارد على ما يزعُمون أن الشيطانَ يخبِط الإنسانَ فيُصرعُ والخبطُ الضربُ بغير استواء خبط العشواء ﴿مِنَ المس﴾ أي الجنون وهذا أيضاً من زَعَماتهم أن الجِنيَّ يمَسّه فيختلِط عقلُه فلذلك يقال جُنَّ الرجل وهو متعلقٌ بما قبلَه من الفعل المنفى أي لايقومون من المس الذي بهم بسبب أكلِهم الربا أو بيقوم أو بيتخبّطه فيكون نهوضهم وسقوطهم كالمصروعين لالاختلال عقولِهم بل لأن الله تعالى أربى في بطونهم ما أكلوا من الربا فأثقلهم فصاروا مُخْبَلين ينهضون ويسقطون تلك سيماهم يُعرَفون بها عند أهل الموقف ﴿ذلك﴾ إشارة إلى ما ذكر من حالهم وما في إسمِ الإشارةِ من معنى البعد للإيذان بفظاعة المشارِ إليه ﴿بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا﴾ أي ذلك العقابُ بسبب أنهم نَظَموا الربا والبيعَ في سلك واحدٍ لإفضائهما إلى الربح فاستحلوه كاستحلاله وقالوا يجوز بيعُ درهمٍ بدرهمين كما يجوز بيعُ ما قيمتُه درهمٌ بدرهمين بل جعلوا الربا أصلاً في الحِل وقاسوا به البيعَ مع وضوح الفرق بينهما فإن أحدَ الدرهمين في الأول ضائعٌ حتماً وفي الثاني منجبرٌ بمِساس الحاجة إلى السلعة أو بتوقّع رَواجها ﴿وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا﴾ إنكارٌ من جهة الله تعالى لتسويتهم وإبطالٌ للقياس لوقوعه في مقابلة النص مع ما أشيرَ إليهِ من عدم الاشتراك في المناطِ والجملةُ ابتدائيةٌ لا محلَّ لها من الإعراب ﴿فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ﴾ أي فمن بلغه وعظٌ وزجرٌ كالنهي عن الربا وقرئ جاءتْه ﴿مّن رَّبّهِ﴾ متعلق بجاءه أو بمحذوف وقعَ صفة لموعظةٌ والتعرضُ لعنوانِ الربوبيةِ مع الإضافة للإشعار بكون مجيءِ الموعظةِ للتربية ﴿فانتهى﴾ عطفٌ على جاءه فاتّعظَ بلا تراخٍ وتبِعَ النهيَ ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ أي ما تقدم أخذُه قبل التحريم ولا يسترده منه وما مرتفعٌ بالظرف إنْ جُعلت مَنْ موصولةً وبالابتداء إن جُعلت شرطيةً على رأي سيبويهِ لعدم اعتماد الظرفِ على ما قبله ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى الله﴾ يجازيه على انتهائه إن كان عن قَبول الموعظةِ وصِدْقِ النية وقيل يَحْكُم في شأنه ولا اعتراضَ لكم عليه ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ أي إلى تحليل الربا ﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى مِنْ عَادٍ والجمعُ باعتبارِ المَعْنى كَما أنَّ الإفرادَ في عاد باعتبار اللفظ وما فيه من معنى البُعد للإشعارِ ببُعد منزلتِهم في الشر والفساد ﴿أصحاب النار﴾ أيْ مُلازمُوهَا ﴿هم فيها خالدون﴾ ما كثون فيها أبداً والجملةُ مقررة لما قبلها

стр. 547

٢٧٦ - ٢٧٧ ٢٧٨ ٢٧٩ البقرة

стр. 548

﴿يَمْحَقُ الله الربا﴾ أي يذهب ببركته ويُهلِكُ المالَ الذي يدخُل فيه ﴿وَيُرْبِى الصدقات﴾ يُضاعفُ ثوابَها ويبارُك فيها ويزيدُ المالَ الذي اخرجت منه الصدقةَ ويُربيها كما يربّي أحدكم مهره وعنه ﵊ ما نقصت زكاة من مال قطُّ ﴿والله لَا يُحِبُّ﴾ أي لا يرضى لأن الحبَّ مختصٌّ بالتوابين ﴿كُلَّ كَفَّارٍ﴾ مُصِرَ على تحليل المحرَّمات ﴿أَثِيمٍ﴾ مُنهمِكٍ في ارتكابه

стр. 549

﴿إن الذين آمنوا﴾ بالله ورسوله وبما جاءهم ﴿وَعَمِلُواْ الصالحات وَأَقَامُواْ الصلاة وآتوا الزكاة﴾ نخصيصهما بالذكر مع انداراجهما في لاصالحات لإنافتهما على سائر الأعمالِ الصالحة على طريقة ذكرِ جبريلَ وميكالَ عَقيبَ الملائكةِ ﵈ ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ جملةٌ من مبتدإٍ وخبر واقعةٌ خبراً لإنَّ أي لهم أجرُهم الموعودُ لهم وقوله تعالى ﴿عِندَ رَبّهِمْ﴾ حال من أجرهم وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإفاضة إلى ضميرهم مزيد لطف وتشريفٍ لهم ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من مكروه آتٍ ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ من محبوب فات

стр. 550

﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ اتقوا الله﴾ أي قوا أنفسَكم عقابَه ﴿وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الربا﴾ أي واتركوا بقايا ما شرطنم منه على الناس تركاً كلياً ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ على الحقيقة فغن ذلك مستلزِمٌ لامتثال ما أُمِرْتم به اْلبتةَ وهو شرطٌ حُذفَ جوابُه ثقةً بما قبله أي إن كنتم مؤمنين فاتقوا وذرُوه الخ رُوي أنه كان لثقيفٍ مالٌ على بعض قريشٍ فطالبوهم عند المَحِلّ بالمال والربا فنزلت

стр. 551

﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ﴾ أي ما أُمرتم بهِ منَ الاتقاء وتركِ البقايا إما مع إنكار حُرمتِه وإما مع الاعتراف بها ﴿فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ الله وَرَسُولِهِ﴾ أي فاعلَموا بها من أذن بالشئ إذا علِمَ به أما على الأول فكَحربِ المرتدين وأما على الثاني فكحرب البغاة وقرئ فآذِنوا أي فأَعْلموا غيرَكم قيل هو من الأذان وهو الاستماع فإنه من طرق العلم وقرئ فأيقِنوا وهو مؤيِّد لقراءة العامة وتنكيرُ حربٍ للتفخيمِ ومِنْ متعلقةٌ بمحذوفٍ وقع صفةً لها مؤكدةً لفخامتها أي بنوعٍ من الحرب عظيم لايقادر قدرُه كائنٍ من عندِ الله ورسوله رُوي أنَّه لمَّا نزلتْ قالت ثقيفٌ لابد لنا بحرب الله ورسوله ﴿وَإِن تُبتُمْ﴾ من الارتباء مع الإيمان بحرمتها بعد ما سمعتموه من الوعيد ﴿فَلَكُمْ رؤوس أموالكم﴾ تأخُذونها كَمَلاً ﴿لَا تُظْلَمُونَ﴾ غُرماءَكم بأخذ الزيادة والجملةُ إما مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب أو حالٌ من الضمير في لكُم والعاملُ ما تضمّنه الجارُّ من الاستقرار ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ عطفٌ على ما قبله أي لا تُظلَمون أنتم من قِبَلهم بالمطل

стр. 552

٢٨٠ - ٢٨١ البقرة والنقص ومن ضرورة تعليقِ هذا الحكمِ بتوبتهم عدمُ ثبوته عند عدمها لأن عدمها إن كان مع إنكار الحرمةِ فهم مرتدون وما لهم المكسوبُ في حال الرِّدة فيءً للمسلمين عند أبي حنيفة رضى الله عنه وكذا سائرُ أموالهم عند الشافعيِّ وعندنا هو لورثتهم ولا شئ لهم على حال وإن كان مع الاعتراف بها فإن كان لهم شوكةٌ فهم على شرف القتل لم تسلَم لهم رءوسهم فكيف برءوس أموالهم وإلا فكذلك عند ابن عباس ﵄ فإنه يقول مَنْ عاملَ الربا يستتاب وإلاضرب عنقُه وأما عند غيرِه فهم محبوسون إلى أن تظهرَ توبتُهم لا يُمَكّنون من التصرفات أصلاً فما لم يتوبوا لم يسلَمْ لهم شئ من أموالهم بل إنما يسلَم بموتهم لورثتهم

стр. 553

﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ أي إن وقع غريمٌ من غرمائكم ذو عسرةٍ على أنَّ كانَ تامةٌ وقرئ ذا عسرةٍ على أنها ناقصة ﴿فَنَظِرَةٌ﴾ أي فالحكمُ نظِرةٌ أو فعليكم نظرةٌ أو فلتكن نظرةٌ وهي الإنظارُ والإمهالُ وقرئ فناظره فالمستحق ناظره أي منتظره أوفصاحب نَظِرَتِه على طريق النسْب وقرئ فناظِرْه أمراً من المفاعلة أي فسامِحْه بالنَّظِرة ﴿إلى مَيْسَرَةٍ﴾ أي إلى يَسار وقرئ بضم السين وهما لغتان كمشرقة ومشارقة وقرئ بهما مضافين بحذف التاء عند الإضافةُ كما في قوله ... وَأَخْلفُوك عِدَ الأمرِ الذي وعدوا ... ﴿وأن تصدقوا﴾ بحذف إحدى التاءين وقرئ بتشديد الصاد أي وأن تتصدقوا على مُعْسري غرمائِكم بالإبراء ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أي أكثرُ ثواباً من الإنظار أو خيرٌ مما تأخذونه لمضاعفة ثوابه ودوامِه فهو ندبٌ إلى أن يتصدقوا برءوس أموالهم كلاً أو بعضاً على غرمائهم المعسرين كقوله تعالى ﴿وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى﴾ وقيل المرادُ بالتصدّق الإنظارُ لقوله ﵇ لا يحِل دَيْنُ رجل مسلم فيؤخرُه إلا كان له بكل يوم صدقة ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جوابُه محذوفٌ أي إنْ كنتُم تعلمونَ أنَّه خيرٌ لكُم عمِلتموه

стр. 554

﴿واتقوا يَوْمًا﴾ هو يومُ القيامة وتنكيرُه للتفخيم والتهويلِ وتعليقُ الإتقاءِ به للمبالغة في التحذير عما فيه من الشدائد والأهوال ﴿تُرْجَعُونَ فِيهِ﴾ على البناءِ للمفعولِ من الرجع وقرئ على البناءِ للفاعلِ منْ الرُّجوع والأولُ أدخلُ في التهويلِ وقرئ بالباء على طريق الالتفات وقرئ ترُدّون وكذا تَصيرون ﴿إِلَى الله﴾ لمحاسبة أعمالِكم ﴿ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ﴾ منَ النفوسِ والتعميمُ للمبالغة في تهويل اليوم أي تعطى كملا ﴿مَّا كَسَبَتْ﴾ أي جزاءَ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ أو شر ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ حال من كلِّ نفسٍ تفيد أن المعاقبين وإن كانت عقوباتهم مؤبدة غير مظلومين في ذلك لِما أنَّه من قِبَل أنفسِهم وجمعُ الضميرِ لأنه أنسبُ بحال الجزاء كما أن الإفراد أوفقُ بحال الكسب عن ابن عباس ﵄ أنها آخِرُ آيةٍ نزل بها جبريلُ ﵇ وقال ضَعْها في رأس المائتين والثمانين من البقرة وعاش رسول الله ﷺ بعدها أحداً وعشرين يوماً وقيل أحداً وثمانين وقيل سبعةَ أيام وقيل ثلاثَ ساعات

стр. 555

٢٨٢ - البقرة

стр. 556

﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ﴾ شروعٌ في بيان حال المُداينة الواقعةِ في تضاعيف المعاوضات الجاريةِ فيما بينهم ببيع السلعِ بالنقود بعد بيانِ حال الربا أي إذا داين بعضُكم بعضاً وعامله نسيئةً معْطِياً أو آخذاً وفائدةُ ذكرِ الدين دفعُ توهُّمِ كونِ التدايُن بمعنى المُجازاة أو التنبيهُ على تنوعه إلى الحالِّ والمؤجّل وأنه الباعث على الكتبة وتعين المرجع للضمير المنصوب المتصل بالأمر ﴿إلى أَجَلٍ﴾ متعلقٌ بتداينتم أو بمحذوف وقع صفة لدَيْنٍ ﴿مُّسَمًّى﴾ بالأيام أوالأشهر ونظائرِهما مما يفيد العِلمَ ويرْفَعُ الجهالة لا بالحصاد والدّياس ونحوِهما مما لا يرفعها ﴿فاكتبوه﴾ أي الدَّين بأجله لأنه أوثقُ وأرفعُ النزاع والجمهورُ على استحبابه وعن ابن عباس ﵄ أنَّ المرادَ به السَّلَم وقال لما حرم الله الربا أباح في السَّلَف ﴿وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ﴾ بيان لكيفية الكتابةِ المأمورِ بها وتعيينٌ لمن يتولاها إثرَ الأمرِ بها إجمالاً وحذفُ المفعول إما لتعيُّنه أو للقصد إلى إيقاع نفسِ الفعل أي الكتابةَ وقوله تعالى بَيْنِكُمْ للإيذان بأن الكاتبَ ينبغي أن يتوسّط بين المتداينين ويكتُبَ كلامَهما ولا يكتفيَ بكلام أحدِهما وقولُه تعالى ﴿بالعدل﴾ متعلقٌ بمحذوفٍ هو صفةٌ لكاتب أي كاتبٌ كائنٌ بالعدل أي وليكن المتصدِّي للكتابة من شأنه أن يكتُبَ بالسوية من غير مَيل إلى أحد الجانبين لا يزيد ولا ينقُص وهو أمرٌ للمتداينين باختيار كاتبٍ فقيهٍ ديِّن حتى يجيء كتابُه موثوقاً به معدّلاً بالشرع ويجوزُ أنْ يكون حالاً منه أي ملتبساً بالعدل وقيل متعلقٌ بالفعل أي وليكتبْ بالحق ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ﴾ أي ولا يمتنعْ أحدٌ ن الكُتاب ﴿أَن يَكْتُبَ﴾ كتابَ الدين ﴿كَمَا عَلَّمَهُ الله﴾ على طريقة ما علّمه من كتبه الوثاق أو كما بينه بقوله تعالى بالعدل أولا يأب أن ينفعَ الناسَ بكتابته كما نفعه الله تعالى بتعليمِ الكتابة كقوله تعالَى وَأَحْسِن كَمَا ﴿أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ﴾ ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ تلك الكتابةَ المُعْلمة أَمَر بها بعد النهي عن إبائها تأكيداً لها ويجوز أن تتعلقَ الكافُ بالأمر على أنْ يكونَ النهيُ عن الامتناع منها مطلقةً ثم الأمرُ بها مقيدة ﴿وَلْيُمْلِلِ الذى عَلَيْهِ الحق﴾

стр. 557

الإملال هو الإملاءُ أي وليكن المُمْلي مَنْ عليه الحقُّ لأنه المشهودُ عليه فلا بد أن يكون هو المُقِرَّ ﴿وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ﴾ جُمع ما بين الاسمِ الجليلِ والنعتِ الجميل للمبالغة في التحذير أي وليتقِ المُمْلي دون الكاتِب كما قيل لقوله تعالى ﴿وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ﴾ أي من الحق الذي يْمليه على الكاتب ﴿شَيْئاً﴾ فإنه الذي يُتوقع منه البخسُ خاصة وأما الكاتبُ فيُتوقع منه الزيادة كما يتوقع منه النقصُ فلو أُريد نهيُه لنهى عن كليهما وقد فَعل ذلك حيث أمَر بالعدل وإنما شُدِّد في تكليف المُمْلي حيث جُمع فيه بين الأمر بالاتقاء والنهي عن البخس لما فيه من الدواعي إلى المنهيِّ عنه فإن الإنسان مجبولٌ على دفع الضرر عن نفسه وتخفيفِ ما في ذمته بما أمكن ﴿فَإن كَانَ الذى عَلَيْهِ الحق﴾ صَرَّح بذلك في موضعِ الإضمارِ لزيادةِ الكشفِ والبيان لا لأن الأمرَ والنهيَ لغيره ﴿سَفِيهًا﴾ ناقصَ العقلِ مبذّراً مجازفاً ﴿أَوْ ضَعِيفًا﴾ صبياً أو شيخاً مختلاً ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ﴾ أي غيرَ مستطيعٍ للإملاء بنفسه لخرَسٍ أو عَيَ أو جهلٍ أو غيرِ ذلك من العوارض ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾ أي الذي يلي أمرَه ويقوم مقامه من قيِّم أو وكيل أو مترجم ﴿بالعدل﴾ أي من غير نقص ولا زيادة لم يكلَّف بعين ما كُلف به من عليه الحقُّ لأنه يُتوقع منه الزيادة كما يتوقع منه البخس ﴿واستشهدوا شَهِيدَيْنِ﴾ أي اطلُبوهما ليتحملا الشهادةَ على ما جرى بينكم من المداينة وتسميتها شهيدين لتنزيل المُشارف منزلةَ الكائن ﴿مّن رّجَالِكُمْ﴾ متعلق باستشهدوا ومن ابتدائية أو بمحذوف وقع صفة لشهيدين ومن تبعيضية أي شهيدين كائنين من رجال المسلمين الأحرار إذ الكلامُ في معاملاتهم فإن خطاباتِ الشرعِ لا تنتظمُ العبيدَ بطريق العبارة كما بُيِّن في موضعه وأما إذا كانت المداينةُ بين الكفَرَة أو كان من عليه الحقُّ كافراً فيجوز استشهادُ الكافر عندنا ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا﴾ أي الشهيدان جميعاً على طريقة نفي الشمولِ لا شُمولِ النفي ﴿رَّجُلَيْنِ﴾ إما لإعوازهما أو لسببٍ آخرَ من الأسباب ﴿فَرَجُلٌ وامرأتان﴾ أي فليشهد رجلٌ وامرأتانِ أو فرجل وامرأتانِ يكفُون وهذا فيما عدا الحدودَ والقصاصَ عندنا وفي الأموال خاصة عند الشافعي ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ﴾ متعلقٌ بمحذوف وقع صفة لرجل وامرأتان أي كائنون مرضيّين عندكم وتخصيصُهم بالوصف المذكور مع تحقق اعتباره في كل شهيد لقلة اتصافِ النساء به وقيل نعتٌ لشهيدين أي كائنين ممن ترضَوْن ورُد بأنه يلزم الفصلُ بينهما بالأجنبي وقيل بدل من رجالكم بتكرير العامل ورد بما ذكر من الفصل وقيل متعلقٌ بقوله تعالى فاستشهدوا فيلزم الفصل بين اشتراط المرأتين وبين تعليله وقوله ﴿مِنَ الشهداء﴾ متعلقٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من الضمير المحذوف الراجعِ إلى الموصول أي ممن ترضَوْنهم كائنين من بعض الشهداء لعلمكم بعدالتهم وثقتِكم بهم وإدراجُ النساء في الشهداء بطريق التغليب ﴿أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا الاخرى﴾ تعليلٌ لاعتبار العدد في النساء والعلةُ في الحقيقة هي التذكيرُ ولكنَّ الضلالَ لما كان سبباً له نُزّل منزلتَه كما في قولك أعددتُ السلاحَ أن يجيء عدو فأدفعه كأنه قيل أن تذكّر إحداهما الأخرى إن ضلت الشهادة بأن نسيتها ولعل إيثارَ مَا عليهِ النظمُ الكريمُ على أنْ يقالَ إنِ تضل إحداهما فتذكرَها الأخرى لتأكيد الإبهام والمبالغة في الاحتراز عن توهم اختصاصِ الضلال بإحداهما بعينها والتذكير بالأخرى وقرئ فتذكر من الأذكار وقرئ فتذاكر وقرئ إنْ تضلَّ على الشرط فتذكرُ بالرفع كقوله تعالى وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ ﴿وَلَا يَأْبَ الشهداء إِذَا مَا دُعُواْ﴾ لأداء

стр. 558

الشهادة أو لتحمُّلها وتسميتُهم شهداءَ قبل التحمل لما مرَّ من تنزيل المُشارف منزلةَ الواقع وما مزيدة عن قتادة أنه كان الرجل يطوف في الحِواء العظيم فيه القوم فلا يتبعُه منهم أحد فنزلت ﴿وَلَا تسأموا﴾ أي لا تَملُّوا من كثرة مدايناتِكم ﴿أن تكتبوه﴾ أي الدينَ أو الحقَّ أو الكتابَ وقيل كنى به عن الكسل الذي هو صفةُ المنافق كما ورد في قولِه تعالى وَإِذَا قَامُوا إلَى الصَّلاةِ قَامُوا كسالى وقد قال النبيِّ ﷺ لا يقولُ المؤمن كسِلْتُ ﴿صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا﴾ حالٌ من الضمير أي حالَ كونه صغيراً أو كبيراً أي قليلاً أو كثيراً أو مجملاً أو مفصّلاً ﴿إِلَى أَجَلِهِ﴾ متعلقٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من الهاء في تكتبوه أي مستقراً في الذمة إلى وقت حلوله الذي أقربه المديون ﴿ذلكم﴾ إشارةٌ إلى ما أُمر به من الكَتْب والخطابُ للمؤمنين ﴿أَقْسَطُ﴾ أي أعدل ﴿عَندَ الله﴾ أي في حكمه تعالى ﴿وَأَقْوَمُ للشهادة﴾ أي أثبتُ لها وأعونُ على إقامتها وهما مبنيان من أقسطَ وأقامَ فإنه قياسيٌّ عند سيبويه أو من قاسط بمعنى ذي قِسط وقويم وإنما صحت الواو في أقوم كما صحت في التعجيب لجموده ﴿وَأَدْنَى أَلَاّ تَرْتَابُواْ﴾ وأقرب إلى انتفاء رَيبكم في جنس الدَّين وقدرِه وأجله وشهودِه ونحوِ ذلك ﴿إِلَاّ أَن تكون تجارة حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ استثناءٌ منقطع من الأمر بالكتاب أي لكنْ وقتَ كونِ تدايُنِكم أو تجارتكم تجارةً حاضرةً بحضور البدلين تُديرونها بينكم بتعاطيهما يداً بيد ﴿فليس عليكم جناح ألا تَكْتُبُوهَا﴾ أي فلا بأسَ بأن لا تكتبوها لبُعده عن التنازع والنسيان وقرئ برفع تجارةٌ على أنَّها اسمُ كانَ وحاضرةٌ صفتُها وتديرونها خبرُها أو على أنها تامة ﴿وَأَشْهِدُواْ إِذَا تبايعتم﴾ أي هذا التبايُعَ أو مطلقاً لأنه أحوطُ والأوامرُ الواردةُ في الآية الكريمة للندب عند الجمهور وقيل للوجوب ثم اختلف في أحكامها ونسخها ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ نهيٌ عن المضارة محتمل للبناءين كما ينبأ عنه قراءةُ مَن قرأَ ولا يضارر في الكسر والفتح وهو نهيهما عن ترك الإجابة والتغييرِ والتحريفِ في الكتبه والشهادة أو نهيُ الطالب عن الضرار بهما بأن يعجلهما عن مهمهما أو يكلفَهما الخروجَ عما حُدّ لهما أو لا يعطي الكاتب جعله وقرئ في الرفع على أنه نفيٌ في مَعْنى النهي ﴿وَإِن تَفْعَلُواْ﴾ ما نُهيتم عنه من الضرار ﴿فإنه﴾ أي فعلكم ذلك ﴿فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ أي خروجٌ عن الطاعة ملتبس بكم ﴿واتقوا الله﴾ في مخالفة أوامرِه ونواهيه التي من جملتها نهيُه عن المضارة ﴿وَيُعَلّمُكُمُ الله﴾ أحكامه المتضمنة لمصالحكم ﴿والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ﴾ فلا يكاد يخفي عبيه حالُكم وهو مجازيكم بذلك كُرر لفظ الجلالة في الجمل الثلاث لإدخال الروعةِ وتربيةِ المهابةِ وللتنبيه على استقلالِ كلَ منها بمعنى على حياله فإن الأولى حثٌّ على التقوى والثانية وعدٌ بالإنعام والثالثة تعظيمٌ لشأنه تعالى

стр. 559

﴿وَإِن كُنتُمْ على سَفَرٍ﴾ أي مسافرين أو متوجهين إليه ﴿وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا﴾ في المداينة وقرئ كِتاباً وكُتُباً وكتاباً ﴿فرهان مَّقْبُوضَةٌ﴾ أي فالذي يُستوثق به أو

стр. 560

٢٨٤ - البقرة فعليكم أو فليؤخَذ أو فالمشروعُ رهانٌ مقبوضة وليس هذا التعليقُ لاشتراط السفر في شرعية الارتهان كما حسِبه مجاهدٌ والضحاكُ لأنه ﷺ رهَن دِرْعه في المدينة من يهودى بعشرين صاعاص من شعير أخذه لأهله بل لإقامة التوثقِ بالارتهان مقام التوثق بالكتبة في السفر الذي هو مِظنةُ إعوازِها وإنما لم يتعرّض لحال الشاهد لما أنه في حكم الكاتب توثقاً وإعوازاً والجمهورُ على وجوب القبض في تمام الرهن غير مالك وقرئ فرُهُنٌ كسُقُف وكلاهما جمع رهن بمعنى مرهون وقرئ بسكون الهاء نخفيفا ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ أي بعضُ الدائنين بعضَ المديونين لحسن ظنه به واستغنى بأمانته عن الارتهان وقرئ فإن أُومن بعضُكم أي آمنه الناسُ ووصفوه بالأمانة قيل فيكون انتصابُ بعضاً حينئذ على نزع الخافض أي على متاع بعض ﴿فَلْيُؤَدّ الذى اؤتمن﴾ وهو المديون وإنما عبّر عنه بذلك العنوان لتعينه طريقاً للإعلام ولحمله على الأداء ﴿أمانته﴾ أي دينه وإنما سمّي أمانة لائتمانه بترك الارتهان به وقرئ ايتُمِن بقلب الهمزة ياء وقرئ بإدغام الياء في التاء وهو خطأ لأن المنقلبة من الهمزة لا تدغم لأنها في حكمها ﴿وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ﴾ في رعاية حقوق الأمانة وفي الجمع بين عنوان الألوهية وصفة الربوبية من التأكيد والتحذير مالا يخفى ﴿وَلَا تَكْتُمُواْ الشهادة﴾ أيها الشهود أو المدينون أي شهادتكم على أنفسكم عند المعاملة ﴿وَمَن يَكْتُمْهَا فإنه آثم قَلْبُهُ﴾ آثم خبر إن وقلبُه مرتفعٌ به على الفاعليةِ كأنه قيل يأثم قلبه أو مرتفع بالابتداء وآثمٌ خبرٌ مقدّمٌ والجملةُ خبرُ إن وإسنادُ الإثم إلى القلبِ لأن الكِتمان مما اقترفه ونظيرُه نسبةُ الزنا إلى العين والأذن أو للمبالغة لأنه رئيسُ الأعضاء وأفعالُه أعظمُ الأفعال كأنه قيل تمكّن الإثمُ في نفسه وملك أشرفَ مكان فيه وفاق سائر ذنوبه عن ابن عبَّاس ﵄ إن أكبرَ الكبائر الإشراكُ بالله لقوله تعالى ﴿فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الجنة﴾ وشهادةُ الزور وكتمانُ الشهادة وقرئ قلبَه بالنصب كما في سفه نفسه وقرئ أثمَ قلبه أي جعله آثماً ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ فيجازيكم به إنْ خيراً فخيرٌ وإنْ شرا فشر

стр. 561

﴿لله ما في السماوات وما في الارض﴾ من الأمور الداخلة في حقيقتهما والخارجة عنهما المتمكنةِ فيهما من أولي العلم وغيرهم أي كلُّها له تعالى خلقا وملكا وتصرفا لاشركة لغيره في شئ منها بوجه من الوجوه ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ﴾ من السوء والعزمِ عليه بأن تُظهروه للناس بالقول أو بالفعل ﴿أو تُخْفُوهْ﴾ بأن تكتُموه منهم ولا تُظهروه بأحد الوجهين ولا يندرج فيه مالا يخلُو عنه البشرُ من الوساوس وأحاديث النفس التي لاعقد ولا عزيمة فيها إذ التكليفُ بحسب الوُسع ﴿يُحَاسِبْكُم بِهِ الله﴾ يومَ القيامة وهو حجةٌ على منكري الحساب من المعتزلة والروافض وتقديم الجار والمجرور على الفاعل للاعتناء به وأما تقديمُ الإبداء على الإخفاء على عكس ما في قوله قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا في الصدوركم أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ الله فلِما أن المعلَّق بما في أنفسهم ههنا هو المحاسبة والأصلُ فيها الأعمالُ البادية وأما العلمُ فتعلُّقه بها كتعلقه بالأعمال الخافية

стр. 562

٢٨٥ - البقرة كيف لا وعلمُه سبحانه بمعلوماته متعالٍ عن أن يكون بطريق حصول الصور بل وجود كل شئ في نفسه في أيّ طور كان علمٌ بالنِّسبةِ إليهِ تعالَى وهذا لا يختلفُ الحالُ بين الأشياء البارزةِ والكامنة خلا أن مرتبة الإخفاءِ متقدمةٌ على مرتبة الإبداء إذ ما من شئ يبدى إلا وهُو أو مباديهِ قبل ذلك مضمرٌ في النفس فتعلقُ علمِه تعالَى بحالتِهِ الأُولى متقدمٌ على تعلقهِ بحالته الثانية وقد مرَّ في تفسيرِ قوله تعالى أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُون ﴿فَيَغْفِرُ﴾ بالرفع على الاستئناف أي فهو يغفرُ بفضله ﴿لِمَن يَشَاء﴾ أنْ يغفرَ له ﴿وَيُعَذّبَ﴾ بعدله ﴿مَن يَشَآء﴾ أنْ يعذَبهُ حسبما تقتضيه مشيئتُه المبنيةُ على الحكم والمصالح وتقديم المغفرة على التعذيب لتقدّم رحمته على غضبه وقرئ بجزم الفعلين عطفاً على جواب الشرط وقرئ بالجزم من غير فاء على أنهما بدلٌ من الجواب بدلَ البعضِ أو الاشتمالِ ونظيره الجزمُ على البدلية من الشرط في قوله متى تأتِنا تُلمِمْ بنافي ديارِنا ... تجدْ حَطَباً جَزْلاً وناراً تأججا وإدغام الراء في اللام لحنٌ ﴿والله على كل شىء قَدِيرٌ﴾ تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبله فإن كمالَ قُدرته تعالى على جميع الأشياء مُوجِبٌ لقدرته سبحانه على ما ذُكر من المحاسبة وما فُرِّع عليه من المغفرة والتعذيب

стр. 563

﴿آمن الرسول﴾ لمّا ذُكر في فاتحة السورةِ الكريمة أن ما انزل إلى الرسول ﷺ من الكتاب العظيمِ الشأنِ هدىً للمتّصفين بما فُصِّل هناك من الصفات الفا ضلة التي من جملتها الإيمانُ به وبما أنزل قبله من الكتب الإلهيةِ وأنهم حائزون لأثَرَتي الهدى والفلاح من غير تعيين لهم بحصوصهم ولا تصريح بتحقيق اتصافِهم بها إذ ليس فيما يُذكر في حيز الصلةِ حُكمٌ بالفعل وعُقّب ذلك ببيانِ حالِ مَن كَفر به من المجاهرين والمنافقين ثم شَرَح في تضاعيفها من فنون الشرائع والأحكام والمواعظِ والحِكَم وأخبارِ سوالف الأمم وغير ذلك ما تقتضي الحكمةُ شرحَه عُيِّن في خاتمتها المتّصفون بها وحُكم باتصافهم بها على طريق الشهادة لهم من جهته بكمال الإيمان وحسنِ الطاعةِ وذكر ﷺ بطريق الغيبة مع ذكر هناك بطريق الخطاب لما أن حقَّ الشهادة الباقيةِ على مرِّ الدُّهورِ أن لا يخاطَبَ بها المشهودُ له ولم يتعرض ههنا لبيان فوزهم بمطالبهم التي من جملتها ما حكي عنهم من الدعوات الآتية إيذاناً بأنه أمرٌ محققٌ غنيٌّ عن التصريح به لاسيما بعد ما نُص عليه فيما سلف وإيراده ﷺ بعنوان الرسالة المنبئة عن كونه ﷺ صاحبَ كتابٍ مجيد وشرع جديد تمهيدٌ لما يعقُبه منْ قولِه تعالى ﴿بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ﴾ ومزيدُ توضيحٍ لاندراجه في الرسل المؤمَنِ بهم ﵈ والمرادُ بما انزل إليه ما يعم كله وكل جزء من أجزائه ففيه تحقيق لكيفية إيمانه ﷺ وتعيين لعنوانه أي آمن ﵇ بكل ماأنزل إليه ﴿من ربه﴾ والكتُب وغير ذلك من حيث إنه منزلٌ منه تعالى وأما الإيمانُ بحقية أحكامِه وصدقِ أخباره ونحوُ ذلك فمن فروع الإيمان به من الحيثية المذكورة وفي هذا الإجمال إجلالٌ لمحله ﷺ وإشعارٌ بأن تعلّقَ إيمانِه بتفاصيلِ ما أنزل إليه وإحاطته بجميع ما انطوى

стр. 564

عليه منَ الظهورِ بحيثُ لا حاجة إلى ذكره أصلاً وكذا في التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره ﵇ تشريفٌ له وتنبيهٌ على أن إنزاله إليه تربية وتكميلٌ له ﵇ ﴿والمؤمنون﴾ أي الفريقُ المعروفون بهذا الاسم فاللَاّم عهدية لا موصلة لإفضائها إلى خلو الكلام عن الجدوى وهو مبتدأ وقوله ﴿كُلٌّ﴾ مبتدأٌ ثانٍ وقولُه تعالَى ﴿آمن﴾ خبرُه والجملةُ خبرٌ للمبتدأ الأول والرابطُ بينهما الضمير الذي ناب منابَه التنوين وتوحيدُ الضمير في آمن مع رجوعه إلى كل المؤمنين لما أن المرادَ بيانُ إيمانِ كل فردِ منهم من غير اعتبار الاجتماعِ كما اعتُبر ذلك في قوله تعالى ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخرين﴾ وتغييرُ سبْكِ النظم الكريمِ عما قبلَه لتأكيد الإشعارِ بما بين إيمانه ﵇ المبني على المشاهدة والعِيان وبين إيمانِهم الناشئ عن الحجة والبرهانِ من التفاوت البيِّن والاختلاف الجليِّ كأنهما مختلفان من كل وجهٍ حتى في هيئة التركيب الدالِّ عليهما وما فيه من تكرير الإسناد لما في الحُكم بإيمان كلِّ واحدٍ منهم على الوجه الآتي من نوعِ خفاءٍ مُحوِجٍ إلى التقوية والتأكيد أي كلُّ واحد منهم آمن ﴿بالله﴾ وحده من غير شريكٍ له في الأُلوهيَّةِ والمعبودية ﴿وملائكته﴾ أي من حيث إنهم عبادٌ مُكْرمون له تعالى من شأنهم التوسطُ بينه تعالى وبين الرسل بإنزال الكتب وإلقاءِ الوحي فإن مدارَ الإيمان بهم ليس من خصوصيات ذواتِهم في أنفسهم بل هو من إضافتهم إليه تعالى من الحيثية المذكورة كما يلُوح به الترتيبُ في النظم ﴿وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ أي من حيث مجيئُهما من عنده تعالى لإرشاد الخلقِ إلى ما شرَع لهم من الدين بالأوامر والنواهي لكنْ لا عَلى الإطلاقِ بل على أن كلَّ واحدٍ من تلك الكتب منزل منه تعالى إلى رسول معيّنٍ من أولئك الرسلِ عليهم الصلاة والسلام حسبما فُصِّل في قولِه تعالى ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ والاسباط وَمَا أُوتِىَ موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم﴾ الآية ولا على أن مناطَ الإيمان خصوصيةُ ذلك الكتاب أو ذلك الرسولِ بل على أن الإيمانَ بالكل مندرِجٌ في الإيمان بالكتاب المُنْزل إلى الرسول ﷺ ومستنِدٌ إليه لِما تُليَ من الآية الكريمة ولا على أن أحكامَ الكتبِ السالفة وشرائعَها باقيةٌ بالكلية ولا على أن الباقيَ منها معتبرٌ بالإضافة إليها بل على أن أحكامَ كلِّ واحد منها كانت حقة ثابتة إلى ورود كتابٍ آخرَ ناسخٍ له وأن مالم ينسخ منها إلى الآن من الشرائع والأحكام ثابتة من حيث إنها من أحكام هذا الكتاب المَصونِ عن النسخ إلى يوم القيامة وإنَّما لَمْ يُذكر هَهُنا الإيمانُ باليوم الآخر كَما ذُكر في قولِهِ تعالى ﴿ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين﴾ لاندراجه في الايمان بكتبه وقرئ وكتابِه على أن المرادَ به القرآنُ أو جنسُ الكتاب كما في قوله تعالى ﴿فَبَعَثَ الله النبيين مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتاب﴾ والفرقُ بينه وبين الجمع أنه شائعٌ في أفراد الجنس والجمعِ في جموعه ولذلك قيل الكتابُ أكثرَ من الكتب وهذا نوعُ تفصيلٍ لَما أُجمل في قولِهِ تعالى ﴿بِمَا أنزل إليه من ربه﴾ اقتُصر عليه إيذاناً بكفايته في الإيمان الإجمالي المتحقِّق في كل فردٍ من أفراد المؤمنين من غير نفيٍ لزيادةٍ ضرورةَ اختلاف طبقاتهم وتفاوتِ إيمانهم بالأمور المذكورة في مراتب التفصيل تفاوتاً فاحشاً فإن الإجمالَ في الحكاية لا يوجب الإجمالَ في المحكيِّ كيف لا وقد أُجمل في حكاية إيمانه ﵇ بما أنزل إليه من ربه مع بداهة كونهِ متعلقا بتفاصيل مافيه من الجلائل والدقائق ثم إن الأمورَ المذكورةَ

стр. 565

حيث كانت من الأمورِ الغيبيَّةِ التي لا يُوقف عليها إلا من جهة العليم الخبير كان الإيمانُ بها مِصداقاً لما ذُكر في صدرِ السورةِ الكريمةِ من الإيمان بالغيب وأما الإيمان بكتُبه تعالى فإشارة الى مافي قوله تعالى يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ هذا هو اللائقُ بشأنِ التنزيل والحقيقُ بمقداره الجليل وقد جُوّز أن يكون قوله تعالى والمؤمنون معطوفاً على الرسول فيوقف عليه والضميرُ الذي عُوّض عنه التنوينُ راجعٌ إلى المعطوفَيْن معاً كأنه قيل آمن الرسولُ والمؤمنون بما أنزل إليه من ربه ثم فصل ذلك وقيل كلُّ واحدٍ من الرسول والمؤمنين آمن بالله الخ خلا أنه قُدّم المؤمَنُ به على المعطوف اعتناءً بشأنه وإيذاناً بأصالته ﵇ في الإيمان به ولا يخفى أنه مع خلوّه عما في الوجه الاول من كمال اجلال شأنهِ ﵇ وتفخيمِ إيمانه مخلٌّ بجزالة النظمِ الكريم لأنه إنْ حُمل كلٌّ من الإيمانين على ما يليقُ بشأنه ﵇ منْ حيثُ الذاتُ ومن حيث التعلقُ بالتفاصيل استحالَ اسنادهما الى غيره ﵇ وضاع التكريرُ وإن حُملا على ما يليق بشأن آحادِ الأمةِ كان ذلك حطاً لرتبته العليةِ ﵇ وأما حملُهما على ما يليقُ بكلِّ واحدٍ ممن نُسبا إليه من الآحاد ذاتاً وتعلقاً بأن يُحمَلا بالنسبة إلى الرسول ﷺ على الإيمان العياني المتعلقِ بجميع التفاصيل وبالنسبة إلى آحاد الأمةِ على الإيمان المكتسَب من جهته ﵇ اللائقِ بحالهم في الإجمال والتفصيل فاعتسافٌ بيّن ينبغي تنزيهُ ساحةِ التنزيلِ عن أمثاله وقوله تعالى ﴿لَا نُفَرّقُ بَيْنَ أحدٍ من رسلِه﴾ في حيز النصب بقول مقدرٍ على صيغة الجمع رعايةً لجانب المعنى منصوبٌ على أنَّه حالٌ من ضمير آمن أو مرفوعٌ على أنه خبر آخر لكلٌّ أي يقولون لا نفرّق بينهم بأن نؤمنَ ببعض منهم ونكفُرَ بآخَرين بل نؤمنُ بصحة رسالةِ كلِّ واحدٍ منهم قيّدوا به إيمانَهم تحقيقاً للحق وتخطِئةً لأهل الكتابين حيث أجمعوا على الكفر بالرسول ﷺ واستقلت اليهودُ بالكفر بعيسى ﵇ أيضاً على أن مقصودَهم الأصليَّ إبرازُ إيمانهم بما كفروا به من رسالته ﵇ لا لإظهار موافقتهم لهم فيما آمنوا به وهذا كما ترى صريحٌ في أن القائلين آحادُ المؤمنين خاصة إذ لايمكن أن يسند إليه ﵇ أنْ يقولَ لا أفرق بَيْنَ أحدٍ من رُّسُلِهِ وهو يريد به إظهارَ إيمانه برسالة نفسِه وتصديقَه في دعواها وعدمُ التعرض لنفي التفريق بين الكتب لاستلزام المذكور إياه وإنما لم يُعكَسْ مع تحقق التلازم من الطرفين لما أن الأصلى في تفريق المفرِّقين هو الرسلُ وكفرُهم بالكتب متفرِّع على كفرهم بهم وقرئ بالياء على إسنادِ الفعلِ إلى كل وقرئ لا يفرِّقون حَمْلاً على المَعْنى كَما في قوله تعالى ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخرين﴾ فالجملة نفسُها حال من الضمير المذكور وقيل خبرٌ ثان لكلٌّ كما قيل في القول المقدر فالابد من اعتبار الكلية بعد النفي دون العكس إذ المرادُ شمولُ النفي لا نفيُ الشمول والكلام في همزة أحدٍ وفي دخول بين عليه قد مر تفصيله عند قولِه تعالى ﴿لَا نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ﴾ وفيه من الدلالة صريحاً على تحقق عدم التفريق بين كل فرد فرد منهم وبين من عداه كائنا من كان ما ليس في أن يقال لا نفرِّق بين رسله وإيثارُ إظهارِ الرسلِ على الإضمار الواقعِ مثلُه في قوله تعالى ﴿وَمَا أُوتِيَ النبيون مِن رَّبّهِمْ لَا نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ﴾ إما للاحتراز عن توهم اندارج الملائكةِ في الحُكم أو للإشعار بعلة عدمِ التفريقِ أو للإيماء إلى عنوانه لأن المعتبرَ عدمُ التفريق من حيث الرسالةُ دون سائرِ الحيثيات الخاصة ﴿وَقَالُواْ﴾ عطفٌ على آمن وصيغةُ الجمعِ باعتبار جانب المعنى وهو حكايةٌ لامتثالهم بالأوامر إثر حكاية
следующие страницы →