Полный текст (8 642 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
﴿لله ما في السماوات وما في الارض﴾ من الأمور الداخلة في حقيقتهما والخارجة عنهما المتمكنةِ فيهما من أولي العلم وغيرهم أي كلُّها له تعالى خلقا وملكا وتصرفا لاشركة لغيره في شئ منها بوجه من الوجوه
﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ﴾ من السوء والعزمِ عليه بأن تُظهروه للناس بالقول أو بالفعل
﴿أو تُخْفُوهْ﴾ بأن تكتُموه منهم ولا تُظهروه بأحد الوجهين ولا يندرج فيه مالا يخلُو عنه البشرُ من الوساوس وأحاديث النفس التي لاعقد ولا عزيمة فيها إذ التكليفُ بحسب الوُسع
﴿يُحَاسِبْكُم بِهِ الله﴾ يومَ القيامة وهو حجةٌ على منكري الحساب من المعتزلة والروافض وتقديم الجار والمجرور على الفاعل للاعتناء به وأما تقديمُ الإبداء على الإخفاء على عكس ما في قوله قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا في الصدوركم أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ الله فلِما أن المعلَّق بما في أنفسهم ههنا هو المحاسبة والأصلُ فيها الأعمالُ البادية وأما العلمُ فتعلُّقه بها كتعلقه بالأعمال الخافية
стр. 562
٢٨٥ - البقرة كيف لا وعلمُه سبحانه بمعلوماته متعالٍ عن أن يكون بطريق حصول الصور بل وجود كل شئ في نفسه في أيّ طور كان علمٌ بالنِّسبةِ إليهِ تعالَى وهذا لا يختلفُ الحالُ بين الأشياء البارزةِ والكامنة خلا أن مرتبة الإخفاءِ متقدمةٌ على مرتبة الإبداء إذ ما من شئ يبدى إلا وهُو أو مباديهِ قبل ذلك مضمرٌ في النفس فتعلقُ علمِه تعالَى بحالتِهِ الأُولى متقدمٌ على تعلقهِ بحالته الثانية وقد مرَّ في تفسيرِ قوله تعالى أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُون
﴿فَيَغْفِرُ﴾ بالرفع على الاستئناف أي فهو يغفرُ بفضله
﴿لِمَن يَشَاء﴾ أنْ يغفرَ له
﴿وَيُعَذّبَ﴾ بعدله
﴿مَن يَشَآء﴾ أنْ يعذَبهُ حسبما تقتضيه مشيئتُه المبنيةُ على الحكم والمصالح وتقديم المغفرة على التعذيب لتقدّم رحمته على غضبه وقرئ بجزم الفعلين عطفاً على جواب الشرط وقرئ بالجزم من غير فاء على أنهما بدلٌ من الجواب بدلَ البعضِ أو الاشتمالِ ونظيره الجزمُ على البدلية من الشرط في قوله
متى تأتِنا تُلمِمْ بنافي ديارِنا ... تجدْ حَطَباً جَزْلاً وناراً تأججا
وإدغام الراء في اللام لحنٌ
﴿والله على كل شىء قَدِيرٌ﴾ تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبله فإن كمالَ قُدرته تعالى على جميع الأشياء مُوجِبٌ لقدرته سبحانه على ما ذُكر من المحاسبة وما فُرِّع عليه من المغفرة والتعذيب
стр. 563
﴿آمن الرسول﴾ لمّا ذُكر في فاتحة السورةِ الكريمة أن ما انزل إلى الرسول ﷺ من الكتاب العظيمِ الشأنِ هدىً للمتّصفين بما فُصِّل هناك من الصفات الفا ضلة التي من جملتها الإيمانُ به وبما أنزل قبله من الكتب الإلهيةِ وأنهم حائزون لأثَرَتي الهدى والفلاح من غير تعيين لهم بحصوصهم ولا تصريح بتحقيق اتصافِهم بها إذ ليس فيما يُذكر في حيز الصلةِ حُكمٌ بالفعل وعُقّب ذلك ببيانِ حالِ مَن كَفر به من المجاهرين والمنافقين ثم شَرَح في تضاعيفها من فنون الشرائع والأحكام والمواعظِ والحِكَم وأخبارِ سوالف الأمم وغير ذلك ما تقتضي الحكمةُ شرحَه عُيِّن في خاتمتها المتّصفون بها وحُكم باتصافهم بها على طريق الشهادة لهم من جهته بكمال الإيمان وحسنِ الطاعةِ وذكر ﷺ بطريق الغيبة مع ذكر هناك بطريق الخطاب لما أن حقَّ الشهادة الباقيةِ على مرِّ الدُّهورِ أن لا يخاطَبَ بها المشهودُ له ولم يتعرض ههنا لبيان فوزهم بمطالبهم التي من جملتها ما حكي عنهم من الدعوات الآتية إيذاناً بأنه أمرٌ محققٌ غنيٌّ عن التصريح به لاسيما بعد ما نُص عليه فيما سلف وإيراده ﷺ بعنوان الرسالة المنبئة عن كونه ﷺ صاحبَ كتابٍ مجيد وشرع جديد تمهيدٌ لما يعقُبه منْ قولِه تعالى
﴿بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ﴾ ومزيدُ توضيحٍ لاندراجه في الرسل المؤمَنِ بهم ﵈ والمرادُ بما انزل إليه ما يعم كله وكل جزء من أجزائه ففيه تحقيق لكيفية إيمانه ﷺ وتعيين لعنوانه أي آمن ﵇ بكل ماأنزل إليه
﴿من ربه﴾ والكتُب وغير ذلك من حيث إنه منزلٌ منه تعالى وأما الإيمانُ بحقية أحكامِه وصدقِ أخباره ونحوُ ذلك فمن فروع الإيمان به من الحيثية المذكورة وفي هذا الإجمال إجلالٌ لمحله ﷺ وإشعارٌ بأن تعلّقَ إيمانِه بتفاصيلِ ما أنزل إليه وإحاطته بجميع ما انطوى
стр. 564
عليه منَ الظهورِ بحيثُ لا حاجة إلى ذكره أصلاً وكذا في التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره ﵇ تشريفٌ له وتنبيهٌ على أن إنزاله إليه تربية وتكميلٌ له ﵇
﴿والمؤمنون﴾ أي الفريقُ المعروفون بهذا الاسم فاللَاّم عهدية لا موصلة لإفضائها إلى خلو الكلام عن الجدوى وهو مبتدأ وقوله
﴿كُلٌّ﴾ مبتدأٌ ثانٍ وقولُه تعالَى
﴿آمن﴾ خبرُه والجملةُ خبرٌ للمبتدأ الأول والرابطُ بينهما الضمير الذي ناب منابَه التنوين وتوحيدُ الضمير في آمن مع رجوعه إلى كل المؤمنين لما أن المرادَ بيانُ إيمانِ كل فردِ منهم من غير اعتبار الاجتماعِ كما اعتُبر ذلك في قوله تعالى ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخرين﴾ وتغييرُ سبْكِ النظم الكريمِ عما قبلَه لتأكيد الإشعارِ بما بين إيمانه ﵇ المبني على المشاهدة والعِيان وبين إيمانِهم الناشئ عن الحجة والبرهانِ من التفاوت البيِّن والاختلاف الجليِّ كأنهما مختلفان من كل وجهٍ حتى في هيئة التركيب الدالِّ عليهما وما فيه من تكرير الإسناد لما في الحُكم بإيمان كلِّ واحدٍ منهم على الوجه الآتي من نوعِ خفاءٍ مُحوِجٍ إلى التقوية والتأكيد أي كلُّ واحد منهم آمن
﴿بالله﴾ وحده من غير شريكٍ له في الأُلوهيَّةِ والمعبودية
﴿وملائكته﴾ أي من حيث إنهم عبادٌ مُكْرمون له تعالى من شأنهم التوسطُ بينه تعالى وبين الرسل بإنزال الكتب وإلقاءِ الوحي فإن مدارَ الإيمان بهم ليس من خصوصيات ذواتِهم في أنفسهم بل هو من إضافتهم إليه تعالى من الحيثية المذكورة كما يلُوح به الترتيبُ في النظم
﴿وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ أي من حيث مجيئُهما من عنده تعالى لإرشاد الخلقِ إلى ما شرَع لهم من الدين بالأوامر والنواهي لكنْ لا عَلى الإطلاقِ بل على أن كلَّ واحدٍ من تلك الكتب منزل منه تعالى إلى رسول معيّنٍ من أولئك الرسلِ عليهم الصلاة والسلام حسبما فُصِّل في قولِه تعالى ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ والاسباط وَمَا أُوتِىَ موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم﴾ الآية ولا على أن مناطَ الإيمان خصوصيةُ ذلك الكتاب أو ذلك الرسولِ بل على أن الإيمانَ بالكل مندرِجٌ في الإيمان بالكتاب المُنْزل إلى الرسول ﷺ ومستنِدٌ إليه لِما تُليَ من الآية الكريمة ولا على أن أحكامَ الكتبِ السالفة وشرائعَها باقيةٌ بالكلية ولا على أن الباقيَ منها معتبرٌ بالإضافة إليها بل على أن أحكامَ كلِّ واحد منها كانت حقة ثابتة إلى ورود كتابٍ آخرَ ناسخٍ له وأن مالم ينسخ منها إلى الآن من الشرائع والأحكام ثابتة من حيث إنها من أحكام هذا الكتاب المَصونِ عن النسخ إلى يوم القيامة وإنَّما لَمْ يُذكر هَهُنا الإيمانُ باليوم الآخر كَما ذُكر في قولِهِ تعالى ﴿ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين﴾ لاندراجه في الايمان بكتبه وقرئ وكتابِه على أن المرادَ به القرآنُ أو جنسُ الكتاب كما في قوله تعالى ﴿فَبَعَثَ الله النبيين مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتاب﴾ والفرقُ بينه وبين الجمع أنه شائعٌ في أفراد الجنس والجمعِ في جموعه ولذلك قيل الكتابُ أكثرَ من الكتب وهذا نوعُ تفصيلٍ لَما أُجمل في قولِهِ تعالى ﴿بِمَا أنزل إليه من ربه﴾ اقتُصر عليه إيذاناً بكفايته في الإيمان الإجمالي المتحقِّق في كل فردٍ من أفراد المؤمنين من غير نفيٍ لزيادةٍ ضرورةَ اختلاف طبقاتهم وتفاوتِ إيمانهم بالأمور المذكورة في مراتب التفصيل تفاوتاً فاحشاً فإن الإجمالَ في الحكاية لا يوجب الإجمالَ في المحكيِّ كيف لا وقد أُجمل في حكاية إيمانه ﵇ بما أنزل إليه من ربه مع بداهة كونهِ متعلقا بتفاصيل مافيه من الجلائل والدقائق ثم إن الأمورَ المذكورةَ
стр. 565
حيث كانت من الأمورِ الغيبيَّةِ التي لا يُوقف عليها إلا من جهة العليم الخبير كان الإيمانُ بها مِصداقاً لما ذُكر في صدرِ السورةِ الكريمةِ من الإيمان بالغيب وأما الإيمان بكتُبه تعالى فإشارة الى مافي قوله تعالى يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ هذا هو اللائقُ بشأنِ التنزيل والحقيقُ بمقداره الجليل وقد جُوّز أن يكون قوله تعالى والمؤمنون معطوفاً على الرسول فيوقف عليه والضميرُ الذي عُوّض عنه التنوينُ راجعٌ إلى المعطوفَيْن معاً كأنه قيل آمن الرسولُ والمؤمنون بما أنزل إليه من ربه ثم فصل ذلك وقيل كلُّ واحدٍ من الرسول والمؤمنين آمن بالله الخ خلا أنه قُدّم المؤمَنُ به على المعطوف اعتناءً بشأنه وإيذاناً بأصالته ﵇ في الإيمان به ولا يخفى أنه مع خلوّه عما في الوجه الاول من كمال اجلال شأنهِ ﵇ وتفخيمِ إيمانه مخلٌّ بجزالة النظمِ الكريم لأنه إنْ حُمل كلٌّ من الإيمانين على ما يليقُ بشأنه ﵇ منْ حيثُ الذاتُ ومن حيث التعلقُ بالتفاصيل استحالَ اسنادهما الى غيره ﵇ وضاع التكريرُ وإن حُملا على ما يليق بشأن آحادِ الأمةِ كان ذلك حطاً لرتبته العليةِ ﵇ وأما حملُهما على ما يليقُ بكلِّ واحدٍ ممن نُسبا إليه من الآحاد ذاتاً وتعلقاً بأن يُحمَلا بالنسبة إلى الرسول ﷺ على الإيمان العياني المتعلقِ بجميع التفاصيل وبالنسبة إلى آحاد الأمةِ على الإيمان المكتسَب من جهته ﵇ اللائقِ بحالهم في الإجمال والتفصيل فاعتسافٌ بيّن ينبغي تنزيهُ ساحةِ التنزيلِ عن أمثاله وقوله تعالى
﴿لَا نُفَرّقُ بَيْنَ أحدٍ من رسلِه﴾ في حيز النصب بقول مقدرٍ على صيغة الجمع رعايةً لجانب المعنى منصوبٌ على أنَّه حالٌ من ضمير آمن أو مرفوعٌ على أنه خبر آخر لكلٌّ أي يقولون لا نفرّق بينهم بأن نؤمنَ ببعض منهم ونكفُرَ بآخَرين بل نؤمنُ بصحة رسالةِ كلِّ واحدٍ منهم قيّدوا به إيمانَهم تحقيقاً للحق وتخطِئةً لأهل الكتابين حيث أجمعوا على الكفر بالرسول ﷺ واستقلت اليهودُ بالكفر بعيسى ﵇ أيضاً على أن مقصودَهم الأصليَّ إبرازُ إيمانهم بما كفروا به من رسالته ﵇ لا لإظهار موافقتهم لهم فيما آمنوا به وهذا كما ترى صريحٌ في أن القائلين آحادُ المؤمنين خاصة إذ لايمكن أن يسند إليه ﵇ أنْ يقولَ لا أفرق بَيْنَ أحدٍ من رُّسُلِهِ وهو يريد به إظهارَ إيمانه برسالة نفسِه وتصديقَه في دعواها وعدمُ التعرض لنفي التفريق بين الكتب لاستلزام المذكور إياه وإنما لم يُعكَسْ مع تحقق التلازم من الطرفين لما أن الأصلى في تفريق المفرِّقين هو الرسلُ وكفرُهم بالكتب متفرِّع على كفرهم بهم وقرئ بالياء على إسنادِ الفعلِ إلى كل وقرئ لا يفرِّقون حَمْلاً على المَعْنى كَما في قوله تعالى ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخرين﴾ فالجملة نفسُها حال من الضمير المذكور وقيل خبرٌ ثان لكلٌّ كما قيل في القول المقدر فالابد من اعتبار الكلية بعد النفي دون العكس إذ المرادُ شمولُ النفي لا نفيُ الشمول والكلام في همزة أحدٍ وفي دخول بين عليه قد مر تفصيله عند قولِه تعالى ﴿لَا نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ﴾ وفيه من الدلالة صريحاً على تحقق عدم التفريق بين كل فرد فرد منهم وبين من عداه كائنا من كان ما ليس في أن يقال لا نفرِّق بين رسله وإيثارُ إظهارِ الرسلِ على الإضمار الواقعِ مثلُه في قوله تعالى ﴿وَمَا أُوتِيَ النبيون مِن رَّبّهِمْ لَا نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ﴾ إما للاحتراز عن توهم اندارج الملائكةِ في الحُكم أو للإشعار بعلة عدمِ التفريقِ أو للإيماء إلى عنوانه لأن المعتبرَ عدمُ التفريق من حيث الرسالةُ دون سائرِ الحيثيات الخاصة
﴿وَقَالُواْ﴾ عطفٌ على آمن وصيغةُ الجمعِ باعتبار جانب المعنى وهو حكايةٌ لامتثالهم بالأوامر إثر حكاية
стр. 566
٢٨٦ - البقرة إيمانِهم
﴿سَمِعْنَا﴾ أي فهمنا ما جاءنا من الحق وتيقنا بصحته
﴿وَأَطَعْنَا﴾ ما فيه من الأ وامر والنواهي وقيل سمِعنا أجبنا دعوتك وأطعنا أمرَك
﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ أي اغفِرْ لنا غفرانك أو نسألك غُفرانك ذنوبنا المتقدمة او مالا يخلُو عنه البشرُ من التقصير في مراعاة حقوقِك وتقديمُ ذكرِ السمعِ والطاعةِ على طلب الغفران لما أن تقديمَ الوسيلةِ على المسئول أدعى إلى الإجابة والقبول والتعرضُ لعنوانِ الربوبيةِ مع الإضافة إليهم للمبالغةِ في التضرُّع والجُؤار
﴿وَإِلَيْكَ المصير﴾ أي الرجوعُ بالموتِ والبعثِ لا إلى غيرك وهو تذييلٌ لما قبله مقرِّرٌ للحاجة إلى المغفرة لما أن الرجوعَ للحساب والجزاء وقوله تعالى
стр. 567
﴿لَا يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا﴾ جملةٌ مستقلة جيءَ بها إثرَ حكايةِ تلقِّيهم لتكاليفه تعالى بحسن الطاعة إظهاراً لما له تعالى عليهم في ضمن التكليف من محاسنِ آثارِ الفضل والرحمة ابتداءً لا بعد السؤال كما سيجئ هذا وقد رُوي أنَّه لمَّا نزلَ قوله تعالى وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله الآية اشتد ذلك على أصحابِ رسولِ الله ﷺ فأتوه علية السلام ثم برَكوا على الرُكَب فقا لوا أيْ رسولَ الله كُلِّفنا من الأعمال ما نطيق الصلاةُ والصومُ والحج والجهاد وقد أُنزل إليك هذه الآية ولا نُطيقُها فقال أى رسول الله ﷺ أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمِعنا وعصَينا بل قولوا سمعنا وأطعنا غُفرانَك ربنا وإليك المصير فقرأها القوم فأنزل الله آمَنَ الرسول بِمَا أُنزِلَ الية من ربة الى قولة تعالى ربنا واليك المصيرفمسئولهم الغفران المعلق بمشئتة في قوله فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء ثم أنزل الله تعالى لَا يُكَلّفُ الله نفساإلا وُسْعَهَا تهويناً للخطب عليهم بيان إن المرادَ بما في أنفسهم ما عزَموا عليه من السوء خاصة لا ما يعُمُّ الخواطرَ التي لا يُستطاع الاحتراز عنها والتكليفُ إلزامُ ما فيه كُلفةٌ ومشقة والوُسعُ ما يسَعُ الإنسانَ ولا يَضيقُ علية أى سنتة تعا لى انة لا بكلف نَفْساً من النُّفوسِ إلَاّ ما يتَّسع فيه طَوقُها ويتيسّر عليها دون مدى الطاقة والمجهود منة رحمة لهذة الأمة كقوله تعالى ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العسر﴾ وقرىء وَسعها بالفتح وهذا يدل على عدم وقوعِ التكليفِ بالمحال لا على امتناعه وقوله تعالى
﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت﴾ للترغيب في المحافظة على مواجبِ التكليف والتحذيرِ عن الإخلال بها بيان أن تكليفَ كل نفسٍ مع مقارنته لنعمة التخفيفِ والتيسير تتضمنُ مراعاتُه منفعةً زائدة وأنها تعود إليها لاألى غيرها وبستتبع الإخلالُ به مضرةً تَحيق بها لا بغيرها فإن ذفأن اختصاصَ منفعةِ الفعل بفاعله من أَقْوى الدَّواعي إلى تحصيله واقتصارَ مضرَّتِه عليه من أشد الزواجر عن مباشرته أي لها ثوابُ ما كسبت من الخير والذي كُلّفت فعلَه لا لغيرها استقلالا أواشتراكا ضرورةَ شمُول كلمةِ ما لكل جزءٍ من أجزاءِ مكسوبها وعليها لا على غيرها بأحد الطريقين المذكورين عقابُ ما اكتسبت من الشر الذي كُلِّفت تركه وإيرادُ
стр. 568
الاكتسابِ في جانب الشر لما فيه من اعتمال ناشئ من اعتناء النفسِ بتحصيل الشر وسعيها في طلبه
﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ شروعٌ في حكايةِ بقيةِ دعواتِهم إثرَ بيانِ سرِّ التكليف أي لا تؤاخِذنا بما صدر عنا من الأمور المؤدية إلى النسيان أو الخطأ من تفريطٍ وقلةِ مبالاة ونحوِهما مما يدخُل تحت التكليفِ أوبأنفسهما من حيث ترتّبُهما على ما ذكر أو مطلقاً إذ لا امتناعَ في المؤاخذة بهما عقلاً فإن المعاصيَ كالسُّموم فكما أن تناولها ولو سهواً أو أخطأ مؤدَ إلى الهلاك فتعاطي المعاصي أيضاً لا يبعُد أن يفضِيَ إلى العقاب وإن لم يكن عن عزيمة ووعدُه تعالى بعدمه لا يوجب استحالةَ وقوعه فإن ذلك من آثار فضله ورحمته كما ينبئ عنه الرفعُ في قولِهِ ﵇ رفع عن أُمِّتي الخطأُ والنِّسيانُ وقد روي أن اليهود كانوا إذا نسُوا شيئاً عُجِّلت لهم العقوبة فدعاؤُهم بعد العلم بتحقق الموعود للاستدامة والاعتداد بالنعمة في ذلك كما في قوله تعالى ﴿ربنا وآتنا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ﴾
﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ عطفٌ على ما قبله وتوسيطُ النداء بينهما لإبراز مزيدِ الضراعة والإصرُ العِبءُ الثقيلُ الذي يأصِرُ صاحبَه أي يحبِسُه مكانه والمرادُ به التكاليفُ الشاقة وقيل الإصرُ الذنبُ الذي لا توبةَ له فالمعنى اعصِمْنا من اقترافه وقرئ آصاراو قرئ ولا تُحَمِّلْ بالتشديد للمبالغة
﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الذين مِن قَبْلِنَا﴾ في حيز النصبِ على أنه صفةٌ لمصدر محذوفٍ أي حَمْلاً مثلَ حملِك إياه على مَنْ قبلَنا أو على أنه صفةٌ لإصراً أي إصراً مثلَ الإصرِ الذي حَمَلته على مَنْ قبلنا وهو ما كُلّفه بنو إسرائيل من بخْعِ النفس في التوبة وقطع موضِعِ النجاسةِ وخمسينَ صلاةً في يوم وليلة وصرفِ رُبُع المال للزكاة وغيرِ ذلك من التشديدات فإنهم كانوا إذا أتَوْا بخطيئة حَرُم عليهم من الطعام بعضُ ما كان حلالاً لهم قال الله تعالى فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ وقد عصم الله بفضله ورحمته هذه الأمة عن أمثال ذلك وأنزل في شأنهم وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والاغلال التى كَانَتْ عليهم وقال ﷺ بُعثتُ بالحنيفية السهلة السَّمْحة وعن العقوبات التي عوقب بها الأولون من المسْخِ والخسْف وغيرِ ذلك قال ﷺ رُفع عن أُمَّتي الخسفُ والمسخُ والغَرَق
﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ عطفٌ على ما قبله واستعفاءٌ عن العقوبات التي لا تُطاق بعد الاستعفاء عما يؤدي إليها التفريطُ فيه من التكاليف الشاقةِ التي لا يكاد مَنْ كُلِّفها يخلو عن التفريط فيها كأنه قيل لا تكلِّفْنا تلك التكاليفَ ولا تعاقِبْنا بتفريطنا في المحافظة عليها فيكونُ التعبيرُ عن إنزال العقوباتِ بالتحميل باعتبار ما يؤدي إليها وقيل هو تكريرٌ للأول وتصوير للإصر بصورة مالا يُستطاع مبالغة وقيل هو استعفاءٌ عن التكليف بما لا تفي به الطاقةُ البشرية حقيقة فيكون دليلاً على جواره عقلاً وإلا لما سُئل التخلص عنه والتشديد ههنا لتعدية الفعل إلى مفعول ثانٍ
﴿واعف عَنَّا﴾ أي آثارِ ذنوبنا
﴿واغفر لَنَا﴾ واستُرْ عيوبَنا ولا تفضَحْنا على رءوس الأشهادِ
﴿وارحمنا﴾ وتعطَّفْ بنا وتفضَّلْ علينا وتقديمُ طلبِ العفوِ والمغفرةِ على طلب الرحمةِ لما أن التخلِيَةَ سابقةٌ على التحلية
﴿أَنتَ مولانا﴾ سيدُنا ونحن عبيدُك او ناصرنا اومتولى أمورِنا
﴿فانصرنا عَلَى القوم الكافرين﴾ فإن من حقّ المولى أن ينصُرَ عبده ومن يتولّى أمرَه على الأعداء والمرادُ به عامةُ الكفرة وفيه إشارة إلى أن إعلاء كلمةِ الله والجهادَ في سبيله تعالى حسبما أُمر في تضاعيفِ السورةِ الكريمةِ غايةُ مطالبهم رُوي أنه ﵊ لمّا دعا
стр. 569
بهذه الدعواتِ قيل له عند كلِّ دعوةٍ قد فعلت وعنه ﷺ أنزل الله آيتين من كنوز الجنة كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق بألفي عام من قرأهما بعد العشاء الأخيرة أجزأتاه عن قيام الليل وعنه ﷺ من قرأ آيتين من سورة البقرة كفتاه وهو حجةٌ على من استكره أن يقول سورة البقرة وقال ينبغى أن يقال السورةَ التي يُذكر فيها البقرة كما قال ﷺ السورةَ التي يُذكر فيها البقرة فسطاط القرآن فتعلموها فإن تعلمها بركة وتركها حسرة ولن تستطيعها البطلة قيل وما البطلة قال ﷺ السحرة تم الجزء الأول ويلية الجزء الثاني وأوله سورة آل عمران
стр. 570
سورة آل عمران مدنية وهي مائتا آية ١ ٢ آل عمران ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾
стр. 571
﴿الم الله لَا إله إِلَاّ هُوَ﴾ قد سلف أن مالا تكون من هذه الفواتح مفردةً كصاد وقاف ونون ولا موازِنةً لمفردٍ كحاميم وطاسين وياسين الموازنةِ لقابيلَ وهابيلَ وكطاسين ميم الموازنةِ لداراً بجَرَد حسبما ذكره سيبويهِ في الكتابِ فطريقُ التلفظ بها الحكايةُ فقط ساكنةُ الأعجاز على الوقف سواءٌ جُعلت أسماءً أو مسرودةً على نمط التعديدِ وإن لزِمها التقاءُ الساكنين لما أنه مغتفرٌ في باب الوقف قطعاً فحقُّ هذه الفاتحة أن يوقفَ عليها ثم يُبدأ بما بعدها كما فعله أبُو بكرٍ ﵁ روايةٌ عن عاصم وأما ما فيها من الفتح على القراءة المشهورةِ فإنما هي حركةُ همزة الجلالة ألقيت على الميم لتدل على ثبوتها إذ ليس إسقاطها للدرج بل للتخفبف فهي ببقاء حركتها في حكم الثابتِ المبتدَإِ به والميمُ بكون الحركةِ لغيرها في حكم الوقف على السكون دون الحركة كما توهم واعتُرض بأنه غيرُ معهود في الكلام وقيل هي حركةٌ لالتقاء السواكن التي هي الياء والميم ولام الجلالة بعد سقوطِ همزتها وأنت خبير بأن سقوطَها مبنيٌّ على وقوعها في الدرْج وقد عرفت أن سكون الميم وقفى موجبٌ لانقطاعها عما بعدها مستدعٍ لثبات الهمزةِ على حالها لا كما في الحروف والأسماءِ المبنيةِ على السكون فإن حقَّها الاتصالُ بما بعدها وضعاً واستعمالاً فتسقطُ بها همزةُ الوصلِ وتُحرَّك أعجازُها لالتقاء الساكنين ثم إن جُعلت مسرودةً على نمطِ التعديدِ فلا محلَّ لها من الإعرابِ كسائر الفواتح وإن جُعلت اسماً للسورة فمحلُها إما الرفعِ على أنَّها خبرٌ مبتدإٍ محذوف وإما النصبُ على إضمار فعلٍ يليقُ بالمقام ذكر أو اقرأ أو نحوِهما وأما الرفعُ بالابتداء أو النصبُ بتقديرِ فعلِ القسم أو الجرُّ بتقدير حرفِه فلا مساغ لشئ منها لما أن ما بعدها غير صالح للخيرية ولا للإقسامِ عليه فإن الاسم الجليلَ مبتدأٌ وما بعده خبرُه والجملةُ مستأنفة أي هو المستحقُّ للمعبوديةِ لا غير وقوله
﴿الحى القيوم﴾ خبرٌ آخرُ له أو لمبتدإٍ محذوفٍ أيْ هُوَ الحي القيومُ لا غيرُه وقيل هو صفةٌ للمبتدأ أو بدلٌ منه أو من الخبر الأول أو هو الخبرُ وما قبلَهُ اعتراضٌ بين المبتدأ مقرِّر لما يُفيده الاسمُ الجليلُ أو حال منه وأياه ما كان فهو كالدليل على اختصاص استحقاقِ المعبودية به لما مرَّ منْ أنَّ معنى الحى الباقي الذي لا سبيل عليه للموت والفناء ومعنى القيوم الدائمُ القيام بتدبير الخلق وحفظِه ومن ضرورة اختصاصِ ذينك الوصفين به تعالى اختصاصُ استحقاقِ المعبودية به تعالى لاستحالة
стр. 572
تحققِه بدونهما وقد رُوِيَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال اسمُ الله الأعظمِ في ثلاث سور في سورة البقرة الله لَا إله إِلَاّ هُوَ الحى القيوم وفي آل عمران الم الله لَا إله إِلَاّ هُوَ الحى القيوم وفي طه وَعَنَتِ الوجوه لِلْحَىّ القيوم وروي أن بني إسرائيلَ سألوا موسى ﵇ عن اسم الله الأعظم قال الحى القيوم ويروى إنَّ عيسَى ﵇ كان إذا أراد إحياء الموتى يدعو يا حي يا قيوم ويقال إن آصفَ بنَ برخيا حين أتى بعرش بِلْقيس دعا بذلك وقرئ الحي القيام وهذا رد على من زعم إنَّ عيسَى ﵇ كان رباً فإنه روي أن وفد نجران قدِموا على رسُولِ الله ﷺ وكانوا ستين راكباً فيهم أربعةَ عشرَ رجلاً من أشرافهم ثلاثةٌ منهم أكابرُ إليهم يئول أمرُهم أحدُهم أميرُهم وصاحبُ مشورتهم العاقبُ واسمُه عبدُ المسيحِ وثانيهم وزيرُهم ومشيرُهم السيد واسمُهُ الأيهم وثالثهم حَبرُهم وأُسْقفُهم وصاحبُ مِدْارَسِهِمْ أبو حارثةَ بنُ عَلْقمةَ أحدُ بني بَكْرِ بنِ وائلٍ وقد كان ملوكُ الرومِ شرّفوه وموّلوه وأكرموه لما شاهدوا من علمه واجتهاده في دينهم وبنَوْا له كنائسَ فلما خرجوا من نجرانَ ركِب أبو حارثة بغلته وكان أخوه كُرْزُ بنُ علقمةَ إلى جنبه فبينا بَغْلةُ أبي حارثةَ تسير إذ عثَرت فقال كُرْزٌ تعساً للأبعد يريد به رسول اله ﷺ فقال له أبو حارثة بل تَعِسَتْ أمُّك فقال كُرْزٌ ولمَ يا أخي قال إنه والله النبيُّ الذي كنا ننتظره فقال له كُرز فما يمنعُك عنه وأنت تعلم هذا قال لأن هؤلاءِ الملوكَ أعطَوْنا أموالاً كثيرةً وأكرمونا فلو آمنا به لأخذوا منا كلَّها فوقع ذلك في قلب كرزٍ وأضمره إلى أن أسلم فكان يُحدِّث بذلك فأتَوا المدينةَ ثم دخلوا مسجد رسول الله ﷺ بعد صلاة العصر عليهم ثيابُ الحِبَراتِ جُبَبٌ وأرديةٌ فاخرة يقول بعضُ من رآهم من أصحاب النبيِّ ﷺ ما رأينا وفداً مثلَهم وقد حانت صلاتُهم فقاموا ليصلوا في المسجد فقال ﵇ دعُوهم فصلَّوا إلى المشرق ثم تكلم أولئك الثلاثةُ مع رسول الله ﷺ فقالوا تارةً عيسى هو الله لأنه كان يُحيي الموتى ويبرئ الأسقام ويُخبرُ بالغيوب ويخلُق من الطين كهيئة الطير فينفُخُ فيه فيطير وتارة أخرى هو ابنُ الله إذ لم يكن له أبٌ يُعْلَم وتارة أخرى إنه ثالثُ ثلاثةٍ لقوله تعالى فَعَلْنَا وَقُلْنَا ولو كان واحداً لقال فعلت وقلت فقالَ لهم رسولُ الله ﷺ أسلموا قالوا أسلمنا قبلك قال ﷺ كذبتم يمنعُكم من الإسلام دعاؤكم لله تعالى ولداً قالوا إن ام يكن ولداً لله فمن ابوه فقال ﷺ ألستم تعلمون أنه لا يكون ولدٌ إلا ويُشبِهُ أباه فقالوا بلى قال ألستم تعلمون أن ربنا حيٌّ لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء قالوا بلى قال ﵇ ألستم تعلمون أن ربنا قيّومٌ على كل شيء يحفَظُه ويرزُقُه قالوا بلى قال ﵇ فهل يملِك عيسى من ذلك شيئاً قالوا لا فقال ﵇ ألستم تعلمون أن الله تعالى لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء قالوا بلى قال ﵇ فهل يعلمُ عيسى من ذلك إلا ما علِم قالوا بلى قال ﵇ ألستم تعلمون أن ربنا صوَّر عيسى في الرحِم كيف شاء وأن ربنا لا يأكلُ ولا يشرب ولا يُحْدِث قالوا بلى قال ﵇ ألستم تعلمون أن عيسى حملتْه أمُه كما تحمِل المرأة ووضعته كما تضع المرأةُ ولدها ثم غُذّي كما يُغذَّى الصبيُّ ثم كان يطعَم الطعامَ ويشرَبُ الشراب ويُحْدِثُ الحدث قالوا بلى قال ﵇ فكيف يكون هذا كما زعمتم فسكتوا وأبَوا إلا جحوداً فأنزل الله من أول السورة إلى نيِّفٍ وثمانين آيةً تقريراً لما احتج به ﵇ عليهم واجاب
стр. 573
٣٤ - آل عمران
به عن شُبَهِهم وتحقيقاً للحق الذي فيه يمترون
стр. 574
﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكتاب﴾ أي القرآنَ عبّر عنه باسم الجنس إيذاناً بكمال تفوُّقه على بقية الأفراد في حيازة كمالاتِ الجنس كأنه هو الحقيقُ بأن يُطلَقَ عليه اسمُ الكتاب دون ما عداه كما يلوح به التصريحُ باسمي التوراةِ والإنجيل وصيغة التفعيلِ للدَلالة على التنجيم وتقديمُ الظرفِ على المفعولِ لما مر من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر والجملةُ إمَّا مستأنفةٌ أو خبرٌ آخرُ عن الاسمِ الجليل أو هي الخبر وقولُه تعالى لَا إله إِلَاّ هُوَ اعتراض أو حال وقوله الحى القيوم صفةٌ أو بدل كما مر وقرئ نَزَلَ عليك الكتابُ بالتخفيف ورفعِ الكتاب فالظاهرُ حينئذ أن تكونَ مستأنفةٌ وقيل يجوزُ كونُها خبراً بحذف العائد أي نزَل الكتابُ من عنده
﴿بالحق﴾ حالٌ من الفاعلِ أو المفعول أي نزّله مُحِقاً في تنزيله على ما هو عليه أو ملتبساً بالعدل في أحكامه أو بالصدق في أخبارِه التي مِن جُملتِها خبرُ التوحيد وما يليه وفي وعده ووعيدِه أو بما يحقِّق أنَّه من عندِ الله تعالى من الحجج البينة
﴿مُصَدّقاً﴾ حال من الكتاب بالاتفاق على تقدير كونِ قولِه تعالى بالحق حالاً من فاعل نزّل وأما على تقدير حاليته من الكتاب فهو عند من يجوِّز تعددَ الحال بلا عطف ولا بدلية حالٌ منه بعد حال وأما عند من يمنعه فقد قيل إنه حالٌ من محل الحال الأولى على البدلية وقيل من المستكنِّ في الجارِّ والمجرور لأنه حينئذ يتحمّل ضميراً لقيامه مقامَ عاملِه المتحمّل له فيكون حالاً متداخلةً وعلى كل حالٍ فهي حالٌ مؤكدة وفائدةُ تقييدِ التنزيل بها حثُّ أهلِ الكتابين على الإيمان بالمُنَزّل وتنبيهُهم على وجوبه فإن الإيمانَ بالمصدَّق موجب للإيمان بما يصدقه حتماً
﴿لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مفعول لمصدقاً واللامُ دِعامةٌ لتقوية العمل نحوُ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ أي مصدقاً لما قبله من الكتب السالفةِ وفيه إيماءٌ إلى حضورها وكمال ظهورِ أمرِها بين الناس وتصديقُه إياها في الدعوةَ إلى الإيمان والتوحيد وتنزيه الله عمَّا لا يليقُ بشأنه الجليل والأمرُ بالعدل والإحسان وكذا في أنباء الأنبياءِ والأممِ الخالية وكذا في نزوله على النعت المذكور فيها وكذا في الشَّرائعِ التي لا تختلفُ باختلاف للأمم والأعصار ظاهرٌ لا ريبَ فيه وأمَّا في الشرائع المختلفة باختلافهما فمن حيث أن أحكام كل واحد منها واردةٌ حسبما تقتضيه الحِكمةُ التشريعيةُ بالنسبة إلى خصوصيات الأمم المكلفةِ بها مشتملةٌ على المصالح اللائقةِ بشأنهم
﴿وَأَنزَلَ التوراة والإنجيل﴾ تعيينٌ لما بين يديه وتبيينٌ لرفعة محلِّه تأكيداً لما قبله وتمهيداً لما بعده إذ بذلك يترقى شأنُ ما يصدّقه رفعةً ونباهةً ويزداد في القلوب قبولاً ومهابةً ويتفاحش حالُ من كفرَ بهما في الشناعة واستتباعِ ما سيذكر من العذاب الشديد والانتقام أي أنزلهما جملةً على مُوسى وعيسى ﵉ وإنما لم يُذكرا لأن الكلام في الكتابين لا فيمن أنزِلا عليه وهما اسمان أعجميانِ الأولُ عِبري والثاني سرياني ويعضُده القراءةُ بفتح همزةِ الإنجيل فإن إفعيل ليس من أبنية العربِ والتصدي لاشتقاقهما من الورى والنجْل تعسفٌ
стр. 575
﴿مِن قَبْلُ﴾ متعلق بأنزل
стр. 576
أي أنزلهما من قبل تنزيلِ الكتاب والتصريحُ به مع ظهور الأمر للمبالغة في البيان
﴿هُدًى لّلنَّاسِ﴾ في حيز النصبِ على أنه عِلة للإنزال أي أنزلهما لهداية الناس أو على أنه حالٌ منهما أي أنزلهما حالَ كونهما هدى لهم والإفرادُ لما أنه مصدر جُعلا نفسَ الهدى مبالغةً أو حُذف منه المضاف أي ذوَيْ هدى ثم إنْ أريد هدايتهما بجميع ما فيهما من حيث هو جميعٌ فالمراد بالناس الأمم الماضية من حين نزولهما إلى زمان نسخِهما وإن أريد هدايتُهما على الإطلاق وهو الأنسبُ بالمقام فالناسُ على عمومه لما أن هدايتهما بما عد الشرائعَ المنسوخةَ من الأمور التي يصدّقهما القرآن فيها ومن جملتها البشارةُ بنزوله وبمبعث النبيِّ ﷺ تعمُّ الناس قاطبة
﴿وَأَنزَلَ الفرقان﴾ الفرقانُ في الأصل مصدرٌ كالغفران أُطلق على الفاعل مبالغة والمرادُ به ههنا أما جنس الكتب إلهية عُبِّر عنها بوصف شامل لما ذكر منها ومالم يُذكر على طريق التتميم بالتعميم إثرَ تخصيصِ بعضِ مشاهيرها بالذكر كما في قوله فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً إلى قوله تعالى وفاكهة وإما نفسُ الكتبِ المذكورة أعيد ذكرها بوصف خاص لم يذكر فيما سبق على طريقة العطفِ بتكرير لفظِ الإنزال تنزيلاً للتغاير الوصفيِّ منزلةَ التغايرِ الذاتيِّ كما في قوله سبحانه وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هودا والذين آمنو مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ وأما الزبورُ فإنه مشتمِلٌ على المواعظ الفارقة بين الحقِّ والباطِلِ الداعية إلى الخير والرشاد الزاجرةِ عن الشر والفساد وتقديمُ الإنجيل عليه مع تأخره عنه نزولاً لقوة مناسبته للتوراة في الاشتمال على الأحكام والشرائع وشيوع اقترانهما في الذكر وأما القُرآنُ نفسه ذكر بنعت مادحٍ له بعد ما ذكر باسم الجنس تعظيماً لشأنه ورفعاً لمكانه وقد بُين أولاً تنزيلُه التدريجيُّ إلى الأرض وثانياً إنزالُه الدفعيّ إلى السماء الدنيا أو أريد بإنزال القدْرُ المشترك العاري عن قيد التدريج وعدمِه وإما المعجزات المقرونة بغنزال الكتبِ المذكورة الفارقة بين المُحقِّ والمُبْطل
﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ بأيات الله﴾ وُضع موضعَ الضَّميرِ العائد إلى ما فُصل من الكتب المنزلة أو منها ومن المعجزات وآيات مضافةً إلى الاسم الجليل تعييناً لحيثية كفرِهم وتهويلاً لأمرهم وتأكيداً لاستحقاقهم العذابَ الشديد وإيذاناً بأن ذلك الاستحقاقَ لا يشترط فيه الكفرُ بالكل بل يكفي فيه الكفرُ ببعضٍ منها والمرادُ بالموصول إما أهلُ الكتابين وهو الأنسبُ بمقام المُحاجةِ معهم أو جنسُ الكفَرة وهم داخلون فيه دخولا أولياً أي إن الذين كفروا بما ذُكر من آيات الله الناطقة بالحق لاسيما بتوحيده تعالى وتنزيهِه عمَّا لا يليقُ بشأنه الجليل كلا أوبعضا مع ما بها من النعوت الموجبةِ للإيمان بها بأن كذبوا بالقرآن أصالةً وبسائر الكتُب الإلهية تبعاً لما أن تكذيبَ المصدق موجب لتكذيب ما يصدِّقُه حتماً وأصالة أيضاً بأن كذبوا بآياتها الناطقةِ بالتوحيد والتنزيه وآياتها المبشرة بنزولِ القرآن ومبعث النبيِّ ﷺ وغيّروها
﴿لَهُمْ﴾ بسبب كفرهم بها
﴿عَذَابِ﴾ مرتفعٌ إما على الفاعلية من الجار والمجرور أو على الابتداء والجملة خبرُ إن والتنوينُ للتفخيم أي أيُّ عذابٌ
﴿شَدِيدٍ﴾ لا يقادَر قدرُه وهو وعيد جئ به إثر تقرير أمرالتوحيد الذاتي والوصفي والإشارةِ إلى ما ينطِقُ بذلك من الكتب الإلهية حملاً على القبول والإذعان وزجراً عن الكفر والعصيان
﴿والله عَزِيزٌ﴾ لا يغالَب يفعلُ مَا يشاءُ ويَحكمُ ما يرد
﴿ذُو انتقام﴾ عظيم خارجٍ عن أفراد جنسه وهو افتعال من النِقْمة وهي السطورة والتسلطُ يقال انتقم منه إذا عاقبه بجنايته والجملةُ اعتراضٌ تذييليٌّ مقررٌ للوعيد
стр. 577
٥ - ٦ آل عمران
ومؤكد له
стр. 578
﴿إِنَّ الله لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء﴾ استئنافُ كلامٍ سيق لبيان سعةِ علمِه تعالى وإحاطتِه بجميع ما في العالم من الأشياء التي من جملتها ما صدرَ عنهُم من الكفر والفسوقِ سراً وجهراً إثرَ بيانِ كمالِ قدرتِه وعزته تربيةً لما قبله من الوعيد وتنبيهاً على أن الوقوفَ على بعض المغيبات كما كان في عيسى ﵇ بمعزل من بلوغ رتبةِ الصفاتِ الإلهية وإنما عبر من علمه بما ذُكر بعدم خفائِه عليهِ كما في قولِهِ سبحانه وَمَا يخفى عَلَى الله مِن شَىْء فَى الأرض ولا في السماء إيذاناً بأن علمَه تعالى بمعلوماته وإن كانت في أقصى الغايات الخفيةِ ليس من شأنه أن يكون على وجهُ يمكن أن يقارِنه شائبةُ خفاءٍ بوجهٍ من الوجوه كما في علوم المخلوقين بل هو في غايه الوضوحِ والجلاءِ والجملةُ المنفيةُ خبرٍ لإن وتكريرُ الإسنادِ لتقوية الحُكم وكلمةُ في متعلقةٌ بمحذوفٍ وقع صفة لشيىء مؤكدة لعمومه المستفادة من وقوعه في سياق النفي أي لا يخفى عليه شيئ ما كائنٌ في الأرض ولا في السماء أعمُّ من أن يكون ذلك بطريق الاستقرار فيهما أو الجزئية منهما وقيل متعلقة بيخفى وإنما عبر بهما عن كل العالم لأنهما قُطراه وتقديمُ الأرض على السماء لإظهار الاعتناء بشأن أحوالِ أهلِها وتوسيطُ حرف النفي بينهما للدَلالة على الترقي من الأدنى إلى الأعلى باعتبار القربِ والبعدِ منا المستدعِيَين للتفاوت بالنسبة إلى علومنا وقوله عز وجل
стр. 579
﴿هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ فِي الارحام كَيْفَ يَشَاء﴾ جملة مستأنفةٌ ناطقةٌ ببعض أحكام قيّومَّيتِه تعالى وجَرَيانِ أحوالِ الخلق في أطوار الوجودِ حسبَ مشيئتِه المبنيةِ على الحكم البالغةِ مقرِّرةٌ لكمال علمِه مع زيادة بيانٍ لتعلقه بالأشياء قبل دخولِها تحت الوجود ضرورةَ وجوبِ علمِه تعالى بالصور المختلفة المترتبة على التصوير المترتِّب على المشيئة قبل تحقّقِها بمراتب وكلمةُ في متعلقةٌ بيصوِّركم أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً من ضمير المفعولِ أي يصوركم وأنتم في الأرحام مُضَغٌ وكيف معمول ليشاءُ والجملة في محل النصب على الحالية إما من فاعل يصوركم أي يصورُكم كائناً على مشيئته تعالى أي مُريداً أو من مفعولِه أي يصوركم كائنين على مشيئته تعالى تابعين لها في قَبول الأحوالِ المتغايرة من كونكم نُطفاً ثم عَلَقاً ثم مُضَغاً غيرَ مخلّقة ثم مُخلّقة وفي الاتصاف بالصفات المختلفةِ من الذكورة والأنوثة والحُسن والقُبح وغيرِ ذلكَ منَ الصفاتِ وفيه من الدلالة على بطلان زعْم من زَعَم ربوبيةَ عيسى ﵇ وهو من جملة أبناءِ النواسيتِ المتقلّبين في هذه الأطوار على مشيئة الباري وكمال ركاكة عقولهم مالا يخفي وقرئ تَصَوَّركم على صيغة الماضي من التفعل أي صوّركم لنفسه وعبادتِه
﴿لَا إله إِلَاّ هُوَ﴾ إذ لا يتصف بشيء مما ذُكر من الشئون العظيمةِ الخاصةِ بالألوهية أحدٌ ليُتَوهَّم ألوهيتُه
﴿العزيز الحكيم﴾ المتناهي في القدرة والحِكمة ولذلك يخلقُكم على ما ذكر من النمط البديع
стр. 580
٧ - آل عمران
стр. 581
﴿هُوَ الذى أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب﴾ شروعٌ في إبطال شُبَهِهم الناشئةِ عما نَطَق به القرآن في نعت عيسى ﵇ بطريق الاستئناف إثرَ بيان اختصاصِ الربوبية ومناطِها به تارةً بعد أخرى وكونِ كل مَنْ عداه مقهوراً تحت مَلَكوته تابعاً لمشيئته قيل إن وفدَ نجرانَ قالوا لرسول الله ﷺ ألست تزعُم يا محمد أن عيسى كلمةُ الله وروح منه قال ﷺ بلى قالوا فحسبُنا ذلك فنعى عليهم زيغَهم وفتنتَهم وبيّن أن الكتابَ مؤسسٌ على أصول رصينةٍ وفروعٍ مَبْنية عليها ناطقةٍ بالحق قاضيةٍ ببطلانِ ما هُم عليه من الضلال والمرادُ بالإيزال القدرُ المشتركُ المجرَّدُ عن الدِلالة على قيد التدريج وعدمِه ولامُ الكتاب للعهد وتقديم الظرف عليه لما أشير إليه فيما قبل من الاعتناءِ بشأن بشارتِه ﵇ بتشريف الإنزال عليه ومن التشويق إلى ما أُنزل فإنَّ النفسَ عند تأخيرِ ما حقُّه التقديمُ لا سيما بعد الإشعار برفعة شأنِه أو بمنفعته تبقَى مترقبةً لهُ فيتمكنُ لديها عند ورودِه عليها فضلُ تمكُّنٍ وليتصل به تقسيمه إلى قسيمه
﴿مِنْهُ آيات﴾ الظرفُ خبر وآياتٌ مبتدأ أو بالعكس بتأويل مر تحقيقه في قوله تعالى وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ الآية والأولُ أوفقُ بقواعد الصناعة والثاني أدخلُ في جزالة المعنى إذ المقصودُ الأصليّ انقسامُ الكتاب إلى القسمين المعهودين لا كونُهما من الكتاب فتذكر والجملة مستأنفة أو في حيزِ النصبِ على الحاليَّةِ من الكتابِ أي هو الذي أنزل الكتابَ كائناً على هذه الحال أي منقسماً إلى مُحْكَمٍ ومتشابهٍ أو الظرفُ هو الحال وحدَه وآياتٌ مرتفعٌ به على الفاعليةِ
﴿محكمات﴾ صفةُ آياتٌ أي قطعيةُ الدِلالة على المعنى المراد مُحْكمةُ العبارةِ محفوظةٌ من الاحتمال والاشتباه
﴿هُنَّ أُمُّ الكتاب﴾ أي أصلٌ فيه وعُمدةٌ يُردُّ إليها غيرُها فالمرادُ بالكتابِ كلُّه والإضافة بمَعْنَى في كَما في واحد العشرةِ لا بمعنى اللام فإن ذلك يؤدي إلى كون الكتاب عبارةً عما عدا المحكماتِ والجملةُ إما صفة لما قبلها أو مستأنفةٌ وإنما أفرد الأم مع تعدد الآيات لما أن المراد بيانُ أصليةِ كلِّ واحدةٍ منها أو بيانُ أن الكل بمنزلة آية واحدة كما في قوله تعالى وجعلناها وابنها آية للعالمين وقيل اكتُفيَ بالمفرد عن الجمع كما في قول الشاعر ... بها جِيَفُ الحصرى فأما عظامُها ... فبِيضٌ وأما جِلْدُها فصَليبُ ... أي وأما جلودها
﴿وأخر﴾ لمحذوف معطوفٌ على آياتٌ أي وآياتٌ أخَرُ وهي جمع أخرى وإنما لم ينصَرِفْ لأنه وصف معدول عن الآخِر أو عن آخر من
﴿متشابهات﴾ صفة لأخَرُ وفي الحقيقة صفةٌ للمحذوف أي محتمِلاتٌ لمعانٍ متشابهة لا يمتاز بعضها من بعض في استحقاق الإرادة بها ولا يتضح الأمرُ إلا بالنظر الدقيق والتأملِ الأنيق فالتشابه في الحقيقة وصفٌ لتلك المعاني وُصف به الآياتُ على طريقة وصف الدالِّ بوصف المدلول وقيل لما كان من شأن الأمور المتشابهة أن يعجِزَ العقل عن التمييز بينها سُمِّي كل ما لا يهتدي إليه العقل متشابهاً وإن لم يكن ذلك بسبب التشابه
стр. 582
كما أن المُشكِل في الأصل ما دخل في أشكاله وأمثاله ولم يُعلم بعينه ثم أطلق على كل غامض وإن لم يكن غموضُه من تلك الجهة وإنما جعل ذلك كذلك ليظهر فضلُ العلماء ويزدادَ حِرصهم على الاجتهاد في تدبرها ونحصيل العلوم التي نيط بها استنباطُ ما أريد بها من الأحكام الحقة فينالوا بها وبإتعاب القرائح في استخراج مقاصدها الرائفة ومعانيها اللائقة المدارجَ العالية ويعرِّجوا بالتوفيق بينها وبين المُحْكمات من اليقين والاطمئنان إلى المعارج القاصيةِ وأما قوله ﴿الر كتاب أحكمت آياته﴾ فمعناه أنها حُفِظت من اعتراء الخلل أو من النسخ أو أُيِّدت بالحُجج القاطعةِ الدالةِ على حقِّيتها أو جُعلت حكيمةً لانطوائها على جلائل الحِكَم البالغةِ ودقائقِها وقوله تعالى كتابا متشابها مَّثَانِيَ معناه متشابهُ الأجزاء أي يشبه بعضُها بعضاً في صحة المعنى وجزالةِ النظم وحقية المدلول
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أي ميلٌ عن الحق إلى الأهواء الباطلة قال الراغبُ الزيغُ الميلُ عن الاستقامة إلى أحد الجانبين وفي جعل قلوبهم مقراً للزيغ مبالغةٌ في عدولهم عن سَنن الرشاد وإصرارِهم على الشر والفساد
﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تشابه مِنْهُ﴾ مُعْرضين عن المُحْكمات أي يتعلقون بظاهر المتشابه من الكتاب أو بتأويل باطلٍ لا تحرِّياً للحق بعد الإيمان بكونه من عند الله تعالى بل
﴿ابتغاء الفتنة﴾ أي طلبَ أن يفتِنوا الناسَ عن دينهم بالتشكيك والتلبيس ومناقضةِ المُحكم بالمتشابه كما نُقل عن الوفد
﴿وابتغاء تَأْوِيلِهِ﴾ أي وطلب أن يؤلوه حسبما يشتهونه من التأويلات الزائغةِ والحال أنهم بمعزل من تلك الرتبة وذلك قوله
﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَاّ الله والراسخون فِي العلم﴾ فإنه حالٌ من ضمير فَيَتَّبِعُونَ باعتبار العلة الأخيرة أي يتّبعون المتشابهِ لابتغاء تأويلِه والحالُ أنه مخصوصٌ به تعالى وبمن وفّقه له من عباده الراسخين في العلم أي الذين ثبَتوا وتمكّنوا فيه ولم يتزلزلوا في مزال الأقدام في تعليل الاتّباعِ بابتغاء تأويلِه دون نفسِ تأويلِه وتجريدِ التأويل عن الوصف بالصحة أو الحقية إيذانٌ بأنهم ليسوا من التأويل في شئ وأن ما يبتغونه ليس بتأويل أصلاً لا أنه تأويلٌ غيرُ صحيح قد يُعذر صاحبه ومن وقف على إِلَاّ الله فسّر المتشابهَ بما استأثر الله عز وعلا بعلمه كمدة بقاءِ الدنيا ووقتِ قيام الساعة وخواصِّ الأعداد كعدد الزبانية أو بما دل القاطعُ على عدم إرادة ظاهرِه ولم يدل على ما هو المراد به
﴿يقولون آمنا بِهِ﴾ أي بالمتشابه وعدمُ التعرُّض لإيمانهم بالمُحْكم لظهوره أو بالكتاب والجملة على الأول استئنافٌ موضِّحٌ لحال الراسخين أو حال منه وعلى الثاني خبر لقوله تعالى والراسخون وقوله تعالى
﴿كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا﴾ من تمام المَقول مقرِّر لما قبله ومؤكِّد له أي كلُّ واحدٍ منه ومن المحكم أو كلُّ واحد من متشابهه ومحكَمِه منزلٌ من عنده تعالى لا مخالفةَ بينهما أو آمنا به وبحقيته على مراده تعالى
﴿وَمَا يَذَّكَّرُ﴾ حقَّ التذكر
﴿إِلَاّ أُوْلُواْ الألباب﴾ أي العقولِ الخالصةِ عن الركون إلى الأهواء الزائغةِ وهو تذييلٌ سيق من جهته تعالى مدحاً للراسخين بجَوْدة الذهن وحسنِ النظر وإشارةٌ إلى ما به استعدوا للاهتداء إلى تأويله من تجرد العقلِ عن غواشي الحِسِّ وتعلقُ الآيةِ الكريمة بما قبلها من حيث إنها جوابٌ عما تشبّث به النصارى من نحو قوله تعالى وَكَلِمَتُهُ ألقاها إلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مّنْهُ على وجه الإجمال وسيجئ الجوابُ المفصل بقوله تعالى إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كمثل آدم خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ
стр. 583
٨ - ٩ آل عمران
стр. 584
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ من تمام مقالةِ الراسِخين أي لا تُزِغْ قلوبَنا عن نهج الحقِّ إلى اتباع المتشابهِ بتأويلٍ لا ترتضيه قال ﷺ قلبُ ابن آدمَ بين أصْبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه على الحقّ وإن شاء أزاغه عنه وقيل معناه لا تَبْلُنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا
﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ أي إلى الحق والتأويل الصحيح أو إلى الإيمان بالقسمين وبعد نُصبَ بلا تزِغ على الظرف وإذْ في محل الجر بإضافته إليه خارجٌ من الظرفية أي بعد وقت هدايتِك إيانا وقيل إنه بمعنى أنْ
﴿وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ﴾ كلا الجارّين متعلق بهَبْ وتقديم الأول لما مر مراراً ويجوز تعلّقُ الثاني بمحذوف هو حالٌ من المفعول أي كائنة من لدنك ومن لابتداء الغاية المجازية ولدُنْ في الأصل ظرفٌ بمعنى أولُ غايةِ زمانٍ أو مكان أو غيرِهما من الذوات نحوُ من لدُنْ زيدٍ وليست مرادفةً لعند إذ قد تكون فضلة وكذا لدى وبعضُهم يخُصُّها بظرف المكان وتضاف إلى صريح الزمان كما في قوله ... تنتفضُ الرّعدةُ في ظُهَيْري ... من لدنِ الظُهرِ إلى العُصَيرِ ... ولا تُقطع عن الإضافة بحال وأكثرُ ما تضاف إلى المفردات وقد تضاف إلى أنْ وصلتِها كما في قوله ... ولم تقْطعَ اصلاً من لدنْ أنْ ولِيتَنا ... قرابةَ ذي رَحْمٍ ولا حقَّ مسلمِ ... أي من لدن ولايتِك إيانا وقد تضاف إلى الجملة الاسميةِ كما في قوله ... تَذَكَّرُ نُعماه لدُنْ أنت يافعُ ... وإلى الجملة الفعلية أيضاً كَما في قولِه ... لزمنا لدن سالتمونا وفاتكم ... فلا يكُ منكم للخِلاف جُنوحُ ... وقلما تخلو عن من كما في البيتين الأخيرين
﴿رَحْمَةً﴾ واسعةً تُزلِفُنا إليك ونفور بها عندك أو توفيقاً للثبات على الحق وتأخيرُ المفعول الصريح عن الجارّين لما مر مرارا من الاعتناء بالمقدم والتشويقِ إلى المؤخَّر فإنَّ ما حقُّه التقديمُ إذا أُخِّر تبقى النفسُ مترقبةً لوروده لاسيما عند الإشعارِ بكونه من المنافعِ باللام فإذا أورده يتمكن عندها فضلُ تمكّنٍ
﴿إِنَّكَ أَنتَ الوهاب﴾ تعليلٌ للسؤال أو لإعطاء المسئول وأنت إما مبتدأٌ أو فصلٌ أو تأكيدٌ لاسم إنّ وإطلاقُ الوهاب ليتناول كلَّ موهوب وفيه دِلالة على أن الهدى والضلال من قِبله تعالى وأنه متفضّلٌ بما يُنعم به على عباده من غير أن يجب عليه شئ
стр. 585
﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ الناس ليوم﴾ أي الحساب يوم او الجزاء يوم حُذف المضاف وأقيم مُقامه المضافُ إليه تهويلاً له وتفظيعاً لما يقع فيه
﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي في وقوعه ووقوعِ ما فيه من الحشر والحسابِ والجزاء ومقصودُهم بهذا عرضُ كمالِ افتقارِهم إلى الرحمة وأنها المقصِدُ الأسنى عندهم والتأكيدُ لإظهار ما هم عليه من كمال الطمأنينةِ وقوة اليقينِ بأحوال الآخرة
﴿إِنَّ الله لَا يُخْلِفُ الميعاد﴾ تعليلٌ لمضمون الجملة المؤكدةِ أو لانتفاء الريب والتأكيد لما مر وإظهارُ الاسمِ الجليل مع الالتفات لإبراز كمالِ التعظيم والإجلال الناشئ من ذكر اليوم المَهيب الهائل بخلاف ما في آخرِ السُّورةِ الكريمة فإنه مقامُ طلب الإنعام كما سيأتي وللإشعار بعلة الحُكم فإن الألوهيةَ منافيةٌ للإخلاف وقد جُوِّز أن تكون الجملةُ مَسوقةً من جهته تعالى لتقرير قولِ الراسخين والميعادُ مصدرٌ كالميقات واستُدل به الوعيديه
стр. 586
١٠ - ١١ آل عمران
وأجيب بأن وعيدَ الفساقِ مشروطٌ بعدم العفو بدلائلَ مفصلةٍ كما هو مشروط بعدم التوبة وِفاقاٌ
стр. 587
﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ﴾ إثرَ ما بين الدينَ الحقَّ والتوحيد وذكر أحوالَ الكتب الناطقةِ به وشرح شأن القرآنِ العظيم وكيفيةِ إيمانِ العلماء الراسخين به شَرَع في بيان حال مَنْ كفر به والمرادُ بالموصول جنسُ الكفرة الشاملُ لجميع الأصناف وقيل وفدُ نجرانَ أو اليهودُ من قريظةَ والنضِير أو مشركو العرب
﴿لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ﴾ أي لن تنفعهم وقرئ بالتذكير وبسكون الياء جِدّاً في استثقال الحركة على حروف اللين
﴿أموالهم﴾ التي يبذُلونها في جلبِ المنافعِ ودفعِ المضارِّ
﴿وَلَا أولادهم﴾ الذين بهم ينتصرون في الأمور المُهمة وعليهم يعوّلون في الخطوب المُلمة وتأخيرُ الأولاد عن الأموال مع توسيط حرف النفي بينهما إما لعراقة الأولادِ في كشف الكروب أو لأن الأموال أولُ عُدّة يُفزع إليها عند نزول الخطوب
﴿مِنَ الله﴾ من عذابه تعالى
﴿شَيْئاً﴾ أي شيئاً من الإغنياء وقيل كلمة من بمعنى البدل والمعنى بدلَ رحمةِ الله أو بدلَ طاعته كما في قوله تعالى إَنَّ الظن لَا يُغْنِى مِنَ الحق شَيْئًا أي بدل الحق ومنه قوله ولا ينفع ذا الجَدّ منك الجَدُّ أي لا ينفعه جَدُّه بدلك أي بدلَ رحمتك كما في قوله تعالى وَمَا أموالكم وَلَا أولادكم بالتى تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زلفى وأنت خبير بأن احتمال سدِّ أموالِهم وأولادهم مسدَّ رحمة الله تعالى أو طاعته مما لا يخطُر ببال أحد حتى يُتصدَّى لنفيه والأولُ الأليقُ بتفظيع حال الكفرة وتهويل أمرهم والأنسبُ بما بعدَهُ من قولِه تعالى
﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النار﴾ ومن قوله تعالى فَأَخَذَهُمُ الله أي أولئك المتّصفون بالكفر حطبُ النار وحصَبُها الذي تُسعّر به فإن أريد بيانُ حالِهم عند التسعير فإيثارُ الجملةِ الاسمية للدِلالة على تحقق الأمر وتقرّره وإلا فهو للإيذان بأن حقيقة حالِهم ذلك وأن أحوالهم الظاهرةَ بمنزلة العدم فَهُمُ حالَ كونهم فِى الدنيا وَقودُ النار بأعيانهم وفيه من الدلالة على كمال ملابستهم بالنار مالا يخفى وهم يحتمل الابتداءَ وأن يكون ضمير الفصل والجملة وإما مستأنفة مقررة لعدم الإغنياء أو معطوفة على خبر إن وأيا ما كان ففيها تعيينٌ للعذاب الذي بيّن أن أموالهم وأولادهم لا تغني عنهم منه شيئا وقرئ وُقود النار بضم الواو وهو مصدر أي أهلُ وقودها
стр. 588
﴿كدأب آل فِرْعَوْنَ﴾ الدأبُ مصدرُ دأَبَ في العمل إذا كدح فيه وتعِب غلب استعمالُه في معنى الشأن والحال والعادة ومحلُّ الكاف الرفعُ على أنه خبر لمبتدأ محذوف وقد جوز لنصب بلن تغني أو بالوَقود أي لن تغني عنهم كما لم تغنِ عن أولئك أو توقد بهم النارُ كما توقد بهم وأنتَ خبيرٌ بأنَّ المذكورَ في تفسير الدأب إنما هو التكذيبُ والأخذ من غير تعرُّض لعدم الإغناء لاسيما على تقدير كونِ مِنْ بمعنى البدل كما هو رأيُ المجوِّز ولا لإيقاد النار فيُحمل على التعليل وهو خلاف
стр. 589
١٢ - آل عمران
الظاهر على أنه يلزَمُ الفصل بين العامل والمعمول بالأجنبي على تقدير النصب بلن تغني وهو قوله تعالى وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النار إلا أن يُجعل استئنافاً معطوفاً على خبر إن فالوجهُ هو الرفعُ على الخبريةِ أيِ دأبُ هؤلاءِ في الكفر وعدمِ النجاة من أخْذِ الله تعالى وعذابه كدأب آلِ فِرْعَوْنَ
﴿والذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي من قبل آلِ فرعونَ من الأمم الكافرة فالموصولُ في محل الجر عطفاً على ما قبله وقوله تعالى
﴿كذبوا بآياتنا﴾ بيانٌ وتفسير لدأبهم الذي فعلوا على طريق الاستئنافِ المبنيِّ على السؤالِ كأنَّه قيلَ كيف كان دأبهم فقيل كذبوا بآياتنا وقوله تعالى
﴿فَأَخَذَهُمُ الله﴾ تفسيرٌ لدأبهم الذي فُعل بهم أي فأخذهم الله وعاقبهم ولم يجدوا من بأس الله تعالى محيصاً فدأبُ هؤلاء الكفرةِ أيضاً كدأبهم وقيل كذبوا الخ حالٌ من آلِ فِرْعَوْنَ والذين مِن قَبْلِهِمْ على إضمار قد أي دأبُ هؤلاء كدأب أولئك وقد كذبوا الخ وأما كونه خبر عن الموصول كما قيل فمما يذهب برونق النطم الكريم والالتفاتُ إلى التكلم أولاً للجَريِ على سَنَنِ الكبرياءِ وإلى الغَيبة ثانياً بإظهار الجلالة لتربية المهابةِ وإدخالِ الروعة
﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ إن أريد بها تكذيبُهم بالآيات فالباء للسببية جئ بها تأكيداً لما تفيده الفاء من سببية ما قبلَها لما بعدَها وإن أريد بها سائرُ ذنوبهم فالباء للملابسة جيء بها للدِّلالةِ على أن لهم ذنوبا أخر أي فأخذهم ملتبسين بذنوبهم غيرَ تائبين عنها كما في قوله تعالى وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كافرون والذنب في الأصل التِلْوُ والتابع وسمي الجريمةُ ذنباً لأنها تتلو أي تتبع عقابُها فاعلَها
﴿والله شَدِيدُ العقاب﴾ تذييلٌ مقرِّر لمضمونِ ما قبله من الأخذ وتكملةٌ له
стр. 590
﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ المرادُ بهم اليهودُ لما رويَ عن ابن عباس ﵄ أنَّ يهودَ المدينة لما شاهدوا غلبةَ رسولِ الله ﷺ على المشركين يومَ بدرٍ قالوا والله إنه النبيُّ الأميُّ الذي بشرنا به موسى وفي التوراة نعتُه وهموا باتباعه فقال بعضُهم لا تعجَلوا حتى ننظر إلى واقعة له أخرى فلما كان يومُ أحُد شكّوا وقد كان بينهم وبين رسولِ الله ﷺ عهدٌ إلى مدة فنقضوه وانطلق كعبُ بن الأشرفِ في ستين راكباً إلى أهل مكة فأجمعوا أمرهم على قتال رسول الله ﷺ فنزلت وعن سعيد بن جبير وعكرمة وعن ابن عباس ﵃ أن النبيِّ ﷺ لما أصاب قريشاً ببدر ورجع إلى المدينة جمع اليهودَ في سوق بني قَينُقاع فحذّرهم أن ينزل بهم ما نزل بقريش فقالوا لا يغرَّنك أنك لقِيت قوماً أغماراً لا علم لهم بالحرب فأصبْتَ منهم فرصة لئن قاتلْتَنا لعلِمْتَ أنا نحنُ الناسُ فنزلت أي قل لهم
﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ اْلبتةَ عن قريب في الدنيا وقد صدق الله وعدَه بقتل بني قريظة وإجلاءِ بني النضِير وفتح خيبر وضربِ الجزية على مَنْ عداهم وهو من أوضح شواهد النبوة وأمَّا ما رُوِيَ عن مقاتل من أنها نزلت قبل بدر وأن الموصول عبارة عن مشركي مكةَ ولذلك قال لهم النبيِّ ﷺ يوم بدر إنَّ الله غالبُكم وحاشرُكم إلى جهنم وبئس المهاد فيؤدي إلى انقطاع الآية الكريمة عما بعدها لنزوله بعد وقعة بدر
﴿وَتُحْشَرُونَ﴾ أي في الآخرة
﴿إلى جهنم﴾ وقرئ الفعلان بالياء على أنه ﵇ أُمر بأنْ يحكي لهم ماأخبر الله تعالى به من وعيدهم بعبارته كأنه قيل أدِّ إليهم هذا القول
﴿وَبِئْسَ المهاد﴾ إما من تمامِ ما يُقالُ لهم أو استئنافٌ لتهويل جهنم وتفظيع حالِ أهلها والمخصوصُ بالذم
стр. 591
١٣ - آل عمران
محذوف أي وبئس المهاد جهنمُّ أو ما مَهَدوه لأنفسهم
стр. 592
٦ - ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ﴾ جوابُ قسمٍ محذوفٍ وهو من تمام القولِ المأمورِ به جيء به لتقرير مضمونِ ما قبله وتحقيقِه والخطابُ لليهود أيضاً والظرف خبر كان على أنها ناقصة ولتوسطه بينها وبين اسمها ترك التأنيت كما في قوله ... أنْ أمراً غرّه منكن واحدة ... بعدي وبعدك في الدنيا لمغرورُ ... على أن التأنيث ههنا غير حقيقي أو هو متعلق بكان على أنها تامة وإنما قدم على فاعلها لما مر مرارا من الاعتناء بما قدم والتشويق إلى ما أُخّر أي والله قد كان لكم أيها المغترون بعددهم وعددهم
﴿آيةً﴾ عظيمةً دالَّةً على صدق ما أقول لكم إنكم ستُغلبون
﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾ أي فرقتين أو جماعتين فإن المغلوبة منهما كانت مدلة بكثرتها معجبة بعزتها وقد لقِيَها ما لقيها فسيصيبُكم ما يصيبكم ومحلُ الظرفِ الرفعُ على أنَّه صفةٌ لآيةٌ وقيل النصب على خبرية كان والظرف الأول متعلقٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من آية
﴿التقتا﴾ في حيِّز الجرِّ على أنه صفة فئتين أي تلاقتا بالقتال يوم بدر
﴿فِئَةٌ﴾ بالرفع خبرُ مبتدإٍ محذوف أي إحداهما فئة كما في قوله ... إذَا متّ كان الناسُ حزبين شامت ... وآخَرُ مُثنٍ بالذي كنت أصنعُ ... أي أحدهما شامت والآخر مثنٍ وقولِه ... حتى إذا ما استقلّ النجمُ في غلَس ... وغودر البقلُ ملويٌّ ومحصودُ ... والجملةُ مع ما عطف عليها مستأنفةٌ لتقرير ما في الفئتين من الآية وقوله تعالى
﴿تقاتل فِى سَبِيلِ الله﴾ في محلِ الرفعِ على أنَّه صفة فئة كاملة كأنه قيل فئة مؤمنة ولكن ذُكر مكانه من أحكام الإيمان ما يليقُ بالمقام مدحاً لهم واعتداداً بقتالهم وإيذاناً بأنه المدارُ في تحقق الآية وهي رؤية القليل كثيرا وقرئ يقاتل على تأول الفئة بالقوم أو الفريق
﴿وأخرى﴾ نعت لمبتدأ محذوف معطوف على ما حذف من الجملة الأولى أي وفئة أخرى وإنما نكرت والقياس تعريفها كقرينتها لوضوح أن التفريق لنفس المثنى المقدم ذكره وعدم الحاجة إلى التعريف وقوله تعالى
﴿كَافِرَةٌ﴾ خبرُ المبتدأ المحذوف وإنما لم توصف هذه الفئة بما يقابل صفة الفئة الأولى إسقاطاً لقتالهم عن درجة الاعتبار وإيذاناً بأنهم لم يتصدَّوْا للقتال لما اعتراهم من الرعب والهيبة وقيل كلٌّ من المتعاطِفَين بدلٌ من الضمير في التقتا وما بعدهما صفة فلا بد من ضمير محذوفٍ عائدٍ إلى المبدل منه مسوِّغٍ لوصف البدل بالجملة العارية عن ضميره أي فئةٌ منهما تقاتل الخ وفئة أخرى كافرة ويجوز أن يكون كلٌّ منهما مبتدأً وما بعدهما خبرا أي فئةٌ منهما تقاتل الخ وفئة أخرى كافرة وقيل كل منهما مبتدأٌ محذوفُ الخبرِ أيْ منهما فئة تقاتل الخ وقرئ فئةٍ بالجر على البدلية من فئتين بدلَ بعض من كل وقد مر أنه لا بد من ضمير عائد إلى المبدل منه ويسمى بدلاً تفصيلياً كما في قول كثير عزة ... وكنت كذي رِجلين رِجلٍ صحيحة ... ورجلٍ رمى فيها الزمان فشلت ... وقرئ فئة الخ بالنَّصبِ على المدحِ أو الذم أو على الحالية من ضمير التقتا كأنه قيل التقتا مؤمنةً وكافرةً فيكون فئة وأخرى توطئةً لما هو الحال حقيقة إذ المقصودُ بالذكر وصْفاهما كما في قولك جاءني زيدٌ رَجُلاً صالِحاً
﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ أي يري الفئةُ الأخيرةُ الفئةُ الأولى وإيثارُ
стр. 593
صيغة الجمعِ للدلالة على شمول الرؤيةِ لكل واحدٍ واحدٍ من آحاد الفئة والجملةُ في محلِ الرفعِ على أنها صفةٌ للفئة الأخيرة أو مستأنفة مبيّنةٌ لكيفية الآية
﴿مّثْلَيْهِمْ﴾ أي مثلي عدد الرائين قريبا من ألفين إذ كانوا قريباً من ألف كانوا تسعمائةٍ وخمسين مقاتلاً رأسَهم عُتْبةُ بنُ ربيعةَ بنِ عَبْد شَمْس وفيهم أبو سفيانَ وأبو جهلٍ وكان فيهم من الخيل والإبل مائةُ فرسٍ وسبعُمائة بعير ومن أصناف الأسلحة عددٌ لا يحصى
عن محمد بن أبي الفرات عن سعد بن أوس أنه قال أسرَ المشركون رجلاً من المسلمين فسألوه كم كنتم قال ثلثُمائةٍ وبضعةَ عشرَ قالوا ما كنا نراكم إلا تُضعِفون علينا أو مثلي عددِ المرئيّين أي ستَّمائةٍ ونيفاً وعشرين حيث كانوا ثلثمائة وثلاثةَ عشرَ رجلاً سبعةٌ وسبعون رجلاً من المهاجرين وما ئتان وستة وثلاثون من الأنصار رضوانُ الله تعالَى عليهم أجمعين وكان صاحبَ رايةِ رسول الله ﷺ والمهاجرين عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁ وصاحبَ راية الأنصار سعدُ بن عبادة الخزرجي وكان في العسكر تسعون بعيراً وفَرَسان أحدُهما للمِقداد بن عَمْرو والآخر لمَرْثَد بن أبي مَرْثَد وستُّ أدرع وثمانيةُ سيوف وجميع منِ استُشهد يومئذٍ من المسلمين أربعةَ عشرَ رجلاً ستةٌ من المهاجرين وثمانية من الأنصار رضوانُ الله تعالَى عليهم أجمعين أراهم الله كذلك مع قِلتهم ليَهابوهم ويَجبُنوا عن قتالهم مدداً لهم منه سبحانه كما أمدهم بالملائكة ﵈ وكان ذلك عند التقاء الفئتين بعد أن قلَّلَهم في أعينهم عند ترائيهما ليجترئوا عليهم ولا يهرُبوا من أول الأمر حين ينجيهم الهرب وقيل يري الفئةُ الأولى الفئةُ الأخيرةَ مثليْ أنفسِهم مع كونهم ثلاثةَ أمثالِهم ليثبُتوا ويطمئنوا بالنصر الموعودِ في قولِهِ تعالَى فَإِن يَكُن مّنكُمْ مّاْئَةٌ صابرة يغلبوا ما ئتين والأولُ هو الأولى لأن رؤية المثلين غير المتعينة من جانب المؤمنين بل قد وقعت رؤيةُ المثل بل أقلَّ منه أيضاً فإنه روي أن ابن مسعود ﵁ قال قد نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يُضعِفون علينا ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلاً واحداً ثم قلّلهم الله تعالى أيضاً في أعينهم حتى رأتهم عدداً يسيراً أقلَّ من أنفسهم قال ابن مسعود ﵁ لقد قُلِّلوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي تراهم سبعين قال أراهم مائة فأسرنا منهم رجلاً فقلنا كم كنتم قال ألفاً فلو أريد رؤية المؤمنين المشركين أقلَّ من عددهم في نفس الأمر كما في سورة الأنفال لكانت رؤيتُهم إياهم أقلَّ من أنفسهم أحقَّ بالذكر في كونها آيةً من رؤيتهم مِثلَيهم على أن إبانةَ آثارِ قُدرةِ الله تعالى وحكمتِه للكفرة بإراءتهم القليلَ كثيراً والضعيفَ قوياً وإلقاءِ الرعب في قلوبهم بسبب ذلك أدخلُ في كونِها آيةً لهم وحجةً عليهم وأقربَ إلى اعتراف المخاطبين بذلك لكثرة مخالطتِهم الكفرةَ المشاهدين للحال وكذا تعلقُ الفعل بالفاعل أشد من تعلقه بالمفعول فجعلُ أقربِ المذكورَين السابقَين فاعلاً وأبعدِهما مفعولاً سواءٌ جعلُ الجملة صفةً أو مستأنفة أولى من العكس هذا ما تقتضيه جزالةُ التنزيلِ على قراءة الجُمهور ولا ينبغي جعلُ الخطاب لمشركي مكة كما قيل أما إن جُعل الوعيد عبارةً عن هزيمة بدر كما صرحوا به فظاهر لا سِترةَ به وأما إن جُعل عبارةً عن هزيمة أخرى فلأن الفئةَ التي شاهدت تلك الآيةَ الهائلة هم المخاطبون حينئذ فالتعبير عنهم بفئة مُبهمةٍ تارة وموصوفةٍ أخرى ثم إسنادُ المشاهدة إليها مع كون إسنادها إلى المخاطبين أوقعُ في إلزام الحجة وأدخلُ في التبكيت مما لَا دَاعيَ إليهِ وبهذا يتبين حال جعلِ الخطابِ الثاني للمؤمنين وأما قراءة ترونهم بتاء
стр. 594
١٤ - آل عمران
الخطاب فظاهرُها وإن اقتضى توجيهَ الخطابِ الثاني إلى المشركين لكنه ليس بنص في ذلك لأنه وإن اندفع به المحذورُ الأخيرُ فالأولُ باقٍ بحاله فلعل رؤية المشركين نزلت منزلةَ رؤيةِ اليهود لما بينهم من الاتحاد في الكفر والأتفاق في الكلمة لاسيما بعد ما وقع بينهم بواسطة كعب بن الأشرف من العهد والميثاق فأُسندت الرؤيةُ إليهم مبالغةً في البيان وتحقيقاً لعُروض مثلِ تلك الحالة لهم فتدبر وقيل المرادُ جميعُ الكفرة ولا ريب في صحته وسداده وقرئ يُرَونهم وتُرَونهم على البناءِ للمفعولِ من الأرادة أي يُريهم أو يريكم الله تعالى كذلك
﴿رَأْىَ العين﴾ مصدر مؤكدٌ ليَرَوْنهم إن كانت الرؤية بصريةً أو مصدر تشبيهيّ إن كانت قلبية أي رؤيةً ظاهرة مكشوفةً جارية مجرى رؤية العين
﴿والله يُؤَيّدُ﴾ أي يقوي
﴿بِنَصْرِهِ مَن يشاء﴾ أن يؤيده من غير توسيط الأسباب العادية كما أيد الفئةَ المقاتلة في سبيله بما ذكر من النصر وهو من تمام القولِ المأمورِ به
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما ذكر من رؤية القليل كثيراً المستتبعةِ لغَلَبة القليل العديمِ العُدة على الكثير الشاكي السلاحِ وما فيه من معنى البُعد للإيذان ببُعد منزلةِ المُشارِ إليه في الفضلِ
﴿لَعِبْرَةً﴾ العبرة فِعلة من العبور كالرِّكبة من الركوب والجِلْسة من الجلوس والمرادُ بها الاتعاظ فإنه نوعٌ من العبور أي لعبرةً عظيمة كائنة
﴿لاِوْلِى الابصار﴾ لذوي العقولِ والبصائر وقيل لمن أبصرهم وهُو إمَّا من تمامِ الكلام الداخلِ تحت القول مقرِّر لما قبله بطريق التذييل وإما واردٌ من جهته تعالى تصديقاً لمقالته عليه الصلاة والسلام
стр. 595
﴿زُيّنَ لِلنَّاسِ﴾ كلامٌ مستأنفٌ سيق لبيان حقارةِ شأن الحظوظ الدنيوية بأصنافها وتزهيدٌ للناس فيها وتوجيه رغباتهم إلى ما عنده تعالى إثرَ بيانِ عدم نفعِها للكفرة الذين كانوا يتعزّزون بها والمرادُ بالناس الجنس
﴿حُبُّ الشهوات﴾ الشهوة نزوعُ النفس إلى ما تريده والمراد ههنا المشتهَيات عبّر عنها بالشهوات مبالغة في كونِها مشتهاةً مرغوباً فيها كأنها نفسُ الشهوات أو أيذانا بانهما كهم في حبها بحيث أحبوا شهواتِها كما في قوله تعالى ﴿إِنّى أَحْبَبْتُ حُبَّ الخير﴾ أو استرذالاً لها فإن الشهوة مسترذَلةٌ مذمومة من صفات البهائم والمزيِّنُ هو الباري إذ هو الخالقُ لجميع الأفعال والدواعي والحكمةُ في ذلك ابتلاؤهم قال تعالى إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الارض زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ الآية فإنها ذريعة لنيل سعادة الدارين عند كونِ تعاطيها على نهج الشريعةِ الشريفة وسيلة إلى بقاء النوع وإيثارُ صيغةِ المبنيِّ للمفعولِ للجَريِ على سنَنِ الكبرياءِ وقرئ على البناء للفاعل وقيل المزيِّنُ هو الشيطان لما أن مساقَ الآية الكريمة على ذمها وفرّق الجبائيّ بين المباحات فأسند تزيينها إليه تعالى وبين المحرمات فنسب تزيينها إلى الشيطان
﴿مِنَ النساء والبنين﴾ في محل النصب على أنه حال من الشهوات وهي مفسِّرة لها في المعنى وقيل مِنْ لبيان الجنس وتقديمُ النساء على البنين لعراقتهن في معنى الشهوة فإنهن حبائلُ الشيطان وعدم التعرض للبنات لعدم الاطّراد في حبهن
﴿والقناطير المقنطرة﴾ جمعُ قِنطار وهو المالُ الكثير وقيل مائةُ ألفِ دينار وقيل ملءُ مَسْكِ ثور وقيل
стр. 596
١٥ - آل عمران
سبعون ألفاً وقيل أربعون ألفَ مثقالٍ وقيل ثمانون ألفاً وقيل مائةُ رِطل وقيل ألفٌ ومِائتَا مثقالٍ وقيل ألفا دينار وقيل مائة من ومائة رطل ومائة مثقال ومائة درهم وقيل ديةُ النفس واختلف في أن وزنه فعلال أو فنعال ولفظ المقنطرة مأخود منه للتأكيد كقولهم بَدْرةٌ مُبدَرة وقيل المقنطرة المحْكمة المحْصنة وقيل الكثيرة المُنضّدة بعضُها على بعض أو المدفونه وقيل المضروبة المنقوشة
﴿مِنَ الذهب والفضة﴾ بيان للقناطير أو حال
﴿والخيل﴾ عطف على القناطير قيل هي جمع لا واحد له من لفظه كالقوم والرهط الواحد فرس وقيل واحدُه خائل وهو مشتق من الخُيلاء
﴿المسومة﴾ أي المُعْلمة منَ السُّومةِ وهيَ العلامةُ أو المرْعيّة من أسام الدابة وسوَّمها إذا أرسلها وسيَّبها للرعي أو المُطَهّمة التامةُ الخَلقْ
﴿والانعام﴾ أي الإبل والبقر والغنم
﴿والحرث﴾ أي الزرع مصدر بمعنى المفعول
﴿ذلك﴾ أي ما ذكر من الأشياء المعهودة
﴿مَّتَاعَ الحياة الدنيا﴾ أيْ ما يتمتعُ بهِ في الحياةِ الدنيا أياماً قلائلَ فتفنى سريعاً
﴿والله عِندَهُ حُسْنُ المأب﴾ حسنُ المرجِع وفيه دلالةٌ على أن ليس فيما عُدّد عاقبةٌ حميدة وفي تكرير الإسناد بجعل الجلالة مبتدأ وإسنادِ الجملة الظرفية إليه زيادةُ تأكيدٍ وتفخيم ومزيدُ اعتناء بالترغيب فيما عند الله من النعم المقيم والتزهيدُ في ملاذّ الدنيا وطيباتها الفانية
стр. 597
﴿قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم﴾ إثرَ ما بيّن شأنَ مُزخْرَفات الدنيا وذكر ما عنده تعالى من حسن المآب إجمالاً أمر النبيِّ ﷺ بتفاصيل ذلك المُجمل للناس مبالغةً في الترغيب والخطابُ للجميع والهمزةُ للتقرير أي أأخبرُكم بما هو خير مما فُصّل من تلك المستلذات المزينة لكم وإبهام الخير لتفخيم شأنِه والتشويق إليه وقوله تعالى
﴿لِلَّذِينَ اتقوا عِندَ رَبّهِمْ جنات﴾ استئنافٌ مبين لذلك المبْهم على أن جنات مبتدأ والجارّ والمجرور خبر أو على أن جناتٌ مرتفعٌ به على الفاعليةِ عند من لايشترط في ذلك اعتمادَ الجار على ما فصل في محله والمراد بالتقوى هو التبتُل إلى الله تعالى والإعراضُ عما سواه على ما تنبىء عنه النعوتُ الآتيةُ وتعليقُ حصولِ الجنات وما بعدها من فنون الخيراتِ به للترغيب في تحصيله والثبات عليه وعند نصب على الحالية من جنات أو متعلقٌ بما تعلقَ بهِ الجارِّ من معنى الاستقرارِ مفيد لكمال علو رتبة الجنات وسمو طبقتها والتعرضُ لعنوانِ الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضمير المتقين لإظهار مزيد اللطفِ بهم وقيل اللامُ متعلقة بخير وكذا الظرفُ وجنات خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ والجملةُ مبينة لخير ويؤيده قراءة جناتٍ بالجر على البدلية من خير ولا يخفى أن تعليق الإخبار والبيان بما هو خير لطائفة رُبَّما يُوهم أنَّ هناك خيراً آخرَ لآخَرين
﴿تَجْرِى﴾ في محل الرفع والجر صفةٌ لجنات على حسب القراءتين
﴿مِن تَحْتِهَا الانهار﴾ متعلق بتجري فإن أريد بالجنات نفسُ الأشجار كما هو الظاهر فجريانُها من تحتها ظاهرٌ وإنْ أُريدَ بها مجموعُ الأرضِ والأشجار فهو باعتبار جزئها الظاهر كما مر تفصيلُه مراراً
﴿خالدين فِيهَا﴾ حالٌ مقدرةٌ من المستكن في لِلَّذِينَ والعاملُ ما فيه من معنى الاستقرار
﴿وأزواج مُّطَهَّرَةٌ﴾ عطفٌ على جناتٍ أي مبرأة مما يستقذر من النساء من
стр. 598
١٦ - ١٧ ١٨ آل عمران
الأحوال البدنية والطبيعية
﴿وَرِضْوَانٍ﴾ التنوينُ للتفخيم وقولُه تعالى
﴿مِنَ الله﴾ متعلق بمحذوف وقع صفة له مؤكدة لما أفادَه التنوينُ من الفخامة أيْ رضوانٌ وأيُّ رضوان لايقادر قدره كائن من الله وقرئ بضم الراء
﴿والله بَصِيرٌ بالعباد﴾ وبأعمالهم فيثيبُ ويعاقب حسبما يليق بها أو بصير بأحوال الذين اتقَوْا ولذلك أعد لهم ما ذكر وفيه إشعار بأنهم المستحقون للتسمية باسم العبد
стр. 599
﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمنا﴾ في محلِ الرفعِ على أنه خبر مبتدأ محذوف كأنه قيل مَنْ أولئك المتقون الفائزون بهذه الكرامات السنية فقيل هم الذين الخ أو النصبِ على المدحِ أو الجرُّ عَلى أنَّه تابعٌ للمتقين نعتاً أو بدلاً أو للعباد كذلك والأول أظهر وقوله تعالى ﴿والله بَصِيرٌ بالعباد﴾ حينئذ معترضةٌ وتأكيد الجملة لإظهار أن إيمانهم ناشئ من وفور الرغبة وكمال النشاط وفي ترتيب الدعاء بقولهم
﴿فاغفر لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النار﴾ على مجرد الإيمان دَلالةٌ على كفايته في استحقاق المغفرة والوقاية من النار
стр. 600
﴿الصابرين﴾ هو على تقدير كون الموصول في محل الرفع منصوبٌ على المدح بإضمار أعنى وأما تقدير كونه في محل النصبِ أو الجر فهو نعت له والمراد بالصبر هو الصبر على مشاقّ الطاعات وعلى البأساء والضراء وحين البأس
﴿والصادقين﴾ في أقوالهم ونياتهم وعزائمِهم
﴿والقانتين﴾ المداومين على الطاعات المواظبين على العبادات
﴿والمنفقين﴾ أموالهم في سبيلِ الله تعالى
﴿والمستغفرين بالاسحار﴾ قال مجاهد وقتادة والكلبي أي المصلين بالأسحار وعن زيد بن أسلَمَ هم الذين يصلون الصبحَ في جماعة وقال الحسن مدُّوا الصلاة إلى السحر ثم استغفروا وقال نافع كان ابن عمرَ ﵁ يحيي الليلة ثم يقول يا نافع أسْحَرْنا فأقول لا فيعاود الصلاة فإذا قلت نعم قعد يستغفر الله ويدعو حتى يصبح وعن الحسن كانوا يصلون في أول الليل حتى إذا كان السحر أخذوا في الدعاء والاستغفار وتخصيصُ الأسحار بالاستغفار لأن الدعاء فيها أقربُ إلى الإجابة إذ العبادة حينئذ أشق والنفسُ أصفى والروح أجمعُ لاسيما للمجتهدين وتوسيط الواو بين الصفات المعدودة للدلالة على استقلالِ كلِّ منها وكما لهم فيها أو لتغايُر الموصوفين بها
следующие страницы →