← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.

стр. 5531

فاطر ١٨ ٢٢

стр. 5532

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ﴾ أي لا تحملٌ نفسٌ آثمةٌ ﴿وِزْرَ أخرى﴾ إثمَ نفسٍ أُخرى بل إنَّما تحملُ كلٌّ منهما وزرها وأماما في قولِه تعالى وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ من حملِ المضلِّين أثقالاً غيرَ أثقالِهم فهو حملُ أثقالِ إضلالِهم مع أثقالِ ضلالِهم وكلاهما أوزارُهم ليس فيها من أوزارِ غيرِهم شئ ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ أي نفسٌ أثقلَها الأوزارُ ﴿إلى حِمْلِهَا﴾ لحملِ بعضِ أوزارِها ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْء﴾ لم تجب بحمل شئ منه ﴿وَلَوْ كَانَ﴾ أي المدعُو المفهوم من الدَّعوةِ ﴿ذَا قربى﴾ ذا قرابةٍ من الداعى وقرئ ذُو قُربى وهذا نفيٌ للحملِ اختياراً والأوَّلُ نفيٌ له جبارا ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ﴾ استئنافٌ مسوق لبيان من يتَّعظُ بما ذُكر أي إنَّما تنذر بهذه الإنذاراتِ ﴿الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بالغيب﴾ أي يخشَونَه تعالى غائبينَ عن عذابِه أو عن النَّاسِ في خلواتِهم أو يخشَون عذابَه وهو غائبٌ عنهم ﴿وَأَقَامُوا الصلاة﴾ أي راعَوها كما ينبغي وجعلوها مَنَاراً منصوباً وعَلَماً مرفُوعاً أي إنما ينفعُ إنذارُك وتحذيرُك هؤلاءِ من قومِك دُون مَنْ عداهُم منْ أهل التَّمرد والعناد ﴿ومن تزكى﴾ أن تطهرَ من أوضار الأوزارِ والمعاصِي بالتَّاثرِ من هذهِ الإنذاراتِ ﴿فَإِنَّمَا يتزكى لِنَفْسِهِ﴾ لاقتصارِ نفعِه عليها كما أنَّ مَن تدنَّس بها لا يتدنَّس إلا عليها وقرئ من ازكَّى فإنَّما يزكَّى وهو اعتراضٌ مقررٌ لخشيتهم وإقامِتهم الصَّلاةَ لأنَّها من معظمِ مبادِي التزكِّي ﴿وإلى الله المصير﴾ لا إلى أحدٍ غيرِه استقلالاً أو اشتراكاً فيجازيهم على تزكِّيهم أحسنَ الجزاء

стр. 5533

﴿وما يستوى الاعمى والبصير﴾ أي الكافرُ والمؤمنُ

стр. 5534

﴿وَلَا الظلمات وَلَا النور﴾ أي ولا الباطلُ ولا الحقُّ وجمع الظلمات مع أفرادِ النُّورِ لتعدُّدِ فنونِ الباطلِ واتِّحاد الحقِّ

стр. 5535

﴿وَلَا الظل وَلَا الحرور﴾ أي ولا الثَّوابُ ولا العقاب وإدخال لاعلى المتقابلينِ لتذكيرِ نفيِ الاستواءِ وتوسيطها بينهما للتأكيد والحرور فَعولٌ من الحرِّ غلب على السَّمومِ وقيل السَّمومُ ما يهبُّ نهاراً والحَرورُ ما يهبُّ ليلاً

стр. 5536

﴿وَمَا يَسْتَوِى الاحياء وَلَا الاموات﴾ تمثيلٌ آخرُ للمؤمنينَ والكافرين

стр. 5537

فاطر ٢٣ ٢٧ أبلغُ من الأوَّلِ ولذلك كُرِّر الفعلُ وأُوثر صيغةُ الجمعِ في الطَّرفينِ تحقيقاً للتَّباينَ بين أفرادِ الفريقينِ وقيل تمثيلٌ للعُلماءِ والجَهَلةِ ﴿إِنَّ الله يُسْمِعُ مَن يَشَاء﴾ أنْ يُسمَعه ويوفِّقه لفهم آياتِه والاتَّعاظِ بعظاتِه ﴿وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِى القبور﴾ ترشيحٌ لتمثيل المصرِّينَ على الكُفرِ بالأمواتِ وإشباع في إقناطه ﷺ من إيمانِهم

стр. 5538

﴿إِنْ أَنتَ إِلَاّ نَذِيرٌ﴾ ما عليكَ إلا الإنذارُ وأمَّا الإسماعُ البتةَ فليس من وظائفك ولا حيلة لك إليه في المطبوعِ على قلوبهم

стр. 5539

﴿إِنَّا أرسلناك بالحق﴾ أي محقَّين أو محقّاً أنتَ أو إرسالاً مصحُوباً بالحقِّ ويجوز أن يتعلق بقوله ﴿بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ أي بشيراً بالوعدِ الحقِّ ونذيراً بالوعيدِ الحقِّ ﴿وَإِن مّنْ أُمَّةٍ﴾ أي ما مِنْ أُمَّةٍ من الأممِ الدَّارجةِ في الأزمنةِ الماضيةِ ﴿إِلَاّ خَلَا﴾ أي مَضَى ﴿فِيهَا نَذِيرٌ﴾ من نبيَ أو عالمٍ يُنذرهم والاكتفاءُ بذكرهِ للعلمِ بأنَّ النَّذارةَ قرينةُ البشارةِ لا سيِّما وقد اقترنا آنِفاً ولأنَّ الإنذارَ هو الأنسبُ بالمقَامِ

стр. 5540

﴿وَإِن يُكَذّبُوكَ﴾ أي تموا على تكذيبكَ فلا تُبالِ بهم وبتكذيِبهم ﴿فَقَدْ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِم﴾ من الأممِ العاتيةِ ﴿جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات﴾ أي المعجزاتِ الظاهرةِ الدالةِ على نُبوُّتهم ﴿وبالزبر﴾ كصُحفِ إبراهيمَ ﴿وبالكتاب المنير﴾ كالتوراة والإنجيلِ والزَّبورِ على إرادةِ التفصيل دون الجمع ويجوز أنْ يُرادَ بهما واحدٌ والعطفُ لتغايرِ العُنوانينِ

стр. 5541

﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الذين كَفَرُواْ﴾ وضعَ الموصولُ موضعَ ضميرِهم لذمِّهم بما في حيز الصَّلةِ والإشعارِ بعلَّةِ الأخذِ ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي إنكارِي بالعقوبة وفيه مزيدُ تشديدٍ وتهويلٍ لها

стр. 5542

﴿أَلَمْ تَرَ﴾ استئنافٌ مَسوقٌ لتقرير ما قبله من اختلافِ أحوالِ النَّاسِ ببيان أنَّ الاختلافَ والتَّفاوتَ أمرٌ مطردٌ في جميعِ المخلوقات من النَّباتِ والجمادِ والحيوانِ والرؤيةُ قلبيةٌ أيْ ألم تعلمَ ﴿أَنَّ الله أنَزَلَ مِنَ السماء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ بذلك الماءِ والالتفات لإظهارِ كمال الاعتناءِ بالفعلِ لما فيه من الصُّنعِ البديع المنبئ عن كمالِ القُدرةِ والحكمةِ ﴿ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا﴾ أي أجناسُها أو أصنافُها على أنَّ كلاًّ منها ذُو أصناف مختلفة أو هيآتها وأشكالُها أو ألوانُها من الصفرة والخضرة والحُمرةِ وغيرِها وهو الأوفقُ لما في قوله تعالى ﴿ومن الجبال جُدَدٌ﴾ أي ذو جدد أي خططٍ وطرائقَ ويقالُ جدة الحمارِ للخطةِ السَّوداءِ

стр. 5543

فاطر ٢٨ ٢٩ على ظهره وقرئ جُدُد بالضَّمِّ جمع جديدةٍ بمعنى الجدة وجَدَد بفتحتينِ وهو الطَّريقُ الواضحُ ﴿بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ ألوانها﴾ بالشِّدةِ والضَّعفِ ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ عطفٌ على بيضٌ أو على جدُد كأنَّه قيل ومن الجبالِ مُخطَّطٌ ذو جُددٍ ومنها ما هو على لونٍ واحدٍ غرابيبَ وهو تأكيد لمضمر يفسِّره ما بعدِه فإنَّ الغربيبَ تأكيدٌ للأسواد كالفاقعِ للأصفرِ والقانِي للأحمرِ ومن حقِّ التَّأكيدِ أنْ يتبعَ المؤكَّدَ ونظيرُه في الصِّفةِ قولُ النَّابغةِ والمؤمنِ العائذاتِ الطَّيرَ يمسحُها وفي مثلهِ مزيدٌ تأكيدٍ لما فيه من التَّكرارِ باعتبار الإضمارِ والإظهارِ

стр. 5544

﴿وَمِنَ الناس والدواب والانعام مُخْتَلِفٌ ألوانه﴾ أي ومنهم بعضٌ مختلفٌ ألوانُه أو وبعضُهم مختلفٌ ألوانُه على ما مرَّ في قوله تعالى وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ آمنا بالله وإيراد الجملتينِ اسميتين مع مشاركتِهما لما قبلَهُما من الجملةِ الفعليةِ في الاستشهادِ بمضمونِهما على تباينِ النَّاسِ في الأحوالِ الباطنةِ لما أنَّ اختلافَ الجبالِ والنَّاسِ والدَّوابِّ والأنعامِ فيما ذُكر من الألوانِ أمرٌ مستمرٌ فعبَّر عنه بما يدلُّ على الاستمرارِ وأمَّا إخراجُ الثَّمراتِ المختلفةِ فحيثُ كان أمراً حادثاً عبَّر عنه بما يدلُّ على الحدوثِ ثم لما كان فيه نوعُ خفاءً علَّق به الرُّؤية بطريقِ الاستفهامِ التقريري المنبئ عن الحمل عليها والتَّرغيبِ فيها بخلافِ أحوالِ الجبالِ والنَّاسِ وغيرِهما فإنَّها مُشاهدَة غنيَّةٌ عن التأمُّلِ فلذلك جُرِّدتْ عن التَّعليقِ بالرُّؤيةِ فتدبر وقوله تعالى ﴿كذلك﴾ مصدرٌ تشبيهيٌّ لقوله تعالى مختلفٌ أي صفة لمصدره المؤكِّد تقديرُه مختلفٌ اختلافاً كائناً كذلك أي كاختلاف الثمار والجبال وقرئ الوانا وقرئ والدَّوابَ بالتَّخفيفِ مبالغةً في الهربِ من التقاءِ السَّاكنينِ وقوله تعالى ﴿إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء﴾ تكملة لقوله تعالى إِنَّمَا تُنذِرُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بالغيب بتعيين من يخشاه من النَّاس بعد بيانِ اختلافِ طبقاتِهم وتباينِ مراتبِهم أمَّا في الأوصافِ المعنويَّةِ فبطريقِ التَّمثيلِ وأما في الأوصافِ الصُّوريةِ فبطريقِ التَّصريحِ توفية لكلَّ واحدةٍ منهما حقَّها اللائقَ بها من البيانِ أي إنَّما يخشاه تعالى بالغيب العالمون به وبما يليق به من صفاتِه الجليلةِ وأفعالِه الجميلةِ لما أنَّ مدارَ الخشية معرفة المخشى والعلم بشئونه فمن كان أعلم به تعالى كانَ أخشى منه كما قال ﷺ أنا أخشاكُم لله وأتقاكُم له ولذلك عقَّب بذكرِ أفعالِه الدالةَ على كمالِ قدرتِه وحيث كان الكَفَرةُ بمعزلٍ من هذه المعرفةِ امتنع إنذارُهم بالكلِّية وتقديمُ المفعولِ لأن المقصودَ حصرُ الفاعليَّةِ ولو أُخِّر انعكسَ الأمر وقرئ برفع الاسم الجليلة ونصبِ العلماءِ على أنَّ الخشية مستعارةٌ للتَّعظيمِ فإنَّ المعظَّم يكونُ مهيباً ﴿إِنَّ الله عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ تعليل لوجوبِ الخشيةِ لدلالتهِ على أنَّه معاقبٌ للمصرِّ على طغيانِه غفورٌ للتائب عن عصيانِه

стр. 5545

﴿إِنَّ الذين يَتْلُونَ كتاب الله﴾ أي يداومُون على قراءته أو متابعةِ ما فيه حتى

стр. 5546

فاطر ٣٠ ٣٢ صارتْ سمةً لهم وعُنواناً والمرادُ بكتابِ الله تعالى القُرآنُ وقيلَ جنسُ كتبِ الله فيكون ثناءً على المصدِّقين من الأممِ بعد اقتصاصِ حالِ المكذِّبين منهم وليسَ بذاك فإنَّ صيغةَ المضارعِ مناديةٌ باستمرارِ مشروعيةِ تلاوتِه والعملِ بما فيه واستتباعِهما لما سيأتي من توفيةِ الأجورِ وزيادةِ الفضلِ وحملُها على حكايةِ الحالِ الماضيةِ مع كونِه تعسُّفاً ظاهرا مما لا سبيل إليه كيفَ لا والمقصودُ الترغيبُ في دينِ الإسلامِ والعملُ بالقُرآن النَّاسخِ لما بين يديهِ من الكتبِ فالتَّعرضُ لبيان حقيقتها قبل انتساخِها والإشباعُ في ذكرِ استتباعها لما ذُكر من الفوائدِ العظيمةِ مَّما يُورث الرَّغبةَ في تلاوتِها والإقبالِ على العملِ بها وتخصيصُ التِّلاوةِ بما لم ينسخ منها باطلٌ قطعاً لما أنَّ الباقي مشروعاً ليس إلا حكمها لكنْ لا من حيث أنه حكَّمها بل من حيثُ انه حكّم القرآنَ وأما تلاوتُها فبمعزلٍ من المشروعيَّةِ واستتباع الأجر بالمرَّة فتدبر ﴿وَأَقَامُواْ الصلاة وأنفقوا من ما رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيةً﴾ كيفما اتَّفق من غيرِ قصدٍ إليهما وقيل السِّرُّ في المسنونةِ والعلانيةُ في المفروضةِ ﴿يَرْجُونَ تجارة﴾ تحصيلَ ثوابٍ الطاعة وهو خبرُ إنَّ وقوله تعالى ﴿لَّن تَبُورَ﴾ أي لن تكسد ولن تهك بالخسرانِ أصلاً صفةٌ لتجارةَ جيء بها للدِّلالةِ على أنَّها ليستْ كسائرِ التِّجاراتِ الدَّائرةِ بين الرِّبحِ والخُسرانِ لأنَّه اشتراءُ باقٍ بفانٍ والإخبارُ برجائِهم من أكرمِ الأكرمينَ عِدَةٌ قطعيةٌ بحصولِ مرجوِّهم وقولُه تعالى

стр. 5547

﴿لِيُوَفّيَهُمْ أُجُورَهُمْ﴾ متعلقٌ بلَنْ تبورَ على معنى أنَّه ينتفي عنها الكسادُ وتنفُق عند الله تعالى ليوفيَهم أجورَ أعمالِهم ﴿وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ﴾ على ذلك من خزائنِ رحمتِه ما يشاءُ وقيل بمضمرٍ دلَّ عليه ما عُدَّ من أفعالهم المرضيَّةِ أي فعلُوا ذلك ليوفيَهم إلخ وقيل بيرجُون على أن اللامَ للعاقبةِ ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ تعليلٌ لما قبلَه من التَّوفيةِ والزِّيادةِ أي غفورٌ لفرطاتِهم شكورٌ لطاعاتِهم أي مجازيهم عليها وقيل هُو خبرُ إنَّ الذينَ ويرجُون حالٌ من واوِ أنفقُوا

стр. 5548

﴿والذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الكتاب﴾ وهو القرآنُ ومِن للتَّبيين أو الجنسِ ومن للتَّبعيضِ وقيل اللَّوحَ ومِن للابتداءِ ﴿هُوَ الحق مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي أُحِقُّه مصدِّقاً لّمَا تقدَّمه من الكتبِ السَّماويةِ حالٌ مؤكِّدة لأنَّ حقِّيتَه تستلزمُ موافقتَه إيَّاهُ في العقائدِ وأصولِ الأحكامِ ﴿إِنَّ الله بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ محيطٌ ببواطنِ أمورِهم وظواهرِها فلو كانَ في أحوالِك ما ينافي النُّبوة لم يُوحِ إليك مثلُ هذا الحقَّ المعجزِ الذي هو عيارٌ على سائرِ الكتبِ وتقديمُ الخبيرِ للتَّنبيه على أنَّ العمدةَ هي الأمورُ الرُّوحانيَّةُ

стр. 5549

﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب﴾ أي قضينا بتوريثةِ منك أو نورِّثه والتَّعبيرُ عنه بالماضِي لتقرره

стр. 5550

فاطر ٣٣ ٣٤ وتحققه وقيل أورثناهُ من الأممِ السَّالفةِ أي أخَّرناه عنهم وأعطيناهُ ﴿الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا﴾ وهم علماءُ الأمةِ من الصَّحابةِ ومن بعدهم ممَّن يسيرُ سيرتَهم أو الأمة بأسرِهم فإنَّ الله تعالى اصطفاهم على سائرِ الأممِ وجعلهم أمةً وسطاً ليكونُوا شهداءَ على النَّاسِ واختصَّهم بكرامةِ الانتماءِ إلى أفضلِ رسله عليهم الصلاة والسلام وليس من ضرورةِ وراثةِ الكتابِ مراعاتُه حقَّ رعايتِه لقوله تعالى فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الكتاب الآيةَ ﴿فَمِنْهُمْ ظالم لّنَفْسِهِ﴾ بالتقصير في العمل به وهو المرجأُ لأمرِ الله ﴿وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ﴾ يعملُ به في أغلبِ الأوقاتِ ولا يخلُو من خلط السَّيءِ ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات بِإِذُنِ الله﴾ قيل هم السّابقونَ الأوَّلُون من المهاجرينَ والأنصارِ وقيل هم المُداومون على إقامةِ مواجبهِ علماً وعملاً وتعليماً وفي قوله بِإِذْنِ الله أي بتيسيره وتوفيقِه تنبيةٌ على عزَّةِ منال هذه الرتبة وصعوبةِ مأخذِها وقيل الظَّالمُ الجاهلُ والمقتصدُ المتعلِّم والسَّابقُ العالمُ وقيل الظالمُ المجرمُ والمقتصدُ الذي خلطَ الصَّالحَ بالسَّيءِ والسَّابقُ الذي ترَّجحتْ حسناته بحيثُ صارتْ سيِّئاتُه مكفَّرةً وهو معنى قوله ﷺ وَأَمَّا الذين سَبَقُواْ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجنة يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ وَأَمَّا المقتصد فأولئك يحاسبون حساباً يسيراً وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك يحبسون فى طول المحشر ثم يتلقاهم الله تعالى برحمته وقد رُوي أن عمر ﵁ قال وهو على المنبرِ قال رسول الله ﷺ سابقُنا سابقٌ ومقتصدُنا ناجٍ وظالمُنا مغفورٌ له ﴿ذلك﴾ إشارةٌ إلى السَّبقِ بالخيراتِ وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإشعار بعلو رتبتِه وبُعدِ منزلته في الشَّرفِ ﴿هُوَ الفضل الكبير﴾ من الله لا يُنال إلا بتوفيقِه تعالى

стр. 5551

﴿جنات عَدْنٍ﴾ إمَّا بدلٌ من الفضلُ الكبيرُ بتنزيلِ السَّببِ منزلةَ المسَّببِ أو مبتدأٌ خبرُه ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ وعلى الأوَّلِ هو مستأنفٌ وجمعُ الضَّميرِ لأنَّ المرادَ بالسَّابقِ الجنسُ وتخصيصُ حالِ السَّابقينَ ومآلِهم بالذِّكرِ والسُّكوتُ عن الفريقينِ الآخرينِ وإنْ لم يدلَّ على حرمانِهما من دخولِ الجنةِ مُطلقاً لكنَّ فيه تحذيراً لهما من التَّقصيرِ وتحريضاً على السَّعيِ في إدراكِ شأوِ السَّابقينَ وقُرىء جنَّاتِ عدنٍ وجَّنةَ عدنٍ على النَّصبِ بفعلٍ يفسِّره الظَّاهرُ وقُرىء يُدخَلُونها على البناءِ للمفعولِ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ خبرٌ ثانٍ أو حالٌ مقدرةٌ وقُرىء يحلُون من حَلِيتْ المرأةُ فهي حاليةٌ ﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾ هيَ جمع أسورة جمع سوار ﴿من ذهب﴾ من الأولى تبعيضيَّةٌ والثَّانيةُ بيانيَّةٌ أي يُحلَّون بعضَ أساورَ من ذهبٍ كأنَّه أفضلُ من سائرِ أفرادِها ﴿وَلُؤْلُؤاً﴾ بالنَّصبِ عطفاً عَلى محلِّ منْ أساورَ وقُرىء بالجرِّ عطفا على ذهبٍ أي من ذهبٍ مرصعٍ باللُّؤلؤِ أو من ذهبٍ في صفاءِ اللُّؤلؤِ ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ وتغيير الاسلوب قد مر في سورةِ الحجِّ

стр. 5552

﴿وَقَالُواْ﴾ أي يقولون وصيغةَ الماضِي للدلالةِ على التحقق ﴿الحمد لله الذي أذهب عَنَّا الحزن﴾ وهو ما أهمَّهم من خوفِ سوءِ العاقبةِ وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ حَزَنُ الأعراضِ والآفاتُ وعنه حَزَنُ الموتِ وعن الضَّحَّاكِ لحزن وسوسةِ إبليسَ وقيل همُّ المعاش وقيل حزن

стр. 5553

فاطر ٣٥ ٣٧ زوالِ النِّعمِ والظَّاهرُ أنَّه الجنسُ المنتظمُ لجميعِ أحزانِ الدِّينِ والدُّنيا وقُرىء الحُزْنَ وعن رسول الله ﷺ ليسَ على أهلِ لا إله إلا الله وحشةٌ في قبورِهم ولا في محشرِهم ولا في مسيرِهم وكأنِّي بأهل لا إله إلا الله يخرجُون من قبورِهم ينفضُون التُّرابَ عن وجوهِهم ويقولُون الحمدُ لله الذي أذهب عنا الحزن ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ﴾ أي للمذنبينَ ﴿شَكُورٌ﴾ للمطيعينَ

стр. 5554

﴿الذى أَحَلَّنَا دَارَ المقامة﴾ أي دارَ الإقامةِ التي لا انتقالَ عنها أبداً ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ من إنعامِه وتفضُّلِه من غيرِ أنْ يوجبَه شيءٌ من قبلنا ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ تعب ﴿وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ كلالٌ والفرقُ بينهما ان النصب نفس المشقَّة والكُلفة واللُّغوب ما يحدث منه من الفتورِ والتَّصريحُ بنفي الثَّاني مع استلزامِ نفي الأوَّلِ له وتكريرُ الفعلِ المنفي للمبالغةِ في بيانِ انتفاءِ كلَ منهما

стр. 5555

﴿والذين كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يقضى عَلَيْهِمْ﴾ لا يُحكم عليهم بموتٍ ثانٍ ﴿فَيَمُوتُواْ﴾ ويستريحُوا ونصبُه بإضمارِ أنْ وقُرىء فيموتونَ عطفاً على يقضي كقوله تعالى وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مّنْ عَذَابِهَا﴾ بل كلَّما خبتْ زيد إسعارُها ﴿كذلك﴾ أي مثلَ ذلك الجزاء الفظيعِ ﴿نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ﴾ مبالغٍ في الكفرِ أو الكفرانِ لا جزاء أخف وأدنى منه وقُرىء يُجزى على البناءِ للمفعولِ وإسناده إلى الكلِّ وقرىء يجازى

стр. 5556

﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ يستغيثُون والاصطراخُ افتعالٌ من الصُّراخِ استُعمل في الاستغاثةِ لجهد المستغيثِ صوتَه ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صالحا غَيْرَ الذى كُنَّا نَعْمَلُ﴾ بإضمارِ القولِ وتقييدِ العملِ الصَّالحِ بالوصفِ المذكورِ للتَّحسرِ على ما عملوه من غيرِ الصَّالحِ والاعترافِ به والإشعارِ بأنَّ استخراجَهم لتلافيهِ وأنَّهم كانُوا يحسبونه صالحاً والآنَ تبيَّن خلافُه وقولُه تعالى ﴿أَوَلَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ جوابٌ من جهتِه تعالى وتوبيخٌ لهم والهمزةُ للإنكارِ والنَّفيِ والواوُ للعطفِ على مقدرٍ يقتضيه المقامُ ومَا نكرةٌ موصوفةٌ أي ألم نمهلْكُم أو ألم نؤخرْكُم ولم نعمْركُم عمراً يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ أي يتمكَّنُ فيه المتذكرُ من التَّذكُّرِ والتَّفكُّرِ قيل هو أربعون سنةً وعن ابن عباس ﵄ ستُّون سنة ورُوي ذلكَ عن عليَ ﵁ وهو العُمر الذي أعذرَ الله فيه إلى ابنِ آدم قال ﷺ أعذرَ الله إلى امرىءٍ أخَّر أجلَه حتَّى بلغَ ستِّين سنة وقولُه تعالى ﴿وَجَاءكُمُ النذير﴾ عطفٌ عَلَى الجملةِ الاستفهاميةِ لأنَّها في معنى قد عمَّرناكم كما في قوله تعالى أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ووضعنا الخ لأنَّه في معنى قد شرحنا الخ والمرادُ بالنذير رسول الله ﷺ أو ما معه من القُرآن وقيل العقلُ وقيل الشَّيبُ وقيل موتُ الأقاربِ والاقتصارُ على ذكرِ النَّذيرِ لانه الذى

стр. 5557

فاطر ٣٨ ٤٠ يقتضيهِ المقامُ والفاءُ في قوله تعالى ﴿فذوقوا﴾ لترتيب الأمر بالذوق على ما قبلها من التَّعميرِ ومجيءِ النَّذيرِ وفي قولِه تعالى ﴿فَمَا للظالمين مِن نَّصِيرٍ﴾ للتَّعليلِ

стр. 5558

﴿إِنَّ الله عالم غَيْبِ السماوات والارض﴾ بالإضافةِ وقُرىء بالتَّنوينِ ونصبِ غيبَ على المفعوليةِ أي لا يَخفى عليهِ خافيةٌ فيهما فلا تخفى عليه أحوالُهم ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ قيل إنَّه تعليلٌ لما قبله لأنَّه إذا علمَ مضمراتِ الصُّدورِ وهي أخفى ما يكونُ كان أعلمَ بغيرِها

стр. 5559

﴿هُوَ الذى جَعَلَكُمْ خلائف فِى الارض﴾ يقال للمستخلَفِ خليفة والأول يُجمع خلائفَ والثَّانِي خلفاءَ والمعنى أنَّه تعالى جعلكم خلفاءَه في إرضه وألقى إليكم مقاليدَ التَّصرفِ فيها وسلَّطكم على ما فيها وأباحَ لكم منافعها أو جعلكم خلفاءَ ممَّن قبلكم من الأممِ وأورثكَم ما بأيديهم من متاعِ الدُّنيا لتشكُروه بالتَّوحيدِ والطَّاعةِ ﴿فَمَن كَفَرَ﴾ منكُم مثلَ هذه النِّعمةِ السَّنيةِ وغمطَها ﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي وبالُ كفرِه لا يتعداهُ إلى غيرِه وقولُه تعالى ﴿وَلَا يَزِيدُ الكافرين كُفْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ إِلَاّ مَقْتاً وَلَا يَزِيدُ الكافرين كُفْرُهُمْ إِلَاّ خَسَاراً﴾ بيانٌ لوبالِ الكفرِ وغائلتِه وهو مقتُ الله تعالى إيَّاهم أي بغضه الشَّديد الذي ليسَ وراءَهُ خزيٌّ وصغارٌ وخسارُ الأخرةِ الذي ما بعدَهُ شرٌّ وخسارٌ والتَّكريرُ لزيادةِ التَّقريرِ والتَّنبيهِ على أن اقتضاءِ الكُفر لكلِّ واحدٍ من الأمرين الهائلينِ القبيحينِ بطريقِ الاستقلالِ والأصالةِ

стр. 5560

﴿قل﴾ تبكيتا لهم ﴿أرأيتم شُرَكَاءكُمُ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله﴾ أي آلَهتكم والإضافةُ إليهم لأنَّهم جعلوهم شركاءَ لله تعالى من غير أن يكون له أصلٌ ما أصلاً وقيل جعلُوهم شركاءَ لأنفسِهم فيما يملكونَهُ ويأباه سباقُ النظمِ الكريمِ وسياقُه ﴿أَرُونِى مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الارض﴾ بدلُ اشتمالِ من أرأيتُم كأنَّه قيل أخبرُوني عن شركائِكم أرُوني أيَّ جزءٍ خلقُوا من الأرضِ ﴿أَمْ لَهُمْ شرك في السماوات﴾ أي أمْ لهم شركةٌ مع الله سبحانه في خلقِ السَّمواتِ ليستحقُّوا بذلك شركةً في الألوهَّيةِ ذاتيَّةً ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً﴾ ينطقُ بأنَّا اتخذَّناهُم شركاءَ ﴿فَهُمْ على بَيّنَةٍ مّنْهُ﴾ أي حجَّةٍ ظاهرةٍ من ذلكَ الكتابِ بأنَّ لهم شركةً جعليةً ويجوزُ أنْ يكونَ ضميرُ آتيناهُم للمشركينَ كما في قوله تعالى أم أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سلطانا الخ وقُرىء على بيِّناتٍ وفيه إيماءٌ إلى أنَّ الشِّركَ أمرٌ خطيرٌ لا بُدَّ في إثباتهِ من تعاضدِ الدَّلائلِ ﴿بَلْ إِن يَعِدُ الظالمون بَعْضُهُم بَعْضاً إِلَاّ غُرُوراً﴾ لمَّا نَفَى أنواعَ الحُججِ في ذلك أضربَ عنه بذكرِ ما حملَهم عليه وهو تغريرٌ الأسلافِ للأخلافِ وإضلالُ الرُّؤساءِ للأتباعِ بأنَّهم شفعاءُ عند الله يشفعُون لهم بالتَّقريبِ إليه

стр. 5561

فاطر

стр. 5562

٤١ - ٤٤ ﴿إن الله يمسك السماوات والارض أَن تَزُولَا﴾ استئنافٌ مسوقٌ لبيانِ غايةِ قُبحِ الشرك وهو له أي يمسكها كراهةَ زوالِهما أو يمنعهما أنْ تزولا لأنَّ الإمساك منع ﴿وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا﴾ أي مَا أمسكهما ﴿مِنْ أَحَدٍ مِن بَعْدِهِ﴾ من بعدِ إمساكِه تعالى أو من بعدِ الزَّوالِ والجملةُ سادَّةٌ مسدَّ الجوابينِ ومن الأولى مزيدة لتأكيد العُمومِ والثَّانيةُ للابتداءِ ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ غيرَ معاجلٍ بالعقوبةِ التي تستوجبُها جناياتُهم حيثُ أمسكَهما وكانتا جديرتينِ بأنْ تهدّا هداً حسبما قال تعالى تَكَادُ السموات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الارض وقُرىء ولو زَالَتا

стр. 5563

﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الامم﴾ بلغ قُريشاً قبل مبعثِ رسول الله ﷺ أنَّ أهلَ الكتابِ كذَّبوا رسلَهم فقالُوا لعنَ الله اليَّهودَ والنَّصارَى أتتُهم الرُّسلُ فكذبوهم فو الله لئن أتانا رسولٌ لنكونَّن أهدى من إحدى الامم اليَّهودِ والنَّصارَى وغيرِهم أو من الأمَّةِ التي يُقال لها إِحدى الأممِ تفضيلاً لها على غيرِها في الهُدَى والاستقامةِ ﴿فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ﴾ وأيُّ نذير أشرفُ الرسلُ عليهم الصلاة والسلام ﴿مَّا زَادَهُمْ﴾ أي النَّذيرُ أو مجيئةُ ﴿إِلَاّ نُفُورًا﴾ تُباعداً عن الحقِّ

стр. 5564

﴿استكبارا فِى الارض﴾ بدلٌ من نفورا او مفعول له ﴿ومكر السيء﴾ أصلُه وإنْ مكرُوا السَّيءَ أيَّ المكرَ السَّىءَ ثم ومكرا السيء ثم ومكرو السيء وقرىء بسكونِ الهمزةِ في الوصلِ ولعلَّه اختلاسٌ ظن سكوتا وقفةٌ خفيفةٌ وقرىء مكراً سيِّئاً ﴿وَلَا يَحِيقُ المكر السيء إِلَاّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ﴾ أي ما ينتظرونَ ﴿إِلا سُنَّةَ آلاْوَّلِينَ﴾ أي سُنَّة الله فيهم بتعذيبِ مكذِّبيهم ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً﴾ بأنْ يضع موضعَ العذابِ غيرَ العذابِ ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَحْوِيلاً﴾ بأنْ ينقله من المكذِّبين إلى غيرِهم والفاءُ لتعليلِ ما يُفيدُه الحكمُ بانتظارِهم العذابَ من مجيئهِ ونفيُ وجدانِ التَّبديلِ والتَّحويلِ عبارةٌ عن نفي وجودهما بالطَّريقِ البُرهانِّي وتخصيصُ كلَ منُهما بنفيٍ مستقلَ لتأكيدِ انتفائهما

стр. 5565

﴿أو لم يَسِيرُواْ فِى الارض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ استشهاد على ما قبلَه من جريانِ سُنَّتِه تعالى على تعذيبِ المكذبين بما يشاهدونه

стр. 5566

فاطر ٤٥ في مسايرِهم إلى الشَّامِ واليمنِ والعراقِ من آثار دمار الأممِ الماضيةِ العاتيةِ والهمزة للانكار والنفي الواو للعطفِ على مقدَّرٍ يليقُ بالمقامِ أي أقعدُوا في مساكنِهم ولم يَسِيرُواْ فِى الارض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين من قبلهم ﴿وَكَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ وأطولَ أعماراً فما نفعُهم طولُ المَدَى وما أغنَى عنهم شدَّةُ القُوى ومحلُ الجملةِ النصبُ على الحالية وقوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُعْجِزَهُ مِن شَىْء﴾ أي ليسبقه ويفوته ﴿في السماوات وَلَا فِى الارض﴾ اعتراضٌ مقررٌ لما يُفهم مَّما قبله من استئصالِ الأممِ السَّالفةِ وقولُه تعالىَ ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ أي مُبالغاً في العلمِ والقُدرةِ ولذلك علمَ بجميعِ أعمالِهم السَّيئةِ فعاقبَهم بموجبِها تعليل لذلك

стр. 5567

﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس﴾ جميعاً ﴿بِمَا كَسَبُواْ﴾ من السَّيئاتِ كما فُعل بأولئكَ ﴿مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا﴾ أي على ظهرِ الأرضِ ﴿مِن دَابَّةٍ﴾ من نسمةٍ تدُبُّ عليها من بني آدمَ وقيل ومن غيرِهم أيضاً من شؤمِ معاصِيهم وهو المرويُّ عن ابن مسعود وانس ﵄ ويعضُد الأولَ قولُه تعالى ﴿ولكن يُؤَخِرُهُمْ إلى أَجَلٍ مسمى﴾ وهو يومُ القيامةِ ﴿فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ الله كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً﴾ فيجازيهم عندَ ذلك بأعمالِهم إنْ خيراً فخيرٌ وإنْ شرَّاً فشرٌّ عنِ النبيِّ ﷺ مَن قرأَ سورةَ الملائكةِ دعتْهُ ثمانيةُ أبوابِ الجنَّةِ أنِ ادخلْ من أيِّ بابٍ شئتَ والله تعالَى أعلم

стр. 5568

سورة يس ١ ٣ سورة يس مكية وعنه ﷺ تدعى المعمة تعم صاحبها خير الدارين والدافعة والقاضية تدفع عنه كل سوء وتقضى له كل حاجة وآياتها ثلاث وثمانون ﴿بِسْمِ الله الرحمن الرحيم﴾

стр. 5569

﴿يس﴾ إمَّا مسرودٌ على نمطِ التَعديدِ فلا حظَّ له من الإعرابِ أو اسم السورة كما نصَّ عليه الخليلُ وسيبويةِ وعليه الأكثرِ فمحلُّه الرفعُ على أنَّه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أو النَّصبُ على أنه مفعول لفعل مضمرٍ وعليهما مدارُ قراءةِ يس بالرَّفع والنَّصبِ أي هَذه يس او اقرا يس ولا مَساغَ للنَّصب بإضمارِ فعلِ القسمِ لأنَّ ما بعدَهُ مُقسمٌ بِه وقد ابو الجمعَ بين قَسَمين على شيءٍ واحدٍ قبل انقضاءِ الأوَّلِ ولا مجالَ للعطفِ لاختلافِهما إعراباً وقيل هو مجرورٌ بإضمارِ باءِ القسمِ مفتوحٌ لكونِه غيرَ منصرفٍ كما سلف في فاتحةِ سُورة البقرةِ من أنَّ ما كانتْ من هذه الفواتحِ مفردة مثلَ صاد وقاف ونون أو كانت موازنةً لمفردٍ نحوِ طس ويس وحم الموازنةِ لقابيلَ وهابيلَ يتأتَّى فيها الإعرابُ اللفظيُ ذكره سيبويه في بابِ أسماءِ السُّورِ من كتابِه وقيل هُما حركتا بناءٍ كما في حيثُ وأينَ حسَبما يشهدُ بذلك قراءة يس بالكسر كجَيْرِ وقيل الفتحُ والكسرُ تحريكٌ للجِدِّ في الهربِ من التقاءِ السَّاكنينِ وعن ابن عباس ﵄ أنَّ معناه يا إنسانُ في لغةِ طَيءٍ قالُوا المرادُ به رسولُ الله ﷺ ولعلَّ أصلَه يا أُنيسين فاقتُصر على شطرِه كما قيل مَنُ الله في ايمن الله

стр. 5570

﴿والقرآن﴾ بالجر على أنه مقسم به ابتداءً وقد جُوِّز أنْ يكونَ عطفاً على يس على تقدير كونه مجرورا بإضمارِ باءِ القسمِ ﴿الحكيم﴾ أي المتضمِّنِ للحكمةِ أو النَّاطقِ بها بطريقِ الاستعارةِ أو المتَّصفِ بها على الإسنادِ المجازيِّ وقد جُوِّز أنْ يكونَ الأصلُ الحكيمُ قائلُه فحذُف المضافُ وأُقيم المضافُ إليه مُقامَه فبانقلابِه مرفوعاً بعد الجرِّ استكنَّ في الصِّفةِ المُشبَّهةِ كما مرَّ في صدرِ سُورة لُقمانَ
следующие страницы →