Полный текст (8 642 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
١٥ - آل عمران
سبعون ألفاً وقيل أربعون ألفَ مثقالٍ وقيل ثمانون ألفاً وقيل مائةُ رِطل وقيل ألفٌ ومِائتَا مثقالٍ وقيل ألفا دينار وقيل مائة من ومائة رطل ومائة مثقال ومائة درهم وقيل ديةُ النفس واختلف في أن وزنه فعلال أو فنعال ولفظ المقنطرة مأخود منه للتأكيد كقولهم بَدْرةٌ مُبدَرة وقيل المقنطرة المحْكمة المحْصنة وقيل الكثيرة المُنضّدة بعضُها على بعض أو المدفونه وقيل المضروبة المنقوشة
﴿مِنَ الذهب والفضة﴾ بيان للقناطير أو حال
﴿والخيل﴾ عطف على القناطير قيل هي جمع لا واحد له من لفظه كالقوم والرهط الواحد فرس وقيل واحدُه خائل وهو مشتق من الخُيلاء
﴿المسومة﴾ أي المُعْلمة منَ السُّومةِ وهيَ العلامةُ أو المرْعيّة من أسام الدابة وسوَّمها إذا أرسلها وسيَّبها للرعي أو المُطَهّمة التامةُ الخَلقْ
﴿والانعام﴾ أي الإبل والبقر والغنم
﴿والحرث﴾ أي الزرع مصدر بمعنى المفعول
﴿ذلك﴾ أي ما ذكر من الأشياء المعهودة
﴿مَّتَاعَ الحياة الدنيا﴾ أيْ ما يتمتعُ بهِ في الحياةِ الدنيا أياماً قلائلَ فتفنى سريعاً
﴿والله عِندَهُ حُسْنُ المأب﴾ حسنُ المرجِع وفيه دلالةٌ على أن ليس فيما عُدّد عاقبةٌ حميدة وفي تكرير الإسناد بجعل الجلالة مبتدأ وإسنادِ الجملة الظرفية إليه زيادةُ تأكيدٍ وتفخيم ومزيدُ اعتناء بالترغيب فيما عند الله من النعم المقيم والتزهيدُ في ملاذّ الدنيا وطيباتها الفانية
стр. 597
﴿قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم﴾ إثرَ ما بيّن شأنَ مُزخْرَفات الدنيا وذكر ما عنده تعالى من حسن المآب إجمالاً أمر النبيِّ ﷺ بتفاصيل ذلك المُجمل للناس مبالغةً في الترغيب والخطابُ للجميع والهمزةُ للتقرير أي أأخبرُكم بما هو خير مما فُصّل من تلك المستلذات المزينة لكم وإبهام الخير لتفخيم شأنِه والتشويق إليه وقوله تعالى
﴿لِلَّذِينَ اتقوا عِندَ رَبّهِمْ جنات﴾ استئنافٌ مبين لذلك المبْهم على أن جنات مبتدأ والجارّ والمجرور خبر أو على أن جناتٌ مرتفعٌ به على الفاعليةِ عند من لايشترط في ذلك اعتمادَ الجار على ما فصل في محله والمراد بالتقوى هو التبتُل إلى الله تعالى والإعراضُ عما سواه على ما تنبىء عنه النعوتُ الآتيةُ وتعليقُ حصولِ الجنات وما بعدها من فنون الخيراتِ به للترغيب في تحصيله والثبات عليه وعند نصب على الحالية من جنات أو متعلقٌ بما تعلقَ بهِ الجارِّ من معنى الاستقرارِ مفيد لكمال علو رتبة الجنات وسمو طبقتها والتعرضُ لعنوانِ الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضمير المتقين لإظهار مزيد اللطفِ بهم وقيل اللامُ متعلقة بخير وكذا الظرفُ وجنات خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ والجملةُ مبينة لخير ويؤيده قراءة جناتٍ بالجر على البدلية من خير ولا يخفى أن تعليق الإخبار والبيان بما هو خير لطائفة رُبَّما يُوهم أنَّ هناك خيراً آخرَ لآخَرين
﴿تَجْرِى﴾ في محل الرفع والجر صفةٌ لجنات على حسب القراءتين
﴿مِن تَحْتِهَا الانهار﴾ متعلق بتجري فإن أريد بالجنات نفسُ الأشجار كما هو الظاهر فجريانُها من تحتها ظاهرٌ وإنْ أُريدَ بها مجموعُ الأرضِ والأشجار فهو باعتبار جزئها الظاهر كما مر تفصيلُه مراراً
﴿خالدين فِيهَا﴾ حالٌ مقدرةٌ من المستكن في لِلَّذِينَ والعاملُ ما فيه من معنى الاستقرار
﴿وأزواج مُّطَهَّرَةٌ﴾ عطفٌ على جناتٍ أي مبرأة مما يستقذر من النساء من
стр. 598
١٦ - ١٧ ١٨ آل عمران
الأحوال البدنية والطبيعية
﴿وَرِضْوَانٍ﴾ التنوينُ للتفخيم وقولُه تعالى
﴿مِنَ الله﴾ متعلق بمحذوف وقع صفة له مؤكدة لما أفادَه التنوينُ من الفخامة أيْ رضوانٌ وأيُّ رضوان لايقادر قدره كائن من الله وقرئ بضم الراء
﴿والله بَصِيرٌ بالعباد﴾ وبأعمالهم فيثيبُ ويعاقب حسبما يليق بها أو بصير بأحوال الذين اتقَوْا ولذلك أعد لهم ما ذكر وفيه إشعار بأنهم المستحقون للتسمية باسم العبد
стр. 599
﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمنا﴾ في محلِ الرفعِ على أنه خبر مبتدأ محذوف كأنه قيل مَنْ أولئك المتقون الفائزون بهذه الكرامات السنية فقيل هم الذين الخ أو النصبِ على المدحِ أو الجرُّ عَلى أنَّه تابعٌ للمتقين نعتاً أو بدلاً أو للعباد كذلك والأول أظهر وقوله تعالى ﴿والله بَصِيرٌ بالعباد﴾ حينئذ معترضةٌ وتأكيد الجملة لإظهار أن إيمانهم ناشئ من وفور الرغبة وكمال النشاط وفي ترتيب الدعاء بقولهم
﴿فاغفر لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النار﴾ على مجرد الإيمان دَلالةٌ على كفايته في استحقاق المغفرة والوقاية من النار
стр. 600
﴿الصابرين﴾ هو على تقدير كون الموصول في محل الرفع منصوبٌ على المدح بإضمار أعنى وأما تقدير كونه في محل النصبِ أو الجر فهو نعت له والمراد بالصبر هو الصبر على مشاقّ الطاعات وعلى البأساء والضراء وحين البأس
﴿والصادقين﴾ في أقوالهم ونياتهم وعزائمِهم
﴿والقانتين﴾ المداومين على الطاعات المواظبين على العبادات
﴿والمنفقين﴾ أموالهم في سبيلِ الله تعالى
﴿والمستغفرين بالاسحار﴾ قال مجاهد وقتادة والكلبي أي المصلين بالأسحار وعن زيد بن أسلَمَ هم الذين يصلون الصبحَ في جماعة وقال الحسن مدُّوا الصلاة إلى السحر ثم استغفروا وقال نافع كان ابن عمرَ ﵁ يحيي الليلة ثم يقول يا نافع أسْحَرْنا فأقول لا فيعاود الصلاة فإذا قلت نعم قعد يستغفر الله ويدعو حتى يصبح وعن الحسن كانوا يصلون في أول الليل حتى إذا كان السحر أخذوا في الدعاء والاستغفار وتخصيصُ الأسحار بالاستغفار لأن الدعاء فيها أقربُ إلى الإجابة إذ العبادة حينئذ أشق والنفسُ أصفى والروح أجمعُ لاسيما للمجتهدين وتوسيط الواو بين الصفات المعدودة للدلالة على استقلالِ كلِّ منها وكما لهم فيها أو لتغايُر الموصوفين بها
стр. 601
﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ﴾ بفتح الهمزة أي بأنه أو على أَنَّهُ
﴿لَا إله إِلَاّ هُوَ﴾ أي بيّنَ وحدانيتَه بنصب الدلائل التكوينية في الآفاق والأنفس وإنزالِ الآيات التشريعية الناطقة بذلك عبر عنه بالشهادة على طريقة الاستعارة إيذاناً بقوته في إثبات المطلوبِ وإشعاراً بإنكار المنكر وقرئ إنه بكسر الهمزة إما بإجراء شَهِدَ مُجرى قال وإما بجعل الجملة اعتراضاً وإيقاعِ الفعل على قوله تعالى إِنَّ الدّينَ الخ على قراءة أن بفتح الهمزة كما سيأتى وقرئ شهداءٌ لله بالنصب على أنه
стр. 602
حال من المذكورين أو على المدح وبالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ومآله الرفع على المدح أي هم شهداء لله وهو إما جمع شهيد كظرفاء في جمع ظريف أو جمع شاهد كشعراء في جمع شاعر
﴿والملائكة﴾ عطف على الاسم الجليل بحمل الشهادة على معنىً مجازيّ شامل للإقرار والإيمان بطريق عموم المجاز أي أقروا بذلك
﴿وَأُوْلُو العلم﴾ أي آمنوا به واحتجوا عليه بما ذكر من الأدلة التكوينية والتشريعية قيل المراد بهم الأنبياء عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ وقيلَ المهاجرون والأنصار وقيل علماء مؤمني أهلِ الكتابِ كعبدِ اللَّه بن سلام وأضرابِه وقيل جميعُ علماء المؤمنين الذين عرفوا وحدانيته تعالى بالدلائل القاطعة وارتفاعُهما على القراءتين الأخيرتين قيل بالعطف على الضمير في شهداء لوقوع الفصل بينهما وأنتُ خبيرٌ بأنَّ ذلكَ على قراءة النصبِ على الحالية يؤدي إلى تقييد حالِ المذكورين بشهادة الملائكة وأولي العلم وليس فيه كثيرُ فائدةٍ فالوجه كونُ ارتفاعِهما بالابتداء والخبرُ محذوفٌ لدلالةِ الكلامِ عليهِ أي والملائكة وأو لو العلم شهداء بذلك ولك أن تحمل القراءتين على المدح نصباً ورفعاً فحينئذ يحسُن العطفُ على المستتر على كل حال وقوله تعالى
﴿قَائِمَاً بالقسط﴾ أي مقيماً للعدل في جميع أمورِه بيان لكماله تعالى في أفعاله إثرَ بيانِ كماله في ذاته وانتصابُه عَلى الحاليةِ من الله كما في قولِه تعالى وَهُوَ الحق مُصَدّقًا وإنما جاز إفرادُه مع عدم جواز جاء زيد وعمرو راكباً لعدم اللَّبس كقوله تعالى ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ ولعل تأخيرَه عن المعطوفين للدَلالة على علو رتبتهما وقُرب منزلتهما والمسارعةِ إلى إقامة شهودِ التوحيد اعتناءً بشأنه ورفعاً لمحله والسرُّ في تقديمه على المعطوفين مع ما فيه من الإيذان بأصالته تعالى في الشهادة به كما مرَّ في قوله تعالى ﴿آمَنَ الرسول بِمَا أُنزِلَ إليه من ربه﴾ أو مِنْ هُوَ وهو الأوجه والعامل فيها معنى الجملة أي تفردا وأحقه لأنها حال مؤكدة أو على المدح وقيلَ على أنه صفة للمنفي أي لا إله قائماً الخ والفصل بينهما من قبيل توسعاتهم وهو مندرج في المشهود به إذا جعل صفة أو حالاً من الضمير أو نصباً على المدح منه وقرئ القائمُ بالقسط على البدلية من هُوَ فيلزم الفصلُ بينهما كما في الصفة أو على أنَّه خبرٌ لمبتدأ محذوف وقرئ قيّماً بالقسط
﴿لا إله إِلَاّ هُوَ﴾ تكريرٌ للتأكيد ومزيدِ الاعتناء بمعرفة أدلةِ التوحيد والحُكم به بعد إقامة الحجةِ وليجرِيَ عليه قوله تعالى
﴿العزيز الحكيم﴾ فيُعلمَ أنه المنعوتُ بهما ووجه الترتيب تقدمُ العلمِ بقدرته على العلم بحكمته تعالى ورفعُهما على البدليَّةِ من الضَّميرِ أو الوصفية لفاعل شهد أو الخبرية لمبتدأ مُضمَر وقد روي في فضلها أنه ﵇ قال يُجاء بصاحبها يومَ القيامة فيقول الله إن لعبدي هذا عندي عهداً وأنا أحقُّ من وفى بالعهد أدخلوا عبدي الجنة وهو دليل على فضل علم أصولِ الدين وشرفِ أهله وروي عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ أنه كان حول البيت ثلثُمائة وستون صنماً فلما نزلت هذه الآية الكريمة خرَرْنَ سُجّداً وقيل نزلت في نصارى نَجرانَ وقال الكلبي قدم النبيِّ ﷺ حَبرانِ من أحبار الشام فلما أبصر المدينة قال أحدهما ماأشبه هذه المدينةَ بصفة مدينة النبي الذي يخرُج في آخرِ الزمانِ فلما دخلا عليه ﵇ عرفاه بالصفة فقالا له ﵇ أنت محمد قال ﷺ نعم قالا وأنت أحمدُ قال ﵇ أنا محمدٌ وأحمد قالا فإنا نسألك عن شئ فإن أخبرتنا به آمنا بك وصدقناك قال ﵇ سلا فقالا أخبِرْنا عن أعظم شهادةٍ في كتاب الله فأنزل
стр. 603
١٩ - ٢٠ آل عمران الله تعالى هذه الآية الكريمة فأسلم الرجلان
стр. 604
﴿أن الدين عِندَ الله الإسلام﴾ جملةٌ مستأنفة مؤكدةٌ
للأولى أي لا دينَ مرضياً لله تعالى سوى الإسلام الذي هو التوحيدُ والتدرُّع بالشريعة الشريفة وعن قتادة أنه شهادةُ أَن لَاّ إلَه إِلَاّ الله والإقرارُ بما جاء من عند الله تعالى وقرئ إن الدين عند الله للإسلام وقرئ إن الدين الخ على أنه بدل من أنه بدلُ الكل إن فُسر الإسلامُ بالإيمان أو بما يتضمنه وبدلُ الاشتمال إن فسر بالشريعة أو على أن شهد واقعٌ عليه على تقديرُ قراءةِ إنه بالكسر كما أشير إليه
﴿وَمَا اختلف الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ نزلت في اليهود والنصارى حين تركوا الإسلامَ الذي جاء به النبيُّ ﷺ وأنكروا نبوّته والتعبيرُ عنهم بالموصول وجعْلُ إيتاءِ الكتاب صلة له لزيادة تقبيحِ حالهم فإن الاختلاف ممن أوتي ما يزيلُه ويقطع شأفته في غاية القبح والسماحة وقوله تعالى
﴿إِلَاّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم﴾ استثناء مفرغ من أعم الأحوال أو أعمِّ الأوقاتِ أيْ وما اختلفوا في حالٍ من الأحوالِ أو في وقتٍ من الأوقات إلا بعد أن علموا بأنه الحقُّ الذي لا محيدَ عنه أو بعد أن علموا حقيقةَ الأمرِ وتمكّنوا من العلم بها بالحُجج النيّرة والآيات الباهرةِ وفيه من الدلالة على ترامي حالِهم في الضلالة ما لا مزيدَ عليه فإن الاختلافَ بعد حصول تلك المرتبه قما لا يصدُر عن العاقل وقوله تعالى
﴿بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ أي حسداً كائناً بينهم وطلباً للرياسة لا لشبهة وخفاءٍ في الأمر تشنيعٌ
﴿وَمَن يَكْفُرْ بآيات الله﴾ أي بآياته الناطقةِ بما ذُكر من أن الدينَ عند الله تعالى هو الإسلامُ ولم يعمَلْ بمقتضاها أو بأية آيةٍ كانت من آياتِه تعالى على أن يدخل فيها ما نحن فيه دخولاً أولياً
﴿فَإِنَّ الله سَرِيعُ الحساب﴾ قائمٌ مقامَ جوابِ الشرطِ علةٌ له أي ومن يكفر بآياته تعالى يجازيه ويعاقبه عن قريب فإنه سريعُ الحساب أي يأتي حسابُه عن قريب أو يتم ذلك يسرعة وإظهار الجلالة لتربية المهابة وإدخالِ الروعة وفي ترتيب العقاب على مطلق الكفرِ بآياته تعالى من غيرِ تعرضٍ لخصوصية حالِهم من كون كفرِهم بعد إيتاء الكتاب وحصولِ الاطلاع على ما فيه وكونِ ذلك للبغي دلالةٌ على كمال شدة عقابهم
стр. 605
﴿فَإنْ حَاجُّوكَ﴾ أي في كون الدين عند الله الإسلامَ أو جادلوك فيه بعد ما أقمتَ عليهم الحجج
﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ﴾ أي أخلصتُ نفسي وقلبي وجملتي وإنما عبر عنها بالوجه لأنه أشرف الأعضاء الظاهرة ومظهرُ القُوى والمشاعر ومجمع معظم ما يقع به العبادةُ من السجودِ والقراءة وبه يحصل التوجُّه إلى كل شيء
﴿لِلَّهِ﴾ لا أشرك به فيها غيرَه وهو الدينُ القويم الذي قامت عليه الحججُ ودعت إليه الآياتُ والرسلُ ﵈
﴿وَمَنِ اتبعن﴾ عطفٌ على المتصل في أسلمتُ وحسُن ذلك لمكان الفصل الجارى
стр. 606
٢١ - آل عمران
مجرى التأكيد بالمنفصل أي وأسلم من اتبعني أو مفعول معه
﴿وَقُلْ لّلَّذِينَ أُوتُواْ الكتاب﴾ أي من اليهود والنصارى وُضِع الموصولُ موضعَ الضمير لرعاية التقابل بين وصفي المتعاطِفَيْن
﴿والاميين﴾ أي الذين لا كتابَ لهم من مشركي العرب
﴿أأسلمتم﴾ متّبعين لي كما فعل المؤمنون فإنه قد أتاكم من البينات ما يوجبه ويقتضيه لا محالة فهل أسلمتم وعملتم بقضيتها أو أنتم على كفركم بعدُ كما يقول من لخّص لصاحبه المسألة ولم يدَعْ من طرق التوضيح والبيان مسلكا ألاسلكه فهل فهِمتها على منهاج قوله تعالى ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾ إثرَ تفصيلِ الصوارفِ عن تعاطي الخمر والميسِر وفيه من استقصارهم وتعييرهم بالمعاندة وقلةِ الإنصافِ وتوبيخِهم بالبلادة وكلة القريحة مالا يخفى
﴿فَإِنْ أَسْلَمُواْ﴾ أي كما أسلمتم وإنما لم يصرح به كما في قوله تعالى ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم بِهِ﴾ حسماً لباب إطلاق اسم الإسلام على شئ آخر بالكلية
﴿فَقَدِ اهتدوا﴾ أي فازوا بالحظ الأوفر ونجَوْا عن مهاوي الضلال
﴿وَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ أي أعرضوا عن الاتباع وقَبول الإسلام
﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ﴾ قائم مقامَ الجواب أي لم يضرّوك شيئاً إذْ ما عَلَيْكَ إِلَاّ البلاغُ وقد فعلت على أبلغِ وجه رُوي أنَّ رسولَ الله ﷺ لما قرأ هذه الآيةَ على أهل الكتاب قالوا أسلمنا فقال ﵇ لليهود أتشهدون أن عيسى كلمةُ الله وعبدُه ورسولُه فقالوا معاذ الله وقالَ ﵊ للنصارى أتشهدون أن عيسى عبدُ الله ورسولُه فقالوا معاذ الله أن يكون عيسى عبداً وذلك قولُه وَإِن تَوَلَّوْاْ
﴿والله بَصِيرٌ بالعباد﴾ عالم بجميع أحوالهم وهو تذييل فيه وعد ووعيد
стр. 607
﴿إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بآيات الله﴾ أيَّ آيةٍ كانت فيدخُل فيهم الكافرون بالآيات الناطقةِ بحقية الإسلام على الوجه الذي مر تفصيلُه دخولاً أولياً
﴿وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ حَقّ﴾ هم أهلُ الكتاب قتل أوّلوهم الأنبياءَ ﵈ وقتلو أتباعَهم وهم راضون بما فعلوا وكانوا قاتلهم الله تعالى حائمين حول قتلِ النبيِّ ﷺ لولا أن عصَم الله تعالى ساحتَه المنيعة وقد أُشير إليه بصيغة الاستقبال وقرئ بالتشديد للتكثير والتقييدُ بغير حق للإيذان بأنه كان عندهم أيضاً بغير حق
﴿وَيَقْتُلُونَ الذين يَأْمُرُونَ بالقسط مِنَ الناس﴾ أي بالعدل ولعل تكريرَ الفعل للإشعار بما بين القتلين من التفاوت أو باختلافها في الوقت عن أبي عبيدة بن الجراح قلتُ يا رسولَ الله أي الناسِ أشدُّ عذاباً يوم القيامة قال رجل قتل نبياً أو رجلاً أمر بمعروف ونهى عن المنكر ثم قرأها ثم قال يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيلَ ثلاثةً وأربعين نبي من أول النهار في ساعة واحدة فقام مائةٌ واثنا عشرَ رجلاً من عبّاد بني إسرائيل فأمروا قَتلَتهم بالمعروف ونهَوْهم عن المنكر فقُتلوا جميعاً من آخر النهار وقرئ ويقاتلون الذين
﴿فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ خبرٌ إن والفاء لتضمن اسمها معنى الشرط فإنها بالنسخ لاتغير معنى الابتداء بل تزيده تأكيداً وكذا الحال في النسخ بأن المفتوحة كما في قوله تعالى واعلموا إنما غنمتم من شئ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وكذا النسخ بلكن كما في قوله تعالى واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَىْء فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وكذا النسخ بلكن كما في قوله فو الله ما فارقتُكم عن ملالة ... ولكنّ ما يقضى فسوف يكون ... وإنما يتغير معنى الابتداء
стр. 608
٢٢ - ٢٣ آل عمران
في النسخ بليت ولعل وقد ذهب سيبويه والأخفش إلى منع دخول الفاء عند النسخ مطلقاً فالخبر عندهما قولِه تعالى
стр. 609
﴿أُولَئِكَ الذين حَبِطَتْ أعمالهم فِي الدنيا والآخرة﴾ كما في قولك الشيطانُ فاحذر عدوٌ مبين وعلى الأول هو استئناف واسم الإشارة مبتدأٌ وما فيهِ من معنى البعد للدلالة على تَرامي أمرهِم في الضلال وبُعد منزلتهم في فظاعة الحال والموصولُ بما في حيز صلته خبرُه أي أولئك المتصفون بتلك الصفات القبيحة أو المبتلون بأسوأ الحال الذين بطلت أعمالُهم التي عمِلوها من البر والحسنات ولم يبق لها أثر في الدارين بل بقي لهم اللعنة والخزيُ في الدنيا وعذاب أليم في الآخرة
﴿وَمَا لَهُم مِن ناصرين﴾ ينصرونهم من بأس الله وعذابِه في إحدى الدارين وصيغةُ الجميع لرعاية ما وقع في مقابلته لا لنفي تعددِ الأنصار من كل واحدٍ منهم كما في قوله تعالى ﴿وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ﴾
стр. 610
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تعجيبٌ لرسول الله ﷺ أو لكلِّ مَنْ يتأتَّى منْهُ الرؤيةُ من حال أهل الكتاب وسوءِ صنيعِهم وتقريرٌ لما سبقَ من أن اختلافهم في الإسلام إنما كان بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم بحقيقة أيْ ألمْ تنظرُ
﴿إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ الكتاب﴾ أي التوراةِ على أن اللامَ للعَهدْ وحملُه على جنس الكتبِ الإلهية تطويلٌ للمسافة إذ تمامُ التقريب حينئذ بكون التوراة من جملتها لأن مدار التشنيع والتعجيب إنما هو إعراضُهم عن المحاكمة إلى ما دُعوا إليه وهم لم يُدْعَوا إلا إلى التوراة والمرادُ بما أوتوه منها ما بُيِّن لهم فيها من العلوم والأحكام التي من جملتها ما علموه من نعوت النبيِّ ﷺ وحقية الإسلام والتعبير عنه بالنصيب للإشعار بكمال اختصاصِه بهم وكونِه حقاً من حقوقهم التي يجب مراعاتها والعملُ بموجبها وما فيه من التنكير للتفخيم وحملُه على التحقير لا يساعده مقامُ المبالغة في تقبيح حالِهم
﴿يُدْعَوْنَ إلى كتاب الله﴾ الذي أوتوا نصيباً منه وهو التوراة والإظهارُ في مقامِ الإضمارِ لإيجاب الإجابة وإضافتُه إلى الاسمِ الجليلِ لتشريفه وتأكيدِ وجوب المراجعةِ إليه والجملةُ استئنافٌ مبيِّنٌ لمحل التعجيب مبني على سؤال نشأ من صدر الكلام كأنه قيل ماذا يصنعون حتى ينظر إليهم فقيل يُدعون إلى كتابَ اللَّهِ تَعَالَى وَقيلَ حالٌ منْ الموصول
﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ وذلكَ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ دخل مدارسهم فدعاهم إلى الإيمان فقال له نعيمُ بن عمرو والحرث بن زيد على أيّ دين أنت قال ﵊ على ملة إبراهيم قالا إن إبراهيمَ كان يهودياً فقال ﷺ لهما إن بيننا وبينكم التوراةَ فهلُمّوا إليها فأبيا وقيل نزلت في الرجم وقد اختلفوا فيه وقيل كتاب الله القرآنُ فإنهم قد علموا أنه كتابُ الله ولم يشكوا فيه وقرئ ليُحكَم على بناء المجهول فيكون الاختلافُ بينهم بأن أسلم بعضُهم كعبدِ اللَّه بنِ سَلَام وأضرابه وعاداهم الآخرون
﴿ثُمَّ يتولى فَرِيقٌ مّنْهُمْ﴾ استبعاد لتولّيهم بعد علمِهم بوجوب الرجوع إليه
﴿وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ إما حالٌ من فَرِيقٌ لتخصصه بالصفة أي يتولون من المجلس وهم معرضون بقلوبهم أو اعتراضٌ أي وهم قوم ديدنُهم الإعراضُ عن الحق والاصرار على الباطل
стр. 611
٢٤ - ٢٥ ٢٦
آل عمران
стр. 612
﴿ذلك﴾ إشارة إلى ما مر من التولي والإعراض وهو مبتدأٌ خبرُهُ قولُه تعالى
﴿بِأَنَّهُمْ﴾ أي حاصلٌ بسبب أنهم
﴿قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار﴾ باقتراف الذنوب وركوب المعاصي
﴿إِلا أَيَّامًا معدودات﴾ وهي مقدارُ عبادتهم العجلَ ورسَخ اعتقادُهم على ذلك وهونوا عليهم الخطوب
﴿وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ من قولهم ذلك وما أشبهه من قولهم إن آباءنا الأنبياءَ يشفعون لنا أو إن الله تعالى وعد يعقوب ﵇ ان لا يعذبَ أولادَه إلا تحِلّةَ القَسَم ولذلك ارتكبوا ما ارتكبوا من القبائح
стр. 613
﴿فَكَيْفَ﴾ ردٌّ لقولهم المذكور وابطال لما غرهم باستعظام ما سيد همهم وتهويلِ ما سيحيقُ بهم من الأهوال أي فكيف يكون حالُهم
﴿إِذَا جمعناهم لِيَوْمٍ﴾ أي لجزاءِ يوم
﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي في وقوعه ووقوعِ ما فيه روي أن أولَ رايةٍ ترفع يوم القيامة من رايات الكفر رايةُ اليهود فيفضحهم الله على رءوس الأشهاد ثم يأمر بهم إلى النار
﴿وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ﴾ أي جزاءَ ما كسبت من غير نقص أصلاً كما يزعُمون وإنما وُضِع المكسوبُ موضعَ جزائه للإيذان بكمال الاتصالِ والتلازم بينهما كأنهما شيء واحد وفيه دَلالة على أن العبادة لا تَحْبَط وأن المؤمن لا يخلّد في النار لأن توْفيةَ جزاءِ إيمانِه وعملِه لا تكون في النار ولا قبل دخولها فإذن هي بعد الخلاصِ منها
﴿وهم﴾ أي كل الناس المدلولِ عليهم بكلِّ نفسٍ
﴿لَا يُظْلَمُونَ﴾ بزيادة عذابٍ أو بنقص ثواب بل يصيب كلاً منهم مقدارُ ما كسبه
стр. 614
﴿قُلِ اللهم﴾ الميم عوضٌ عن حرف النداء ولذلك لا يجتمعان وهذا من خصائص الاسمِ الجليل كدخوله عليه مع حرف التعريفِ وقطعِ همزتِه ودخولِ تاء القسمِ عليه وقيل أصلُه يا ألله أُمَّنا بخير أي اقصدنا به فخُفف بحذف حرف النداء ومتعلقاتِ الفعل وهمزته
﴿مالك الملك﴾ أي مالك جنسِ المُلك على الإطلاق مُلكاً حقيقياً بحيث تتصرف فيه كيفما تشاء إيجاداً وإعداماً وإحياءً وإماتة وتعذيباً وإثابةً من غير مشارِك ولا ممانعٍ وهو نداءٌ ثانٍ عند سيبويه فإن الميم عنده تمنع الوصفية
﴿تُؤْتِى الملك﴾ بيان لبعض وجوه التصرفِ الذي تستدعيه مالكيةُ الملك وتحقيقٌ لاختصاصها به تعالى حقيقةً وكون مالكية غيرِه بطريق المجاز كما ينبئ عنه إيثارُ الإيتاءِ الذي هو مجردُ الإعطاء على التمليك المؤْذِن بثبوت المالكيةِ حقيقةً
﴿مَن تَشَاء﴾ أي إيتاءه إياه
﴿وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاء﴾ أي نزْعَه منه فالملكُ الأولُ حقيقي عام ومملوكيتُه حقيقية والآخرانِ مجازيان خاصان ونِسبتُهما إلى صاحبهما مجازية وقيل الملكُ الأول عام والآخرانِ بعضانِ منه فتأمل وقيل المراد بالملك النبوة ونزعُها نقلُها من قوم إلى آخرين
﴿وَتُعِزُّ مَن تَشَاء﴾ أن تُعِزَّه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما بالنصر والتوفيق
﴿وَتُذِلُّ مَن تَشَاء﴾ أن تُذِله في إحداهما أو فيهما من غير ممانعةٍ من الغير ولا مدافعة
﴿بِيَدِكَ الخير﴾ تعريفُ الخير للتعميم وتقديمُ الخبر للتخصيص أي بقدرتك الخيرُ كلُّه لا بقدرة احد غيرك تتصرف
стр. 615
٢٧ - آل عمران
فيه قبضاً وبسطاً حسبما تقتضيه مشيئتُك وتخصيصُ الخير بالذكر لما أنه مقضيٌّ بالذات وأما الشرُّ فمقضيٌّ بالعَرَض إذ ما من شر جزئي إلا وهو متضمِّنٌ لخير كلي أو لأن في حصول الشر دخْلاً لصاحبه في الجملة لأنه من أجزية أعماله وأما الخير ففضلٌ محضٌ أو لرعاية الأدب أو لأن الكلام فيه فإنه رُوِيَ أنَّ رسولَ الله ﷺ لما خط الخندق عام الأحزاب وقطع لكل عشرةٍ من أهل المدينة أربعين ذِراعاً وأخذوا يحفِرونه خرج من بطن الخندق صخرةٌ كالتل لم تعمَلْ فيها المعاوِلُ فوجهوا سلمانَ إِلى رسولِ الله ﷺ يُخبره فجاء ﵇ وأخذ منه المِعْول فضربها ضربة صدعَتْها وبرَقَ منها برقٌ أضاء ما بين لابتيها لكأن مِصباحاً في جوف بيت مظلم فكبر وكبر معه المسلمون وقال أضاءت لي منها قصورُ الحِيرة كأنها أنياب الكلاب ثم ضرب الثانية فقال أضاءت لي منها القصورُ الحُمْرُ من أرض الروم ثم ضرب الثالثة فقال أضاءت لي قصورُ صنعاء وأخبرني جبريلُ أن أمتي ظاهرةٌ على كلها فأبشروا فقال المنافقون ألا تعجبون يمينكم ويعِدُكم الباطلَ ويخبركم أنه يُبصر من يثربَ قصورَ الحِيرة ومدائن كسرى وأنها تُفتح لكم وأنتم إنما تحفِرون الخندقَ من الفرَق لا تستطيعون أن تبرُزوا فنزلت
﴿إِنَّكَ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ﴾ تعليل لما سبق وتحقيقٌ له
стр. 616
﴿تولج الليل فِى النهار﴾ أي تُدخِله فيه بتعقيبه إياه أو بنقص الأول وزيادةِ الثاني
﴿وتولج النهار في الليل﴾ على أحد الوجهين
﴿وَتُخْرِجُ الحى مِنَ الميت﴾ أي تنشئ الحيواناتِ من موادها أو من النطفة وقيل تخرِجُ المؤمنَ من الكافر
﴿وَتُخْرِجُ الميت مِنَ الحى﴾ أي تخرج النطفة من الحيوان وقيل تخرج الكافر من المؤمن
﴿وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال أبو العباس المَقَّرِي ورد لفظُ الحساب في القرآن على ثلاثة أوجهٍ بمعنى التعب قال تعالى ﴿وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ وبمعنى العدد قال تعالى ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ وبمعنى المطالبة قال تعالى ﴿فامنن أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ والباءُ متعلقةٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من فاعل ترزق أو من مفعوله وفيه دَلالةٌ على أن من قدر على أمثال هاتيك الأفاعيلِ العظامِ المحيِّرة للعقول والأفهام فقُدرته على أن ينزعَ الملكَ من العجم ويُذِلهم ويُؤتيَه العربَ ويُعِزَّهم أهونُ من كل هيّن عن عليَ ﵁ أنه قال قالَ رسولُ الله ﷺ إن فاتحة الكتاب وآيةَ الكرسيِّ وآيتين من آل عمران شهد الله أَنَّهُ لَا إله إِلا هو إلى قوله تعالى إِنَّ الدين عند الله الإسلام وقل اللهم مالك الملك إلى قوله بِغَيْرِ حِسَابٍ معلقاتٌ ما بينهن وبين الله تعالى حجابٌ قلن يا رب تُهبِطُنا إلى أرضك وإلى من يعصيك قال الله تعالى إني حلفت أنه لا يقرؤكُنّ أحدٌ دُبُرَ كُلِّ صلاةٍ إلا جعلتُ الجنّةَ مثواه على ما كان منه وأسكنتُه في حظيرة القدس ونظرت اليه بعيني كل يوم سبعين مرةً وقضيتُ له سبعين حاجة أدناها المغفرة وأعذتُه من كل عدو وحاسدٍ ونصرتُه عليهم وفي بعض الكتب أنا الله ملكُ الملوك قلوبُ الملوكِ ونواصِيهم بيدي فإنِ العبادُ أطاعوني جعلتهم لهم رحمة وإنِ العبادُ عصَوْني جعلتهم عليهم عقوبة فلا
стр. 617
٢٨ - ٢٩ آل عمران
تشتغلوا بسبِّ الملوك ولكن توبوا إليَّ أُعطِّفْهم عليكم وهو معنى قوله ﵇ كَما تَكُونُوا يُولَّ عَلَيْكُم
стр. 618
﴿لَاّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَاء﴾ نُهوا عن موالاتهم لقرابة أو صداقة جاهلية ونحوِهما من أسباب المصادقة والمعاشرة كما في قوله سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء﴾ وقولِه تعالى ﴿لَا تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَاء﴾ حتى لا يكونَ حبهم ولابغضهم إلا لله تعالى أو عن الاستعانة بهم في الغزو وسائر الأمور الدينية
﴿مِن دُونِ المؤمنين﴾ في موضع الحالِ أي متجاوزين المؤمنين إليهم استقلالاً أو اشتراكاً وفيه إشارةٌ إلى أنَّهم الأحقاءُ بالموالاة وأن في موالاتهم مندوحةً عن موالاة الكفرة
﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلك﴾ أي اتخاذَهم أولياءَ والتعبيرُ عنه بالفعل للاختصار أو لإيهام الاستهجان بذكره
﴿فَلَيْسَ مِنَ الله﴾ أي من ولايته تعالى
﴿فِي شَىْء﴾ يصِح أن يُطلق عليه اسمُ الولاية فإن موالاة المتعاديَيْن مما لا يكادُ يدخُل تحتَ الوقوع قال ... تودُّ عدوِّي ثم تزعُم أنني ... صديقُك ليس النَّوْكُ عنك بعازبِ ...
والجملة اعتراضية وقوله تعالى
﴿إَّلا أَن تَتَّقُواْ﴾ على صيغة الخطابِ بطريق الالتفاتِ استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم الأحوال والعامل فعل النهي معتبَراً فيه الخطابُ كأنه قيل لا تتخذوهم أولياءَ ظاهراً أو باطناً في حالٍ من الأحوالِ إلا حال اتقائكم
﴿مِنْهُمْ﴾ أي من جهتِهم
﴿تقاة﴾ أي انقاء أو شيئاً يجب اتقاؤه على أن المصدر واقعٌ موقعَ المفعول فإنه يجوز إظهارُ الموالاة حينئذ مع اطمئنان النفس بالعدواة والبغضاء وانتظار زوالِ المانع من قَشْر العصا وإظهار ما في الضمير كما قال عيسى ﵇ كن وسَطاً وامشِ جانباً وأصلُ تقاة وُقْيَةً ثم أبدلت الواو تاءً كتُخمة وتُهمة وقلبت الياء ألفاً وقرئ تُقْيةً
﴿وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ﴾ أي ذاتَه المقدسة فإن جواز إطلاقِ لفظِ النفسِ مراداً به الذاتُ عليه سبحانه بلا مشاكلة مما لا كلام فيه عند المتقدمين وقد صرح بعضُ محققي المتأخرين بعدم الجواز وإن أريد به الذات إلا مشاكلة وفيه من التَّهديدِ ما لا يخفى عُظْمُه وذكرُ النفس للإيذان بأن له عقاباً هائلاً لا يؤبه دونه بما يحذر من الكفرة
﴿وإلى الله المصير﴾ تذييلٌ مقرِّر لمضمونِ ما قبله ومحقق لوقوعه حتماً
стр. 619
﴿قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِى صُدُورِكُمْ﴾ من الضمائر التي من جملتها ولايةُ الكفرةِ
﴿أَوْ تُبْدُوهُ﴾ فيما بينكم
﴿يَعْلَمْهُ الله﴾ فيؤاخذْكم بذلك عند مصيرِكم إليه وتقديمُ الإخفاء على الإبداء قد مرَّ سرُّه في تفسيرِ قولِه تعالى ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ وقوله تعالى ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾
﴿وَيَعْلَمُ مَا فِى السماوات وَمَا فِي الارض﴾ كلامٌ مستأنفٌ غيرُ معطوفٍ على جواب الشرط وهو من باب إيرادِ العام بعد الخاص تأكيداً له وتقريراً
﴿والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ﴾ فيقدِرُ على عقوبتكم بما لا مزيدَ عليهِ إن لم تنتهوا عما نُهيتم عنه وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موضع الإضمار لتربية المهابةِ وتهويل
стр. 620
٣٠ - ٣١ آل عمران
الخطب وهو تذييلٌ لما قبله مبين لقوله تعالى وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ بأن ذاته المقدسةَ المتميزةَ عن سائر الذوات المتصفةَ بما لا يتصف به شئ منها من العلم الذاتي المتعلقِ بجميع المعلومات متصفةٌ بالقدرة الذاتية الشاملةِ لجميع المقدورات بحيث لا يخرُج من ملكوته شئ قطُّ
стр. 621
﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ أي من النفوس المكلفة
﴿مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا﴾ عندها بأمر الله تعالى وفيه من التهويل ما ليس في حاضراً
﴿وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوء﴾ عطف على مَّا عَمِلَتْ والإحضار معتبرٌ فيه أيضاً إلا أنه خُص بالذكر في الخير للإشعار بكون الخير مراداً بالذات وكونِ إحضارِ الشر من مقتضيات الحكمة التشريعية
﴿تَوَدُّ﴾ عامل في الظرف والمعنى تود وتتمنى يوم تجد صحائفَ أعمالُها من الخيرِ والشرِّ أو أجزِيتَها محْضَرة
﴿لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ﴾ أي بين ذلك اليوم
﴿أَمَدَا بَعِيدًا﴾ لغاية هولة وفي إسناد الودادة إلى كل نفس سواءٌ كان لها عمل سئ أو لا بل كانت متمحِّضةً في الخير من الدلالةِ عَلى كمالِ فظاعةِ ذلك اليوم وهول مطلعِه مالا يخفى اللهم إنا نعوذ بك من ذلكَ ويجوزُ أنْ يكون انتصابُ يومَ على المفعولية بإضمار اذكروا وتودّ إما حال من كل نفس أو استئنافٌ مبنيُّ على السؤال أي اذكروا يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ شر محضراً وادّةً أن بينها وبينه أمداً بعيداً أو كأن سائلاً قال حين أمروا بذكر ذلك اليوم فماذا يكون إذ ذاك فقيل تود لو أن بينها الخ أو تَجِدُ مقصورٌ على مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ وتود خبرُ ما عملت من سوء ولا تكون ما شرطية لارتفاع تود وقرئ ودّت فحينئذ يجوز كونُها شرطيةً لكن الحمل على الخبر أوقعُ معنىً لأنها حكايةُ حالً ماضية وأوفقُ للقراءة المشهورة
﴿وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ﴾ تكرير لما سبق وإعادة له لكن لا للتأكد فقط بل لإفادة ما يفيده قوله
﴿والله رؤوف بالعباد﴾ من أن تحذيرَه تعالى من رأفته بهم ورحمتِه الواسعةِ أو أن رأفته بهم لا تمنعُ تحقيق ما حذر هموه من عقابه وأن تحذيرَه ليس مبنياً على تناسي صفةِ الرأفة بل هو متحققٌ مع تحققها أيضاً كَما في قولِه تعالى ﴿يا أيها الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ الكريم﴾ فالجملة على الأول اعتراضٌ وعلى الثاني حال وتكرير الإسم الجليل لتربية المهابة
стр. 622
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعونى﴾ المحبة ميلُ النفس إلى الشئ لكمالٍ أدركتْه فيه بحيث يحملها على ما يقر بها إليه والعبدُ إذا علم أن الكمالَ الحقيقيَّ ليس إلا لله وأن كلَّ ما يراه كما لا من نفسه أو من غيره فهو من الله وبالله وإلى الله لم يكن حبُّه إلا لله وفي الله وذلك مقتضى إرادةِ طاعته والرغبةِ فيما يقرّبه إليه فلذلك فُسِّرت المحبةُ بإرادة الطاعة وجُعلت مستلزمة لاتباع الرسول ﷺ في عبادته والحرصِ على مطاوعته
﴿يُحْبِبْكُمُ الله﴾ أي يرضَ عنكم
﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ أي يكشفِ الحجبَ عن قلوبكم بالتجاوز عما فرَطَ منكم فيقرّبكم من جناب عزِّه ويبوِّئُكم في جوار قدْسِه عبّر عنه بالمحبة بطريقِ الاستعارةِ أو المُشاكلةِ
﴿والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي لمن يتحبّب إليه بطاعته ويتقرب إليه
стр. 623
٣٢ - ٣٣ آل عمران
باتباع نبيِّه ﵊ فهو تذييلٌ مقررٌ لمَا قبلَهُ مع زيادة وعد الرحمةِ ووضعُ الاسمِ الجليلِ موضعَ الضمير للإشعار باستتباع وصفِ الألوهية للمغفرة والرحمة روي أنها نزلت لما قالت اليهودُ نحنُ أبناءُ الله وأحباؤُه وقيل نزلت في وفد نجرانَ لما قالوا إنا نعبدُ المسيحَ حباً لله تعالى وقيل في أقوام زعَموا على عهدِه ﵊ أنهم يُحبون الله تعالى فأُمروا أن يجعلوا لقولهم مصداقا من العمل ورَوَى الضحَّاكُ عنِ ابنِ عباس ﵄ أن النبيِّ ﷺ وقف على قريش وهم في المسجد الحرام يسجدون للأصنام وقد علقوا عليها بيض النعام وجعلوا في آذانها الشنوف فقال رسول الله ﷺ يا معشر قريش لقد خالفتم ملة إبراهيم وإسمعيل عليهما الصلاة والسلام فقالت قريش إنما نعبدها حبا لله تعالى لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى فقال الله تعالى لنبيه ﵊ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله تعالى وتعبدون الأصنام لتقربكم إليه فاتبعونى أي اتبعوا اشريعتى وسنتى يحببكم الله فأنا رسوله إليكم وحجته عليكم
стр. 624
﴿قُلْ أَطِيعُواْ الله والرسول﴾ أي في جميع الأوامرِ والنواهي فيدخلُ في ذلك الطاعة في أتباعِه ﵊ دخولاً أولياً وإيثارُ الإظهار على الإضمار بطريق الالتفات لتعيين حيثية الإطاعة والإشعارِ بعلّتها فإن الإطاعة المأمورَ بها إطاعته ﵊ من حيث إنه رسولُ الله لا من حيث ذاتُه ولا ريبَ في أن عنوان الرسالة من موجبات الإطاعةِ ودواعيها
﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ إما من تمام مقولِ القول فهي صيغة المضارعِ المخاطَب بحذف إحدى التاءين أي تتولوا وإما كلام متفرِّعٌ عليه مَسوقٌ من جهتِه تعالَى فهي صيغةُ الماضي الغائب وفي ترك ذكر احتمال الإطاعة كما في قوله تعالى فَإِنْ أَسْلَمُواْ تلويحٌ إلى أنه غيرُ محتمَلٍ منهم
﴿فَإِنَّ الله لَا يُحِبُّ الكافرين﴾ نفي المحبة كنايةٌ عن بغضه تعالى لهم وسُخطِه عليهم أي لا يرضى عنهم ولا يثني عليهم وإيثارُ الإظهارِ على الإضمار لتعميم الحكمِ لكل الكفَرَة والإشعار بعلّته فإن سخطه تعالى عليهم بسبب كفرهم والإيذان بأن التولّيَ عن الطاعة كفرٌ وبأن محبته مخصوصة بالمؤمنين
стр. 625
﴿إِنَّ الله اصطفى آدَمَ ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران عَلَى العالمين﴾ لما بين الله تعالى أن الدين المرضيِّ عنده هو الإسلامُ والتوحيدُ وأن اختلاف أهل الكتابين فيه إنما هو للبغي والحسد وأن الفوز برضوانه ومغفرته ورحمته منوط باتباع الرسول ﷺ وطاعته شرَعَ في تحقيق رسالته وكونِه من أهل بيت النبوة القديمةِ فبدأ ببيان جلالةِ أقدارِ الرسلُ عليهم الصلاة والسلام كافةً وأتبعه ذكرَ مبدأ أمرِ عيسى ﵊ وأمِّه وكيفيةِ دعوتِه للناس إلى التوحيد والإسلام تحقيقاً للحق وإبطالاً لما عليه أهلُ الكتابين في شأنهما من الإفراط والتفريط ثم بين بطلانَ مُحاجّتهم في إبراهيمَ ﵊ وادعائهم الانتماءَ إلى ملته ونزّه ساحتَه العلية عمَّا هُم عليهِ من اليهودية والنصرانية ثم نص على أن جميعَ الرسلُ عليهم الصلاة والسلام دعاةٌ إلى عبادة الله وحده وطاعتِه منزَّهون عن احتمال الدعوة إلى عبادة
стр. 626
٣٤ - آل عمران
أنفسِهم أو غيرِهم من الملائكة والنبيين وأن أممهم قاطبةً مأمورون بالإيمان بمن جاءهم من رسولٍ مصدقٍ لما معهم تحقيقاً لوجوب الإيمان برسولِ الله ﷺ وكتابه المصدِّق لما بين يديهِ من التوراة والإنجيل وتحتم الطاعة له حسبما سيأتي تفصيله وتخصيص آدم ﵊ بالذكر لأنه أبو البشر ومنشأ النبوة وكذا حالُ نوحٍ ﵇ فإنه آدمُ الثاني وأما ذكرُ آل إبراهيمَ فلترغيب المعترفين باصطفائهم في الإيمان بنبوة النبيِّ ﷺ واستمالتِهم نحوَ الاعترافِ باصطفائه بواسطة كونِه من زُمرتهم مع مامر من التنبيه على كونه ﵊ عريقاً في النبوة من زمرة المصطفَيْنَ الأخيار وأما ما ذكرُ آلِ عمرانَ مع اندراجهم في آل إبراهيمَ فلإظهار مزيدِ الاعتناء بتحقيق أمر عيسى ﵊ لكمال رسوخِ الخلاف في شأنه فإن نسبةَ الاصطفاءِ إلى الأب الأقرب أدلُّ على تحققه في الآل وهو الداعي إلى إضافة الآلِ إلى إبراهيمَ دون نوحٍ وآدمَ عليهم الصلاة والسلام والاصطفاء أخذُ ما صفا من الشئ كالاستصفاء مثّل به اختيارَه تعالى إياهم النفوسَ القدسية وما يليق بها من الملكات الروحانيةِ والكمالاتِ الجُسمانية المستتبعةِ للرسالة في نفس المصطفى كما في كافَّةُ الرسلُ عليهم الصَّلاةُ والسلام أو فيمن يلابسه وينشأ منه كما في مريمَ وقيل اصطفى آدم ﵊ بأن خلقه بيده في أحسنِ تقويمٍ وبتعليم الأسماء وإسجاد الملائكة إياه وإسكانِ الجنة واصطفى نوحاً ﵊ بكونه أولَ من نسخ الشرائعَ إذ لم يكن قبل ذلك تزويجُ المحارم حراماً وبإطالة عُمره وجعْلِ ذريتِه هم الباقين واستجابةِ دعوتِه في حق الكفرة والمؤمنين وحملِه على متن الماء والمرادُ بآل إبراهيمَ إسمعيل وإسحق والأنبياءُ من أولادهما الذين من جملتهم النبيِّ ﷺ وأما اصطفاء نفسه ﵊ فمفهومٌ من اصطفائهم بطريق الأولوية وعدمُ التَّصريحِ به للإيذانِ بالغنى عنه لكمال شهرةِ أمرِه في الخِلّة وكونه إمام الأنبياء قدوة الرسلُ عليهم الصلاة والسلام وكونِ اصطفاء آله بدعوته بقوله ﴿رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ﴾ الآية ولذلك قال ﵊ أنا دعوةُ أبي إبراهيمَ وبآل عمرانَ عيسى وأمُّه مريمُ ابنةُ عِمرانَ بنِ ماثان بن عازار بنِ أبي بور بن رب بابل بن ساليان بن يوحنا بن يوشيان بن أمون بن منشا بن حزقيا بن أحز بن يوثم بن عزياهو بن يهورام بن يهوشافاط بن أسا بن رحبعم بن سليمانَ بن داود عليهما الصلاة والسلام ابن بيشا بن عوفيذ بن بوعز بن سلمون بن نحشون بن عميوذب بن رم بن حصرون بن بارص بن يهوذا بن يعقوب ﵊ وقيل موسى وهرون عليهما الصلاة والسلام ابنا عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب ﵊ وبين العمرانين ألفٌ وثمانمائة سنة فيكون اصطفاء عيسى ﵊ حينئذٍ بالاندارج في آل إبراهيمَ ﵇ والأولُ هو الأظهرُ بدليل تعقيبِه بقصة مريمَ واصطفاء موسى وهرون عليهما الصلاة والسلام بالانتظام في سلك آلِ إبراهيمَ ﵇ انتظاماً ظاهراً والمرادُ بالعالمين أهلُ زمان كل واحدٍ منهم أي اصطفى كلِّ واحدٍ منهم على عالمي زمانه
стр. 627
﴿ذُرّيَّةِ﴾ نُصب على البدلية من الآلَيْن أو على الحالية منهما وقد مر بيانُ اشتقاقها في قوله تعالى وَمِن ذُرّيَتِى وقوله
стр. 628
٣٥ - آل عمران
تعالى
﴿بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ﴾ في محل النصبُ على أنَّه صفةٌ لذرية أي اصطفى الآلَيْن حالَ كونهم ذريةً متسلسلةً متشعّبةَ البعضِ من البعض في النسَب كما ينبئ عنه التعرُّضُ لكونه ذرية وقيل بعضُها من بعض في الدين فالاستمالةُ على الوجه الأول تقريبيةٌ وعلى الثاني برهانية
﴿والله سَمِيعٌ﴾ لأقوال العباد
﴿عَلِيمٌ﴾ بأعمالهم البادية والخافية فيصطفي مِن بينِهم لخِدمته مَنْ تظهر استقامتُه قولاً وفعلاً على نهج قوله تعالى الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ والجُملة تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبلَها
стр. 629
﴿إذ قالت امرأة عمران﴾ في حيِّز النصبِ على المفعولية بفعل مقدَّرٍ على طريقة الاستئنافِ لتقرير اصطفاءِ آلِ عمرانَ وبيانِ كيفيته أي أذكُر لهم وقت قولها ومر مراراً وجهُ توجيهِ التذكيرِ إلى الأوقات مع أن المقصودَ تذكيرُ ما وقع فيها من الحوادث وقيلَ هو منصوبٌ على الظرفية لما قبله أي سميع لقولها المحكيِّ عليمٌ بضميرها المَنْويّ وقيل هو ظرفٌ لمعنى الاصطفاء المدلول عليه باصطفى المذكور كأنه قيل واصطفى آلَ عمران إذ قالت الخ فكان من عطف الجُمل على الجمل دون عطفِ المفردات على المفردات ليلزَمَ كونُ اصطفاءِ الكلِّ في ذلك الوقت وامرأةُ عمرانَ هي حنّةُ بنتُ فاقوذا جدةُ عيسى ﵊ وكانت لعِمرانَ بنِ يَصْهرَ بنت اسهما مريمُ أكبرُ من موسى وهرون عليهما الصلاة والسلام فظن أن المراد زوجتُه وليس بذاك فإن قضيةَ كفالةِ زكريا ﵊ قاضيةٌ بأنها زوجةُ عمرانَ بن ماثان لأنه ﵊ كان معاصراً له وقد تزوج إيشاع أختَ حنة أم يحيى ﵊ وَأَمَّا قوله ﵊ في شأن يحيى وعيسى عليهما الصلاة والسلام هما ابنا خالة فقيل تأويلُه أن الأختَ كثيراً ما تُطلق على بنت الأخت وبهذا الاعتبار جعلهما عليهما الصلاة والسلام ابنيْ خالة وقيل كانت إيشاعُ أختَ حنةَ من الأم وأختَ مريمَ من الأب على أن عمرانَ نكحَ أولاً أمَّ حنة فولدت له إيشاع ثم نكح حنة بناء على حل نكاح الربائبِ في شريعتهم فولدَتْ مريمَ فكانت إيشاعُ أختَ مريمَ من الأب وخالتَها من الأم لأنها أخت حنة من الأم روي أنها كانت عجوزاً عاقراً فبينما هي ذاتَ يوم في ظل شجرة إذ رأت طائراً يُطعم فرخة خنت إلى الولد وتمنتْه وقالت اللهم إن لك عليَّ نذر إن رَزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس فيكونَ من سَدَنته وكان هذا النذرُ مشروعاً عندهم في الغلمان ثم هلك عِمرانُ وهي حامل وحينئذ فقولها
﴿رَبّ إِنّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي﴾ لا بد من حمله على التكرير لتأكيد نذرِها وإخراجِه عن صورة التعليق إلى هيئة التنجيز والتعرضُ لوصفِ الربوبيةِ المنبئةِ عن إفاضة ما فيه صلاحُ المربوبِ مع الإضافة إلى ضميرها لتحريك سلسلة الإجابة ولذلك قيل إذا أراد العبدُ أن يُستجابَ له دعاؤه فليدعُ الله بما يناسبه من أسمائه وصفاته وتأكيدا الجملة لإبراز وفورِ الرغبة في مضمونها وتقديمُ الجارّ والمجرور لكمال الاعتناءِ به وإنما عُبّر عن الولد بما لإبهام أمرِه وقصورِه عن درجه العقلاء
﴿مُحَرَّرًا﴾ أي مُعْتقاً لخدمة بيتِ المقدس لايشغله شأن آخر أو مُخلَصاً للعبادة ونصبُه
стр. 630
٣٦ - آل عمران
على الحالية من الموصول فيه نَذَرْتُ وقيل من ضميره في الصلة والعامل معنى الاستقرار فإنها في قوة ما استقر في بطني ولا يخفى أن المراد تقييدُ فعلِها بالتحرير ليحصُل به التقربُ إليه تعالى لا تقييد مالا دخلَ لها فيه من الاستقرار في بطنها
﴿فَتَقَبَّلْ مِنّي﴾ أي ما نذرتُه والتقبل أخذ الشئ على وجه الرضا وهذا في الحقيقة استدعاءٌ للولد إذ لا يُتصور القَبولُ بدون تحقق المقبول بل للولد الذكَرِ لعدم قَبول الأنثى
﴿إِنَّكَ أَنتَ السميع﴾ لجميع المسموعاتِ التي من جُملتها تضرعي ودعائي
﴿العليم﴾ بكل المعلومات التي من زمرتها ما في ضميرى لاغير وهو تعليلٌ لاستدعاء القبول لا من حيثُ أن كونه تعالى سميعاً لدعائها عليماً بما في ضميرها مصحح للتقبل في الجملة بل من حيثُ إنَّ علمَه تعالى بصحة نيتها وإخلاصِها مستدعٍ لذلك تفضلاً وإحساناً وتأكيدُ الجملة لعرض قوةِ يقينها بمضمونها وقصرُ صفتي السمعِ والعلم عليه تعالى لعرض اختصاص دعائِها به تعالى وانقطاعِ حبل رجائها عما عداه بالكلية مبالغةً في الضراعة والابتهال
стр. 631
﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا﴾ أي ما في بطنها وتأنيثُ الضمير العائد إليه لما أن المقامَ يستدعي ظهورَ أنوثتِه واعتبارَه في حيز الشرط إذ عليه يترتب جوابُ لما أعني قوله تعالى
﴿قَالَتْ رَبّ إِنّى وَضَعْتُهَا أنثى﴾ لا على وضع ولدٍ ما كأنه قيل فلما وضعت بنتاً قالت الخ وقيل تأنيثُه لأن ما في بطنها كان أنثى في علم الله تعالى أو لأنه مؤول بالحبلة أو النفْس أو النَّسَمة وأنت خبير بأن اعتبارَ شئ مما ذُكر في حيَّزِ الشرطِ لا يكون مداراً لترتب الجواب عليه وقولُه تعالى أنثى حال مؤكّدة من الضمير أو بدلٌ منه وتأنيثُه للمسارعة إلى عَرْض ما دَهَمها من خيبة الرجاء أو لما مر من التأويل بالحبْلةِ أو النسمة فالحال حينئذ مبيِّنة وإنما قالته تحزُّناً وتحسّراً على خيبة رجائِها وعكسِ تقديرِها لما كانت ترجو أن تلدَ ذكَراً ولذلك نذرَتْه محرّراً للسِّدانة والتأكيد المرد على اعتقادها الباطل
﴿والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ تعظيمٌ من جهته تعالى لموضوعها وتفخيمٌ لشأنه وتجهيلٌ لها بقدره أي والله أعلم بالشئ الذي وضعتْه وما علِقَ به من عظائم الأمور وجعله وابنه آية للعالمين وهي غافلةٌ عن ذلك والجملة اعتراضية وقرئ وَضَعَتْ على خطاب الله تعالى لها أي إنك لا تعلمين قدرَ هذا الموهوبِ وما أودع الله فيه من علو الشأنِ وسمو المقدار وقرئ وَضَعَتْ على صيغة التكلم مع الالتفات من الخطاب إلى الغَيبة إظهاراً لغاية الإجلال فيكون ذلك منها اعتذاراً إلى الله تعالَى حيثُ أتت بمولود لا يصلُح لما نذرته من السدانة أو تسليةً لنفسها على معنى لعل الله تعالى فيه سراً وحكمة ولعل هذه الأنثى خيرٌ من الذكر فوجه الالتفات حينئذ ظاهر وقوله تعالى
﴿وَلَيْسَ الذكر كالانثى﴾ اعتراض آخرُ مبيِّن لما في الأول من تعظيم الموضوعِ ورفع منزلتِه واللامُ في الذكر والنثى للعهد أي ليس الذكرُ الذي كانت تطلُبه وتتخيل فيه كما لا قصاراه ان يكون كواحد من السدانه كالأنثى التي وُهِبتْ لها فإن دائرةَ علمِها وأمنيتها لاتكاد تحيط بما فيه من جلائل الأمور هذا على القراءتين الأُولَيَيْن وأما على التفسير الأخير للقراءة
стр. 632
٣٧ - آل عمران
الأخيرة فمعناه وليس الذكر كهذه الأنثى في الفضيلة بل أدنى منها وأما على التفسير الأول لها فمعناه تأكيدُ الاعتذارُ ببيان أن الذكر ليس كالأنثى في الفضيلة والمزية وصلاحيةِ خدمة المتعبّدات فإنهن بمعزل من ذلك فاللامُ للجنس وقوله تعالى
﴿وَإِنّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ عطف على إني وضعتُها أنثى وغرضُها من عَرْضها على علام الغيوب التقربُ إليه تعالى واستدعاءُ العصمة لها فإن مريمَ في لغتهم بمعنى العابدة قال القرطبي معناه خادمُ الرب وإظهارُ أنها غيرُ راجعة عن نيّتها وإن كان ما وضعته أنثى وأنها ان لم تكن خليقةً بسِدانة بيت المقدس فلتكنْ من العابدات فيه
﴿وِإِنّى أُعِيذُهَا بِكَ﴾ عطف على إني سميتها وصيغةُ المضارع للدَلالة على الاستمرار أي أُجيرُها بحفظك وقرئ بفتح ياء المتلكم في المواضع التي بعدها همزةٌ مضمومة إلا في موضعين بِعَهْدِى أُوفِ اتُونِى أُفْرِغْ
﴿وَذُرّيَّتَهَا﴾ عطف على الضمير وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ عليهِ لإبراز كمالِ العنايةِ به
﴿مِنَ الشيطان الرجيم﴾ أي المطرود وأصلُ الرجم الرميُ بالحجارة عنِ النبيِّ ﷺ ما من مولودٍ يولد إلا والشيطانُ يَمَسه حين يولد فيستهِلُّ صارخاً من مسّه إلا مريمَ وابنَها ومعناه أن الشيطان يطمع في إغواء كلِّ مولود بحيث يتأثر منه إلا مريم وابنها فإن الله عصَمهما ببركة هذه الاستعاذة
стр. 633
﴿فَتَقَبَّلَهَا﴾ أي أخذ مريمَ ورضيَ بها في النذر مكانَ الذكَر
﴿رَبُّهَا﴾ مالكها ومُبلِّغها إلى كمالها اللائق وفيه من تشريفها مالا يخفى
﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ قيل الباء زائدة والقَبول مصدرٌ مؤكِّد للفعل السابق بحذف الزوائد أي تقبّلها قبولاً حسناً وإنما عدَلَ عن الظاهر للإيذان بمقارنة التقبُّل لكمال الرضا وموافقته للعناية الذاتية فإن صيغة التفعُّل مُشعِرةٌ بحسب أصل الوضعِ بالتكلف وكونِ الفعل على خلاف طبع الفاعل وإن كان المرادُ بها في حقه تعالى ما يترتبُ عليه من كمال قوةِ الفعل وكثرتِه وقيل القبولُ ما يقبل به الشيء كالسَّعوط واللَّدود لما يُسعَط به ويلُدّ وهو اختصاصُه تعالى إياها بإقامتها مُقام الذكَر في النَّذر ولم تُقبلْ قبلها أنثى أو بأنْ تسلمها من أمُّها عَقيبَ الولادة قبل أن تنشأ وتصلُحَ للسِّدانة روي أن حنة حين ولدتها لفّتها في خرقة وحملتها الى المسجد ووضعتها عند الأحبار أبناءِ هارونَ وهم في بيت المقدس كالحَجَبة في الكعبة وقالت لهم دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها لأنها كانت بنتَ إمامِهم وصاحبِ قُربانهم فإن بني ماثانَ كانت رءوس بني إسرائيلَ وملوكَهم وقيل لأنهم وجدوا أمرَها وأمرَ عيسى ﵊ في الكتب الإلهية فقال زكريا ﵊ أنا احق بها عندى خالتها فأبو إلا القُرْعةَ وكانوا سبعةً وعشرين فانطلقوا إلى نهر فألقَوْا فيه أقلامَهم فطفا قلمُ زكريا ورسبَتْ أقلامُهم فتكفلها وقيل هو مصدر وفيه مضافٌ مقدرٌ أي فتقبلها بذي قبولٍ أي بأمرٍ ذي قَبول حسن وقيل تقبّل بمعنى استقبل كتقصَّى بمعنى استقصى وتعجَّل بمعنى استعجل أي استقبلها في أول أمرِها حين وُلدت بقبول حسن
﴿وَأَنبَتَهَا﴾ مجاز عن
стр. 634
٣٨ - آل عمران
تربيتها بما يُصلِحها في جميع أحوالها
﴿نَبَاتًا حَسَنًا﴾ مصدرٌ مؤكدِّ للفعل المذكور بحذف الزوائد وقيل بل لفعل مُضمر موافقٍ له تقديرُه فنبتت نباتاً حسناً
﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ أي جعله ﵊ كافلاً لها وضامناً لمصالحها قائماً بتدبير أمورِها لا على طريقة الوحي بل على ما ذكر من التفصيل فإن رغبته ﵊ في كفالتها وطُفوَّ قلمِه ورسوبَ أقلامِهم وغيرَ ذلكَ من الأمورِ الجارية بينهم كلُّها من آثار قدرته تعالى وقرئ اكفلها وقرئ زكرياء بالنصب والمد وقرئ بتخفيف الفاء وكسرِها ورفع زكرياء ممدودا وقرئ وتقبَّلْها ربَّها وأنبِتْها وكفَّلْها على صيغة الأمر في الكل ونصبِ ربها على الدعاء أي فاقبلها يا ربها وربِّها تربيةً حسنةً واجعلْ زكريا كافلاً لها فهو تعيينٌ لجهة التربية قيل بنى ﵊ لها مِحْراباً في المسجد أي غرفةً يُصعد إليها بسُلّم وقيل المحرابُ أشرفُ المجالس ومُقدَّمُها كأنها وضعت في أشرف موضعٍ من بيت المقدس وقيل كانت مساجدُهم تسمى المحاريب روي أنه كان لا يدخل عليها إلا هو وحده وإذا خرج غلّق عليها سبعة أبواب
﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب﴾ تقديمُ الظرف على الفاعل لإظهار كمالِ العناية بأمرِها ونصبُ المحراب على التوسّع وكلمة كُلَّمَا ظرف عَلى أنَّ مَا مصدريةٌ والزمان محذوف أو نكرةٌ موصوفة معناها الوقتُ والعائد محذوفٌ والعامل فيها جوابُها أي كلَّ زمانِ دخولِه عليها أو كلَّ وقتٍ دخل عليها فيه
﴿وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا﴾ أي نوعاً منه غيرَ معتاد إذ كان ينزل ذلك من الجنة وكان يجد عندها في الصيف فاكهةَ الشتاء وفي الشتاء فاكهةَ الصيف ولم ترضَعْ ثدياً قط
﴿قَالَ﴾ استئنافٌ مبني على السؤالِ كأنَّه قيلَ فماذَا قال زكريا ﵊ عند مشاهدةِ هذه الآية فقيل قال
﴿يا مريم أنى لَكِ هذا﴾ أي من اين يجيء لك هذا الذي لا يُشبه أرزاقَ الدنيا والأبوابُ مغلقةٌ دونك وهو دليل على جواز الكرامةِ للأولياء ومن أنكرها جعلَ هذا إرهاصاً وتأسيساً لرسالة عيسى ﵊ وَأَمَّا جعلُه معجزةً لزكريا ﵊ فيأباه اشتباهُ الأمر عليه ﵇ وإنما خاطبها ﵊ بذلك مع كونها بمعزلٍ من رتبة الخطاب لما علم بما شاهده أنها مؤيَّدةٌ من عند الله بالعلم والقدرة
﴿قَالَتْ﴾ استئناف كما قبله كأنه قيل فماذا صنعت مريمُ وهي صغيرة لا قُدرةَ لها على فهم السؤال ورد الجواب فقيل قالت
﴿هُوَ مِنْ عِندِ الله﴾ فلا تعجبْ ولا تستبعد
﴿إنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَاء﴾ أنْ يرزُقَه
﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أيْ بغيرِ تقدير لكثرته أو بغير استحقاقٍ تفضلاً منه تعالى وهو تعليلٌ لكونِه من عند الله اما من تمام كلامهما فيكونُ في محل النصب واما من كلامه فهو مستأنفٌ روي أن فاطمة الزهراء ﵂ أهدت إلى رسول الله ﷺ رغيفين وبضعةَ لحم فرجع بها إليها فقال هلُمّي يا بنية فكشفت عن الطبق فإذا هو مملوءٌ خبزاً ولحماً فقال لها أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حساب فقال ﵊ الحمدُ لله الذي جعلك شبيهةً بسيدة بني إسرائيلَ ثم جمع علياً والحسنَ والحسينَ وجميعَ أهلِ بيته رضوانُ الله عليهم أجمعين فأكلوا وشبِعوا وبقي الطعام كما هو فأوسعت على جيرانها
стр. 635
﴿هُنَالِكَ﴾ كلامٌ مستأنفٌ وقصةٌ مستقلة سيقت في تضاعيف
следующие страницы →