← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا﴾ أي ما في بطنها وتأنيثُ الضمير العائد إليه لما أن المقامَ يستدعي ظهورَ أنوثتِه واعتبارَه في حيز الشرط إذ عليه يترتب جوابُ لما أعني قوله تعالى ﴿قَالَتْ رَبّ إِنّى وَضَعْتُهَا أنثى﴾ لا على وضع ولدٍ ما كأنه قيل فلما وضعت بنتاً قالت الخ وقيل تأنيثُه لأن ما في بطنها كان أنثى في علم الله تعالى أو لأنه مؤول بالحبلة أو النفْس أو النَّسَمة وأنت خبير بأن اعتبارَ شئ مما ذُكر في حيَّزِ الشرطِ لا يكون مداراً لترتب الجواب عليه وقولُه تعالى أنثى حال مؤكّدة من الضمير أو بدلٌ منه وتأنيثُه للمسارعة إلى عَرْض ما دَهَمها من خيبة الرجاء أو لما مر من التأويل بالحبْلةِ أو النسمة فالحال حينئذ مبيِّنة وإنما قالته تحزُّناً وتحسّراً على خيبة رجائِها وعكسِ تقديرِها لما كانت ترجو أن تلدَ ذكَراً ولذلك نذرَتْه محرّراً للسِّدانة والتأكيد المرد على اعتقادها الباطل ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ تعظيمٌ من جهته تعالى لموضوعها وتفخيمٌ لشأنه وتجهيلٌ لها بقدره أي والله أعلم بالشئ الذي وضعتْه وما علِقَ به من عظائم الأمور وجعله وابنه آية للعالمين وهي غافلةٌ عن ذلك والجملة اعتراضية وقرئ وَضَعَتْ على خطاب الله تعالى لها أي إنك لا تعلمين قدرَ هذا الموهوبِ وما أودع الله فيه من علو الشأنِ وسمو المقدار وقرئ وَضَعَتْ على صيغة التكلم مع الالتفات من الخطاب إلى الغَيبة إظهاراً لغاية الإجلال فيكون ذلك منها اعتذاراً إلى الله تعالَى حيثُ أتت بمولود لا يصلُح لما نذرته من السدانة أو تسليةً لنفسها على معنى لعل الله تعالى فيه سراً وحكمة ولعل هذه الأنثى خيرٌ من الذكر فوجه الالتفات حينئذ ظاهر وقوله تعالى ﴿وَلَيْسَ الذكر كالانثى﴾ اعتراض آخرُ مبيِّن لما في الأول من تعظيم الموضوعِ ورفع منزلتِه واللامُ في الذكر والنثى للعهد أي ليس الذكرُ الذي كانت تطلُبه وتتخيل فيه كما لا قصاراه ان يكون كواحد من السدانه كالأنثى التي وُهِبتْ لها فإن دائرةَ علمِها وأمنيتها لاتكاد تحيط بما فيه من جلائل الأمور هذا على القراءتين الأُولَيَيْن وأما على التفسير الأخير للقراءة

стр. 632

٣٧ - آل عمران الأخيرة فمعناه وليس الذكر كهذه الأنثى في الفضيلة بل أدنى منها وأما على التفسير الأول لها فمعناه تأكيدُ الاعتذارُ ببيان أن الذكر ليس كالأنثى في الفضيلة والمزية وصلاحيةِ خدمة المتعبّدات فإنهن بمعزل من ذلك فاللامُ للجنس وقوله تعالى ﴿وَإِنّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ عطف على إني وضعتُها أنثى وغرضُها من عَرْضها على علام الغيوب التقربُ إليه تعالى واستدعاءُ العصمة لها فإن مريمَ في لغتهم بمعنى العابدة قال القرطبي معناه خادمُ الرب وإظهارُ أنها غيرُ راجعة عن نيّتها وإن كان ما وضعته أنثى وأنها ان لم تكن خليقةً بسِدانة بيت المقدس فلتكنْ من العابدات فيه ﴿وِإِنّى أُعِيذُهَا بِكَ﴾ عطف على إني سميتها وصيغةُ المضارع للدَلالة على الاستمرار أي أُجيرُها بحفظك وقرئ بفتح ياء المتلكم في المواضع التي بعدها همزةٌ مضمومة إلا في موضعين بِعَهْدِى أُوفِ اتُونِى أُفْرِغْ ﴿وَذُرّيَّتَهَا﴾ عطف على الضمير وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ عليهِ لإبراز كمالِ العنايةِ به ﴿مِنَ الشيطان الرجيم﴾ أي المطرود وأصلُ الرجم الرميُ بالحجارة عنِ النبيِّ ﷺ ما من مولودٍ يولد إلا والشيطانُ يَمَسه حين يولد فيستهِلُّ صارخاً من مسّه إلا مريمَ وابنَها ومعناه أن الشيطان يطمع في إغواء كلِّ مولود بحيث يتأثر منه إلا مريم وابنها فإن الله عصَمهما ببركة هذه الاستعاذة

стр. 633

﴿فَتَقَبَّلَهَا﴾ أي أخذ مريمَ ورضيَ بها في النذر مكانَ الذكَر ﴿رَبُّهَا﴾ مالكها ومُبلِّغها إلى كمالها اللائق وفيه من تشريفها مالا يخفى ﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ قيل الباء زائدة والقَبول مصدرٌ مؤكِّد للفعل السابق بحذف الزوائد أي تقبّلها قبولاً حسناً وإنما عدَلَ عن الظاهر للإيذان بمقارنة التقبُّل لكمال الرضا وموافقته للعناية الذاتية فإن صيغة التفعُّل مُشعِرةٌ بحسب أصل الوضعِ بالتكلف وكونِ الفعل على خلاف طبع الفاعل وإن كان المرادُ بها في حقه تعالى ما يترتبُ عليه من كمال قوةِ الفعل وكثرتِه وقيل القبولُ ما يقبل به الشيء كالسَّعوط واللَّدود لما يُسعَط به ويلُدّ وهو اختصاصُه تعالى إياها بإقامتها مُقام الذكَر في النَّذر ولم تُقبلْ قبلها أنثى أو بأنْ تسلمها من أمُّها عَقيبَ الولادة قبل أن تنشأ وتصلُحَ للسِّدانة روي أن حنة حين ولدتها لفّتها في خرقة وحملتها الى المسجد ووضعتها عند الأحبار أبناءِ هارونَ وهم في بيت المقدس كالحَجَبة في الكعبة وقالت لهم دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها لأنها كانت بنتَ إمامِهم وصاحبِ قُربانهم فإن بني ماثانَ كانت رءوس بني إسرائيلَ وملوكَهم وقيل لأنهم وجدوا أمرَها وأمرَ عيسى ﵊ في الكتب الإلهية فقال زكريا ﵊ أنا احق بها عندى خالتها فأبو إلا القُرْعةَ وكانوا سبعةً وعشرين فانطلقوا إلى نهر فألقَوْا فيه أقلامَهم فطفا قلمُ زكريا ورسبَتْ أقلامُهم فتكفلها وقيل هو مصدر وفيه مضافٌ مقدرٌ أي فتقبلها بذي قبولٍ أي بأمرٍ ذي قَبول حسن وقيل تقبّل بمعنى استقبل كتقصَّى بمعنى استقصى وتعجَّل بمعنى استعجل أي استقبلها في أول أمرِها حين وُلدت بقبول حسن ﴿وَأَنبَتَهَا﴾ مجاز عن

стр. 634

٣٨ - آل عمران تربيتها بما يُصلِحها في جميع أحوالها ﴿نَبَاتًا حَسَنًا﴾ مصدرٌ مؤكدِّ للفعل المذكور بحذف الزوائد وقيل بل لفعل مُضمر موافقٍ له تقديرُه فنبتت نباتاً حسناً ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ أي جعله ﵊ كافلاً لها وضامناً لمصالحها قائماً بتدبير أمورِها لا على طريقة الوحي بل على ما ذكر من التفصيل فإن رغبته ﵊ في كفالتها وطُفوَّ قلمِه ورسوبَ أقلامِهم وغيرَ ذلكَ من الأمورِ الجارية بينهم كلُّها من آثار قدرته تعالى وقرئ اكفلها وقرئ زكرياء بالنصب والمد وقرئ بتخفيف الفاء وكسرِها ورفع زكرياء ممدودا وقرئ وتقبَّلْها ربَّها وأنبِتْها وكفَّلْها على صيغة الأمر في الكل ونصبِ ربها على الدعاء أي فاقبلها يا ربها وربِّها تربيةً حسنةً واجعلْ زكريا كافلاً لها فهو تعيينٌ لجهة التربية قيل بنى ﵊ لها مِحْراباً في المسجد أي غرفةً يُصعد إليها بسُلّم وقيل المحرابُ أشرفُ المجالس ومُقدَّمُها كأنها وضعت في أشرف موضعٍ من بيت المقدس وقيل كانت مساجدُهم تسمى المحاريب روي أنه كان لا يدخل عليها إلا هو وحده وإذا خرج غلّق عليها سبعة أبواب ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب﴾ تقديمُ الظرف على الفاعل لإظهار كمالِ العناية بأمرِها ونصبُ المحراب على التوسّع وكلمة كُلَّمَا ظرف عَلى أنَّ مَا مصدريةٌ والزمان محذوف أو نكرةٌ موصوفة معناها الوقتُ والعائد محذوفٌ والعامل فيها جوابُها أي كلَّ زمانِ دخولِه عليها أو كلَّ وقتٍ دخل عليها فيه ﴿وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا﴾ أي نوعاً منه غيرَ معتاد إذ كان ينزل ذلك من الجنة وكان يجد عندها في الصيف فاكهةَ الشتاء وفي الشتاء فاكهةَ الصيف ولم ترضَعْ ثدياً قط ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ مبني على السؤالِ كأنَّه قيلَ فماذَا قال زكريا ﵊ عند مشاهدةِ هذه الآية فقيل قال ﴿يا مريم أنى لَكِ هذا﴾ أي من اين يجيء لك هذا الذي لا يُشبه أرزاقَ الدنيا والأبوابُ مغلقةٌ دونك وهو دليل على جواز الكرامةِ للأولياء ومن أنكرها جعلَ هذا إرهاصاً وتأسيساً لرسالة عيسى ﵊ وَأَمَّا جعلُه معجزةً لزكريا ﵊ فيأباه اشتباهُ الأمر عليه ﵇ وإنما خاطبها ﵊ بذلك مع كونها بمعزلٍ من رتبة الخطاب لما علم بما شاهده أنها مؤيَّدةٌ من عند الله بالعلم والقدرة ﴿قَالَتْ﴾ استئناف كما قبله كأنه قيل فماذا صنعت مريمُ وهي صغيرة لا قُدرةَ لها على فهم السؤال ورد الجواب فقيل قالت ﴿هُوَ مِنْ عِندِ الله﴾ فلا تعجبْ ولا تستبعد ﴿إنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَاء﴾ أنْ يرزُقَه ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أيْ بغيرِ تقدير لكثرته أو بغير استحقاقٍ تفضلاً منه تعالى وهو تعليلٌ لكونِه من عند الله اما من تمام كلامهما فيكونُ في محل النصب واما من كلامه فهو مستأنفٌ روي أن فاطمة الزهراء ﵂ أهدت إلى رسول الله ﷺ رغيفين وبضعةَ لحم فرجع بها إليها فقال هلُمّي يا بنية فكشفت عن الطبق فإذا هو مملوءٌ خبزاً ولحماً فقال لها أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حساب فقال ﵊ الحمدُ لله الذي جعلك شبيهةً بسيدة بني إسرائيلَ ثم جمع علياً والحسنَ والحسينَ وجميعَ أهلِ بيته رضوانُ الله عليهم أجمعين فأكلوا وشبِعوا وبقي الطعام كما هو فأوسعت على جيرانها

стр. 635

﴿هُنَالِكَ﴾ كلامٌ مستأنفٌ وقصةٌ مستقلة سيقت في تضاعيف

стр. 636

٣٩ - آل عمران حكايةِ مريمَ لما بينهما من قوة الارتباطِ وشدةِ الاشتباك مع ما في إيرادها من تقرير ما سيقت له حكايتُها من بيان اصطفاءِ آلَ عمران فإن فضائلَ بعض الأقرباء أدلةٌ على فضائل الآخَرين وهنا ظرفُ مكانٍ واللامُ للدِلالة على البُعد والكافُ للخطاب أي في ذلك المكانِ حيث هو قاعدٌ عند مريمَ في المحراب أو في ذلك الوقت إذ يستعار هنا وثمَةَ وحيث للزمان ﴿دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ لما رآى كرامةَ مريمَ على الله ومنزلتَها منه تعالى رغِب في أنْ يكونَ لهُ من إيشاعَ ولدٌ مثلُ ولدِ حنّةَ في النجابة والكرامة على الله تعالى وإن كانت عاقِراً عجوزاً فقد كانت خنة كذلك وقيل لما رأى الفواكهَ في غير إِبّانِها تنبه لجواز ولادةِ العجوز العاقرِ من الشيخ الفاني فأقبل على الدعاء من غير تأخير كما ينبئ عنه تقديمُ الظرف على الفعل لا على مَعْنى أنَّ ذلك كان هو الموجبَ للإقبال على الدعاء فقط بل كان جزءاً أخيرا أخيراً من العلة التامة التي من جملتها كِبَرُ سنة ﵊ وضَعفُ قواه وخوفُ مَواليه حسبما فُصِّل في سورة مريم ﴿قَالَ﴾ تفسيرٌ للدعاء وبيانٌ لكيفيته لا محلَّ له من الإعراب ر ﴿رَبّ هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ﴾ كلا الجارّين متعلقٌ بهَبْ لاختلاف معنييهما فاللامُ صلةٌ له ومِنْ لابتداء الغايةِ مجازاً أي أعطِني من مَحْض قدرتِك من غير وسطٍ معتاد ﴿ذُرّيَّةً طَيّبَةً﴾ كما وهبتَها لحنّةَ ويجوز أن يتعلق مِنْ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من ذُرّيَّةِ أي كائنة من لدنك والذريةُ النسلُ تقع على الواحد والجمع والذكر والأنثى والمراد ههنا ولدٌ واحد فالتأنيث في الصفة لتأنيث لفظ الموصوف كما في قول من قال ... أبوك خليفةٌ ولدتْه أُخرى ... وأنت خليفةٌ ذاك الكمالُ ... وهذا إذا لم يُقصَدْ به واحدٌ معين أما إذا قُصد به المعيَّنُ امتنع اعتبارُ اللفظِ نحو طلحة وحمزة فلا يجوز أن يقال جاءت طلحة وذهبت حمزة ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدعاء﴾ أي مجيبُه وهو تعليلٌ لما قبله وتحريكٌ لسلسلة الإجابة

стр. 637

﴿فنادته الملائكة﴾ كان المنادى جبريل ﵊ كما تُفصح عنه قراءةُ من قرأ فناداه جبريلُ والجمع كما في قولهم فلانٌ يركب الخيل ويلبس الثياب وماله غيرُ فرس وثوب قال الزجاج أي أتاهُ النداءُ من هذا الجنس الذين هم الملائكة وقيل لما كان جبرائيل ﵊ رئيسَهم عَبّر عنه باسم الجماعة تعظيماً له وقيل الرئيسُ لا بد له من أتباع فأسند النداء إلى الكلِّ مع كونِه صادرا عنه خاصة وقرئ فنادِاه بالإمالة ﴿وَهُوَ قَائِمٌ﴾ جملة حاليَّةٌ من مفعول النداء مقرر لما أفاده الفاءُ من حصول البِشارة عَقيب الدعاء وقوله تعالى ﴿يُصَلّى﴾ إما صفةٌ لقائمٌ أو خبرٌ ثانٍ عند من يرى تعدُّدَه عند كونِ الثاني جملةً كما في قوله تعالى فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تسعى أو حال أخرى منه على القول بتعددها بلا عطف ولا بدلية أو حالٌ من المستكنِّ في قائم وقوله تعالى ﴿فِى المحراب﴾ أي في المسجد أو في غرفةِ مريمَ متعلق بيصلي أو بقائم على تقدير كونِ يصلّي حالاً من ضمير قائمٌ لأن العامل فيه وفي الحال حينئذ شئ واحد فلا يلزم الفصلُ بالأجنبي كما يلزم على التقادير الباقية ﴿أَنَّ الله يُبَشّرُكَ بيحيى﴾ أي بأن الله وقرئ بكسر الهمزة على تقدير القول أو إجراء النداء مجراه لكونه

стр. 638

٤٠ - آل عمران نوعا منه وقرئ يُبْشِرُك من الإبشار ويَبْشُرُك من الثلاثي وأياً ما كان ينبغي أن يكون هذا الكلامُ إلى آخره محكياً بعبارته عن الله على منهاجِ قوله تعالى ﴿قُلْ يا عِبَادِى الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ﴾ الآية كما يلوح به مراجعته ﵊ في الجواب إليه تعالى بالذات لا بواسطة الملك والعدولُ عن إسناد التبشير إلى نون العظمة حسبما وقع في سورة مريمَ للجَريِ على سَنَنِ الكبرياءِ كما في قول الخلفاء أميرُ المؤمنين يرسُم لك بكذا وللإيذان بأن ما حُكي هناك من النداء والتبشير وما يترتبُ عليهِ من المحاورة كان كلُّ ذلك بتوسط الملك بطريق الحِكاية عنه سبحانه لا بالذات كما هو المتبادر وبهذا يتضح اتحادُ المعنى في السورتين الكريمتين فتأمل ويحيى اسمٌ أعجمي وإن جعل عربياً فمنعُ صرفه للتعريف ووزن الفعل روي عن ابن عباس ﵄ إنما سُمّي يحيى لأن الله تعالى أحيا به عُقرَ أمِه وقال قتادة لأنه تعالى أحيا قلبه بالإيمان قال القرطبيُّ كان اسمُه في الكتاب الأول حيا ولا بُدَّ من تقدير مضافٍ يعود إليه الحالُ أي بولادة يحيى فإن التبشيرَ لا يتعلق بالأعيان ﴿مُصَدّقاً﴾ حال مقدرة من يحيى ﴿بِكَلِمَةٍ مّنَ الله﴾ أي بعيسى ﵊ وإنَّما سمي كلمة لأنه وجد بكلمة كن من غير أب فشابه البديعيات التى هي عالم الأمر ومِنْ لابتداء الغايةِ مجازاً متعلقةٌ بمحذوف وقع صفة لكلمة أي بكلمة كائنةٍ منه تعالى قيل هو أولُ مَن آمنَ به وصدَّقَ بأنه كلمةُ الله ورُوحٌ منه وقال السدي لقِيَتْ أم يحيى أم عيسى فقالت يا مريم أشَعرتِ بحبَلي فقالت مريم وأنا أيضاً حُبلى قالت فإني وجدتُ ما في بطنى يسجد لما في بطنك فذلك قوله تعالى مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ الخ وقالَ ابنُ عباسٍ ﵄ أن يحيى كان أكبرَ من عيسى عليهما الصلاة والسلام بستة أشهرٍ وقيل بثلاث سنين وقتل قبل رفعِ عيسى عليهما الصلاة والسلام بمدة يسيرةٍ وعلى كل تقديرٍ يكون بين ولادة يحيى وبين البشارة بها زمانٌ مديد لما أن مريمَ ولَدت وهي بنتُ ثلاثَ عشْرةَ سنةً أو بنتُ عشرِ سنين وقيل بِكَلِمَةٍ مّنَ الله أي بكتابِ الله سمّي كلمةً كما قيل كلمة الحويدرة لقصيدته ﴿وَسَيّدًا﴾ عطفٌ على مصدقاً أي رئيساً يسود قومَه ويفوقهم في الشرف وكان فائقاً للناس قاطبةً فإنه لم يُلِمَّ بخطيئة ولم يَهُمَّ بمعصية فيا لها من سيادة ما أسناها ﴿وَحَصُورًا﴾ عطف على ما قبله أي مبالِغاً في حصر النفس وحبسِها عن الشهوات مع القدرة روي أنه مرَّ في صباه بصبيان فدعَوْه إلى اللعب فقال ما للعب خلقت ﴿وَنَبِيّا﴾ عطف على ما قبله مترتب على ما عُدِّد من الخصال الحميدة ﴿مّنَ الصالحين﴾ أي ناشئاً منهم لأنه كان من أصلاب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو كائناً من جملة المشهورين بالصلاح كما في قوله تعالى ﴿وَإِنَّهُ فِى الأخرة لَمِنَ الصالحين﴾ والمراد بالصلاح ما فوق الصلاحِ الذي لا بد منه في منصِب النبوة البتة من أقاصي مراتبه وعليه مبنيٌّ دعاءُ سليمانَ ﵇ ﴿وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصالحين﴾

стр. 639

﴿قال﴾ استئناف مبني على السؤالِ كأنَّه قيلَ فماذَا قال زكريا ﵊ حينئذٍ فقيل قال ﴿رَبّ﴾ لم يخاطِب الملَكَ المناديَ له بملابسة أنه المباشرُ للخطاب وإن كان ذلك بطريق الحكاية عنه تعالى بل جرى على نهجُ دعائه السابق مبالغةً في التضرع والمناجاة وجِدّاً في التبتل إليه تعالى واحترازاً عما عسى يوهم

стр. 640

٤١ - آل عمران خطابُ الملَكِ من توهُّم أن علمَه سبحانه بما يصدُر عنه يتوقف على توسّطه كما يتوقف وقوفُ البشر على ما يصدر عنه سبحانه على توسّطه في عامة الأحوال وإن لم يتوقف عليه في بعضها ﴿أنى يَكُونُ لِي غلام﴾ فيه دَلالةٌ على أنه قد أخبر بكونه غلاماً عند التبشير كما في قوله تعالى ﴿إِنَّا نُبَشّرُكَ بغلام اسمه يحيى﴾ وأنى بمعنى كيف أو من أين وكان تامةٌ وأنى واللام متعلقتان بها وتقديمُ الجارِّ على الفاعلِ لما مرَّ مراراً من الاعتناء بما قدم والتشويق إلى ما أخر أي كيف أو من أين يحدُث لي غلامٌ ويجوزُ أن تتعلق اللامُ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من غلامٌ إذ لو تأخرَ لكانَ صفةً لهُ أو ناقصة واسمُها ظاهرٌ وخبرُها إما أنى واللام متعلقة بمحذوف كما مر أو هو الخبر وأنى منصوب على الظرفية ﴿وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر﴾ حال من ياء المتكلم أي أدركني كِبَرُ السِّنِّ وأثّر فيَّ كقولهم أدركته السنُّ وأخذته السن وفيه دلالةٌ على أن كبرَ السن من حيث كونُه من طلائع الموت طالبٌ للإنسان لا يكاد يتركه قيل كان له تسعٌ وتسعون سنة وقيل اثنتان وتسعون وقيل مائة وعشرون وقيل ستون وقيل خمس وستون وقيل سبعون وقيل خمس وسبعون وقيل خمس وثمانون ولامرأته ثمانٍ وتسعون ﴿وامرأتى عَاقِرٌ﴾ أي ذاتُ عُقر وهو أيضاً حال من ياء لي عند من يجوز تعدد الحال أو من ياء بَلَغَنِي أي كيف يكون لي ذلك والحال أني وامرأتي على حالة منافية له كلَّ المنافاة وإنما قالَه ﵊ مع سبق دعائِه بذلك وقوةِ يقينه بقدرة الله تعالى عليه لاسيما بعد مشاهدته ﵊ للشواهد السالفة استعظاماً لقدرة الله سبحانه وتعجيباً منها واعتداداً بنعمته عليه في ذلك لااستبعادا له وقيل بل كان ذلك للاستبعاد حيث كان بين الدعاء والبِشارة ستون سنة وكان قد نسِيَ دعاءَه وهو بعيد وقيل كان ذلك استفهاماً عن كيفية حدوثه ﴿قَالَ﴾ استئناف كما سلف ﴿كذلك﴾ إشارةٌ إلى مصدرِ يَفْعَلُ في قولِه ﴿الله يَفْعَلُ مَا يَشَاء﴾ أي ما يشاء أن يفعله من تعاجيب الأفاعيل الخارقةِ للعادات فالله مبتدأ ويفعل خبره والكاف في محل النصب على أنها في الأصل نعتٌ لمصدر محذوفٍ أي الله يَفْعَلُ مَا يَشَاء أن يفعله فعلاً مثلَ ذلك الفعل العجيبِ والصنعِ البديعِ الذي هو خلقُ الولد من شيخٍ فانٍ وعجوزٍ عاقر فقُدِّم على العامل لإفادة القصر بالنسبة إلى ما هو أدنى من المشار إليه واعتبرت الكافُ مُقحَمَةٌ لتأكيد ما أفاده اسمُ الإشارةِ من الفخامة وقد مرَّ تحقيقُه في تفسير قوله تعالى وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا أو على أنَّها حالٌ من ضمير المصدرِ المقدر معرِفةٌ أي يفعل الفعل كائنا مثل ذلك أو في محلِ الرفعِ على أنها خبر والجلالة مبتدأ أي على نحو هذا الشأن البديع شأن الله تعالى ويفعل ما يشاء بيانٌ لذلك الشأن المبهم أو كذلك خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ أي الأمر كذلك وقوله تعالى الله يَفْعَلُ مَا يَشَاء بيانٌ له

стр. 641

﴿قَالَ رَبّ اجعل لِّى آية﴾ أي علامةً تدلني على تحقق المسئول ووقوعِ الحبَل وإنما سألها لأن العلوقَ أمرٌ خفيٌّ لا يوقف عليه فأراد أن يُطلعه الله تعالى ليتلقّى تلك النعمةَ الجليلة من حين حصولِها بالشكر ولا

стр. 642

٤٢ - آل عمران يؤخِّرَه إلى أن يظهر ظهوراً معتاداً ولعل هذا السؤالَ وقع بعد البشارة بزمانٍ مديد إذ به يظهر ما ذُكر من كونِ التفاوت بين سِني يحيى وعيسى عليهما الصلاة والسلام بستة أشهر أو بثلاثِ سنينَ لأن ظهورَ العلامة كان عَقيبَ تعيينها لقوله تعالى في سورة مريم ﴿فَخَرَجَ على قَوْمِهِ مِنَ المحراب فأوحى إِلَيْهِمْ﴾ الآية اللهم إلا أن تكونَ المجاوَبةُ بين زكريا ومريمَ في حالة كِبَرها وقد عُدت من جملة من تكلم في الصِغَر بموجب قولها المحكي والجعلُ إبداعيٌّ واللامُ متعلقة به والتقديم لما مر مرارا من الاعتناء بما قدم والتشويق إلى ما أخر أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً من آية وقيل هو بمعنى التصيير المستدعي لمفعولين اولهما آية وثانيهما لِى والتقديم لأنه لا مسوِّغَ لكون آيةٌ مبتدأً عند انحلال الجملة إلى مبتدأ وخبر سوى تقديم الجار فلا يتغير حالُهما بعد دخول الناسخ ﴿قَالَ آيتك ألا تُكَلّمَ الناس﴾ أي أن لاتقدر على تكليمهم ﴿ثلاثة أَيَّامٍ﴾ أي متوالية لقوله تعالى في سورة مريم ﴿ثلاث لَيَالٍ سَوِيّاً﴾ مع القدرة على الذكر والتسبيح وإنما جُعلت آيتُه ذلك لتخليص المدة لذكر الله تعالى وشكره قضاءً لحق النعمة كأنه قيل آيةُ حصولِ المطلوب ووصول النعمة أن تحبِسَ لسانك إلا عن شكرها وأحسنُ الجواب ما اشتق من السؤال ﴿إِلَاّ رَمْزًا﴾ أي إشارةً بيد أو رأس أو نحوِهما وأصلُه التحركُ يقال ارتمزَ أي تحرك ومنه قيل للبحر الراموز وهو استثناء منقطعٌ لأن الإشارة ليست من قبيل الكلام أو متصلٌ على أنَّ المراد بالكلام ما فهم منه المرام ولاريب في كون الرمز من ذلك القبيل وقرئ رَمَزاً بفتحتين على أنه جمع رامز كخَدَم وبضمتين على أنه جمع رَموز كرُسُل على أنه حال منه ومن الناس معاً بمعنى مترامزين كقوله ... متى ما تلْقني فردَيْنِ ترجُف ... روانف إليَتَيكَ وتُستطارا ... ﴿واذكر رَّبَّكَ﴾ أي في أيام الحبسة شكراً لحصول التفضُّل والإنعام كما يؤذن به التعرّضُ لعنوان الربوبية ﴿كَثِيراً﴾ أي ذِكراً كثيراً أو زماناً كثيراً ﴿وَسَبّحْ﴾ أي سبحه تعالى أو افعل التسبيحَ ﴿بالعشى﴾ أي من الزوال إلى الغروب وقيل من العصر إلى ذهاب صدر الليل ﴿والإبكار﴾ من طلوع الفجرِ إلى الضحى قيل المرادُ بالتسبيح الصلاةُ بدليل تقييده بالوقت كما في قوله تعالى ﴿فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ وقيل الذكر اللساني كما أن المراد بالذكر الذكرُ القلبي وقرئ الأبكار بفتح الهمزة على أنه جمعُ بكَر كسحرَ وأسحار

стр. 643

﴿وإذ قالت الملائكة﴾ شروعٌ في شرح بقيةِ أحكامِ اصطفاء آلِ عمران إثرَ الإشارةِ إلى نُبَذٍ من فضائل بعضِ أقاربهم أعني زكريا ويحيى عليهما الصلاة والسلام لاستدعاء المقامِ إياهما حسبما أشير إليه وقرئ بتذكير الفعل والمرادُ بالملائكة جبريل ﵊ وقد مرَّ ما فيه من الكلام وإذ منصوبٌ بمُضمر معطوفٍ على المُضمر السابق عطفَ القِصة على القصة وقيل معطوفٌ على الظرف السابق أعني قولَه إذ قالت أمرأة عمران منصوبٌ بناصبة فتدبرْ أي واذكر أيضاً من شواهد اصطفائِهم وقتَ قولِ الملائكةِ عليهم الصلاة والسلام ﴿يا مَرْيَمَ﴾ وتكريرُ التذكير للإشعار بمزيد الاعتناء بما يحكى من أحكام الاصطفاءِ والتنبيهِ على استقلالها وانفرادِها عن الأحكام السابقة فإنها من أحكام التربية الجُسمانية اللائقة بحال صِغَر مريمَ وهذه من باب التربية

стр. 644

٤٣ - ٤٤ آل عمران الروحانية بالتكاليف الشرعيةِ المتعلقة بحال كِبَرها قيل كلّموها شِفاهاً كرامةً لها أو ارهاصا لنبوة عيسى ﵊ لمكان الإجماعِ على أنه تعالى لم يستنئ امرأةً وقيل ألهموها ﴿إِنَّ الله اصطفاك﴾ أولاً حيث تقبّلك من أمك بقبولٍ حسن ولم يتقبل غيرَك أنثى وربّاك في حِجْرِ زكريا ﵇ ورزقك من رزق الجنةِ وخصّك بالكرامات السنية ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ أي مما يُستقذر من الأحوال والأفعال ومما قذفك به اليهودُ بإنطاق الطفلِ ﴿واصطفاك﴾ آخِراً ﴿على نِسَاء العالمين﴾ بأن وهبَ لك عيسى ﵊ من غير أب ولم يكُنْ ذلكَ لأحدٍ من النساء وجعلكما آيةً للعالمين فعلى هذا ينبغي أنْ يكونَ تقديمُ حكاية هذه المقاولة على حكاية بشارتِها بعيسى ﵊ لما مر مرارا من التَّنبيه على أنَّ كلاً منهما مستحِقٌّ للاستقلال بالتذكير ولو روعيَ الترتيبُ الخارجيُّ لتبادر كونُ الكل شيئاً واحداً وقيل المرادُ بالاصطفاءين واحدٌ والتكريرُ للتأكيد وتبيينِ مَن اصطفاها عليهن فحينئذ لا إشكالَ في ترتيب النظم الكريم إذ يُحمل حينئذ الاصطفاءُ على ما ذُكر أولاً وتُجعل هذه المقاولةُ قبل بشارتها بعيسى ﵊ إيذاناً بكونها قبل ذلك متوفرةً على الطاعات والعبادات حسبما أُمِرت بها مجتهدةً فيها مُقْبِلةً على الله تعالى مُتبتِّلةً إليه تعالى منسلخةً عن أحكام البشرية مستعدةً لفيضان الروح عليها

стр. 645

﴿ياَ مَرْيَمُ﴾ تكريرُ النداءِ للإيذان بأن المقصودَ بالخطاب ما يرِدُ بعده وأن ما قبله من تذكير النِعم كان تمهيداً لذِكره وترغيباً في العمل بموجبه ﴿اقنتى لِرَبّكِ﴾ أي قومي في الصلاة أو أطيلي القيام فيها له تعالى والتعرضُ لعنوان ربوبيته تعالى لها للإشعار بعلة وجوبِ الامتثالِ بالأمر ﴿واسجدى واركعى مع الراكعين﴾ أُمِرت بالصلاة بالجماعة بذكر أركانها مبالغةً في إيجاب رعايتها وإيذاناً بفضيلة كلَ منها وأصالتِه وتقديمُ السجود على الركوع إما لكون الترتيب في شريعتهم كذلك وإما لكون السجودِ أفضلَ أركانِ الصلاة وأقصى مراتبِ الخضوع ولا يقتضي ذلك كونَ الترتيب الخارجيِّ كذلك بل اللائقُ به الترقي من الأدنى إلى الأعلى وإما لِيَقْترِن اركعي بالراكعين للإشعار بأن من لا ركوعَ في صلاتهم ليسوا مصلّين وأما ما قيل من أن الواوَ لا توجب الترتيبَ فغايتُه التصحيحُ لا الترجيح وتجريدُ الأمر بالرُكنين الأخيرين عما قُيِّد به الأولُ لما أن المراد تقييدُ الأمر بالصلاة بذلك وقد فعل حيث قيد به الركن الأول منها وقيل المرادُ بالقنوت إدامةُ الطاعات كما في قوله تعالى أَمَّنْ هُوَ قانت آناء الليل ساجدا وَقَائِماً وبالسجود الصلاةُ لما مر من أنه أفضلُ أركانها وبالركوع الخشوعُ والإخباتُ قيل لمّا أُمِرَت بذلك قامت في الصلاة حتى ورِمَتْ قدَماها وسالت دماً وقيحاً

стр. 646

﴿ذلك﴾ إشارة إلى ما سلف من الأمور البديعة وما فيه من معنى البعد للتنبيه على علوِّ شأن المُشَارِ إليهِ وبُعْدِ منزلتِه في الفضل وهو مبتدأ خبره قوله تعالى ﴿مِنْ أَنبَاء الغيب﴾ أي من الأنباء المتعلقةِ بالغيب

стр. 647

٤٥ - آل عمران والجملةُ مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعرابِ وقولُه تعالى ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ جملةٌ مستقلة مبينةٌ للأولى وقيل الخبرُ هو الجملة الثانية ومن أَنبَاء الغيب إما متعلق بنوحيه أو حالٌ من ضميرِه أي نوحي من أنباء الغيب أو نوحيه حال كونه من جملة أنباء الغيب وصيغةُ الاستقبال للإيذان بأن الوحيَ لم ينقطعْ بعد ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ﴾ أي عند الذين اختلفوا وتنازعوا في تربية مريمَ وهو تقريرٌ وتحقيق لكونه وحياً على طريقة التهكم بمُنكِريه كما في قوله تعالى وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربى الآية وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِى أَهْلِ مَدْيَنَ الآية فإن طريقَ معرفةِ أمثالِ هاتيك الحوادثِ والواقعات إما المشاهدةُ وإما السماعُ وعدمُه محققٌ عندهم فبقيَ احتمالُ المعاينة المستحيلةِ ضرورةً فنُفِيَت تهكماً بهم ﴿إِذْ يُلْقُون أقلامهم﴾ ظرفٌ للاستقرارِ العاملِ في لديهم واقلامهم أقداحُهم التي اقترعوا بها وقيل اقترعوا بأقلامهم التي كانوا يكتُبون بها التوراة تبركاً ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ متعلقٌ بمحذوف دلَّ عليه يُلْقُون أقلامهم أي يُلْقونها ينْظرون أو ليعلموا أيُّهم يكفلها ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أي في شأنها تنافُساً في كفالتها حسبما ذكر فيما سبق وتكريرُ ما كنت لديهم مع تحقق المقصودِ بعطف إِذْ يَخْتَصِمُونَ على إذ يُلقون كما في قوله ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نجوى﴾ للدِلالة على أنَّ كلَّ واحدٍ من عدم حضورِه ﵊ عند إلقاءِ الأقلام وعدمِ حضوره عند الاختصام مستقلٌ بالشهادة على نبوَّته ﵊ لا سيما إذا أريد باختصامهم تنازعُهم قبل الاقتراعِ فإن تغييرَ الترتيبِ في الذكر مؤكدٌ له

стр. 648

﴿إذ قالت الملائكة﴾ شروعٌ في قصة عيسى ﵊ وهو بدلٌ من وَإِذْ قالت الملائكة منصوبٌ بناصبه وما بينهما اعتراضٌ جيءَ به تقريراً لما سبق وتنبيهاً على استقلاله وكونِه حقيقاً بأن يعد على حياله من شواهدِ النبوةِ وتركُ العطف بينهما بناءً على اتحاد المخاطب وإيذاناً بتقارُن الخطابين أو تقاربُهما في الزمان وقيل منصوبٌ بمضمرٍ معطوفٍ على ناصبه وقيل بدل من إِذْ يَخْتَصِمُونَ كأنه قيل وما كنت حاضراً في ذلك الزمان المديد الذي وقع في طرفٍ منه الاختصامُ وفي طرفٍ آخرَ هذا الخطابُ إشعاراً بإحاطته ﵊ بتفاصيلِ أحوالِ مريمَ من أولها إلى آخرها والقائلُ جبريل ﵊ وإيرادُ صيغة الجمعِ لما مر ﴿يا مريم إِنَّ الله يُبَشّرُكِ بِكَلِمَةٍ مّنْهُ﴾ مِنْ لابتداءِ الغايةِ مجازا متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً لكلمة أي بكلمة كائنة منه ﴿اسمه﴾ ذُكر الضميرُ الراجعُ إلى الكلمة لكونها عبارةً عن مذكّر وهو مبتدأ خبرُه ﴿المسيح﴾ وقوله تعالى ﴿عِيسَى﴾ بدلٌ منه أو عطفُ بيانٍ وقيل خبرٌ آخرُ وقيل خبرُ مبتدأ محذوفٍ وقيل منصوبٌ بإضمار أعني مدحاً وقوله تعالى ﴿ابن مَرْيَمَ﴾ صفة لعيسى وقيل المرادُ بالاسم ما به يتميز المسمَّى عمن سواه فالخبرُ حينئذ مجموعُ الثلاثةِ إذ هو المميّز له ﵊ تمييزاً عن جميع مَنْ عداه والمسيح لقبه ﵊ وهو من الألقاب

стр. 649

٤٦ - ٤٧ آل عمران المشرّفة كالصّدّيق وأصلُه بالعبرية مشيحاً ومعناه المبارَك وعيسى معرّبٌ من إيشوع والتصدّي لاشتقاقهما من المسْح والعَيْس وتعليلُه بأنَّه ﵊ مُسِحَ بالبركة أو بما يطهِّره من الذنوب أو مسَحَه جبريلُ عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ أو مسَح الأرضَ ولم يُقِمْ في موضع أو كان ﵊ يمسَح ذا العاهةِ فيبرَأُ وبأنه كان في لونه عيس أي بياض يغلوه حُمرةٌ من قبيل الرَّقْم على الماء وإنما قيل ابنُ مريم مع كون الخطابِ لها تنبيهاً على أنه يُولدُ من غير أبٍ فلا يُنسب إلا إلى أمه وبذلك فُضّلت على نساء العالمين ﴿وَجِيهًا فِي الدنيا والاخرة﴾ الوجيهُ ذو الجاه وهو القوةُ والمنَعةُ والشرَفُ وهو حالٌ مقدرةٌ من كَلِمَةَ فإنها وإن كانت نكرةً لكنها صالحة لأن ينتصِبَ بها الحال وتذكيرُها باعتبار المعنى والوجاهةُ في الدنيا النبوةُ والتقدمُ على الناس وفي الآخرة الشفاعةُ وعلوُّ الدرجة في الجنة ﴿وَمِنَ المقربين﴾ أي من الله وقيلَ هُو إشارةٌ إلى رفعه إلى السماء وصُحبةِ الملائكة وهو عطفٌ على الحال الأولى وقد عُطف عليه قولُه تعالى

стр. 650

﴿وَيُكَلّمُ الناس فِى المهد وَكَهْلاً﴾ أي يكلمهم حال كونِه طفلاً وكهلاً كلام الأنبياء من غير تفاوت والمهدُ مصدرٌ سُمِّي به ما يُمْهَد للصبيِّ أي يُسوَّى من مضجعه وقيل انه شاربا رفع والمراد وكهلاً بعد نزوله وفي ذكر أحوالِه المختلفة المتنافيةِ إشارةٌ إلى أنه بمعزلٍ من الألوهية ﴿وَمِنَ الصالحين﴾ حال أخرى من كلمة معطوفة على الأحوال السالفة أو من الضميرِ في يكلم

стр. 651

﴿قَالَتْ﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على السؤالِ كأنه قيل فماذا ظقالت مريمُ حين قالت لها الملائكةُ ما قالت فقيل قالت متضرعةً إلى ربها ﴿رَبّ أنى يَكُونُ﴾ أي كيف يكونُ أو من أين يكون ﴿لِى وَلَدٌ﴾ على وجه الاستبعاد العادي والتعجب واستعظامِ قدرةِ الله وقيل على وجه الاستفهامِ والاستفسارِ بأنه بالتزوج أو بغيره ويكون إما تامةٌ وأنى واللام متعلقتان بها وتأخيرُ الفاعل عن الجار والمجرور لما مرَّ من الاعتناء بالمقدَّمِ والتشويق إلى المؤخر ويجوز أن تتعلق اللامُ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من ولد إذ لو تأخرَ لكانَ صفةً لهُ وإما ناقصةٌ واسمُها ولد وخبرها إما أنى واللام متعلقة بمضمر وقع حالاً كما مر أو خبر وأنى نصبَ على الظرفية وقوله تعالى ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ﴾ جملةٌ حالية محقّقةٌ للاستبعاد أي والحال أني على حالة منافيةٍ للولادة ﴿قَالَ﴾ اسئناف كما سلف والقائلُ هو اللَّهُ تعالى أو جبريلُ ﵊ ﴿كذلك الله يَخْلُقُ مَا يَشَاء﴾ الكلامُ في إعرابه كما مرَّ في قصَّةِ زكريا بعينه خلا أن إيراد يخلق ههنا مكانَ يفعلُ هناك لما أن ولادةَ العذراءِ من غير أن يمسَّها بشرٌ أبدعُ وأغربُ من ولادة عجوزٍ عاقرٍ من شيخ فان فكان الخلق المنبئ عن الاختراع أنسبَ بهذا المقام من مطلق الفعل ولذلك عقّب ببيان كيفيته فقيل ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ من الأمور أي أراد شيئاً كما في قوله تعالى ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً﴾ وأصلُ القضاءِ الإحكام أطلق على الإرادة الإلهية القطعيةِ المتعلقةِ بوجود الشئ لإيجابها إياه

стр. 652

٤٨ - ٤٩ آل عمران البتة وقيل الأمر ومنه قوله تعالى وقضى ربك ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ﴾ لا غيرُ ﴿فَيَكُونُ﴾ من غير ريث وهو كما ترى تمثيلٌ لكمال قدرته تعالى وسهولةِ تأتى المقدورات حسيما تقتضيه مشيئتُه وتصويرٌ لسرعة حدوثِها بما هو علم فيها من طاعة المأمورِ المطيعِ للآمر القوى وبيانٌ لأنه تعالى كما يقدِر على خلق الأشياءِ مُدرَجاً بأسباب وموادَّ معتادةٍ يقدِر على خلقها دفعةً منْ غيرِ حاجةٍ إلى شيء من الأسباب والمواد

стр. 653

﴿وَيُعَلّمُهُ الكتاب﴾ أي الكتابةَ أو جنسَ الكتُبِ الإلهية ﴿والحكمة﴾ أي العلومَ وتهذيبَ الأخلاق ﴿والتوراة والإنجيل﴾ إفرادُهما بالذكر على تقدير كونِ المرادِ بالكتاب جنسَ الكتب المنزلة لزيادة فضلهما وإناقتها على غيرها والجملةُ عطف على يُبَشّرُكِ أو على وَجِيهاً أو على يخلق أو هو كلام مبتدأ سيق تطييباً لقلبها وإزاحةً لما أهمّها من خوف اللائمةِ لمّا علِمَت أنها تلِدُ من غير زوجٍ وقرىء ونعلِّمه بالنون

стр. 654

﴿ورسولا إلى بني إسرائيل﴾ منصوبٌ بمُضْمر يعود إليه المعنى معطوفٌ على يُعلّمه أي ويجعله رسولاً إلى بني إسرائيلَ أي كلِّهم وقال بعضُ اليهود إنه كان مبعوثاً إلى قوم مخصوصين ثم قيل كان رسولاً حال الصِّبا وقيل بعد البلوغ وكان أولَ أنبياءِ بني إسرائيلَ يوسفُ ﵊ وقوله تعالى ﴿أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ معمولٌ لرسولاً لما فيه من معنى النُطقِ أي رسولاً ناطقاً بأني الخ وقيل منصوبٌ بمضمر معمولٍ لقول مضمر معطوف على من يعلِّمه أي ويقول أُرسِلتُ رسولاً بأني قد جئتُكم الخ وقيل معطوفٌ على الأحوال السابقةِ ولا يقدَحُ فيه كونُها في حكم الغَيبة مع كونِ هذا في حكم التكلّم لِما عرَفتَ من أنَّ فيه معنى النُطقِ كأنه قيل حالَ كونه وجيهاً ورسولاً ناطقاً بأني الخ وقرىء ورسولٍ بالجر عطفاً على كَلِمَةَ والباء في قوله تعالى ﴿بِآيَةٍ﴾ متعلقةٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من فاعل الفعلِ على أنها للملابسة والتنوينُ للتفخيم دون الوحدة لظهور تعددها وكثرتها وقرىء بآيات أو بجئتُكم على أنها للتعدية ومِنْ في قولِه تعالَى ﴿مّن رَّبّكُمْ﴾ لابتداء الغايةِ مجازا متعلقةٌ بمحذوف وقعَ صفةً لآيةٍ أي قد جئتُكم ملتبساً بآية عظيمةٍ كائنةٍ مّن رَّبّكُمْ أوأتيتكم بآية عظيمة كائنةٌ منه تعالى والتعرضُ لوصفِ الرُّبوبيَّةِ مع الإضافةِ إلى ضمير المخاطَبين لتأكيد إيجاب الامتثالِ بما سيأتي من الأوامر وقولُه تعالى ﴿أَنِى أَخْلُقُ لَكُمْ مّنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير﴾ بدلٌ من قوله تعالى ﴿أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ ومحلُه النصبُ على نزع الجارِّ عند سيبويهِ والفرَّاءِ والجرُّ على رأي الخليلِ والكسائيّ أو بدلٌ من آية وقيل منصوبٌ بفعلٍ مُقدَّر أي أعنى أبى الخ وقيلَ مرفوعٌ على أنه خبر مبتدأ أي هي أَنِى أَخْلُقُ لكم وقرئ بكسر الهمزةِ على الاستئناف أي أقدّرُ لكم أي لأجل تحصيلِ إيمانِكم ودفعِ تكذيبكم إياى من

стр. 655

٥٠ - آل عمران الطين شيئاً مثلَ صورةِ الطير ﴿فَأَنفُخُ فِيهِ﴾ الضمير للكاف أي في ذلك الشئ المماثل لهيئة الطير وقرئ فأنفخ فيها على أن الضميرَ للهيئة المقدّرةِ أي أخلُق لكم من الطين هيئةً كهيئة الطيرِ فأنفخُ فيها ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا﴾ حياً طياراً كسائر الطيور ﴿بِإِذُنِ الله﴾ بأمرِه تعالى أشارَ ﵊ بذلك إلى أن إحياءَه من الله تعالى لا منه قيل لم يَخْلُقْ غيرَ الخفاش رُوي أنه ﵊ لما ادعى النبوةَ وأظهر المعجزاتِ طالبوه بخلق الخفاشِ فأخذ طيناً وصوَّره ونفخَ فيه فإذا هو يطيرُ بين السماء والأرض قال وهْبٌ كان يطير ما دام الناسُ ينظرون إليه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتاً ليتميز من خلقِ الله تعالَى قيل إنما طلبوا خلق الخفاشِ لأنه أكملُ الطير خلقاً وأبلغ دلالة على القدرة لأن له ثُدِيّاً وأسناناً وهي تحيض وتطُهر وتلِد كسائر الحيوان وتضحك كما يضحك الإنسانُ وتطير بغير ريش ولا تُبصِرُ في ضوء النهار ولا في ظلمة الليل وإنما ترى في ساعتين ساعةٍ بعد الغروب وساعةٍ بعد طلوع الفجر وقيل خَلَق أنواعاً من الطير ﴿وأبرئ الاكمه﴾ أي الذي وُلد أعمى أو الممسوحُ العين ﴿والابرص﴾ المبتلى بالبَرَص لم تكن العربُ تنفِرُ من شئ نفرها منه ويقال له الوَضَح أيضاً وتخصيصُ هذين الداءين لأنهما مما أعيا الأطباءَ وكانوا في غاية الحَذاقةِ في زمنه ﵊ فأراهم الله تعالى المعجزةَ من ذلك الجنس روي أنه ﵊ ربما كان يجتمعُ عليه ألوفٌ من المرضى مَنْ أطاق منهم أتاه ومن لم يُطِقْ أتاه عيسى ﵊ وما يداويه إلا بالدعاء ﴿وأحيي الموتى بإذن الله﴾ كرَّره مبالغةً في دفع وَهْمِ مَنْ توهّم فيه اللاهوتية قال الكلبيُّ كان ﵊ يُحيي الموتى بيا حيُّ يا قيُّومُ أحيا عازَرَ وكان صديقاً له فعاش وولد له ومر على ابن عجوز ميت فدعا الله تعالى فنزل عن سريره حياً ورجع إلى أهله وبقي وولد له وبنت العاشر أحياها وولدت بعد ذلك فقالوا إنك تحيي من كان قريبَ العهدِ من الموت فلعلهم لم يموتوا بل أصابهتهم سكتة فأحى لنا سامَ بنَ نوحٍ فقال دُلوني على قبره ففعلوا فقام على قبره فدعا الله فقام من قبره وقد شاب رأسه فقال ﵇ كيف شِبْتَ ولم يكن في زمانكم شيبٌ قال يا روحَ الله لما دعَوْتَني سمعتُ صوتاً يقول أجبْ روحَ الله فظننتُ أن الساعةَ قد قامت فمِنْ هِولِ ذلك شِبْتُ فسأله عن النزْع قال يا روحَ الله إن مرارتَه لم تذهَبْ من حَنْجَرَتي وكان بينه وبين موته أكثرُ من أربعةَ آلافِ سنةٍ وقال للقوم صدِّقوه فإنه نبيُّ الله فآمن به بعضُهم وكذبه آخرون فقالوا هذا سحرٌ فأرِنا آيةً فقال يا فلان أكلتَ كذا ويا فلان خبئ لك كذا وذلك قولُه تعالى ﴿وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ﴾ أي بالمغيَّبات من أحوالكم التي لا تشكّون فيها وقرئ تَذْخَرون بالذال والتخفيف ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما ذُكِرَ من الأمورِ العظامِ ﴿لآية﴾ عظيمة وقرئ لآياتٍ ﴿لَكُمْ﴾ دالةً على صِحة رسالتي دَلالةً واضحة ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ جوابُ الشرطِ محذوفٌ لانصباب المعنى إليه أو دِلالةِ المذكورِ عليه أي انتفعتم بها أو إن كنتم ممن يتأتَّى منهم الإيمانُ دلَّتْكم على صحة رسالتي والإيمانِ بها

стр. 656

﴿ومصدقا لّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التوراة﴾

стр. 657

عطفٌ على المضمر الذي تعلق به قوله تعالى بآية أي قد جئتكم ملتبساً بآية الخ ﴿ومصدِّقاً لما بين يديَّ﴾ الخ أو على رَسُولاً على الأوجه الثلاثةِ فإن مصدِّقاً فيه معنى النُطقِ كما في رسولاً أي ويجعله مصدِّقاً ناطقاً بأني أُصَدِّق الخ أو ويقول أُرسلتُ رسولاً بأني قد جئتُكم الخ ومصدقا الخ أو حالَ كونه مصدِّقاً ناطقاً بأني أُصَدِّق الخ أو منصوبٌ بإضمار فعلٍ دلَّ عليه قد جئتكم أي وجئتكم مصدقاً الخ وقولُه مِنَ التوراة إما حالٌ من الموصول والعاملُ مُصَدّقاً وإما من ضميره المستترِ في الظرف الواقعِ صلةً والعاملُ الاستقرارُ المُضْمرُ في الظرف أو نفسُ الظرف لقيامه مَقامَ الفعل ﴿وَلاِحِلَّ لَكُم﴾ معمولٌ لِمُضمرٍ دلَّ عليهِ ما قبلَهُ أيْ وجئتكم لأُحِل الخ وقيل عطفٌ على معنى مصدقاً كقولهم جئتُه معتذراً ولأجتلِبَ رضاه كأنه قيل قد جئتُكم لأصدِّق ولأحِل الخ وقيل عطفٌ على بِآيَةٍ أي قد جئتُكم بآية من ربكم ولأُحِلَّ لكم ﴿بَعْضَ الذي حُرّمَ عَلَيْكُمْ﴾ أي في شريعة موسى ﵊ من الشحومِ والثُروبِ والسمكِ ولحومِ الإبلِ والعملِ في السبت قيل أحَلَّ لهم من السمك والطير مالا صئصئة له واختلف في إحلال السبت وقرئ حَرَّم على تسمية الفاعل وهو ما بين يديّ أو الله وقرئ حَرُم بوزن كَرُم وهذا يدل على أن شرعَه كان ناسخاً لبعض أحكام التوراةِ ولا يُخِل ذلك بكونه مصدِّقاً لها لما أن النسخَ في الحقيقة بيانٌ وتخصيصٌ في الأزمان وتأخيرُ المفعول عن الجارِّ والمجرور لما مر مرارا من المبادرة إلى ذكر ما يسر المخاطبين والتشويق إلى ما أخر ﴿وَجِئْتُكُمْ بِأَيَةٍ مّن رَّبّكُمْ﴾ شاهدةٍ على صحة رسالتي وقرئ بآيات ﴿فاتقوا الله﴾ في عدم قَبولها ومخالفةِ مدلولها ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فيما آمرُكم به وأنهاكم عنه بأمر الله تعالى وتلك الآية هي قولي

стр. 658

﴿إن الله رَبّى وَرَبُّكُمْ فاعبدوه هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ﴾ فإنَّه الحقُّ الصريحُ الذي أجمع عليه الرسلُ قاطبةً فيكون آيةً بيِّنة على أنَّه ﵊ من جملتهم وقرئ إِنَّ الله بالفتح بدلاً من آية أو قد جئتكم بآية على إن الله ربى وربكم وقولُه فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ اعتراض والظاهرُ أنه تكريرٌ لما سبق أي قد جئتكم بآية بعد آية مما ذكرتُ لكم من خلق الطير وإبراءِ الأكمهِ والأبرصِ والإحياءِ والإنباءِ بالخفيات ومن غيره من ولادتي بغير أبٍ ومن كلامي في المهد ومن غير ذلك والأولُ لتمهيد الحجة والثاني لتقريبها إلى الحكم ولذلك رُتّب عليه بالفاءِ قولُه فاتقوا الله أي لِمَا جئتُكم بالمعجزات الباهرةُ والآياتِ الظاهرة فاتقوا الله في المخالفة وأطيعونِ فيما أدعوكم إليه ومعنى قراءةِ من فتح ولأن الله رَبّى وَرَبُّكُمْ فاعبدوه كقوله تعالى لإيلاف قُرَيْشٍ الخ ثم شرع في الدعوة وأشار إليها بالقول المجمل فقال إِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ إشارةً إلى أن استكمالَ القوةِ النظريةِ بالاعتقاد الحقِّ الذي غايتُه التوحيدُ وقال فاعبدوه إشارةً إلى استكمال القوةِ العمليةِ فإنه يلازِمُ الطاعة التي هي الإتيانُ بالأوامر والانتهاءُ عن المناهي ثم قرر ذلك بأنْ بيَّن أنَّ الجمعَ بين الأمرين هو الطريقُ المشهودُ له بالاستقامة ونظيرُه قوله ﵊ قُلْ آمَنْتُ بالله ثم اسْتَقِمْ

стр. 659

﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عيسى مِنْهُمُ الكفر﴾ شروعٌ في بيان مآلِ

стр. 660

أحوالِه ﵇ إثرَ ما أُشيرَ إلى طرَفٍ منها بطريق النقلِ عن الملائكة والفاءُ فصيحة تُفصِحُ عن تحقُّق جميعِ ما قالته الملائكةُ وخروجُه من القوةِ إلى الفعلِ حسبما شرحتُه كما في قوله تعالى فَلَمَّا رَآهُ مُستقرّاً عِندَه بعد قوله تعالى ﴿أنا آتيك بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إليك طرفك﴾ كأنه قيل فحمَلته فولدتْه فكان كيتَ وكيت وقال ذيتَ وذيت وإنما لم يذكر اكتفاءً بحكاية الملائكةِ وإيذاناً بعدم الخُلْفِ وثقةً بما فُصّل في المواضع الأُخَرِ وأما عدمُ نظمِ بقية احواله عليه الصلاة السلام في سلك النقلِ فإما للاعتناء بأمرِها أو لعدم مناسبتها لمقام البشارة لما فيها من ذكر مُقاساتِه ﵊ للشدائد ومعاناتِه للمكايد والمرادُ بالإحساس الإدراكُ القويُّ الجاري مَجرَى المشاهدةِ وبالكفر إصرارُهم عليه وعتوُّهم ومكابرتُهم فيه مع العزيمة على قتلِه ﵊ كما ينبئ عنه الإحساسُ فإنه إنما يُستعمل في أمثالِ هذهِ المواقعِ عند كونِ مُتعلّقِه أمراً محذوراً مكروهاً كما في قوله فَلَمَّا أَحَسُّواْ بَأْسَنَا إِذَا هم منا يَرْكُضُونَ وكلمةُ مِنْ متعلقةٌ بأحسّ والضميرُ المجرورُ لبني إسرائيلَ أي ابتدأ الإحساسَ من جهتهم وتقديمُ الجارِّ والمجرور على المفعول الصريح لما مر غيرَ مرةٍ من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخَّر وقيل متعلقةٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من الكفر ﴿قال﴾ أي لخص لأصحابه لا لجميعِ بني إسرائيلَ لقوله تعالى ﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيّينَ﴾ الآية وقوله تعالى ﴿فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة﴾ ليس بنص في توجيه الخطابِ إلى الكل بل يكفي فيه بلوغُ الدعوة إليهم ﴿مَنْ أَنصَارِى﴾ الأنصارُ جمع نصير كأشراف جمع شريف ﴿إِلَى الله﴾ متعلقٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من الياء أي مَنْ أنصاري متوجهاً إلى الله ملتجئاً إليه أو بأنصاري متضمناً معنى الإضافةِ كأنه قيل مَنِ الذين يُضيفون أنفسَهم إلى الله ينصُرونني كما ينصُرني وقيل إلى بمعنى في أي في سبيل الله وقيل بمعنى اللام وقيل بمعنى مع ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال ينساق إليه الذهنُ كأنه قيل فماذا قالوا في جوابِه ﵊ فقيلَ قال ﴿الحواريون﴾ جمعُ حَواريّ يقال فلان حَواري فلان أي صفوتُه وخالصتُه من الحَوَر وهو البياضُ الخالص ومنه الحوارياتُ للحَضَريات لخُلوص ألوانِهن ونقائِهن سُمّي به أصحاب عيسى ﵊ لخُلوص نياتِهم ونقاءِ سرائرِهم وقيل لِمَا عليهم من آثار العبادةِ وأنوارِها وقيل كانوا ملوكا يلبسون البيض وذلك أن واحداً من الملوك صنعَ طعاماً وجمع الناسَ عليه وكان عيسى ﵊ على قصعةٍ لا يزال يأكلُ منها ولا تنقُص فذكروا ذلك للملك فاستدعاه ﵊ فقال له من أنت قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ فترك مُلكَه وتبِعه مع أقاربه فأولئك هم الحَواريون وقيل كانوا صيادين يصطادون السمكَ يلبَسون الثيابَ البيض فيهم شمعونُ ويعقوبُ ويوحنا فمر بهم عيسى ﵊ فقال لهم أنتم تصيدون السمكَ فإن اتبعتموني صَرْتم بحيث تصيدون الناسَ بالحياة الأبدية قالوا من أنت قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ عبدُ اللَّه ورسولُه فطلبوا منه المعجزة وكان شمعونُ قد رمى شبكتَه تلك الليلةَ فما اصطاد شيئاً فأمره عيسى ﵊ بإلقائها في الماء مرةً أخرى ففعل فاجتمع في الشبكة من السمك ما كادَتْ تتمزقُ واستعانوا بأهل سفينة أخرى وملئوا السفينتين فعند ذلك آمنوا بعيسى ﵇ وقيل كانوا اثنيْ عشرَ رجلاً آمنوا به ﵊ واتبعوه وكانوا إذا جاعوا قالوا جُعْنا يا روحَ الله فيضرِب بيده الأرضَ فيخرُجُ منها لكل واحد رغيفان وإذا عطِشوا قالوا

стр. 661

٥٣ - ٥٤ آل عمران عطِشنا فيضرب بيده الأرضَ فيخرُج منها الماءُ فيشربون فقالوا من أفضلُ منا قال ﵊ أفضلُ منكم من يعمل بيدِه ويأكلُ من كَسْبه فصاروا يغسِلون الثيابَ بالأُجرة فسُمّوا حَواريين وقيل إن أمَّه سلّمتْه إلى صبّاغ فأراد الصباغُ يوماً أن يشتغل ببعض مَهمَّاتِه فقالَ لَهُ ﵊ ههنا ثيابٌ مختلفة قد جَعَلْتُ لكل واحدٍ منها علامةً معينةً فاصبِغْها بتلك الألوانِ فغاب فجعلَ ﵊ كلَّها في جُبَ واحدٍ وقال كوني بإذن الله كما أُريد فرجع الصبَّاغُ فسأله فأخبره بما صنع فقال أفسدتَ عليّ الثيابَ قال قمْ فانظرْ فجعل يُخرِجُ ثوباً أحمرَ وثوباً أخضرَ وثوباً أصفرَ إلى أن أخرج الجميعَ على أحسنِ ما يكون حسبما كان يريد فتعجَّبَ منه الحاضرون وآمنوا به ﵊ وهم الحواريون قال القفالُ ويجوزُ أن يكون بعضُ هؤلاء الحواريين الاثنيْ عشرَ من الملوك وبعضُهم من صيادي السمك وبعضُهم من القصّارين وبعضُهم من الصبَّاغين والكلُّ سُمّوا بالحَواريين لأنهم كانوا أنصار عيسى ﵊ وأعوانَه والمخلِصين في طاعته ومحبتِه ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ الله﴾ أي أنصار دينه ورسولِه ﴿آمنَّا بالله﴾ استئنافٌ جارٍ مَجرى العلةِ لما قبله فإن الإيمانَ بهِ تعالى موجبٌ لنُصرة دينِه والذبِّ عن أوليائه والمحاربةِ مع أعدائه ﴿واشهد بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ مخلِصون في الإيمانِ منقادون لما تريد منا من نصرتك طلبوا منه ﵊ الشهادةَ بذلك يومَ القيامة يوم يشهد الرسلُ عليهم الصلاة والسلام لأُممهم وعليهم إيذاناً بأن مرمى غرضِهم السعادةُ الأخروية

стр. 662

﴿ربنا آمنا بِمَا أَنزَلَتْ﴾ تضرّعٌ إلى الله وعرْضٌ لحالهم عليه تعالى بعد عرضِها على الرسول مبالغةً في إظهار أمرِهم ﴿واتبعنا الرسول﴾ أي في كلِّ ما يأتي ويذر من أمور الدينِ فيدخُل فيه الاتّباعُ في النُّصرة دخولاً أولياً ﴿فاكتبنا مَعَ الشاهدين﴾ أي مع الذين يشهدون بوحدنيتك أو مع الأنبياء الذين يشهدون لأتباعهم أو مع أمة محمَّدٍ ﵊ فإنهم شهداءُ على الناس قاطبةً وهو حالٌ من مفعول اكتبنا

стр. 663

﴿وَمَكَرُواْ﴾ أي الذين علِمَ عيسى ﵊ كفرَهم من اليهود بأن وكلّوا به من يقتُله غِيلةً ﴿وَمَكَرَ الله﴾ بأن رفع عيسى ﵊ وألقى شَبَهَه على من قصد اغتيالَه حتى قُتل والمكرُ من حيث أنه في الأصل حيلةٌ يُجلَب بها غيرُه إلى مَضرّة لا يمكن إسنادُه إليه سبحانه إلا بطريق المشاكلة روي عن ابن عباس ﵄ أنَّ ملِكَ بني إسرائيلَ لما قصد قتلِه ﵊ أمره جبريل ﵊ إن يدخُلَ بيتاً فيه روزنة فرفعه جبريل من تلك الروزنة إلى السماء فقال الملكُ لرجل خبيثٍ منهم أدخُل عليه فاقتُله فدخل البيت فألقى الله شَبَهَه عليه فخرج يُخبرهم أنه ليس في البيت فقتلوه وصلبوه وقيلَ إنَّه ﵊ جمع الحواريين ليلةً وأوصاهم ثم قال لَيَكفرَنّ بي أحدُكم قبل أن يَصيح الديكُ ويَبيعَني بدراهِمَ يسيرة فخرجوا وتفرقوا وكانت اليهودُ تطلُبه فنافق أحدُهم فقال لهم ما تجعلون لي إن دَلَلْتُكم على المسيح فجعلوا

стр. 664

٥٥ - آل عمران له ثلاثين درهماً فأخذها ودلهم عليه فألقى الله عليه شبه عيسى ﵊ ورفعه إلى السماء فأخذوا المنافِقَ وهو يقول أنا دليلُكم فلم يلتفتوا إلى قوله وصَلَبوه ثم قالوا وجهُه يُشبه وجهَ عيسى وبَدَنُه يشبه بدنَ صاحبِنا فإن كان هذا عيسى فأين صاحبُنا وإن كان صاحِبَنا فأين عيسى فوقع بينهم قتالٌ عظيم وقيل لما صُلب المصلوب جاءت مريمُ ومعها امرأةٌ أبرأها الله تعالى من الجنون بدعاء عيسى ﵊ وجعلتا تبكِيان على المصلوب فأنزل الله تعالى عيسى ﵊ فجاءهما فقال علام تبكيان فقالتا عليك فقال إنَّ الله تعالى رفعني ولم يُصِبني إلا خيرٌ وإن هذا شئ شُبِّه لهم قال محمد بن إسحق إن اليهودَ عذبوا الحواريين بعد رفع عيسى ﵊ ولقُوا منهم الجَهْدَ فبلغ ذلك ملكَ الرومِ وكان ملكُ اليهود من رعيته فقيل له إن رجلاً من بني إسرائيلَ ممن تحت أمرِك كان يخبرهم أنه رسولُ الله وأراهم إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وفعل وفعل فقال لو علِمْتُ ذلك ما خلَّيْتُ بينهم وبينه ثم بعث إلى الحواريين فانتزعهم من أيديهم وسألهم عن عيسى ﵊ فأخبروه فبايعهم على دينهم وأنزل المصلوبَ فغيّبه وأخذ الخشبةَ فأكرمها ثم غزا بني إسرائيلَ وقتل منهم خلقاً عظيماً ومنه ظهر أصلُ النصرانيةِ في الروم ثم جاء بعده ملِكٌ آخر يقال له ططيوس وغزا بيتَ المقدس بعد رفع عيسى ﵊ بنحوٍ من أربعين سنةً فقتلَ وسبَى ولم يترُكْ في مدينة بيتِ المقدسِ حجراً على حجر فخرج عند ذلك قريظةُ والنضيرُ إلى الحجاز قال أهلُ التواريخ حملت مريم بعيسى ﵊ وهي بنتُ ثلاثَ عشرةَ سنةً وولدته ببيتَ لَحْمَ من أرض أورشليم لمُضيِّ خمسٍ وستين سنةً من غلبة الإسكندرِ على أرض بابلَ وأوحى الله تعالى إليه على رأس ثلاثينَ سنةً ورفعه إليه من بيت المقدس ليلة القدر من شهر رمضانَ وهو ابنُ ثلاثٍ وثلاثين سنةً وعاشت أمُه بعد رفعِه ستَّ سنين ﴿والله خَيْرُ الماكرين﴾ أقواهم مكراً وأنفذُهم كيداً وأقدرُهم على إيصال الضرر مِن حيثُ لَا يحتسبُ وإظهارُ الجلالةِ في موقعِ الإضمار لتربية المهابة والجملةُ تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبله

стр. 665

﴿إِذْ قَالَ الله﴾ ظرفٌ لمكرَ الله أو لمضمر نحو وقع ذلك ﴿يا عيسى إِنّي مُتَوَفّيكَ﴾ أي مستوفي أجلِك ومؤخرُك إلى أجلك المسمَّى عاصِماً لك من قتلهم أو قابضُك من الأرض من توفيتُ مالي أومتوفيك نائماً إذ رُوي أنه رُفع وهو نائم وقيل مميتُك في وقتك بعد النزول من السماء ورافعُك الآن أو مميتُك من الشهوات العائقة عن العروج إلى عالم الملكوت وقيل أماته الله تعالى سبعَ ساعاتٍ ثم رفعه إلى السماء وإليه ذهبت النصارى قال القرطبيُّ والصحيحُ أن الله تعالى رفعه من غير وفاةٍ ولا نومٍ كما قال الحسنُ وابنُ زيد وهو اختيارُ الطبري وهو الصحيحُ عن ابن عباس ﵄ وأصل القصة أن اليهودَ لما عزموا على قتلِه ﵊ اجتمع الحواريون وهم اثنا عشرَ رجلاً في غرفة فدخل عليهم المسيحُ من مِشكاة الغرفةِ فأخبر بهم إبليسُ جميعَ اليهود فركِبَ

стр. 666

٥٦ - آل عمران منهم أربعةُ آلافِ رجلٍ فأخذوا باب الغرفة فقال المسيحُ للحواريين أيُكم يخرجُ ويُقتل ويكونُ معي في الجنة فقال واحد منهم أنا يا نبيَّ الله فألقى عليه مدرعة من صوفٍ وعِمامةٍ من صوف وناوله عكّازَه وأُلقيَ عليه شبه عيسى ﵊ فخرج على اليهود فقتلوه وصلبوه وأما عيسى ﵊ فكساه الله الريشَ والنورَ وألبسه النورَ وقطع عنه شهوةَ المطعمِ والمشرب وذلك قوله تعالى إِنّي مُتَوَفّيكَ فطار مع الملائكة ثم إن أصحابه حين رأَوْا ذلك تفرَّقوا ثلاثَ فِرَقٍ فقالت فِرقةٌ كان الله فينا ثم صعِدَ إلى السماء وهم اليعقوبيةُ وقالت فرقة أخرى كان فينا ابنُ الله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه وهم النسطوريةُ وقالت فرقةٌ أخرى منهم كان فينا عبدُ الله ورسولُه ما شاء الله ثم رفعه الله إليه وهؤلاء هم المسلمون فتظاهرت عليهم الفرقتانِ الكافرتان فقتلوهم فلم يزل الإسلامُ منطمساً إلى أن بعث الله تعالى محمدا ﷺ ﴿وَرَافِعُكَ إِلَىَّ﴾ أي إلى محل كرامتي ومقرِّ ملائكتي ﴿وَمُطَهّرُكَ مِنَ الذين كَفَرُواْ﴾ أي من سوء جوارِهم وخبثِ صُحبتِهم ودنَسِ معاشرتِهم ﴿وَجَاعِلُ الذين اتبعوك﴾ قال قتادةُ والربيعُ والشعبيُّ ومقاتِلٌ والكلبيُّ هم أهل الإسلام الذين صدّقوه واتبعوا دينَه من أمة محمدٍ ﷺ دون الذين كذّبوه وكذَبوا عليه من النصارى ﴿فَوْقَ الذين كَفَرُواْ﴾ وهم الذين مكروا به ﵊ ومن يسير بسيرتهم من اليهود فإن أهلَ الإسلام فوقهم ظاهرين بالعزة والمَنَعة والحُجة وقيل هم الحواريون فينبغي أن تُحمل فوقيتُهم على فوقية المسلمين بحكم الاتحادِ في الإسلام والتوحيد وقيل هم الرومُ وقيل هم النصارى فالمرادُ بالاتباع مجرَّدُ الادعاء والمحبة وإلا فأولئك الكفرةُ بمعزل من أتباعِه ﵊ ﴿إلى يَوْمِ القيامة﴾ غايةٌ للجعل أو للاستقرار المقدّرِ في الظرف لا على مَعْنى أنَّ الجعلَ أو الفوقيةَ تنتهي حينئذ ويتخلّص الكفرةُ من الذِلة بل على مَعْنى أنَّ المسلمين يعلُونهم إلى تلك الغاية فأما بعدها فيفعل الله تعالى بهم ما يريد ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي رجوعكم بالبعث وثم للتراخي وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ للقصرِ المفيدِ لتأكيد الوعدِ والوعيد والضمير لعيسى ﵊ وغيرِه من المتبعين له والكافرين به على تغليبُ المخاطَب على الغائبِ في ضمن الالتفاتِ فإنه أبلغُ في التبشير والإنذار ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ يومئذ إثرَ رجوعِكم إليّ ﴿فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ من أمور الذين وفيه متعلقٌ بتختلفون وتقديمُه عليه لرعاية الفواصلِ

стр. 667

﴿فَأَمَّا الذين كَفَرُواْ فَأُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ تفسيرٌ للحكم الواقعِ بين الفريقين وتفصيلٌ لكيفيته والبدايةُ ببيانِ حالِ الكفرة لما أنَّ مساقَ الكلامِ لتهديدهم وزجرِهم عمَّا هُم عليهِ من الكفر والعِناد وقولُه تعالى ﴿فِى الدنيا والاخرة﴾ متعلقٌ بأعذبهم لا بمعنى إيقاعِ كلِّ واحدٍ من التعذيب في الدنيا والتعذيبِ في الآخرة وإحداثِهما يومَ القيامة بل بمعنى إتمامِ مجموعِهما يومئذ وقيل إن المرجِعَ أعمُّ من الدنيوي والأخروي وقولُه تعالى إلى يَوْمِ القيامة غايةٌ للفوقية لا للجعلِ والرجوعُ متراخٍ عن الجعل وهو غيرُ محدودٍ لا عن الفوقية المحدودةِ على نهج قولِك سأُعيرك سكني هذا البيتَ شهراً ثم أخلَع عليك خلْعةً فيلزَمُ تأخرُ الخُلع عن الإعارة لا عن الشهر ﴿وَمَا لَهُم مِن ناصرين﴾ يُخلِّصونهم من عذابِ الله تعالى في الدارين وصيغةُ الجمعِ لمقابلة ضميرِ الجمعِ أي

стр. 668

٥٧ - ٥٨ ٥٩ ٦٠ آل عمران ليس لواحدٍ منهم ناصرٌ واحد

стр. 669

﴿وأما الذين آمنوا﴾ بما أُرسِلْتُ به ﴿وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ كما هو ديدَنُ المؤمنين ﴿فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أي يعطيهم إياها كاملة ولعلالألتفات إلى الغَيبة للإيذان بما بين مصدري التعذيبِ والإثابةِ من الاختلاف من حيث الجلال والجمال وقرئ فنو فيهم جرياً على سَنن العظمةِ والكبرياء ﴿والله لَا يُحِبُّ الظالمين﴾ أي يبغضهم فإن هذه الكنايةَ فاشيةٌ في جميع اللغاتِ جاريةٌ مجرى الحقيقة وإيراد الضلم للإشعار بأنهم بكفرهم متعدّون متجاوزون على الحدود واضعون للكفر مكانَ الشكرِ والإيمانِ والجملةُ تذييلٌ لما قبله مقرِّرٌ لمضمونه

стр. 670

﴿ذلك﴾ إشارة إلى ما سلف من نبأ عيسى ﵊ وما فيه من معنى البعد للدلالة على عظم شأنِ المُشَارِ إليهِ وبُعْدِ منزلتِه في الشرف وعلى كونه في ظهور الأمرِ ونباهةِ الشأن بمنزلة المشاهَد المعايَن وهو مبتدأٌ وقولُه ﴿نَتْلُوهُ﴾ خبرُه وقولُه تعالى ﴿عَلَيْكَ﴾ متعلقٌ بنتلوه وقولُه تعالى ﴿مِنَ الايات﴾ حالٌ من الضمير المنصوبِ أو خبر بعد خبر أو هو الخبرُ وما بينهما حالٌ من اسمِ الإشارة أو ذلك خبرٌ لمبتدإ مضمرٍ أي الأمرُ ذلك ونتلوه حالٌ كما مر وصيغة الاستقبال إما لا ستحضار الصورةِ أو على معناها إذ التلاوةُ لم تتِمَّ بعدُ ﴿والذكر الحكيم﴾ أي المشتملِ على الحِكَم أو المُحكمِ الممنوعِ من تطرُّق الخللِ إليه والمرادُ به القرآنُ فمن تبعيضيةٌ أو بعضٌ مخصوصٌ منه فمن بيانيةٌ وقيل هو اللوحُ المحفوظُ فمن ابتدائية
следующие страницы →