Полный текст (8 642 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.
стр. 6196
﴿فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا﴾ شدةَ عذابِنا ومنْهُ قولُه تعالى بعذاب بئيس ﴿قالوا آمنا بالله وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ يعنونَ الأصنامَ
стр. 6197
﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمانهم لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا﴾ أي عندَ رؤيةِ عذابِنا لامتناعِ قَبولِه حينئذٍ ولذلكَ قيلَ فلم يك بمعنى لَم يصحَّ ولم يستقمْ والفاء الاولى بيان عاقبةِ كثرتِهم وشدةِ قوتِهم وما كانُوا يكسبونَ بذلكَ زعما منهم ان يُغنِي عنُهم فلم يترتبْ عليهِ إلا عدمُ الإغناءِ فبهذا الاعتبارِ جرى مَجرى النتيجةِ وإنْ كانَ عكسَ الغرضِ ونقيضَ المطلوبِ كَما في قولك وعظتُه فلم يتعظْ والثانيةُ تفسيرٌ وتفصيلٌ لما أُبهمَ وأُجملَ من عدمِ الإغناءِ وقد كثُر في الكلامِ مثلُ هذه الفاء ومبناها على التفسيرَ بعدَ الإبهامِ والتفصيلِ بعد الإجمالِ والثالثةُ لمجردِ التعقيبِ وجعلِ ما بعدَها تابعاً لما قبلَها واقعاً عقيبه لأنَّ مضمونَ قولِه تعالَى فلمَّا جاءتْهُم الخ هُو أنَّهم كفُروا فصارَ مجموعُ الكلامِ بمنزلةِ أنْ يقالَ فكفرُوا ثمَّ لما رَأَوا بأسَنا آمنُوا والرابعةُ للعطفِ على آمنُوا كأنَّه قيلَ فآمنُوا فلم ينفعْهُم لأنَّ النافعَ هُو الإيمانُ الاختياريُّ ﴿سُنَّةَ الله التى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِ﴾ أي سَنَّ الله تعالَى ذلكَ سُنَّةً ماضيةً في العباد وهو من المصادر المؤكدةِ ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكافرون﴾ أي وقتَ رؤيتِهم البأسَ على أنه اسم مكان قد استُعيرَ للزمانِ كما سلفَ آنِفاً عن رسولِ الله ﷺ مَنْ قرأَ سورةَ المؤمنِ لم يبقَ روحُ نبيَ ولا صدِّيقٍ ولا شهيدٍ ولا مؤمنٍ إلا صلَّى عليه واستغفر له
стр. 6198
سورة
فصلت آية (١ ٥)
﴾ ٥
سورة فصلت مكية وآياتها أربع وخمسون آية
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرحيم﴾
стр. 6199
﴿حم﴾ إنْ جُعلَ إسماً للسورةِ فهو إما خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ وهو الأظهرُ لما مر سرِّه مِراراً أو مبتدأٌ خبره
стр. 6200
﴿تنزل﴾ وهو عَلى الأولِ خبرٌ وخبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ إن جُعلَ مسروداً على نمطِ التعديدِ وقولُه تعالى ﴿مّنَ الرحمن الرحيم﴾ متعلقٌ به مؤكِّدٌ لما أفادَه التنوينُ من الفخامةِ الذاتيةِ بالفخامةِ الإضافيةِ أو خبرٌ آخرُ أو تنزيلٌ مبتدأٌ لتخصُّصِه بالصفةِ خبرُه
стр. 6201
﴿كتاب﴾ وهو على الوجوده الأُوَل بدلٌ منْهُ أو خبرٌ آخرُ أو خبرٌ لمحذوفٍ ونسبةُ التنزيلِ إلى الرحمن الرحيمِ للإيذانِ بأنه مدارٌ للمصالحِ الدينيةِ والدنيويةِ واقعٌ بمقتضى الرحمةِ الربانيةِ حسبما ينبيء عنه قوله تعالى ﴿وَمَا أرسلناك إِلَاّ رحمة للعالمين﴾ ﴿فصلت آياته﴾ ميرت بحسبِ النظمِ والمَعنْى وجُعلتْ تفاصيل في اساليب مختلة ومعانٍ متغايرةٍ من أحكامٍ وقصصٍ ومواعظَ وأمثالٍ ووعدٍ ووعيد وفرىء فُصِلَتْ أي فَرَقتْ بينَ الحقِّ والباطلِ أو فُصلَ بعضُها من بعضٍ باختلافِ الأساليب والمعان من قولكَ فصَل من البلد فصولاً ﴿قرآنا عَرَبِيّاً﴾ نصبَ على المدحِ أو الحاليةِ من كتابٌ لتخصصه بالصفة أو من آياته ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي معانيَهُ لكونِه على لسانِهم وقيلَ لأهل العلم والنظر لأنهم المنتفعونَ به واللامُ متعلة بمحذوفٍ هو صفةٌ أُخْرى لقرآناً أي كائناً لقومٍ الخ أو بتنزيلٌ على أنَّ منَ الرحمن الرحيمِ ليستْ بصفة له أو بفصِّلَتْ
стр. 6202
﴿بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ صفتانِ أُخريانِ لقرآنا أي بشير الأهل الطاعة ونذيراً لأهل المعصية أو حالانِ منْ كتابٌ أو من آياتِه وقُرِئَا بالرفع على الوصفية لكتابٌ أو الخبريةِ لمحذوف ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾ عنْ تدبره مع كونه على لغتهم ﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ سماعَ تفكرٍ وتأمل حتى يفهموا اجلالة قدرِه فيؤمنُوا به
стр. 6203
﴿وقالوا﴾
стр. 6204
فصلت آية (٦ ٨) أي لرسول الله ﷺ عندَ دعوتِه إيَّاهم إلى الإيمان والعملِ بما في القرآن ﴿قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ﴾ أي أغطية ﴿مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى آذاننا وقر﴾ أي صمم الثقل وقرىء بالكسر وفرىء بفتحِ القافِ ﴿وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ غليظ بمنعنا عن التواصلِ ومنْ للدلالةِ على أن الحجابَ مبتدأٌ من الجانبينِ بحيثُ استوعبَ ما بينهما من المسافةِ المتوسطةِ ولم يبقَ ثمةَ فراغٌ أصلاً وهذه تمثيلاتٌ لنُبوِّ قلوبِهم عنْ إدراك الحق وقبله ومج أسماعههم له كأن بهاصمما وامتناع مواصلتِهم وموافقتِهم للرسولِ ﷺ ﴿فاعمل﴾ أي على دينكَ وقيلَ في إبطال أمرنا ﴿إِنَّنَا عاملون﴾ أي على دينِنا وقيل في إبطال أمرِك والأولُ هو الأظهرُ فإن قولَه تعالى
стр. 6205
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بشرٌ مثلُكم يوحى إِلَىَّ أَنَّمَا إلهكم إله وَاحِدٌ﴾ تلقينٌ للجوابِ عنه أي لستُ منْ جنس مغايرٍ لكم حتى يكونَ بيني وبينكم حجابٌ وتباينٌ مصححٌ لتباين الأعمالِ والأديان كما ينبىءُ عنه قولُكم فاعملْ إننَا عاملون بل إنما مثلُكم مأمورٌ بما أُمرتم به حيثُ أُخبرْنا جميعاً بالتوحيد بخظاب جامع بين وبينكم فإن الخطابَ في إلهكم محكى منتظم للكل لا أنه خطابٌ منه ﵊ كما في مثلُكم وقيلَ المعنى لستُ مَلَكاً ولا جِنياً لا يمكنكم التقلى منه ولا أدعوكم إلى ما تنبو عنه العقولُ والأسماعُ وإنما أدعوكُم إلى التوحيدِ والاستقامةِ في العملِ وقد تدلُّ عليهما دلائلُ العقلِ وشواهدُ النقلِ وقيلَ المَعْنى إني لستُ بملَكٍ وإنما أنا بشرٌ مثلُكم وقد أُوحي إليّ دونَكُم فصحَّتْ بالوحي إليَّ ون بشرٌ نبوتِي وإذا صحَّت نبوتِي وجبَ عليكم اتباعِي فتأمل والفاء في قوله تعالى ﴿فاستقيموا إِلَيْهِ﴾ لترتيبِ ما بعدها على ما قبلها من إحياء الوحدانيةِ فإن ذلك موجبٌ لاستقامتِهم إليه تعالى بالتوحيدِ والإخلاصِ في الأعمالِ ﴿واستغفروه﴾ مما كنتم عليهِ من سُوءِ العقيدةِ والعملِ وقولُه تعالى ﴿وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ﴾ ترهيبٌ وتنفيرٌ لهم عن الشركِ إثَر ترغيبِهم في التوحيدِ ووصفهم بقولِه تعالى
стр. 6206
﴿الذين لا يؤتون الزكاة﴾ لزيادة التحذيرِ والتخويفِ عن منع الزكاةِ حيثُ جُعلَ من أوصافِ المشركينَ وقُرنَ بالكفر بالآخرة حيث قيل ﴿وَهُمْ بالاخرة هُمْ كافرون﴾ وهو عطفٌ على لا يُؤتون داخلٌ في حيزِ الصلةِ واختلافُهما بالفعلية والاسميةِ لما أنَّ عدمَ إيتائِها متجددٌ والكفرُ أمرٌ مستمرٌ ونُقلَ عن ابن عباس ﵄ أنه فسرَ لا يُؤتون الزكاةَ بقوله لا يقولون لا إله إلا الله فإنها زكاةُ الأنفسِ والمعنى لا يظهرون أنفسَهُم من الشرك بالتوحيد وهو مأخوذٌ من قولِه تعالى ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ وقال الضحاكُ ومقاتلٌ لا ينفقون في الطاعات ولا يتصدقُون وقال مجاهدٌ لا يزكون أعمالَهُم
стр. 6207
﴿إن الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي
стр. 6208
فصلت آية (٩ ١٠) لا يُمنُّ به عليهم من المَنِّ وأصله الثقلُ أولا يُقطع من مننتُ الحبلَ قطعتُه وقيل نزلتْ في المَرضى والهَرمى إذا عجزُوا عن الطاعة كُتب لهم الأجرُ كأصحِّ ما كانوا يعلمونه
стр. 6209
﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ﴾ إنكارٌ وتشنيعٌ لكفرهم وإنَّ واللامُ إنا لتأكيد الإنكارِ وتقديمُ الهمزةِ لاقتضائها الصدارةَ لا لإنكارِ التأكيدِ وإما للإشعارِ بأن كفرَهُم من البعد بحيثُ ينكرُ العقلاءُ وقوعَهُ فيحتاجُ إلى التأكيد وإنما علق كفرُهم بالموصول حيثُ قيل ﴿بالذى خَلَقَ الأرض فِى يَوْمَيْنِ﴾ لتفخيم شأنِه تعالى واستعظامِ كفرِهم به أي بالعظيمِ الشأنِ الذي قدَّرَ وجودَها أي حكَم بأنها ستوجدُ في مقدار يومينِ أو في نوبتينِ على أن ما يُوجدُ في كل نوبة بأسرعِ ما يكونُ وإلا فاليومُ الحقيقيُّ إنما يتحققُ بعدَ وجودِها وتسويةِ السمواتِ وإبداعِ نيرّاتِها وترتيبِ حركاتِها ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً﴾ عطفٌ على تكفرُونَ داخلٌ في حكم الإنكارِ والتوبيخِ وجمعُ الأندادِ باعتبار ما هو الواقعُ لا بأن يكونَ مدارُ الإنكارِ هو التعددُ أي وتجلعون له أنداداً والحالُ أنه لا يمكنُ أن يكونَ له ندٌّ واحدٌ ﴿ذلك﴾ إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلةِ وما فيهِ منْ معنى البعد مع قرب العهدِ بالمُشار إليه للإيذان ببُعدِ منزلِته في العظمة وإفرادُ الكافِ لما مرَّ مرار من أنَّ المرادَ ليس تعيينَ المخاطبينَ وهو مبتدأٌ خبرُه ما بعده أي ذَلِكَ العظيمُ الشأنِ الذي فعلَ ما ذُكرَ ﴿رَبّ العالمين﴾ أي خالقُ جميعِ الموجوداتِ ومربيها دونَ الأرضِ خاصَّة فكيفَ يتُصورُ أن يكونَ أخسُّ مخلوقاتِه نِداً له وقولُه تعالَى
стр. 6210
﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ﴾ عطفٌ على خلقَ داخلٌ في حكمِ الصلةِ والجعلُ إبداعيٌّ وحديثُ لزومِ الفصلِ بينهما بجملتين خارجيتين عن حيزِ الصلةِ مدفوعٌ بأن الأُولى متحدةٌ بقولِه تعالى تكفرونَ فهو بمنزلةِ الإعادةِ له والثانيةُ اعتراضيةٌ مقررةٌ لمضمون الكلامِ بمنزلة التأكيدِ فالفصلُ بهما كلَا فصلٍ على أن فيه فائدةَ التنبيِه على أن مجر المعطوفِ عليه كافٍ في تحقق ربوبيتِه للعالمينَ واستحالةِ أنْ يجعلَ له ندٌّ فكيفَ إذا انضمَّ إليه المعطوفاتُ وقيلَ هو عطفٌ على مقدرٍ أي خلقَها وجعلَ الخ وقيلَ هو كلام مستأنف وأيا ما كان فالمرادُ تقديرُ الجعلِ لا الجعلُ بالفعل وقوله تعلى ﴿مّن فَوْقِهَا﴾ متعلقٌ بجعلَ أو بمضمرٍ هو صفةٌ لرواسِي أي كائنةً من فوقها مرتفعةً عليها لتكونَ منافعها معرضة لأهللها ويظهرَ للنظّارِ ما فيَها من مراصد الاعتيار ومطارحِ الأفكارِ ﴿وبارك فِيهَا﴾ أي قدرَ أن يكثرَ خيرُها بأن يخلقَ أنواعَ الحيواناتِ التي من جُملتها الإنسانُ وأصنافُ النباتِ التي منها معايشُهم ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أقواتها﴾ أي حكَم بالفعلِ بأن يوجدَ فيما سيأتي لأهلها من الأنواع المختلفةِ أقواتُها المناسبةُ لها على مقدار معينٍ تقتضيه الحكمةُ وقُرِىءَ وقَسَّم فيَها أقواتَها
стр. 6211
فصلت آية (١١ ١٢) ﴿فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ متعلقٌ بحصول الأمورِ المذكورةِ لا بتقديرها أي قدرَ حصولَها في يومينِ وإنما قيلَ فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أي تتمةِ أربعةٍ تصريحاً بالفذلكةِ ﴿سَوَآء﴾ مصدرٌ مؤكدٌ لمضمرٍ هو صفى لأيامٍ أي استوتْ سواءً أيَّ استواءً كما ينبىءُ عنْهُ القراءةُ بالجرِّ وقيلَ هُو حالٌ من الضمير في أقواتها أو في فيَها وقُرِىءَ بالرفع أي هى سواء ﴿للسائلين﴾ منتعلق بمحذوف تقديرُه هذا الحصرُ للسائيلن عن مدةِ خلقِ الأرضِ وما فيها أو بقدَّرَ أي قدَّرَ فيها أقواتَها لأجل السائلينَ أي الطالبين لها المحتاجين إليها من المقتاتين وقوله تعالى
стр. 6212
﴿ثُمَّ استوى إِلَى السماء﴾ شروعٌ في بيانِ كيفيةِ التكوين إثر بيان كفية التقدير ولعل تحصيص البيانِ بما يتعلقُ بالأرض وأهلِها لما أن بيان اعتنائِه تعالى بأمر المخاطبين وترتيبِ مبادِي معايشِهم قبلَ خلقِهم مما يحملُهم على الإيمان ويزجرهم عن الكفر والظغيان أي ثم قصدَ نحوهَا قصداً سوياً لا يلوِي على غيرِه ﴿وَهِىَ دُخَانٌ﴾ أي أمرٌ ظلمانيٌّ عبرَ به عن مادتها أو عن الأجزاء المتصغرةِ التي ركبتْ هي منها أو دخانٌ مرتفعٌ من الماءِ كما سيأتي وإنما خصَّ الاستواءَ بالسماءِ مع أن الخطابَ المترتبَ عليه متوجهٌ إليهما معاً حسبما ينطِق به قولُه تعالى ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلاْرْضِ﴾ اكتفاءً بذكر تقديرها وتقدير ما فيها كأنه قيل فقال لها وللأرض التي قدر ووجودها وودود ما فيها ﴿ائتيا﴾ أي كُونا واحدُثا على وجه معينٍ وفي وقت مقدرٍ لكل منكُما وهو عبارةٌ عن تعلق إرادته تعلى بوجودهما تعلقاً فعلياً بطريق التمثيلِ بعد تقديرِ أمرِهما من غير أن يكون هناك أمرٌ ومأمورٌ كما في قوله تعالى كُنْ وقولُه تعالى ﴿طَوْعاً أَوْ كَرْهاً﴾ تمثيلٌ لتحتم تأثيرِ قدرته تعلى فيهما واستحالةِ امتناعِهما من ذلكَ لا إثباتُ الطوعِ والكرهِ لهما وهما مصدرانِ وقعا موقعَ الحالِ أي طائعتينِ أو كارهتينِ وقولُه تعلى ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ أي منقادينِ تمثيلٌ لكمال تأثرهما بالذات عن القدرة الربانة وحصولِهما كما أُمرتا بهِ وتصوير لكون وجوهما كما هما عليه جارياً على مُقتضى الحكمةِ البالغةِ فإن الطوعَ منبىءٌ عن ذلكَ والكُرهَ موهمٌ لخلافهِ وإنما قيلَ طائعينَ باعتبارِ كونِهما في معرض الخطابِ والجوابِ كقوله تعالى ساجدين وقوله تعلى
стр. 6213
﴿فقضاهن سبع سماوات﴾ تفسيرٌ وتفصيلٌ لتكوين السماءِ المجملِ المعبرِ عنه بالأمر وجوابِه لا أنه فعلٌ مترتب على تكونيها أي خلقهنَّ خلقاً إبداعياً وأتقنَ أمرَهنَّ حسبما تقتضيهِ الحكمة والضميرُ إما للسماء على المَعْنى أو مبهمٌ وسبعَ سمواتٍ حالٌ على الأول تميز على الثانِي ﴿فِى يَوْمَيْنِ﴾ في وقتٍ مقدرٍ بيومينِ وقد بينَ مقدارُ زمانِ خلقِ الأرضِ وخلقِ ما فيها عند بيانِ تقديرهما فكانَ خلقُ الكلِّ في ستة أيامٍ حسبما نصَّ عليهِ في مواقعَ من التنزيلِ ﴿وأوحى فِى كُلّ سَمَاء أَمْرَهَا﴾ عطفٌ على قضاهُنَّ أي خلقَ في كلَ منَها ما في الملائكة
стр. 6214
والنيّراتِ وغيرِ ذلك مما لا يعلمه إلا الله تعالى كما قاله قَتَادةُ والسدِّيُ فالوحي عبارةٌ عن التكوينِ كالأمر مقيدٌ بما قُيِّد به المعطوفُ عليه من الوقت أو أوحى إلى أهل كلَ منَها أوامره وكلَّفهم ما يليقُ بهم من التكاليف فهو بمعناهُ ومطلق عن القيد وأياما كان فعلى ما قُررَ من التفصيل لادلة في الآيةِ الكريمةِ على الترتيب بين إيجادِ الأرضِ وإيجادِ السماءِ وإنما الترتيبُ بين التقديرِ والإيجادِ وإما على تقديرِ كونِ الخلقِ وما عُطف عليهِ من الأفعالِ الثلاثةِ على معانيها الظاهرة فهيَ وما في سورةِ البقرةِ من قولِه تعالى هُوَ الذى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الارض جَمِيعاً ثُمَّ استوى إِلَى السماء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سموات تدلان على خلقِ الأرضِ وما فيها على خلق السماءِ وما فيها وعليه إطباقُ أكثرِ أهلِ التفسيرِ وقد رُويَ أن العرشَ العظيمَ كانَ قبلَ خلقِ السمواتِ والأرضِ على الماء ثم إنه تعلى أحدثَ في الماء اضطراباً فأزبدَ فارتفعَ منه دخانٌ فأما الزبدُ فبقيَ على وجه الماءِ فخلقَ فيه اليُبوسةَ فجعلَه أرضاً واحدةً ثم فتقَها فجعلَها أرَضينَ وأما الدخانُ فارتفعَ وعلَا فخلقَ منه السمواتِ ورُويَ أنَّه تعالَى خلقَ جِرْمَ الأرضِ يومَ الأحدِ ويومَ الأثنين الاثنينِ ودحاهَا وخلقَ ما فيها يومَ الثلاثاءِ ويومَ الأربعاءِ وخلقَ السمواتِ وما فيهن يومَ الخميسِ ويومَ الجمعةِ وخلقَ آدمَ ﵇ في آخرِ ساعةٍ منه وهيَ الساعةُ التي تقومُ فيها القيامةُ وقيل إن خلقَ جرمِ الأرضِ مقدم على خلق المسوات لكنْ دحوُها وخلقُ ما فيها مؤخرٌ عنه لقولِه تعالى والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها ولما اروى عن الحَسَنِ رحَمهُ الله تعالَى أنه خلقَ الأرضَ في موضعِ بيتِ المقدس كهيئة القهر عليه دخانٌ ملتزقٌ بهَا ثمَّ أصعدَ الدخانَ وخلقَ منهُ السمواتِ وأمسكَ الفِهْرَ في موضعِها وبسَط منها الأرضَ وذلكَ قولُه تعالى كَانَتَا رَتْقاً ففتقناهما الآيةَ وليسَ المرادُ بنظمها مع السماءِ في سلكِ الآمرِ بالإتيانِ إنشاءَها وإحداثَها بل إنشاء دحوها وجلعها على وجهٍ خاصَ يليقُ بها من شكلٍ معينٍ ووصفٍ مخصوصٍ كأنه قيلَ ائتيَا على ما ينبغي أنْ تأتيَا عليه ائتِي يا أرض مدحورة قراراً ومِهاداً لأهلكِ وائتِي يا سماء مقبية سقفاً لهم ومعنى الإتيانِ الحصولُ على ذلك الوجهِ كما تنبىء عنه قراءةُ آتِيا وآتينَا منَ المُواتاةِ وهي الموافقةُ وأنتَ خبيرٌ بأنَّ المذكورَ قبلَ الأمرِ بالإتيان ليسَ مجرد خلق جزم الأرضِ حتى يتأتَّى ما ذكرَ بل خلقِ ما فيَها أيضاً من الأمور المتأخرةِ عن دحوِها قطعاً فالأ ظهر أن يُسلكَ مسلكَ الأولينَ ويُحملَ الأمرُ بالإتيانِ على تكوينهما متوافقين على الوجهِ المذكورِ وليسَ من ضرورتِه أن يكونَ دحوُهَا مترتباً على ذلك التكوينِ وإنما اللازمُ ترتبُ حصولِ التوافقِ عليه ولا ريبَ في أن تكوينَ السماءِ على الوجه اللائقِ بها كافٍ في حصولِه ولا يقدحُ في ذلك تكوينُ الأرضِ على الوجه المذكورِ قبل ذلك وأن يُجعلَ الأرضُ في قولِه تعالَى والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها منصوباً بمضمرٍ قد حذف على لا شرطية التفسيرِ ويجعلَ ذلكَ إشارةً إلى ذكِر ما ذُكرَ من بناءِ السماءِ ورفعِ سَمِكها وتسويتِها وغيرَها لا إلى أنفسِها وتحملَ البعديةُ إما على أنه قاصرٌ عن الأولِ في الدلالةِ على القدرة القاهرةِ كما قيلَ وإمَّا على أنه أدخلُ في الإلزامِ لما أنَّ المنافعَ المنوطةَ بما في الأرض أكثرُ وتعلقَ مصالحِ الناسِ بذلكَ أظهروا إحاطتهم بتفاصيلِها أكملُ وليسَ ما رُويَ عن الحسن
стр. 6215
فصلت آية (١٣ ١٤) رضى الله عنه نصاً في تأخرِ دحوِ الأرضِ عن خلقِ السماءِ فإن بسطَ الأرضِ معطوفٌ على إصعادِ الدخانِ وخلقِ السماءِ بالواوِ فلا دلالةَ في ذلكَ على الترتيب قطعاً وقد نقلَ الإمامُ الواحديُّ عن مقاتلٍ أن خلقَ السماءِ مقدمٌ على إيجادِ الأرضِ فضلاً عن دحوها عن دَحْوهِا فلا بدَّ من حمل الأمرِ بإتيانهِما حينئذٍ أيضاً على ما ذكرَ من التوافقِ والمواتاةِ ولا يقدحُ في ذلك تقدمُ خلقِ السماء على خلقِ الأرضِ كما لم يقدحْ فيهِ تقدمُ خلقِ الأرضِ على خلقِ السماءِ هذا كلُّه على تقدير كونِ كلمةِ ثمَّ للتراخِيِّ الزمانيِّ وأما عَلى تقديرِ كونِها للتراخِي الرتبِي كما جنحَ إليهِ الأكثرونَ فلا دلالةَ في الآيةِ الكريمةِ على الترتيب كما في الوجهِ الأولِ وعلى ذلك بُنيَ الكلامُ في تفسيرِ قولِه تعالى ﴿هُوَ الذى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الارض﴾ جَمِيعاً الآيةَ وإنما لم يُحملْ الخلقُ هناكَ على معنى التقديرِ كما حمل عليه هنا لتوفية مقام الامتنان حقه ﴿وَزَيَّنَّا السماء الدنيا بمصابيح﴾ من الكواكب فإنها كلَّها تُرى متلألئةً عليها كأنَّها فيها والالتفاتُ إلى نونِ العظمةِ لإبرازِ مزيدِ العنايةِ بالأمرِ وقولُه تعالى ﴿وَحِفْظاً﴾ مصدرٌ مؤكدٌ لفعلٍ معطوفٍ على زيَّنا أيْ وحفظناهَا من الآفاتِ أو من المُسترِقة حِفظاً وقيل مفعولٌ لهُ على المَعنْى كأنَّه قيلَ وخلقنَا المصابيحَ زينةً وحِفْظاً ﴿ذلك﴾ الذي ذُكِرَ بتفاصيلِه ﴿تَقْدِيرُ العزيز العليم﴾ المبالغ في القدرةِ والعلم
стр. 6216
﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ﴾ متصلٌ بقولِه تعالَى قُلْ أَئِنَّكُمْ الخ أي فإنْ أعرضُوا عن التدبرِ فيما ذُكِرَ من عظائمِ الأمورِ الداعيةِ إلى الإيمانِ أو عن الإيمانِ بعد هذا البيانِ ﴿فَقُلْ﴾ لهم ﴿أنذرتكم﴾ أي أنذرتكم وصيغةُ الماضِي للدلالةِ على تحققق الإنذار المنبىء عن تحقق المنذَرِ به ﴿صاعقة﴾ أي عذاباً هائلاً شديدَ الوقع كأنه صاعقةٌ ﴿مّثْلَ صاعقة عَادٍ وَثَمُودَ﴾ وقُرِىءَ صعقةً مثلَ صعقةِ عادٍ وثمودٍ وهيَ المرةُ منَ الصعْقِ أو الصعق يقال صعقة الصاعقةُ صعْقاً فصَعِقَ صعْقاً وهو من باب فعلته فَفَعِلَ
стр. 6217
﴿إِذْ جَاءتْهُمُ الرسل﴾ حَالٌ منْ صَاعقةِ عادٍ ولا سَدادَ لجعلِه ظرفاً لأنذرتكُم أو صفةً لصاعقةً لفسادِ المَعنْى وأما جعلُه صفةً لصاعقةِ عادٍ أي الكائنةِ إذْ جاءتهُم ففيهِ حذفُ الموصول مع بعض صلته ﴿مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ متعلقٌ بجاءتْهم أي من جميعِ جوانبِهم واجتهدُوا بهم من كلِّ جهةٍ أو من جهةِ الزمانِ الماضِي بالإنذارِ عما جَرى فيهِ على الكفارِ ومن جهةِ المستقبل بالتحذيرِ عما سيَحيقُ بهم من عذابَ الدُّنيا وعذابَ الآخرةِ وقيلَ المَعْنى جاءتْهم الرسلُ المتقدمونَ وَالمتأخرونَ على تنزيلِ مجيءِ كلامِهم ودعوتِهم إلى الحقِّ منزلةَ مجيءِ أنفسِهم فإنَّ هُوداً وصَالحاً كانا داعيينِ لهُم إلى الإيمانِ بهما وبجميع الرسلِ ممن جاءَ من بينِ أيديِهم أي من قبلِهم وممن يجيءُ مّنْ خَلْفِهِمْ أي مَنْ بعدِهم فكأنَّ الرسلَ قد جاءُوهم وخاطبوهم بقوله تعالى ﴿أَن لَاّ تَعْبُدُواْ إِلَاّ الله﴾ أي بأنْ لا تعبدوا على أنَّ أنْ مصدريةٌ أو أي لا تعبدُوا على أنَّها مفسرةٌ ﴿قَالُواْ لَوْ شَاء ربنا﴾
стр. 6218
فصلت آية (١٥ ١٦) إرسالَ الرسلِ لا إنزالَ الملائكة قيل فإنه عن إفادة ما أرداوه منْ نفي رسالةِ البشرِ وقد مرَّ فيما سلفَ ﴿لَانزَلَ ملائكة﴾ أي لأرسلَهُم لكنْ لما كانَ إرسالُهم بطريق الإنزال قبل لأنزلَ ﴿فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أي على زعمِكم وفيه ضربُ تهكّمٍ بهم ﴿كافرون﴾ للما أنَّكم بَشَرٌ مّثْلُنَا من غيرِ فضلٍ لكُم علينا رُوِيَ أنَّ أَبا جهلٍ قالَ في ملأٍ من قُريشٍ قد التبسَ علينا أمرُ محمدٍ فلو التمستُم لنا رجل عالماً بالشعرِ والكهانةِ والسحرِ فكلَّمه ثم أتانَا ببيانٍ من أمرِه فقالَ عتبةُ بنُ ربيعةَ والله لقد سمعتُ الشعرَ والكهانةَ والسحرَ فكلمه ثم أتانا بيان من أمرِه فقالَ عتبةُ بنُ ربيعةَ والله لقد سمعتُ الشعرَ والكهانةَ والسحرَ علمت من وعلمتُ من ذلكَ علماً وما يَخْفي عليَّ فأَتاهُ فقالَ أنتَ يا محمدُ خيرا أَمْ هاشمٌ أنتَ خيرٌ أمْ عبدُ المطلبِ أنت خيرٌ أم عبدُ اللَّهِ فبم تشتمُ آلهتَنا وتضللنَا فإنْ كنتَ تريدُ الرياسةَ عقدنَا لكَ اللواءَ فكنتَ رئيساً وإن تكُ بكَ الباءةُ زوجناكَ عشرَ نسوةٍ تختارهُنَّ أيَّ بناتِ قريشٍ شئتَ وإنا كانَ بكَ المالُ جمعنَا لكَ ما تستغِني ورسولُ الله ﷺ ساكتٌ فلما فرغَ عتبةُ قال ﷺ بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم﴾ الى قوله تعلى مثل صاعغقة عَادٍ وَثَمُودَ فأمسكَ عتبةُ على فيه ﷺ وناشدَهُ بالرحمَ ورجعَ إلى أهلِه ولم يخرجْ إلى قريشٍ فلما احتبسَ عنْهُم قالوا ما نرى عبتة إلا قدْ صبأَ فانطلقُوا إليه وقالوا يا عبت ما حبسك عَنَّا إلا أنكَ قد صبأتَ فغضبَ ثم قال والله لقد كلَّمتُه فأجابني بشيءٍ والله ما هو بشعرٍ ولا كهانةٍ ولا سحرٍ ولما بلغَ صاعقةَ عادٍ وثمودَ أمسكتُ بفيِه وناشدتُه بالرحم أنْ يكفَّ وقد علمتُم أن محمداً إذا قالَ شيئاً لم يكذبْ فخفتُ أن ينزلَ بكُم العذابُ
стр. 6219
﴿فَأَمَّا عَادٌ فاستكبروا فِى الأرض﴾ شروعٌ في حكايةِ ما يخص بكلا واحدةٍ من الطائفتينِ من الجنايةِ والعذابِ إثرَ حكايةِ ما يعمُّ الكلَّ من الكفرِ المطلقِ أي فتعظمُوا فيَها على أهلِها أو استعلَوا فيَها واستولَوا على أهلِها ﴿بِغَيْرِ الحق﴾ أي بغير استحقاق للتعظم والولايةِ ﴿وَقَالُواْ﴾ مدلين بشدَّتِهم وقوَّتِهم ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ حيثُ كانُوا ذوي أجسامٍ طوالٍ وخَلْقٍ عظيمٍ وقد بلغَ من قوتهم أنَّ الرجلَ كان ينزعُ الصخرة من جبل فيقتلعها بيده ﴿أولم يَرَوْاْ﴾ أي أغفَلُوا أو ألم ينظروا ولم يعلموا علماً جلياً شبيهاً بالمشاهدةِ والعيانِ ﴿أَنَّ الله الذى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ أي قدرةً فإنه تعالَى قادرٌ بالذاتِ مقتدرً على مالا يتناهى قوى على مالا يقدر عليه غير مفيضٌ للقُوى والقُدرِ على كُلِّ قوي وقادرِ وإنما أُورد في حيز الصلةِ خلقَهم دونَ خلقِ السمواتِ والأرضِ لادِّعائِهم الشدةَ في القوةِ وفيه ضربٌ من التهكم بهم ﴿وكانوا بآياتنا﴾ المنزلةِ على الرُّسلِ ﴿يَجْحَدُونَ﴾ أي ينكرونَها وهم يعرفونَ حقيقتَها وهو عطفٌ على فاستكبرُوا كقولِه تعالَى وقالُوا وما بينَهمَا اعتراضٌ للردِّ على كلمتِهم الشنعاءِ
стр. 6220
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً﴾ أي باردةً تهلكُ وتحرقُ بشدة
стр. 6221
فصلت آية (١٧ ٢٠) بردِها من الصِرِّ وهو البردُ الذي يصِرُّ أي يجمعُ ويقبضُ أو عاصفةً في هبوبِها من الصريرِ ﴿فِى أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ﴾ جمعُ نحِسةٍ من نحِس نَحْساً نقبض سَعِدَ سَعْداً وقُرِىءَ بالسكونِ على التخفيفِ أو على أنه نعتٌ على فَعْلٍ أووصف بمصدرٍ مبالغةً قيلَ كُنَّ آخرَ شوالٍ منَ الأربعاءِ إلى الأربعاءِ وما عذبَ قومٌ إلا في يومِ الأربعاءِ ﴿لّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الخزى فِى الحياة الدنيا﴾ وقُرِىءَ لتُذيقَهمُ على إسنادِ الإذاقةِ إلى الريحِ أو إلى الأيامِ وأُضيفَ العذابُ إِلى الخزْي الذي هُو الذُّلُّ ولاستكانة على أنه وصفٌ له كما يعرب عنه قوله تعالى ﴿وَلَعَذَابُ الأخرة أخزى﴾ وهُو في الحقيقةِ وَصفٌ للمعذَّبِ وَقد وُصف به العذابُ للمبالغةِ ﴿وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ﴾ بدفع العذاب عنهم بوجه من الوجوهِ
стр. 6222
﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فهديناهم﴾ فدللناهُم على الحقِّ بنصبِ الآياتِ التكوينيةِ وإرسالِ الرسلِ وإنزالِ الآياتِ التشريعيةِ وأزحنَا عللَهمُ بالكليةِ وقد مرَّ تحقيقُ مَعنى الهُدى في تفسيرِ قولِه تعالى هُدًى لّلْمُتَّقِينَ وقُرِىءَ ثمودَ بالنصبِ بفعلِ يفسِّره ما بعدَهُ ومنوناً في الحالينِ وبضمِّ الثاءِ ﴿فاستحبوا العمى عَلَى الهدى﴾ أي اختارُوا الضلالةَ على الهدايةِ ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صاعقة العذاب الهون﴾ داهيةُ العذابِ وقارعةُ العذابِ والهُون الهَوانُ وصفَ به العذابُ مبالغةً أو أُبدلَ منْهُ ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ منَ اختيارِ الضلالةِ
стр. 6223
﴿ونجينا الذين آمنوا وَكَانُواْ يتَّقُونَ﴾ منْ تلكَ الصاعقةِ
стр. 6224
﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء الله﴾ شروعٌ في بيانِ عقوباتِهم الآجلةِ إثرَ بيانِ عقوباتِهم العاجلةِ والتعبيرُ عنهم بأعداءِ الله تعالى لذمِّهم والإيذانِ بعلةِ ما يحيقُ بهم منِ ألوانِ العذابِ وقيلَ المردا بهم الكفارُ من الأولينَ والآخرينَ ويردُّه ما سيأتِي من قولِه تعالى فِى أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مّنَ الجن والإنس وقُرىءَ يَحْشُر على بناءِ الفاعلِ ونصبِ أعداءُ الله وبنونِ العظمةِ وضمِّ الشينِ وكسرِهَا ﴿إِلَى النار﴾ أيْ إلى موقفِ الحسابِ إذْ هناك تتحقق الشاهادة الآتية لا بعدم تمامِ السؤالِ والجوابِ وسَوقهم إلى النَّارِ والتعبير عنه بالنَّارِ إما للإيذانِ بأنَّها عاقبة حشرهم على شرفِ دخولِها وإما لأنَّ حسابَهُم يكونُ على شفيرِها ويومَ إمَّا منصوبٌ باذكُرْ أو ظرفٌ لمضمرٍ مؤخر قد حذف ايهما لقصورِ العبارةِ عن تفصيلِه كما مر في قوله تعالى يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل وقيل ظرفٌ لما يدل عليه قوله تعالى ﴿فهم يوزعون﴾ أي يحبس أولهم على آخِرِهم ليتلاحقُوا وهو عبارةٌ عنْ كثرتِهم وقبل يسلقون ويُدفعون إلى النَّارِ وقولُه تعالَى
стр. 6225
﴿حتى إذا ما جاؤوها﴾
стр. 6226
أي جميعاً غايةٌ ليُحْشَرُ أو ليوزعونَ أي حتَّى إذا حضروها وما ميزيدة لتأكيدِ اتصالِ الشهادةِ بالحضورِ ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وأبصارهم وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ فى الدنيا من فنون الكفرِ والمعاصِي بأنْ يُنطقَها الله تعالى أو يظهرَ عليها آثار ما اقترفوه بهَا وعن ابنِ عباسٍ ﵄ أنَّ المرادَ بشهادةِ الجلودِ شهادةُ الفروجِ وهو الأنسبُ بتخصيصِ السؤالِ بَها في قولِه تعالى
стр. 6227
﴿وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا﴾ فإن ما تشهدُ به من الزنا أعظمُ جنايةً وقبحاً وأجلبُ للخِزي والعقوبةِ مما يشهدُ به السمع والأبصا من الجناياتِ المكتسبةِ بتوسُّطِهما وقيل المراد بالجلود الجوراح أي سألُوها سؤالَ توبيخٍ لما رُوي أنَّهم قالُوا لها فعنكُنَّ كنا نناضِلُ وفي روايةٍ بُعداً لكُنَّ وسحاق عنكنَّ كنتُ أجادلُ وصيغةُ جمعِ العقلاءِ في خطابِ الجلود وفي قوله تعلى ﴿قَالُواْ أَنطَقَنَا الله الذى أَنطَقَ كلَّ شَىْء﴾ لوقوعِها في موقعِ السؤالِ والجوابِ المختصَّينِ بالعقلاءِ أي أنطقنَا الله الذي أنطق وأقدرنا على بيانِ الواقعِ فشهدنا عليكم بما علمتم بواسطتنا من القبائح وما كتمناهَا وقيلَ ما نطقنَا باختيارِنا بلْ أنطقنَا الله الذى أنطق كلَّ شىء وليسَ بذاكَ لما فيهِ من إيهامِ الاضطرارِ في الإخبارِ وقيلَ سألُوها سؤالَ تعجب فالمنى حينئذٍ ليس نطقُنا بعجبٍ من قُدرةِ الله الذي أنطقَ كلَّ حَي ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فإن من قدَر على خلقِكم وإنشائِكم أولاً وعلى إعادتِكم ورجْعِكم إلى جزائِه ثانياً لا يُتعجبُ من إنطاقِه لجوارِحِكم ولعل صيغةَ المضارعِ مع أنَّ هذه لمحاورة بعدَ البعثِ والرجعِ لَمَّا أنَّ المرادَ بالرجعِ ليسَ مجردَ الردِّ إلى الحياةِ بالبعث بل ما يعُمّه وما يترتبُ عليهِ من العذاب الخالد المترتب عندَ التخاطبِ على تغليبِ المتوقعِ على الواقعِ على أنَّ فيه مراعاةَ الفواصلِ وقولُه تعالى
стр. 6228
﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أبصاركم وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ حكايةٌ لما سيقالُ لهُمْ يومئذٍ من جهته تعالى بطريقِ التوبيخ والتقريح تقريراً لجوابِ الجلودِ أي ما كنتم تسترون في الدُّنيا عند مباشرتِكم الفواحشَ مخافةَ أن تشهدَ عليكُم جوارِحُكُم بذلكَ كما كنتم تسترون من الناسِ مخافةَ الافتضاحِ عندهم بلْ كنتُم جاحدينَ بالبعثِ والجزاءِ رأساً ﴿ولكن ظَنَنتُمْ أَنَّ الله لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ من القبائحِ المخفيةِ فلا يُظهرها في الآخرةِ ولذلكَ اجرتأتم على ما فعلتُم وفيهِ إيذانٌ بأنَّ شهادةَ الجوارحِ بإعلامِه تعالَى حينئذٍ لا بانها عالمةً بما شهدتْ به عند صدورِه عنهم عنِ ابنِ مسعُودٍ ﵁ كنتُ مستتراً بأستارِ الكعبةِ فدخلَ ثلاثةُ نفرٍ ثقفيانِ وقرشيٌّ أو قرشيانِ وثقفيٌّ فقال أحدُهم أترونَ أنَّ الله يسمعُ ما نقولُ قال الآخرُ يسمعُ إنْ جهَرنا ولا يسمعُ أن
стр. 6229
فصلت آية (٢٣ ٢٦) أخفينَا فذكرتُ ذلكَ للنبيِّ ﷺ فأنزلَ الله تعالَى وَمَا كنتم تسترون الآيةَ فالحكمُ المحكيُّ حينئذٍ يكونُ خاصَّاً بمن كانَ على ذلكَ الاعتقادِ من الكَفَرةِ ولعلَّ الأنسبَ أنْ يرادَ بالظنِّ مَعْنى مجازيٌّ يعمُّ معناهُ الحقيقيَّ ومَا يَجري مَجراه من الأعمالِ المنبئةِ عنْهُ كما في قولِه تعالى ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ ليعمَّ ما حُكي من الحالِ جميَع أصنافِ الكَفَرةِ فتدبرْ
стр. 6230
﴿وذلكم﴾ إشارة إلى ماذكر منْ ظنِّهم وما فيهِ من معنى البُعد للإيذان بغايةِ بُعدِ منزلتِه في الشرِّ والسوءِ وهُو مبتدأ وقوله تعلى ﴿ظَنُّكُمُ الذى ظَنَنتُم بِرَبّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ خبرانِ لهُ ويجوزُ أن يكونَ ظنُّكُم بدلاً وأرداكم حبرا ﴿فَأَصْبَحْتُم﴾ بسببِ ذلكَ الظنِّ السوءِ الذي أهلككُم ﴿مّنَ الخاسرين﴾ إذ صار مامنحو لنيلِ سَعادةِ الدارينِ سبباً لشقاءِ النشأتينِ
стр. 6231
﴿فَإِن يَصْبِرُواْ فالنار مَثْوًى لَّهُمْ﴾ أي محلُّ ثُواءٍ وإقامةٍ أبديةٍ لهم بحيثُ لا براح للهم منهَا والالتفاتُ إلى الغَيبة للإيذان باقتضأ حالهم أن يعرض عنهم ويحي سوءُ حالِهم لغيرِهم أو للإشعر بإبعادِهم عن حيزِ الخطابِ وإلقائِهم في غايةِ دركاتِ النارِ ﴿وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ﴾ أي يسألُوا العُتْبَى وهُو الرجوعُ إلى ما يحبونَهُ جزعاً مما هُم فيِه ﴿فَمَا هُم مّنَ المعتبين﴾ المجابينَ إليَها ونظيرُه قولُه تعالى سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صبرنا مالنا مِن مَّحِيصٍ وقُرىءَ وإنْ يستعينوا فما هم من المعتبين أيْ إنْ يسألُوا أن يُرضوا ربَّهم فما هُم فاعلونَ لفواتِ المُكنةِ
стр. 6232
﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ﴾ أيْ قدّرنا وقرنا للكفرة في الدُّنيا ﴿قُرَنَاء﴾ جمعُ قرينٍ أي أخداناً من الشياطينِ يستولُون عليهم استيلاءَ القيضِ على البيضِ وهو القشرُ وقيل أصلُ القيضِ البدل ومنه المقايضة البدلُ ومنه المقايضةُ للمعاوضةِ ﴿فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أيديهم﴾ من امور الدينا واتباعِ الشهواتِ ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ من أمورِ الآخرةِ حيثُ أرَوهم أنْ لا بعثَ ولا حسابَ ولا مكروَه قطُّ ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ القول﴾ أيْ ثبتَ وتقررَ عليهم كلمةُ العذابِ وتحققَ موجبُها ومصداقُها وهو قولُه تعالَى لإبليسَ فالحق والحق أقل لاملان جهنم منك وممن تبعك منهم أجميعن وقوله تعالى لمن اتبعك منهم لامْلانَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ كما مر مرار ﴿فِى أُمَمٍ﴾ حالٌ منَ الضميرِ المجرورِ أي كائنين في جملةِ أممٍ وقيلَ فِي بمعْنى مَعَ وهَذا كما ترى صريحٌ في أنَّ المرادَ بأعداءِ الله تعالى فيما سبقَ المعهودونَ من عادٍ وثمودَ لا الكفارُ من الأولينَ والآخرينَ كما قيلَ ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ صفةٌ لأممٍ أي مضتْ ﴿مِن قَبْلِهِمْ مّنَ الجن والإنس﴾ على الكُفر والعصيانِ كذأب هؤلاءِ ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ خاسرين﴾ تعليل لاستحقاقهم العذاب والضير للأولينَ والآخرينَ
стр. 6233
﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ﴾ من رؤساء المشركين لأعقابهم أو قال
стр. 6234
فصلت آية (٢٧ ٣٠) بعضُهم لبعضٍ ﴿لَا تَسْمَعُواْ لهذا القرآن﴾ أي لا تُنصتوا له ﴿والغوا فيه﴾ وعارضوه بالخرافا من الرجزِ والشعرِ والتصديةِ والمُكاءِ أو ارفعُوا أصواتَكم بَها لتشوشُوه على القارىءِ وقريء بضم الغين والمعاني واحدٌ يُقالُ لَغَى يَلْغَى كلقى يلقي ولغا يلغوا إذا هَذَى ﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ أي تعلبونه على قراءتِه
стр. 6235
﴿فَلَنُذِيقَنَّ الذين كَفَرُواْ﴾ أي فوالله لنذيقنَّ هؤلاءِ القائلينَ واللاغينَ أو جميعَ الكفارِ وهم داخلونَ فيهم دخولاً أولياء ﴿عَذَاباً شَدِيداً﴾ لا يُقادرُ قَدرُهُ ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الذى كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أيْ جزاءَ سيئاتِ أعمالِهم التي هيَ في أنفسِها أسوأُ وقيلَ إنه لا يجازيهم بمحاسنِ أعمالِهم كإغاثةِ الملهوفينَ وصلةِ الأرحام وقرىء الأضيافِ لأنَّها مُحبطةٌ بالكفرِ وعن ابن عباس ﵄ عَذاباً شَديداً يومَ بدرٍ وأسوأُ الذي كانُوا يعملونَ في الآخرةِ
следующие страницы →