Полный текст (8 642 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.
стр. 6231
﴿فَإِن يَصْبِرُواْ فالنار مَثْوًى لَّهُمْ﴾ أي محلُّ ثُواءٍ وإقامةٍ أبديةٍ لهم بحيثُ لا براح للهم منهَا والالتفاتُ إلى الغَيبة للإيذان باقتضأ حالهم أن يعرض عنهم ويحي سوءُ حالِهم لغيرِهم أو للإشعر بإبعادِهم عن حيزِ الخطابِ وإلقائِهم في غايةِ دركاتِ النارِ ﴿وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ﴾ أي يسألُوا العُتْبَى وهُو الرجوعُ إلى ما يحبونَهُ جزعاً مما هُم فيِه ﴿فَمَا هُم مّنَ المعتبين﴾ المجابينَ إليَها ونظيرُه قولُه تعالى سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صبرنا مالنا مِن مَّحِيصٍ وقُرىءَ وإنْ يستعينوا فما هم من المعتبين أيْ إنْ يسألُوا أن يُرضوا ربَّهم فما هُم فاعلونَ لفواتِ المُكنةِ
стр. 6232
﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ﴾ أيْ قدّرنا وقرنا للكفرة في الدُّنيا ﴿قُرَنَاء﴾ جمعُ قرينٍ أي أخداناً من الشياطينِ يستولُون عليهم استيلاءَ القيضِ على البيضِ وهو القشرُ وقيل أصلُ القيضِ البدل ومنه المقايضة البدلُ ومنه المقايضةُ للمعاوضةِ ﴿فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أيديهم﴾ من امور الدينا واتباعِ الشهواتِ ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ من أمورِ الآخرةِ حيثُ أرَوهم أنْ لا بعثَ ولا حسابَ ولا مكروَه قطُّ ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ القول﴾ أيْ ثبتَ وتقررَ عليهم كلمةُ العذابِ وتحققَ موجبُها ومصداقُها وهو قولُه تعالَى لإبليسَ فالحق والحق أقل لاملان جهنم منك وممن تبعك منهم أجميعن وقوله تعالى لمن اتبعك منهم لامْلانَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ كما مر مرار ﴿فِى أُمَمٍ﴾ حالٌ منَ الضميرِ المجرورِ أي كائنين في جملةِ أممٍ وقيلَ فِي بمعْنى مَعَ وهَذا كما ترى صريحٌ في أنَّ المرادَ بأعداءِ الله تعالى فيما سبقَ المعهودونَ من عادٍ وثمودَ لا الكفارُ من الأولينَ والآخرينَ كما قيلَ ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ صفةٌ لأممٍ أي مضتْ ﴿مِن قَبْلِهِمْ مّنَ الجن والإنس﴾ على الكُفر والعصيانِ كذأب هؤلاءِ ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ خاسرين﴾ تعليل لاستحقاقهم العذاب والضير للأولينَ والآخرينَ
стр. 6233
﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ﴾ من رؤساء المشركين لأعقابهم أو قال
стр. 6234
فصلت آية (٢٧ ٣٠) بعضُهم لبعضٍ ﴿لَا تَسْمَعُواْ لهذا القرآن﴾ أي لا تُنصتوا له ﴿والغوا فيه﴾ وعارضوه بالخرافا من الرجزِ والشعرِ والتصديةِ والمُكاءِ أو ارفعُوا أصواتَكم بَها لتشوشُوه على القارىءِ وقريء بضم الغين والمعاني واحدٌ يُقالُ لَغَى يَلْغَى كلقى يلقي ولغا يلغوا إذا هَذَى ﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ أي تعلبونه على قراءتِه
стр. 6235
﴿فَلَنُذِيقَنَّ الذين كَفَرُواْ﴾ أي فوالله لنذيقنَّ هؤلاءِ القائلينَ واللاغينَ أو جميعَ الكفارِ وهم داخلونَ فيهم دخولاً أولياء ﴿عَذَاباً شَدِيداً﴾ لا يُقادرُ قَدرُهُ ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الذى كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أيْ جزاءَ سيئاتِ أعمالِهم التي هيَ في أنفسِها أسوأُ وقيلَ إنه لا يجازيهم بمحاسنِ أعمالِهم كإغاثةِ الملهوفينَ وصلةِ الأرحام وقرىء الأضيافِ لأنَّها مُحبطةٌ بالكفرِ وعن ابن عباس ﵄ عَذاباً شَديداً يومَ بدرٍ وأسوأُ الذي كانُوا يعملونَ في الآخرةِ
стр. 6236
﴿ذلك﴾ مبتدأ وقولُه تعالَى ﴿جَزَاء أَعْدَاء الله﴾ خبرُهُ أي ما ذكر من الجزاء جزاء معدلا لأعدائه وقولُه تعالَى ﴿النار﴾ عطفُ بيانٍ للجزاءِ أو ذلكَ خبر مبتدأ محذوف أي الأمرُ ذلكَ على أنه عبارةٌ عن مضمونِ الجملةِ لاعن الجزاءِ وما بعدَهُ جملةٌ مستقلة مبينة لما قبلها وقوله تعالى ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ﴾ جملةٌ مستقلةٌ مقررةٌ لما قبلَها أو النارُ مبتدأٌ هيَ خبرُهُ أي هيَ بعينِها دارُ إقامتِهم على أن في للتجريد وهُو أنْ يُنتزَعَ من أمرٍ ذي صفةٍ أمرٌ آخر مثله مبالغة لكامله فيهَا كما يقالُ في البيضةِ عشرونَ مناً حديدٌ وقيل وهي على مَعناها والمرادُ أنَّ لهم في النارِ المشتملةِ على الدركاتِ داراً مخصوصةً هم فيها خالدونَ ﴿جَزَاء بما كانوا بآياتنا يَجْحَدُونَ﴾ منصوبٌ بفعلٍ مقدرٍ أي يُجزون جزاءً أو بالمصدرِ السابقِ فإن المصدرَ ينتصبُ بمثلِه كما في قولِه تعالى فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاء مَّوفُورًا والباءُ الأُولى متعلقةٌ بجزاءً والثانيةُ بيجحدونَ قدمتْ عليهِ لمراعاةِ الفواصل أي بسبب ماكانوا يجحدونَ بآياتِنا الحقَّةِ أو يلغَون فيها وذِكْرُ الجحودِ لكونِه سبباً للغوِ
стр. 6237
﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ﴾ وهُم متقلَّبونَ فيما ذُكِرَ من العذاب ﴿ربنا أرنا الذين أضلانا مِنَ الجن والإنس﴾ يعنونَ فريقَي شياطينِ النوعينِ المقيضَينِ لهم الحاملينَ لهم على الكفرِ والمعاصِي بالتسويلِ والتزين وقيلَ هما إبليسُ وقابيلُ فإنَّهما سنَّا الكفرَ والقتلَ بغير حق وقُرِىءَ أَرْنَا تخفيفاً كفَخْذٍ في فَخِذٍ وقيلَ معناهُ أعطِناهُما وقُرىءَ باختلاسِ كسرةِ الراءِ ﴿نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا﴾ أي ندسهما انتقاماً منهُمَا وقيلَ نجعلْهُما في الدركِ الأسفلِ ﴿لِيَكُونَا مِنَ الأسفلين﴾ أي ذلاً ومهانة أو مكاناً
стр. 6238
﴿إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله﴾
стр. 6239
شروعٌ في بيانِ حُسنِ أحوالِ المؤمنينَ في الدُّنيا والآخرةِ بعد بيانُ سوءِ حالِ الكفرةِ فيهَما أيُ قالوا اعترافاً بربوبيتِه تعالَى وإقراراً بوحدانيتِه ﴿ثُمَّ استقاموا﴾ أي ثبتُوا على الإقرارِ ومقتضياتِه على أن ثمَّ للتراخِي في الزمان أو في الرتبةِ فإنَّ الاستقامةَ لها الشأنُ كلُّه وما رُويَ عن الخلفاءِ الراشدينَ رضي الله تعالى عنْهُم فِي معناهَا من الثباتِ على الإيمانِ وإخلاصِ العملِ وأداءِ الفرائضِ بيانٌ لجزئياتِها ﴿تَتَنَزَّلُ عليهم الملائكة﴾ من جهتِه تعالَى يُمدونُهم فيما يَعِنُّ لهَمُ منَ الأمور الدينية والدونيوية بما يشرح صدورَهُم ويدفعُ عنهم الخوفَ والحزنَ بطريقِ الإلهامِ كما أن الكفرةَ يُغويهم ما قُيضَ لهم من قرناءِ السوءِ بتزيينِ القبائحِ وقيلَ تتنزلُ عندَ الموتِ بالبُشرى وقيلَ إذَا قامُوا من قبورِهم وقيلَ البُشرى في مواطنَ ثلاثةٍ عندَ الموتِ وفي القبرِ وعند البعثِ والأظهر هو العمومُ والإطلاقُ كما ستعرفُه ﴿أَلَاّ تَخَافُواْ﴾ ما تُقْدمونَ عليه فإنه الخوف غم يلحف لتووقع المكروِه ﴿وَلَا تَحْزَنُواْ﴾ على ما خلّفتُم فإنه غمٌّ يحلق لوقوعِه من فواتِ نافعٍ أو حصول ضلار وقيلَ المرادُ نهيُهم عن الغمومِ على الاطلاقِ والمَعنْى أن الله تعالى كتبَ لكُم الأمنَ من كلِّ غمَ فلنْ تذقوه أباد وأنْ إمَّا مفسرةٌ أو مخففةٌ من الثقيلةِ والأصلُ بأنها لا تخافُوا والهاءُ ضميرُ الشأنِ وقُرِىءَ لا تخافُوا أيْ يقولونَ لا تخافُوا على أنه حال من الملائكة أو اشتئناف ﴿وَأَبْشِرُواْ﴾ أي سُرُّوا ﴿بالجنة التى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ في الدُّنيا على ألسنةِ الرُّسلِ هَذا منْ بشاراتِهم في أحدِ المواطنِ الثلاثةِ وقولُه تعالى
стр. 6240
﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِى الحياة الدنيا﴾ الخ من بشاراتِهم في الدُّنيا أي أعوانُكم في أمورِكم نُلهمكُم الحقَّ ونرشدكم الى مافيه خيرُكُم وصلاحُكُم ولعلَّ ذلكَ عبارةٌ عما يخطرُ ببال المؤمنينَ المستمرينَ على الطاعات من أن ذلك بتوفيق الله تعالى وتأيده لهم بواسطة الملائكةِ ﵈ ﴿وَفِى الأخرة﴾ نمدكُم بالشفاعة ونتلقاكُم بالكرامةِ حينَ يقع بين الكفرة وقرانائهم ما يقعُ من التعادِي والخصامِ ﴿وَلَكُمْ فِيهَا﴾ أي في الآخرة ﴿مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ﴾ من فنون الطيباتِ ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ ما تمنون افتعالٌ منَ الدُّعاء بمعنى الطلبِ أي تدَّعون لأنفسِكم وهو أعمُّ من الأول ولكُم في الموضعينِ خبرٌ ومَا مبتدأٌ وفيها حالٌ من ضميره في الخبر وعدمُ الاكتفاءِ بعطفِ ما تدَّعُون عَلى ما تشتهِي للإشباعِ في البشارة والإيذانِ باستقلالِ كلِّ منهما
стр. 6241
﴿نُزُلاً مّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ﴾ حالٌ مما تدَّعون مفيدةٌ لكون ما يتمنَّونَهُ بالنسبة الى ما عطون من عظائم الأجورِ كالنزل للضيفِ
стр. 6242
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمَّن دَعَا إِلَى الله﴾ أي إلى توحيده تعالى وطاعته عن ابن عباس ﵄ هو رسول الله ﷺ دعا الى الإسلام
стр. 6243
فصلت (٣٤ ٣٧) وعنْهُ أنهم أصحابُ رسولِ الله ﷺ وقيلَ نزلتْ في المؤذّنين والحقُّ أنَّ حُكمَها عامٌّ لكلِّ من جمعَ ما فيها من الخصال الحميدةِ وإنْ نزلتْ فيمَنْ ذُكِرَ ﴿وَعَمِلَ صالحا﴾ فيما بينَهُ وبينَ رِّبه ﴿وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ المسلمين﴾ ابتهاجاً بأنه منهُم أو اتخاذاً للإسلامِ دينا ونِحلةً من قولِهم هذا قولُ فلانٍ أي مذهبُه لا أنَّه تكلَّم بذلكَ وقُرِىءَ إنِّي بنونٍ واحدةٍ
стр. 6244
﴿وَلَا تَسْتَوِى الحسنة وَلَا السيئة﴾ جملةٌ مستأنفةٌ سيقت لبيان محاسنِ الأعمالِ الجاريةِ بين العبادِ إثرَ بيانِ محاسنِ الأعمالِ الجاريةِ بين العبدِ وبين الربِّ ترغيباً لرسولِ الله ﷺ في الصبرِ على أذية المشركين ومقابلة إسائتهم بالإحسان أي لا تستوي الخَصلةُ الحسنة والسيئةُ في الآثار والأحكام ولا الثانيةُ مزيدة التأكيد النَّفي وقولُه تعالَى ﴿ادفع بالتى هِىَ أَحْسَنُ﴾ الخ استئنافٌ مبيِّن لحسن عاقبةِ الحسنةِ أي ادفعْ السيئةَ حيثُ اعترضتْكَ من بعضِ أعاديكَ بالتي هيَ أحسنُ ما يمكنُ دفعُها به من الحسناتِ كَالإحسان إلى مَنْ أساءَ فإنه أحسنُ منَ العفوِ وإخراجُه مُخرجَ الجوابِ عنْ سؤالِ منْ قالَ كيفَ أصنعُ للمبالغةِ ولذلكَ وضعَ أحسنُ موضعَ الحسنةِ وقولُه تعالى ﴿فَإِذَا الذى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ﴾ بيانٌ لنتيجة الدفعِ المأمورِ بهِ أيْ فإذَا فعلتَ ذلكَ صارَ عدوُّك المُشاقُّ مثلَ الوليِّ الشفيقِ
стр. 6245
﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ أيُ ما يلقى هذهِ الخَصلةَ والسجيةَ التي هي مقابلُة الإساءةِ بالإحسانِ ﴿إِلَاّ الذين صَبَرُواْ﴾ أي شأنهم الصبر الصبرُ ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَاّ ذُو حَظّ عَظِيمٍ﴾ من الخيرِ وكمالِ النفسِ وقيلَ الحظُّ العظيم الجنةُ وقيلَ هو الثواب وقيل نزلتْ في أبي سفيانَ بنِ حربٍ وكانَ مؤذيا لرسول الله ﷺ فصارَ ولياً مصافياً
стр. 6246
﴿وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ﴾ مِنَ الشيطان ﴿نَزْغٌ﴾ النزغُ والنسغُ بَمعْنى وهو شبه النخْسِ شُبِّه بهِ وسوسةُ الشيطانِ لأنَّها بعثٌ على الشرِّ وجُعلَ نازغا على طريقة جد حده أو أريدَ وإمَّا ينزغنَّكَ نازغٌ وصفاً للشيطانِ بالمصدرِ أيْ وإن صرفكَ الشيطانُ عمَّا وُصَّيتَ به من الدفعِ بالتي هي أحسنُ ﴿فاستعذ بالله﴾ من شرِّه ولا قطعه ﴿إِنَّهُ هُوَ السميع﴾ باستعاذتِك ﴿العليم﴾ بنيتكَ أو بصلاحِكَ وفي جَعْلِ تركِ الدفعِ بالأحسن من آثار نزعات الشيطانِ مزيدُ تحذيرٍ وتنفيرٍ عنه
стр. 6247
﴿ومن آياته﴾ الدالة على شئونه العظيمة ﴿الليل والنهار والشمس والقمر﴾
стр. 6248
كلٌّ منَها مخلوقٌ منْ مخلوقاتِه مسخرٌ لأمرِه ﴿لَا تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾ لأنهما من جملةِ مخلوقاتِه المسخرةِ لأوامرِه مثلَكُم ﴿واسجدوا لِلَّهِ الذى خَلَقَهُنَّ﴾ الضميرُ للأربعةِ لأنَّ حُكَم جماعة مالا يعقلُ حكمُ الأنثى أو الإناثِ أو لأنها عبارةٌ عن الآياتِ وتعليقُ الفعلِ بالكل مع كفايةِ بيانِ مخلوقيةِ الشمسِ والقمرِ للإيذان بكمال سقوطِهما عن رتبة المسجوديةِ بنظمهما في المخلوقية في سلك الأعراضِ التي لا قيامَ لها بذاتها وهو السرُّ في نظمَ الكلِّ في سلك آياتِه تعالى ﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ فإن السجودَ أقصى مراتبِ العبادةِ فلا بُدَّ من تخصيصِه به سبحانَهُ وهو موضع للجسود عند الشافعيِّ ﵀ وعندنا آخر الآية لأنه الأخرى تمامُ المعْنى
стр. 6249
﴿فَإِنِ استكبروا﴾ عن الامتثالِ ﴿فالذين عِندَ رَبّكَ﴾ من الملائكة ﴿يُسَبّحُونَ لَهُ بالليل والنهار﴾ أي دائماً ﴿وَهُمْ لا يسأمون﴾ لا يفترُون ولا يَملّون وقُرِىءَ لا يِسْأمُون بكسرِ الياء
стр. 6250
﴿ومن آياته أَنَّكَ تَرَى الأرض خاشعة﴾ يابسةً متطامنةً مستعارٌ من الخشوع بمعنى التذليل ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الماء﴾ أي المطرَ ﴿اهتزت وَرَبَتْ﴾ أي تحركتْ بالنبات وانتفختْ لأنَّ النبتَ إِذَا دَنا أنْ يظهرَ ارتفعتْ له الأرضُ وانتفختْ ثم تصدعتْ عن النباتِ وقيلَ تزخرفتْ بالنباتِ وقُرىءَ رَبَأَتْ أي ارتفعتْ ﴿إِنَّ الذى أحياها﴾ بما ذُكِرَ بعدَ موتِها ﴿لمحيي الموتى﴾ بالبعث ﴿أَنَّهُ على كُلّ شَىْء قدير﴾ من الأشياء التي من جُملتها الإحياءُ ﴿قَدِيرٌ﴾ مبالِغٌ في القُدرة
стр. 6251
﴿إِنَّ الذين يُلْحِدُونَ﴾ يميلونَ عن الاستقامةِ وقُرِىءَ يُلحدون ﴿في آياتنا﴾ بالطعن فيها وتحرفيها بحملها على المحامل البطالة ﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ فنجازيَهم يإلحادهم وقوله تعالى ﴿أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة﴾ تنبيةٌ على كيفيةِ الجزاءِ ﴿اعملوا ما شئتم﴾ من الأعمال المؤديةِ إلى ما ذُكِرَ من الإلقاءِ في النارِ والإتيانِ آمناً وفيه تهديد شديد ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيجازيكُم بحسبِ أعمالِكم وقولُه تعالَى
стр. 6252
﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ بالذكر لَمَّا جَاءهُمْ﴾ بدلٌ من قولِه تعالَى إِنْ الذين يحلدون الخ وخبرُ إنَّ هُو الخبرُ السابقُ وقيلَ مستأنفٌ وخبرها محذوف وقال السكائي سدَّ مسدّه الخبرُ السابقُ والذكرُ القرآنُ وقولُه تعالى ﴿وَإِنَّهُ لكتاب عَزِيزٌ﴾ أي كثيرُ المنافعِ عديمُ النظيرِ أو منيعٌ لَا تتأتَّى معارضتُه جملةُ حاليةٌ مفيدةٌ لغايةِ
стр. 6253
فصلت آية (٤٢ ٤٤) شناعةِ الكُفرِ بهِ وقولُه تعالى
стр. 6254
﴿لا يأتيه الباطلُ من بينِ يديهِ ولا منْ خلفه﴾ أي لا يتظرق إليه الباطلُ من جهةٍ من الجهاتِ صفةٌ أُخرى لكتابٌ وقولُه تعالَى ﴿تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ أو صفةٌ أخرى لكتاب مفيدة لقحامته الإضافيةِ كما أن الصفتينِ السابقتان مفيدتان لقحامته الذاتيةِ وقولُه تعالَى لا يأتيه الخ اعتراضٌ عندَ من لا يجوزُ تقديمَ غير الصريحِ من الصفاتِ على الصريح كلُّ ذلكَ لتأكيد بطلانِ الكفرِ بالقرآنِ وقوله تعالى
стр. 6255
﴿مَّا يُقَالُ لَكَ﴾ الخ تسلية لرسول الله ﷺ عَّما يصيبُه من أذيةِ الكفار أي ما يُقالُ في شأنك وشأنِ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن القُرآن من جهةِ كفارِ قومِك ﴿إلا ما قد قيل للرسل من قبلك﴾ أي إلا مثل ما قد قيلَ في حقِّهم مما لا خيرَ فيه ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةَ﴾ لأنبيائِه ﴿وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ لأعدائِهم وقد نصرَ مَنْ قبلك من الرسل وانتقمَ من أعدائِهم وسيفعلُ مثلَ ذلكَ بكَ وبأعدائِك أيضا
стр. 6256
﴿ولو جعلناه قرآنا أعْجَمِيّاً﴾ جوابٌ لقولِهم هَلَاّ أُنزلَ القرآنُ بلغةِ العجمِ والضميرُ للذكرِ ﴿لَّقَالُواْ لَوْلَا فصلت آياته﴾ أي بينتْ بلسانٍ نفقهُه وقوله تعالى ﴿أأعجمي وعربي﴾ إنكار مقرر للتخصيص والأعجميُّ يُقالُ لكلامٍ لا يفهم وللكمتكلم بهِ والياءُ للمبالغةِ في الوصفِ كأحمريَ والمَعْنى أكلامٌ أعجميٌّ ورسولٌ أو مرسلٌ إليه عربيٌّ على أن الإفرادَ مَعَ كونِ المرسلِ إليهمْ أمةً جمةً لما أنَّ المرادَ بيانُ التنافِي والتنافُرِ بينَ الكلامِ وبينَ المُخاطَبِ بهِ لا بيانُ كونِ المخاطبِ واحداً أو جمعاً وقُرِىءَ أعَجميٌّ أيْ أكلامٌ منسوبٌ إلى أمةِ العجمِ وقُرِىَء أعجميٌّ علَى الإِخبارِ بأنَّ القرآنَ أعجميٌّ والمتكلمُ والمخاطَبُ عربيٌّ ويجوزُ أن يرادَ هَلَاّ فصِّلتْ آياتُه فجعلَ بعضُها أعجمياً لإفهامِ العجمِ وبعضُها عربياً لإفهامِ العربِ وأيَاً ما كانَ فالمقصودُ بيانُ أنَّ آياتِ الله تعالَى على أي وجهٍ جاءتُهم وجدُوا فيها متعنتاً يتعللونَ به ﴿قل هو للذين آمنوا هدى﴾ يهيدهم إلى الحقِّ ﴿وَشِفَاء﴾ لِمَا فِى الصدور من شبة ﴿والذين لَا يُؤْمِنُونَ﴾ مبتدأٌّ خبره ﴿في آذانِهم وَقْرٌ﴾ على أن التقدير هُو أي القرآنُ في آذانِهم وَقْرٌ على أنَّ وقرٌ خبرٌ للضميرالمقدر وفي آذانِهم متعلقٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من وقرٌ وهُو أوفقُ لقولِه تعالى ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ وقيلَ خبرُ الموصولِ في آذانِهم ووَقْرٌ فاعلُ الظرفِ وقيلَ وقرٌ مبتدأٌ والظرفُ خبرُه والجملةُ خبرٌ للموصولِ وقيلَ التقديرُ والذينَ لا يؤمنونَ في آذانِهم منْهُ وقرٌ ومن جوَّزَ العطفَ على عاملينِ عطفَ الموصولَ على الموصولِ الأولِ أي هُو للأولينَ هُدى وشفاءٌ وللآخرينَ وقرٌ في آذانِهم ﴿أولئك﴾ إشارةٌ إلى
стр. 6257
٤٧ ٤٥
الموصولِ الثانِي باعتبارِ اتصافِه بما في حيز صلته وملاحظة ما أُثبتَ لهُ وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإيذان ببعد منزلِته في الشرِّ معَ ما فيه من كمالِ المناسبةِ للنداءِ من بعيدٍ أي أولئكَ البُعداءُ الموصوفونَ بما ذكرَ من التصامِّ عن الحقِّ الذي يسمعُونَهُ والتعامِي عن الآياتِ الظاهرةِ التي يشاهدونَها ﴿يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ تمثيلٌ لهم في عدمِ قبولِهم واستماعِهم له بمنْ ينادى من مسافةٍ نائيةٍ لا يكادُ يَسمعُ من مثلِها الأصواتِ
стр. 6258
﴿ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فِيهِ﴾ كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لبيانِ أن الاختلافَ في شأنِ الكتبِ عادةٌ قديمةٌ للأممٍ غيرُ مختصَ بقومكَ على منهاجِ قولِه تعالى مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَاّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ أيْ وبالله لقد آتيناه التوارة فاختُلفَ فيها فمن مصدقٍ لها ومكذبٍ وهكذا حالُ قومكَ في شأنِ ما آتيناكَ من القرآنِ فمن مؤمنٍ به وكافرٍ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ في حقِّ أمتكَ المكذبةِ وهي العِدَةُ بتأخيرِ عذابِهم وفصلُ ما بينهم وبينَ اللمؤمنين من الخصومةِ إلى يومِ القيامةِ بنحو قوله تعالى بَلِ الساعة مَوْعِدُهُمْ وقولِه تعالى ولكن يُؤَخِرُهُمْ إلى أَجَلٍ مسمى ﴿لقضي بينهم﴾ باستئصال المذبين كما فعلَ بمكذِبي الأممِ السالفة ﴿وأنهم﴾ أي الكفار قومِكَ ﴿لَفِى شَكّ مّنْهُ مُرِيبٍ﴾ أي من القرآنِ وَجَعْلُ الضميرِ الأولِ لليهودِ والثانِي للتوراةِ مما لا وجهَ لَهُ
стр. 6259
﴿مَّنْ عَمِلَ صالحا﴾ بأنْ آمنَ بالكتبِ وعملَ بموجِبها ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ أي فلنفسِه يعملُه أو فنفعُه لنفسه لا لغيره ﴿مَّنْ عَمِلَ صالحا﴾ بأنْ آمنَ بالكتبِ وعملَ بموجِبها فَلِنَفْسِهِ أي فلنفسِه يعملُه أو منفعة لنفسه لا لغيرِه ﴿وَمَنْ أساء فعليها﴾ ضرر لا على غيرِه ﴿وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ﴾ اعتراضٌ تذييلي مقرر لمضمون ما قبلَهُ مبنيٌّ على تنزيلِ تركِ إثابةِ المحسنِ بعملِه أو إثابةِ الغيرِ بعملِه وتنزيلِ التعذيبِ بغير إساءةٍ أو بإساءةِ غيرِه منزلةَ الظلمِ الذي يستحيلُ صدروه عنه وقد مرَّ ما في المقامِ من التحقيقِ والتفصيلِ في سورةِ آل عمرانَ وسورةِ الأنفالِ
стр. 6260
﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ الساعة﴾ أي إذا سئلَ عنها يقال الله يعلم أولا يعلمُها إلا الله تعالَى ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِن ثمرات مّنْ أَكْمَامِهَا﴾ أي من أوعيتِها جمعُ كِمٍ بالكسرِ وهُو وعاءُ الثمرةِ كَجُفِّ الطلعةِ وقُرِىءَ من ثمرةٍ على إرادةِ الجنسِ والجمعُ لاختلافِ الأنواعَ وقد قُرِىءَ بجمعِ الضميرِ أيضاً ومَا نافيةٌ ومِنْ الأُولى مزيدةٌ للاستغراقِ واحتمالُ أَنْ تكَونَ ما موصولةً معطوفة على الساعةِ ومِنْ مبينةً بعيدٌ ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أنثى وَلَا تَضَعُ﴾ أي حَملَها وقولُه تعالى ﴿إِلَاّ بِعِلْمِهِ﴾ استثناء مفرغ من أعم الأحوالِ أيْ وما يحدثُ شيء
стр. 6261
فصلت آية (٤٨ ٥٠) من خروج ثمرة ولاحمل حاملٍ ولا وضعِ واضعٍ ملابساً بشيءٍ من الأشياءِ إلا ملابساً بعلمهِ المحيطِ ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِى﴾ أي بزعمِكم كما نصَّ عليهِ في قوله تعالى نَادُواْ شُرَكَائِىَ الذين زَعَمْتُمْ وفيهِ تهكمٌ بهِم وتقريعٌ لَهُم ويومَ منصوبٌ باذكُرْ أو ظرف لمضمر مؤخر قد تُرك إيذاناً بقصورِ البيانِ عنْه كما مرَّ في قوله تعالى ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل﴾ قَالُواْ آذناك أي أخبرناكَ ﴿مَا مِنَّا من شهيد﴾ من أحد يشهد لهم بالشركة إذا تبرأنَا منهم لَمَّا عاينَّا الحالَ وما منا أحدٌ إلا وهو موحدٌ لكَ أو مامنا من أحدٍ يشاهدُهم لأنهم ضلُّوا عنهُم حينئذٍ وقيلَ هو قولُ الشركاءِ أي ما منا من شهيد يشهد لهم بأنَّهم كانُوا محقِّينَ وقولُهم آذناكَ إما لأنَّ هذا التوبيخَ مسبوقٌ بتوبيخٍ آخر مجاب بهذا الجوابِ أو لأنَّ معناهُ أنك علمتَ من قلوبِنا وعقائدِنا الآنَ أنا لا نشهدُ تلكَ الشهادةَ الباطلةَ لأنَّه إذا علمَهُ من نفوسِهم فكأنَّهم أعلمُوه أو لأنَّ معناهُ الإنشاءُ لا الإخبارُ بإيذانٍ قد كانَ قبلَ ذلكَ
стр. 6262
﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ﴾ أي يعبدونَ ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي غابُوا عنُهم أو ظهر عدمُ نفعِهم فكانَ حضورُهم كغَيبتهم ﴿وَظَنُّواْ﴾ أي أيقنُوا ﴿مَا لَهُمْ مّن مَّحِيصٍ﴾ مهربٍ والظنُّ معلقٌّ عنْه بحرفِ النفي
стр. 6263
﴿لا يسأم الانسان﴾ أي لا يملُّ ولا يفترُ ﴿مِن دُعَاء الخير﴾ من طلبِ السعةِ في النعمةِ وأسبابِ المعيشةِ وقُرِىءَ من دعاءٍ بالخيرِ ﴿وَإِن مَّسَّهُ الشر﴾ أي العسر والضيقة ﴿فيؤوس قَنُوطٌ﴾ فيه مبالغةٌ من جهة البناءِ ومن جهةِ التكريرِ ومن جهةِ أن القنوطُ عبارةٌ عن يأسٍ مفرطٍ يظهرُ أثرُه في الشخصِ فيتضاءلُ وينكسرُ أي مبالغٌ في قطعِ الرجاءِ من فضل الله تعالى ورحمتِه وهذا وصفٌ للجنسِ بوصفِ غالبِ أفرادِه لما أنَّ اليأسَ من رحمتِه تعالى لا يتأتَّى إلا من الكافرِ وسيصرحُ به
стр. 6264
﴿وَلَئِنْ أذقناه رَحْمَةً مّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُ﴾ بتفريجِها عنْهُ ﴿لَيَقُولَنَّ هذا لِى﴾ أي حَقِّي أستحقُّه لم لِي من الفضلِ والعملِ أولى لا لغَيري فَلَا يزولَ عنِّي أبداً ﴿وَمَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً﴾ أي تقومُ فيما سيأتي ﴿وَلَئِن رُّجّعْتُ إلى رَبّى﴾ على تقديرها قيامِها ﴿إِنَّ لِى عِندَهُ للحسنى﴾ أي للحالةَ الحُسنى من الكرامةِ وذلك لاعتقادِه أن ما أصابه ما نعم الدنيا لاستحقاقه له وأنَّ نعمَ الآخرةِ كذلكَ ﴿فَلَنُنَبّئَنَّ الذين كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ﴾ أي لنعلمنَّهم حقيقة أعمالِهم حينَ أظهرناهَا بصورةِ الحقيقة وقد مرَّ تحقيقُه في سورةِ الأعرافِ عند قوله تعالى ﴿والوزن يَوْمَئِذٍ الحق﴾ وفي قولِه تعالَى ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ﴾ من سورةِ يونس ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ لا يُقادرُ قَدُرُه ولا يبلغ كنهه
стр. 6265
فصلت آية (٥١ ٥٣)
стр. 6266
﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ﴾ أي عنِ الشكرِ ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ أي ذهبَ بنفسه وتباعد بكليته تكبرا وتعظما والجانبُ مجازٌ عن النفسِ كما في قوله تعالى فِى جَنبِ الله ويجوزُ أن يرادَ بهِ عِطْفُه ويكونَ عبارةً عن الانحرافِ والازورارِ كما قالُوا ثَنَى عِطْفَةُ وتولَّى بركنِه ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشر فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ﴾ أي كثيرٍ مستعارٌ م مما لَه عَرْضٌ متسعٌ للإشعارِ بكثرتِه واستمرارِه وهو أبلغُ من الطويلُ إذ الطول أطولُ الامتدادينِ فإذا كان عرضُه كذلكَ فما ظنُّك بطولِه ولعلَّ هذا شأنُ بعضٍ غيرِ البعضِ الذي حُكِيَ عنه اليأسُ والقنوطُ أو شأنُ الكلِّ في بعضِ الأوقاتِ
стр. 6267
﴿قل أرأيتم﴾ أي أخبرونِي ﴿إِن كَانَ﴾ أي القرآنُ ﴿مِنْ عِندِ الله ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ مع تعاضد موجبات الإيمان بِهِ ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ أي من أضلُّ منكُم فوضع الموصول موضع الضمير شرحاً لحالهِم وتعليلاً لمزيدِ ضلالهم
стр. 6268
﴿سنريهم آياتنا﴾ الدالة على حقيقتِه وكونِه من عند الله ﴿فِى الأفاق﴾ هو ما أخبرهم به النبيِّ ﷺ من الحوادثِ الآتيةِ وآثارِ النوازل الماضية ما يسر الله تعالى وله ولخلفائِه من الفتوحِ والظهورِ على آفاقِ الدنيا والاستيلاءِ على بلادِ المشارقِ والمغاربِ على وجةٍ خارقٍ للعادةِ ﴿وَفِى أَنفُسِهِمْ﴾ هو ما ظهرَ فيما بينَ أهلِ مكةَ وما حلَّ بهم قال ابن عباس ﵄ في الآفاق أي منازلِ الأممِ الخاليةِ وآثارِهم وفي أنفسِهم يومُ بدرٍ وقال مجاهدٌ والحسنُ والسُدِّيُّ في الآفاقِ ما يفتحُ الله من القُرَى عليهِ ﵊ والمسلمينَ وفي أنفسِهم فتحُ مكةَ وقيلَ في الآفاقِ أي في أقطار السمواتِ والأرضِ من الشمسِ والقمرِ والنجومِ وما يترتبت عليها من الليلِ والنهارِ والأضواءِ والظلالِ والظلماتِ ومن النباتِ والأشجارِ والأنهارِ وفي أنفسهم من لطيفِ الصنعة وبديعِ الحكمةِ في تكوينِ الأجنةِ في ظلماتِ الأرحامِ وحدوثِ الأعضاءِ العجيبةِ والتركيباتِ الغريبةِ كقولِه تعالى ﴿وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ واعتذرَ بأنَّ معنَى السينِ مع أنَّ إراءةَ تلك الآياتِ قد حصلتْ قبلَ ذلكَ أنه تعالَى سيطلعُهم على تلك الآياتِ زماناً فزماناٍ ويزيدُهم وقوفاً على حقائِقِها يوماً فيوماً ﴿حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ﴾ بذلكَ ﴿أَنَّهُ الحق﴾ أي القرآنُ أو الإسلامُ والتوحيدُ ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبّكَ﴾ استئنافٌ واردٌ لتوبيخهِم عَلى تررد في شأنِ القرآنِ وعنادِهم المُحوجِ إلى إراءةِ الآياتِ وعدمِ اكتفائِهم بإخبارِه تعالَى والهمزة للإنكارِ والواوُ للعطفِ على مقدرٍ يقتضيهِ المقامُ أيْ ألَمْ يغنِ ولم يكفِ ربُّكَ والباءُ مزيدةٌ للتأكيد ولَا تكادُ تزاد إلا معَ كَفَى وقولُه تعالى ﴿أَنَّهُ على كُلّ شَىْء شَهِيدٌ﴾ بدلٌ منهُ أيْ ألم يغنهم عن إراء الآياتِ الموعودةِ المبينةِ لحقيةِ القُرانِ ولم يكفهم في ذلكَ أنه تعالَى شهيدٌ على جميع الأشياء وقد أخبرَ بأنَّه منْ عندِه وقيلَ معناهُ أنَّ هَذا الموعودَ من إظهارِ آياتِ الله في الآفاقِ وفي أنفسِهم سيرونَهُ
стр. 6269
ويشاهدونَهُ فيتبينونَ عند ذلكَ أنَّ القرآنَ تنزيلُ عالمِ الغيبِ الذي هُو عَلى كُلّ شَىْء شَهِيدٌ أي مطّلعٌ يستوِي عندَهُ غيبُه وشهادتُه فيكفيهم ذلك دليلاً على أنه حقٌّ وأنَّه منْ عندِه ولو لم يكن كذلك ما قُوِيَ هذه القوةَ ولما نُصرَ حاملُوه هذهِ النُصرةَ فتأملُ وأما ما قيلَ من أن المعنى أو لم يكفكَ أنِه تعالَى على كُلِّ شيءٍ شهيدٌ محققٌ له فيحقق أمرك بإظار الآياتِ الموعودةِ كما حققَ سائرَ الأشياءِ الموعودةِ فمع إشعارِه بما لا يليقُ بجلالةِ منصبِه ﵇ من الترددِ فيما ذكر من تحقيق الموعودِ يرده قولُه تعالى
стр. 6270
﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍ مّن لّقَاء رَبّهِمْ﴾ أي في شكَ عظيمٍ منْ ذلكَ بالبعثِ والجزاءِ فإنه صريحٌ في أن عدمَ الكفاية ة معتبر بالنسبة إلهم وقُرِىءَ مُريةٍ بالضمِّ وهُو لُغةٌ فيها ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلّ شَىْء مُّحِيطُ﴾ عالمٌ بجميع الأشياء جملها وتفاضيلها وظواهرها بواطنها فلا تحفى عليها خافيةٌ منهم وهو مجازيهُمْ على كُفرِهم ومريتِهم ولا محالةَ عن رسولِ الله ﷺ مَنْ قرأَ سورة السجدة أعطاهُ الله تعالَى بكُلِّ حرفٍ عشرَ حسناتٍ والله أعلمُ
следующие страницы →