← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.

стр. 6266

﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ﴾ أي عنِ الشكرِ ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ أي ذهبَ بنفسه وتباعد بكليته تكبرا وتعظما والجانبُ مجازٌ عن النفسِ كما في قوله تعالى فِى جَنبِ الله ويجوزُ أن يرادَ بهِ عِطْفُه ويكونَ عبارةً عن الانحرافِ والازورارِ كما قالُوا ثَنَى عِطْفَةُ وتولَّى بركنِه ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشر فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ﴾ أي كثيرٍ مستعارٌ م مما لَه عَرْضٌ متسعٌ للإشعارِ بكثرتِه واستمرارِه وهو أبلغُ من الطويلُ إذ الطول أطولُ الامتدادينِ فإذا كان عرضُه كذلكَ فما ظنُّك بطولِه ولعلَّ هذا شأنُ بعضٍ غيرِ البعضِ الذي حُكِيَ عنه اليأسُ والقنوطُ أو شأنُ الكلِّ في بعضِ الأوقاتِ

стр. 6267

﴿قل أرأيتم﴾ أي أخبرونِي ﴿إِن كَانَ﴾ أي القرآنُ ﴿مِنْ عِندِ الله ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ مع تعاضد موجبات الإيمان بِهِ ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ أي من أضلُّ منكُم فوضع الموصول موضع الضمير شرحاً لحالهِم وتعليلاً لمزيدِ ضلالهم

стр. 6268

﴿سنريهم آياتنا﴾ الدالة على حقيقتِه وكونِه من عند الله ﴿فِى الأفاق﴾ هو ما أخبرهم به النبيِّ ﷺ من الحوادثِ الآتيةِ وآثارِ النوازل الماضية ما يسر الله تعالى وله ولخلفائِه من الفتوحِ والظهورِ على آفاقِ الدنيا والاستيلاءِ على بلادِ المشارقِ والمغاربِ على وجةٍ خارقٍ للعادةِ ﴿وَفِى أَنفُسِهِمْ﴾ هو ما ظهرَ فيما بينَ أهلِ مكةَ وما حلَّ بهم قال ابن عباس ﵄ في الآفاق أي منازلِ الأممِ الخاليةِ وآثارِهم وفي أنفسِهم يومُ بدرٍ وقال مجاهدٌ والحسنُ والسُدِّيُّ في الآفاقِ ما يفتحُ الله من القُرَى عليهِ ﵊ والمسلمينَ وفي أنفسِهم فتحُ مكةَ وقيلَ في الآفاقِ أي في أقطار السمواتِ والأرضِ من الشمسِ والقمرِ والنجومِ وما يترتبت عليها من الليلِ والنهارِ والأضواءِ والظلالِ والظلماتِ ومن النباتِ والأشجارِ والأنهارِ وفي أنفسهم من لطيفِ الصنعة وبديعِ الحكمةِ في تكوينِ الأجنةِ في ظلماتِ الأرحامِ وحدوثِ الأعضاءِ العجيبةِ والتركيباتِ الغريبةِ كقولِه تعالى ﴿وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ واعتذرَ بأنَّ معنَى السينِ مع أنَّ إراءةَ تلك الآياتِ قد حصلتْ قبلَ ذلكَ أنه تعالَى سيطلعُهم على تلك الآياتِ زماناً فزماناٍ ويزيدُهم وقوفاً على حقائِقِها يوماً فيوماً ﴿حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ﴾ بذلكَ ﴿أَنَّهُ الحق﴾ أي القرآنُ أو الإسلامُ والتوحيدُ ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبّكَ﴾ استئنافٌ واردٌ لتوبيخهِم عَلى تررد في شأنِ القرآنِ وعنادِهم المُحوجِ إلى إراءةِ الآياتِ وعدمِ اكتفائِهم بإخبارِه تعالَى والهمزة للإنكارِ والواوُ للعطفِ على مقدرٍ يقتضيهِ المقامُ أيْ ألَمْ يغنِ ولم يكفِ ربُّكَ والباءُ مزيدةٌ للتأكيد ولَا تكادُ تزاد إلا معَ كَفَى وقولُه تعالى ﴿أَنَّهُ على كُلّ شَىْء شَهِيدٌ﴾ بدلٌ منهُ أيْ ألم يغنهم عن إراء الآياتِ الموعودةِ المبينةِ لحقيةِ القُرانِ ولم يكفهم في ذلكَ أنه تعالَى شهيدٌ على جميع الأشياء وقد أخبرَ بأنَّه منْ عندِه وقيلَ معناهُ أنَّ هَذا الموعودَ من إظهارِ آياتِ الله في الآفاقِ وفي أنفسِهم سيرونَهُ

стр. 6269

ويشاهدونَهُ فيتبينونَ عند ذلكَ أنَّ القرآنَ تنزيلُ عالمِ الغيبِ الذي هُو عَلى كُلّ شَىْء شَهِيدٌ أي مطّلعٌ يستوِي عندَهُ غيبُه وشهادتُه فيكفيهم ذلك دليلاً على أنه حقٌّ وأنَّه منْ عندِه ولو لم يكن كذلك ما قُوِيَ هذه القوةَ ولما نُصرَ حاملُوه هذهِ النُصرةَ فتأملُ وأما ما قيلَ من أن المعنى أو لم يكفكَ أنِه تعالَى على كُلِّ شيءٍ شهيدٌ محققٌ له فيحقق أمرك بإظار الآياتِ الموعودةِ كما حققَ سائرَ الأشياءِ الموعودةِ فمع إشعارِه بما لا يليقُ بجلالةِ منصبِه ﵇ من الترددِ فيما ذكر من تحقيق الموعودِ يرده قولُه تعالى

стр. 6270

﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍ مّن لّقَاء رَبّهِمْ﴾ أي في شكَ عظيمٍ منْ ذلكَ بالبعثِ والجزاءِ فإنه صريحٌ في أن عدمَ الكفاية ة معتبر بالنسبة إلهم وقُرِىءَ مُريةٍ بالضمِّ وهُو لُغةٌ فيها ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلّ شَىْء مُّحِيطُ﴾ عالمٌ بجميع الأشياء جملها وتفاضيلها وظواهرها بواطنها فلا تحفى عليها خافيةٌ منهم وهو مجازيهُمْ على كُفرِهم ومريتِهم ولا محالةَ عن رسولِ الله ﷺ مَنْ قرأَ سورة السجدة أعطاهُ الله تعالَى بكُلِّ حرفٍ عشرَ حسناتٍ والله أعلمُ

стр. 6271

الشورى ﴾ ﴿ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾

стр. 6272

﴿حم عسق﴾ اسمانِ للسورةِ ولذلكَ فصِلَ بينهما وعُدَّا آيتينِ وقيلَ اسمٌ واحدٌ والفصلُ ليناسبَ سائرَ الحواميمِ وقُرىءَ حم سق فعلى الأولِ هُما خبرانِ لمبتدأٍ محذوفٍ وقيلَ حم مبتدأٌ وعسق خبرُهُ وعَلى الثَّانِي الكلُّ خبرٌ واحدٌ وقولُه تعالَى

стр. 6273

﴿كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ الله العزيز الحكيم﴾ كلامٌ مستأنفٌ واردٌ لتحقيق أنَّ مضمونَ السورةِ موافقٌ لما في تضاعف سائرِ الكتبِ المنزَّلةِ على الرسلِ المتقدمةِ في الدعوةِ الى التوحيد الإرشاد الى الحق أو إيحاءَهَا مثلُ إيحائِها بعدَ تنويهِها بذكرِ اسمِها والتنبيه على فخامةِ شأنها والكافُ في حيز النصبِ على أنَّه مفعولٌ ليُوحِي عَلى الأولِ وعلى أنه نعتٌ لمصدرٍ مؤكدٍ لهُ على الثَّانِي وذلك على الأول إشارةٌ إلى ما فيها وعلى الثَّانِي إلى إيحائِها وما فيه من معنى العبد للإيذان بعلوِّ رُتبةِ المُشار إليهِ وبُعْدِ منزلتِه في الفضل أي مثل ما في هذه السورةِ من المعاني أو حى إليكَ في سائر السورِ وإلى مَنْ قبلك من الرسلِ في كتبِهم على أنَّ مناطَ المماثلةِ ما أُشيرَ إليهِ من الدعوة إلى التوحيد والإرشاد إلى الحق وما فيه صلاحُ العبادِ في المعاش والمعادِ أو مثلَ إيحائِها أُوحيَ إليكَ عند إيحاءِ سائرِ السورِ وإلى سائرِ الرسلِ عند إيحاءِ كتبِهم إليهم لا إيحاءً مغايراً له كما في قوله تعالى إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلى نُوحٍ الآيةَ على أنَّ مدارَ المْثليةِ كونُه بواسطةِ الملكِ وصيغةُ المضارعِ على حكايةِ الحالِ الماضيةِ للإيذان باستمرارِ الوحي وأنَّ إيحاءَ مثلِه عادتُه وفي جعلِ مضمونِ السورةِ أو إيحائها مشبهاً به من تفخيمِها مالا يخفى وكذا في وصفِه تعالَى بوصفي العزةَ والحكمةِ وتأخيرُ الفاعلِ لمراعاةِ الفواصلِ مع ما فيه من التشويق وقُرِىءَ يُوحَى على البناءِ للمفعولِ على أنَّ كذلكَ مبتدأ يوحى خبره المسندُ إلى ضميرِه أو مصدر ويحى مسندٌ إلى إليكَ والله مرتفعٌ بما دلَّ عليهِ يوحى كأنه قبل مَنْ يُوحِي فقيلَ الله والعزيزُ الحكيمُ صفتان لهُ أو مبتدأٌ كما في قراءةِ نُوحِي والعزيزُ وما بعدَهُ خبرانِ له أو العزيز الحكيمُ صفتانِ له

стр. 6274

٤ ٧ وقوله تعالى

стр. 6275

﴿له ما في السماوات وَمَا فِي الأرض وَهُوَ العلى العظيم﴾ خبرانِ له وعلى الوجوهِ السابقةِ استئنافٌ مقرر لعزته وحكمته

стр. 6276

﴿تكاد السماوات﴾ وقُرِىَء بالياءِ ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾ يتشقّقنَ من عظمةِ الله تعالىَ وقيلَ من دعاءِ الولدِ له كما في سُورةِ مريمَ وقُرِىءَ يَنْفَطرنَ والأولُ أبلغُ لأنَّه مطاوعُ فطَّر وهذا مطاوع فطر وفرىء تتفطرن بالتاءِ لتأكيدِ التأنيثِ وهو نَادرٌ ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أي يبتدأُ التفطرُ من جهتهنَّ الفوقانيةِ وتخصيصُها على الأولِ لما أنَّ أعظمَ الآياتِ وأدلَّها على العظمةِ والجلالِ من تلكَ الجهةِ وعلى الثان للدلالةِ على التفطرِ من تحتهنَّ بالطريقِ الأَولى لأنَّ تلكَ الكلمةَ الشنعاءَ الواقعةَ في الأرضِ حيثُ أثرتْ من جهة الفرق فلأنْ تؤثرَ في جهةِ التحتِ أَوْلى وقيلَ الضميرُ للأرضِ فإنَّها في مَعنْى الأرضينَ ﴿والملائكة يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ﴾ ينزهونَهُ تعالى عمَّا يليقُ به ملتبسينَ بحمدِه ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى الأرض﴾ بالسَّعي فيما يستدعِي مغفرتَهُم من الشفاعةِ والإلهامِ وترتيبِ الأسبابِ المقربةِ إلى الطاعةِ واستدعاءِ تأخيرِ العقوبةِ طمعاً في إيمانِ الكافرِ وتوبةِ الفاسقِ وهذا يعمُّ المؤمنَ والكافرَ بلْ لو فُسِّر الاستغفارُ بالسَّعي فيما يدفعُ الخللَ المتوقعَ عمَّ الحيوانَ بل الجماد وحيث خص بالمؤمنينَ كَما في قولِه تعالى ويستغفرون للذين آمنوا فالمرادُ به الشفاعةُ ﴿أَلَا إِنَّ الله هُوَ الغفور الرحيم﴾ إذْ ما منْ مخلوق ولَهُ حظٌ عظيمٌ من رحمتِه تعالَى والآيةُ عَلى الأولِ زيادةُ تقرير لعظمتِه تعالَى وعلى الثَّاني بيانٌ لكمالِ تقدُّسهِ عمَّا نُسبَ إليه وأن ترك معالجتهم بالعقابِ على تلك الكلمةِ الشنعاءِ بسببِ استغفارِ الملائكةِ وفرطِ غفرانِه ورحمتِه ففيها رمزٌ إلى أنَّه تعالَى يقبلُ استغفارَهُم ويزيدُهُم على ما طلبُوه من المغفرةِ رحمةً

стр. 6277

﴿والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء﴾ شركاءَ وأنداداً ﴿الله حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ رقيبٌ على أحوالِهم وأعمالِهم فيجازيَهمُ بها ﴿وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ بموكّلٍ بهم أو بموكولٍ إليه أمرُهم وإنما وظيفتُكَ الإنذارُ

стр. 6278

﴿وكذلك أَوْحينا إليكَ قرآناً عربياً﴾ ذلك إشارة إلى مصدر أَوْحَينا ومحلُّ الكافِ النصبُ على المصدريةِ وقرآنا عربياً مفعولا لأوحينَا أي ومثلَ ذلكَ الإيحاءِ البديعِ البيِّنِ المفُهم أَوْحينا إليكَ قرآناً عربياً لا لَبْسَ فيه عليكَ ولا على قومكَ وقيلَ إشارةٌ إلى مَعْنى الآيةِ المتقدمةِ من أنَّه تعالى هُو الحفيظُ عليهم وإنما أنتَ نذيرٌ فحسب فالكافُ مفعول به لاوحينا قرآنا عربياً حالٌ من المفعولِ

стр. 6279

٨ بِه أيْ أوحيناهُ إليكَ وهو قرآنٌ عربيٌّ بيِّنٌ ﴿لّتُنذِرَ أُمَّ القرى﴾ أيْ أهلَها وهيَ مكةُ ﴿وَمَنْ حولها﴾ من االعرب ﴿وَتُنذِرَ يَوْمَ الجمع﴾ أي يومَ القيامةِ لأنه يُجمعُ فيه الخلائق قال تعلى يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الجمع وقيلَ تُجمعُ فيه الأرواحُ والأشباحُ وقيلَ الأعمالُ والعُمالُ والإنذارُ يتعدَّى إلى مفعولينِ وقد يستعملُ ثانيهما بالباءِ وقد حذف ههنا ثانِي مفعولَيْ الأولِ وأولُ مفعولي الثان اللتهويل وإيهامِ التعميمِ وقُرِىءَ لينذرَ بالياءِ على أنَّ فاعلَهُ ضميرُ القرآنِ ﴿لَا رَيْبَ فيه﴾ اعرتاض مقررٌ لما قبلَهُ ﴿فَرِيقٌ فى الجنة وفريق فى السعير﴾ أي بعدَ جمعِهم في الموقفِ فإنَّهم يُجمعونَ فيه أولاً ثمَّ يفرقونَ بعد الحسابِ والتقديرُ منهمُ فريقٌ والضميرُ للمجموعينَ لدلالةِ الجمعِ عليهِ وقِرِئَا منصوبينِ على الحاليةِ منهُم أيْ وتنذرَ يومَ جمعِهم متفرقين أي مشارفينَ للتفرقَ أو متفرقين في ادرى الثوابِ والعقابِ

стр. 6280

﴿ولو شاء الله لجعلهم﴾ أي في لدنيا ﴿أمة واحدة﴾ قيل مهتدينَ أو ضَالِّينَ وهو تفصيلٌ لما أجملَهُ ابن عباس ﵄ في قولِه على دينٍ واحدٍ فمعنى قولِه تعالى ﴿ولكن يدخل من يشاء فِى رَحْمَتِهِ﴾ أنه تعالَى يُدخلُ في رحمتِه مَن يشاءُ أنْ يدخلَهُ فيها ويدخلُ في عذابِه مَن يشاءُ أنْ يدخلَهُ فيهِ ولا ريب في أن مشيئَته تعالَى لكلَ من الإدخالينِ تابعةً لاستحقاقِ كلَ من الفريقين لدخلول مُدخلِه ومن ضرورةِ اختلافِ الرحمةِ والعذابِ اختلافْ حالِ الداخلينَ فيهما قطعاً فلم يشأْ جعلَ الكلِّ أمةً واحدةً بلْ جعلَهُم فريقينِ وإنَّما قيلَ ﴿والظالمون مَا لَهُمْ مِن وَلِيّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ للإيذانِ بأنَّ الإدخالَ في العذابِ من جهِه الداخلين بموجب سوء اختيارهم لا من جهتِه تعالَى كما في الإدخال في الرحمة لا لِما قيلَ من المبالغةِ في الوعيدِ وقيلَ مؤمنين كلَّهم وهو ما قالَه مقاتلٌ على دينِ الإسلامُ كما في قوله تعالى ولو شآء الله لجمهم عَلَى الهدى وقوله تعالَى ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَاتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ والمَعنْى ولو شاء لله مشيئةَ قُدرةٍ لقسرَهُم على الإيمانِ ولكنَّه شاءَ مشيئةَ حكمةٍ وكلَّفَهم وبنى أمرَهُم على مَا يختارُون ليدخلَ المؤمنينَ في رحمتِه وهم المُرادونَ بقولِه تعالى يُدْخِلُ مَن يَشَاء وتركَ الظالمينَ بغيرِ وَليَ ولا نصيرٍ وأنت خبيرٌ بأنَّ فرضَ جعلِ الكلِّ مؤمنينَ يأباهُ تصديرُ الاستدراكِ بإدخالِ بعضِهم في رحمته إذِ الكلُّ حينئذٍ داخلونَ فيَها فكانَ المناسب حينئ تصديَرُه بإخراجِ بعضِهم مِنْ بينِهم وإدخالِهم في عذابِه فالذي يقتضيهِ سياقُ النظمِ الكريمِ وسبقاه أنْ يرادَ الاتحادُ في الكُفرِ كما في قولِه تعالى كَانَ الناس أُمَّةً واحدة فبعث الله النبين الآيةَ على أحدِ الوجهينِ بأنْ يُرادَ بهم الذين هم في فترة إدريسَ أو في فترةِ نوحٍ ﵉ فالمَعْنى ولو شاءُ الله لجعلَهُم أُمَّةً واحدةً متّفقةً على الكُفرِ بأنْ لا يرسلَ إليهم رسولاً لينذرَهُم ما ذُكِرَ من يوم الجع وما فيهِ من ألوانِ الأهوالِ فيبقُوا على ما هم عيه من الكُفرِ ولكنْ يدخلُ من يشاء فى رحمته أي شأنُه ذلكَ فيرسلُ إلى الكلِّ مَن ينذرُهم ما ذُكِرِ فيتأثرُ بعضُهم بالإنذارِ فيصرفونَ اختيارَهُم إلى الحقِّ فيوفقُهم الله للإيمانِ والطاعةِ ويُدخلِهُم في رحمتِه ولا يتأثرُ به الآخرونَ ويتمادَوْنَ في غيِّهم وهم الظالمونَ فيبقَونَ في الدُّنيا

стр. 6281

﴾ ١ ٩ على ما هم عليه من الكُفرِ ويصيرونَ في الآخرة إلى السعير من غير وَليَ يَلي أمرَهُم ولا نصيرٍ يخلصُهم من العذابِ

стр. 6282

﴿أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ أولياء﴾ جملةٌ مستأنَفة مقرِّرةٌ لما قبلَها من انتفاءِ أنْ يكونَ للظالمينَ ولي أو نصيرٌ وأمْ منقطعةٌ وما فيها من بَلْ للانتقالِ من بيانِ ما قبلَها إلى بيانِ ما بعدَها والهمزةُ لإنكارِ الوقوعِ ونفيِه على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه لا لإنكارِ الواقعِ واستقباحِه كما قيل إذا المراد بيان أن ما فعلوا ليس من اتخاذ الأولياءِ في شيءٍ لأنَّ ذلكَ فرعُ كونِ الأصنامِ أولياءَ وهو أظهرُ الممتنِعاتِ أيْ بلْ أتخذُوا متجاوزينَ الله أولياءَ من الأصنامِ وغيرِها هيهاتَ وقولُه تعالَى ﴿فالله هُوَ الولى﴾ جوابُ شرطٍ محذوفٍ كإنَّه قيلَ بعدَ إبطالِ ولايةِ ما اتخذُوه أولياءَ إنْ أرادُوا ولياً في الحقيقةِ فالله هُو الولى لاولى سواه ﴿وهو يحيي الموتى﴾ أيْ ومن شأنِه ذلكَ ﴿وَهُوَ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ﴾ فهُو الحقيقُ بأنْ يتخذَ ولياً فليخصُّوه بالاتخاذِ دونَ من لا يقدرُ على شيءٍ

стр. 6283

﴿وما اختلفتم فيه من شَىْء﴾ حكايةٌ لقولِ رسولِ الله ﷺ للمؤمنينَ أيْ وما خالفَكُم الكفارُ فيهِ منْ أمورِ الدِّينِ فاختلفتُم أنتمُ وهُم ﴿محكمة﴾ راجعٌ ﴿إِلَى الله﴾ وهو إثابةُ المحقِّينَ وعقابُ المُبطلينَ ﴿ذلكم﴾ الحاكمُ العظيمُ الشأنِ ﴿الله رَبّى﴾ مالِكِي عَلَيْهِ توكلت في مجامع أمروى خاصَّة لَا على غيرِه ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أرجعُ في كلِّ ما يَعنُّ لي من معضلات الأموة ر لا إلى أحدٍ سواهُ وحيثُ كانَ التوكُّل أمراً واحداً مستمراً والإنابةُ متعددة متجددة حسب تجّدُدِ موادّهِا أو ثر في الأولِ صيغةُ الماضِي وفي الثَّانِي صيغةُ المضارعِ وقيلَ وما اختلفتُم فيه وتنزعتم في شيءٍ من الخصوماتِ فتحاكمُوا فيهِ إلى رسولِ الله ﷺ ولا تُؤثروا على حكومتِه حكومةَ غيرِه وقيلَ وما اختلفتُم فيه من تأويلِ آية واشتبَه عليكُم فارجِعوا في بيانه إلى المحكمِ من كتابِ الله والظَّاهرِ من سنة رسول الله ﷺ وقيلَ وما وقعَ بينكُم الخلافُ فيهِ من العلومِ التي لا تتعلق تكليفكم ولا طريق لكُم إلى علمِه فقولُوا الله أعلمُ كمعرفةِ الرُّوحِ ولا مساغَ لحملِ هذا على الاجتهادِ لعدمِ جوازِه بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم

стр. 6284

﴿فاطر السماوات والأرض﴾ خبرٌ آخرُ لذلكُم أو خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ أو مبتدأ خبرُهُ ﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾ وقُرِىءَ بالجرِّ على أنَّه بدلٌ منَ الضميرِ أو وصفٌ للاسمِ الجليلِ في قولِه تعالَى إلى ﴿الله﴾ وما بينهما اعترضا بينَ الصفةِ والموصوفِ ﴿مّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ من جنسِكم ﴿أزواجا﴾ نساءً وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ على المفعولِ الصريحِ قد مر سره غيره مرةٍ ﴿وَمِنَ الأنعام﴾ أي وجعلَ للأنعامِ من جنْسِها ﴿أزواجا﴾ أو خلقَ لكُم من الأنعامِ أصنافاً أو ذكوراً وإناثاً ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ يكثّركم من الذرْءِ وهو البثُّ وفي معناهُ الذَّرو والذَّرُّ ﴿فِيهِ﴾ أي

стр. 6285

﴾ ٣ ١ ﴿ فيما ذُكِرَ من التدبيرِ فإنَّ جعلَ الناسِ والأنعامِ أزواجاً يكونُ بينَهم توالدٌ كالمنبعِ للبثِّ والتكثيرِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء﴾ أي ليسَ مثله في شأن من الشئون التي من جملتها هذا التدبيرُ البديعُ والمراد من مثله ذاتُه كَما في قولِهم مثلُكَ لا يفعلُ كَذا على قصدِ المبالغةِ في نفيه عنه فإذا إذا نُفيَ عمَّن يناسبُه كانَ نفيُه عْنهُ أَوُلى ثم سلكت هذهِ الطريقةُ في شأنِ مَنْ لا مثلَ لهُ وقيلَ مثلُه صفتُه أيْ ليسَ كصفتِه صفةٌ ﴿وَهُوَ السميع البصير﴾ المبالغُ في العلمِ بكلِّ ما يسمعُ ويبصر

стр. 6286

﴿له مقاليد السماوات والأرض﴾ أيْ خَزَائنُهُما ﴿يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء ويقدر﴾ يوسعُ ويضيقُ حسبما تقتضيهِ مشيئتُه المؤسسةُ على الحِكَمِ البالغةِ ﴿إِنَّهُ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ﴾ مبالغٌ في الأحاطةِ به فيفعلُ كلَّ ما يَفعلُ على ما ينبغِي أنُ يُفعلَ عليه والجملةُ تعليلٌ لما قبلَها وتمهيدٌ لما بعدَها من قولِه تعالى

стр. 6287

﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وموسى وعيسى﴾ وإيذانٌ بأنَّ ما شرعَ لهم صادرٌ عن كمالِ العلمِ والحكمةِ كما أن بيانَ نسبتهِ إلى المذكورين عليهم الصلاة والسلام تنبيهٌ على كونِه ديناً قديماً أجمعَ عليه الرسلُ والخطابُ لأمَّتهِ ﵊ أيْ شرعَ لكُم من الدين ما وصى به نوحاً ومَنْ بعدَه من أربابِ الشرائعِ وأولي العزائمِ من مشاهيرِ الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ وأمرَهُم به أمراً مؤكداً على أنَّ تخصيصَهُم بالذكرِ لما ذُكِرَ من علوِّ شأنِهم ولا ستمالة قلوبِ الكفرةِ إليه لاتفاقِ الكلَّ على نبوةِ بعضِهم وتفردِ اليهودِ في شأنِ مُوسى ﵇ وتفردِ النَّصارى في حقِّ عيسى ﵇ وإلا فَما منْ نبيَ إلا وهُو مأمور بما أمره به وهو عبارةٌ عنِ التوحيدِ ودينِ الإسلامِ وما يختلف باخلافت الأممِ وتبدلِ الأعصارِ من أصولِ الشرائعِ والأحكامِ كما ينبىءُ عنه التوصيةُ فإنها معربةٌ عن تأكيد الأمرِ والاعتناء بشأن المأمور به والمراد بإيحائه إليه عله الصَّلاةُ والسَّلامُ إمَّا مَا ذُكر في صدرِ السورةِ الكريمةِ وفي قولِه تعالى ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا﴾ الآيةَ أو ما يعمُّهما وغيرَهُما مما وقعَ في سائر المواقعِ التي من جملتها قوله تعالَى ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا وقولُه تعالَى قُلْ إنما أنا بشرٌ مثلُكم يوحى إِلَىَّ أَنَّمَا إلهكم إله وَاحِدٌ وغيرُ ذلكَ والتعبيرُ عن ذلكَ عند نسبتِه إليه ﵊ بالذي لزيادة تفخيمِ شأنِه من تلك الحيثيةِ وإيثارُ الإيحاءِ على ما قبله وما بعده من التوصيةِ لمراعاة ما وقعَ في الآيات المذكورةِ ولِما في الإيحاءِ من التصريحِ برسالته ﵊ القامعِ لإنكار الكفرةِ والالتفاتُ إلى نونِ العظمةِ لإظهار كمالِ الاعتناءِ بإيحائِه وهو السرُّ في تقديمِه على ما بَعدُه مع تقدِّمهِ عليهِ زماناً وتقديمُ

стр. 6288

﴾ ٤ توصيةِ نوحٍ ﵇ للمسارعة إلى بيان كون المشروعِ لهم ديناً قديماً وتوجيه الخطابِ إليه ﵊ بطريق التلوين للتشريف والتنبيهِ على أنَّه تعالَى شرعَهُ لهم على لسانِه ﵊ ﴿أَنْ أَقِيمُواْ الدين﴾ أي دينَ الإسلامِ الذي هو توحيدُ الله تعالى وطاعتُه والإيمان بكتبه ورسله وبيوم الجزاءِ وسائرِ ما يكونُ الرجلُ بهِ مُؤمناً والمرادُ بإقامتِه تعديلُ أركانِه وحفظُه منْ أنْ يقعَ فيه زيف أو المواظبةُ عليه والتشمّرُ له ومحلُّ أنْ أقيمُوا إما النصبُ على أنه بدلٌ منْ مفعول شرع والمعطوفين عليها أو الرفعُ عَلى أنَّه جواب عن سؤال نشأ منْ إبهامِ المشروعِ كأنَّه قيلَ وما ذاكَ فقيلَ هو إقامةُ الدينِ وقيلَ بدلٌ من ضمير به وليسَ بذاكَ لما أنَّه معَ إفضائه إلى خروجه عن حيز الإيحاءِ إلى النبيِّ ﷺ مستلزمٌ لكون الخطابِ في قولِه تعالَى ﴿وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فيه﴾ للأنبياء المذكروين عليهمْ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتوجيه النَّهي إلى أممهم تمحّلٌ ظاهرٌ مع أنَّ الأظهرُ أنَّه متوجهٌ إلى أمته ﷺ وأنَّهم المتفرقونَ كما ستحيطُ به خبرا اي لا تتفرقُوا في الدينِ الذي هُو عبارةَ عمَّا ذُكر من الأصولِ دونَ الفروعِ المختلفةِ حسبَ اختلافِ الأممِ باختلافِ الأعصارِ كما ينطقُ بهِ قولُه تعالَى ﴿لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شرعة ومنهاجا﴾ وقولُه تعالَى ﴿كَبُرَ عَلَى المشركين﴾ شروعٌ في بيانِ أحوالِ بعضِ مَنْ شرعَ لهم ما شرع من الدينِ القويمِ أي عظُم وشق علهيم ﴿ما تدعوهم إليه﴾ من التوحيدِ ورفضِ عبادةِ الأصنامِ واستبعدُوه حيثُ قالُوا ﴿أَجَعَلَ الألهة إلها واحدا إِنَّ هذا لَشَىْء عُجَابٌ﴾ وقولُه تعالَى ﴿الله يَجْتَبِى إِلَيْهِ مَن يَشَاء﴾ استئنافٌ واردٌ لتحقيق الحقِّ وفيه إشعارٌ بأنَّ منهُم من يجيبُ إلى الدعوة أي الله يجتلبُ إلى ما تدعُوهم إليهِ مَنْ يشاءُ أنْ يجتبَيُه إليهِ وهُو من صَرفَ اختيارَهُ إلى ما دُعِيَ إليه كما ينبىءُ عنه قولُه تعالى ﴿وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ أي يُقبلُ إليه حيثُ يمدُّه بالتوفيق والألطافِ وقولُه تعالَى

стр. 6289

﴿وَمَا تَفَرَّقُواْ﴾ شروعٌ في بيان أحوالِ أهلِ الكتابِ عقيبَ الإشارةِ الإجماليةِ إلى أحوالِ أهلِ الشركِ قال ابن عباس ﵄ هُم اليهودُ والنَّصارى لقولِه تعالَى وَمَا تَفَرَّقَ الذين أوتو الكتاب إِلَاّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينة أيْ وما تفرقُوا في الدينِ الذي دُعوا إليهِ ولم يُؤمنوا كما آمنَ بعضُهم ﴿إِلَاّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم﴾ بحقِّيتِه بما شاهُدوا في رسول الله ﷺ والقرآنِ من دلائلِ الحقِّيةِ حسبما وجدُوه في كتابِهم أو العلم بمبعثه ﷺ وهو استثناءٌ مفرَّغٌ من أعمِّ الأحوالِ أو منْ أعمِّ الأوقاتِ أيْ وما تفرقُوا في حالٍ من الأحوالِ أو في وقتٍ من الأوقاتِ إلا حالَ مجىء العلم أو إلا وقت مجيءَ العلمِ ﴿بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ وحميةً وطلباً للرياسة لا لأنَّ لهم في ذلكَ شبهةٌ ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ﴾ وهي العِدَةُ بتأخير العقوبةِ ﴿إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ هو يومُ القيامةِ ﴿لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ﴾ لأوقعَ القضاءَ بينَهم باستئصالِهم لاستيجاب جناياتِهم لذلك قطعاً وقولُه تعالَى ﴿وَإِنَّ الذين أُورِثُواْ الكتاب مِن بَعْدِهِمْ﴾

стр. 6290

الخ بيانٌ لكيفية كفر المشركينَ بالقرآنِ إثرَ بيانِ كيفيةِ كفرِ أهلِ الكتابِ وقُرِىءَ وَرِثُوا ووُرِّثُوا أيْ وإنَّ المشركينَ الذينَ أُورثوا القرآنَ من بعدِ ما أُورثَ أهلُ الكتابِ كتابَهم ﴿لَفِى شَكّ مّنْهُ﴾ من القرآن ﴿مُرِيبٍ﴾ موقعٌ في القلق أو في الريبةِ ولذلكَ لا يُؤمنونَ به لا لمحض البغِي والمكابرةِ بعد ما علموا لحقيته كدأب أهلِ الكتابينِ هذا وأمَّا مَا قيلَ من أنَّ ضميرَ تفرقُوا لأمم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأنَّ المرادَ تفرقُ كلِّ أمةٍ بعدَ نبيِّها مع علمِهم بأنَّ الفرقةَ ضلالٌ وفسادٌ وأمرٌ متوعدٌ عليهِ على ألسنة الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ فيردّه قولُه تعالَى وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِىَ بِيْنَهُمْ وكذا ما قيل من أن الناس كانوا أمةً واحدةً مؤمنينَ بعد ما أهلكَ الله تعالَى أهل الأرضَ بالطوفان فلما ماتَ الآباءُ اختلفَ الأبناءُ فيما بينُهم وذلك حين بعث الله تعالى النبيين مبشرين ومنذرين وجاءهُم العلمُ وإنما اختلفوة اللبفى بينَهم فإنَّ مشاهيرَ الأممِ المذكور قد أصابُهم عذابُ الاستئصالِ من غير إنظارٍ وإمهالٍ على أنَّ مَساقَ النظمِ الكريمِ لبيان أحوالِ هذه الأمةِ وإنما ذُكِرَ من ذكر من الأنبياء عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ لتحقيق أنَّ ما شرع لهؤلاء دين قديم أجمع عليه أولئك الأعلام عليهم الصلاة والسلام تأكيداً لوجوب إقامتِه وتشديداً للزجرِ عن التفرق والاختلافِ فيه فالتعرضُ لبيان تفرقِ أممِهم عنه ربَّما يُوهم الإخلالَ بذلكَ المرامِ

стр. 6291

﴿فَلِذَلِكَ﴾ أي فلأجل ما ذُكِرَ من التفرق والشكِّ المريبِ أو فلأجلِ أنَّه شرع لهم الدين القومم القديم الحقيق بأنْ يتنافسَ فيهِ المتنافسونَ ﴿فادع﴾ أي الناسَ كافةً إلى إقامةِ ذلك الدين والعمل بموجبِه فإنَّ كلاً من تفرقِهم وكونِهم في شكَ مريب ومن شرع ذلك الدين لهم على لسان رسول الله ﷺ سببٌ للدعوةِ إليهِ والأمرِ بَها وليسَ المشارُ إليهِ ما ذُكرَ من التوصية والأمرِ بالإقامة والنَّهي عن التفرقِ حتى يُتوهمُ شائبةُ التكرارِ وقيلَ المشارُ إليهِ نفسُ الدينِ المشروعِ واللامُ بمَعْنى إِلى كَما في قولِه تعالى بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا أي فإلى ذلكَ الدينِ فادعُ ﴿واستقم﴾ عليه وعلى الدعوة إليه ﴿كَمَا أُمِرْتَ﴾ وأُوحيَ إليكَ ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ﴾ الباطلةَ ﴿وقل آمنت بِمَا أَنزَلَ الله مِن كتاب﴾ أيَّ كتابٍ كان من الكتبِ المنزلةِ لا كالذينَ آمنُوا ببعضٍ منها وكفرُوا ببعضٍ وفيه تحقيقٌ للحقِّ وبيانٌ لاتفاق الكتبِ في الأوصل وتأليفٌ لقلوب أهلِ الكتابينِ وتعريضٌ بهم وقد مرَّ بيانُ كيفيةِ الإيمانِ بها في خاتمةِ سورةِ البقرةِ ﴿وَأُمِرْتُ لاِعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ في تبليغ الشرائعِ والأحكام وفصل القضايا عند المحاكمة والخصام وقيل معناه لا سوى بيني وبينكُم ولا آمرَكم بما لاأعمله ولا اخالفكم إلى ماأنهاكم عْنهُ ولا أفرقَ بين أكابرِكم وأصاغرِكم واللام إمَّا على حقيقتها والمأمورُ به محذوفٌ أيْ أمِرتْ بذلكَ لأعدلَ أو زائدةٌ أيْ أمرتُ أنْ أعدلَ والباءُ محذوفةٌ ﴿الله رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ أي خالقُنا جميعاً ومتولِّي أمورنا ﴿لَنَا أعمالنا﴾ لا يتخطانَا جزاؤُها ثواباً كانَ

стр. 6292

﴾ ٨ ١٦ أو عقاباً ﴿وَلَكُمْ أعمالكم﴾ لا تجاوزكم آثارها لنستفيد بحسناتكم ونتضرر بسيآتكم ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ لا مُحاجَّةَ ولا خصومةَ لأنَّ الحقَّ قد ظهرَ ولم يبقَ للمحاجَّةِ حاجةٌ ولا للمخالفة محل سوى المكابرةِ ﴿الله يَجْمَعُ بَيْنَنَا﴾ يومَ القيامةِ ﴿وَإِلَيْهِ المصير﴾ فيظهرُ هناكَ حالُنا وحالُكم وهذا كما تَرَى محاجزةٌ في مواقف المجاوبةِ لا متارَكةٌ في مواطن المحاربةِ حتى يُصارَ إلى النسخ بآيةِ القتالِ

стр. 6293

﴿والذين يُحَاجُّونَ فِى الله﴾ أي في دينِه ﴿مِن بَعْدِ مَا استجيب لَهُ﴾ من بعدما استجاء له الناسُ ودخلُوا فيهِ والتعبيرُ عن ذلكَ بالاستجابةِ باعتبار دعوتِهم إليهِ أو من بعد ما استجاب الله لرسوله ﷺ وأيَّده بنصره أو من بعدما استجابَ له أهلُ الكتابِ بأن أقروا بنبوته صلى الله عليه سولم واستفتحُوا به قبلَ مبعثِه صلى الله عليه سلم وذلكَ أنَّ اليهودَ والنَّصارى كانوا يقولونَ للمؤمنين كتابُنَا قبلَ كتابِكم ونبيُنا قبلَ نبيِّكُم ونحنُ خير منكُم وأولى بالحقِّ ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبّهِمْ﴾ زالَّةٌ زائلةٌ باطلة بل لا جاحة لهم أصلاً وإنما عبِّر عن أباطيلهم بالحجة مجاراةً معهم على زعمهم الباطلِ ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ عظيمٌ لمكابرتِهم الحقَّ بعدَ ظهورِه ﴿وَلَهُمْ عذاب شَدِيدٍ﴾ لا يقادَر قَدرُهُ

стр. 6294

﴿الله الذى أَنزَلَ الكتابَ﴾ أي جنسَ الكتابِ ﴿بالحق﴾ ملتبساً به في أحكامه وأخبارِه أو بما يحقُّ إنزالُه من العقائدِ والأحكامِ ﴿والميزان﴾ والشرعِ الذي يُوزنُ به الحقوقُ ويسوى بينَ الناسِ أو نفسُ العدلِ بأنْ أنزلَ الأمرَ بهِ أو آلةُ الوزنِ ﴿وَمَا يدريك﴾ أيُّ شيءٍ يجعلكَ عالماً ﴿لَعَلَّ الساعة﴾ التي يخبرُ بمجيئها الكتابُ الناطقُ بالحقِّ ﴿قَرِيبٌ﴾ أيْ شيءٌ قريبٌ او قريب مجيئها وقتل القريبُ بمعنى ذاتِ قربٍ أو الساعةُ بمعنى البعثِ والمَعْنى أنَّها على جناحِ الإتيانِ فاتبعِ الكتابَ واعملْ بهِ وواظبْ على العدل قبل أنْ يفاجئكَ اليومُ الذي يوزنُ فيه الأعمالُ ويوفي جزاؤها

стр. 6295

﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الذين لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ استعجالَ إنكارٍ واستهزاءٍ كانُوا يقولونَ متى هيَ ليتها قامتْ حَتَّى يظهرَ لنا الحقُّ أهُو الذي نحنُ عليهِ أم الذي عليهِ محمدٌ وأصحابُه ﴿والذين آمنوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ خائفونَ منَها معَ اعتناءٍ بها لتوقعِ الثوابِ ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الحق﴾ أي الكائنُ لا محالةَ ﴿أَلَا إِنَّ الذين يُمَارُونَ في الساعة﴾ يحادلون فيها منَ المرية أو من مَرَيتُ الناقةَ إذا مسحت صرعها بشدة للحليب ألأن كلاً من المتجادلينِ يستخرجُ ما عند صاحبهِ بكلامٍ فيه شدَّةٌ ﴿لَفِى ضلال بَعِيدٍ﴾ عن الحقِّ فإن البعثَ أشبه الغائباتِ بالمحسوسات فمن لم يهتدِ إلى تجويزه فهو عن

стр. 6296

﴾ ٢ ١٩ الاهتداءالى ما وراءَهُ أبعدُ وأبعدُ

стр. 6297

﴿الله لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ أي برٌّ بليغُ البِرِّ بهم يُفيض عليهم من فنون ألطافه مالا بكاد ينالُه أيدي الأفكارِ والظنونِ ﴿يَرْزُقُ مَن يَشَاء﴾ أنْ يرزقه كيفما يشاءُ فيخصُّ كلاً من عباده بنوعٍ من البرِّ على ما تقضتيه مشيئته المنبية على الحِكم البالغةِ ﴿وَهُوَ القوى﴾ الباهرُ القدرةِ الغالبُ على كلِّ شيءٍ ﴿العزيز﴾ المنيعُ الذي لا يغلبُ

стр. 6298

﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة﴾ الحري في الأصل إلقاءُ البَذْرِ في الأرض يُطلقُ على الزرع الحاصل منه ويستعملُ في ثمرات الأعمالِ ونتائجها بطريق الاستعارةِ المبنيَّةِ على تشبيِهها بالغلال الحاصلةِ من البذور المتضمن لتنبيه الاعمال أي مَن كَانَ يُرِيدُ بأعماله ثوابَ الآخرةِ ﴿نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ﴾ نضاعفْ له ثوابَهُ بالواحدِ عشرةً إلى سبعمائةٍ فما فوقها ﴿وَمَن كَانَ يُرِيدُ﴾ بأعماله ﴿حَرْثَ الدنيا﴾ وهو متاعُها وطيباتُها ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ أي شيئاً منها حسبما قسمنَا لهُ لا ما يريدُه ويبتغيه ﴿وَمَا لَهُ فِى الأخرة مِن نَّصِيبٍ﴾ إذْ كانتْ همتُه مقصورةً على الدُّنيا وقد مرَّ تفصيلُه في سورة الإسراء

стр. 6299

﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء﴾ أي بلْ ألهُم شركاءُ من الشياطينِ والهمزةُ للتقرير والتقريعِ ﴿شَرَعُواْ لَهُمْ﴾ بالتسويل ﴿مّنَ الدين مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ الله﴾ كالشرك وإنكارِ البعثِ والعملِ للدُّنيا وقيلَ شركاؤُهم أوثانُهم وإضافتُها إليهم لأنَّهم الذينَ جعلُوها شركاءَ لله تعالى واستاذ الشرعِ إليها لأنَّها سببُ ضلالتِهم وافتتانِهم كقوله تعالى إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا أو تمثايل مَنْ سنَّ الضلالَة لهُم ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الفصل﴾ أي القضاءِ السابقِ بتأخيرِ الجزاءِ أو العدةُ بأنَّ الفصلَ يكونُ يومَ القيامةِ ﴿لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ﴾ أي بين الكافرينَ والمؤمنينَ أو بينَ المشركينَ وشركائِهم ﴿وَإِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وقُرِىءَ بالفتحِ عطفاً على كلمة الفصلِ أي ولولا كلمةُ الفصلِ وتقدير عذاب الظالمن في الآخرةِ لقُضيَ بينهم في الدُّنيا فإنَّ العذابَ الأليمَ غالبٌ في عذابِ الآخرةِ

стр. 6300

﴿تَرَى الظالمين﴾ يومَ القيامةِ والخطابُ لكلِّ أحدٍ ممَّن يصلُح له للقصدِ إلى أنَّ سوءَ حالِهم غيرُ مختص برؤية راؤ دونَ راءٍ ﴿مُشْفِقِينَ﴾ خائفينَ ﴿مما كسبوا﴾ من السيآت ﴿وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ أيْ ووبالُه لاحقٌ بهم لا محالةَ أشفقُوا أو لم يشفقوا أو الجملة حالٌ من ضمير مشفقينَ أو اعتراضص ﴿والذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات فِى روضات الجنات﴾

стр. 6301

مستقرونَ في أطيب بقاعِها وأنزهها ﴿لهم ما يشاؤون عِندَ رَبّهِمْ﴾ أي ما يشتهونَهُ من فنون المستلذاتِ حاصلٌ لهم عندَ ربِّهم ظرفٌ للاستقرارِ العاملِ في لهم وقيلَ ظرفٌ ليشاءون ﴿ذلك﴾ إشارة إلى ما ذُكِرَ من حال المؤمنين وما فيه من معنى البُعد للإيذان ببُعد منزلةِ المشارِ إليه ﴿هُوَ الفضل الكبير﴾ الذي لا يُقادَرُ قدرُهُ ولا يبلغ غايته

стр. 6302

﴿ذلك﴾ الفضلُ الكبيرُ هو ﴿الذى يُبَشّرُ الله عِبَادَهُ﴾ أي يبشرُهم به فحذفَ الجارُّ ثمَّ العائدَ إلى الموصول كما في قوله تعالى أهذا الذى بَعَثَ الله رَسُولاً أو ذلكَ التبشيرُ الذي يبشرُه الله تعالى عباده ﴿الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وقريء يببشر منْ أبشرَ ﴿قُل لَاّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ رُويَ أنَّه اجتمعَ المشركونَ في مجمعٍ لهم فقالَ بعضُهم لبعضٍ أترونَ أنَّ محمداً يسألُ على ما يتعاطاهُ أجراً فنزلتْ أيْ لا أطلبُ منكُم على ما أنا عليهِ من التبليغ والبشارة ﴿أَجْراً﴾ نفعاً ﴿إِلَاّ المودة في القربى﴾ أي إلاأن تودوني لقرابتي أو تودُّوا أهل قرابتي وقيل الاستثناء منقطع والمعنى لا أسألُكم أجراً قَطُّ ولكنْ أسألُكم الموَّدةَ وفي القُربي حالٌ منَها أيْ إلا المودَّةَ ثابتةً في القُربى متمكنةً في أهلِها أو في حقَ القرابةِ والقُرْبى مصدرٌ كالزُّلْفى بمَعْنى القَرَابةِ رُويَ أنَّها لما نزلتْ قيلَ يا رسولَ الله مَنْ قرابتُكَ هؤلاءِ الذينَ وجبتْ علينا مودَّتُهم قالَ عليٌّ وفاطمةُ وابناهُمَا وعن النبيِّ ﷺ حُرِّمتْ الجنةُ على مَنْ ظلمَ أهلَ بيتِي وآذانِي في عترتي ومن ااصطنع صنيعةَّ إلى أحدٍ من ولدِ عبدِ المطلبِ ولمْ يجازِهْ فأَنَا أجازيهِ عليها غدا إذا لَقِيَنِي يومَ القيامةِ وقيلَ القُرْبَى التقربُ إلى الله أي إلاأن تودُّوا الله ورسولَهُ في تقربكم إليهِ بالطاعةِ والعملِ الصالحِ وقُرِىءَ إلا مودَّةً في القُربَى ﴿وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ أي يكتسبْ أيَّ حسنة كانت فتناول مودَّةَ ذِي القُرْبى تناولاً أولياً وعن السُدِّيِّ أنَّها المرادةُ وقيلَ نزلتْ في الصدِّيقِ ﵁ ومودَّتهُ فيهم ﴿نَّزِدْ لَهُ فِيهَا﴾ أيْ في الحسنة ﴿حَسَنًا﴾ بمضاعفةِ الثوابِ وقُرِىءَ يَزِدْ أيْ يزدِ الله وقُرِىءَ حُسْنَى ﴿أَنَّ الله غَفُورٌ﴾ لمن أذنبَ ﴿شَكُورٍ﴾ لمن أطاع بتوفيه الثواب والتفضلِ عليهِ بالزيادةِ

стр. 6303

﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ بلْ أيقولونَ ﴿افترى﴾ محمدٌ ﴿عَلَى الله كَذِبًا﴾ بدعوى النبوةِ وتلاوةِ القُرآنِ على أنَّ الهمزةَ للإنكار التوبيحي كأنه قيل أيتما لكون أنْ ينسُبُوا مثلَه ﵇ وهُوَ هُوَ إلى الافتراء لا سيَّما الافتراءُ على الله الذي هُو أعظم القرى وأفحشُها وقولُه تعالَى ﴿فَإِن يَشَإِ الله يَخْتِمْ على قَلْبِكَ﴾ استشهادٌ على بُطلان ما قالُوا ببيان أنَّه ﵇ لو افتَرى على الله تعالَى لمنعَهُ من ذلك قطعاً وتحقيقُه أنَّ دعوى كونِ القرآنِ افتراءً عليه تعالَى قولٌ منهم بأنَّه تعالَى لا يشاءُ صدورَهُ عنِ النبِّي ﷺ بلْ يشاءُ عدمَ صدورِه

стр. 6304

﴾ ٦ ٢٥ عْنهُ ومن ضرورتِه منعُه عنْهُ قطعاً فكأنَّه قيلَ لو كانَ افتراءً عليه تعالَى لشاءَ عدمَ صدورِه عنكَ وإنْ يشأْ ذلكَ يختُم على قلبكَ بحيثُ لم يخطُرْ ببالك معنىً منْ معانيه ولم تنطقْ بحرفٍ من حروفِه وحيثُ لم يكُنِ الأمرُ كذلكَ بلْ تواترَ الوحي حيناً فحيناً تبين أنَّه من عندِ الله تعالَى هَذا وقيل المعنى إن شاء الله يجعلْكَ من المختوم على قلوبهم فإنه لا يجترىء على الافتراءِ عليه تعالى إلا مَنْ كانَ كذلكَ ومؤدَّاهُ استبعاد الافتراءِ منْ مثله ﵇ وأنَّه في البُعد مثلُ الشرك بالله والدخولِ في جملةِ المختومِ على قلوبِهم وعن قَتَادةَ يختمْ على قلبِكَ يُنْسكَ القُرآنَ ويقطعْ عنكَ الوحى يعنى لو افتَرى عَلَى الله الكذبَ لفعل به ذلك وهذا مَعْنى ما قيلَ لو كذب على الله لأنساهُ القرآنَ وقيلَ يختمْ على قلبِكَ يربطْ عليهِ بالصبرِ حتَّى لا يشقَّ عليك أذاهُم ﴿وَيَمْحُ الله الباطل وَيُحِقُّ الحق بكلماته﴾ استئنافٌ مقررٌ لنفي الافتراء غيرُ معطوفٍ عَلَى يختمُ كما ينبىءُ عنه إظهارُ الاسمِ الجليلِ وسقوطُ الواوِ كما في بعض المصاحفِ لاتّباعِ اللفظِ كما في قولِه تعالى وَيَدْعُ الإنسان بالشر أيُ ومن عادته تعالى أنه يمحُو الباطلَ ويثبتُ الحقَّ بوحيه أو بقضائه كقوله تعالى ﴿بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل فَيَدْمَغُهُ﴾ فلو كان افتراءً كما زعمُوا لمحقه ودفعه أو عِدةٌ لرسولِ الله ﷺ بأنَّه تعالَى يمحُو الباطلَ الذي هم عليهِ من البَهتِ والتكذيبِ ويثبتُ الحق الذي هو عليهِ بالقرآنِ أو بقضائِه الذي لا مردَّ له بنصرته عليهم ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ فيُجرِي عليها أحكامَها اللائقةَ بها من المحوِ والإثباتِ

стр. 6305

﴿وَهُوَ الذى يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ﴾ التوبةُ هي الرجوعُ عنِ المعاصِي بالندمِ عليها والعزمُ على أنْ لا يعاودها أبداً ورَوَى جابرٌ ﵁ أنَّ أعرابياً دخلَ مسجدَ رسول الله ﷺ وقالَ اللهمَّ إنِّي أستغفرُكَ وأتوبُ إليكَ وكبَّرَ فلما فرغَ من صلاتِه قالَ له عليٌّ ﵁ يا هَذا إنَّ سرعةَ اللسانِ بالاستغفارِ توبةُ الكذَّابينَ وتوبتُكَ هذهِ تحتاجُ إلى التوبةِ فقالَ يا أميرَ المؤمنينَ وما التوبةُ قالَ اسمٌ يقع على ستةِ معانٍ على الماضِي من الذنوبِ الندامة ولتصنيع الفرائضِ الإعادةُ وردُّ المظالمِ وإذابةُ النفسِ في الطاعةِ كما ربَّيتها في المعصيةِ وإذاقتها مرارةَ الطاعةِ كما أذقتَها حلاوةَ المعصيةِ والبكاءُ بدلُ كل ضحك ضحكته ﴿ويعفو عَنِ السيئات﴾ صغيرها وكبيرِها لمنْ يشاءُ ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ كائناً ما كانَ منْ خير وشر فجيازي ويتجاوزُ حسبما تقتضيه مشيئتُه المبنيةُ على الحكم والمصالح وقُرِىءَ ما تفعلونَ بالتاءِ
следующие страницы →