← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.

стр. 6301

مستقرونَ في أطيب بقاعِها وأنزهها ﴿لهم ما يشاؤون عِندَ رَبّهِمْ﴾ أي ما يشتهونَهُ من فنون المستلذاتِ حاصلٌ لهم عندَ ربِّهم ظرفٌ للاستقرارِ العاملِ في لهم وقيلَ ظرفٌ ليشاءون ﴿ذلك﴾ إشارة إلى ما ذُكِرَ من حال المؤمنين وما فيه من معنى البُعد للإيذان ببُعد منزلةِ المشارِ إليه ﴿هُوَ الفضل الكبير﴾ الذي لا يُقادَرُ قدرُهُ ولا يبلغ غايته

стр. 6302

﴿ذلك﴾ الفضلُ الكبيرُ هو ﴿الذى يُبَشّرُ الله عِبَادَهُ﴾ أي يبشرُهم به فحذفَ الجارُّ ثمَّ العائدَ إلى الموصول كما في قوله تعالى أهذا الذى بَعَثَ الله رَسُولاً أو ذلكَ التبشيرُ الذي يبشرُه الله تعالى عباده ﴿الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وقريء يببشر منْ أبشرَ ﴿قُل لَاّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ رُويَ أنَّه اجتمعَ المشركونَ في مجمعٍ لهم فقالَ بعضُهم لبعضٍ أترونَ أنَّ محمداً يسألُ على ما يتعاطاهُ أجراً فنزلتْ أيْ لا أطلبُ منكُم على ما أنا عليهِ من التبليغ والبشارة ﴿أَجْراً﴾ نفعاً ﴿إِلَاّ المودة في القربى﴾ أي إلاأن تودوني لقرابتي أو تودُّوا أهل قرابتي وقيل الاستثناء منقطع والمعنى لا أسألُكم أجراً قَطُّ ولكنْ أسألُكم الموَّدةَ وفي القُربي حالٌ منَها أيْ إلا المودَّةَ ثابتةً في القُربى متمكنةً في أهلِها أو في حقَ القرابةِ والقُرْبى مصدرٌ كالزُّلْفى بمَعْنى القَرَابةِ رُويَ أنَّها لما نزلتْ قيلَ يا رسولَ الله مَنْ قرابتُكَ هؤلاءِ الذينَ وجبتْ علينا مودَّتُهم قالَ عليٌّ وفاطمةُ وابناهُمَا وعن النبيِّ ﷺ حُرِّمتْ الجنةُ على مَنْ ظلمَ أهلَ بيتِي وآذانِي في عترتي ومن ااصطنع صنيعةَّ إلى أحدٍ من ولدِ عبدِ المطلبِ ولمْ يجازِهْ فأَنَا أجازيهِ عليها غدا إذا لَقِيَنِي يومَ القيامةِ وقيلَ القُرْبَى التقربُ إلى الله أي إلاأن تودُّوا الله ورسولَهُ في تقربكم إليهِ بالطاعةِ والعملِ الصالحِ وقُرِىءَ إلا مودَّةً في القُربَى ﴿وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ أي يكتسبْ أيَّ حسنة كانت فتناول مودَّةَ ذِي القُرْبى تناولاً أولياً وعن السُدِّيِّ أنَّها المرادةُ وقيلَ نزلتْ في الصدِّيقِ ﵁ ومودَّتهُ فيهم ﴿نَّزِدْ لَهُ فِيهَا﴾ أيْ في الحسنة ﴿حَسَنًا﴾ بمضاعفةِ الثوابِ وقُرِىءَ يَزِدْ أيْ يزدِ الله وقُرِىءَ حُسْنَى ﴿أَنَّ الله غَفُورٌ﴾ لمن أذنبَ ﴿شَكُورٍ﴾ لمن أطاع بتوفيه الثواب والتفضلِ عليهِ بالزيادةِ

стр. 6303

﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ بلْ أيقولونَ ﴿افترى﴾ محمدٌ ﴿عَلَى الله كَذِبًا﴾ بدعوى النبوةِ وتلاوةِ القُرآنِ على أنَّ الهمزةَ للإنكار التوبيحي كأنه قيل أيتما لكون أنْ ينسُبُوا مثلَه ﵇ وهُوَ هُوَ إلى الافتراء لا سيَّما الافتراءُ على الله الذي هُو أعظم القرى وأفحشُها وقولُه تعالَى ﴿فَإِن يَشَإِ الله يَخْتِمْ على قَلْبِكَ﴾ استشهادٌ على بُطلان ما قالُوا ببيان أنَّه ﵇ لو افتَرى على الله تعالَى لمنعَهُ من ذلك قطعاً وتحقيقُه أنَّ دعوى كونِ القرآنِ افتراءً عليه تعالَى قولٌ منهم بأنَّه تعالَى لا يشاءُ صدورَهُ عنِ النبِّي ﷺ بلْ يشاءُ عدمَ صدورِه

стр. 6304

﴾ ٦ ٢٥ عْنهُ ومن ضرورتِه منعُه عنْهُ قطعاً فكأنَّه قيلَ لو كانَ افتراءً عليه تعالَى لشاءَ عدمَ صدورِه عنكَ وإنْ يشأْ ذلكَ يختُم على قلبكَ بحيثُ لم يخطُرْ ببالك معنىً منْ معانيه ولم تنطقْ بحرفٍ من حروفِه وحيثُ لم يكُنِ الأمرُ كذلكَ بلْ تواترَ الوحي حيناً فحيناً تبين أنَّه من عندِ الله تعالَى هَذا وقيل المعنى إن شاء الله يجعلْكَ من المختوم على قلوبهم فإنه لا يجترىء على الافتراءِ عليه تعالى إلا مَنْ كانَ كذلكَ ومؤدَّاهُ استبعاد الافتراءِ منْ مثله ﵇ وأنَّه في البُعد مثلُ الشرك بالله والدخولِ في جملةِ المختومِ على قلوبِهم وعن قَتَادةَ يختمْ على قلبِكَ يُنْسكَ القُرآنَ ويقطعْ عنكَ الوحى يعنى لو افتَرى عَلَى الله الكذبَ لفعل به ذلك وهذا مَعْنى ما قيلَ لو كذب على الله لأنساهُ القرآنَ وقيلَ يختمْ على قلبِكَ يربطْ عليهِ بالصبرِ حتَّى لا يشقَّ عليك أذاهُم ﴿وَيَمْحُ الله الباطل وَيُحِقُّ الحق بكلماته﴾ استئنافٌ مقررٌ لنفي الافتراء غيرُ معطوفٍ عَلَى يختمُ كما ينبىءُ عنه إظهارُ الاسمِ الجليلِ وسقوطُ الواوِ كما في بعض المصاحفِ لاتّباعِ اللفظِ كما في قولِه تعالى وَيَدْعُ الإنسان بالشر أيُ ومن عادته تعالى أنه يمحُو الباطلَ ويثبتُ الحقَّ بوحيه أو بقضائه كقوله تعالى ﴿بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل فَيَدْمَغُهُ﴾ فلو كان افتراءً كما زعمُوا لمحقه ودفعه أو عِدةٌ لرسولِ الله ﷺ بأنَّه تعالَى يمحُو الباطلَ الذي هم عليهِ من البَهتِ والتكذيبِ ويثبتُ الحق الذي هو عليهِ بالقرآنِ أو بقضائِه الذي لا مردَّ له بنصرته عليهم ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ فيُجرِي عليها أحكامَها اللائقةَ بها من المحوِ والإثباتِ

стр. 6305

﴿وَهُوَ الذى يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ﴾ التوبةُ هي الرجوعُ عنِ المعاصِي بالندمِ عليها والعزمُ على أنْ لا يعاودها أبداً ورَوَى جابرٌ ﵁ أنَّ أعرابياً دخلَ مسجدَ رسول الله ﷺ وقالَ اللهمَّ إنِّي أستغفرُكَ وأتوبُ إليكَ وكبَّرَ فلما فرغَ من صلاتِه قالَ له عليٌّ ﵁ يا هَذا إنَّ سرعةَ اللسانِ بالاستغفارِ توبةُ الكذَّابينَ وتوبتُكَ هذهِ تحتاجُ إلى التوبةِ فقالَ يا أميرَ المؤمنينَ وما التوبةُ قالَ اسمٌ يقع على ستةِ معانٍ على الماضِي من الذنوبِ الندامة ولتصنيع الفرائضِ الإعادةُ وردُّ المظالمِ وإذابةُ النفسِ في الطاعةِ كما ربَّيتها في المعصيةِ وإذاقتها مرارةَ الطاعةِ كما أذقتَها حلاوةَ المعصيةِ والبكاءُ بدلُ كل ضحك ضحكته ﴿ويعفو عَنِ السيئات﴾ صغيرها وكبيرِها لمنْ يشاءُ ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ كائناً ما كانَ منْ خير وشر فجيازي ويتجاوزُ حسبما تقتضيه مشيئتُه المبنيةُ على الحكم والمصالح وقُرِىءَ ما تفعلونَ بالتاءِ

стр. 6306

﴿ويستجيب الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي يستجيبُ الله لهم فحُذف اللامُ كما في قولِه تعالى وَإِذَا كَالُوهُمْ أي كالُوا لَهُم والمرادُ إجابةُ دعوتِهم والإثابةُ على طاعتهم فإنبا كدعاءٍ وطلبٍ لِما يترتبُ عليها ومنه قوله ﷺ أفضلُ الدُّعاءِ الحمدُ لله او يستجيبون الله بالطاعةِ إذا دَعَاهُم إليَها دَعَاهُم إليَها وعنُ إبراهيِمَ بن أدهم قيلَ لَهُ ما بالُنَا ندعُو فلا

стр. 6307

﴾ ٩ ٢٧ نجابُ قالَ لأنَّه دعاكُم ولم تجيبُوه ثمَّ قرأَ ﴿والله يَدْعُو إلى دَارِ السلام﴾ ﴿وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ﴾ على ما سألوا واستحقوا بموجب الوعد ﴿والكافرون لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ بدلَ مَا للمؤمنينَ من الثوابِ والفضلِ المزيدِ

стр. 6308

﴿وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِى الارض﴾ لتكبَّرُوا وأفسدُوا فيَها بَطَراً أو لعَلَا بعضُهم على بعض با لاستيلاء والاستعلاء كمَا عليهِ الجِبلَّةُ البشريةُ وأصلُ البَغِي طلب تجاوز الاقتصادِ فيَما يُتحرَّى من حيثُ الكميَّةُ أو الكيفيَّةُ ﴿ولكن يُنَزّلُ بِقَدَرٍ﴾ أي بتقديرٍ ﴿مَا يَشَاء﴾ أنْ ينزلَهُ مما تقتضيه مشيئتُه ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرُ بصير﴾ محيط بخفايا أموارهم وحلاياها فيقدرُ لكلِّ واحدٍ منهُم في كلِّ وقتٍ من أوقاتِهم ما يليقُ بشأنِهم فيفقرُ ويُغِني ويمنعُ ويُعطِي ويَقْبِض ويبسُط حسبما تقتضيهِ الحكمةُ الربَّانيةُ ولو أغناهُم جميعاً لبغَوا ولو أفقرهُم لهلكُوا ورُويَ أنَّ أهلَ الصُّفَّةِ تمنَّوا الغِنَى فنزلتْ وقيل نزلتْ في العرب كانُوا إذا أخصبوا تحاربُوا وإذا أجدبوا انتجعوا

стр. 6309

﴿وَهُوَ الذى يُنَزّلُ الغيث﴾ أي المطرَ الذي يغيثُهم من الجدب ولذلك خُصَّ باالنافع منه وقرىء يُنْزِل من الانزال ﴿مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾ يئسوا منه وتقييدُ تنزيله بذلك مع تحقققه بدونه أيضاً لتذكر كمالِ النعمةِ وقُرِىءَ بكسر النون ﴿وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ أيْ بركاتِ الغيثِ ومنافعَهُ في كلِّ شيءٍ من السهلِ والجبلِ والنباتِ والحيوانِ أو رحمتَهُ الواسعةَ المنتظمةَ لَما ذُكر انتظاماً أولياً ﴿وَهُوَ الولى﴾ الذي يتولَّى عبادَهُ بالإحسان ونشرِ الرحمة ﴿الحميد﴾ المستحقُ للحمدِ على ذلك لا غيره

стр. 6310

﴿ومن آياته خلق السماوات والأرض﴾ على ما هُما من تعاجيب الصنائع فإنَّها بذاتها وصفاتِها تدلُّ على شئونه العظيمةِ ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا﴾ عطفٌ على السموات أو الخلق ﴿مِن دَابَّةٍ﴾ من حَيَ على إطلاقِ اسمِ المُسبَّبِ على السببِ أو ممَّا يدبُّ على الأرضِ فإنَّ ما يختصُّ بأحد الشيئين المتجاورين يصحُّ نسبتُه إليهما كَما في قولِه تعالى يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ وإنما يخرجُ من المِلحِ وقد جُوِّز أنْ يكونَ للملائكة ﵈ مشيٌ مع الطيرانِ فيوصفُوا بالدبيب وأن يخلقَ الله في السماءِ حيواناً يمشُونَ فيها مشيَ الأنَاسيِّ على الأض كما ينبىء عنه قوله تعالى ويخلق ما لاتعلمون وقد رُويَ أن النبيَّ ﷺ قال فوقَ السماءِ السابعةِ بحر بين أسفله وأعلاهُ كَما بينَ السماءِ والأرضِ ثم فوق ذلك ثمانية أو عال بين رُكَبهن وأظلافهنَّ كما بينَ السماءِ والأرضِ ثم فوقَ ذلكَ العرشُ العظيمُ ﴿وَهُوَ على جَمْعِهِمْ﴾ أي حشرِهم بعدَ البعثِ للمحاسبةِ وقولُه تعالى ﴿إِذَا يَشَاء﴾ متعلقٌ بما قبلَهُ لا بقوله تعالَى

стр. 6311

﴾ ٥ ٣٠ ﴿قَدِيرٌ﴾ فإنَّ المقيدَ بالمشيئةِ جمعه تعالى لاقدرته وإذَا عندَ كونِها بمَعْنى الوقتِ كَما تدخلُ الماضِي تدخلُ المضارعَ

стр. 6312

﴿وَمَا أصابكم مّن مُّصِيبَةٍ﴾ أيُّ مصيبةٍ كانتْ ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أي فهيَ معاصيكُم التي اكتسبتمُوها والفاءُ لأن ما شرطة أو متضمنةٌ لمَعْنى الشرطِ وقُرِىءَ بدونِها اكتفاءً بما في الباء من مَعْنى السببية ﴿ويعفو عَن كَثِيرٍ﴾ من الذنوبِ فلا يعاقبُ عليها والآيةُ مخصوصةٌ بالمجرمينَ فإنَّ ما أصابَ غيرَهُم لأسبابٍ أُخرى منها تعريضُه للثوابِ بالصبرِ عليها

стр. 6313

﴿وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِى الأرض﴾ فائتينَ ما قُضِيَ عليكُم من المصائبِ وإن هربتُم من أقطارِها كلَّ مهربٍ ﴿وَمَا لَكُم من دُونِ الله مِن وَلِيّ﴾ يحميكُم منَها ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ يدفعها ويدفعها عنكم

стр. 6314

﴿ومن آياته الجوار﴾ السفنُ الجاريةُ ﴿فِى البحرِ﴾ وقُرِىءَ الجَوَارِي ﴿كالأعلام﴾ أي كالجبالِ على الإطلاقِ لا التي عليها النارُ للاهتداءِ خاصَّة

стр. 6315

﴿إن يشأ يسكن الريح﴾ التى يجريها وقُرُىءَ الرياحَ ﴿فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ على ظَهْرِهِ﴾ فيبقينَ ثوابتَ عل ظهرِ البحرِ أي غيرَ جارياتٍ لا غيرَ متحركاتٍ أصلاً ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ الذي ذُكِرَ من السفنِ اللاتِي يجرينَ تارةً ويركُدنَ أُخْرى على حسب مشيئتِه تعالَى ﴿لَايَاتٍ﴾ عظيمةً في أنفسها كثيرةً في العددِ دالةً على ما ذُكِرَ من شئونه تعالَى ﴿لّكُلّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ لكل مكن حبسَ نفسَهُ عن التوجِه إلى ما لا ينبغِي ووكَّلَ همَّتَهُ بالنظرِ في آياتِ الله تعالَى والتفكرِ في آلائِه أو لكلِّ مؤمنٍ كاملٍ فإنَّ الإيمانَ نفصه صبرٌ ونصفُهُ شكرٌ

стр. 6316

﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾ عطفٌ على يُسكنْ والمعنى إن يشأ يسكن الريح ٠ فيركدنَ أو يرسلْهَا فيغرقنَ بعصفِها وإيقاعُ الإيباقِ عليهنَّ مع أنَّه حالُ أهلهنَّ للمبالغةِ والتهويلِ وإجراءُ حُكمِه على العفوِ في قولِه تعالَى ﴿وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ﴾ لِما أنَّ المَعْنى أو يُرسلْها فيوبقْ ناساً ويُنجِ آخرينَ بطريق العفوِ عنهُم وقرءى ويعفوا على الاستئناف

стр. 6317

﴿وَيَعْلَمَ الذين يجادلون فِى آياتنا﴾ عطفٌ على علة مقدرةٍ مثلُ لينتقمَ منهم وليعلم الخ كما في قولِه تعالى ولنجعله آية لّلْنَّاسِ وقوله وَلِنُعَلّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحاديث ونظائِرِهِما وقُرِىءَ بالرفعِ على الاستئنافِ وبالجزمِ عطفاً على يعفُ فيكونُ المَعْنى وإنْ يشأْ يجمعْ بينَ إهلاكِ قومٍ وإنجاءِ قومٍ وتحذيرِ قومٍ ﴿مَا لَهُمْ مّن مَّحِيصٍ﴾ أي منْ مهربٍ من العذابِ والجملةُ معلقٌ عنها الفعلُ

стр. 6318

٤٠ ٣٦

стр. 6319

﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مّن شَىْء﴾ مما ترغبونَ وتتنافسونَ فيهِ ﴿فمتاع الحياة الدنيا﴾ أي فهُو متاعُها تتمتعونَ به مدةَ حياتِكم ﴿وَمَا عِندَ الله﴾ من ثواب الآخرةِ ﴿خَيْرٌ﴾ ذاتاً لخلوصِ نفعِه ﴿وأبقى﴾ زماناً حيثُ لا يزولُ ولا يَفْنى ﴿لِلَّذِينَ آمنوا وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ لا على غيرِه أصلاً والموصولُ الأولُ لما كانَ مُتضمناً لمَعْنى الشرطِ منْ حيثُ أنَّ إيتاءَ مَا أُوتُوا سببٌ للتمتعِ بها في الحياة الدُّنيا دخلتْ جوابَها الفاءُ بخلافِ الثانِي وعَنْ علي ﵁ أنَّه تصدقَ أبُو بكرٍ ﵁ بمالِه فلامَهُ جمعٌ من المسلمينَ فنزلتْ وقولُه تعالَى

стр. 6320

﴿والذين يَجْتَنِبُونَ كبائر الإثم﴾ أي الكبائر من هذا الجنس ﴿والفواحش وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ معَ ما بعدَهُ عطفٌ على الذينَ آمنُوا أو مدحٌ بالنصبِ أو الرفعِ وبناءُ يغفرونَ على الضميرِ خبراً لهُ للدلالةِ على أنَّهم الأَخِصَّاءُ بالمغفرةِ حالَ الغضبِ لعزةِ منالِها وقُرِىءَ كبيرَ الإثمِ وعن ابنِ عباسٍ ﵄ كبيرُ الإثمِ الشركُ

стр. 6321

﴿والذين استجابوا لِرَبّهِمْ وَأَقَامُواْ الصلاة﴾ نزلَ في الأنصارِ دعاهم رسول الله صلى الله لعه سوم اى الإمان فاستجابُوا له ﴿وَأَمْرُهُمْ﴾ شورى بَيْنَهُمْ أي ذُو شُورى لا ينفردونَ برأيٍ حتى يتشاوروا ويجتمعوا عليها وكانُوا قبلَ الهجرةِ وبعدَهَا إذا حزبَهُم أمرٌ اجتمعُوا وتشاورُوا ﴿وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ﴾ أيْ فِي سبيلِ الخيرِ وَلعلَّ فصلَهُ عن قرينِه بذكرِ المشاورةِ لوقوعِها عند اجتماعِهم للصلواتِ

стр. 6322

﴿والذين إِذَا أَصَابَهُمُ البغى هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾ أي ينتقمونَ ممَّنْ بَغَى عليهِم على ما جعلَهُ الله تعالَى لهُم كراهةً التذللِ وهو وصفٌ لهم بالشجاعةِ بعدَ وصفِهم بسائرِ مُهمَّاتِ الفضائلِ وهَذَا لا ينافِي وصفَهُم بالغُفرانِ فإنَّ كلاًّ منهما فضيلةٌ محمودةٌ في موقعِ نفسهِ ورذيلةٌ مذمومةٌ في موقعِ صاحبهِ فإنَّ الحِلْمَ عن العاجر وعوراءِ الكرامِ محمودٌ وعن المتغلب ولغواء اللثام مذمومٌ فإنَّه إغراءٌ على البَغِي وعليهِ قولُ مَنْ قالَ ... إِذَا أَنْتَ أَكْرَمْتَ الكَرِيْمَ مَلَكْتَه ... وَإِنْ أَنْتَ أَكْرَمْتَ اللَّئِيمَ تَمرَّدَاً ... فَوَضْعُ النَّدَى فِي مَوْضِعِ السَّيفِ بالعُلا ... مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ فِي مَوْضِعِ النَّدَى ... وقولُه تعالَى

стр. 6323

﴿وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا﴾ بيانٌ لوجهِ كونِ الانتصارِ من الخصالِ الحميدةِ مع كونِه في نفسِه إساءةً إلى الغيرِ بالإشارةِ إلى أنَّ البادىءَ هُو الذي فعلَهُ لنفسهِ فإنَّ الأفعالَ مستتبعة لأجزئتها حتما إن خيرا فخيرا وإنْ شراً فشرٌّ وفيه تنبيهٌ على حُرْمةِ التعدِّي وإطلاقُ السيئةِ على الثانيةِ

стр. 6324

٤٥ ٤ ﴿ لأنَّها تسوءُ مَنْ نزلتْ بهِ ﴿فَمَنْ عَفَا﴾ عنِ المسيءِ إليهِ ﴿وَأَصْلَحَ﴾ بينَهُ وبينَ مَنْ يعاديهِ بالعفوِ والإغضاءِ كَما في قولِه تعالى فَإِذَا الذى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حيم ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى الله﴾ عِدَةٌ مُبهمةٌ منبئةٌ عن عظمِ شأنِ الموعودِ وخُروجِه عن الحدِّ المعهودِ ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظالمين﴾ البادئينَ بالسيئةِ والمعتدين في الانتقامِ

стр. 6325

﴿وَلَمَنِ انتصر بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ أي بعدَ ما ظُلِمَ وقَدْ قُرِىءَ بهِ ﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى مَنْ باعتبارِ المَعْنى كَما أنَّ الضميرينِ لها بعتبار اللفظِ ﴿مَا عَلَيْهِمْ مّن سَبِيلٍ﴾ بالمُعَاتبةِ أو المُعَاقبةِ

стр. 6326

﴿إِنَّمَا السبيل عَلَى الذين يَظْلِمُونَ الناس﴾ يبتدئونَهُم بالإضرارِ أوْ يعتدونَ في الانتقامِ ﴿وَيَبْغُونَ فِى الأرض بِغَيْرِ الحق﴾ أيْ يتكبرونَ فيَها تجبُّراً وفساداً ﴿أولئك﴾ الموصوفونَ بما ذُكِرَ من الظُّلمِ والبغيِ بغيرِ الحقِّ ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ بسببِ ظُلمهم وبغيِهم

стр. 6327

﴿وَلَمَن صَبَرَ﴾ على الأذَى ﴿وَغَفَرَ﴾ لِمَنْ ظلمَهُ وَلم ينتصرْ وفوَّضَ أمرَهْ إلى الله تعالى ﴿إن فِى ذَلِكَ﴾ الذي ذُكِرَ مِنَ الصبرِ والمغفرةِ ﴿لَمِنْ عَزْمِ الأمور﴾ أيْ إنَّ ذلكَ مِنْهُ فحذفَ ثقةً بغايةِ ظهورِه كَما في قولِهم السمنُ مَنَوانِ بدرهمٍ وهَذا في الموادِّ التي لا يُؤدِّي العفوُ إلى الشرِّ كَما أُشيرَ إليهِ

стр. 6328

﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِن وَلِىّ مّن بَعْدِهِ﴾ من ناصرٍ يتولَاّهُ من بعدِ خِذلانه تعالى إيَّاهُ ﴿وَتَرَى الظالمين لَمَّا رَأَوُاْ العذاب﴾ أيْ حينَ يرنه وصيغةُ الماضِي للدلالةِ على التحقق يعقلون ﴿هَلْ إلى مَرَدّ﴾ أيْ إلى رجعةٍ إلى الدُّنيا ﴿مّن سَبِيلٍ﴾ حَتَّى نُؤمنَ ونعملَ صالحاً

стр. 6329

﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ أيْ على النار المدلول علهيا بالعذابِ والخطابُ في الموضعينِ لكلِّ مَنْ يتأتَّى منْهُ الرؤيةُ ﴿خاشعين مِنَ الذل﴾ متذلليين مُتضائلينَ مِمَّا دهاهُم ﴿يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِىّ﴾ أي يبتدىءُ نظرُهم إلى النَّارِ من تحريكٍ لأجفانِهم ضعيفٍ كالمصبورِ ينظرُ إلى السيفِ ﴿وقال الذين آمنوا إِنَّ الخاسرين﴾ أي المتصفينَ بحقيقةِ الخُسرانِ ﴿الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ﴾ بالتعريضِ للعذابِ الخالدِ ﴿يَوْمُ القيامة﴾ إِمَّا ظرفٌ لخسِرُوا فالقولُ في

стр. 6330

٤٩ ٤٧ الدنيال أوْ لقالَ فالقولُ يومَ القيامةِ أي يقولونَ حينَ يَرَونهم على تلك الحالِ وصيغةُ الماضِي للدلالةِ على تحققهِ وقولُه تعالى ﴿إَّلا أَن الظالمين فِى عَذَابٍ مُّقِيمٍ﴾ إمَّا من تمامِ كلامِهم أو تصديقٌ منَ الله تعالى لَهُم

стр. 6331

﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ من أَوْلِيَاء يَنصُرُونَهُم﴾ برفعِ العذابِ عنُهم ﴿مِن دُونِ الله﴾ حسبما كانِوا يرجُون ذلكَ في الدُّنيا ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا له من سَبِيلٍ﴾ يُؤدِّي سلوكُه إلى النجاةِ

стр. 6332

﴿استجيبوا لِرَبّكُمْ﴾ إذا دعاكُم إلى الإيمانِ على لسانِ نبيِّهِ ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَاّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ الله﴾ أيْ لا يردُّه الله بعدَ ما حَكَم بهِ على أنَّ مِنْ صلةُ مردَّ أو مِنْ قَبْلِ أَن يأتيَ منَ الله يومٌ لا يُمكنُ رَدُّه ﴿مَا لَكُمْ مّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ﴾ أي مفرَ تلتجئونَ إليهِ ﴿وَمَا لَكُمْ مّن نَّكِيرٍ﴾ أى إنكاره لَما اقترفتمُوه لأنَّه مدونٌ في صحائف أعمالهكم وتشهد عليكم جوار حكم

стр. 6333

﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَمَا أرسلناك عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ تلوينٌ للكلامِ وصرفٌ له عن خطابِ الناسِ بعدَ أمرِهم بالاستجابةِ وتوجيهٌ لهُ إلى رسولِ الله ﷺ أي فإن لم يستجيبوا وأعرضوا عما تدوعهم إليه فما أرسلناك رقيباً ومحاسباً عليهم ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَاّ البلاغُ﴾ وقد فعلتَ ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً﴾ أي نعمةً منَ الصحةِ والغنَى والأمنِ ﴿فَرِحَ بِهَا﴾ أُريد بالإنسانِ الجنس لقولِه تعالَى ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ﴾ أي بلاءٌ من مرضٍ وفقرٍ وخوفٍ ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإنسان كَفُورٌ﴾ بليغُ الكفرِ ينسى النعمةَ رأساً ويذكرُ البليةَ ويستعظمُها ولا يتأملُ سبَبَها بلْ يزعُم أنها أصابتْهُ بغيرِ استحقاقٍ لها وإسنادُ هذه الخصلةِ إلى الجنسِ مع كونِها من خواصِّ المجرمينَ لغلبتِهم فيما بينَ الأفرادِ وتصديرُ الشرطيةِ الأولى بإذَا معَ إسنادِ الإذاقةِ إلى نونِ العظمةِ للتنبيهِ على أنَّ إيصالَ النعمةِ محققُ الوجودِ كثيرُ الوقوعِ وأنَّه مُقْتضى الذاتِ كما أنَّ تصديرَ الثانيةِ بإِنْ وإسنادَ الإصابةِ إلى السيئةِ وتعليلَها بأعمالِهم للإيذانِ بنُدرةِ وقوعِها وأنَّها بمعزلٍ عن الانتظامِ في سلكِ الإرداة بالذاتِ ووضعُ الظاهرِ موضعَ الضميرِ للتسجيلِ على أن هذا الجنسَ موسومٌ بكفرانِ النعم

стр. 6334

﴿لله ملك السماوات والأرض﴾ فمن قضيَّتِه أنْ يملكَ التصرفَ فيهما وفي كلِّ ما فيهما كيفما يشاءُ ومن جُمْلتِه أن يقسمَ النعمةَ والبليةَ حسبما يريدُه ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاء﴾ مما تَعلمُه وَممَّا لَا تعلمُه ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَاء إناثا﴾ من الأولادِ ﴿وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذكور﴾

стр. 6335

٥١ ٥٠ منهُم منْ غيرِ أنْ يكونَ في ذلكَ مدخلٌ لأحد

стр. 6336

﴿أَوْ يُزَوّجُهُمْ﴾ أي يقرن بين الصنفينِ فيهبهما جميعاً ﴿ذُكْرَاناً وإناثا﴾ قالُوا مَعْنى يُزوِّجَهُم أنْ تَلِدَ غُلاماً ثم جَارِيةً أو جارية ثمَّ غُلاماً أو تلدُ ذكر وأُنْثى توأمينِ ﴿وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيماً﴾ والمَعْنى يجعلُ أحوالَ العبادِ في حقِّ الأولادِ مختلفةً على ما تقتضيِه المشيئةُ فيهن فيهبُ لبعضٍ إمَّا صنفاً واحداً من ذَكَرٍ أَوْ أنثى وإمَّا صنفينِ ويُعقمُ آخرَين ولعلَّ تقديمَ الأناثِ لأنَّها أكثر لتكثير النسل أو لان مساقَ الآيةِ للدلالةِ على أنَّ الواقعَ ما تتعلقُ به مشيئته تعالى لا ما تتعلقُ به مشيئة الإنسانِ والإناثُ كذلكَ أو لأنَّ الكلامَ في البلاءِ والعربُ تعدُّهنَّ أعظمَ البَلَايا أو لتطييبِ قلوبِ آبائِهنَّ أو للمحافظةِ على الفواصلِ ولذلكَ عرَّفَ الذكورَ أو لجبرِ التأخيرِ وتغييرُ العاطفِ في الثالث لان قسيمُ المشتركِ بينَ القسمينِ ولا حاجة إليه في الرابع لإفصاحه بأنه قسيم المشترك بين القسام المتقدمةِ وقيلَ المرادُ بيانُ أحوالِ الأنبياءِ ﵈ حيثُ وهبَ لشعيبَ ولوطٍ إناثاً ولإبراهيمَ ذكوراً وللنبيِّ ﷺ ذكوراً وإناثاً وجعلَ يحيى وعيسى عقيمينِ ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ مبالغٌ في العلمِ والقدرةِ فيفعلُ ما فيهِ حكمة مصلحة

стр. 6337

﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ أيْ وما صَحَّ لفردٍ من أفراد البشرِ ﴿أَن يُكَلّمَهُ الله﴾ بوجةٍ منِ الوجوهِ ﴿إِلا وَحْياً﴾ أيْ إلَاّ بأنْ يُوحيَ إليهِ ويلهمَهُ ويقذفَ في قلبهِ كما أَوْحى إلى أمِّ مُوسى وإلى إبراهيمَ ﵉ في ذَبْحِ ولدهِ وقَدْ رُويَ عن مجاهدٍ أَوْحَى الله الزبورَ إلى داودَ ﵇ في صدرِه أو بأنْ يُسمعَهُ كلامَهْ الذي يخلُقه في بعضِ الأجرامِ من غيرِ أنْ يبصر السامع مَنْ يكلمُه وهُو المرادُ بقولِه تعالى ﴿أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ﴾ فإنه تمثيلٌ له بحالِ الملكِ المحتجبِ الذي يكلِّمُ بعضَ خواصِّهِ من وراءِ الحجاب يُسمعُ صوتَهُ ولا يَرَى شخصَهُ وذلكَ كما كلَّم مُوسى وكما يكلِّمُ الملائكةَ ﵈ أو بأنْ يكلمَهُ بواسطةِ المَلَكِ وذلكَ قولُه تعالى ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً﴾ أي مَلَكاً ﴿فَيُوحِىَ﴾ ذلكَ الرسولُ إلى المرسلِ إليهِ الذي هو الرسولُ البشَريُّ ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أي بأمرِه تعالَى وتيسيرِه ﴿مَا يَشَاء﴾ أنْ يوحيَهُ إليهِ وهَذا هو الذي يَجْري بينَهُ تعالَى وبينَ الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ في عامَّةِ الأوقاتِ من الكلامِ وقيلَ قولُه تعالى وحياً وقولُه تعالى أو يرسلَ مصدرانِ واقعانِ موقع الحال قوله تعالى أَوْ مِن وراء حجابٍ ظرفٌ واقعٌ موقعَها والتقديرُ وما صَحَّ أن يكلمَ إلا مُوحياً أو مُسمعاً من وراءِ حجابٍ أو مُرسلاً وقُرِىءَ أو يرسلُ بالرفعِ على إضمار مبتدأٍ ورُويَ أنَّ اليهودَ قالت للنبي ﷺ ألا تكلمَ الله وتنظرَ إليهِ إنْ كنتَ نبياً كما كلمت مُوسى ونظرَ إليهِ فإنَّا لن نؤمنَ حتَّى تفعلَ ذلكَ فقالَ ﵇ لم ينظر موسى ﵇ إِلَى الله تَعَالَى فنزلتْ وعنْ عائشةَ ﵂ من زَعَمَ أنَّ محمداً رأى ربَّه فقدْ أعظمَ على الله الفريةَ ثم قالتْ رضيَ الله عْنُها

стр. 6338

٥٣ ٥ ﴿ أو لم تسمعُوا ربَّكُم يقولُ فتلتْ هَذِهِ الآيةَ ﴿إِنَّهُ عَلِىٌّ﴾ متعالٍ عن صفاتِ المخلوقينَ لا يتأتَّى جَرَيانُ المفاوضةِ بينَهُ تعالى وبينَهم إلا بأحدِ الوجوهِ المذكورةِ ﴿حَكِيمٌ﴾ يُجْري أفعالَهُ على سُنَنِ الحكمةِ فيكلمُ تارةً بواسطةٍ وأُخرى بدونِها إمَّا إلهاماً وإما خطاباً

стр. 6339

﴿وكذلك﴾ أيْ ومثلَ ذلكَ الإيحاءِ البديعِ ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا﴾ هو القرآنُ الذي هو للقلوب بمنزلةِ الروحِ للأبدانِ حيثُ يُحيَيها حياةً أبديةً وقيلَ جبريلُ ﵇ ومَعْنى إيحائِه إليهِ ﵉ إرسالُه إليهِ بالوحي ﴿مَا كُنتَ تَدْرِى﴾ قبلَ الوَحي ﴿مَا الكتاب﴾ أيْ أيُّ شيءٍ هُو ﴿وَلَا الإيمان﴾ أيْ الإيمانُ بتفاصيلِ ما في تضاعبف الكتابِ من الأمورِ التي لا تهتدِي إليهَا العقولُ لا الإيمانُ بما يستقلُّ به العقل والنظر عليه فإنَّ درايتَهُ ﵊ له مما لا ريبَ فيهِ قطعاً ﴿ولكن جعلناه﴾ أي الرُّوحَ الذي أوحيناهُ إليكَ ﴿نُوراً نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَاء﴾ هدايتَهُ ﴿مّنْ عِبَادِنَا﴾ وهُو الذي يصرف اختيارَهُ نحو الاهتداءِ بهِ وقولُه تعالَى ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِى﴾ تقريرٌ لهدايتهِ تعالى وبيانٌ لكيفيتِها ومفعولُ لتهدِي محذوفٌ ثقةً بغايةِ الظهورِ أى وأنك لتهدِي بذلكَ النورِ من نشاءُ هدايَتهُ ﴿إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ﴾ هو الإسلامُ وسائرُ الشرائعِ والأحكامِ وقُرِىءَ لتُهدَى أي لَيَهديكَ الله وقُرِىءَ لتدعوا

стр. 6340

﴿صراط الله﴾ بدلٌ من الأولِ وإضافتُه إلى الاسمِ الجليلِ ثمَّ وصفُه بقولِه تعالَى ﴿الذى لَهُ مَا في السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ لتفخيمِ شأنِه وتقريرِ استقامتِه وتأكيدِ وجوبِ سلوكِه فإنَّ كونَ جميع ما فيها من الموجوداتِ له تعالى خَلْقاً ومِلْكاً وتصرُّفاً مما يوجبُ ذلكَ أتمَّ إيجابٍ ﴿أَلَا إِلَى الله تَصِيرُ الأمور﴾ أى أمرو ما فيهما قاطبةً لا إلى غيرِه ففيهِ من الوعدِ للمهتدينَ إلى الصراطِ المستقيمِ والوعيدِ للضالينَ عنه ملا يخفى عن رسول الله ﷺ عن قرأَ سورةَ حم عسق كانَ ممَّن تُصلِّي عليهِ الملائكةُ ويستغفرونَ ويسترحمونَ لهُ
следующие страницы →