Полный текст (8 642 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.
стр. 6336
﴿أَوْ يُزَوّجُهُمْ﴾ أي يقرن بين الصنفينِ فيهبهما جميعاً ﴿ذُكْرَاناً وإناثا﴾ قالُوا مَعْنى يُزوِّجَهُم أنْ تَلِدَ غُلاماً ثم جَارِيةً أو جارية ثمَّ غُلاماً أو تلدُ ذكر وأُنْثى توأمينِ ﴿وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيماً﴾ والمَعْنى يجعلُ أحوالَ العبادِ في حقِّ الأولادِ مختلفةً على ما تقتضيِه المشيئةُ فيهن فيهبُ لبعضٍ إمَّا صنفاً واحداً من ذَكَرٍ أَوْ أنثى وإمَّا صنفينِ ويُعقمُ آخرَين ولعلَّ تقديمَ الأناثِ لأنَّها أكثر لتكثير النسل أو لان مساقَ الآيةِ للدلالةِ على أنَّ الواقعَ ما تتعلقُ به مشيئته تعالى لا ما تتعلقُ به مشيئة الإنسانِ والإناثُ كذلكَ أو لأنَّ الكلامَ في البلاءِ والعربُ تعدُّهنَّ أعظمَ البَلَايا أو لتطييبِ قلوبِ آبائِهنَّ أو للمحافظةِ على الفواصلِ ولذلكَ عرَّفَ الذكورَ أو لجبرِ التأخيرِ وتغييرُ العاطفِ في الثالث لان قسيمُ المشتركِ بينَ القسمينِ ولا حاجة إليه في الرابع لإفصاحه بأنه قسيم المشترك بين القسام المتقدمةِ وقيلَ المرادُ بيانُ أحوالِ الأنبياءِ ﵈ حيثُ وهبَ لشعيبَ ولوطٍ إناثاً ولإبراهيمَ ذكوراً وللنبيِّ ﷺ ذكوراً وإناثاً وجعلَ يحيى وعيسى عقيمينِ ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ مبالغٌ في العلمِ والقدرةِ فيفعلُ ما فيهِ حكمة مصلحة
стр. 6337
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ أيْ وما صَحَّ لفردٍ من أفراد البشرِ ﴿أَن يُكَلّمَهُ الله﴾ بوجةٍ منِ الوجوهِ ﴿إِلا وَحْياً﴾ أيْ إلَاّ بأنْ يُوحيَ إليهِ ويلهمَهُ ويقذفَ في قلبهِ كما أَوْحى إلى أمِّ مُوسى وإلى إبراهيمَ ﵉ في ذَبْحِ ولدهِ وقَدْ رُويَ عن مجاهدٍ أَوْحَى الله الزبورَ إلى داودَ ﵇ في صدرِه أو بأنْ يُسمعَهُ كلامَهْ الذي يخلُقه في بعضِ الأجرامِ من غيرِ أنْ يبصر السامع مَنْ يكلمُه وهُو المرادُ بقولِه تعالى ﴿أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ﴾ فإنه تمثيلٌ له بحالِ الملكِ المحتجبِ الذي يكلِّمُ بعضَ خواصِّهِ من وراءِ الحجاب يُسمعُ صوتَهُ ولا يَرَى شخصَهُ وذلكَ كما كلَّم مُوسى وكما يكلِّمُ الملائكةَ ﵈ أو بأنْ يكلمَهُ بواسطةِ المَلَكِ وذلكَ قولُه تعالى ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً﴾ أي مَلَكاً ﴿فَيُوحِىَ﴾ ذلكَ الرسولُ إلى المرسلِ إليهِ الذي هو الرسولُ البشَريُّ ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أي بأمرِه تعالَى وتيسيرِه ﴿مَا يَشَاء﴾ أنْ يوحيَهُ إليهِ وهَذا هو الذي يَجْري بينَهُ تعالَى وبينَ الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ في عامَّةِ الأوقاتِ من الكلامِ وقيلَ قولُه تعالى وحياً وقولُه تعالى أو يرسلَ مصدرانِ واقعانِ موقع الحال قوله تعالى أَوْ مِن وراء حجابٍ ظرفٌ واقعٌ موقعَها والتقديرُ وما صَحَّ أن يكلمَ إلا مُوحياً أو مُسمعاً من وراءِ حجابٍ أو مُرسلاً وقُرِىءَ أو يرسلُ بالرفعِ على إضمار مبتدأٍ ورُويَ أنَّ اليهودَ قالت للنبي ﷺ ألا تكلمَ الله وتنظرَ إليهِ إنْ كنتَ نبياً كما كلمت مُوسى ونظرَ إليهِ فإنَّا لن نؤمنَ حتَّى تفعلَ ذلكَ فقالَ ﵇ لم ينظر موسى ﵇ إِلَى الله تَعَالَى فنزلتْ وعنْ عائشةَ ﵂ من زَعَمَ أنَّ محمداً رأى ربَّه فقدْ أعظمَ على الله الفريةَ ثم قالتْ رضيَ الله عْنُها
стр. 6338
٥٣ ٥ ﴿
أو لم تسمعُوا ربَّكُم يقولُ فتلتْ هَذِهِ الآيةَ ﴿إِنَّهُ عَلِىٌّ﴾ متعالٍ عن صفاتِ المخلوقينَ لا يتأتَّى جَرَيانُ المفاوضةِ بينَهُ تعالى وبينَهم إلا بأحدِ الوجوهِ المذكورةِ ﴿حَكِيمٌ﴾ يُجْري أفعالَهُ على سُنَنِ الحكمةِ فيكلمُ تارةً بواسطةٍ وأُخرى بدونِها إمَّا إلهاماً وإما خطاباً
стр. 6339
﴿وكذلك﴾ أيْ ومثلَ ذلكَ الإيحاءِ البديعِ ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا﴾ هو القرآنُ الذي هو للقلوب بمنزلةِ الروحِ للأبدانِ حيثُ يُحيَيها حياةً أبديةً وقيلَ جبريلُ ﵇ ومَعْنى إيحائِه إليهِ ﵉ إرسالُه إليهِ بالوحي ﴿مَا كُنتَ تَدْرِى﴾ قبلَ الوَحي ﴿مَا الكتاب﴾ أيْ أيُّ شيءٍ هُو ﴿وَلَا الإيمان﴾ أيْ الإيمانُ بتفاصيلِ ما في تضاعبف الكتابِ من الأمورِ التي لا تهتدِي إليهَا العقولُ لا الإيمانُ بما يستقلُّ به العقل والنظر عليه فإنَّ درايتَهُ ﵊ له مما لا ريبَ فيهِ قطعاً ﴿ولكن جعلناه﴾ أي الرُّوحَ الذي أوحيناهُ إليكَ ﴿نُوراً نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَاء﴾ هدايتَهُ ﴿مّنْ عِبَادِنَا﴾ وهُو الذي يصرف اختيارَهُ نحو الاهتداءِ بهِ وقولُه تعالَى ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِى﴾ تقريرٌ لهدايتهِ تعالى وبيانٌ لكيفيتِها ومفعولُ لتهدِي محذوفٌ ثقةً بغايةِ الظهورِ أى وأنك لتهدِي بذلكَ النورِ من نشاءُ هدايَتهُ ﴿إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ﴾ هو الإسلامُ وسائرُ الشرائعِ والأحكامِ وقُرِىءَ لتُهدَى أي لَيَهديكَ الله وقُرِىءَ لتدعوا
стр. 6340
﴿صراط الله﴾ بدلٌ من الأولِ وإضافتُه إلى الاسمِ الجليلِ ثمَّ وصفُه بقولِه تعالَى ﴿الذى لَهُ مَا في السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ لتفخيمِ شأنِه وتقريرِ استقامتِه وتأكيدِ وجوبِ سلوكِه فإنَّ كونَ جميع ما فيها من الموجوداتِ له تعالى خَلْقاً ومِلْكاً وتصرُّفاً مما يوجبُ ذلكَ أتمَّ إيجابٍ ﴿أَلَا إِلَى الله تَصِيرُ الأمور﴾ أى أمرو ما فيهما قاطبةً لا إلى غيرِه ففيهِ من الوعدِ للمهتدينَ إلى الصراطِ المستقيمِ والوعيدِ للضالينَ عنه ملا يخفى عن رسول الله ﷺ عن قرأَ سورةَ حم عسق كانَ ممَّن تُصلِّي عليهِ الملائكةُ ويستغفرونَ ويسترحمونَ لهُ
стр. 6341
الزخرف
٤ ﴿
﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾
стр. 6342
﴿حم﴾ الكلامُ فيهِ كالذي مر في فاتحة سورة يس خَلَا أنَّ الظاهرَ على تقديرِ اسميتِه كونُه اسماً للقُرآنِ لا للسورةِ كما قيل فإن ذلك مُخِلٌّ بجزالة النظمِ الكريم
стр. 6343
﴿والكتاب﴾ بالجرِّ على أنه مُقسمٌ بهِ إمَّا ابتداءً أو عطفاً عَلى حم على تقدير كونه مجرورا بإضمارِ باءِ القسمِ على أنَّ مدارَ العطفِ المغايرةُ في العنوان ومناط تكريم القسمِ المبالغةُ في تأكيدِ مضمونِ الجملةِ القَسَميةِ ﴿المبين﴾ أي البيِّنِ لمن أُنزلَ عليهم لكونِه بلغتِهم وعَلى أساليبِهم أو المبينِ لطريقِ الهُدى من طريقِ الضلالةِ الموضح لكل ما يُحتاج إليهِ في أبوابِ الديانةِ
стр. 6344
﴿إنا جعلناه قرآنا عَرَبِيّاً﴾ جوابٌ للقسمِ لكنْ لا على أنَّ مرجعَ التأكيدِ جعلُه كذلكَ كما قيلَ بلْ ما هُو غايتُه التي يُعربُ عنها قولُه تعالى ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فإنَّها المحتاجةُ إلى التحقيقِ والتأكيدِ لكونِها منبئةً عن الاعتناءِ بأمرِهم وإتمام النعمةِ عليهم وإزاحةِ أعذارِهم أي جعنا ذلكَ الكتابِ قُرآناً عربياً لكي تفهمُوه وتحيطُوا بما فيهِ من النظمِ الرائقِ والمعنى الفائق وتقفوا على ما يتضمنه من الشواهدِ الناطقةِ بخروجِه عن طوقِ البشرِ وتعرفُوا حقَّ النعمةِ في ذلك وتنقطعَ أعذارُكم بالكليةِ
стр. 6345
﴿وَإِنَّهُ فِى أُمّ الكتاب﴾ أي في اللوحِ المحفوظِ فإنَّه أصلُ الكتبِ السماويةِ وقُرِىءَ إِمِّ الكتابِ بالكسرِ ﴿لَدَيْنَا﴾ أي عندنَا ﴿لَّعَلّى﴾ رفيعٌ القدرِ بينَ الكتبِ شريفٌ ﴿حَكِيمٌ﴾ ذُو حكمةٍ بالغةٍ أو محكمٌ وهُما خبرانِ لإنَّ وما بينهُمَا بيانٌ لمحلِّ الحكمِ كأنَّه قيلَ بعدَ بيانِ اتصافِه بما ذُكِرَ منَ الوصفينِ الجليلينِ هذا في أمِّ الكتابِ ولدينَا والجملةُ إمَّا عطف على الجمل المقسمِ عليها داخلةٌ في حُكمها ففي الإقسامِ بالقرآنِ على علوِّ قدرِه عندَهُ تعالَى براعةٌ بديعةٌ وإيذانٌ بأنَّه من عُلِّو الشأنِ بحيثُ لا يحتاجُ في بيان الى لاستشهاد عليهِ بالإقسامِ بغيرهِ بل هُو بذاتِه كافٍ في الشهادةِ على ذلكَ من حيثُ الإقسامُ بهِ كَما أنَّه كافٍ فيها من حيثُ إعجازُه ورمزٌ إلى أنَّه لا يخطرُ بالبالِ عند ذكره شيىء آخر أولى منه بالإقسامِ به وإمَّا مستأنفةٌ مقررةٌ لعلوِّ شأنِه الذي أنبأَ عنه الإقسامُ به على منهاجِ الاعتراضِ في قوله تعلى وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عظيم
стр. 6346
٥ ١٠
وبعد ما بيَّنَ علوَّ شأنِ القرآنِ العظيمِ وحققَ أنَّ إنزالَهُ على لغتِهم ليعقلوه ويؤمنوا به ويعملوا بموجبِه عقَّبَ ذلكَ بإنكارِ أنْ يكونَ الأمرُ بخلافهِ فقيلَ
стр. 6347
﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذكر﴾ أي ونُبعدُه عنكم مجازٌ من قولِهم ضربُ الغرائبِ عن الحوضِ وفيه إشعارٌ باقتضاءِ الحمكة توجُّهَ الذكر إليهم وملازمتَه لهم كأنَّه يتهافتُ عليهم والفاء للعطف على محذوفٍ يقتضيهِ المقامُ أي أنهملكُم فننحِّى الذكرَ عنكُم ﴿صَفْحاً﴾ أي إعراضاً عنكم على أنَّه مفعولٌ له للمذكورِ أو مصدرٌ مؤكدٌ لما دَلَّ هو عليهِ فإن التنحيةَ منبئةُ عن الصفحِ والإعراضِ قطعاً كأنَّه قيلَ أفنصفحُ عنكُم صفحاً أو بمَعْنى الجانبِ فينتصب على الطرفية أي أفننحيهِ عنكُم جانباً ﴿أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ﴾ أي لأنْ كنتُم منهمكينَ في الإسرافِ مصرِّينَ عليهِ عَلى مَعْنى إنَّ حالَكُم وإنِ اقتَضَى تخليتَكُم وشأنَكُم حتَّى تموتُوا على الكفرِ والضلالةِ وتبقوا في العذابِ الخالدِ لكنا لسعةِ رحمتِنا لا تفعل ذلكَ بلْ نهديكُم إلى الحقِّ بإرسالِ الرسولِ الأمينِ واتزال الكتاب المحبين وقرىء إن بالكسرِ على أنَّ الجملةَ شطريه مخرِجةٌ للمحققِ مُخرجَ المشكوكِ لاستجالهالهم والجزاءُ محذوفٌ ثقةً بدلالةِ ما قبلَهُ عليه وقولُه تعالَى
стр. 6348
﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيّ فِى الأولين﴾ ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مّنْ نَّبِىّ إِلَاّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤون﴾ تقريرٌ لما قبلَه ببيانِ أنَّ إسرافَ الأممِ السالفةِ لم يمنعْهُ تعالى من إرسالِ الأنبياءِ إليهم وتسليةٌ لرسول الله ﷺ عن استهزاءِ قومِه به وقوله تعالى
стр. 6349
﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً﴾ أي من هؤلاء القوم المسرفينَ عِدَةٌ له عليهِ الصلااة والسَّلامُ ووعيدٌ لهم بمثلِ ما جَرَى على الأولينَ ووصفُهم بأشدِّيَّة البطشِ لإثباتِ حكمِهم لهؤلاءِ بطريقِ الأولويةِ ﴿ومضى مَثَلُ الأولين﴾ أي سلَف في القُرآنِ غيرَ مرةٍ ذكرُ قِصَّتِهم التي حقُّها أن تسيرَ مسيرَ المثلِ
стр. 6350
﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العزيز العليم﴾ أي ليُسنِدُنَّ خلقَها إلى مَنْ هذا شأنُه في الحقيقةِ وفي نفسِ الأمرِ لا أنَّهم يُعبِّرونَ عنه بهذا العُنوانِ وسلوكُ هذه الطريقةِ للإشعارِ بأنَّ اتصافَهُ تعالى بَما سُردَ من جلائلِ الصفاتِ والأفعالِ وبما يستلزمُه ذلكَ من البعثِ والجزاءِ أمرٌ بينٌ لا ريب فيه وأن الحجةَ قائمةٌ عليهم شاؤُا أو أبَوا وقد جُوِّزَ أن يكونَ ذلك عينَ عبارتهم قوله تعالى
стр. 6351
﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً﴾ استئنافٌ من جهتِه تعالى أي بسَطَها لكُم تستقرُّونَ فيها ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾ تسلكونَها في أسفارِكم ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾
стр. 6352
أي لكيْ تهتدُوا بسلوكِها إلى مقاصدِكم أو بالتفكُّر فيها بالتوحيد الذي هو المقصد الأصلي
стр. 6353
﴿والذى نَّزَّلَ مِنَ السماء مَاء بِقَدَرٍ﴾ بمقدارٍ تقتضيه مشيئتُه المبنيةُ على الحكم والمصالحِ ﴿فَأَنشَرْنَا بِهِ﴾ أي أحيينَا بذلكَ الماءِ ﴿بَلْدَةً مَّيْتاً﴾ خالياً عن النماءِ والنباتِ بالكُلِّيةِ وقُرِىءَ مَيِّتَا بالتشديدِ وتذكيرُه لأنَّ البلدةَ في مَعْنى البلدِ والمكانِ والالتفاتُ إلى نونِ العظمةِ لإظهارِ كمالِ العنايةِ بأمرِ الإحياءِ والإشعارِ بعِظَمِ خطرِه ﴿كذلك﴾ أي مثلَ ذلك الإحياءِ الذي هو في الحقيقةِ إخراجُ النباتِ منَ الأرضِ ﴿تُخْرَجُونَ﴾ أي تُبعثونَ من قبورِكم أحياءً وفي التعبيرِ عنْ إخراجِ النباتِ بالإنشارِ الذي هُو إحياءُ الموتى وعن إحيائها بالإخراجِ تفخيمٌ لشأنِ الإنباتِ وتهوينٌ لأمر البعث لتقويمِ سننِ الاستدلالِ وتوضيحِ منهاجِ القياسِ
стр. 6354
﴿والذى خَلَقَ الأزواج كُلَّهَا﴾ أي أصنافَ المخلوقاتِ وعن ابن عباس ﵄ الأزواجُ الضروبُ والأنواعُ كالحُلو والحامضِ والأبيضِ والأسودِ والذكور والأُنْثى وقيلَ كلُّ ما سوى الله تعالى فو زوجٌ كالفوقِ والتحتِ واليمينِ واليسار إلى غيرِ ذلكَ ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ الفلك والأنعام مَا تَرْكَبُونَ﴾ أي ما تركبونَهُ تغليباً للأنعامِ على الفلكِ فإن الركوبَ متعدٍ بنفسهِ واستعمالُه في الفُلكِ ونحوِها بكلمةِ فِي الرمز الى مكانتها وكونِ حركتِها غيرَ إراديةٍ كما مر في سورة هودٍ عندَ قولِه تعالَى وقال اركبوا فِيهَا
стр. 6355
﴿لِتَسْتَوُواْ على ظُهُورِهِ﴾ أي لتستعلُوا على ظهورِ ما تركبونَهُ من الفُلكِ والأنعامِ والجمعُ باعتبارِ المَعْنى ﴿ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبّكُمْ إِذَا استويتم عَلَيْهِ﴾ أي تذكرُوها بقلوبِكم معترفينَ بها مستعظمينَ لها ثم تحمَدوا عليها بألسنتِكم ﴿وَتَقُولُواْ سبحان الذى سَخَّرَ لَنَا هذا﴾ مُتعجِّبينَ من ذلكَ كمَا يُروي عنِ النبيِّ ﷺ أنه كانَ إذا وضعَ رجلَهُ في الركابِ قال بسم الله فإذَا استوَى على الدابةِ قال الحمدُ لله على كلِّ حالٍ سبحان الذى سَخَّرَ لَنَا هَذا إلى قولِه تعالى لمنقلبونَ وكبَّر ثلاثاً وهللَّ ثلاثاً ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ أي مُطيقينَ من أقرنَ الشيءَ إذا أطاقَهُ وأصلُه وجدُه قرينتَه لأن الصعْبَ لا يكونُ قرينةً للضعيفِ وقُرِىءَ بالتشديدِ والمَعْنى واحدٌ وهذا من تمامِ ذكر معمته تعالى إذ بدونِ اعترافِ المنعمِ عليه بالعجزِ عن تحصيلِ النعمةِ لا يعرفُ قدرَها ولا حق المنعمِ بها
стр. 6356
﴿وَإِنَّا إلى رَبّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ أي راجعونَ وفيهِ إيذانٌ بأنَّ حقَّ الراكبِ أنْ يتأملَ فيما يُلابسُه من المسيرِ ويتذكَر منه المسافرةَ العُظْمى التي هيَ الانقلابُ إلى الله تعالى فيبنِى أمورَهُ في مسيرِه ذلكَ على تلكَ الملاحظةِ ولا بخطر ببالِه في شيءٍ
стр. 6357
﴾ ٨ ١٥
مما يأتى ويتذر أمراً ينافيها ومن ضرورتِه أن يكون ركوبُه لأمرٍ مشروعٍ
стр. 6358
﴿وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً﴾ متصلٌ بقولِه تعالى ولئِن سألتَهُم الخ أيْ وقد جعلُوا له سبحانَهُ بألسنتهم واعتقادهم بعد ذلك الاعترافِ من عبادِه ولداً وإنَّما عبَّر عنهُ بالجُزءِ لمزيدِ استحالتهِ في حقِّ الواحدِ الحقِّ من جميعِ الجهاتِ وقُرِىءَ جُزُؤا بضمَّتينِ ﴿إِنَّ الإنسان لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾ ظاهرُ الكُفرانِ مبالغٌ فيهِ ولذلك يقولونَ ما يقولونَ سبحان الله عما يصفون
стр. 6359
﴿أَمِ اتخذ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ أَمْ منقطعةٌ وما فيَها من معنى بل للانتقالِ من بيانِ بطلانِ جَعْلِهم لهُ تعالى ولداً على الإطلاقِ إلى بيانِ بُطلانِ جعلِهم ذلكَ الولدَ من أخسَّ صنفيهِ والهمزةُ للإنكار والتوبيخ والتعجب من شأنِهم وقولُه تعالى ﴿وأصفاكم بالبنين﴾ غما عطفٌ على اتخذَ داخلٌ في حُكْمِ الإنكارِ والتعجيبِ الخلافِ المشهورِ والالتفاتُ إلى خطابِهم لتأكيدِ الإلزامِ وتشديدِ التوبيخ أى بل انخذ من خلقه أخس أو حالٌ من فاعلِه بإضمار قد أو بدونه على الصنفين وختار لكم أفضلَهُما على مَعْنى هَبُوا أنكم اجترأتُم على إضافةِ اتخاذِ جنسِ الولدِ إليه سُبحانَهُ مع ظهورِ استحالتِه وامتناعِه أما كانَ لكم شيءٌ من العقلِ ونُبذٌ من الحياءِ حتى اجترأتُم على التفوهِ بالعظيمةِ الخارقةِ للعقولِ من ادعاءِ أنَّه تعالى آثركُم على نفسِه بخيرِ الصنفينِ وأعلاهُما وتركَ له شرَّهُما وأدناهُما وتنكير بنات وتعريف البنن لتربيةِ ما اعتُبر فيهما من الحقارةِ والفخامةِ
стр. 6360
﴿وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ للرحمن مَثَلاً﴾ الخ استئنافٌ مقررٌ لِمَا قبله وقيلَ حالٌ على مَعنْى أنهم نسبوا إإليه ما ذكرو ومن حالِهم أنَّ أحدَهُم إذَا بُشِّرَ بهِ اغتمَّ والالتفاتُ للإيذانِ باقتضاءِ ذكرِ قبائحِهم أنْ يُعرضَ عنهم وتُحكَى لغيرِهم تعجيباً منها أيْ إذَا أخبرَ أحدُهم بولادةِ ما جعلَه مثلاً له سُبحانَه إذِ الولدُ لابد أنْ يجانسَ الوالدَ ويماثلَهُ ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً﴾ أي صارَ أسودَ في الغايةِ مِن سُوء مَا بُشّرَ به ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ مملوءٌ من الكربِ والكآبةِ والجملةُ حالٌ وقُرِىءَ مُسودُّ ومُسوادٌّ على أنَّ في ظَلَّ ضميرُ المبشِّرِ ووجهُهُ مسودٌّ جملةٌ وقعتْ خبراً لهُ
стр. 6361
﴿أَوْ مِن يُنَشَّأُ فِى الحلية﴾ تكرير للإنكار تثنية للتوبيخِ ومَنْ منصوبةٌ بمضمرِ معطوفٍ على جعلُوا أي أو جعلُوا مَنْ شأنُهُ أنْ يُربَّى في الزينةِ وهو عاجر عن أن يتولى لأمره بنفسهِ فالهمزةُ لإنكارِ الواقعِ واستقباحِه وقد جُوِّزَ انتصابُها بمضمرٍ معطوفٍ على اتخذَ فالهمزةُ حينئذٍ لإنكارِ الوقوعِ واستبعادِه وإقحامُها بين المعطوفينِ لتذكيرِ ما في أمِ منقطعة من الإنكارِ وتأكيدهِ والعطفُ للتغاير العنوان أيْ أوَ اتخذَ من هذهِ الصفةِ الذميمةِ صفتَهُ ﴿وَهُوَ﴾ مع ما ذُكِرَ من القصورِ ﴿فِى الخصام﴾ أي الجدالِ الذي لا يكادُ يخلُو عنه الإنسانُ في العادةِ ﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾ غيرُ قادرٍ على تقريرِ دعواهُ وإقامةِ حُجَّتِه لنقصانِ عقلِه وضعفِ رأيه وإضافةُ غيرُ لا تمنعُ عملَ ما بعدَهُ في الجارِّ المتقدمِ لأنَّه بمعْنى النَّفي وقُرِىءَ
стр. 6362
﴾ ٢ ١٩
ينُشأُ ويُنَاشَأُ من الإفعالِ والمفاعلةِ والكلُّ بمَعْنى واحدٍ ونظيرُه غَلاهُ وأغلاهُ وغالاهُ
стр. 6363
﴿وجعلوا الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا﴾ بيان لتضمين كفرِهم المذكورِ لكفرٍ آخرَ وتقريعٌ لهم بذلكَ وهو جعلُهم أكملَ العبادِ وأكرمَهم على الله أنقصَهُم رأياً وأخسَّهُم صِنفاً وقُرِىءَ عبيدُ الرحمنِ وقُرِىءَ عند الرحمن على تمثيل زلفاهم وقرىء أُنُثاً وهُو جمعُ الجمعِ ﴿أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ﴾ أي أحضرُوا خلقَ الله تعالى إيَّاهم فشاهدُوهم إناثاً حتى يحكموا بأنوثتِهم فإنَّ ذلكَ مما يُعلم بالمشاهدةِ وهو تجهيلٌ لهُم وتهكُّمٌ بهم وقُرِىءَ أَأَشهِدُوا بهمزتينِ مفتوحةٍ ومضمومه وآأشهدوا بألف بينهما ﴿سَتُكْتَبُ شهادتهم﴾ هذه في ديوان أعمالهم ﴿ويسألون﴾ عنها يومٍ القيامةِ وقُرِىءَ سيكتب وسنكتب بالياء اوالنون وقُريَء شهاداتُهم وهيَ قولُهم إن لله جزاء وإن له بناتٍ وأنها الملائكة وقرىء يسألون من المسألة للمبالغةِ
стр. 6364
﴿وَقَالُواْ لَوْ شَاء الرحمن مَا عبدناهم﴾ بيانٌ لفنٍ آخرَ من كُفرِهم أيْ لو شاءَ عدمَ عبادتِنا للملائكةِ مشيئَةَ ارتضاءٍ ما عبدناهُم أرادُوا بذلكَ بيانَ أنَّ ما فعلُوه حقٌّ مرضيٌّ عندَهُ تعالى وأنَّهم إنَّما يفعلُونه بمشيئتهِ تعالى إياه منهُم مع اعترافِهم بقبحهِ حتى ينتهضَ ذمُّهم به دليلاً للمعتزلةِ ومَبْنى كلامِهم الباطلِ على مقدمتينِ إحداهُما أنَّ عبادتَهُم لهم بمشيئتهِ تعالى والثانيةُ أنَّ ذلكَ مستلزمٌ لكونِها مرضيةً عندَهُ تعالَى ولقد أخطأُوا في الثانيةِ حيث جهلُوا أن المشيئةَ عبارةٌ عن ارجيح بعضِ الممكناتِ على بعضٍ كائناً ما كانَ منْ غير اعتبار الرضا أو السخط في شيءٍ من الطرفينِ ولذلكَ جُهِّلُوا بقولِه تعالى ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ﴾ أي بما أرادُوا بقولِهم ذلكَ من كونِ ما فعلُوه بمشيئته الارتضاءِ لا بمطلقِ المشيئةِ فإنَّ ذلكَ محققٌ ينطقُ بهِ ما لا يُحصَى من الآياتِ الكريمةِ ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ يستندُ إلى سندٍ مَا ﴿إِنْ هُمْ إِلَاّ يَخْرُصُونَ﴾ يمتحلون تمحلون باطلاً وقد جُوِّزَ أنْ يشر بذلكَ إلى أصلِ الدعوى كأنَّه لما أظهرَ وجوه فسادِها وحكى شُبهَهم المزيفةَ نَفَى أن يكونَ لهم بها علمٌ مِن طريقِ العقلِ ثم أضربَ عنه إلى إبطالِ أن يكونَ لهم سندٌ من جهةِ النقل فقيل
стр. 6365
﴿أم آتيناهم كتابا مِن قَبْلِهِ﴾ من قبلِ القُرآنِ أو من قبلِ ادعائِهم ينطقُ بصحةِ ما يدَّعُونَهُ ﴿فَهُم بِهِ﴾ بذلكَ الكتابِ ﴿مُسْتَمْسِكُونَ﴾ وعليهِ معوّلونَ
стр. 6366
﴿بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَا آباءنا على أُمَّةٍ وَإِنَّا على آثارهم مُّهْتَدُونَ﴾ أي لم يأتُوا بحجة عقلية أو نقليةٍ بل اعترفُوا بأن لا سندَ لهم سوى تقليدِ آبائِهم الجهلةِ مثلِهمْ والأمةُ الدينُ والطريقةُ التي تأم أي تُقصدُ كالرُّحلةِ لما يُرحلُ إليهِ وقُرِىءَ إمةٍ بالكسرِ وهي الحالةُ التي يكونُ عليها الآمُّ أي القاصدُ وقولُه تعالى على آثارهم مهتدون خبران والظرفُ صلةٌ لمهتدونَ
стр. 6367
﴾ ٧ ٢ ﴿
стр. 6368
﴿وكذلك﴾ أي والأمرُ كما ذُكِرَ منْ عجزِهم عن الحجةِ وتشبّثهم بذيلِ التقليدِ وقولُه تعالَى ﴿مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أُمَّةٍ وَإِنَّا على آثارهم مُّقْتَدُونَ﴾ استئنافٌ مبينٌ لذلكَ دال على التقليدَ فيما بينُهم ضلالٌ قديمٌ ليسَ لأسلافِهم أيضاً سندٌ غيرُه وتخصيصُ المُترفينَ بتلكَ المقالةِ للإيذانِ بأن التنعمَ وحبّ البطالةِ هو الذي صَرَفهُم عن النظرِ إلى التقليدِ
стр. 6369
﴿قَالَ﴾ حكايةٌ لِمَا جَرى بينَ المنذرينَ وبينَ أُممهم عندَ تعللهم بتقليدِ آبائِهم أي قالَ كلُّ نذيرٍ منِ أولئكَ المنذرينَ لأممِهم ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ﴾ أي أتقتدونَ بآبائِكم ولو جئتُكم ﴿بأهدى﴾ بدينٍ أَهدْى ﴿مِمَّا وَجَدتُّمْ عليه آباءكم﴾ من الضلالةِ التي ليستْ من الهدايةِ في شيءٍ وإنما عبر عنها بذلكَ مجاراةً معهم على مسلكِ الإنصاف وقرىء قل على أنَّه حكايةُ أمرٍ ماضٍ أُوحيَ حينئذٍ إلى كلِّ نذيرٍ لا على انه خطاب للرسول ﷺ كما قيل لقولِه تعالى ﴿قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافرون﴾ فإنَّه حكايةٌ عن الأمم قطعا أى قال كلُّ أمةٍ لنذيرِها إنَّا بما أرسلت به الاخ وقد أجملَ عندَ الحكايةِ للإيجاز كما مر في قوله تعالى يأَيُّهَا الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات وجعلُه حكايةً عن قومِه ﵊ بحمل صيفة الجمعِ على تغليبِه على سائرِ المنذرينَ ﵈ وتوجيُه كفرِهم إلى مَا أرسلَ به الكُلُّ من التوحيدِ لإجماعِهم عليهِ كما في نظائرِ قولِه تعالى كَذَّبَتْ عَادٌ المرسلين تمحُّلٌ بعيدٌ يردُّه بالكلِّيةِ قولُه تعالى
стр. 6370
﴿فانتقمنا مِنْهُمْ﴾ أي بالاستئصالِ ﴿فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين﴾ من الأمم المذورين فلا تكترثْ بتكذيبِ قومِكَ
стр. 6371
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي واذكُرْ لهم وقتَ قولِه ﵊ ﴿لأبيه وَقَوْمِهِ﴾ المُكبِّينَ على التقليدِ كيفَ تبرأَ ممَّا هم فيهِ بقولِه ﴿إِنَّنِى بَرَاء مّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ وتمسكَ بالبرهانِ ليسلكُوا مسلكَهُ في الاستدلالِ أو ليقلدوه إن لم يكُن لهم بدٌّ من التلقيد فإنه أشرفُ آبائِهم وبَراءٌ مصدرٌ نُعتَ به مبالغة ولذلك يتسوى فيه الواحد والمتعدد والمذكور والمؤنثُ وقُرِىءَ بَرِيءٌ وبُرَاءٌ بضمِّ الباءِ ككريمٍ وكرامٍ وما إما مصدريةٌ أو موصولةٌ حذف عائدها الى إننِي بريءٌ من عبادتِكم أو معبودِكم
стр. 6372
﴿إِلَاّ الذى فَطَرَنِى﴾ استثناءٌ منقطعٌ أو متصلٌ على أنَّ مَا تعمُّ أولي العلم وغيرهم وأنَّهم كانُوا يعبدونَ الله والأصنامَ أو صفةٌ على أن مَا موصوفةٌ أي إنني براءٌ من آلهةٍ تعبدونَها غيرَ الذي فَطَرني ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ أي سيثبتنِي على الهدايةِ أو سيهدينِ إلى ما وراءَ الذي
стр. 6373
﴾ ١ ٢٨
هَدَاني إليهِ إلى الآنَ والأوجهُ أنَّ السينَ للتأكيدِ دون التسويق وصيغة المضارع للدلالة على الاستمرارِ
стр. 6374
﴿وَجَعَلَهَا﴾ أي جعلَ إبراهيمُ كلمةَ التوحيدِ التي ما تكلمَ به عبارةٌ عنْهَا ﴿كَلِمَةً باقية فِى عَقِبِهِ﴾ أي في ذريتِه حيثُ وصَّاهُم بها كما نطقَ به قولُه تعالى ووصى بِهَا إبراهيم بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ الآيةَ فلا يزالُ فيهم مَن يوحدُ الله تعالى ويدعُو إلى توحيدِه وقُرِىءَ كِلْمةً وفي عقْبهِ على التخفيفِ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ علةٌ للجعل أى جعلها باقية في عقله رجاءَ أنْ يرجعَ إليها من أشرك منهم بدعاء الموحدِ
стр. 6375
﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاء﴾ إضرابٌ عن محذوفٍ ينساقُ إليهِ الكلامُ كأنَّه قيلَ جعلَها كَلِمَةً باقية فِى عَقِبِهِ بأنْ وصَّى بها بنيهِ رجاءَ أنْ يرجعَ إليها من أشرك منهم بدعاء الموحدِ فلم يحصلُ ما رجاهُ بل متعتُ منهم هؤلاء المعاصرين للرسول صلى الله عليه سولم من أهل مكة ﴿وآباءهم﴾ بالمدِّ في العمرِ والنعمةِ فاغترُّوا بالمهلةِ وانهمكُوا في الشهواتِ وشُغلوا بها عنْ كلمةِ التوحيدِ ﴿حتى جَاءهُمُ﴾ أي هؤلاءِ ﴿الحق﴾ أي اقرآن ﴿وَرَسُولٌ﴾ أيُّ رسولٍ ﴿مُّبِينٌ﴾ ظاهر الرسالة واضحها بامعجزات الباهرة أو مبين لتوحيد بآيات البيناتِ والحججِ وقُرِىءَ متَّعنَا ومتَّعتَ بالخطابِ على إنَّه تعالى اعترضَ به على ذاته في قوله تعلى وَجَعَلَهَا كَلِمَةً باقية الخ مبالغة فى تعبيرهم فإن التمتيع بزيادةِ النعمِ يوجبُ عليهم أنْ يجعلُوه سبباً لزيادةِ الشكرِ والثباتِ على التوحيدِ والإيمانِ فجعلَه سبباً لزيادةِ الكفر أن أقصى مراتب الكفر والضلالة
следующие страницы →