Полный текст (8 642 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
٥٦ - آل عمران
منهم أربعةُ آلافِ رجلٍ فأخذوا باب الغرفة فقال المسيحُ للحواريين أيُكم يخرجُ ويُقتل ويكونُ معي في الجنة فقال واحد منهم أنا يا نبيَّ الله فألقى عليه مدرعة من صوفٍ وعِمامةٍ من صوف وناوله عكّازَه وأُلقيَ عليه شبه عيسى ﵊ فخرج على اليهود فقتلوه وصلبوه وأما عيسى ﵊ فكساه الله الريشَ والنورَ وألبسه النورَ وقطع عنه شهوةَ المطعمِ والمشرب وذلك قوله تعالى إِنّي مُتَوَفّيكَ فطار مع الملائكة ثم إن أصحابه حين رأَوْا ذلك تفرَّقوا ثلاثَ فِرَقٍ فقالت فِرقةٌ كان الله فينا ثم صعِدَ إلى السماء وهم اليعقوبيةُ وقالت فرقة أخرى كان فينا ابنُ الله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه وهم النسطوريةُ وقالت فرقةٌ أخرى منهم كان فينا عبدُ الله ورسولُه ما شاء الله ثم رفعه الله إليه وهؤلاء هم المسلمون فتظاهرت عليهم الفرقتانِ الكافرتان فقتلوهم فلم يزل الإسلامُ منطمساً إلى أن بعث الله تعالى محمدا ﷺ
﴿وَرَافِعُكَ إِلَىَّ﴾ أي إلى محل كرامتي ومقرِّ ملائكتي
﴿وَمُطَهّرُكَ مِنَ الذين كَفَرُواْ﴾ أي من سوء جوارِهم وخبثِ صُحبتِهم ودنَسِ معاشرتِهم
﴿وَجَاعِلُ الذين اتبعوك﴾ قال قتادةُ والربيعُ والشعبيُّ ومقاتِلٌ والكلبيُّ هم أهل الإسلام الذين صدّقوه واتبعوا دينَه من أمة محمدٍ ﷺ دون الذين كذّبوه وكذَبوا عليه من النصارى
﴿فَوْقَ الذين كَفَرُواْ﴾ وهم الذين مكروا به ﵊ ومن يسير بسيرتهم من اليهود فإن أهلَ الإسلام فوقهم ظاهرين بالعزة والمَنَعة والحُجة وقيل هم الحواريون فينبغي أن تُحمل فوقيتُهم على فوقية المسلمين بحكم الاتحادِ في الإسلام والتوحيد وقيل هم الرومُ وقيل هم النصارى فالمرادُ بالاتباع مجرَّدُ الادعاء والمحبة وإلا فأولئك الكفرةُ بمعزل من أتباعِه ﵊
﴿إلى يَوْمِ القيامة﴾ غايةٌ للجعل أو للاستقرار المقدّرِ في الظرف لا على مَعْنى أنَّ الجعلَ أو الفوقيةَ تنتهي حينئذ ويتخلّص الكفرةُ من الذِلة بل على مَعْنى أنَّ المسلمين يعلُونهم إلى تلك الغاية فأما بعدها فيفعل الله تعالى بهم ما يريد
﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي رجوعكم بالبعث وثم للتراخي وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ للقصرِ المفيدِ لتأكيد الوعدِ والوعيد والضمير لعيسى ﵊ وغيرِه من المتبعين له والكافرين به على تغليبُ المخاطَب على الغائبِ في ضمن الالتفاتِ فإنه أبلغُ في التبشير والإنذار
﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ يومئذ إثرَ رجوعِكم إليّ
﴿فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ من أمور الذين وفيه متعلقٌ بتختلفون وتقديمُه عليه لرعاية الفواصلِ
стр. 667
﴿فَأَمَّا الذين كَفَرُواْ فَأُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ تفسيرٌ للحكم الواقعِ بين الفريقين وتفصيلٌ لكيفيته والبدايةُ ببيانِ حالِ الكفرة لما أنَّ مساقَ الكلامِ لتهديدهم وزجرِهم عمَّا هُم عليهِ من الكفر والعِناد وقولُه تعالى
﴿فِى الدنيا والاخرة﴾ متعلقٌ بأعذبهم لا بمعنى إيقاعِ كلِّ واحدٍ من التعذيب في الدنيا والتعذيبِ في الآخرة وإحداثِهما يومَ القيامة بل بمعنى إتمامِ مجموعِهما يومئذ وقيل إن المرجِعَ أعمُّ من الدنيوي والأخروي وقولُه تعالى إلى يَوْمِ القيامة غايةٌ للفوقية لا للجعلِ والرجوعُ متراخٍ عن الجعل وهو غيرُ محدودٍ لا عن الفوقية المحدودةِ على نهج قولِك سأُعيرك سكني هذا البيتَ شهراً ثم أخلَع عليك خلْعةً فيلزَمُ تأخرُ الخُلع عن الإعارة لا عن الشهر
﴿وَمَا لَهُم مِن ناصرين﴾ يُخلِّصونهم من عذابِ الله تعالى في الدارين وصيغةُ الجمعِ لمقابلة ضميرِ الجمعِ أي
стр. 668
٥٧ - ٥٨ ٥٩ ٦٠ آل عمران
ليس لواحدٍ منهم ناصرٌ واحد
стр. 669
﴿وأما الذين آمنوا﴾ بما أُرسِلْتُ به
﴿وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ كما هو ديدَنُ المؤمنين
﴿فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أي يعطيهم إياها كاملة ولعلالألتفات إلى الغَيبة للإيذان بما بين مصدري التعذيبِ والإثابةِ من الاختلاف من حيث الجلال والجمال وقرئ فنو فيهم جرياً على سَنن العظمةِ والكبرياء
﴿والله لَا يُحِبُّ الظالمين﴾ أي يبغضهم فإن هذه الكنايةَ فاشيةٌ في جميع اللغاتِ جاريةٌ مجرى الحقيقة وإيراد الضلم للإشعار بأنهم بكفرهم متعدّون متجاوزون على الحدود واضعون للكفر مكانَ الشكرِ والإيمانِ والجملةُ تذييلٌ لما قبله مقرِّرٌ لمضمونه
стр. 670
﴿ذلك﴾ إشارة إلى ما سلف من نبأ عيسى ﵊ وما فيه من معنى البعد للدلالة على عظم شأنِ المُشَارِ إليهِ وبُعْدِ منزلتِه في الشرف وعلى كونه في ظهور الأمرِ ونباهةِ الشأن بمنزلة المشاهَد المعايَن وهو مبتدأٌ وقولُه
﴿نَتْلُوهُ﴾ خبرُه وقولُه تعالى
﴿عَلَيْكَ﴾ متعلقٌ بنتلوه وقولُه تعالى
﴿مِنَ الايات﴾ حالٌ من الضمير المنصوبِ أو خبر بعد خبر أو هو الخبرُ وما بينهما حالٌ من اسمِ الإشارة أو ذلك خبرٌ لمبتدإ مضمرٍ أي الأمرُ ذلك ونتلوه حالٌ كما مر وصيغة الاستقبال إما لا ستحضار الصورةِ أو على معناها إذ التلاوةُ لم تتِمَّ بعدُ
﴿والذكر الحكيم﴾ أي المشتملِ على الحِكَم أو المُحكمِ الممنوعِ من تطرُّق الخللِ إليه والمرادُ به القرآنُ فمن تبعيضيةٌ أو بعضٌ مخصوصٌ منه فمن بيانيةٌ وقيل هو اللوحُ المحفوظُ فمن ابتدائية
стр. 671
﴿إِنَّ مَثَلَ عيسى﴾ أي شأنَه البديعَ المنتظِمَ لغرابته في سلك الأمثال
﴿عَندَ الله﴾ أي في تقديره وحكمه
﴿كمثل آدم﴾ أي كحاله العجيبةِ التي لا يرتاب فيها مرتابٌ ولا ينازِعُ فيها منازِع
﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ تفسيرٌ لما أُبهم في المَثَل وتفصيلٌ لما أُجمِلَ فيه وتوضيحٌ للتمثيل ببيان وجهِ الشبهِ بينهما وحسمٌ لمادة شبه الخصومِ فإن إنكارَ خلقِ عيسى ﵊ بلا أب من أعترف بخلق آدم ﵊ بغير أبٍ وأمٍ مما لا يكاد يصح والمعنى خلق قالَبَه مِن تُرَابٍ
﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن﴾ أي أنشأه بَشَراً كما في قوله تعالى ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقَاً آخَر أو قدّر تكوينَه من التراب ثم كوّنه ويجوز كون ثم لتراخي الإخبار لا لتراخي المُخبَرِ به
﴿فَيَكُونُ﴾ حكايةُ حالٍ ماضية روي إن وفد نجران قالوا لرسول الله ﷺ مالك تشتمُ صاحبَنا قال وما أقول قالوا تقول إنه عبدٌ قال أجل هو عبدُ الله ورسولُه وكلمتُه ألقاها إلى العذراء البتولِ فغضِبوا وقالوا هل رأيتَ إنساناً من غير أبٍ فحيثُ سلَّمتَ أنه لا أبَ له من البشر وجب أن يكون أبوه هو الله فقالَ ﵊ إن آدم ﵊ ما كان له أبٌ ولا أم ولم يلزم من ذلك كونُه ابناً لله فكذا حال عيسى عليه الصلاة والسلام
стр. 672
﴿الْحَقُّ مِن رَّبّكَ﴾ خبرُ مبتدأ محذوف أي هو الحقُّ أي ما قصصنا عليك من نبإ عيسى من عليه الصلاة والسلام
стр. 673
٦١ - آل عمران
وأمِّه والظرفُ إما حالٌ أي كائناً من ربك أو خبرٌ ثانٍ أي كائنٌ منه تعالى وقيل هما مبتدأٌ وخبرٌ أي الحقُّ المذكورُ من الله تعالَى والتعّرضُ لعنوانِ الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضمير المخاطب لتشريفه ﵊ والإيذانِ بأن تنزيلَ هذه الآياتِ الحقةِ الناطقةِ بكنه الأمر تربية له ﵊ ولُطفٌ به
﴿فَلَا تَكُنْ مّن الممترين﴾ في ذلك والخطاب إما للنبي ﷺ على طريقة الإلهابِ والتهييجِ لزيادة التثبيتِ والإشعارِ بأن الامتراءَ في المحذورية بحيث ينبغي أن يُنهى عنه من لا يكاد يمكن صدورُه عنه فكيفَ بمن هو بصدد الامتراء وإما لكل من له صلاحيةُ الخطاب
стр. 674
﴿فَمَنْ حَاجَّكَ﴾ أي من النصارى إذ هم المتصدون للمُحاجّة
﴿فِيهِ﴾ أي في شأن عِيْسى ﵇ وأمِّه زعماً منهم أنه ليس على الشأن المحكي
﴿مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ العلم﴾ أي ما يُوجِبُه إيجاباً قطعياً من الآيات البينات وسعوا ذلك منك فلم يرعودا عمَّا هُم عليهِ من الغي والضلال
﴿فَقُلْ﴾ لهم
﴿تَعَالَوْاْ﴾ أي هلُمّوا بالرأي والعزيمة
﴿نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ﴾ اكتُفيَ بهم عن ذكر البناتِ لظهور كونِهم أعزَّ منهن وأما النساءُ فتعلُّقُهن من جهة أخرى
﴿وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ﴾ أي ليدعُ كلٌّ منا ومنكم نفسَه وأعِزَّةَ أهلِه وألصقَهم بقلبه إلى المباهَلة ويحمِلْهم عليها وتقديمُهم على النفس في أثناء المباهلةِ التي هي من باب المهالكِ ومضان التلفِ مع أن الرجلَ يخاطرُ لهم بنفسه ويحارب دونهم للإيذان بكمال أمنِه ﵊ وتمامِ ثقتِه بأمره وقوةِ يقينِه بأنه لن يُصيبَهم في ذلك شائبةُ مكروهٍ أصلاً وهو السرُّ في تقديم جانبِه ﵇ على جانب المخاطَبين في كل من المقدم والمؤخر مع رعاية الأصلِ في الصيغة فإن غيرَ المتكلم تبع
﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ أي نتباهلْ بأن نلعنَ الكاذبَ منا والبُهلةُ بالضم والفتح اللعنةُ وأصلها الترك له في الإسناد من قولهم بَهَلْتُ الناقةَ أي تركتها بلاصرار
﴿فنجعل لعنة الله عَلَى الكاذبين﴾ عطفٌ على نبتهل مبينٌ لمعناه روي أنهم لما دُعوا إلى المباهلة قالوا حتى نرجع وننظر فلما تخالوا قالوا اللعاقب وكان ذار إيهم يا عبدَ المسيح ما ترى فقال والله لقد عرفتم يا معشرَ النصارى أن محمداً نبيٌّ مرسل ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبِكم والله ما باهل قومٌ نبياً قط فعاش كبيرُهم ولا نبت صغيرُهم ولئن فعلتم لتهلِكُنّ فإن أبيتم إلا إلفَ دينِكم والإقامةِ على ما أنتُم عليهِ فوادِعوا الرجلَ وانصرِفوا إلى بلادكم فأتَوا رسول الله ﷺ وقد غدا محتضِناً الحسينَ آخذاً بيد الحسنِ وفاطمةُ تمشي خلفَه وعليٌّ خلفها ﵃ أجمعين وهو يقول إذا أنا دعوتُ فأمِّنوا فقال أسقفُ نجرانَ يا معشرَ النصارى إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله تعالى أن يُزيل جبلاً من مكانه لأزاله فلا تُباهلوا فتهلكوا ولا يقي على وجه الأرضِ نصرانيٌّ إلى يوم القيامة فقالوا يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهِلَك وأن نُقِرَّك على دينك ونثبُتَ على ديننا قال ﷺ فإذا أبيتم المباهلةَ فأسلِموا يكنْ لكم ما للمسلمين وعليكم ما على المسلمين فأبوا قال ﵊ فإني أناجِزُكم فقالوا ما لنا بحربِ العربِ طاقةٌ ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تُخيفَنا ولا ترُدَّنا عن ديننا على أن نؤدي إليك كلَّ عام ألفي حلة
стр. 675
٦٢ - ٦٣ ٦٤ آل عمران
ألفاً في صَفَر وألفاً في رجبٍ وثلاثين درعاً عادية من حديد فصالحهم على ذلك وقال والذي نفسي بيدِه إنَّ الهلاكَ قد تدلَّى على أهل نجران ولولا عنوا لمسخوا قردة وخنازير ولا ضطرم عليهم الوادي نارا ولا ستأصل الله نجرانَ وأهلَه حتى الطير على رءوس الشجر ولما حال الحولُ على النصارى كلِّهم حتى يهلكوا
стр. 676
﴿إِنَّ هَذَا﴾ أي ما قُصّ من نبأ عيسى وأمِّه ﵉
﴿لَهُوَ القصص الحق﴾ دون ما عداه من أكاذيبِ النصارى فهو ضميرُ الفصلِ دخلتْه اللامُ لكونه أقربَ إلى المبتدإ من الخبر وأصلها أن تدخُلَ المبتدأَ وقرىء لهْوَ بسكون الهاء والقصصُ خبرُ إن والحقُّ صفتُه أو هو مبتدأٌ والقصصُ خبرُه والجملةُ خبرٌ لإن
﴿وَمَا مِنْ إله إِلَاّ الله﴾ صرّح فيه بمن الأستغراقية تأكيد للرد على النصارى في تثليثهم
﴿وَإِنَّ الله لَهُوَ العزيز﴾ القادرُ على جميع المقدوراتِ
﴿الحكيم﴾ المحيطُ بالمعلومات لا أحدَ يشاركُه في القدرة والحِكمة ليشاركَه في الألوهية
стр. 677
﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ عن التوحيد وقبول الحق الذي قص عليك بعد ما عاينوا تلك الحجج المنيرة والبراهينَ الساطعة
﴿فَإِنَّ الله عَلِيمٌ بالمفسدين﴾ أي بهم وإنما وُضِعَ موضعَه ما وُضِع للإيذان بأن الإعراضَ عن التوحيد والحقِّ الذي لا محيدَ عنه بعدما قامت به الحججُ إفسادٌ للعالم وفيه من شدة الوعيد ما لا يخفى
стр. 678
﴿قل يا أَهْلِ الكتاب﴾ أمرٌ بخطاب أهلِ الكتابين وقيل بخطاب وفدِ نجْرانَ وقيل بخطاب يهودِ المدينةِ
﴿تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ لا يختلف فيها الرسلُ والكتب وهي
﴿ألا نَعْبُدَ إِلَاّ الله﴾ أي نوحِّدُه بالعبادة ونُخلِصُ فيها
﴿وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً﴾ ولا نجعلَ غيرَه شريكاً له في استحقاق العبادةِ ولا نراه أهلاً لأن يُعبد
﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا من دُونِ الله﴾ بأن نقولَ عزيرٌ ابنُ الله والمسيحُ ابن الله ولا نُطيعَ الأحبارَ فيما أحدثوا من التحريم والتحليل لأن كلاً منهم بعضُنا بشرٌ مثلُنا رُوي أنَّه لمَّا نزلتْ ﴿اتَّخذوا أحبارَهم ورهبانَهم أَرْبَاباً مِن دُونِ الله﴾ قَالَ عديُّ بنُ حاتم ما كنا نعبُدهم يا رسولَ الله فقالَ ﵇ أليس كانوا يُحِلّون لكم ويحرِّمون فتأخذون بقولهم قال نعم قال ﵇ هو ذاك
﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ عما دعوتوهم إليه من التوحيد وتركِ الإشراك
﴿فَقُولُواْ﴾ أي قل لهم أنت والمؤمنون
﴿اشهدوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ أي لزِمْتكم الحُجةُ فاعترِفوا بأنا مسلمون دونكم أو اعترِفوا بأنكم كافرون بما نطَقَتْ به الكتُب وتطابقت عليه الرسلُ ﵈ تنبيه انظُر إلى ما روعيَ في هذه القصة من المبالغة في الإرشاد وحسنِ التدرُّجِ في المُحاجَّة حيث بيّن أولاً أحوالَ عيسى ﵇ وما توارد عليه من الأطوار المنافيةِ للإلهية ثم ذُكر كيفيةُ دعوتِه للناس إلى التوحيد والإسلام فلما ظهر عنادهم دُعُوْا إلى المباهلة بنوع من الإعجاز ثم لما أعرَضوا عنها وانقادوا بعضَ الانقياد دُعوا إلى ما اتفق
стр. 679
٦٥ - ٦٦ ٦٧ ٦٨ ٦٩ آل عمران
عليه عيسى ﵇ والإنجيلُ وسائرُ الأنبياء ﵈ والكتُب ثم لما ظهر عدمُ إجدائِه أيضاً أُمِرَ بأن يقال لهم اشهدوا بأنا مسلمون
стр. 680
﴿ياْ أَهْلِ الكتاب﴾ من اليَّهودِ والنصارى
﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِى إبراهيم﴾ أي في مِلّته وشريعتِه تنازعت اليهودُ والنصارى في إبراهيمَ ﵇ وزعم كلٌّ منهم أنه ﵇ منهم وترافَعوا إلى رسول الله ﷺ فنزلت والمعنى لم تدعون أنه ﵇ كان منكم
﴿وَمَا أُنزِلَتِ التوراة﴾ على موسى ﵊
﴿والإنجيل﴾ على عيسى ﵊
﴿إِلَاّ مِن بَعْدِهِ﴾ حيث كان بينه وبين موسى ﵉ ألفُ سنةٍ وبين مُوسى وعيسى ﵉ ألفا سنةٍ فكيف يمكن أن يتفوَّهَ به عاقلٌ
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي ألا تتفكرون فلا تعقِلون بطلانَ مذهبِكم أو أتقولون ذلك فلا تعقلون بطلانه
стр. 681
﴿ها أنتم هؤلاء﴾ جملةٌ من مبتدإٍ وخبر صدرت بحرف التنبيه ثم بُيِّنت بجملة مستأنفة إشعاراً بكمال غفلتِهم أي أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى حيث
﴿حاججتم فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ﴾ في الجملة حيث وجدتموه في التوراة والإنجيل
﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أصل إذ لاذكر لدين إبراهيمَ في أحد الكتابين قطعاً وقيل هؤلاء بمعنى الذي وحاججتم صلته وقيل هأنتم اصله أأنتم على على الاستفهام للتعجب قلبت الهمزةُ هاءً
﴿والله يَعْلَمُ﴾ ما حاججتم فيه أو كلَّ شيءٍ فيدخُل فيه ذلك دخولاً أولياً
﴿وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي محلَّ النزاعِ أو شيئاً من الأشياء التي من جملتها ذلك
стр. 682
﴿مَا كَانَ إبراهيم يَهُودِيّا وَلَا نَصْرَانِيّا﴾ تصريحٌ بما نطَق به البرهانُ المقرِّر
﴿وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا﴾ أي مائلاً عن العقائد الزائغةِ كلِّها
﴿مُسْلِمًا﴾ أي منقاداً لله تعالى وليس المرادُ أنه كان على مِلَّة الإسلامِ وإلا لاشترك الإلزامُ
﴿وَمَا كَانَ مِنَ المشركين﴾ تعريضٌ بأنهم مشركون بقولهم عزيرٌ ابنُ الله والمسيحُ ابنُ الله وردٌّ لادعاء المشركين أنَّهم على ملَّةِ إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام
стр. 683
﴿إِنَّ أَوْلَى الناس بإبراهيم﴾ أي أقربَهم إليه وأخصَّهم به
﴿لَلَّذِينَ اتبعوه﴾ أي في زمانه
﴿وهذا النبى والذين آمنوا﴾ لموافقتهم له في أكثرِ ما شُرع لهم على الأصالة وقرئ والنبي بالنصبِ عطفاً على الضميرِ في اتبعوه وبالجر عطفاً على إبراهيمَ
﴿والله وَلِىُّ المؤمنين﴾ ينصُرهم ويجازيهم الحسنى بإيمانهم وتخصيصُ المؤمنين بالذكر ليثبُتَ الحكمُ في النبيِّ ﷺ بدَلالة النصِّ
стр. 684
﴿وَدَّت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾
стр. 685
نزلت في اليهود حين دعوا حذيفة وعمارا ومعادا إلى اليهودية ولو بمعنى أن
﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ﴾ جملةٌ حاليةٌ جيء بها للدلالة على كمال رسوخِ المخاطبين وثباتِهم على ما هم عليه من الدينِ القويمِ أي وما يتخطاهم الإضلالُ ولا يعود وبالُه إلا إليهم لما أنه يُضاعفُ به عذابُهم وقيل وما يُضِلّون إلا أمثالَهم ويأباه قوله تعالى
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي باختصاص وبالِه وضررِه بهم
стр. 686
﴿يا أهل الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ بأيات الله﴾ أي بما نَطَقتْ به التوراةُ والإنجيلُ ودلت على نبوة محمدٍ ﷺ
﴿وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أي والحالُ أنكم تشهدون أنها آياتُ الله أو بالقرآن وأنتم تشهدون نعتَه في الكتابين أو تعلمون بالمعجزات أنه حق
стр. 687
﴿يا أهل الكتاب لِمَ تَلْبِسُونَ الحق بالباطل﴾ بتحريفكم وإبرازِ الباطِلِ في صورته أو بالتقصير في التمييز بينهما وقرئ تلبسون بالتشديد وتلبسون نفتح الباء أي تلبَسون الحقَّ مع الباطل كما في قولِه ﵇ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ
﴿وَتَكْتُمُونَ الحق﴾ أي نبوة محمدٍ ﷺ ونعتَه
﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي حقِّيتَه
стр. 688
﴿وَقَالَت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب﴾ وهُم رؤساؤهم ومفسدون لأعقابهم
﴿آمنوا بالذي أنزِل على الَّذِينَ آمنُوا﴾ أي أظهِروا الإيمانَ بالقرآن المنْزلِ عليهم
﴿وَجْهَ النهار﴾ أي أولَه
﴿واكفروا﴾ أي أظهِروا ما أنتم عليه من الكفر به
﴿آخره﴾ مُرائين لهم أنكم آمنتم به بادئ الرأي من غير تأملٍ ثم تأملتم فيه فوقَفتم على خلل رأيِكم الأولِ فرجعتم عنه
﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أي المؤمنين
﴿يَرْجِعُونَ﴾ عمَّا هُم عليهِ من الإيمان به كما رجعتم والمرادُ بالطائفة كعب بن الأشرف ومالك بنُ الصيفِ قالا لأصحابهما لما حُوِّلت القِبلة آمِنوا بما أنزل عليهم من الصلاة إلى الكعبة وصلّوا إليها أولَ النهار ثم صلوا إلى الصخرة آخِرَه لعلهم يقولون هم أعلمُ منا وقد رجَعوا فيرجِعون وقيلَ هُم اثنا عشرَ رجلاً من أحبار خيبَر تقاولوا بأن يدخُلوا في الإسلام أولَ النهار ويقولوا آخرَه نظرنا في كتابنا وشاوَرْنا علماءَنا فلم نجِدْ محمداً بالنعت الذي ورد في التوراة لعل أصحابه يشكّون فيه
стр. 689
﴿وَلَا تُؤْمِنُواْ﴾ أي لا تُقِرّوا بتصديقٍ قلبيَ
﴿إِلَاّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أي لأهل دينكم أولا تُظهِروا إيمانَكم وجهَ النهار إلا لمن كان على دينكم من قبلُ فإن رجوعَهم أرجى وأهمُّ
﴿قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله﴾ يَهْدِى بِهِ مَن يشاءُ إلى الإيمان ويُثبِّته عليه
﴿أَن يؤتى أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ متعلِّقٌ بمحذوفٍ أي
стр. 690
٧٤ - ٧٥ آل عمران
دبّرتم ذلك وقلتم لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو بلا تؤمنوا أي ولا تظهِروا إيمانَكم بأن يؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم إلا لأشياعكم ولا تُفْشوه إلى المسلمين لئلا يزيدَ ثباتُهم ولا إلى المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام وقولُه تعالى قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله اعتراضٌ مفيدٌ لكون كيدِهم غيرَ مُجدٍ لطائل أو خبرُ إنَّ على إن هُدى الله بدل من الهدى وقرئ أأن يؤتى على الاستفهام التقريعي وهو مؤيدٌ للوجه الأولِ أي ألأن يُؤتى أحدٌ الخ دبرتم وقرئ أن على أنها نافيةٌ فيكونُ من كلام الطائفةِ أي ولا تؤمنوا إلا لمن تبِعَ دينَكم وقولوا لهم ما يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم
﴿أو يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ﴾ عطفٌ على أَن يؤتى على الوجهين الأولين وعلى الثالث معناه حتى يحاجوكم عند ربِّكم فيدحَضوا حُجتَكم والواوُ ضميرُ أَحَدٌ لأنَّه في معنى الجمعِ إذ المرادُ به غيرُ أتباعِهم
﴿قُلْ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء والله واسع عَلِيمٌ﴾ ردٌّ لهم وإبطالٌ لما زعموه بالحجة الباهرةِ
стр. 691
﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ﴾ أي يجعل رحمتَه مقصورةً على
﴿مَن يَشَاء والله ذُو الفضل العظيم﴾ كلاهما تذييلٌ لما قبله مقرِّرٌ لمضمونه
стр. 692
﴿وَمِنْ أَهْلِ الكتاب﴾ شروعٌ في بيان خيانتِهم في المال بعد بيانِ خيانتِهم في الدين والجارُّ والمجرورُ في محلِ الرفعِ على الابتداء حسبما مرَّ تحقيقُه في تفسيرِ قولِه تعالى ﴿وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ﴾ الخ خبرُه قوله تعالى
﴿مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدّهِ إِلَيْكَ﴾ على أن المقصودَ بيانُ اتّصافِهم بمضمون الجملةِ الشرطية لا كونُهم ذواتِ المذكورين كأنه قيل بعضُ أهلِ الكتاب بحيث إن تأمنْه بقنطار أي بمالٍ كثيرٍ يؤدِّه إليك كعبدِ اللَّهِ بنِ سَلَام استودَعه قرشيٌّ ألفاً ومِائتيْ أو قية ذهبا فأداه إليه
﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَاّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ كفِنحاصَ بنِ عازوراءَ استودعه قرشيٌّ آخرُ ديناراً فجحَده وقيل المأمونون على الكثير النصارى إذ الغالبُ فيهم الأمانةُ والخائنون في القليل اليهودُ إذ الغالبُ فيهم الخيانة
﴿إِلَاّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ استثناءٌ مفرغ من أعم الأحوال أو الأوقات أي لا يؤده إليك في حالٍ من الأحوالِ أو في وقتٍ من الأوقات إلا في حال دوام قيامِك أو في وقت دوامِ قيامِك على رأسه مبالِغاً في مطالبته بالتقاضي وإقامةِ البينة
﴿ذلك﴾ إشارةٌ إلى ترك الأداءِ المدلولِ عليه بقوله تعالى لَاّ يُؤَدِّهِ وما فيه من معنى البعد للإيذان بكمال غُلوِّهم في الشر والفساد
﴿بِأَنَّهُمْ﴾ أي بسببِ أنَّهم
﴿قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الأميين﴾ أيْ في شأنِ مَنْ ليس من أهل الكتاب
﴿سَبِيلٍ﴾ أي عتابٌ ومؤاخذة
﴿وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب﴾ بادعائهم ذلك
﴿وهم يعلمون﴾ أنهم كاذبون مفترون على الله تعالى وذلك لأنه أستحلوا أظلم من خالفهم وقالوا لم يُجعل في التوراة في حقهم حُرمةٌ وقيل عامل اليهودُ رجالاً من قريشٍ فلما أسلموا تقاضَوْهم فقالوا سقط حقُّكم حيث تركتم دينَكم وزعَموا أنه كذلك في كتابهم وعن النبيِّ ﷺ أنه قال عند نزولِها كذب أعداء الله
стр. 693
٧٦ - ٧٧ ٧٨ آل عمران
ما من شيء في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي إلا الأمانةَ فإنها مؤاده إلى البَرِّ والفاجر
стр. 694
﴿بلى﴾ إثباتٌ لما نفَوْه أي بلى عليهم فيهم سبيلٌ وقولُه تعالى
﴿مَنْ أوفى بِعَهْدِهِ واتقى فَإِنَّ الله يُحِبُّ المتقين﴾ استئنافٌ مقرِّر للجملة التي سد بلى مسدَّها والضميرُ المجرور لمن أو لله تعالى وعمومِ المتقين نائبٌ منابَ الراجعِ من الجزاء إلى مَنْ ومُشعِرٌ بأن التقوى مَلاكُ الأمرِ عامٌّ للوفاء وغيرِه من أداء الواجباتِ والاجتنابِ عن المناهي
стр. 695
﴿إِنَّ الذين يَشْتَرُونَ﴾ أي يستبدلون ويأخُذون
﴿بِعَهْدِ الله﴾ أي بدلَ ما عاهدوا عليه من الإيمان بالرسول ﷺ والوفاءِ بالأمانات
﴿وأيمانهم﴾ وبما حلفوا به من قولهم والله لنُؤمِنن به ولننصُرَنّه
﴿ثَمَناً قَلِيلاً﴾ هو حُطامُ الدنيا
﴿أولئك﴾ الموصوفون بتلك الصفاتِ القبيحةِ
﴿لَا خلاق﴾ لا نصيبَ
﴿لَهُمْ فِى الآخرة﴾ من نعيمها
﴿وَلَا يُكَلّمُهُمُ الله﴾ أي بما يسُرّهم أو بشيء أصلاً وإنما يقع ما يقع من السؤال والتوبيخِ والتقريعِ في أثناء الحساب من الملائكةِ ﵈ أولا ينتفعون بكلماتِ الله تعالى وآياتِه والظاهرُ أنه كنايةٌ عن شدة غضبِه وسَخَطِه نعوذ بالله من ذلك لقوله تعالى
﴿وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القيامة﴾ فإنه مَجازٌ عن الاستهانة بهم والسخطِ عليهم متفرِّعٌ على الكناية في حق من يجوزُ عليه النظرُ لأن مَن اعتد بالإنسان التفت إليه وأعاره نظر عينيه ثم كثُر حتى صار عبارةً عن الاعتداد والإحسانِ وإن لم يكن ثَمَّةَ نظَرٌ ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظرُ مجرد المعنى الإحسان مَجازاً عما وقع كنايةً عنه فيمن يجوزُ عليه النظر ويومَ القيامة متعلقٌ بالفعلين وفيه تهويل للوعيد
﴿وَلَا يُزَكّيهِمْ﴾ أي لا يُثني عليهم أو لا يُطَهِّرهم من أوضار الأوزار
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ على ما فعلوه من المعاصي قيل إنَّها نزلتْ في أبي رافعٍ ولُبابةَ بنِ أبي الحقيق وحُيَيِّ بنِ أخطَبَ حرّفوا التوراة وبدلوا نعتَ رسولِ الله ﷺ وأخذوا الرِّشوةَ على ذلك وقيل نزلت في الأشعث بنِ قيسٍ حيث كان بينه وبين رجل نزاعٌ في بئر فاختصما إلى رسول الله ﷺ فقال له شاهداك أو يمينُه فقال الأشعث إذن يحلف ولا يبالي فقال ﷺ من حلف على يمين يستحق بها ما لا هو فيها فاجرٌ لقِيَ الله وهو عليه غضبان وقيل في رجل أقام سلعة في السوق فحلف لقد اشتراها بما لم يكن اشتراها به
стр. 696
﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ﴾ أي من اليهود المحرِّفين
﴿لَفَرِيقًا﴾ ككعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وأضرابِهما
﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بالكتاب﴾ أي يفنلونها بقراءته فيُميلونها عن المُنزّل إلى المحرّف أو يعطِفونها بشبه الكتاب وقرئ يُلوّون بالتشديد ويلُون بقلب الواو المضمومة همزةً ثم تخفيفِها بحذفها وإلقاء حركتها على ما قبلها
стр. 697
٧٩ - آل عمران
من الساكن
﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾ أي المحرِّفَ المدلولَ عليه بقوله تعالى يلوون الخ وقرئ بالياء والضميرُ للمسلمين
﴿مّنَ الكتاب﴾ أي من جملته وقولُه تعالى
﴿وَمَا هُوَ مِنَ الكتاب﴾ حالٌ من الضمير المنصوبِ أي والحالُ أنه ليس منه في نفس الأمرِ وفي اعتقادهم أيضاً
﴿وَيَقُولُونَ﴾ مع ما ذكر من اللَّيِّ والتحريف على طريقة التصريحِ لا بالتورية والتعريض
﴿هُوَ﴾ أي المحرفُ
﴿مِنْ عِندِ الله﴾ أي منزلٌ من عند الله
﴿وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله﴾ حالٌ من ضمير المبتدأ في الخبر أي والحالُ أنه ليس من عنده تعالى في اعتقادهم أيضاً وفيهِ من المبالغةِ في تشنيعهم وتقبيحِ أمرهم وكمال جراءتهم ما لا يخفى وإظهارُ الاسمِ الجليلِ والكتاب في محل الإضمارِ لتهويل ما أقدَموا عليه من القول
﴿وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب وهم يعلمون﴾ أنهم كاذبون ومفترون على الله تعالَى وهو تأكيدٌ وتسجيلٌ عليهم بالكذبِ على الله والتعمُّد فيه وعن ابن عباس ﵄ هُم اليهودُ الذين قدِموا على كعب بنِ الأشرف وغيَّروا التوراةَ وكتبوا كتاباً بدَّلوا فيه صِفةَ رسولِ الله ﷺ ثم أخذت قريظةُ ما كتبوا فخلطوه بالكتاب الذي عندهم
стр. 698
﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ بيانٌ لافترائهم على الأنبياءِ ﵈ حيث قال نصارى نجرانَ إنَّ عيسَى ﵇ أمرنا أن نتخِذَه رباً حاشاه ﵇ وإبطالٌ له إثرَ بيانِ افترائِهم على الله سبحانه وإبطالِه أي ما صح وما استقام لأحد وإنما قيل لِبَشَرٍ إشعاراً بعلة الحُكم فإن البشريةَ منافية للأمر الذي أسنده الكفرَةُ إليهم
﴿أَن يُؤْتِيهُ الله الكتاب﴾ الناطقَ بالحق الآمرَ بالتوحيد الناهيَ عن الإشراك
﴿والحكم﴾ الفهمُ والعلم أو الحكمةُ وهي السنة والنبوة
﴿ثُمَّ يَقُولَ﴾ ذلك البشرُ بعدما شرفه الله بما ذُكر من التشريفات وعرّفه الحقَّ وأطلعه على شئونه العالية
﴿لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لّى﴾ الجارُّ متعلقٌ بمحذوفٍ هو صفةٌ عبادا أي عباداً كائنين
﴿مِن دُونِ الله﴾ متعلقٌ بلفظ عباداً لما فيه من معنى الفعل أو صفةٌ ثانيةٌ له ويحتمِلُ الحاليةَ لتخصيص النكرةِ بالوصف أي متجاوزينَ الله تعالى سواءٌ كان ذلك استقلالاً أو اشتراكاً فإن التجاوزَ متحققٌ فيهما حتماً قيل إن أبا رافعٍ القُرَظيّ والسيدَ النجرانيَّ قالا لرسول الله ﷺ أتريد أن نعبُدَك ونتخِذَك رباً فقال ﵇ معاذَ الله أن يُعبَدَ غيرُ الله تعالى وأن نأمرَ بعبادة غيرِه تعالى فما بذلك بعثني ولا بذلك أمرَني فنزلت وقيل قال رجلٌ من المسلمين يا رسول الله نسلِّم عليك كما يُسلّم بعضُنا على بعض أفلا نسجُد لك قال ﵇ لا ينبغي أن يُسجَدَ لأحد من دونِ الله تعالَى ولكن أكرِموا نبيَّكم واعرِفوا الحقَّ لأهله
﴿ولكن كُونُواْ﴾ أي ولكن يقولُ كونوا
﴿ربانيين﴾ الربانيُّ منسوبٌ إلى الرب بزيادة الألف والنون كاللحياني والرقباني وهو الكاملُ في العلم والعمل الشديدُ التمسكِ بطاعة الله ودينِه
﴿بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ الكتاب وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ أي بسبب مُثابرتِكم على تعليم الكتابِ ودراستِه أي قراءتِه فإن جعْلَ خبرِ كان مضارعاً لإفادة الاستمرارِ التجددي وتكريرُ بما كنتم للإيذان باستقلال كلَ من استمرار التعليم واستمرار
стр. 699
٨٠ - ٨١ آل عمران
القراءةِ بالفضل وتحصيلِ الربانية وتقديمُ التعليم على الدراسة لزيادة شرفِه عليها أو لأن الخطابَ الأولَ لرؤسائهم والثاني لمن دونهم وقرئ تَعْلمون بمعنى عالمين وتُدَرِّسون من التدريس وتُدْرِسون من الإدراس بمعنى التدريس كأكرم بمعنى كرُم ويجوز أن تكون القراءةُ المشهورةُ أيضاً بهذا المعنى على تقدير بما تدْرُسونه على الناس
стр. 700
﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الملائكة والنبيين أَرْبَابًا﴾ بالنصب عطفاً على ثم يقولَ ولا مزيدةٌ لتأكيد معنى النَّفيِ في قوله تعالى ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ أي ما كان لبشر أن يستنبِئَه الله تعالى ثم يأمرَ الناس بعبادة نفسِه ويأمرَ باتخاذ الملائكةِ والنبيين أرباباً وتوسيطُ الاستدراك بين المعطوفَين للمسارعة إلى تحقيق الحقِّ ببيان ما يليق بشأنه ويحِقُّ صدورُه عنه إثرَ تنزيهِه عمَّا لا يليقُ بشأنه ويمتنِعُ صدورُه عنه وأما ماقيل من أنها غيرُ مزيدةٍ على معنى أنه ليس له أن يأمُرَ بعبادته ولا يأمرَ باتخاذِ أكفائِه أرباباً بل ينهى عنه وهو أدنى من العبادة فيقضي بفساده ما ذُكِر من توسيط الاستدراكِ بين الجملتين المتعاطفتين ضرورةَ أنهما حينئذ في حكم جملةٍ واحدة وكذا قوله تعالى
﴿أَيَأْمُرُكُم بالكفر﴾ فإنه صريحٌ في أن المرادَ بيانُ انتفاءِ كِلا الأمرَين قصداً لا بيانُ انتفاءِ الأولِ لانتفاءِ الثاني ويعضُده قراءةُ الرفعِ على الاستئناف وتجويزُ الحالية بتقدير المبتدإ أي وهو لا يأمرَكم إلى آخره بيِّنُ الفساد لما عرَفته آنفاً وقولُه تعالى
﴿بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ يدل على أن الخطابَ للمسلمين وهم المستأذنون للسجود له عليه السلام
стр. 701
﴿وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين﴾ منصوبٌ بمضمرٍ خُوطب به النبيُّ ﷺ أي اذكر وقت أخذه تعالى ميثاقهم
﴿لما آتيتكم مّن كتاب وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾ قيل هو على ظاهره وإذا كان هذا حكمَ الأنبياءِ ﵈ كان الأممُ بذلك أولى وأحرى وقيل معناه أخذُ الميثاقِ من النبيين وأممِهم واستُغنيَ بذكرهم عن ذكرهم وقيل إضافةُ الميثاقِ إلى النبيين إضافةٌ إلى الفاعل والمعنى وإذْ أخذ الله الميثاقَ الذي وثّقه الأنبياءُ على أممهم وقيل المرادُ أولادُ النبيين على حذف المضاف وهم بنو إسرئيل أو سماهم نبيين تهكّماً بهم لأنهم كانوا يقولون نحن أولى بالنبوة من محمدٍ ﷺ لأنا أهلُ الكتاب والنبيون كانوا منا واللام في لَّمّاً موطئةٌ للقسم لأن أخذ الميثاق بمعنى الاستحلاف وما تحتملُ الشرطيةَ ولتُؤمِنُنّ سادٌّ مسدَّ جوابِ القسم والشرط وتحتمل الخبرية وقرئ لَّمّاً بالكسر عَلى أنَّ مَا مصدريةٌ أي لأجل إيتائي إياكم بعضَ الكتاب ثم لمجئ رسولٍ مصدقٍ أخذَ الله لميثاق لتؤمِنُنَّ به ولتنصُرُنه أو موصولةٌ والمعنى أخذُه الذي آتيتُكموه وجاءكم رسولٌ مصدقٌ له وقرئ لَمّا بمعنى حين آتيتُكم أو لَمِنْ أجل ما آتيتُكم على أن أصله لَمِنْ ما بالإدغام فحُذف إحدى الميمات الثلاثِ استثقالاً
﴿قَالَ﴾ أي الله تعالى بعدَ ما اخذ الميثاق
﴿أأقررتم﴾ بما ذُكر
﴿وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِى﴾
стр. 702
أي عهدي سُمّيَ به لأنه يؤصَرُ أي يُشَدّ وقرئ بضم الهمزة إما لغةٌ كعبر وعبر أو جمع إصار وهو ما يشد به
﴿قَالُواْ﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على السؤالِ كأنه قيل فماذا قالوا عند ذلك فقيل قالوا
﴿أَقْرَرْنَا﴾ وإنما لم يذكر أخذهم الإصر اكتفاءً بذلك
﴿قَالَ﴾ تعالى
﴿فَأَشْهِدُواْ﴾ أي فليشهدْ بعضُكم على بعض بالإقرار وقيل الخطابُ فيه للملائكة
﴿وَأَنَاْ مَعَكُمْ مّنَ الشاهدين﴾ أي وأنا أيضاً على إقراركم ذلك وتشاهدكم شاهدٌ وإدخالُ مع على المخاطبين لما أنهم المباشِرون للشهادة حقيقةً وفيه من التأكيد والتحذير مالا يخفى
стр. 703
﴿فَمَنْ تولى﴾ أي أعرض عما ذكر
﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ الميثاقِ والتوكيدِ بالإقرار والشهادة فمعنى البُعد في اسم الإشارةِ لتفخيم الميثاق
﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى مَنْ والجمع باعتبارِ المَعْنى كَما أنَّ الإفراد في تولى باعتبار اللفظ وما فيه من معنى البعد للدلالة على تَرامي أمرهِم في السوءوبعد منزلتهم في الشروالفساد أي فأولئك المُتولُّون المتّصفون بالصفات القبيحةِ
﴿هُمُ الفاسقون﴾ المتمرِّدون الخارجون عن الطاعة من الكَفَرة فإن الفاسقَ من كل طائفةٍ مَنْ كان متجاوزاً عن الحد
стр. 704
﴿أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ﴾ عطفٌ على مقدرٍ أي أيتوَلَّوْن فيبغون غيرَ دينِ الله وتقديمُ المفعولِ لأنه المقصودُ إنكارُه أو على الجملة المتقدمةِ والهمزةُ متوسطةٌ بينهما للإنكار وقرئ بتاء الخطاب على تقدير وقل لهم
﴿وَلَهُ أَسْلَمَ من في السماوات والارض﴾ جملةٌ حاليةٌ مفيدةٌ لوكادة الإنكار
﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ أي طائعين بالنظر واتباعِ الحجةِ وكارهين بالسيف ومعاينةِ ما يلجىء الى الأسلام كنَتْق الجبلِ وإدراكِ الغرقِ والإشرافِ على الموت أو مختارين كالملائكة والمؤمنين ومسخَّرين كالكفرة فإنهم لايقدرون على الامتناع عما قُضيَ عليهم
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ أي مَنْ فيهما والجمعُ باعتبار المعنى وقرئ بتاء الخطاب والجملةُ إما معطوفةٌ على ما قبلها منصوبة على الحالية وإما مستأنفةٌ سيقت للتهديد والوعيد
стр. 705
﴿قل آمنا بالله﴾ أمر للرسول ﷺ بأن يُخبرَ عن نفسه وَمَنْ مَعَهُ من المؤمنينَ بالإيمان بما ذُكر وجمعُ الضَّمير في قولِه تعالى
﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا﴾ وهو القرآنُ لما أنه منزلٌ عليهم أيضاً بتوسط تبليغِه إليهم أو لأن المنسوبَ إلى واحد من الجماعة قد يُنسَب إلى الكل أو عن نفسه فقط وهو الأنسبُ بما بعده والجمعُ لإظهار جلالةِ قدرِه ﵇ ورفعةِ محلِّه بأمره بأن يتكلَّم عن نفسه على دَيْدَن الملوكِ ويجوز أن يكون الأمرُ عاماً والإفرادُ لتشريفه ﵇ والإيذانِ بأنه ﵇ أصلٌ في ذلك كما في قوله تعالى يأيُّهَا النبى إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء
﴿وَمَا أُنزِلَ على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ وَالاسْبَاطَ﴾ من الصحُف والنزولُ كما يعدى بإلى لانتهائه إلى الرسل يعدى بعلى لأنه من
следующие страницы →