← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.

стр. 6406

﴿فلما آسفونا﴾ أي أغضبونا أشدَّ الغضبِ منقولٌ منْ أَسِفَ إذا أشتد اغضبه ﴿انتقمنا مِنْهُمْ فأغرقناهم أَجْمَعِينَ﴾ في اليمِّ

стр. 6407

﴿فجعلناهم سَلَفاً﴾ قدوةً لمن بعدَهُم من الكُفَّارِ يسلكونَ مسلكَهُم في استيجابِ مثلُ ما حلَّ بهم من العذابِ وهُو إما مصدرٌ نُعتَ بهِ أو جمعُ سالفٍ كخَدَمٍ جمعُ خادمٍ وقُرِىءَ بضمِّ السينِ واللامِ على أنَّه جمعُ سليفٍ أي فريقٍ قد سلفَ كرُغُفٍ أو سَالِفٍ كصُبُرٍ أو سَلَفٍ كأسدٍ وقُرِىءَ سُلَفاً بإبدالِ ضمةِ اللامِ

стр. 6408

٥٨ ٥٧ فتحةً أو على أنَّه جمعُ سُلْفةٍ أي ثُلَّةٍ قد سلفتْ ﴿وَمَثَلاً لّلأَخِرِينَ﴾ الى أي عظةً لهم أو قصةً عجيبةً تسيرُ مسيرَ الأمثالِ لَهُم فيقالُ مثلُكم مثلُ قومِ فرعونَ

стр. 6409

﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً﴾ أي ضربَهُ ابنُ الزِّبَعْرَى حينَ جادلَ رسولَ الله ﷺ في قولِه تعالى إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حطب جَهَنَّمَ حيثُ قالَ أهذَا لنا ولآلهتنا أو جميع الأممِ فقالَ ﵊ هو لكم ولآهلتكم ولجميع الأمم فقال ألا للعين خصمتك ورب الكعبة أليسَ النَّصارى يعبُدونَ المسيحَ واليهودَ عزيراً وبنوُ مُلَيحٍ الملائكةَ فإنْ كانَ هؤلاءِ في النَّارِ فقد رضينا أن نكونَ نحنُ وآلهتُنا معهُم ففرِحَ به قومُه وضحِكُوا وارتفعتْ أصواتُهم وذلكَ قولُه تعالى ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ﴾ أي من ذلك المثلِ ﴿يَصِدُّونَ﴾ أي يرتفعُ لهم جلية وضجيج فرحا وجدلا وقرى يَصُدُّونَ أيْ من أجلِ ذلكَ المثلِ يُعرضُونَ عنِ الحقِّ أي يثبُتونَ على ما كانُوا عليهِ من الأعتراض أو يزدادونَ فيهِ وقيلَ هو أيضاً من الصديدِ وهما لغتنا فيه نحوُ يَعْكُفُ ويَعْكِفُ وهو الأنسبُ بمَعْنى المفاجأةِ

стр. 6410

﴿وقالوا أَألِهْتنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ حكايةٌ لطرفٍ من المثلِ المضروبِ قالُوه تمهيداً لما بَنَوا عليهِ من الباطلِ المموه بما يغتربه السُّفهاءُ أي ظاهرٌ أنَّ عيسَى خيرٌ من آلهتِنا فحيثُ كانَ هُو في النَّارِ فلا بأسَ بكونِنا مع آلهتِنا فيَها واعلمُ أنَّ ما نُقلَ عنهم من الفرحِ ورفعِ الأصواتِ لم يكُن لما قيلَ من أنه ﵊ سكتَ عندَ ذلكَ إلى أنْ نزلَ قولُه تعالى إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى الآيةَ فإنَّ ذلكَ معَ إيهامِه لما يجبُ تنزيه ساحتِه ﵊ عنْهُ من شائبة الإفحان من أولِ الأمرِ خلافُ الواقعِ كيفَ لَا وقد رُويَ أن قولَ ابنِ الزبعري خصمتك ورب الكعبة صدرَ عنْهُ من أولِ الأمرِ عند سماعِ الآيةِ الكريمة فرد عليه النبيِّ ﷺ بقولِه ﵇ مَا أجهلك بغلة قومك أما فهمت أن حالم لا يعقلُ وإنَّما لم يخصَّ ﵇ هذا الحكمَ بآلهتِهم حينَ سألَ الفاجر عن المخصوص والعموم عملا من اختصاص كله مَا بغيرِ العُقلاءِ لأنَّ إخراجَ بعضِ المعبودينَ عنْهُ عند الحاجة موهمٌ للرخصةِ في عبادتِه في الجملةِ فعمَّمَهُ ﵇ للكلِّ لكنْ لا بطريقِ عبارةِ النصِّ بل بطريقِ الدلالة بجامعِ الاشتراكِ في المعبودية من دونِ الله تعالَى ثمَّ بينَ ﵊ بقولِه بل هم عبدو الشياطين التي أمرتهم بذلك أن الملائكةَ والمسيحَ بمعزلٍ من أنْ يكونُوا معبوديهم كما نطق به قوله تعالى سبحانك أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يعبدون لجن الآية وقد مر تحقيقُ المقامِ عند قولِه تعالى ﴿إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى﴾ الآيةَ بلْ إنَّما كانَ ما أظهرُوه من الأحوالِ المنكرةِ لمحضِ وقاحتِهم وتهالُكِهم على المكابرةِ والعنادِ كما ينطقُ به قولُه تعالى ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَاّ جَدَلَا﴾ أي ماضربوا لك وذلك المثلَ إلا لأجلِ الجدالِ والخصامِ لا لطلبِ الحقِّ حتَّى يذعنُوا له عندَ ظهورِه ببيانكَ ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ أي لُدٌّ شدادُ الخصومةِ مجبولونَ على المحك واللجاج وقيلا لمَّا سمعُوا قولَه تعالى إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ آدم خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ قالُوا نحنُ أهدَى من النَّصارى لأنَّهم عبدُوا آدمياً ونحنُ نعبدُ الملائكةَ فنزلتْ فقولُهم أَألِهْتنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ حينئذ

стр. 6411

٦١ ٥٩ تفضيل لآلهتِهم عَلَى عيسَى ﵇ لأنَّ المرادَ بهم الملائكةُ ومَعْنى ما ضربُوه الخ ما قالُوا هذا القولَ إلا للجدلِ وقيلَ لمانزلت إِنَّ مَثَلَ عيسى الآيةَ قالُوا ما يريدُ محمدٌ بهذَا إلا أنْ نعبدَهُ وأنه يستأهلُ أنْ يعبدَ وإنْ كانَ بشراً كما عبدتِ النَّصارى المسيحَ وهو بشرٌ ومَعْنى يَصِدُّونَ يَضجُّونَ ويضجرونَ والضميرُ في أمْ هُو لمحمدٍ ﵊ وغرضُهم بالموازنةِ بينَهُ ﵇ وبين آلهتمهم الاستهزاءُ به وقد جُوِّزَ أنْ يكونَ مرادُهم التنصلَ عمَّا أُنكرَ عليهم من قولَهم الملائكةُ بناتُ الله تعالَى ومن عبادتِهم لهم كأنَّهم قالُوا ما قُلنا بدعاً من القولِ ولا فعلنا منكر آمن الفعلِ فإنَّ النَّصارَى جعلُوا المسيحَ ابنَ الله وعبدُوه فنحنُ أشفُّ منُهم قولاً وفعلاً حيثُ نسبنَا إليهِ الملائكةَ وهُم نسبُوا إليهِ الأنَاسِيّ فقولُه تعالى

стр. 6412

﴿إِنْ هُوَ إِلَاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ أي بالنبوةِ ﴿وجعلناه مثلا لبني إسرائيل﴾ أي أمراً عجيباً حقيقاً بأن يسيرَ ذكرُه كالأمثالِ السائرةِ على الوجهِ الأولِ استئنافٌ مسوقٌ لتنزيههِ ﵇ عن أنْ يُنسبَ إليه ما نُسبَ إلى الأصنامِ بطريقِ الرمزِ كما نطقَ به صريحاً قولُه تعالى إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى الآيةَ وفيه تنبيهٌ على بُطلانِ رأي من رفعَهُ عن رُتبةِ العبوديةِ وتعريضٌ بفسادِ رأي مَنْ يَرَى رأيَهم في شأنِ الملائكةِ وعلى الثاني والرابح لبيانِ أنَّه قياسُ باطلٍ بباطلٍ أو بأبطلَ على زعمِهم وما عيسَى إلا عبدٌ كسائر العبيدِ قُصَارى أمرِه أنَّه ممن أنعمَنا عليهم بالنبوةِ وخصصنَاهُ ببعضِ الخواصِّ البديعةِ بأنْ خلقناهُ بوجهٍ بديعٍ وقد خلقَنا آدمَ بوجهٍ أبدعَ منْهُ فأينَ هُو من رُتبةِ الربوبيةِ ومن أينَ يتوهمُ صحةُ مذهبِ عبدتِه حتَّى يفتخرَ عبدةُ الملائكةِ بكونِهم أهْدَى منهُم أو يعتذرُوا بأنَّ حالَهم أشفُّ أو أخفُّ من حالِهم وأمَّا على الوجهِ الثَّالثِ فهو لردِّهم وتكذيبِهم في افترائِهم على رسُولِ الله ﷺ ببيانِ أنَّ عيسَى في الحقيقةِ وفيما أُوحيَ إلى الرسولِ عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ ليسَ إلَاّ أنُّه عبدٌ منعمٌ عليهِ كما ذُكِرَ فكيف يرصى ﵇ معبوديته أو كيفَ يُتوهُم الرضَا بمعبوديةِ نفسهِ وقولُه تعالَى

стр. 6413

﴿وَلَوْ نَشَاء﴾ الخ لتحقيقِ أنَّ مثلَ عيسَى ﵇ ليسَ ببدعٍ من قدرةِ الله وأنَّه تعالَى قادرٌ على أبدعَ منْ ذلكَ وأبرعَ مع التنبيهِ على سقوطِ الملائكةِ أيضاً من درجةِ المعبوديةِ أي قدرتُنا بحيثُ لو نشاءُ ﴿لَّجَعَلْنَا﴾ أي لخلقَنا بطريقِ التوالدِ ﴿مّنكُمْ﴾ وأنتمُ رجالٌ ليسَ من شأنِكم الولادةُ ﴿ملائكة﴾ كما خلقناهُم بطريقِ الإبداعِ ﴿فِى الأرض﴾ ٦ مستقرينَ فيها كما جعلناهُم مستقرينَ في السماءِ ﴿يَخْلُفُونَ﴾ أي يخلُفونكُم مثلَ أولادِكم فيمَا تأتونَ وما تذرونَ ويُباشرونَ الأفاعيلَ المنوطةَ بمباشرتِكم مع أنَّ شأنَهُم التسبيحُ والتقديسُ في السماءِ فمَنْ شأنُهم بهذه المثابةِ بالنسبةِ إلى القدرةِ الربانيةِ كيفَ يُتوهمُ استحقاقُهم للمعبوديةِ أو انتسابُهم إليهِ تعالى عن ذلك علوا

стр. 6414

﴿وَأَنَّهُ﴾ وإنَّ عيسَى ﴿لَعِلْمٌ لّلسَّاعَةِ﴾ أي إنَّه بنزولِه شرطٌ من أشراطِها وتسميتُه عِلماً لحصولِه به

стр. 6415

٦٦ ٦ ﴿ أو بحدوثِه بغيرِ أبٍ أو بإحياته المَوْتى دليلٌ على صحةِ البعثِ الذي هو معظمُ ما ينكرهُ الكفرةُ من الأمورِ الواقعة في الساعةِ وقُرِىءَ لَعَلمٌ أي علامةٌ وقُرِىءَ للعِلْم وقُرِىءَ لذِكرٌ على تسميةِ ما يُذكرُ بهِ ذكراً كتسميةَ ما يُعلمُ بهِ علماً وفي الحديثِ إنَّ عيسَى ﵇ ينزلُ على ثنيةٍ بالأرضِ المقدسةِ يقالُ لها أفيف وعليه نصرتان وبيدِه حَرْبةٌ وبها يقتلُ الدجال فأتى بيتَ المقدسِ والنَّاسُ في صلاةِ الصُّبحِ فيتأخرُ الإمامُ فيُقدِّمُهُ عيسَى ﵇ ويُصلِّي خلفَهُ على شريعةِ محمدٍ ﷺ ثم يقتلُ الخنازيرَ ويكسرُ الصليبَ ويُخرِّبُ البِيعَ والكنائسَ ويقتلُ النَّصارَى إلا منْ آمنَ به وقيلَ الضميرُ للقُرآنِ لِما أنَّ فيهِ الإعلامَ بالسَّاعةِ ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ فلا تشكُنَّ في وقوعِها ﴿واتبعون﴾ أيْ واتبعُوا هُدايَ أو شَرْعي أو رَسُولى وقيلَ هُو قولُ الرسولِ مأموراً من جهتِه تعالَى ﴿هذا﴾ أي الذي أدعُوكم إليهِ أو القُرآنُ على أنَّ الضميرَ في إنَّه لهُ ﴿صراط مُّسْتَقِيمٍ﴾ موصلٍ إلى الحقِّ

стр. 6416

﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشيطان﴾ عن اتِّباعِي ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ بيِّنُ العداوةِ حيثُ أخرجَ أباكُم من الجنةِ وعرَّضكُم للبليةِ

стр. 6417

﴿وَلَمَّا جَاء عيسى بالبينات﴾ أي بالمعجزاتِ أو بآياتِ الإنجيلِ أو بالشرائعِ الواضحاتِ ﴿قَالَ﴾ لبني إسرائيلَ ﴿قَدْ جِئْتُكُم بالحكمة﴾ أى الإنجيل أو الشريعة ﴿وَلأبَيّنَ لَكُم﴾ عكف علَى مقدرٍ ينبىءُ عنْهُ المجيء بالحكمة كأنه قيل قد جئتُكم بالحكمة لأعلِّمَكُم إيَّاها ولأبين لكم ﴿بَعْضَ الذى تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ وهُو ما يتعلقُ بأمورِ الدِّينِ وأما ما يتعلقُ بأمورِ الدُّنيا فليسَ بيانُه من وظائفِ الأنبياءِ ﵈ كما قال ﵇ أنتمُ أعلمُ بأمورِ دُنياكُم ﴿فاتقوا الله﴾ في مُخَالفتِي ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فيما أبلِّغُه عنْهُ تعالى

стр. 6418

﴿إِنَّ الله هُوَ رَبّى وَرَبُّكُمْ فاعبدوه﴾ بيانٌ لما أمرَهُم بالطاعةِ فيهِ وهُو اعتقادُ التَّوحيدِ والتَّعبدُ بالشرائعِ ﴿هذا﴾ أي التوحيدُ والتَّعبدُ باللشرائع ﴿صراط مُّسْتَقِيمٍ﴾ لا يضِلُّ سالِكُه وهُو إمَّا من تتمة كلامِه ﵇ أو استئنافٌ من جهتِه تعالى مقررٌ لمقالةِ عيسَى عليه السَّلامُ

стр. 6419

﴿فاختلف الأحزاب﴾ الفِرقُ المتحزبةُ ﴿مِن بَيْنِهِمْ﴾ أي مِن بينِ مَنْ بُعثَ إليهم من اليهود والنصرى ﴿فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ من المختلفينَ ﴿مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ هو يومُ القيامةِ

стр. 6420

﴿هَلْ يَنظُرُونَ﴾ أيْ ما ينتظرُ النَّاسُ ﴿إِلَاّ الساعة أَن تَأْتِيَهُمْ﴾ أي إلا إتيانَ الساعةِ ﴿بَغْتَةً﴾ أيْ فجأةً لكنْ لا عندَ كونِهم مترقبينَ لها بل غافلينَ عنها مشتغلينَ بأمورِ الدُّنيا منكرينَ لها وذلكَ قولُه تعالى ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾

стр. 6421

٦٧ ٧ ﴿

стр. 6422

﴿الأخلاء﴾ المتحابُّون في الدُّنيا على الإطلاقِ أو في الأمورِ الدُّنيويةِ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يومَ إذْ تأتيهُم الساعةُ ﴿بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ لانقطاعِ ما بينهم عن علائق الخلة والتحاب لهور كونِها أسباباً للعذابِ ﴿إِلَاّ المتقين﴾ فإنَّ خُلَّتَهم في الدُّنيا لمَّا كانتْ في الله تبقَى على حالِها بل تزدادُ بمشاهدةِ كلَ منهُم آثارَ خُلَّتِهم من الثوابِ ورفعِ الدَّرجاتِ والاستثناءُ على الأولِ متصلٌ وعلى الثاني منقطع

стр. 6423

﴿يا عبادِ لا خوفٌ عليكم اليوم ولا أنتم تَحْزَنُونَ﴾ حكايةٌ لما يُنادَى به المتقون المتاحبون في الله يومئذٍ تشريفاً لهم وتطيبا لقلوبهم

стр. 6424

﴿الذين آمنوا بآياتنا﴾ صفةٌ للمُنادَى أو نُصب على المدحِ ﴿وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ أي مُخلصينَ وجوهَهُم لنَا جاعلينَ أنفسَهُم سالمةً لطاعتِنا وهو حالٌ من واوِ آمنُوا عن مقاتلٍ إذَا بعثَ الله النَّاسَ فزعَ كلُّ أحدٍ فُينادِي منادٍ يا عبداى فيرفع الخلائق رؤسهم على الرجاءِ ثم يتبعُها الذينَ آمنُوا الآيةَ فينكِّسُ أهل الأديان الباطلة رؤسهم

стр. 6425

﴿ادخلوا الجنة أَنتُمْ وأزواجكم﴾ نسؤكم المؤمناتُ ﴿تُحْبَرُونَ﴾ تُسرُّون سروراً يظهرُ حَبارُه أي أثرُه على وجوهِكم أو تُزينونَ من الحَبَرةِ وهو حُسن الهيئةِ أو تُكرمونَ إكراماً بليغاً والحَبْرةُ المبالغةُ فيما وصفَ بجميلٍ

стр. 6426

﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾ بعدَ دخولِهم الجنَّةَ حسبَما أُمرِوا بهِ ﴿بصحاف مّن ذَهَبٍ وأكواب﴾ كذلك والصِّحافُ جمعُ صَحْفةٍ قيلَ هيَ كالقصعَةِ وقيلَ أعظمُ القِصَاعِ الجفنةُ ثم القصعة ثم المكيلةُ والأكوابُ جمعُ كوبٍ وهو كوزٌ لا عُروةَ لَهُ ﴿وَفِيهَا﴾ أي في الجَّنةِ ﴿مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس﴾ من فُنونِ الملاذِّ وقُرِىءَ ما تَشْتَهي ﴿وَتَلَذُّ الأعين﴾ أي تستلذُّه وتقرُّ بمشاهدتِه وقُرِىءَ وتلذُّهُ ﴿وَأَنتُمْ فِيهَا خالدون﴾ إتمامٌ للنعمةِ وإكمالٌ للسرورِ فإنَّ كلَّ نعيمٍ له زوالٌ بالآخرةِ مقارن لخوفِه لا محالةَ والالتفاتُ للتشريفِ

стр. 6427

﴿وَتِلْكَ الجنة﴾ مبتدأٌ وخبرٌ ﴿التى أُورِثْتُمُوهَا﴾ وقُرِىءَ وُرِّثتمُوهَا ﴿بما كنتم تعلمون﴾ في الدنيا من الأعمال الصالحةِ شبَّه جزاءَ العملِ بالميراثِ لأنَّه يخلُفه العامل عليه وقيلَ تلكَ الجنةُ مبتدأٌ وصفةٌ والموصولُ مع صلتِه خبرُه وقيلَ هو صفةُ الجنةُ كالوجهِ الأولِ والخبر بما كنتم تعلمون فتتعلقُ الباءُ بمحذوفٍ لا بأورثتموها كما ففبي الأولَينِ

стр. 6428

﴿لَكُمْ فِيهَا فاكهة كَثِيرَةٌ﴾ بحسبِ الأنواعِ والأصنافِ

стр. 6429

٧٩ ٧٤ لا بحسب الأفردا فقطْ ﴿مّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ أي بعضَها تأكلونَ في كلِّ نوبةٍ وأمَّا الباقِي فَعَلى الأشجارِ على الدوامِ لا ترى فيها شجرةً خلتْ عن ثمرِهَا لحظةً فهي مزينةٌ بالثمارِ أبداً مُوقَرةٌ بها وعن النبيِّ ﷺ لا ينزع رجل في الحنة من ثمرِها إلا نبتَ مثلَاها مكانَها

стр. 6430

﴿إن المجرمين﴾ أى الرسخون في الإجرامِ وهم الكفارُ حسبما بنيىء عنْهُ إيرادُهم في مقابلةِ المؤمنينَ بالآياتِ ﴿فِى عَذَابِ جَهَنَّمَ خالدون﴾ خبرُ إنَّ أو خالدونَ هُو الخبرُ وفي متعلقةٌ بهِ

стр. 6431

﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ أي لا يخففُ العذابُ عنُهم من قولِهم فَتَرتْ عنْهُ الحُمَّى إذا سكنِتْ قليلاً والتركيبُ للضعفِ ﴿وَهُمْ فِيهِ﴾ أي في العذابِ وقُرِىءَ فيَها أي في النَّارِ ﴿مُّبْلِسُونَ﴾ آيسونَ منَ النَّجاةِ

стр. 6432

﴿وَمَا ظلمناهم﴾ بذلكَ ﴿ولكن كَانُواْ هُمُ الظالمين﴾ لتعريضِهم أنفسَهُم للعذابِ الخالدِ

стр. 6433

﴿وَنَادَوْاْ﴾ خازنَ النَّارِ ﴿يا مالك﴾ وقُرِىءَ يا مَالِ على التَّرخيمِ بالضمِّ والكسرِ ولعلَّه رمزٌ إلى ضعفِهم وعجزِهِم عن تأديةِ اللفظِ بتمامِه ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ أي لِيُمتنا حتَّى نستريحَ من قضَى عليه إذا أماتَهُ والمعنى سَلْ ربَّك أنْ يقضي علينا وهَذا لا يُنافِي ما ذُكرَ من إبلاسِهم لأنَّه جؤارٌ وتمنَ للموتِ لفرطِ الشدَّةِ ﴿قَالَ إِنَّكُمْ ماكثون﴾ أيْ فِي العذابِ أبداً لا خلاصَ لكُم منْهُ بموتٍ ولا بغيرِه عن ابنِ عباس ﵄ أنَّه لا يُجيبُهم إلا بعدَ ألفِ سنةٍ وقيلَ بعد مائةٍ وقيلَ بعدَ أربعينَ سنةً

стр. 6434

﴿لَقَدْ جئناكم بالحق﴾ في الدنيا بإرسال الرسل واتزال الكتبِ وهو خِطَابُ توبيخٍ وتقريعٍ من جهةِ الله تعالَى مقررٌ لجوابِ مالكٍ ومبينٌ لسببِ مكثِهم وقيلَ في قالَ ضميرُ الله تعالَى ﴿ولكن أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقّ﴾ أي حقَ كانَ ﴿كارهون﴾ لا يقبلونَهُ وينفرونَ عنْهُ أما الحقُّ المعهودُ الذي هو التوحيدُ أو القرآنُ فكلُّهم كارهونَ له مشمئزّونَ منْهُ

стр. 6435

﴿أَمْ أَبْرَمُواْ أَمْراً﴾ كلامٌ مبتدأٌ ناعٍ على المشركينَ ما فعلوا من الكد برسولِ الله ﷺ وأم منطقة وما فيها من معنى بلْ للانتقالِ من توبيخِ أهلِ النَّارِ إلى حكايةِ جنايةِ هؤلاءِ والهمزةُ للإنكارِ فإنْ أُريدَ بالإبرامِ الإحكامُ حقيقةً فهيَ لإنكارِ الوقوعِ واستبعادِه وإنْ أُريدَ الإحكامُ صورةً فهيَ لإنكارِ الواقعِ واستقباحِه أيْ أأبرمَ مشركُو مكَة أمراً من كيدِهم ومكرهم برسولِ الله ﷺ ﴿فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾ كيدنَا حقيقةً لاهم أو فإنَّا مبرمونَ كيدنَا بهم حقيقة كام ابرموا أكيدهم صورةً كقولِه تعالى أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فالذين كَفَرُواْ هُمُ المكيدون وكانُوا يتناجَون في أنديتِهم ويتشاورُون في أمورِه

стр. 6436

٨٤ ٨٠ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ

стр. 6437

﴿أَمْ يَحْسَبُونَ﴾ أي بلْ أيحسبونَ ﴿أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾ وهو ما حدَّثُوا به أنفسَهُم أو غيرَهُم في مكان خال ﴿نجواهم﴾ أي ما تكلمُوا به فيما بينهم بطريقِ التَّناجِي ﴿بل﴾ نحن نسمعُهما ونطَّلِعُ عليهما ﴿وَرُسُلُنَا﴾ الذينَ يحفظونَ عليهم أعمالَهم ويلازمونَهم أينَما كانُوا ﴿لَدَيْهِمْ﴾ عندَهُم ﴿يَكْتُبُونَ﴾ أي يكتبونهما أو يكتبونَ كلَّ ما صدرَ عنهُم من الأفعال والأقوال التي من جملتها ما ذكر من سرهم ونجوهم والجملة إما عطف على ما يترجمُ عنْهُ بَلَى أو حال أى نسمعها والحالُ أنَّ رسلَنا يكتبونَ

стр. 6438

﴿قُلْ﴾ أي للكَفرةِ تحقيقاً للحقِّ وتنبيهاً لهم على أنَّ مخالفتَكَ لهم بعدمِ عبداتك لما يعبدونَهُ من الملائكةِ ﵈ ليستْ لبغضِكَ وعداوتك لهم أو لمبعوديهم بلْ إنَّما هُو لجزمِكَ باتسحالة ما نسبُوا إليهم وبنَوا عليها عبادتَهُم من كونِهم بناتِ الله تعالى ﴿إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ فأنا أول العابدين﴾ أيْ لَهُ وذلكَ لأنه ﵊ أعلم الناس بشؤنه تعالى وبما تجوز عليهِ وبما لا يجوزُ وأولاهُم بمراعاةِ حقوقِه ومن مواجبِ تعظيمِ الوالدِ تعظيمُ ولدِه وفيهِ من الدلالةِ على انتفاءِ كونِهم كذلكَ على أبلغِ الوجوهِ وأقوَاها وعلى كونِ رسولِ الله ﷺ على قوةِ يقينٍ وثباتِ قدمٍ في بابِ التَّوحيدِ ما لا يخفى مع ما فيه من استنزالِ الكفرةِ عن رُتبةِ المكابرةِ حسبمَا يُعربُ عنْهُ إيرادُ إِنْ مكانَ لَوْ المنبئةِ عن امتناعِ مقدمِ الشرطيةِ وقيلَ إِن كَانَ للرحمنِ وَلَدٌ في زعمِكم فأنَا أولُ العابدينَ الموحدينَ لله تعالَى وقيلَ فأَنا أولُ الآنفينَ أي المستنكفينَ منْهُ أو منْ أنْ يكونَ له ولدٌ منْ عَبِدَ يَعْبَدُ إذَا اشتدَّ أَنَفُه وقيلَ إنْ نافيةٌ أي ما كَانَ للرحمنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أولُ من قالَ بذلكَ وقُرِىءَ وُلْدٌ

стр. 6439

﴿سبحان رب السماوات والأرض رَبّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي يصفونَهُ بهِ من أن يكون له ولدٌ وفي إضافةِ اسمِ الربِّ إلى أعظمِ الأجرامِ وأقواها تنبيهٌ على أنَّها وما فياه من المخلوقاتِ حيثُ كانتْ تحتَ ملكوتِه وربوبيتِه كيفَ يتوهمُ أنْ يكونَ شيءٌ منها جزا منْهُ سبحانَهُ وفي تكريرِ اسم الربِّ تفخيمٌ لشأنِ العرشِ

стр. 6440

﴿فَذَرْهُمْ﴾ حيثُ لم يُذعنُوا للحقِّ بعد ما سمعُوا هذا البرهانَ الجليَّ ﴿يَخُوضُواْ﴾ في أباطيلِهم ﴿وَيَلْعَبُواْ﴾ في دُنياهُم فإنَّ ما هُم فيهِ من الأفعالِ والأقوالِ ليستْ إلا من بابِ الجهلِ واللعبِ والجزمُ في الفعلِ لجوابِ الأمرِ ﴿حتى يلاقوا يَوْمَهُمُ الذى يُوعَدُونَ﴾ من يومِ القيامةِ فإنَّهم يومئذٍ يعلمونَ ما فعلُوا وما يُفعلُ بهم

стр. 6441

﴿وَهُوَ الذى فِى السماء إله وَفِى الأرض إله﴾ الظرفانِ متعلقانِ بالمَعْنى الوصفيِّ الذى يتنبىء عنْهُ الاسمُ الجليلُ من مَعْنى المعبوديةِ بالحقِّ بناءً على اختصاصهِ

стр. 6442

٨٩ ٨٥ بالمعبودِ بالحقِّ كما مرَّ في تفسيرِ البسملةِ كأنَّه قيال وهُو الذي مستحقٌّ لأنْ يعبدَ فيهمَا وقد مرَّ تحقيقُه في سورةِ الأنعامِ وقُرىءَ وَهُوَ الذي فِى السماءِ الله وفي الأرضِ الله والراجعُ إلى الموصولِ مبتدأٌ قد حذفَ لطولِ الصلةِ بمتعلقِ الخبرِ والعطفِ عليهِ ولا مساغَ لكونِ الجارِّ خبراً مقدماً وإلهٌ مبتدأٌ مؤخرٌ للزومِ عراءِ الجُملةِ حينئذٍ عن العائدِ نعم يجوز أن يكون صلةً للموصولِ وإلهٌ خبراً لمبتدأٍ محذوفٍ على أنَّ الجملةَ بيانٌ للصلةِ وأنَّ كونَهُ في السماءِ على سبيلِ الإلهيةِ لا على سبيلِ الاستقرارِ وفيهِ نفيُ الآلهةِ السماويةِ والأرضيةِ وتخصيصٌ لاستحقاقِ الإلهيةِ به تعالَى وقولُه تعالَى ﴿وَهُوَ الحكيم العليم﴾ كالدليلِ على ما قبلَهُ

стр. 6443

﴿وَتَبَارَكَ الذى لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ إمَّا على الدوامِ كالهواءِ أو في بعضِ الأوقاتِ كالطيرِ ﴿وَعِندَهُ عِلْمُ الساعة﴾ أي العلمُ بالساعةِ التي فيها تقومُ القيامةُ ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ للجزاءِ والالتفاتُ للتهديدِ وقُرِىءَ على الغيبة وقرىء تحشرون بالتاء

стр. 6444

﴿وَلَا يَمْلِكُ الذين يَدْعُونَ﴾ أي يدعُونهم وقُرِىءَ بالتَّاءِ مخففاً ومشدداً ﴿مِن دُونِهِ الشفاعة﴾ كما يزعمُونَ ﴿إِلَاّ مَن شَهِدَ بالحق﴾ الذي هُو التوحيدُ ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ بما يشهدونَ بهِ عن بصيرةٍ وإيقانٍ وإخلاصٍ وجمعُ الضميرِ باعتبارِ مَعْنى مَنْ كمَا أنَّ الإفرادَ أولاً باعتبارِ لفظِها والاستثناءُ إمَّا متصلٌ والموصولُ عامٌّ لكلِّ ما يُعبد من دونِ الله أو مُنفصلٌ على أنَّه خاصٌّ بالأصنامِ

стр. 6445

﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ﴾ أى سألت العابدين والمبعودين ﴿لَيَقُولُنَّ الله﴾ لتعذرِ الإنكارِ لغايةِ بطلانِه ﴿فأنى يُؤْفَكُونَ﴾ فكيفَ يُصرفونَ عن عبادتِه إلى عبادةِ غيرِه مع اعترافِهم بكونِ الكلِّ مخلوقاً له تعالى
следующие страницы →