Полный текст (8 642 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
﴿وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين﴾ منصوبٌ بمضمرٍ خُوطب به النبيُّ ﷺ أي اذكر وقت أخذه تعالى ميثاقهم
﴿لما آتيتكم مّن كتاب وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾ قيل هو على ظاهره وإذا كان هذا حكمَ الأنبياءِ ﵈ كان الأممُ بذلك أولى وأحرى وقيل معناه أخذُ الميثاقِ من النبيين وأممِهم واستُغنيَ بذكرهم عن ذكرهم وقيل إضافةُ الميثاقِ إلى النبيين إضافةٌ إلى الفاعل والمعنى وإذْ أخذ الله الميثاقَ الذي وثّقه الأنبياءُ على أممهم وقيل المرادُ أولادُ النبيين على حذف المضاف وهم بنو إسرئيل أو سماهم نبيين تهكّماً بهم لأنهم كانوا يقولون نحن أولى بالنبوة من محمدٍ ﷺ لأنا أهلُ الكتاب والنبيون كانوا منا واللام في لَّمّاً موطئةٌ للقسم لأن أخذ الميثاق بمعنى الاستحلاف وما تحتملُ الشرطيةَ ولتُؤمِنُنّ سادٌّ مسدَّ جوابِ القسم والشرط وتحتمل الخبرية وقرئ لَّمّاً بالكسر عَلى أنَّ مَا مصدريةٌ أي لأجل إيتائي إياكم بعضَ الكتاب ثم لمجئ رسولٍ مصدقٍ أخذَ الله لميثاق لتؤمِنُنَّ به ولتنصُرُنه أو موصولةٌ والمعنى أخذُه الذي آتيتُكموه وجاءكم رسولٌ مصدقٌ له وقرئ لَمّا بمعنى حين آتيتُكم أو لَمِنْ أجل ما آتيتُكم على أن أصله لَمِنْ ما بالإدغام فحُذف إحدى الميمات الثلاثِ استثقالاً
﴿قَالَ﴾ أي الله تعالى بعدَ ما اخذ الميثاق
﴿أأقررتم﴾ بما ذُكر
﴿وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِى﴾
стр. 702
أي عهدي سُمّيَ به لأنه يؤصَرُ أي يُشَدّ وقرئ بضم الهمزة إما لغةٌ كعبر وعبر أو جمع إصار وهو ما يشد به
﴿قَالُواْ﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على السؤالِ كأنه قيل فماذا قالوا عند ذلك فقيل قالوا
﴿أَقْرَرْنَا﴾ وإنما لم يذكر أخذهم الإصر اكتفاءً بذلك
﴿قَالَ﴾ تعالى
﴿فَأَشْهِدُواْ﴾ أي فليشهدْ بعضُكم على بعض بالإقرار وقيل الخطابُ فيه للملائكة
﴿وَأَنَاْ مَعَكُمْ مّنَ الشاهدين﴾ أي وأنا أيضاً على إقراركم ذلك وتشاهدكم شاهدٌ وإدخالُ مع على المخاطبين لما أنهم المباشِرون للشهادة حقيقةً وفيه من التأكيد والتحذير مالا يخفى
стр. 703
﴿فَمَنْ تولى﴾ أي أعرض عما ذكر
﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ الميثاقِ والتوكيدِ بالإقرار والشهادة فمعنى البُعد في اسم الإشارةِ لتفخيم الميثاق
﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى مَنْ والجمع باعتبارِ المَعْنى كَما أنَّ الإفراد في تولى باعتبار اللفظ وما فيه من معنى البعد للدلالة على تَرامي أمرهِم في السوءوبعد منزلتهم في الشروالفساد أي فأولئك المُتولُّون المتّصفون بالصفات القبيحةِ
﴿هُمُ الفاسقون﴾ المتمرِّدون الخارجون عن الطاعة من الكَفَرة فإن الفاسقَ من كل طائفةٍ مَنْ كان متجاوزاً عن الحد
стр. 704
﴿أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ﴾ عطفٌ على مقدرٍ أي أيتوَلَّوْن فيبغون غيرَ دينِ الله وتقديمُ المفعولِ لأنه المقصودُ إنكارُه أو على الجملة المتقدمةِ والهمزةُ متوسطةٌ بينهما للإنكار وقرئ بتاء الخطاب على تقدير وقل لهم
﴿وَلَهُ أَسْلَمَ من في السماوات والارض﴾ جملةٌ حاليةٌ مفيدةٌ لوكادة الإنكار
﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ أي طائعين بالنظر واتباعِ الحجةِ وكارهين بالسيف ومعاينةِ ما يلجىء الى الأسلام كنَتْق الجبلِ وإدراكِ الغرقِ والإشرافِ على الموت أو مختارين كالملائكة والمؤمنين ومسخَّرين كالكفرة فإنهم لايقدرون على الامتناع عما قُضيَ عليهم
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ أي مَنْ فيهما والجمعُ باعتبار المعنى وقرئ بتاء الخطاب والجملةُ إما معطوفةٌ على ما قبلها منصوبة على الحالية وإما مستأنفةٌ سيقت للتهديد والوعيد
стр. 705
﴿قل آمنا بالله﴾ أمر للرسول ﷺ بأن يُخبرَ عن نفسه وَمَنْ مَعَهُ من المؤمنينَ بالإيمان بما ذُكر وجمعُ الضَّمير في قولِه تعالى
﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا﴾ وهو القرآنُ لما أنه منزلٌ عليهم أيضاً بتوسط تبليغِه إليهم أو لأن المنسوبَ إلى واحد من الجماعة قد يُنسَب إلى الكل أو عن نفسه فقط وهو الأنسبُ بما بعده والجمعُ لإظهار جلالةِ قدرِه ﵇ ورفعةِ محلِّه بأمره بأن يتكلَّم عن نفسه على دَيْدَن الملوكِ ويجوز أن يكون الأمرُ عاماً والإفرادُ لتشريفه ﵇ والإيذانِ بأنه ﵇ أصلٌ في ذلك كما في قوله تعالى يأيُّهَا النبى إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء
﴿وَمَا أُنزِلَ على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ وَالاسْبَاطَ﴾ من الصحُف والنزولُ كما يعدى بإلى لانتهائه إلى الرسل يعدى بعلى لأنه من
стр. 706
٨٥ - ٨٦ آل عمران
فوق ومن رام بأن على لكون الخطاب للنبي ﷺ وإلى لكون الخطاب للمؤمنين فقد تعسف ألا يُرى إلى قوله تعالى ﴿بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ﴾ الخ وقوله ﴿آمنوا بالذي أنزِل على الذين آمنوا﴾ الخ وإنما قدم المُنْزلُ على الرسول ﷺ على ما أنزِل على سائر الرسل ﵈ مع تقدّمه عليه نزولاً لأنه المعروفُ له والعيار عليه والأسباطُ جمع سِبْط وهو الحافد والمراد بهم حفدة يعقوب ﵇ وأبناؤه الاثنا عشرَ وذراريهم فإنهم حفدةُ إبراهيمَ ﵇
﴿وَمَا أُوتِىَ موسى وعيسى﴾ من التوراة والإنجيل وسائرِ المعجزاتِ الظاهرةِ بأيديهما كما ينبئ عنه إيثارُ الإيتاءِ على الإنزال الخاصِّ بالكتاب وتخصيصُهما بالذكر لما أن الكلام مع اليهود والنصارى
﴿والنبيون﴾ عطفٌ على مُوسى وعيسى ﵉ أي وما أوتي النبيون من المذكورين وغيرهم
﴿من ربهم﴾ من الكتب والمعجزات
﴿لَا نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ منهم﴾ كدأب اليهود والنصارى آمنوا ببعض وكفروا ببعض بل نؤمن بصِحةِ نبوةِ كلَ منهم وبحقّية ما أُنزل إليهم في زمانهم وعدمُ التعرّضِ لنفي التفريق بين الكتب لاستلزام المذكورِ إياه وقد مر تفصيله في تفسير قولِه تعالى ﴿لَا نفرِّق بَيْنَ أَحَدٍ من رُّسُلِهِ﴾ وهمزة أحدٍ إما أصلية فهو اسم موضوع لمن يصلح أن يخاطب يستوي فيه المفردُ والمثنى والمجموعُ والمذكرُ والمؤنث ولذلك صح دخولُ بين عليه كما في مثل المال بين الناس وإما مُبدلةٌ من الواو فهو بمعنى واحد وعمومُه لوقوعه في حيز النفي وصحة دخول بين عليه باعتبار معطوفٍ قد حُذف لظهوره أي بين أحدٍ منهم وغيرِه كما في قول النَّابغةِ ... فمَا كانَ بين الخيرِ إذ جاءَ سالما ... أبُو حَجَرٍ إلا ليالٍ قلائلُ ...
أي بين الخيرِ وبينِي
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أي منقادون او مخلصون له تعالى أنفسنا لا نجعلُ له شريكاً فيها وفيه تعريضٌ بإيمان أهلِ الكتاب فإنه بمعزل من ذلك
стр. 707
﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام﴾ أي غيرَ التوحيد والانقيادِ لحكم الله تعالى كدأب المشركين صريحاً والمدّعين للتوحيد مع إشراكهم كأهل الكتابين
﴿دِينًا﴾ ينتحِلُ إليه وهو نصب على أنه مفعول ليبتغ وغيرَ الإسلام حال منه لما أنه كان صفةً له فلما قُدِّمت عليه انتصبت حالاً أو هو المفعول ودينا وتمييز لما فيه من الإبهامِ أو بدلٌ من غيرَ الإسلام
﴿فَلَن يُقْبَلَ﴾ ذلك
﴿مِنْهُ﴾ أبداً بل يُردّ أشدَّ ردَ وأقبحَه وقوله تعالى
﴿وَهُوَ فِى الاخرة مِنَ الخاسرين﴾ إِمَّا حالٌ منَ الضميرِ المجرور أو استئنافٌ لا محلَّ له من الإعراب أي من الواقعين في الخُسران والمعنى أن المعرض عن الإسلامَ والطالبُ لغيره فاقدٌ للنفع واقعٌ في الخسران بإبطال الفطرةِ السليمةِ التي فُطر الناسُ عليها وفي ترتيب الرد والخُسران على مجرد الطلبِ دَلالةٌ على أن حال من تدين بغيرالإسلام واطمأنّ بذلك أفظعُ وأقبحُ واستُدل به على أنَّ الإيمانَ هو الإسلامُ إذْ لو كان غيرَه لم يقبل والجوابُ أنه ينفي قَبولَ كلِّ دينٍ يُغايرُه لا قبولَ كل ما يغاريره
стр. 708
﴿كَيْفَ يَهْدِى الله﴾ إلى الحق
стр. 709
٨٧ - ٨٨ ٨٩ ٩٠ آل عمران
﴿قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إيمانهم﴾ قيل هم عشرَةُ رهطٍ ارتدوا بعد ما آمنوا ولحِقوا بمكةَ وقيل هم يهودُ قُريظةَ والنَّضِير ومَنْ دان بدينهم كفروا بالنبي ﷺ بعد أن كانوا مؤمنين به قبل مَبْعثِه
﴿وَشَهِدُواْ أَنَّ الرسول حَقٌّ وَجَاءهُمُ البينات﴾ استبعادٌ لأن يهديَهم الله تعالى فإن الحائدَ عن الحق بعد ما وضَحَ له منهمِكٌ في الضلال بعيدٌ عن الرشاد وقيل نفيٌ وإنكار له وذلك يقتضي أن لا تقبلَ توبةُ المرتد وقوله تعالى وَشَهِدُواْ عطفٌ على إيمانهم باعتبار انحلالِه إلى جملة فعليةٍ كما في قوله تعالى ﴿إِنَّ المصدقين والمصدقات وَأَقْرَضُواْ الله﴾ الخ فإنه في قوَّةِ أنْ يقالَ بعد أن آمنوا أو حالٌ من ضميرِ كفروا بإضمار قد وهو دليلٌ على أن الإقرارَ باللسان خارجٌ عن حقيقة الإيمان
﴿والله لَا يَهْدِى القوم الظالمين﴾ أي الذين ظلموا أنفسَهم بالإخلال بالنظر ووضعِ الكفر موضِعَ الإيمان فكيف مَن جاءه الحقُّ وعرَفه ثم أعرض عنه والجملةُ اعتراضية أو حالية
стр. 710
﴿أولئك﴾ إشارةٌ إلى المذكورين باعتبار اتصافهم بما مر من الصفات الشنيعة وما فيه من معنى البُعد لما مر مرارا وهو مبتدأُ وقولُه تعالى
﴿جَزَآؤُهُمْ﴾ مبتدأٌ ثانٍ وقولُه تعالَى
﴿أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ الله والملائكة والناس أَجْمَعِينَ﴾ خبرُه والجملةُ خبرلأولئك وهذا يدلُّ بمنطوقه على جواز لعنِهم وبمفهومِه ينفي جوازَ لعنِ غيرِهم ولعل الفرقَ بينهم وبين غيرِهم أنهم مطبوعٌ على قلوبهم ممنوعون عن الهدى آيِسون من الرحمة رأساً بخلاف غيرِهم والمرادُ بالناس المؤمنون أو الكلُّ فإن الكافرَ أيضاً يلعن مُنكِرَ الحقِّ والمرتدِّ عنه ولكن لا يعرِف الحقَّ بعينه
стр. 711
﴿خالدين فِيهَا﴾ في اللعنة أو العقوبةِ أو النار وإن لم تُذكر لدَلالة الكلامِ عليها
﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ أي يُمهَلون
стр. 712
﴿إِلَاّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي من بعد الارتدادِ
﴿وَأَصْلَحُواْ﴾ أي ما أفسدوا أو دخلوا في الصلاح
﴿فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فيَقبلُ توبتَهم ويتفضّلُ عليهم وهو تعليلٌ لما دل عليه الاستثناءُ وقيل نزلت في الحرث بنِ سويد حين ندِم على رِدَّته فأرسل إلى قومه أن يسألوا هل لي من توبة فأرسل إليه أخوه الحلاس الآيةَ فرجَع إلى المدينة فتاب
стр. 713
﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ بَعْدَ إيمانهم ثُمَّ ازدادوا كُفْرًا﴾ كاليهود كفروا بعيسى ﵇ والإنجيلِ بعد الإيمانِ بموسى ﵇ والتوراة ثم ازدادوا كفراً حيث كفروا بمحمَّدٍ ﵊ والقرآنِ أو كفروا به ﵇ بعد ما آمنوا به قبل مبعثِه ثم ازدادوا كفراً بالإصرار عليه والطعنِ فيه والصدِّ عن الإيمان ونقضِ الميثاق أو كقوم ارتدوا ولحِقوا بمكةَ ثم ازدادوا كفراً بقولهم نتربّصُ بِهِ رَيْبَ المَنون أو نرجِعُ إليه فننافِقُه بإظهار الإيمان
﴿لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ لأنهم لا يتوبون إلا عند إشرافِهم على الهلاك فكنّى عن
стр. 714
٩١ - ٩٢ آل عمران
عدم توبتِهم بعدم قبولِها تغليظاً في شأنهم وإبرازاً لحالهم في صورة حالِ الآيسين من الرحمة أو لأن توبتَهم لا تكونُ إلا نفاقاً لارتدادهم وازديادِهم كفراً ولذلك لم تدخُلْ فيه الفاء
﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضالون﴾ الثابتون على الضلال
стр. 715
﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ من أحدهم ملء الارض ذَهَبًا وَلَوِ افتدى بِهِ﴾ لمّا كان الموتُ على الكفر سبباً لامتناع قبولِ الفدية زيدت الفاء ههنا للإشعار به وملء الشئ ما يُملأ به وذهباً تمييز وقرئ بالرفع على أنه بدلٌ من ملء أو خبرٌ لمحذوفِ وَلَوِ افتدى محمولٌ على المعنى كأنه قيل فلن يقبل من أحدهم فديةٌ ولو افتدى بملء الأرضِ ذهباً أو معطوف على مضمر تقديرُه فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً لو تصدق به في الدنيا ولو افتدى به من العذاب في الآخرة أو المرادُ ولو افتدى بمثلِه كقوله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِى الارض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ والمِثلُ يحذف ويراد كثيراً لأن المثلين في حكم شئ واحد
﴿أولئك﴾ إشارةٌ إلى المذكورين باعتبار اتصافِهم بالصفات الشنيعةِ المذكورة
﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلمٌ اسمُ الإشارةِ مبتدأ والظرفُ خبرُه ولاعتماده على المبتدأ ارتفع به عذابٌ أليم على الفاعلية
﴿وَمَا لَهُم مِن ناصرين﴾ في دفعِ العذابِ عنُهم أو في تخفيفه ومن مزيدةٌ للاستغراق وصيغةُ الجمعِ لمراعاة الضميرِ أي ليس لواحدٍ منهم ناصرٌ واحد
стр. 716
﴿لَن تَنَالُواْ البر﴾ مِنْ ناله نيلاً إذا أصابه والخطابُ للمؤمنين وهو كلامٌ مستأنفٌ سيق لبيان ما ينفعُ المؤمنين ويُقبلُ منهم إثر بيان مالا ينفعُ الكفرةَ ولا يُقبل منهم أي لن تبلُغوا حقيقةَ البِرِّ الذي يتنافس فيه المتنافسون ولن تُدركوا شأوَه ولن تلحَقوا بزُمْرة الأبرارِ أو لن تنالوا برَّ الله تعالى وهو ثوابُه ورحمتُه ورضاه وجنتُه
﴿حتى تُنفِقُواْ﴾ أي في سبيل الله رغبة فيما عنده ومِنْ في قولِه تعالَى
﴿مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ تبعيضيّة ويُؤيده قراءةُ مَن قرأَ بعضَ ما تحبون وقيل بيانيةٌ وما موصولةٌ أو موصوفةٌ أي مما تهوَوْن ويُعجبُكم من كرائمِ أموالِكم وأحبَّها إليكم كما في قوله تعالى أَنفِقُواْ مِن طيبات مَا كَسَبْتُمْ أو مما يعُمّها وغيرَها من الأعمال والمهجة على أن المرادَ بالإنفاق مطلقُ البذلِ وفيه من الإيذان بعزة منالِ البرِّ مالا يخفى وكان السلف ﵃ إذا أحبوا شيئاً جعلوه لله ورُوي أنَّها لمَّا نزلتْ جاء أبو طلحةَ فقالَ يا رسولَ الله إن أحب أموالى إلى بير حاء فضعْها يا رسولَ الله حيث أراك الله فقال ﵇ بخٍ بخٍ ذاك مال رايح أو رابحٌ وإني أرى أن تجعلَها في الأقربين فقسَمها في أقاربه وجاء زيدُ بنُ حارثةَ بفرسٍ له كان يحبُّها فقال هذه في سبيل الله فحمل على رسُولِ الله ﷺ أسامةَ بنَ زيدٍ فكأن زيداً وجَدَ في نفسه وقال إنما أردتُ أن أتصدق به فقال رسول الله ﷺ أما إنَّ الله تعالى قد قبِلها منك قيل وفيه دلالة على أن إنفاقَ أحبِّ الأموالِ على أقربِ الأقاربِ أفضلُ وكتب عمر ﵁ إلى أبي موسى الأشعري أن يشتريَ له جاريةً من سبي جلولاء يوم فُتِحت مدائنُ كسرى فلما جاءت إليه أعجبتْه
стр. 717
٩٣ - آل عمران
فقال إنَّ الله تعالى يقول لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ فأعتقها وروي أن عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ كانت لزوجته جاريةٌ بارعةُ الجمال وكان عمرُ راغباً فيها وكان قد طلبها منها مراراً فلم تُعطِها إياه ثم لما وليَ الخِلافةَ زيَّنَتْها وأرسلتها إليه فقالت قد وهبتُكَها يا أميرَ المؤمين فلتخدُمْك قال من أين ملكتِها قالت جئتُ بها من بيت أبي عبدِ الملك ففتش عن كيفية تملكه إياها فقيل إنه كان على فلانٍ العاملِ ديونٌ فلما تُوفيَ أُخِذت من ترِكَته ففتش عن حال العاملِ وأحضر ورثتَه وأرضاهم جميعاً بإعطاء المالِ ثم توجّه إلى الجارية وكان يهواها هوىً شديداً فقال أنت حرةٌ لوجه الله تعالى فقالت لمَ يا أميرَ المؤمنين وقد أزحْتَ عن أمرها كلَّ شُبهة قال لستُ إذن ممن نهى النفسَ عن الهوى
﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْء﴾ ما شرطيةٌ جازمةٌ لتنفقوا منتصبة به على المفعولية ومن تبعيضية متعلقةٌ بمحذوف هو صفةٌ لاسم الشرطِ أي أي شئ تنفقوا كائناً من الأشياء فإن المفردَ في مثل هذا الموضعِ واقعٌ موقعَ الجمعِ وقيل محلُّ الجارِّ والمجرور النصبُ على التمييز أي أي شيء تنفقوا طيباً تحبُّونه أو خبيثاً تكرَهونه
﴿فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ﴾ تعليلٌ لجوابِ الشرطِ واقعٌ موقِعَه أي فمجازيكم بحسبه جيداً كان أو رديئاً فإنه تعالى عليمٌ بكل شيءٍ تُنفِقونه علماً كاملاً بحيثُ لا يخفى عليه شيءٌ من ذاته وصفاته وتقديم الجار والمجرور لرعاية الفواصلِ وفيهِ من الترغيبِ في إنفاق الجيدِ والتحذيرِ عن انفاق الرديء مالا يخفى
стр. 718
﴿كُلُّ الطعام﴾ أي كلُّ أفرادِ المطعوم أو كلُّ أنواعِه
﴿كَانَ حِلاًّ لّبَنِى إسرائيل﴾ أي حلالاً لهم فإن الحلَّ مصدرٌ نُعت به ولذلك استوى فيه الواحدُ والجمعُ والمذكرُ والمؤنثُ كما في قوله تعالى ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ﴾
﴿إِلَاّ ما حرم إسرائيل على نَفْسِهِ﴾ استثناءٌ متصلٌ من اسم كان أي كان كلُّ المطعوماتِ حلالاً لبني إسرائيلَ إلا ما حرم إسرائيلُ أي يعقوبُ ﵇ على نفسه وهو لحومُ الإبلِ وألبانُها قيل كان به وجعُ النَّسا فنذَرَ لئن شُفِيَ لا يأكلُ أحبَّ الطعامِ إليه وكان ذلك أحبَّه إليه وقيل فعل ذلك للتداوي بإشارة الأطباءِ واحتجَّ به من جوَّز للنبي الاجتهادَ وللمانع أن يقولَ كان ذلك بإذنٍ من الله تعالى فيه فهو كتحريمه ابتداءً
﴿مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التوراة﴾ متعلقٌ بقوله تعالى كَانَ حِلاًّ ولا ضيرَ في توسيط الاستثناءِ بينهما وقيل متعلق بحرَّمَ وفيه أن تقييدَ تحريمِه ﵇ بقَبْلية تنزيلِ التوراة ليس فيه مزيدُ فائدةٍ أي كان ما عدا المستثنى حلالاً لهم قبلَ أَن تنزّلَ التوراةُ مشتمِلةً على تحريمَ ما حُرِّم عليهم لظلمهم وبغيهم عقوبةً لهم وتشديداً وهو ردٌّ على اليهود في دعواهم البراءةَ عما نعى عليهم قولُه تعالى فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ وقوله تعالى وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ الآيتين بأن قالوا لسنا أولَ من حرمت عليه وإنما كانت محرمةً على نوح وإبراهيمَ ومَنْ بعدَهما حتى انتهى الأمرُ إلينا فحرمت علينا كما حرمت على من قبلنا وتبكيتٌ لهم في منع النسخِ والطعنِ في دعوى الرسول ﷺ موافقتَه لإبراهيمَ ﵇ بتحليله لحومِ الإبلِ وألبانِها
﴿قُلْ فَأْتُواْ بالتوراة فاتلوها﴾
стр. 719
أمر ﵇ بأن يُحاجَّهم بكتابهم الناطقِ بأن تحريمَ ما حُرِّم عليهم تحريمٌ حادثٌ مترتِّبٌ على ظلمهم وبغيهم كلما ارتكبوا معصيةً من المعاصي التي اقترفوها حُرِّم عليهم نوعٌ من الطيبات عقوبةً لهم ويكلّفهم إخراجَه وتلاوتَه ليُبَكِّتَهم ويُلقِمَهم الحجَرَ ويُظهرِ كذِبَهم وإظهارُ اسم التوراةِ لكون الجملةِ كلاماً مع اليهود منقطعاً عما قبله وقوله تعالى
﴿إِن كُنتُمْ صادقين﴾ أي في دعواكم أنه تحريمٌ قديمٌ وجواب الشرط محذوف لدلالة المذكور عليهِ أيْ إنْ كنتُم صادقين فأتوا بالتوراة فاتلوها فإن صدْقَكم مما يدعوكم إلى ذلك اْلبتةَ روي أنهم لم يجسَروا على إخراج التوراةِ فبُهتوا وانقلبوا صاغرين وفي ذلك من الحجة النيرة على صدق النبيِّ ﷺ وجوازِ النسخ الذي يجحَدونه مالا يخفى والجملةُ مستأنفةٌ مقرِّرة لما قبلها
стр. 720
﴿فَمَنِ افترَى عَلَى الله الكذبَ﴾ أي اختلقه عليه سبحانه بزعمه أنه حرَّم ما ذُكر قبل نزولِ التوراةِ على بني إسرائيلَ ومن تقدَّمهم من الأمم
﴿مِن بَعْدِ ذلك﴾ مّن بَعْدِ مَا ذُكر من أمرهم بإحضار التوراةِ وتلاوتِها وما ترتب عليه من التبكيت والإلزامِ والتقييدُ به للدَلالة على كمال القبحِ
﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلةِ والجمعُ باعتبارِ معناه كما أن الإفراد في الصلة باعتبار لفظِه وما فيه من معنى البعد للإيذانِ ببُعد منزلِتهم في الضلال والطُغيان أي فأولئك المُصِرُّون على الافتراء بعد ما ظهرت حقيقةُ الحال وضافت عليهم حَلْبةُ المُحاجَّة والجدالِ
﴿هُمُ الظالمون﴾ المفْرِطون في الظلم والعُدوان المُبْعِدون فيهما والجملةُ مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب مَسوقةٌ من جهته تعالى لبيان كمالِ عُتوِّهم وقيل هي في محل النصبِ داخلةٌ تحت القولِ عطفاً على قوله تعالى فَأْتُواْ بالتوراة
стр. 721
﴿قُلْ صَدَقَ الله﴾ أي ظهر وثبت صِدقُه تعالى فيما أنزل في شأن التحريمِ وقيل في قوله تعالى ﴿مَا كَانَ إبراهيم يَهُودِيّا﴾ الخ أو صَدَق في كلِّ شأنٍ من الشئون وهو داخلٌ في ذلك دخولاً أولياً وفيه تعريضٌ بكذبهم الصريح
﴿فاتبعوا مِلَّةَ إبراهيم﴾ أيْ ملةَ الإسلامِ التي هي في الأصل ملة إبراهيم ﵇ فإنكم ما كنتم متّبعين لمِلّته كما تزعُمون أو فاتبعوا مثل مِلَّته حتى تتخلصوا من اليهودية التي اضطَرَّتْكم إلى التحريف والمكابرة وتلفيقِ الأكاذيبِ لتسوية الأغراضِ الدنيئةِ الدنيويةِ وألزمتكم تحريمَ طيباتٍ محلَّلةٍ لإبراهيمَ ﵇ ومن تبعه والفاءُ للدِلالة على أن ظهورَ صدقِه تعالى موجبٌ للاتباع وتركِ ما كانوا عليه
﴿حَنِيفاً﴾ أي مائلاً عن الأديان الزائغةِ كلِّها
﴿وَمَا كَانَ مِنَ المشركين﴾ أي في أمر من أمور دينِه أصلاً وفرعاً وفيه تعريضٌ بإشراك اليهودِ وتصريحٌ بأنه ﵇ ليس بينه وبينهم علاقةٌ دينيةٌ قطعاً والغرضُ بيانُ أن النبيِّ ﷺ على دين إبراهيمَ ﵇ في الأصول لأنه لا يدعو إلا إلى التوحيد والبراءةِ عن كل معبودٍ سواه والجملةُ تذييلٌ لما قبلَها
стр. 722
﴿إن أوَّلُ بيت وُضع لِلنَّاسِ﴾ شروعٌ في بيان كفرِهم ببعض آخر
стр. 723
٩٧ - آل عمران
من شعائر ملتِه ﵇ إثرَ بيانِ كفرِهم بكون كلِّ المطعومات حِلاًّ له ﵇ رُوي أنهم قالوا بيتُ المقدس أعظمُ من الكعبة لأنه مهاجر الأنبياء وفي الأرض المقدسة وقال المسلمين بل الكعبةُ أعظمُ فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فنزلتْ أي إن أولَ بيتٍ وُضع للعبادة وجُعِل مُتعبَّداً لهم والواضعُ هُو الله تعالَى ويؤيِّده القراءةُ على البناء للفاعل وقوله تعالى
﴿لَلَّذِى بِبَكَّةَ﴾ خبرٌ لإن وإنما أُخبر بالمعرفة مع كونِ اسمِها نكرةً لتخصُّصها بسببين الإضافةِ والوصفِ بالجملة بعدها أي لَلْبيتُ الذي ببكةَ أي فيها وفي ترك الموصوفِ من التفخيم مالا يخفى وبكةُ لغةٌ في مكةَ فإن العربَ تعاقِبُ بين الباء والميم كما في قولهم ضربةُ لازبٍ ولازم والنميطُ والنبيط في اسم موضعٍ بالدَّهناء وقولِهم أمرٌ راتبٌ وراتمٌ وسبّد رأسَه وسمّدها وأغبطت الحمى وأغمطت وهي عَلَم للبلد الحرام من بكّة إذا زحَمه لازدحام الناس فيه وعن قتادة يُبكُّ الناسُ بعضُهم بعضاً أو لأنها تُبكُّ أعناقَ الجبابرة أي تدُقُّها لم يقصِدْها جبارٌ إلاقصمه الله وقيل بكةُ اسمٌ لبطن مكةَ وقيل لموضع البيتِ وقيل للمسجد نفسِه ومكةُ اسمٌ للبلد كلِّه وأيَّد هذا بأن التَّباكَّ وهو الازدحامُ إنما يقع عند الطوافِ وقيل مكةُ اسمٌ للمسجد والمطاف وبكةٌ اسمٌ للبلد لقوله تعالى ﴿لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكاً﴾ روي أنه ﵇ سُئل عن أوَّلُ بيت وُضع للنَّاسِ فقال المسجدُ الحرام ثم بيتُ المقدس وسئل كم بينهما فقال أربعون سنة وقيل أولُ من بناه إبراهيمَ ﵊ وقيل آدمُ ﵇ وقد استوفينا ما فيه من الأقاويل في سُورة البقرةِ وقيل أولُ بيتٍ وضعَ بالشرف لا بالزمان
﴿مُبَارَكاً﴾ كثيرَ الخير والنفعِ لِمَا يحصُل لمن حجَّه واعتمره واعتكف دونه وطاف حوله من الثواب وتكفيرِ الذنوب وهو حال من المستكن في الظرف لأن التقديرَ للذي ببكةَ هو والعاملُ فيه ما قُدّر في الظرف من فعل الاستقرار
﴿وهدى للعالمين﴾ لأنه قبلتُهم ومُتعبَّدُهم ولأن فيه آياتٍ عجيبةً دالةٍ على عظيم قدرتِه تعالى وبالغِ حكمتِه كما قال
стр. 724
﴿فيه آيات بينات﴾ واضحاتٌ كانحراف الطيورِ عن موازاة البيتِ على مدى الأعصارِ ومخالطةِ ضواري السباعِ الصيودَ في الحرم من غير تعرُّضٍ لها وقهر الله تعالى لكل جبارٍ قصَده بسوء كأصحاب الفيل والجملةُ مفسرةٌ للهدى أو حالٌ أخرى
﴿مَّقَامِ إبراهيم﴾ أي أثرُ قدميه ﵇ في الصخرة التي كان ﵇ يقوم عليها وقتَ رفعِ الحجارةِ لبناء الكعبةِ عند ارتفاعِه أو عند غسلِ رأسِه على مَا رُوي أنَّه ﵇ جاء زائراً من الشام إلى مكةَ فقالت له امرأةُ إسمعيل ﵇ انزلْ حتى أغسِلَ رأسَك فلم ينزِل فجاءته بهذا الحجرِ فوضعتْه على شقه الأيمنِ فوضع قدمَه عليه حتى غسَلت شِقَّ رأسِه ثم حولتْه إلى شقه الأيسرِ حتى غسلت الشق الآخر فقى أثرُ قدميه عليه وهو إما مبتدأٌ حُذف خبرُه أي منها مقامُ إبراهيمَ أو بدلٌ من آياتٌ بدلَ البعضِ من الكل أو عطفُ بيانٍ إما وحدَه باعتبار كونِه بمنزلة آياتٍ كثيرةٍ لظهور شأنِه وقوةِ دَلالتِه على قدرة الله تعالى وعلى نبوة إبراهيمَ عليه
стр. 725
الصلاة والسلام كقوله تعالى ﴿إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً قانتا﴾ أو باعتبار اشتمالِه على آياتٍ كثيرةٍ فإن كلَّ واحدٍ من أثر قدميه في صخرةٍ صمَّاءَ وغوْصِه فيها إلى الكعبين وإلانةِ بعضِ الصخور دون بعضٍ وإبقائِه دون سائرِ آياتِ الأنبياءِ ﵈ وحفظِه مع كثرة الأعداء ألوف سنةٍ آيةٌ مستقلةٌ ويؤيده القراءةُ على التوحيد وإما بما يُفهمُ من قولهِ
﴿ومن دخله كان آمنا﴾ المعنى فإنه وإن كان جملةً مستأنفةً ابتدائيةً أو شرطيةً لكنها في قوةِ أنْ يقالَ وأَمِنَ مَنْ دَخَله فتكون بحسب المعنى والمآلِ معطوفةً على مقامُ إبراهيمَ ولا يخفى أن الأثنينِ نوعٌ من الجمع فيكتفى بذلك أو يحملُ على أنه ذُكر من تلك الآياتِ اثنتان وطُويَ ذكرُ ما عداهما دَلالةً على كثرتها ومعنى أمْنِ داخلِه أمنُه من التعرُّض له كما في قوله تعالى أو لم يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمنا وَيُتَخَطَّفُ الناسُ مِنْ حَوْلِهِمْ وذلك بدعوة إبراهيمَ ﵇ رَبّ اجعل هذا البلد امِنًا وكان الرجلُ لوْ جَرَّ كلَّ جريرةٍ ثم لجأ إلى الحرم لم يُطلب وعن عمرَ ﵁ لو ظفِرتُ فيه بقاتل الخطاب مامسسته حتى يخرُجَ منه ولذلك قالَ أبُو حنيفةَ رحمَهُ الله تعالى من لزِمه القتلُ في الحِلّ بقصاص أو رِدَّةً أو زنىً فالتجأ إلى الحرم لم يُتعرَّضْ له إلا أنه لا يؤوى ولايطعم ولايسقى ولا يُبايَع حتى يُضْطَرَّ إلى الخروج وقيل أمنُه من النار وعن النبيِّ ﷺ من مات في أحد الحرَمين بُعث يومَ القيامة آمنا وعنه ﵊ الحَجونُ والبقيعُ يؤخذ بأطرافهما ويُنثرَانِ في الجنة وهما مقبرتا مكة والمدينة عنِ ابنِ مسعودٍ ﵁ وقف رسول الله ﷺ على ثنيّة الحَجونِ وليس بها يومئذ مقبرَةٌ فقال يبعث الله تعالى من هذه البقعةِ ومن هذا الحرَم كلِّه سبعين ألفاً وجوههم كالقمر ليلة البدر يدخُلون الجنة بغير حساب يشفعُ كلُّ واحدٍ منهم في سبعين ألفاً وجوهُهم كالقمر ليلة البدر وعن النبيِّ ﷺ من صَبَر على حرَّ مكةَ ساعةً من نهار تباعدت عنه جهنمُ مسيرةَ مائتي عام
﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت﴾ جملةٌ من مبتدإٍ هو حِجُّ وخبرٍ هو لله وقولُه تعالى عَلَى الناس متعلقٌ بما تعلَّق بهِ الخبرُ من الاستقرار أو بمحذوفٍ هو حالٌ من الضَّمير المستكنِّ في الجار والعاملُ فيه ذلك الاستقرارُ ويجوز أن يكونَ عَلَى الناس هو الخبرُ ولله متعلقٌ بما تعلَّق بهِ الخبرُ وَلا سبيلَ إلى أن يتعلقَ بمحذوفٍ هو حالٌ من الضمير المستكن في على الناس لاستلزامه تقديم الحال على العامل المعنوي وذلك مما لا مساغَ له عند الجمهور وقد جوّزه ابنُ مالكٍ إذا كانت هي ظرفاً أو حرفَ جر وعاملُها كذلك بخلاف الظرف وحرف الجر فإنهما يتقدمان على عاملهما المعنوي واللامُ في البيت للعهد وحجُّه قصْدُه للزيارة على الوجه المخصوص المعهود وكسر الحاء لغةُ نجدٍ وقيل هو اسمٌ للمصدر وقرئ بفتحها
﴿مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ في محل الجرِّ على أنَّه بدلٌ من النَّاسِ بدلَ البعضِ من الكل مخصِّصٌ لعمومه فالضميرُ العائد إلى المُبدْل منه محذوفٌ أي من استطاع منهم وقيل بدلَ الكلِّ على أن المرادَ بالناس هو البعضُ المستطيعُ فلا حاجةَ إلى الضمير وقيل في محلِ الرفعِ على أنه خبرُ مبتدإٍ مضمرٍ أي هم من استطاع الخ وقيل في حيز النصبِ بتقدير أعني وقيل كلمةُ مِنْ شرطيةٌ والجزاءُ محذوف لدلالة المذكور عليه وكذا العائدُ إلى الناس أي من استطاع منهم إليه سبيلاً فلله عليه حِجُّ البيت وقد رُجِّحَ هذا بكون ما بعده شرطية والضميرُ المجرورُ في إليه راجعٌ إلى البيت أو إلى حِجّ والجارُّ متعلقٌ بالسبيل قُدِّم عليه اهتماماً بشأنه كما في قوله فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مّن سبيل وهل إلى مَرَدّ مّن سَبِيلٍ لما فيه من معنى
стр. 726
٩٨ - آل عمران
الإفضاءِ والإيصالِ كيف لا وهو عبارةٌ عن الوسيلة من مال أو غيرِه فإنه قد روى أنسُ بنُ مالكٍ عن رسول الله ﷺ أنه قال السبيلُ الزادُ والراحلة وروى ابنُ عمرَ ﵄ أنَّ رجلاً قالَ يا رسولَ الله ما السبيلُ قال الزاد والرحلة وهو المراد بما رُوي أنه ﵇ فسَّر الاستطاعةَ بالزاد والراحلة وهكذا روي عن ابن عباس وابنُ عُمر ﵃ وعليه أكثرُ العلماء خلا أن الشافعيَّ أخذ بظاهره فأوجب الاستنابةَ على الزَّمِنِ القادر على أُجرة مَنْ ينوب عنه والظاهرُ أن عدمَ تعرُّضِه ﵇ لصِحة البدنِ لظهور الأمر كيف لا والمفسَّرُ في الحقيقة هو السبيلُ الموصِلُ لنفس المستطيع إلى البيت وذا لا يُتصوَّرُ بدون الصحة وعن ابن الزبير أنه على قدر القوة ومذهب مالك أن الرجل إذا وثق بقوته لزمه وعنه ذلك على قدر الطاقة وقد يجد الزاد والراحلة من لا يقدرُ على السفر وقد يقدر عليه من لا راحلة له ولا زاد وعن الضحاك أنه إذا قدر أن يؤجر نفسه فهو مستطيع
﴿ومن كفر﴾ وضع من كفر موضع من لم يحج تأكيدا لوجوبه وتشديدا على تاركه ولذلك قال ﵇ من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا وروى عن عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁ أنَّه ﵇ قال في خطبته أيها الناس إن الله فرض الحج على مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً ومن لم يفعل فليمت على أي حال شاء يهوديا أو نصرانيا او مجوسيا
﴿فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ العالمين﴾ وعن عبادتهم وحيث كان من كفر من جملتهم داخلا فيها دخولا أوليا اكتفى بذلك عن الضمير الرابط بين الشرط والجزاء ولقد حازت الآية الكريمة من فنون الاعتبارات المعربة عن كمال الاعتناء بامر الحج والتشديد على تاركه مالا مزيد عليه حيث أوثرت صيغة الخبر الدالة على التحقيق أو برزت في صورة الجملة الاسمية الدالة على الثبات والاستمرار على وجه يفيد أنه حق واجب لله سبحانه في ذمم الناس لا انفكاك لهم عن أدائة والخروج عن عهدته وسلك بهم مسلك التعميم ثم التخصيص والإبهام ثم التبيين والإجمال ثم التفصيل لما في ذلك من مزيد تحقيق وتقرير وعبر عن تركه بالكفر الذي لا قبيح وراءه وجعل جزاءه استغناءه تعالى المؤذن بشدة المقت وعظم السخط لا عن تاركه فقط فإنه قد ضرب عنه صفحا إسقاطا له عن درجة الاعتبار واستهجانا بذكره بل عن جميع العالمين ممن فعل وترك ليدل على نهاية شدة الغضب هذا وقال ابن عباس والحسن وعطاء ﵃ ومن كفر أي جحد فرض الحج وزعم انه ليس بواجب وعن سعيد بن المسيب نزلت في اليهود فإنهم قالوا الحج إلى مكة غير واجب ورُوي أنَّه لمَّا نزلَ قوله تعالى ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حج البيت﴾ جمع رسول الله ﷺ أهل الأديان كلهم فخطبهم فقال إن الله كتب عليكم الحج فحجوا فآمنت به ملة واحدة وهم المسلمون وكفرت به خمس ملل قالوا لا نؤمن به ولا نصلى إليه ولا نحجة فنزل ومن كفر وعن النبيِّ ﷺ حجوا قبل أن لا تحجوا فإنه قد هدم البيت مرتين ويرفع إلى السماء في الثالثة وروى حجوا قبل أن يمنع البر جانبه وعن ابن مسعود حجوا هذا البيت قبل ان ينبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلا نفقت وعن عمر ﵁ لو ترك الناس الحج عاما واحدا مانوظروا
стр. 727
﴿قل يا أهل الكتاب﴾ هم اليهودُ والنصارى
стр. 728
٩٩ - آل عمران
وإنما خُوطبوا بعنوان أهليةِ الكتابِ الموجبةِ للإيمان به وبما يصدّقه من القرآن العظيمِ مبالغةً في تقبيح حالِهم في كفرهم بها وقوله
﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بأيات الله﴾ توبيخٌ وإنكارٌ لأن يكون لكفرهم بها سببٌ من الأسباب وتحقيقٌ لما يوجِبُ الاجتنابَ عنه بالكلية والمرادُ بآياته تعالى ما يعُمُّ الآيات القرآنيةَ التي من جملتها ما تُليَ في شأن الحجِّ وغيرِه وما في التوراة والأنجيلِ من شواهد نبوته ﵇ وقولُه تعالى
﴿والله شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ حالٌ من فاعل تكفُرون مفيدةٌ لتشديد التوبيخِ وتأكيدِ الإنكار وإظهارُ الجلالةِ في موقعِ الإضمار لتربية المهابة وتهويل الخطبِ وصيغةُ المبالغةِ في شهيدٌ للتشديد في الوعيد وكلمةُ مَا إما عبارةٌ عن كفرهم أو هي على عمومها وهو داخلٌ فيها دُخولاً أولياً والمعنى لأي سبب تكفُرون بآياته والحال أنَّه تعالَى مبالغٌ في الاطلاع على جميع أعمالِكم وفي مجازاتكم عليها ولاريب في أن ذلك يسُدُّ جميعَ أنحاءِ ما تأتونه ويقطع أسبابَه بالكلية
стр. 729
﴿قل يا أهل الكتاب﴾ أمرٌ بتوبيخهم بالإضلال إثرَ توبيخِهم بالضلال والتكريرُ للمبالغة في حَمله ﵇ على تقريعهم وتوبيخِهم وتركُ عطفِه على الأمر السابقِ للإيذان باستقلالهم كما ان قطع فوله تعالى
﴿لِمَ تَصُدُّونَ﴾ عن قوله تعالى لِمَ تَكْفُرُونَ للإشعار بأن كلَّ واحدٍ من كُفرهم وصدِّهم شناعةٌ على حيالها مستقِلةٌ في استتباع اللائمةِ والتقريعِ وتكريرُ الخطابِ بعنوان أهليةِ الكتابِ لتأكيد الاستقلالِ وتشديدِ التشنيع فإن ذلك العنوانَ كما يستدعي الإيمانَ بما هو مصدِّقٌ لما معهم يستدعي ترغيبَ الناسِ فيه فصدُّهم عنه في أقصى مراتبِ القَباحةِ ولكون صدِّهم في بعض الصورِ بتحريف الكتابِ والكفرِ بالآياتِ الدالةِ على نبوته ﵇ وقرئ تُصِدّون من أصَدَّه
﴿عَن سَبِيلِ الله﴾ أي دينِه الحقِّ الموصلِ إلى السعادة الأبدية وهو التوحيدُ وملةُ الإسلام
﴿من آمن﴾ مفعول لتصُدُّون قُدِّم عليه الجارُّ والمجرور للاهتمام به كانوا يفتِنون المؤمنين ويحتالون لصدهم عنه ويمنعون من أراد الدخولَ فيه بجُهدهم ويقولون إن صفتَه ﵇ ليست في كتابهم ولا تقدّمت البِشارةُ به عندهم وقيل أتت اليهودُ الأوسَ والخزرجَ فذكّروهم ما كان بينهم في الجاهلية من العداوات والحروب ليعودوا إلى ماكانوا فيه
﴿تَبْغُونَهَا﴾ على إسقاط الجارِّ وإيصالِ الفعلُ إلى الضمير كما في قوله ... فتولى غلامُهم ثم نادى ... أظليماً أصيدُكم أم حمارا ...
بمعنى أصيدُ لكم أي تطلُبون لسبيل الله التي هي أقومُ السبل
﴿عِوَجَا﴾ اعوجاجاً بأن تَلْبِسوا على الناس وتُوهِموا أن فيه ميلاً عن الحق بنفي النسخِ وتغييرِ صفةِ الرسولِ ﷺ عن وجهها ونحو ذلك والجملة حال من فاعل تصُدّون وقيل من سبيل الله
﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاء﴾ حالٌ من فاعل تصُدون باعتبار تقييدِه بالحال الأولى أو من فاعل تبغونها أي والحالُ أنكم شهداءُ تشهدون بأنها سبيلُ الله لا يحوم حولَها شائبةُ اعوجاجٍ وأن الصدَّ عنها إضلالٌ قال ابن عباس ﵄ اى شهداء أن في التوراة إن دينَ الله الذي لا يُقبل غيرُه هو الإسلامُ أو وأنتم عدولٌ فيما بينكم يثقون بأقوالكم ويستشهدونكم في القضايا
стр. 730
١٠٠ - آل عمران وعظائمِ الأمور
﴿وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ اعتراضٌ تذييليٌ فيه تهديدٌ ووعيدٌ شديدٌ قيل لما كان صدُّهم للمؤمنين بطريق الخُفْية خُتمت الآيةُ الكريمة بما يحسِمُ مادةَ حيلتهم من إحاطة علمِه تعالى بأعمالهم كما أن كفرَهم بآياتِ الله تعالى لمّا كان بطريق العلانيةِ خُتمت الآية السابقةُ بشهادته تعالى على ما يعملون
стр. 731
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب يَرُدُّوكُم بَعْدَ إيمانكم كافرين﴾ تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى المؤمنين تحذيراً لهم عن طاعة أهلِ الكتابِ والافتتانِ بفتنتهم إثرَ توبيخِهم بالإغواء والإضلالِ ردعاً لهم عن ذلك وتعليقُ الردِّ بطاعة فريقٍ منهم للمبالغة في التحذير عن طاعتهم وإيجابِ الاجتنابِ عن مصاحبتهم بالكلية فإنه في قوَّةِ أنْ يُقال لا تُطيعوا فريقاً الخ كما أن تعميمَ التوبيخِ فيما قبله للمبالغة في الزجر أو للمحافظة على سبب النزولِ فإنه رُوي أن نفراً من الأوس والخزرج كانوا جُلوساً يتحدثون فمرّ بهم شاسُ بنُ قيسٍ اليهوديُّ وكان عظيمَ الكفرِ شديدَ الحسَدِ للمسلمين فغاظه ما رأى منهم من تآلُفِ القلوبِ واتحادِ الكلمةِ واجتماعِ الرأي بعد ما كان بينهم من العداوة والشنَآنِ فأمر شاباً يهودياً كان معه بأن يجلِسَ إليهم ويذكِّرَهم يوم بُعاثَ وكان ذلك يوماً عظيماً اقتتل فيه الحيانِ وكان الظفرُ فيه للأوس ويُنشِدُهم ما قيل فيه من الأشعار ففعل فتفاخرَ القومُ وتغاضبوا حتى تواثبوا وقالوا السلاحَ السلاحَ فاجتمع من القبيلتين خلقٌ عظيم فعند ذلك جاءهم النبيِّ ﷺ وأصحابُه فقال أتدْعون الجاهليةَ وأنا بين أظهُرِكم بعد أن أكرمكم الله تعالى بالإسلام وقطع به عنكم أمرَ الجاهلية وألَّف بينكم فعلموا انها نزغة من الشيطان وكيدٌ من عدوهم فألقَوُا السلاح واستغفروا وعانق بعضُهم بعضاً وانصرفوا مع رسول الله ﷺ قال الإمامُ الواحديُّ اصطفوا للقتال فنزلت الآيةُ إلى قوله تعالى لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ فجاء النبيِّ ﷺ حتى قام بين الصفَّيْن فقرأهنّ ورفعَ صوتَه فلما سمعوا صوتَ رسولِ الله ﷺ أنصَتوا له وجعلوا يستمعون له فلما فرَغ ألقَوا السلاح وعانق بعضُهم بعضاً وجعلوا يبكون وقوله تعالى كافرين إما مفعولٌ ثانٍ ليردُّوكم على تضمين الردِّ معنى التصيير كما في قوله
رَمَى الحِدْثانُ نِسْوةَ آلِ سَعْد
بمقْدَارٍ سَمَدْنَ لَهُ سُمُوداً ... فردَّ شعورَهُنَّ السودَ بيضا ورد وجوههن البيضَ سودا
أو حالٌ من مفعول والأول أدخَلُ في تنزيه المؤمنين عن نسبتهم إلى الكفر لما فيه من التصريح بكون الكفرِ المفروضِ بطريق القسر وإيراد الظرف مع عدم الحاجة إليه ضرورةَ سبقِ الخطابِ بعنوان المؤمنين واستحالةِ تحققِ الردِّ إلى الكفر بدون سبق الإيمان مع توسيطه بين المفعولين لإظهار كمال شناعة الكفرِ وغايةِ بُعدِه من الوقوع إما لزيادة قبحه الصارفِ العاقلِ عن مباشرته أو لممانعة الإيمانِ له كأنه قيل بعد إيمانِكم الراسخِ وفيه من تثبيت المؤمنين مالا يخفى
стр. 732
١٠١ - ١٠٢ آل عمران
стр. 733
﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ استفهامٌ إنكاريٌّ بمعنى إنكارِ الوقوعِ كما في قوله تعالى ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ﴾ الخ لا بمعنى إنكار الواقعِ كما في قوله تعالى كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا الخ وفي توجيه الإنكارِ والاستبعادِ إلى كيفية الكفرِ من المبالغة ما ليس في توجيهه إلى نفسه بأن يقال أتكفرون لأن كلَّ موجودٍ لا بد أن يكون وجودُه على حال من الأحوال فإذا أُنكِرَ ونُفيَ جميعُ أحوال وجوده فقد انتفى وجودُه بالكلية على الطريق البرهاني وقوله تعالى
﴿وَأَنْتُمْ تتلى عَلَيْكُمْ آيات الله﴾ جملةٌ وقعتْ حالاً من ضمير المخاطَبين في تكفُرون مؤكدة للإنكار والاستبعاد بما فيها من الشئون الداعيةِ إلى الثبات على الإيمان الوازعة عن الكفر وقوله تعالى
﴿وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ معطوفٌ عليها داخلٌ في حكمها فإن تلاوةَ آياتِ الله تعالى عليهم وكون رسوله ﵊ بين أظهُرِهم يعلِّمهم الكتابَ والحِكمةَ ويزكِّيهم بتحقيق الحقِّ وإزاحةِ الشُّبَهِ من أقوى الزواجر عن الكفر وعدمُ إسنادِ التلاوة إلى رسول الله ﷺ للإيذانِ باستقلالِ كلَ منهُما في الباب
﴿وَمَن يَعْتَصِم بالله﴾ أي ومن يتمسَّكْ بدينه الحقِّ الذي بيَّنه بآياته على لسان رسوله ﵊ وهو الإسلامُ والتوحيدُ المعبَّرُ عنه فيما سبق بسبيل الله
﴿فَقَدْ هُدِىَ﴾ جوابٌ للشرط وقد لإفادة معنى التحقيقِ كأن الهدى قد حصل فهو يُخْبَر عنه حاصلاً ومعنى التوقُّع فيه ظاهرٌ فإن المعتصم به تعالى متوقع للهدى كما أن قاصدَ الكريم متوقّعٌ للندى
﴿إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ﴾ موصلٍ إلى المطلوب والتنوينُ للتفخيم والوصفُ بالاستقامة للتصريح بالرد على الذين يبغون له عوجاً وهذا وإن كان هو دينَه الحقَّ في الحقيقة والاهتداءُ إليه هو الاعتصامُ به بعينه لكن لمّا اختلف الاعتبارانِ وكان العنوانُ الأخيرُ مما يتنافس فيه المتنافسون أُبرز في معرِض الجوابِ للحثّ والترغيب على طريقة قولِه تعالى ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فاز﴾
стр. 734
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ﴾ تكريرُ الخطابِ بعنوان الإيمانِ تشريفٌ إثرَ تشريفٍ
﴿اتقوا الله﴾ الاتقاءُ افتعالٌ من الوقاية وهي فرْطُ الصيانة
﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أي حقَّ تقواه وما يجب منها وهو استفراغُ الوُسعِ في القيام بالموجب والاجتنابِ عن المحارم كما في قوله تعالى فاتقوا الله مَا استطعتم وعن ابن مسعود ﵁ هو أن يُطاعَ ولا يعصى ويُذكرَ ولا يُنْسَى ويُشكَرَ ولا يُكْفَرَ وقد روي مرفوعاً إليه ﵇ وقيل هو أن لاتأخذه في الله لومةُ لائمٍ ويقومَ بالقسط ولو على نفسه أو ابنِه أو ابيه وقيل هو أن يُنزِّهَ الطاعةَ عن الالتفات إليها وعن توقع المجازاةِ وقد مر تحقيقُ الحقِّ في ذلك عند قولِه ﴿هُدًى لّلْمُتَّقِينَ﴾ والتقاةُ مِن اتقى كالتُّؤَدة من اتّأَدَ وأصلها وُقْيَة قلبت واوُها المضمومةُ تاءً كما في تُهمة وتُخمة وياؤها المفتوحة ألفاً
﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَاّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ أي مُخلصون نفوسكم
стр. 735
١٠٣ - آل عمران
لله تعالى لا تجعلون فيها شِرْكةً لما سواه أصلاً كما في قوله تعالى وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وهو استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم الأحوال أي لاتموتن على حالٍ من الأحوالِ إلا حالَ تحققِ إسلامِكم وثباتكم عليه كما ينبئ عنه الجملةُ الاسميةُ ولو قيل إلا مسلمين لم يفد فائدتها والعاملُ في الحال ما قبل إِلا بعد النقض وظاهرُ النظمِ الكريمِ وإنْ كانِ نهياً عن الموت المقيَّد بقيدٍ هو الكونُ على أي حال من غيرِ حالِ الإسلام لكنَّ المقصودَ هو النهيُ عن ذلك القيدِ عند الموتِ المستلزمِ للأمر بضده الذي هو الكونُ على حال الإسلامِ حينئذ وحيث كان الخطابُ للمؤمنين كان المرادُ إيجابَ الثباتِ على الإسلام إلى الموت وتوجيهه النهي إلى الموت للمبالغةِ في النَّهيِ عن قيده المذكور فإنه النهى عن المقيد في أمثاله نهيٌ عن القيد ورفعٌ له من أصله بالكلية مفيدٌ لما لا يفيده النهيُ عن نفس القيدِ فإن قولَك لاتصل إلا وأنت خاشعٌ يفيد من المبالغة في إيجاب الخشوع في الصلاة مالا يفيده قولُك لا تترُكِ الخشوعِ في الصلاة لما أن هذا نهيٌ عن ترك الخشوعِ فقط وذاك نهيٌ عنه وعما يقارِنُه ومفيدٌ لكون الخشوعِ هو العمدةَ في الصلاة وأن الصلاةَ بدونه حقُّها أن لا تُفعل وفيه نوعُ تحذيرٍ عما وراءَ الموتِ وقوله عز وجل
стр. 736
﴿واعتصموا بِحَبْلِ الله﴾ أي بدين الإسلامِ أو بكتابه لقوله ﵊ القرآنُ حبلُ الله المتينُ لاتنقضى عجائبُه ولا يخلَقُ من كثرة الردِّ مَنْ قال به صدَقَ ومن عمِل به رَشَد ومن اعتصم به هُديَ إلى صراط مستقيم إما تمثيلٌ للحالة الحاصلةِ من استظهارهم به ووثوقِهم بحمايته بالحالة الحاصلةِ من تمسك المتدلي من مكان رفيعٍ بحبل وثيقٍ مأمونِ الانقطاعِ من غير اعتبار مجازٍ في المفردات وإما استعارةٌ للحبل لما ذُكر من الدين أو الكتاب والاعتصام ترشيحٌ لها أو مستعارٌ للوثوق به والاعتمادِ عليه
﴿جَمِيعاً﴾ حالٌ من فاعلِ اعتصموا أي مجتمعين في الاعتصام
﴿وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ أي لا تتفرقوا عن الحق بوقوع الاختلافِ بينكم كأهل الكتابِ أو كما كنتم متفرقين في الجاهلية يحارب بعضُكم بعضاً أو لا تحدثوا ما يوجب التفريق ويُزيل الأُلفةَ التي أنتم عليها
﴿واذكروا نِعْمَةَ الله﴾ مصدر مضافٌ إلى الفاعل وقولُه تعالى
﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلقٌ به أو بمحذوفٍ وقع حالا منه وقوله تعالى
﴿إِذْ كُنتُم﴾ ظرفٌ له أو للاستقرار في عليكم أي اذكروا إنعامه عليكم أو اذكروا إنعامة متسقرا عليكم وقت كونِكم
﴿أَعْدَاء﴾ في الجاهلية بينكم إلامن والعداواتُ والحروبُ المتواصلة وقيل هم الأوسُ والخزرجُ كانا أخوَين لأب وأمٍ فوقعت بين أولادِهما العداوةُ والبغضاءُ وتطاولت الحروبُ فيما بينهم مائةً وعشرين سنةً
﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ بتوفيقكم للإسلام
﴿فَأَصْبَحْتُم﴾ أي فصِرْتم
﴿بِنِعْمَتِهِ﴾ التي هي ذلك التأليفُ
﴿إِخْوَانًا﴾ خبرُ أصبحتم أي إخواناً متحابّين مجتمعين على الأُخوّة في الله متراحمين متناصحين متفقين على كلمة الحقِّ وقيل معنى فأصبحتم فدخلتم في الصباح فالباء حينئذ متعلقةٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من الفاعل وكذا إخوانا أي فأصبحتم
стр. 737
١٠٤ - آل عمران
ملتبسين حالَ كونِكم إخواناً
﴿وَكُنتُمْ على شَفَا حُفْرَةٍ مّنَ النار﴾ شفا الحفرةِ وشفَتُها حَرْفها أي كنتم مشرفين على الوقوع في نار جهنم لكفرهم إذ لم أدرككم الموتُ على تلك الحالة لوقعتهم فيها
﴿فَأَنقَذَكُمْ﴾ بأن هداكم للإسلام
﴿مِنْهَا﴾ الضميرُ للحفرة أو للنار أو للشَفا والتأنيثُ للمضاف إليهِ كما في قولِه ... كما شرِقَتْ صدر القتا من الدمِ ...
أو لأنه بمعنى الشَّفة فإن شَفا البئرِ وشفَتَها جانبُها كالجانب وأصلُه شَفَوٌ قلبت الواوُ ألفاً في المذكر وحذفت في المؤنث
﴿كذلك﴾ إشارةٌ إلى مصدرِ الفعل الذي بعده وما فيه من معنى البعد بعلو درجة المُشَارِ إليهِ وبُعدِ منزلتِه في الفضل وكمالِ تميُّزِه به عما عداه وانتظامِه بسببه في سلك الأمور المشاهدة والكاف مُقحَمَةٌ لتأكيد ما أفاده اسمُ الإشارةِ من الفخامة ومحلُّها النصبُ على أنَّها صفةٌ لمصدر محذوف أي مثلَ ذلك التبيينِ الواضحِ
﴿يُبَيّنُ الله لَكُمْ آياته﴾ أي دلائلَه
﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ طلباً لثباتكم على الهدى وازديادِكم فيه
стр. 738
﴿وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخير﴾ أمرهم الله سبحانه بتكميل الغير وإرشادِه إثرَ أمرِهم بتكميل النفس وتهذيبِها بما قبله من الأوامر والنواهي تثبيتاً للكل على مراعاة ما فيها من الأحكامِ بأن يقومَ بعضُهم بمواجبها ويحافظَ على حقوقها وحدودِها ويذكرَها الناسَ كافةً ويردَعَهم عن الإخلال بها والجمهورُ على إسكان لام الأمر وقرئ بكسرها على الأصل وهو من كان التامة ومِنْ تبعيضيةٌ متعلقةٌ بالأمر أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً من الفاعل وهو أُمَّةٍ ويدْعون صفتُها أي لِتوجَدْ منكم أمةٌ داعيةٌ إلى الخير والأمة هي الجماعة التي يؤُمُّها فِرَقُ الناسِ أي يقصدنها ويقتدون بها أو من الناقصة وأمةٌ اسمُها ويدْعون خبرُها أي لتكن منكم أمةٌ داعين إلى الخير وأياً ما كان فتوجيهُ الخطابِ إلى الكل مع إسناد الدعوةِ إلى البعض لتحقيق معنى فرضيّتِها على الكفاية وأنها واجبةٌ على الكل لكن بحيث إنْ أقامها البعضُ سقطت عن الباقين ولو أخل بها الكلُّ أثِموا جميعاً لا بحيث يتحتّم على الكل إقامتها على ما ينبئ عنه قولُه وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً الآية ولأنها من عظائم الأمورِ وعزائمِها التي لايتولاها إلا العلماءُ بأحكامه تعالى ومراتبِ الاحتساب وكيفية إقامتِها فإن من لايعلمها يوشِكُ أن يأمرَ بمنكر وينهى عن معروف ويُغلِظَ في مقام اللينِ ويُلينَ في مقام الغِلْظة وينكِرَ على من لا يزيده الإنكارُ إلا التماديَ والإصرارَ وقيل مِنْ بيانية كما في قوله تعالى ﴿وَعَدَ الله الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ مِنْهُم﴾ الآية والأمرُ من كان الناقصة والمعنى كونوا أمة يدعون الآية كقوله تعالى ﴿كُنتُمْ خير أمة أخرجت للناس﴾ الآية ولا يقتضي ذلك كونَ الدعوةِ فرضَ عينٍ فإن الجهادَ من فروض الكفاية مع ثبوته بالخطابات العامة والدعاءُ إلى الخير عبارةٌ عن الدعاء إلى ما فيه صلاحٌ دينيٌّ أو دنيويٌّ فعطفُ الأمرِ بالمعروف والنهْيِ عن المنكر عليه بقوله تعالى
﴿وَيَأْمُرُونَ بالمعروفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكرِ﴾ مع اندراجهما فيه من باب عطف الخاصِّ على العام لإظهار فضلهما وإنافتهما على سائر الخيراتِ كعطف جبريلَ وميكالَ على الملائكةِ ﵈ وحذْفُ المفعولِ الصريحِ من الأفعال الثلاثة إما للإيذان بظهوره أي يدْعون الناسَ ويأمُرونهم وينهَوُنهم
стр. 739
١٠٥ - آل عمران
وإما للقصد إلى إيجاد نفسِ الفعل كما في قولك فلانٌ يُعطِي ويمنعُ أيْ يفعلون الدعاءَ إلى الخير والأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر
﴿وَأُوْلئِكَ﴾ إشارةٌ إلى الأمة المذكورة باعتبار اتصافِهم بما ذُكر من النعوتِ الفاضلةِ وكمالِ تميُّزِهم بذلك عمنْ عداهم وانتظامِهم بسببه في سلك الأمور المشاهدة وما فيه من معنى البعد للإشعار بعلو طبقتِهم وبُعدِ منزلتِهم في الفضلِ والإفرادُ في كاف الخطابِ إما لأن المخاطَب كلُّ من يصلُح للخطاب وإما لأن التعيينَ غيرُ مقصودٍ أي أولئك الموصوفون بتلك الصفاتِ الكاملة
﴿هُمُ المفلحون﴾ أي هم الأخصاء بكمال الفلاحِ وهم ضميرُ فصلٍ يفصِلُ بين الخبر والصفةِ ويؤكد النسبةَ ويفيد اختصاصَ المسندِ بالمسند إليه أو مبتدأٌ خبرُه المفلحون والجملةُ خبرٌ لأولئك وتعريفُ المفلحون إما للعهد أو للإشارة إلى ما يعرِفُه كلُّ أحد من حقيقة المفلحين روي عن رسول الله ﷺ أنه سُئل عن خير الناسِ فقال آمَرُهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم الله وأوصلُهم للرحم وعنه ﵇ من أمر بالمعرف ونهى عن المنكر فهو خليفةُ الله في أرضه وخليفةُ رسولِه وخليفةُ كتابِه وعنه ﵇ والذي نفسى بيده لتأ بالمعروفِ ولتنهَوُنَّ عن المُنْكَرِ أو لَيُوشِكَنَّ الله أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُم عَذَاباً من عنده ثم لتَدْعُنَّه فلا يُستجاب لكم وعَنْ عليَ ﵁ أفضلُ الجهادِ الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر ومن شنَأَ الفاسقين وغضِب لله غضِبَ الله له والأمرُ بالمعروف في الوجوب والندبِ تابعٌ للمأمور به وأما النهيُ عن المنكر فواجبٌ كلُّه فإن جميعَ ما أنكره الشرعُ حرامٌ والعاصي يجب عليه النهيُ عما ارتكبه إذ يجب عليه تركُه وإنكارُه فلا يسقط بترك أحدهما وجوب شئ منهما والتوبيخُ في قوله تعالى أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ إنما هو على نسيان أنفسِهم لا على أمرهم بالبر وعن السلف مُروا بالخير وإن لم تفعلوا
стр. 740
﴿وَلَا تَكُونُواْ كالذين تَفَرَّقُواْ﴾ هم أهلُ الكتابين حيث تفرقت اليهودُ فِرَقاً والنصارى فِرَقاً
﴿واختلفوا﴾ باستخراج التأويلاتِ الزائغةِ وكتمِ الآياتِ الناطقةِ وتحريفِها بما أخلدوا إليه من حُطام الدُّنيا الدنيئةِ
﴿مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ البينات﴾ أي الآياتُ الواضحةُ المبينة للحق الموجبة للاتفاق عليه واتحادِ الكلمة فالنهيُ متوجهٌ إلى المتصدِّين للدعوة أصالةً وإلى أعقابهم تَبَعاً ويجوز تعميمُ الموصولِ للمختلِفين من الأمم السالفةِ المشار إليهم بقوله ﴿وَمَا اختلف فِيهِ إِلَاّ الذين أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات﴾ وقيل هم المبتدِعة من هذه الأمة وقيل هم الحرَورية وعلى كل تقدير فالمنهيُّ عنه إنما هو الاختلافُ في الأصول دون الفروعِ إلا أن يكون مخالفاً للنصوص البيِّنة أو الإجماعِ لقوله ﵊ اختلافُ أمتي رحمةٌ وقولِه ﵇ من اجتهد فأصاب فله أجرانِ ومن أخطأ فله أجرٌ واحدٌ وَأُوْلئِكَ إشارةٌ إلى المذكورين باعتبار اتصافِهم بما في حِّيزِ الصلة وهو مبتدأٌ وقولُه تعالى
﴿لَهُمْ﴾ خبرُه وقوله تعالى
﴿عَذَابٌ عظِيمٌ﴾ مرتفع بالظرف على الفاعليةِ لاعتمادِه على المبتدأ أو مبتدأٌ والظرفُ خبرُه والجملةُ خبرٌ للمبتدأ الأول وفيه من التأكيد والمبالغةِ في وعيد المتفرِّقين والتشديدِ في تهديد المشبهين بهم مالا يخفى
следующие страницы →