← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 6721–6760 · переход к 6726.

стр. 6721

﴿يا أيها الناس إِنَّا خلقناكم مّن ذَكَرٍ وأنثى﴾ من آدمَ وحواءَ أوْ خلقنَا كُلَّ واحدٍ منكُم من أبٍ وأم فالكل سواءٌ في ذلكَ فلا وَجْهَ للتفاخرِ بالنسبِ وقَدْ جُوِّزَ أنْ يكونَ تأكيداً للنَّهي السابقِ بتقريرِ الأخوةِ المانعةِ منَ الاغتيابِ ﴿وجعلناكم شُعُوباً وَقَبَائِلَ﴾ الشَّعبُ الجمعُ العظيمُ المنتسبونَ إلى أصلٍ واحد وهو بجمع القبائلَ والقبيلةُ تجمعُ العمائرَ والعَمارةُ تجمعُ البطونَ والبطنُ بجمع الأفخاذَ والفَخِذُ يجمعُ الفصائلَ فخُزَيمةُ شعبٌ وكنانةُ قبيلةٌ وقريشٌ عمارةٌ وقُصَي بطنٌ وهاشمٌ فخذٌ والعباسُ فصيلةٌ وقيلَ الشعوبُ بطونُ العجمِ والقبائلُ بطونُ العربِ ﴿لتعارفوا﴾ ليعرفُ بعضُكم بعضاً بحسب الأنسابِ فلاً يعتزَى أحدٌ إلى غيرِ آبائِه لا لتتفاخرُوا بالآباءِ والقبائلِ وتَدَّعُوا التفاوتَ والتفاضلَ في الأنسابِ وقرئ لتتعارفوا عَلى الأصلِ ولَتّعارفُوا بالإدغامِ ولتعرِفُوا ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم﴾ تعليلٌ للنَّهِي عنِ التفاخر بالأنسابِ المستفادِ من الكلامِ بطريقِ الاستئنافِ التحقيقيِّ كأنَّه قيلَ إنَّ الأكرمَ عندَهُ تعالَى هُو الأتقَى فإنْ فاخرتُم ففاخِروا بالتقوى وقرئ بأَنَّ المفتوحةِ عَلى حذفِ لامِ التعليلِ كأنَّه قيلَ لم لا تتفاخروا بالأنسابِ فقيلَ لأَنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكُم لا أنسبُكم فإنَّ مدارَ كمالِ النفوس وتفاوت الأشخاص هُو التَّقوى فمَنْ رامَ نيلَ الدرجاتِ العُلَا فعليهِ بالتقوى قال ﵊ مَنْ سَرَّهُ أنْ يكونَ أكرمَ النَّاسِ فليتقِ الله وقال ﵊ يَا أيُّها الناسُ إنمَّا الناسُ رجلانِ مؤمنٌ تقيٌ كريم على الله تعالى وفاجرٌ شقيٌّ هينٌ على الله تعَالَى وعنِ ابنِ عباس رضي اللله عنهما كرمُ الدُّنيا الغِنى وكرمُ الآخرةِ التَّقوى ﴿إِنَّ الله عَلِيمٌ﴾ بكُم وبأعمالِكم ﴿خَبِيرٌ﴾ ببواطنِ أحوالِكم

стр. 6722

﴿قالت الأعراب آمنا﴾ نزلتْ في نفرٍ من بَني أَسَدٍ قَدمُوا المدينةَ في سنةِ جَدْبٍ فأظهرُوا الشهادتينَ وكانُوا يقولونَ لرسولِ الله ﷺ أتيناكَ بالأثقالِ والعيالِ ولمْ نقاتِلْكَ كما قاتلكَ بنُو فلانٍ يريدونَ الصدقةَ ويمنونَ عليه ﵊ ما فعلُوا ﴿قُلْ﴾ رَدَّاً لهُمْ ﴿لَّمْ تُؤْمِنُواْ﴾ إذِ الإيمانُ هُوَ التصديقُ المقارنُ للثقةِ وطمأنينةِ القلبِ ولم يحصُلْ لكُم ذلكَ وإلا لِمَا مننتُمْ عليَّ ما ذكرتم كما ينبئ عَنْه آخرُ السورةِ ﴿ولكن قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾ فإنَّ الإسلامَ انقيادٌ ودخولٌ في السلمِ وإظهارُ الشهادةِ وتركُ المحاربةِ مشعرٌ بهِ وإيثارُ مَا عليهِ النظمُ الكريمُ عَلى أنْ يقالَ لَا تقولُوا آمنَّا ولكنْ قولُوا أسلمنَا أو لم تُؤمنِوا ولكن أسلمتُم للاحترازِ منِ النَّهي عنِ التلفظِ بالإيمانِ وللتفادِي عنْ إخراجِ قولِهم مُخرجَ التسليمِ والاعتدادِ بهِ معَ كونِه تقولاً محضاً ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِى قُلُوبِكُمْ﴾ حالٌ من ضميرِ قولُوا أيْ ولكِنْ قولُوا أسلمنَا حالَ عدمِ مواطأةِ قلوبِكم لألسنتِكم ومَا في لمَّا مِنْ مَعنْى التوقعِ مشعرٌ بأنَّ هؤلاءِ قَد آمنُوا فيمَا بعدُ ﴿وَإِن تُطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ﴾

стр. 6723

﴾ ٥ ١٨ بالإخلاصِ وتركِ النفاقِ ﴿لَا يَلِتْكُمْ مّنْ أعمالكم﴾ لا ينُقصْكُم ﴿شَيْئاً﴾ من أجورِها مِنْ لاتَ يليتُ لَيْتاً إذَا نقصَ وقُرِىءَ لا يأْلتِكُم من الأَلْتِ وهيَ لغةُ غَطَفانَ أو شيئاً منَ النقصِ ﴿أَنَّ الله غَفُورٌ﴾ لِمَا فرطَ منَ المطيعين ﴿رحيم﴾ بالتفضل عليهمْ

стр. 6724

﴿إنما المؤمنون الذين آمنُوا بالله ورسولِه ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ﴾ لَمْ يشكُّوا منِ ارتابَ مطاوعُ رَاَبهُ إذَا أوقعَهُ في الشِكِّ مع التهمةِ وفيهِ إشارةٌ إِلى أنَّ فيهمْ ما يوجبُ نَفي الإيمانِ عنهُمْ وثُمَّ للإشعارِ بأَنَّ اشتراطَ عدمِ الارتيابِ في اعتبارِ الإيمانِ ليسَ في حالِ إنشائِه فقطْ بلْ وفيما يُستقبلُ فهيَ كمَا في قولِه تعالَى ثم استقامُوا ﴿وجاهدوا بأموالهم وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ الله﴾ في طاعتِه عَلى تكثرِ فنونِها من العباداتِ البدنيةِ المحضِة والماليةِ الصرفةِ والمشتملة عليها معاً كالحجِّ والجهادِ ﴿أولئك﴾ الموصوفون بما ذكر من الأوصاف الحميلة ﴿هُمُ الصادقون﴾ أي الذينَ صدقُوا في دَعْوى الإيمانِ لا غيرُهم رُوي أنَّه لمَّا نزلتْ الآية جاؤا وحلفُوا أنهم مؤمنونَ صادقونَ فنزلَ لتكذيبِهم قولُه تعالَى

стр. 6725

﴿قُلْ أَتُعَلّمُونَ الله بِدِينِكُمْ﴾ أيْ أتخبرونَهُ بذلكَ بقولِكم آمنَّا والتعبيرُ عَنْهُ بالتعليمِ لغايةِ تشنيعِهم ﴿والله يَعْلَمُ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض﴾ حالٌ منْ مفعولِ تعلمونَ مؤكدةٌ لتشنيعِهم وقولُه تعالَى ﴿والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ﴾ تذييلٌ مقررٌ لمَا قبلَهُ أيْ مبالِغٌ في العلمِ بجميعِ الأشياءِ التي من جملتها ما أخفَوهُ من الكفرِ عندَ إظهارِهم الإيمانَ وفيهِ مزيدُ تجهيلٍ وتوبيخٍ لهم

стр. 6726

﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ﴾ أيْ يعدّونَ إسلامَهم منَّةً عليكَ وهيَ النعمةُ التِّي لا يطلبُ مُوليها ثواباً ممنْ أنعمَ بَها عليهِ من المَنِّ بمَعنى القطعِ لأَنَّ المقصودَ بها قطعُ حاجتِه وقيلَ النعمةُ الثقيلةُ من المَنِّ ﴿قُل لَاّ تَمُنُّواْ عَلَىَّ إسلامكم﴾ أيْ لا تعدُوا إسلامَكُم منَّةً عليَّ أوْ لَا تمنُّوا عليَّ بإسلامِكم فنصبَ بنزعِ الخافضِ ﴿بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ للايمان﴾ عَلى ما زعمتُم مَعَ أنَّ الهدايةَ لا تستلزمُ الاهتداءَ وقُرىءَ إِنْ هداكُم وَإِذْ هداكُم ﴿إِن كُنتُمْ صادقين﴾ في ادعاءِ الإيمانِ وجوابُه محذوفٌ يدلُّ عليهِ ما قبله اأى فللهِ المنةُ عليكُمْ وفي سياقِ النظمِ الكريمِ منَ اللطف مالا يَخْفى فإنَّهمُ لمَّا سمَّوا ما صدرَ عنُهم إيماناً ومنُّوا بهِ فنُفَي كونُهُ إيماناً وسُمِّي إسلاماً قيلَ يمنونَ عليكَ بمَا هُو في الحقيقةِ إسلامٌ وليس بجدير بالمن بل لوصح ادعاؤُهم للإيمانِ فلله المنةُ عليهِمْ بالهدايةِ إليهِ لَا لهُمْ

стр. 6727

﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السماوات والأرض﴾ أيْ ما غابَ فيهمَا ﴿والله بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ في سرِّكم وعلانيتِكم فكيف يخفى عليه

стр. 6728

سورة ق الآية (١ ٣) ما في ضمائرِكم وقُرىءَ بالياء عنِ النبيِّ ﷺ مَنْ قرأَ سورةَ الحجراتِ أعطيَ من الأجرِ بعددِ مَن أطاعَ الله وعصاه ق ٣ ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 6729

﴿ق والقرآن المجيد﴾ أيْ ذي المجدِ والشرفِ عَلى سائرِ الكتبِ أوْ لأنَّه كلامُ المجيدِ أوْ لأنَّ منْ علَم معانَيهُ وعمِلَ بما فيهِ مَجُدَ عندَ الله تَعَالَى وعندَ الناسِ والكلامُ فيهِ كالذَّي فُصِّلَ في مطلعِ سورة ص قوله تعالَى

стр. 6730

﴿بَلْ عَجِبُواْ أَن جَاءهُمْ مُّنذِرٌ مّنْهُمْ﴾ أيْ لأَنْ جاءَهُم منذرٌ منْ جنسِهم لا من حنس المَلَكِ أوْ مِنْ جِلدتِهم إضرابٌ عَمَّا يُنْبىءُ عنْهُ جوابُ القسمِ المحذوفِ كأنَّه قيلَ والقرآنِ المجيدِ أنزلناهُ إليكَ لتنذرَ بهِ الناسَ حسَبما وردَ في صدرِ سورةِ الأعرافِ كأنُه قيلَ بعدَ ذلكَ لم يؤمنُوا بهِ بلْ جعلُوا كلاً منَ المنذِر والمنذَرِ بهِ عُرضةً للنكيرِ والتعجيبِ معَ كونِهما أوفقَ شيءٍ لقضيةِ العقولِ وأَقرَبهُ إلى التلقِي بالقبولِ وقيلَ التقديرُ والقرآنِ المجيدِ إنكَ لمنذرٌ ثمَّ قيلَ بعدَهُ إنَّهم شكُّوا فيهِ ثمَّ أُضربَ عنْهُ وقيلَ بلْ عجبُوا أيْ لم يكتفُوا بالشكِّ والردِّ بلْ جزمُوا بالخلافِ حتَّى جعلُوا ذلكَ منَ الأمورِ العجيبةِ وقيلَ هُوَ إضرابٌ عَمَّا يُفهم منْ وصفِ القرآنِ بالمجيدِ كأنَّه قيلَ ليسَ سببُ امتناعِهم من الإيمانِ بالقرآنِ أنَّه لا مجدَ لهُ ولكنْ لجهلِهم ﴿فَقَالَ الكافرون هذا شَىْء عجيب﴾ تفسير لتعجيبهم وبيانٌ لكونِه مقارناً لغايةِ الإنكارِ مع زيادةِ تفصيلٍ لمحلِّ التعجبِّ وهذا إشارةٌ إلى كونِه ﵊ منذِراً بالقرآنِ وإضمارُهم أولا للإشعار بتعينهم بما أسندَ إليهمِ وإظهارِهم ثانيا للتسجيل علهيم بالكفرِ بموجبِه أوْ عطفٌ لتعجبهم من البعثةِ على إِنَّ هَذَا إشارةٌ إلى مُبْهمٌ يفسِّره ما بعدَهُ من الجملةِ الإنكاريةِ ووضعُ المظهرِ موضعَ المضمرِ إما لسبقِ اتصافِهم بَما يوجبُ كفرَهُم وإمَّا للإيذانِ بأنَّ تعجُّبُهم منَ البعثِ لدلالتِه على استقصارِهم لقدرةِ الله سبحانَهُ عنْهُ معَ معاينتِهم لقدرتِه تعالَى على مَا هُو أشقُّ منْهُ في قياسِ العقلِ من مصنوعاتِه البديعةِ أشنعُ من الأولِ وأعرقُ في كونه كفرا

стр. 6731

﴿أئذا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً﴾ تقريرٌ للتعجيب وتأكيدٌ للإنكارِ

стр. 6732

٤ ٨ والعامل في مضمرٌ غنيٌّ عنِ البيانِ لغايةِ شهرتِه معَ دلالةِ ما بعدَهُ عليهِ أيْ أحينَ نموتُ ونصيرُ تراباً نرجعُ كما ينطقُ به النذيرُ والمنذُر بهِ معَ كمالِ التباينِ بينَنا وبينَ الحياة جينئذ وَقُرىءَ إِذَا متنَا عَلى لفظِ الخبرِ أوْ على حذفِ أداةِ الإنكارِ ﴿ذلك﴾ إشارةٌ إلى محلِّ النزاعِ ﴿رَجْعُ بَعِيدٌ﴾ أيْ عنِ الأوهامِ أو العادةِ أو الإمكانِ وقيلَ الرجعُ بمعْنَى المرجوعِ الذي هُوَ الجوابُ فناصبُ الظرفِ حينئذٍ ما ينبىءُ عنه المنذرُ من البعثِ

стр. 6733

﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأرض منهم﴾ زد لاستبعادِهم وإزاحةٌ له فإنَّ منْ عمَّ علمُهُ ولطُفَ حَتَّى انتَهى إلى حيثُ علمَ ما تنقصُ الأرضُ من أجسادِ الموتَى وتأكلُ من لحومِهم وعظامِهم كيفَ يستبعدُ رجعُهُ إيَّاهمُ أحياءً كما كانُوا عن النبيِّ ﷺ كُلُّ ابن آدمٍ يبلَى إلا عجبَ الذنبِ وقيلَ ما تنقص الأرض منهم ما يموتُ فيدفنُ في الأرضِ منهم ﴿وَعِندَنَا كتاب حَفِيظٌ﴾ حافظٌ لتفاصيلِ الأشياءِ كُلِّها أو محفوظٌ من التغيرِ والمرادُ إما تمثيلُ علمِه تعالَى بكلياتِ الأشياءِ وجزئياتِها بعلم مَنْ عندَه كتابٌ محيطٌ يتلقى منْهُ كُلَّ شيءٍ أو تأكيدٌ لعلمِه تعالَى بها بثبوتِها في اللوح المحفوظ عندَهُ

стр. 6734

﴿بَلْ كَذَّبُواْ بالحق﴾ إضرابٌ وانتقالٌ منِ بيانِ شناعتِهم السابقةِ إلى بيانِ ما هُو أشنعُ منْهُ وأفظعُ وهو تكذيبُهم للنبوةِ الثابتةِ بالمعجزاتِ الباهرةِ ﴿لَمَّا جَاءهُمْ﴾ مِنْ غيرِ تأملٍ وتفكرٍ وقُرِىءَ لِمَا جاءهُم بالكسرِ على أنَّ اللامَ للتوقيتِ أيْ وقتَ مجيئهِ إياهُم وقيلَ الحقُّ القرآنُ أو الإخبارُ بالبعثِ ﴿فَهُمْ فِى أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ أيْ مضطربٌ لا قرارا لهُ منْ مَرَجَ الخاتمُ في أصبعِه حيثُ يقولونَ تارةً إنَّه شاعرٌ وتارةً ساحرٌ وأخرَى كاهنٌ

стр. 6735

﴿أَفَلَمْ يَنظُرُواْ﴾ أيْ أغفلُوا أو أعمُوا فلمْ ينظرُوا ﴿إِلَى السماء فَوْقَهُمْ﴾ بحيثُ يشاهدونَها كلَّ وقتٍ ﴿كَيْفَ بنيناها﴾ أيْ رفعناهَا بغيرِ عمدٍ ﴿وزيناها﴾ بمَا فيهَا منَ الكواكبِ المرتبةِ على نظامٍ بديعٍ ﴿وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ﴾ منْ فتوقٍ لملاستِها وسلامتِها من كُلِّ عيبٍ وخللٍ ولعل تأخيرَ هَذا لمراعاةِ الفواصلِ

стр. 6736

﴿والأرض مددناها﴾ أي بسطناهَا ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رواسي﴾ جبالاً ثوابتَ مِنْ رسَا الشيءُ إذَا ثبتَ والتعبيرُ عنْهَا بهذَا الوصفِ للإيذانِ بأن إلقاءَها بإرساءِ الأرضِ بهَا ﴿وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ﴾ منْ كُلِّ صنفٍ ﴿بَهِيجٍ﴾ حسنٍ

стр. 6737

﴿تَبْصِرَةً وذكرى﴾ علتانِ للأفعالِ المذكروة مَعْنى وإنِ انتصبتَا بالفعلِ الأخيرِ أو لفعلٍ مقدرٍ بطريقِ الاستئنافِ أيْ فعلنَا ما فعلنَا تبصيراً وتذكيراً ﴿لّكُلّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ أيْ راجع إلى ربه متفكر في بدائعِ صنائعِه

стр. 6738

﴾ ٣ ٩ وقولُه تعالَى

стр. 6739

﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السماء مَاء مباركا﴾ أيْ كثيرَ المنافعِ شروعٌ في بيانِ كيفيةِ إنبات ما ذكرَ منْ كُلِّ زوجٍ بهيجٍ وهو عطفٌ على أنبتنا وما بينهمَا على الوجهِ الأخيرِ اعتراضٌ مقررٌ لما قبلَهُ ومنبهٌ على ما بعدَهُ ﴿فَأَنبَتْنَا بِهِ﴾ أيْ بذلكَ الماءِ ﴿جنات﴾ كثيرةً أيْ أشجاراً ذواتِ ثمارٍ ﴿وَحَبَّ الحصيد﴾ أي حبَّ الزرعِ الذي شأنُه أنْ يُحصدَ من البُرِّ والشعيرِ وأمثالِهما وتخصيصُ إنباتِ حبِّه بالذكرِ لأنُه المقصودُ بالذاتِ

стр. 6740

﴿والنخل﴾ عطفٌ على جناتٍ وتخصيصُها بالذِّكرِ مع اندراجها في الجناتِ لبيانِ فضلِها على سائرِ الأشجارِ وتوسيطُ الحبِّ بينهما لتأكيدِ استقلالِها وامتيازِها عنِ البقيةِ معَ ما فيها منْ مُراعاةِ الفواصلِ ﴿باسقات﴾ أيْ طوالاً أو حواملَ منْ أبسقتِ الشاةُ إذَا حملتْ فيكونُ منْ بابِ أفعلَ فهو فاعلٌ وقرىءَ باصقاتٍ لأجلِ القافِ ﴿لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ أيْ منضودٌ بعضُه فوقَ بعضٍ والمرادُ تراكُم الطلعِ أو كثرةُ ما فيهِ منَ الثمرِ والجملةُ حالٌ من النخلِ كباسقاتٍ بطريقِ الترادفِ أوْ مِنْ ضميرِهَا في باسقاتٍ عَلى التداخلِ أو الحالُ هو الجارُّ والمجرورُ وطلعٌ مرتفعٌ به على الفاعليةِ وقولُه تعالىَ

стр. 6741

﴿رّزْقاً لّلْعِبَادِ﴾ أيْ لنرزقَهُم علةٌ لقولِه تعالَى فأنبتنا وفي تعليلهِ بذلكَ بعدَ تعليلِ أنبتنَا الأولِ بالتبصرةِ والتذكيرِ تنبيهٌ على أنَّ الواجبَ على العبدِ أنْ يكونَ انتفاعُهُ بذلكَ من حيث التذكر والاستبصارأهم وأقدمَ من تمتعِه بهِ منْ حيثُ الرزقُ وقيلَ رزقاً مصدرٌ منْ مَعْنى أنبتنَا لأنَّ الإنباتَ رزقٌ ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ﴾ أيْ بذلكَ الماءِ ﴿بَلْدَةً مَّيْتاً﴾ أرضاً جدبةً لا نماءَ فيَها أصلا بأن جلعناها بحيث ربت وأنبتت أنواعَ النباتِ والأزهارِ فصارتْ تهتز بها بعدما كانتْ جامدةً هامدةً وتذكيرُ ميتاً لأنَّ البلدةَ بمعنى البلدِ والمكانِ ﴿كذلك الخروج﴾ جملةٌ قدمَ فيهَا الخبرُ للقصدِ إلى القصرِ وذلكَ إشارو إلى الحياةِ المستفادةِ من الأحياءِ وما فيهِ من معنى البعد للإشعار ببعد رتبتِها أيْ مثلَ تلكَ الحياةِ البديعةِ حياتُكم بالبعثِ منَ القبورِ لا شيءَ مخالفٌ لَها وفي التعبيرِ عنْ إخراجِ النباتِ منَ الأرضِ بالإحياءِ وعنْ حياةِ المَوْتى بالخروجِ تفخيمٌ لشأنِ الإنباتِ وتهوينٌ لأمرِ البعثِ وتحقيقٌ للمماثلةِ بينَ إخراجِ النباتِ وإحياءِ المَوْتى لتوضيحِ منهاجِ القياسِ وتقريبهِ إلى أفهامِ الناسِ وقولُه تعالَى

стр. 6742

﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ إلخ استئنافٌ واردٌ لتقريرِ حقية البعث ببيان كافَّةُ الرُّسلِ ﵈ عليَها وتعذيبِ مُنكريْها ﴿وأصحاب الرس﴾ قيلَ هُم ممَّن بُعثَ إليهم شعيبٌ ﵇ وقيلَ وقيلَ كما مرَّ في سورةِ الفُرقانِ على التفصيلِ ﴿وَثَمُودُ﴾

стр. 6743

﴿وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ﴾ أي هُوَ وقومُه ليلائمَ ما قبلَهُ وما بعدَهُ

стр. 6744

﴾ ٤ ١٧ ﴿وإخوان لُوطٍ﴾ قيلَ كانُوا من أصهارِه عليهِ الصلاةُ والسلامُ

стр. 6745

﴿وأصحاب الأيكة﴾ هم ممَّن بُعثَ إليهم شعيبٌ ﵇ غيرَ أهلِ مدينَ ﴿وَقَوْمُ تُّبَّعٍ﴾ سبق شرحُ حالِهم في سُورةِ الدُّخانِ ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرسل﴾ أي فيمَا أرسلُوا بهِ منَ الشرائعِ التي منْ جُملتها البعثُ الذي أجمعُوا عليه قاطبةً أيْ كُلُّ قومٍ منَ الأقوامِ المذكورينَ كذبوا رسولَهُم أو كذَّبَ جميعُهم جميعَ الرُّسلِ بالمَعْنى المذكورِ وإفرادُ الضميرِ باعتبارِ لفظِ الكُلِّ أوْ كُلُّ واحدٍ منهم كذب جمع الرسلِ لاتفاقهم عَلى الدعوةِ إلى التوحيدِ والإنذارِ بالبعثِ والحشرِ فتكذيبُ واحدٍ منهمْ تكذيبٌ للكلِّ وهَذا على تقدير رسالةِ تبَّعٍ ظاهرٌ وأما على تقديرِ عدمِها وهُو الأظهرُ فمعنى تكذيبِ قومِه الرسلَ تكذيبُهم بمنْ قبلِهم من الرسلِ المجمعينِ على التوحيدِ والبعثِ وإلى ذلكَ كانَ يدعُوهم تُبَّعٌ ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ أي فوجبَ وحَلَّ عليهمْ وعيدِي وهي كلمةُ العذابِ وفيه تسليةٌ للرسول ﷺ وتهديدٌ لهمْ

стр. 6746

﴿أَفَعَيِينَا بالخلق الأول﴾ استئنافٌ مقررٌ لصحةِ البعثِ الذي حكيتْ أحوالُ المنكرينَ لَهُ من الأممِ المهلكةِ والعيُّ بالأمرِ العجزُ عَنْهُ يقالُ عى بالأمر وعى بهِ إذا لم يهتدِ لوجهِ عملِه والهمزةُ للإنكارِ والفاء للعطف على مقدر ينبىءُ عنْهُ العيُّ من القصدِ والمباشرةِ كأنَّه قيلَ أقصدنَا الخلقَ الأولَ فعَجزنا عنْهُ حتَّى يُتوهَم عجزُنَا عنِ الإعادةِ ﴿بَلْ هُمْ فِى لَبْسٍ مّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ عطفٌ على مقدرٍ يدلُّ عليه ما قبله كأنَّه قيلَ همْ غيرُ منكرين لقدرتنا على خلق الأولِ بلْ هُمْ في خلطٍ وشبهةٍ في خلقٍ مستأنفٍ لما فيهِ من مخالفةِ العادةِ وتنكيرُ خلقٍ لتفخيمِ شأنِه والإشعارِ بخروجِه عنْ حدودِ العاداتِ والإيذانِ بأنَّه حقيقٌ بأنْ يبحثَ عنْهُ ويُهتمَّ بمعرفتِه

стр. 6747

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ أيْ ما تحدثُه بهِ نفسه وهو يخطرُ بالبالِ والوسوسةُ الصوتُ الخفيُّ ومنْهُ وسواسُ الحُليِّ والضميرُ لِمَا أنْ جُعلتْ موصولةً والباءِ كما في صوّت بكذا أو للإنسانِ وإن جُعِلَتْ مصدريةً والباءُ للتعديةِ ﴿وَنَحْنُ أقربُ إِلَيْهِ مِنْ حبل الوريد﴾ أعلمُ بحالِه ممنْ كانَ أقربُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريدِ عبرَ عنْ قُربِ العلمِ بقُربِ الذاتِ تجوزاً لأنَّهُ موجبٌ لَهُ وحبلُ الوريدِ مثلٌ في فرطِ القربِ والحبلُ العِرْقُ وإضافتُه بيانيةٌ والوريدانِ عرقانِ مكتنفانِ بصفحتيْ العنقِ في مقدِّمِها متصلان بالورتين يردانِ من الرأسِ إليهِ وقيلَ سميَ وريداً لأنَّ الروحَ تَرِدُهُ

стр. 6748

﴿إِذْ يَتَلَقَّى المتلقيان﴾ منصوبٌ بَما فِي أقربُ منْ مَعْنى الفعلِ والمَعْنى أنَّه لطيفٌ يتوصلُ علمُهُ إِلى ما لا شيءَ أخفَى منهُ وهُوَ أقربُ منَ الإنسانِ منْ كُلِّ قريبٍ حينَ يتلقَّى ويتلقنُ الحفيظانِ مَا يتلفظُ بهِ وفيهِ إيذانٌ بأنَّه تعالَى غنيٌّ عن استحفاظها لإحاطةِ علمِهِ بما يخَفْىَ عليهمَا وإنما ذلكَ لما كتبتها وحفظِهمَا لأعمالِ العبدِ وعرضِ صحائفِهما يومَ يقومُ الأشهادُ وعلمِ العبدِ بذلكَ مع علمِه

стр. 6749

﴾ ٨ ١٩ بإحاطتِه تعالَى بتفاصيلِ أحوالِه خبراً من زيادةِ لطفٍ لهُ في الكفِّ عنِ السيئاتِ والرغبةِ في الحسناتِ وعنه ﵊ إنَّ مقعدَ ملكيكَ عَلى ثنيتيك ولسانك قلبهما وريقُكَ مدادُهما وأنتَ تجرِي فيَما لا يعنيكَ لَا تستحيْ منَ الله وَلَا منْهُمَا وقَدْ جُوِّزَ أنْ يكونَ تلَقي الملكينِ بياناً للقربِ عَلى معَنْى إنَّا أقربُ إليهِ مطلعونَ عَلى أعمالِه لأنَّ حفظتَنا وكتبتنَا موكلونَ بهِ ﴿عَنِ اليمين وعن الشمال قعيد﴾ أي عنِ اليمينِ قعيدٌ وعنِ الشمالِ قعيدٌ أيْ مقاعدُ كالجليسِ بمعَنْى المجالسِ لفظاً ومَعْنى فحُذف الأولُ لدِلالة الثاني عليهِ كَما في قولِ مَن قالَ ... رمَانِي بأَمْرٍ كُنْتُ مِنْهُ ووالدِي ... بَريئاً ومِنْ أجْلِ الطَّوِيِّ رَمَانِي ... وقيلَ يطلقُ الفعيلِ على الواحد والمتعددكما في قولِه تعالى والملائكة بَعْدَ ذلك ظَهِيرٌ

стр. 6750

﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾ مَا يرمي بهِ منْ فيه منْ خيرٍ أوْ شر وقرئ ما يُلْفظُ عَلى البناءِ للمفعولِ ﴿إِلَاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ﴾ ملَكٌ يرقبُ قولَه ويكتُبه فإنْ كانَ خَيراً فهو صاحبُ اليمينِ بعينِه وَإِلَاّ فهُوَ صاحبُ الشمالِ ووجْهُ تغييرِ العنوانِ غنيٌّ عنِ البيانِ والإفرادُ معَ وقوفِهما معاً عَلَى ما صَدَرَ عنْهُ لمَا أنَّ كلاً منهُمَا رقيبٌ لما فوضَ إليهِ لا لما فوضَ إلى صاحبه كما ينبأ عنْهُ قولُه تعالَى ﴿عَتِيدٌ﴾ أيْ معدٌّ مهيأٌ لكتابةِ ما أُمر بهِ من الخيرِ أو الشرِّ ومنْ لم ينتبه لَه توهمَ أنَّ معناهُ رقيبانِ عتيدانِ وتخصيصُ القولِ بالذكرِ لإثباتِ الحكمِ في الفعل بدلالة النص واختلاف فيمَا يكتبانِه فقيلَ يكتبانِ كل شئ حَتَّى أنينَهُ في مرضِه وقيلَ إنما يكتبانِ ما فيه من أجرٌ أو وزرٌ وهو الأظهر كما ينبئ عنه قوله ﷺ كاتبُ الحسناتِ عَلى يمينِ الرجلِ وكاتبُ السيئاتِ على يسارِه وكاتبُ الحسناتِ أميرٌ عَلى كاتبِ السيئاتِ فإذا عملَ حسنةً كتبَها ملكُ اليمينِ عشراً وإذا عملَ سيئةً قالَ صاحبُ اليمينِ لصاحبِ الشمالِ دَعْهُ سبعَ ساعاتٍ لعلَّه يسبحُ أو يستغفرُ

стр. 6751

﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ﴾ بعدما ذُكرَ استبعادُهُم للبعثِ والجزاءِ وأزيحَ ذلكَ بتحقيقِ قدرتِه تعالَى وعلمِه وبيَّنَ أنَّ جميعَ أعمالِهم محفوظةٌ مكتوبةً عليهمْ أتبعَ ذلك ببيانِ ما يلاقونَهُ لا محالةَ منَ الموتِ والبعثِ وما يتفرَّع عليهِ منَ الأحوالِ وَالأهوالِ وقد عبرَ عنْ وقوعِ كُلَ منَها بصيغةِ الماضى إيذانا بتحقيقها وغايةِ اقترابِها وسكرةُ الموتِ شدتُهُ الذاهبةُ بالعقلِ والباءُ إمَّا للتعديةِ كَما في قولكَ جاءَ الرسولُ بالخبرِ والمعنى أحضره سكرةُ الموتِ حقيقة الأمرِ الذى نطقتْ بهِ كتبُ الله ورسلُه أوْ حقيقةَ الأمرِ وجليةَ الحالِ منْ سعادةِ الميتِ وشقاوتِه وقيلَ الحقُّ الذى لابد أنْ يكونَ لا محالةَ منَ الموتِ أوِ الجزاءِ فإنَّ الإنسانَ خُلِقَ لَهُ وإما للملابسةِ كالتي في قولِه تَعالَى تَنبُتُ بالدهن أيْ ملتبسةً بِالحقِّ أيْ بحقيقةِ الأمرِ أو بالحكمةِ والغاية الجميلة وقرئ سكرةُ الحقِّ بالموتِ وَالمَعْنى أنَّها السكرةُ التي كُتبتْ عَلَى الإنْسَانِ بموجبِ الحِكْمةِ وأنَّها لشدتِها توجبُ زُهُوقَ الروحِ أوْ تستعقبُه وقيلَ الباءُ بمعَنْى مَعَ وقيلَ سكرةُ الحقِّ سكرةُ الله تَعالىَ عَلى أنَّ الإضافةَ للتهويلِ

стр. 6752

﴾ ٤ ٢٠ وقُرِىءَ سَكَراتُ الموتِ ﴿ذلك﴾ أي الموتُ ﴿مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ أيْ تميلُ وتنفِرُ عَنْهُ والخطابُ للإنسانِ فإنَّ النفرةَ عنْهُ شاملةٌ لكُلِّ فردٍ منْ أفرادِهِ طَبْعاً

стр. 6753

﴿وَنُفِخَ فِى الصور﴾ هيَ النفخةُ الثانيةُ ﴿ذلك﴾ أيْ وقتُ ذلكَ النفخِ عَلَى حذفِ المضافِ ﴿يَوْمَ الوعيد﴾ أيْ يومُ إنجازِ الوعيدِ الواقعِ في الدُّنيا أيْ يومُ وقوعِ الوعيدِ على أنَّه عبارةٌ عن العذابِ الموعودِ وقيلَ ذلكَ إشارةٌ إِلى الزمانِ المفهومِ منْ نُفِخَ فإنَّ الفعلَ كَما يدلُّ عَلى الحدثِ يدلُّ عَلى الزمانِ وتخصيصُ الوعيد بالذكرِ معَ أنَّه يومُ الوعدِ أيضاً لتهويلِه ولذلكَ بدىءَ ببيانِ حالِ الكفرةِ

стр. 6754

﴿وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ منَ النفوسِ البرةِ والفاجرةِ ﴿مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ وإنِ اختلفتْ كيفيةُ السَّوقِ والشهادةِ حسبَ اختلافِ النفوسِ عملاً أيْ مَعها ملكانِ أحدُهما يسوقُها إلى المحشرِ والآخرُ يشهدُ بعملِها أو ملكٌ جامعٌ بينَ الوصفينِ كأنَّه قيلَ معَها ملكٌ يسوقُها ويشهدُ علَيها وقيلَ السائقُ كاتبُ السيئاتِ والشهيدُ كاتبُ الحسناتِ وقيلَ السائقُ نفسُه أو قرينُه والشهيدُ جوارحُه أوْ أعمالُه ومحلُّ مَعَها النصبُ عَلى الحاليِّةِ منْ كُلُّ لإضافتِه إلى ما هُوَ في حُكمِ المعرفةِ كأنَّه قيلَ كُلُّ النفوسِ أو الجرُّ عَلى أنَّه وصفٌ لنفسٌ أو الرفعُ عَلى أنَّه وصفٌ لكلّ وقولُه تعالَى

стр. 6755

﴿لقد كنت فى غفلة مّنْ هذا﴾ محكيٌّ بإضمارِ قولٍ هُو إمّا صفةٌ أُخرى لنفسٍ أو حالٌ أخرَى منْها أو استئنافٌ مبنيُّ على سؤال نشأ مما قبله كأنه قيل فماذا يفعلُ بها فقيلَ يقالُ لقدِ كنتَ في غفلةٍ إلخ وخطابُ الكُلِّ بذلكَ لما أنَّه ما منْ أحدٍ إلا ولَهُ غفلة ما من الآخرةِ وقيلَ الخطابُ للكافرِ وقُرِىءَ كُنْتِ بكسرِ التاءِ على اعتبارِ تأنيثِ النفسِ والتذكيرُ عَلى القراءةِ المشهورةِ بتأويلِ الشخصِ كما في قول جَبَلةَ بنِ حُريث ... يا نفسُ إِنكَ باللذاتِ مسرورا ... فاذكر فهل ينفعك اليومَ تذكيرُ ... ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ﴾ الغطاء الحجابُ المُغطِّي لأمورِ المعادِ وهو الغفلةُ والإنهماكُ في المحسوساتِ والألْفُ بها وقصرُ النظرِ عَلَيها ﴿فَبَصَرُكَ اليوم حَدِيدٌ﴾ نافذٌ لزوالِ المانعِ للإبصارِ وَقُرِىءَ بكسر الكاف ف المواللضع الثلاثةِ

стр. 6756

﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾ أي الشيطانُ المُقيَّضُ لهُ مشيراً إليهِ ﴿هذا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ﴾ أيْ هَذا مَا عِنْدي وَفي ملكتِي عتيدٌ لجهنَم قدْ هيأتُه لهَا بإغوائِي وإضلالِي وَقيلَ قالَ المَلكُ الموكلُ بهِ مشيراً إِلى مَا معهُ منْ كتابِ عملهِ هذا مكتوبٌ عندِي عتيدٌ مهيأٌ للعرض وما إن جعلت موصوفة فعتيد صفتها وإن جعلت موصولة فهي بدل مِنْهَا أو خبر بعد خبر أو خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ

стр. 6757

﴿أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ﴾ خطابٌ منَ الله تعالَى للسائقِ والشهيدِ أو للملكينِ منْ خَزَنةِ النارِ

стр. 6758

﴾ ٩ ٢٥ أو لواحدٍ عَلى تنزيلِ تثنية الفاعل تثنيةِ الفعلِ وتكريرِه كقولِ مَنْ قالَ ... فإنْ تزجُرانِي يَا ابْنَ عفانَ أنزجِر ... وإنْ تدعانِي أحمِ عرضاً ممنَّعاً ... أوْ عَلى أنَّ الأف بدلٌ منْ نونِ التأكيدِ على إجراءِ الوصل مْجرى الوقفِ ويؤيدُه أنه قُرِىءَ ألقين بالنون الخفية ﴿عَنِيدٍ﴾ معاندُ للحقِّ

стр. 6759

﴿مَّنَّاعٍ لّلْخَيْرِ﴾ كثيرُ المنعِ للمالِ عنْ حقوقِه المفروضةِ وقيلَ المرادُ بالخيرِ الإسلامُ فإنَّ الآيةَ نزلتْ في الوليدِ بْنِ المغيرةِ لما منعَ بَنِي أخيهِ منهُ ﴿مُعْتَدٍ﴾ ظالمٌ متخطَ للحقِّ ﴿مُرِيبٍ﴾ شاكٌّ في الله وفي دينِه

стр. 6760

﴿الذى جَعَلَ مَعَ الله إلها آخر﴾ مبتدأٌ متضمِّنٌ لمْعنى الشرطِ خبرُهُ ﴿فألقياه فِى العذاب الشديد﴾ أو بدلٌ منْ كُلِّ كفار وقولُه تعالَى فألقياه تكريرٌ للتوكيدِ أو مفعولٌ لمضمرٍ يفسرُهُ فألقياهُ
следующие страницы →