Полный текст (8 642 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.
стр. 6756
﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾ أي الشيطانُ المُقيَّضُ لهُ مشيراً إليهِ ﴿هذا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ﴾ أيْ هَذا مَا عِنْدي وَفي ملكتِي عتيدٌ لجهنَم قدْ هيأتُه لهَا بإغوائِي وإضلالِي وَقيلَ قالَ المَلكُ الموكلُ بهِ مشيراً إِلى مَا معهُ منْ كتابِ عملهِ هذا مكتوبٌ عندِي عتيدٌ مهيأٌ للعرض وما إن جعلت موصوفة فعتيد صفتها وإن جعلت موصولة فهي بدل مِنْهَا أو خبر بعد خبر أو خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ
стр. 6757
﴿أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ﴾ خطابٌ منَ الله تعالَى للسائقِ والشهيدِ أو للملكينِ منْ خَزَنةِ النارِ
стр. 6758
﴾ ٩ ٢٥
أو لواحدٍ عَلى تنزيلِ تثنية الفاعل تثنيةِ الفعلِ وتكريرِه كقولِ مَنْ قالَ ... فإنْ تزجُرانِي يَا ابْنَ عفانَ أنزجِر ... وإنْ تدعانِي أحمِ عرضاً ممنَّعاً ...
أوْ عَلى أنَّ الأف بدلٌ منْ نونِ التأكيدِ على إجراءِ الوصل مْجرى الوقفِ ويؤيدُه أنه قُرِىءَ ألقين بالنون الخفية ﴿عَنِيدٍ﴾ معاندُ للحقِّ
стр. 6759
﴿مَّنَّاعٍ لّلْخَيْرِ﴾ كثيرُ المنعِ للمالِ عنْ حقوقِه المفروضةِ وقيلَ المرادُ بالخيرِ الإسلامُ فإنَّ الآيةَ نزلتْ في الوليدِ بْنِ المغيرةِ لما منعَ بَنِي أخيهِ منهُ ﴿مُعْتَدٍ﴾ ظالمٌ متخطَ للحقِّ ﴿مُرِيبٍ﴾ شاكٌّ في الله وفي دينِه
стр. 6760
﴿الذى جَعَلَ مَعَ الله إلها آخر﴾ مبتدأٌ متضمِّنٌ لمْعنى الشرطِ خبرُهُ ﴿فألقياه فِى العذاب الشديد﴾ أو بدلٌ منْ كُلِّ كفار وقولُه تعالَى فألقياه تكريرٌ للتوكيدِ أو مفعولٌ لمضمرٍ يفسرُهُ فألقياهُ
стр. 6761
﴿قَالَ قرِينُهُ﴾ أيِ الشيطانُ المقيضُ لَهُ وإنما استؤنفَ استئنافَ الجملِ الواقعةِ في حكايةِ المقاولةِ لما أنه جوابٌ لمحذوفٍ دلَّ عليهِ قولُه تعالَى ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ فإنُه منبىءٌ عن سابقةِ كلامٍ اعتذرَ بهِ الكافرُ كأنَّه قالَ هُو أطغانِي فأجابَ قرينُهُ بتكذيبهِ وإسنادُ الطغيانِ إليهِ بخلافِ الجملةِ الأُولى فإنَّها واجبةُ العطفِ عَلَى ما قبلَها دلالةٌ على أَنَّ الجمعَ بين مفهوميها في الحصولِ أعنِي مجيءَ كُلَّ نفسٍ معَ الملكينِ وقولَ قرينهِ ﴿وَلَكِن كَانَ﴾ هُو بالذاتِ ﴿فِى ضلال بَعِيدٍ﴾ من الحقِّ فأعنتُه عليهِ بالإغواءِ والدعوةِ إليهِ من غير فسر وإلجاءٍ كما فِي قولِه تعالَى وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلَاّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِى
стр. 6762
﴿قال﴾ استئناف مبني على سؤال نشأ مما قبله كأنَّه قيلَ فماذَا قالَ الله تعالَى فقيلَ قالَ ﴿لَا تَخْتَصِمُواْ لَدَىَّ﴾ أيْ في موقفِ الحسابِ والجزاءِ إذْ لا فائدةَ في ذلكَ ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بالوعيد﴾ عَلى الطغيانِ في دارِ الكسبِ في كُتبي وعَلى ألسنةِ رسلِي فلا تطعموا في الخلاصِ عَنْهُ بما أنتُم فيهِ من التعللِ بالمعاذيرِ الباطلةِ والجملةُ حالٌ فيَها تعليلٌ للنَّهِي عَلى مَعْنى لا تختصمُوا وقَدْ صحَّ عندكُم أنِّي قدمتُ إليكمْ بالوعيدِ حيثُ قلتُ لإبليس لاملان جهنم منك وممن تبعك منهم أجميعن فاتبعوه معرضينَ عن الحقِّ فلَا وجْهَ للاختصامِ في هَذا الوقتِ والباءُ مزيدةٌ أوْ معدية عَلى أنَّ قدَّمَ بمَعْنى تقدَّمَ وقَدْ جوِّز أنْ يكونَ قدمتُ واقعاً عَلى قولِه تعالَى
стр. 6763
﴿مَا يُبَدَّلُ القول لَدَىَّ﴾ الخ ويكون الوعيد متعلقاً بمحذوفٍ هو حالٌ منَ المفعولِ أوِ الفاعلِ أيْ وقَدْ قدمتُ إليكمْ هَذا القولَ ملتبساً بالوعيدِ مقترناً بهِ أو قدمتُه إليكُم مُوعداً لكُم بهِ فَلا تطمعُوا أنْ أبدلَ وعيدِي والعفوُ عنْ بعضِ المذنبينَ لأسبابٍ داعيةٍ إليهِ ليسَ بتبديلٍ فإنَّ دلائل العفوِ تدلُّ عَلى تخصيصِ الوعيدِ وقولُه تعالَى ﴿وَمَا أَنَاْ بظلام للعبيد﴾ وارد لتحقيقِ الحقِّ عَلى الوجهِ
стр. 6764
﴾ ٢ ٣٠
الكلى وتبين أنَّ عدمَ تبديلِ القولِ وتحقيقَ موجبِ الوعيدِ ليسَ منْ جهتِه تعالَى منْ غيرِ استحقاقٍ لهُ منهُمْ بَلْ إنما ذلكَ بما صدرَ عنْهم منَ الجناياتِ الموجبةِ لهُ حسبمَا أشيرَ إليهِ آنِفاً أيُ وَمَا أنَا بمعذبٍ للعبيدِ بغيرِ ذنب ليس يبظلم على ما تقرر من قاعدةِ أهلِ السُنَّةِ فضلاً عن كونِه ظلماً مُفرطاً لبيانِ كمالِ نزاهتِه تعالَى عنْ ذلكَ بتصويرِه بصورةِ ما يستحيلُ صدورُه عنْهُ سبحانَهُ منَ الظلمِ وصيغةُ المبالغةِ لتأكيدِ هَذا المَعْنى بإبرازِ ما ذُكر من التعذيبِ بغيرِ ذنبٍ في معرضِ المبالغةِ في الظلمِ وقيل هي لرعاية جميعه العبيدِ من قولِهم فلانٌ ظالمٌ لعبدهِ وظلَاّم لعبيدِه على اها مبالغة كما لا كيف
стр. 6765
﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امتلات وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ سؤالٌ وجوابٌ جيءَ بهمَا عَلى منهاجِ التمثيلِ والتخييل لتهويل أمرها ولمعنى أنَّها معَ اتِّساعِها وتباعدِ أقطارِها تطرحُ فيَها منَ الجِنَّةِ والنَّاسِ فوجاً بعدَ فوجٍ حَتَّى تمتلىء أو أنها من السعة بحيث يدخلها من يدخلها وفيها بعد محل فارغ أو انها لغيظها عى العصاة تطلب زيادتَهُم وقُرِىءَ يقولُ بالياءِ والمزيدُ إمَّا مصدرٌ كالمحيدِ والمجيدِ أو مفعولٌ كالمبيعِ ويوم ما منصوبٌ باذكُرْ أوْ أنذِرْ أو ظرف لنفخ فتكون ذلكَ حينئذٍ إشارةٌ إليهِ منْ غيرِ حاجةٍ إلى تقرير مضافٍ أو لمقدرٍ مؤخرٍ اى يكون من الأحو والأهوالِ ما يقصرُ عنْهُ المقالُ
стр. 6766
﴿وَأُزْلِفَتِ الجنة لِلْمُتَّقِينَ﴾ شروعٌ في بيانِ حالِ المؤمنينَ بعدَ النفخِ ومجيءِ النفوسِ إِلى موقفِ الحسابِ وقدْ مر سر تقديم حالِ الكفرةِ عليهِ وهو عطفٌ عَلى نُفِخَ أيْ قربتْ للمتقينَ عنِ الكفرِ والماعصى بحيثُ يُشاهدونها من الموقفِ ويقفُون عَلى ما فَيها من فنُون المحاسنِ فيبتهجُون بأنَّهم محشورونَ إليَها فائزونَ بَها وقولُه تعالَى ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ تأكيدٌ للإزلافِ أيْ مكاناً غيرَ بعيدٍ بحيثُ يشاهدُونَها أوْ حالُ كونِها غيرَ بعيدٍ أيْ شيئاً غيرَ بعيدٍ ويجوزُ أنْ يكونَ التَّذكيرُ لكونِه على زنةِ المصدرِ الذي يستوِي في الوصفِ بهِ المذكرُ والمؤنثُ أوْ لتأويلِ الجنةِ بالبستانِ
стр. 6767
﴿هذا مَا تُوعَدُونَ﴾ إشارةٌ إِلى الجَنَّةِ والتذكيرُ لَمَا أنَّ المشارَ إليهِ هُوَ المسمَّى منْ غيرِ أنْ يخطُر بالبالِ لفظٌ يدلُّ عليه فضلا عن تذكيرِه وتأنيثِه فإنَّهما منْ أحكامِ اللفظِ العربيِّ كَما مرَّ في قوله تعالى فَلَماَّ رَأَى الشمس بَازِغَةًً قَالَ هذا رَبّى وقولُه تعالَى وَلَمَّا رَأَى المؤمنون الأحزاب قَالُواْ هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ ويجوزُ أنْ يكونَ ذلكَ لتذكيرِ الخبرِ وقيلَ هُو إشارةٌ إلى ثواب وقيلَ إلى مصدرِ أزلفتْ وقُرِىءَ يُوعَدُونَ والجملةُ إمَّا اعتراضٌ بينَ البدلِ والمبدلِ مِنْهُ وإمَّا مقدرٌ بقولٍ هُوَ حالٌ منَ المتقينَ أو منَ الجنَّةِ والعاملُ أزلفتْ أيْ مقولاً لهُمْ أو مقولاً في حَقِّها هَذا ما توعدونَ ﴿لِكُلّ أَوَّابٌ﴾ أيْ رجَّاع إلى الله تعالَى بدلٌ منْ المتقينَ بإعادةِ الجارِّ ﴿حَفِيظٌ﴾ حافظ لتوبته من النقص وقيلَ هُوَ الذَّي يحفظُ ذنوبَهُ حتَّى يرجعَ عنْهَا ويستغفرَ مِنْها وقيلَ هُو الحافظُ لأوامرِ الله تعالَى وقيلَ لِمَا استودَعَهُ الله تعالَى مِنْ حقوقِها
стр. 6768
﴾ ٦ ٣ ﴿
стр. 6769
﴿مَّنْ خَشِىَ الرحمن بالغيب وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾ بدلٌ بعدَ بدلٍ أو بدلٌ منْ موصوفِ أوابٍ ولا يجوزُ أنْ يكونَ فِي حُكْمِهِ لأنَّ مَنْ لا يوصفُ بهِ ولا يوصفُ إلَاّ بالَّذي أو مبتدأٌ خبرُهُ
стр. 6770
﴿ادخلوها﴾ بتأويلِ يقالُ لَهُمْ ادخلوها والجمع باعبتار معنى من قوله تعالى بالغيبِ متعلقٌ بمحذوفٍ هو حال من فاعل خشيَ أو مفعولِه أو صفةٌ لمصدرِه أي خشيةً ملتبسةً بالغيبِ حيثُ خشِيَ عقابة وهو غائبٌ عنِ الأعينِ لا يراهُ أحدٌ والتعرضُ لعنوانِ الرحمانيةِ للإشارةِ بأنَّهمْ معَ خشيتِهم عقابَهُ راجونَ رحمتَهُ أوْ بأنَّ علمَهُم بسعةِ رحمته تعالى لايصدهم عنْ خشيتِه تعالَى وأنَّهم عاملونَ بموجبِ قولُه تعالَى نَبّىء عِبَادِى أَنّى أَنَا الغفور الرحيم وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ العذاب الأليم ووصفُ القلبِ بالإنابة لما أن العبرة برجوعه إلى الله تعالى ﴿بِسَلامٍ﴾ متعلق بمحذوف هو حال من فاعل ادخلوهَا أيْ ملتبسينَ بسلامةٍ منَ العذابِ وزوالِ النعمِ أو بسلامٍ من جهةِ الله تعالَى وملائكتِه ﴿ذلك﴾ إشارةٌ إلى الزمانِ الممتدِّ الذي وقعَ فِي بعضٍ منْهُ ما ذُكِرَ منَ الأمورِ ﴿يَوْمُ الخلود﴾ إذْ لا انتهاءَ لهُ أبداً
стр. 6771
﴿لهم ما يشاؤون﴾ منْ فنونِ المَطَالبِ كائناً ما كانَ ﴿فِيهَا﴾ متعلقٌ بيشاؤن وقيلَ بمحذوفٍ هُوَ حالٌ منَ الموصولِ أو مِنْ عائدِه المحذوفِ منْ صلتِه ﴿ولدينا مزيد﴾ هو مالا يخطُرُ ببالِهم ولا يندرجُ تحتَ مشيئتِهم مِنْ معالِي الكراماتِ التي لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمعتْ ولا خطر على قلب بشر وقيل إن السحاب تمرُّ بأهلِ الجنةِ فتمطرُهم الحُورَ فتقولُ نحنُ المزيدُ الذي قالَ تعالَى ولدينَا مزيدٌ
стр. 6772
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ﴾ أي قبلَ قومِك ﴿مّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً﴾ أي قوةً كعادٍ وَأَضْرابِها ﴿فَنَقَّبُواْ فِى البلاد﴾ أيْ خرقُوا فيَها ودوخُوا وتصرفُوا في أقطارِها أو جالُوا في أكنافِ الأرضِ كُلَّ مجالٍ حذارَ الموتِ وأصلُ التنقيبِ والنقبِ التنقيرُ عنِ الأمرِ والبحثُ والطلبُ والفاءُ للدِلالة على أنَّ شدةَ بطشِهم أقدرتْهُمْ عَلى التنقيبِ قيلَ هيَ عاطفةٌ في المَعَنى كأنَّه قيلَ اشتدَّ بطشُهم فنقبُوا الخ وَقُرِىءَ بالتخفيفِ ﴿هَلْ مِن مَّحِيصٍ﴾ أيْ هَلْ لهُمْ منْ مُخَلِّصٍ مَنْ أمرِ الله تعالَى والجملةُ إمَّا عَلى إضمارِ قولٍ هُو حالٌ منْ واوِ نقَّبُوا أيْ فنقَّبُوا فِي البلادِ قائلينَ هَلْ منْ محيصٍ أوْ عَلى إجراءِ التنقيبِ لِما فيهِ منْ مَعْنى التتبعِ والتفتيشِ مُجَرى القولِ أوْ هُوَ كلامٌ مستأنفٌ واردٌ لنفي أنْ يكونَ لَهُم محيصٌ وقيلَ ضميرُ نقَّبُوا لإهلِ مكةَ أيْ سارُوا في مسايرِهم وأسفارِهم في بلادِ القرونِ فَهلْ رَأَوا لهُمْ محيصاً حَتَّى يُؤمِّلُوا مثَلُه لأنفسِهم ويعضدُهُ القراءةُ عَلى صيغةِ الأمِرَ وقُرِىءَ فنقِّبُوا بكسرِ القافِ من النقَبِ وهُوَ أنْ ينتقبَ خفُّ البعيرِ أيْ أَكْثروا السيرَ حَتَّى نقِبتْ أقدامُهم أو أخفافُ إبلِهم
стр. 6773
﴾ ٧ ٤ ﴿
стр. 6774
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ أي فيمَا ذُكر من قصَّتهم وقيلَ فيَما ذكرَ في السورةِ ﴿لِذِكْرِى﴾ لتذكرةً وعِظةً ﴿لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ أيْ قلبٌ سليمٌ يدركُ به كُنْهَ ما يشاهدُه منِ الأمورِ ويتفكرُ فيَها كما ينبغِي فإنَّ مَنْ كانَ له ذلكَ يعلمُ أنَّ مدارَ دمارِهم هُو الكفرُ فيرتدعُ عَنْهُ بمجردِ مشاهدةِ الآثارِ من غيرِ تذكيرٍ ﴿أَوْ أَلْقَى السمع﴾ أيْ إلى مَا يُتلى عليهِ منَ الوحيِ النَّاطقِ بما جرَى عليهمْ فإنَّ منْ فعلَهُ يقفْ عَلى جلية الأمر فيزجر عَمَّا يؤدَّي إليهِ منَ الكفرِ فكلمةُ أَوْ لمنعِ الخلوِّ دونَ الجمعِ فإنَّ إلقاءَ السمعِ لا يُجدِي بدونِ سلامةِ القلبِ كَما يلوحُ بهِ قولُه تعالَى ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ أيْ حاضرٌ بفطنتهِ لأنَّ منْ لَا يَحْضُرُ ذهنُهُ فكأنَّه غائبٌ وتجريدُ القلبِ عما ذكرَ من الصفاتِ للإيذانِ بأنَّ منْ عُرِّيَ قلبُه عَنْهَا كمَنْ لَا قلبَ لَهُ أصلا
стр. 6775
﴿ولقد خلقنا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ منْ أصنافِ المخلوقاتِ ﴿فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا﴾ بذلكَ معَ كونِه ممَّا لا يَفِي بهِ القُوَى وَالقُدَرُ ﴿مِن لُّغُوبٍ﴾ مِنْ إعياءٍ مَا ولَا تعبٍ في الجملةِ وهَذَا ردٌّ علَى جَهَلةِ اليهودِ في زعمِهم أنه تعالى بدأخلق العالمِ يومَ الأحدِ وفرَغَ منْهُ يومَ الجمعةِ واستراحَ يومَ السبتِ واستلقَى على العرشِ سبحانَهُ وتعالَى عمَّا يقولونَ عُلوَّا كبيراً
стр. 6776
﴿فاصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ أيْ ما يقولُه المشركونَ في شأنِ البعثِ منَ الأباطيلِ المبنيةِ عَلى الإنكارِ والاستبعادِ فإنَّ مَنْ فعلَ هذهِ الأفاعيلَ بلا فتورٍ قادرٌ عَلى بعثِهم والانتقامِ منهُمْ أوْ ما يقولُه اليهودَ منْ مقالاتِ الكفرِ والتشبيهِ ﴿وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ﴾ أيْ نَزِّهَهُ تعالَى عنِ العجزِ عَمَّا يمكُن وَعَنْ وقوعِ الخُلفِ في أخبارِه التي مِن جُملتِها الإخبارُ بوقوعِ البعثِ وعنْ وصفهِ تعالَى بما يوجبُ التشبيَه حَامداً له تعالَى عَلى ما أنعمَ به عليكَ من إصابةِ الحقِّ وغيرِهَا ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ الغروب﴾ هُمَا وقتُ الفجرِ والعصرِ وفضيلتُهما مشهورةٌ
стр. 6777
﴿ومن الليل فَسَبّحْهُ﴾ وسَبِّحْهُ بعضَ الليلِ ﴿وأدبار السجود﴾ وأعقابّ الصلواتِ جمع دبر وقرئ بالكسرِ مِنْ أدبرتِ الصلاةُ إذَا انقضتْ وتمتْ ومعناهُ وقتُ انقضاءِ السجودِ وقيلَ المرادُ بالتسبيحِ الصلواتُ فالمَرادُ بما قبلَ الطلوعِ صلاةُ الفجرِ وبما قبلَ الغروبِ الظهرُ والعصرُ وبمَا مِنَ الليلِ العشاءانِ والتهجدُ ومَا يصلَّى بأدبار السجودِ النوافلُ بعدَ المكتوباتِ
стр. 6778
﴿واستمع﴾ أيْ لما يُوحَى إليكَ من أحوالِ القيامةِ وفيهِ تهويلٌ وتفظيعٌ للمخَبرِ به ﴿يوم يناد المناد﴾ أيْ إسرافيلُ أوْ جبريلُ ﵉ فيقولُ أيتَها العظامُ الباليةُ واللحومُ المتمزقةُ والشعورُ المتفرقةُ إنَّ الله يأمركُنَّ أنْ تجتمعنَ لفصلِ القضاءِ وقيلَ إسرافيلُ ينفخُ وجبريل ينادى بالحشر ﴿مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾ بحيث يصلُ
стр. 6779
٤٢ ٤٥
نداؤُه إِلى الكُلِّ عَلى سواءٍ وقيلَ من صخرةِ بيتِ المقدسِ وقيلَ من تحتِ أقدامِهم وقيلَ من منابتِ شعورِهم يُسمَعُ منْ كُلِّ شعرةٍ ولعلَّ ذلكَ في الإعادةِ مثلُ كُنْ في البدءِ
стр. 6780
﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصيحة﴾ بدلٌ منْ يومَ يُنادِي الخ وهي النفخةُ الثانيةُ ﴿بالحق﴾ متعلقٌ بالصيحةِ والعاملُ في الظرفِ ما يدلُّ عليهِ قولُه تعالَى ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخروج﴾ أيْ يوم يسمعونَ الصيحةَ ملتبسةً بالحقِّ الذَّي هو البعث يحرجون منَ القبورِ
стр. 6781
﴿إنا نحن نحيي وَنُمِيتُ﴾ في الدُّنيا منْ غيرِ أنْ يشاركَنَا في ذلكَ أحدٌ ﴿وَإِلَيْنَا المصير﴾ للجزاءِ في الآخرةِ لا إلى غيرنا لا استقلا ولا اشتراكاً
стр. 6782
﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرض عَنْهُمْ﴾ بحذف إحدى التاءين من تتشقق وقرئ بتشديدِ الشينِ وتُشقَّقُ عَلى البناءِ للمفعولِ من التفعيلِ وَتنشقُ ﴿سِرَاعاً﴾ مسرعينَ ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ﴾ بعث وجمعٌ وسوقٌ ﴿عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ أيْ هينٌ وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ لتخصيصِ اليُسْرِ بهِ تعالَى
стр. 6783
﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ مِنْ نفْي البعثِ وتكذيبِ الآياتِ الناطقةِ بهِ وغيرِ ذلكَ مما لا خيرَ فيهِ ﴿وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ بمتسلطٍ تقسرهُم علَى الإيمانِ أو تفعلُ بهمُ ما تريدُ وإنما أنتَ مذكر ﴿فذكر بالقرآن مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ وأما مَنْ عداهُم فنحنُ نفعلُ بهم ما توحيه أقوالُهم وتستدعيهِ أعمالُهم من ألوانِ العقابِ وفنونِ العذابِ عن النبي ﵊ من قرأ سورة ق هَوَّنَ الله عليهِ ثأرات الموت وسكراته
стр. 6784
﴾ ٦
﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾
стр. 6785
﴿و الذاريات ذروا﴾ أى الرياح االتى تذرو التراب وغيرها وقرئ بإدغام التاءِ في الذال
стр. 6786
﴿فالحاملات وِقْراً﴾ أيِ السحبِ الحاملةِ للمطرِ أو الرياحِ الحاملة للسحاب وقرئ وَقْرا عَلى تسميةِ المحمولِ بالمصدرِ
стр. 6787
﴿فالجاريات يُسْراً﴾ أيِ السفنُ الجاريةُ فِى البحرِ أو الرياحِ الجاريةِ في مهابِّها أوِ السحبِ الجاريةِ في الجوِّ بسوقِ الرياحِ أوِ الكواكبِ الجاريةِ فِي مجارِيها ومنازِلِها ويُسْراً صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ أيْ جرياً ذَا يُسْرٍ
стр. 6788
﴿فالمقسمات أَمْراً﴾ أي الملائكةِ الَّتيِ تقسّمُ الأمورَ منَ الأمطارِ والأرزاقِ وغيرِها أو السحبِ التَّي يقسمُ الله تعالَى بَها أرزاقَ العبادِ وقد جُوِّز أن يراد بالكُلِّ الرياحُ تنزيلاً لاختلافِ العنوانِ منزلةِ اختلافِ الذاتِ فإنها كما تذر وما تذرُوه تثيرُ السحابَ وتحملُه وتجْري في الجوِّ جرياً سهلاً وتقسمُ الأمطارَ بتصريفِ السحابِ في الأقطارِ فإنْ حُملت الأمورُ المقسمُ بها على ذواتٍ مختلفةٍ فالفاءُ لترتيبِ الإقسامِ باعتبارِ ما بينها من التفاوت في الدِلالة على كمال القدرةِ وإلَاّ فهيَ لترتيبِ ما صدرَ عن الريحِ مِنَ الأفاعيل فإنها تذر الأبخرةَ إلى الجوِّ حتَّى تنعقدَ سحاباً فتجريَ بهِ باسطةً لهُ إلى ما أمرتْ بهِ فتقسمُ المطرَ وقوله تعالى
стр. 6789
﴿إنما تُوعَدُونَ لصادق﴾ ﴿وَإِنَّ الدين لَوَاقِعٌ﴾ جوابٌ للقسمِ وفي تحصيص الأمورِ المذكورةِ بالإقسامِ بَها رمزٌ إلى شهادتِها بتحققِ مضمون الجملة المقسم عليها منْ حيثُ إنَّها أمورٌ بديعةٌ مخالفةٌ لمقتضَى الطبيعةِ فمَنْ قدرَ عَلَيها فهُو قادرٌ عَلى البعثِ الموعودِ وما موصولةٌ أو مصدريةٌ ووصفُ الوعدِ بالصدقِ كوصفِ العيشةِ بالرِّضَا وَالدِّينُ الجزاءُ ووقوعُه حصولُه
стр. 6790
٧ ١ ﴿
стр. 6791
﴿والسماء ذَاتِ الحبك﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ وقتادةُ وعكرمةُ ذاتُ الخَلْقِ المُستوِي وقالَ سعيدُ بنُ جُبَيرٍ ذاتُ الزينةِ وقالَ مجاهدٌ هيَ المتقنةُ البنيانِ وقالَ مقاتلٌ والكلبيُّ والضَّحاكُ ذاتُ الطرائقِ والمرادُ إمَّا الطرائقُ المحسوسةُ التَّي هيَ مسيرُ الكواكبِ أوِ المعقولةُ التَّي يسلُكُها النظارُ أوِ النجومُ فإنَّ لهَا طرائقَ وعنِ الحسنِ حَبْكُها نُجُومُها حيثُ تزينُها كما تزينُ المُوشَّى طرائقُ الوَشْي وهيَ إمَّا جمعُ حِبَاكٍ أو حَبِيكةٍ كَمِثَالٍ ومثل وطريقة وطرق وقرئ الحبك بوزنِ السِّلْكِ والحَبَكِ كالجَبَلِ والحَبْكِ كالبَرقِ والحِبَكِ كالنِّعَمِ والحِبِكِ كالإِبِلِ
стр. 6792
﴿إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ﴾ أيْ متخالفٍ متناقضِ وهُوَ قولُهم في حقِّه ﵊ تارةً شاعرٌ وأخْرى ساحرٌ وأخرى مجنونٌ وفي شأنِ القرآنِ الكريمِ تارةً شعرٌ وأُخْرى سحرٌ وأُخْرى أساطيرُ وفي هَذا الجواب تأييد ليكون الحبكِ عبارةً عنْ الاستواءِ كما يلوح به ما نُقلَ عنِ الضَّحاكِ منْ أنَّ قولَ الكفرةِ لا يكونُ مستوياً إنَّما هُو متناقضٌ مختلفٌ وقيلَ النكتةُ في هذا القسمِ تشبيهُ أقوالِهم في اختلافِها وتنافِي أغراضِها بطرائقِ السمواتِ في تباعدِها واختلافِ غاياتِها وليسَ بذاكَ
стр. 6793
﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ أيْ يُصرفُ عنِ القرآنِ أو الرسول ﵊ من صرف إذلا صرفَ أفظعُ منْهُ وأشدُّ وقيلَ يَصرفُ عَنْهُ منْ صُرفَ في علمِ الله تعالَى وقضائِه ويجوزُ أنْ يكونَ الضميرُ للقولِ المختلفِ عَلى مَعْنى يصدرُ إفكُ منْ أفكَ عنْ ذلكَ القولِ وقُرِىءَ مَنْ أفكَ عن ذلك القول وقرئ مَنْ أفكَ أيْ مَنْ أفكَ الناسَ وهُم قريشٌ حيثُ كانُوا يصدونَ الناسَ عنِ الإيمانِ
стр. 6794
﴿قُتِلَ الخراصون﴾ دعاءٌ عليهمْ كقولِه تعالَى قُتِلَ الإنسان مَا أَكْفَرَهُ وأصلُه الدعاءُ بالقتلِ والهلاكِ ثمَّ جَرى مجرى لعن والخرَّاصُونَ الكذَّابُونَ المقدرونَ ما لا صِحةَ لهُ وهُم أصحابُ القولِ المختلفِ كأنَّه قيلَ قُتِلَ هؤلاءِ الخرَّاصُونَ وقرئ قَتَل الخَرَّاصينَ أيْ قتلَ الله
стр. 6795
﴿الذين هُمْ فِى غَمْرَةٍ﴾ منَ الجهلِ والضَّلالِ ﴿ساهون﴾ غافلونَ عَمِّا أُمروا بهِ
следующие страницы →