← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 6896–6935 · переход к 6901.

стр. 6896

﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ﴾ منصوبٌ إلى السماءِ ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ صاعدينَ إلى كلامِ الملائكةِ وما يوحَى إليهم من علمِ الغيبِ حتى يعلمُوا ما هو كائنٌ من الأمورِ التي يتقوّلونَ فيها رجماً بالغيبِ ويعلِّقون بها أطماعَهم الفارغةَ ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بسلطان مُّبِينٍ﴾ بحجةٍ واضحةٍ تصدّق استماعَه

стр. 6897

﴿أَمْ لَهُ البنات وَلَكُمُ البنون﴾ تسفيهٌ لهم وتركيكٌ لعقولِهم وإيذانٌ بأنَّ من هذا رأيُه لا يكادُ يعدُّ من العقلاءِ فضلاً عن الترقِّي إلى عالمِ الملكوتِ والتطلعِ على الأسرارِ الغيبيةِ والالتفاتُ إلى الخطابِ لتشديدِ ما في أمِ المنقطعةِ من الإنكارِ والتوبيخِ

стр. 6898

﴿أم تسألهم أَجْراً﴾ رجوعٌ إلى خطابِه ﵊ وإعراضٌ عنْهُم أي بلْ أتسألُهم أجراً على تبليغِ الرسالةِ ﴿فَهُمُ﴾ لذلكَ ﴿مّن مَّغْرَمٍ﴾ من الالتزام غرامةٍ فادحةٍ ﴿مُّثْقَلُونَ﴾ محمّلونَ الثقلَ فلذلكَ لا يتبعونكَ

стр. 6899

٤٧ ٤ ﴿

стр. 6900

﴿أَمْ عِندَهُمُ الغيب﴾ أي اللوحُ المحفوظُ المُثبَتُ فيه الغيوبُ ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ ما فيه حتَّى يتكلمُوا في ذلكَ بنفىٍ أو إثباتٍ

стр. 6901

﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً﴾ هو كيدهم برسولِ الله ﷺ في دارِ الندوةِ ﴿فالذين كَفَرُواْ﴾ هم المذكورونَ ووضعُ الموصولِ موضعَ ضميرِهم للتسجيلِ عليهم بما في حيز الصلةِ من الكفرِ وتعليلِ الحكمِ به أو جميعُ الكفرةِ وهم داخلونَ فيهم دُخولاً أولياً ﴿هُمُ المكيدون﴾ أي هُم الذينَ يحيقُ بهم كيدُهم أو يعودُ عليهم وبالُه لا مَنْ أرادُوا أنْ يكيدُوه وهو ما أصابَهم يومَ بدرٍ أو هُم المغلوبونَ في الكيدِ من كايدتُه فكِدتُه

стр. 6902

﴿أَمْ لَهُمْ إله غَيْرُ الله﴾ يعينُهم ويحرسُهم من عذابِه ﴿سبحان الله عمَّا يُشركون﴾ أيْ عنْ إشراكِهم أو عن شركِة ما يُشركونَهُ

стр. 6903

﴿وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً﴾ قطعةً ﴿مّنَ السماء ساقطا﴾ لتعذيبِهم ﴿يَقُولُواْ﴾ من فرطِ طغيانِهم وعنادِهم ﴿سحاب مَّرْكُومٌ﴾ أي هُم في الطغيانِ بحيثُ لو أسقطناهُ عليهم حسبَما قالُوا أَوْ تُسْقِطَ السماء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا لقالُوا هذا سحابٌ تراكمَ بعضُه على بعضٍ يُمطرنا ولم يُصدِّقُوا أنه كِسَفٌ ساقطا للعذابِ

стр. 6904

﴿فَذَرْهُمْ حتى يلاقوا﴾ وقُرِىءَ حتى يلقَوا ﴿يَوْمَهُمُ الذى فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ على البناءِ للمفعولِ من صعقتْهُ الصَّاعقةُ أو من أصعقتْهُ وقُرِىءَ يَصعقُون بفتحِ الياءِ والعينِ وهو يومُ يصيبُهم الصعقةُ بالقتلِ يومَ بدرٍ لا النفخةُ الأولى كما قيلَ إذْ لا يُصعقُ بَها إلَاّ مَنْ كانَ حياً حينئذٍ ولأنَّ قولَه تعالى

стр. 6905

﴿يَوْمَ لَا يُغْنِى عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ أيْ شيئاً من الإغناءِ بدلٌ من يومَهم ولا يَخفْى أنَّ التعرضَ لبيانِ عدمِ نفعِ كيدِهم يستدعِي استعمالَهم له طمعاً في الانتفاعِ به وليسى ذلكَ إلا ما دبرُوه في امره ﷺ من الكيدِ الذي من جُملتِه مناصَبتُهم يومَ بدرٍ وأما النفخةُ الأولى فليستْ ممَّا يجري في مدافعتِه الكيدُ والحيلُ وقيل هو يومُ موتِهم وفيهِ ما فيهِ مع ما تأباهُ الإضافةُ المنبئةُ عن اختصاصِه بهم ﴿وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ من جهةِ الغيرِ في دفعِ العذابِ عنُهم

стр. 6906

﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أي لهُم ووضعُ الموصولِ موضعَ الضميرِ لما ذُكرَ من قبلُ أي وإنَّ لهؤلاءِ الظلمةِ ﴿عَذَاباً﴾ آخرَ ﴿دُونِ ذَلِكَ﴾ دُونَ ما لاقوه من القتلِ أي قبلَهُ وهو القحطُ الذي أصابَهُم سبعُ سنينَ أو وراءَهُ كما في قولِه ... تُريك القَذى منْ دُونِها

стр. 6907

٤٩ ٤٨ وهو دونها ... وهو عذابُ القبرِ وما بعَدُه من فنونِ عذابِ الآخرةِ وقُرىءَ دون ذلك قريبا ﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أن الأمر كما ذكر وفيه إشارة إلى أن فيهم مَنْ يعلمُ ذلكَ وإنما يصرُّ على الكُفرِ عنادا أولا يعلمونَ شيئاً أصلاً

стр. 6908

﴿واصبر لحكم ربك﴾ بإمامهم إلى يومِهم الموعودِ وإبقائِك فيمَا بينَهم معَ مقاساةِ الأحزانِ ومعاناةِ الهمومِ ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ أي في حفظنِا وحمايتِنا بحيثُ نراقبُكَ ونكلؤكَ وجمعُ العينِ لجمعِ الضميرِ والإيذانِ بغايةِ الاعتناءِ بالحفظِ ﴿وَسَبّحْ﴾ أيْ نزِّهه تعالَى عمَّا لا يليقُ به ملتبساً ﴿بِحَمْدِ رَبّكَ﴾ على نعمائِه الفائتةِ للحصرِ ﴿حِينَ تَقُومُ﴾ من أي مكانٍ قُمتَ قالَ سعيدُ بنُ جُبيرٍ وعطاءٌ أيْ قُلْ حينَ تقومُ من مجلسِكَ سبحانَكَ اللَّهم وبحمدِك وقالَ ابنُ عباسٍ ﵄ معناهُ صلِّ لله حينَ تقومُ من منامِك وقالَ الضحَّاكُ والربيعُ إذَا قُمتَ إلى الصَّلاةِ فقُلْ سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمُك وتعالَى جدُّك ولا إلَه غيرُكَ وقولُه تعالَى

стр. 6909

﴿ومن الليل فَسَبّحْهُ﴾ إفرادٌ لبعضِ الليلِ بالتسبيحِ لما أنَّ العبادةَ فيه أشقُّ على النفسِ وأبعدُ عن الرياءِ كما يلوحُ به تقديمُه على الفعلِ ﴿وإدبار النجوم﴾ أي وقتَ إدبارِها من آخرِ الليلِ أي غيبتِها بضوءِ الصباح وقيل التسبيحُ من الليلِ صلاةُ العشاءينِ وإدبارُ النجومِ صلاةُ الفجرِ وقُرِىءَ وأدبار النجومِ بالفتحِ أي في أعقابها إذا غربتْ أو خفيتْ عنِ النبيِّ ﵊ من قرأ سورة الطور كان حقَّا على الله تعالَى أنْ يُؤمِّنهُ من عذابِه وأنْ يُنعّمهُ في جنته

стр. 6910

النجم ٢ ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 6911

﴿و النجم إِذَا هوى﴾ المرادُ بالنجم إما الثرية فإنَّه اسمٌ غالبٌ لَهُ أو جنسُ النجومِ وبهَوِيّه غروبُه وقيلَ طلوعُه يقالُ هَوَى هَوِيا بوزن قبول إذا غربَ وهُوِيّا بوزنِ دخول إذا علا وصعِد وأما النجمُ من نجومِ القُرآنِ فهَوِيَّهُ نزولُه والعاملُ في إذَا فعلُ القسمِ بذلك فإنَّه بمعنى مطلقِ الوقتِ منسلخٌ من مَعْنى الاستقبالِ كَما في قولِك آتيكَ إذا حمر البُسْرُ وفي الإقسامِ بذلكَ على نزاهتِه ﵊ عن شائبِه الضلال والغَوايةِ من البراعةِ البديعةِ وحسن الموقع مالا غايةَ وراءَهُ أما على الأولينِ فلأنَّ النجمَ شأنُه أنُ يهتدِيَ بهِ السَّارِي إلى مسالكِ الدُّنيا كأنَّه قبل والنجمِ الذي يَهتدِي به السابلةُ إلى سواءِ السبيلِ

стр. 6912

﴿مَا ضَلَّ صاحبكم﴾ أيْ ما عدَلَ عن طريقِ الحقِّ الذي هُو مسلكُ الآخرةِ ﴿وَمَا غوى﴾ أيْ وما اعتقدَ باطلاً قطُّ أيْ هُو في غايةِ الهُدى والرُّشدِ وليسَ مما تتوهمونَهُ من الضلالِ والغوَايةِ في شىءٍ أَصلاً وأما على الثالثِ فلأنَّه تنويهٌ بشأنِ القُرآنِ كما أشيرَ إليه في مطلعِ سورةِ يس وسورةِ الزخرفِ وتنبيهٌ على مناطِ اهتدائِه ﵊ ومدارِ رشادِه كأنَّه قيلَ والقرآنِ الذي هُو عَلَمٌ في الهدايةِ إلى مناهجِ الدِّينِ ومسالكِ الحقِّ ما ضلَّ عنَها محمَّدٍ ﵊ وما غَوى والخطابُ لقريشٍ وإيرادُه ﵊ بعنوان صاحبيته لهم وللإيذان بوقوفِهم على تفاصيلِ أحوالِه الشريفةِ وإحاطتِهم خُبراً ببراءتِه ﵊ مما نفى عنه بالكلية واتصافه ﵊ بغايةِ الهُدَى والرشادِ فإنَّ طولَ صُحبتهِم له ﵊ ومشاهدتهم لمحاسن شؤنه العظيمةِ مقتضيةٌ لذلكَ حتْمَاً وتقييدُ القسمِ بوقت الهَوِيِّ على الوجهِ الأخيرِ ظاهرٌ وأمَّا على الأولينِ فلأنَّ النجمَ لا يهتدِي به السَّارِي عندَ كونِه في وسطِ السماءِ ولا يعلمُ المشرق من المغرب والا الشمالِ من الجنوبِ وإنما يهتدِي بهِ عندَ هبوطِه أو صعودِه معَ ما فيهِ من كمالِ المناسبةِ لما سيُحكى من تدلِّي جبريلَ من الأفقِ الأَعْلى ودنوِّه منْهُ ﵉ هذا هو اللائقُ بشأنِ التنزيلِ الجليلِ وأما حملُ هويه على انتثارِه يومَ القيامةِ أو على انقضا النجمِ الذي يرجمُ بهِ أو حملُ النجمِ على النباتِ وحملُ هويهِ على سقوطِه على الأرضِ أو

стр. 6913

٩ ﴿ على ظهورِه منها فمما لا يناسبُ المقامَ

стр. 6914

﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى﴾ أي وما يصدرُ نطقُه بالقرآنِ عن هَوَاهُ ورأيهِ أصلاً فإنَّ المرادَ استمرارُ نفي النطقِ عن الهوى لا نَفيُ استمرارِ النطقِ عنه كما مر مرار

стр. 6915

﴿إِنْ هُوَ﴾ أي مَا الذي ينطقُ به من القرآنِ ﴿إِلَاّ وَحْىٌ﴾ من الله تعالى وقوله تعالى ﴿يُوحَى﴾ صفةٌ مؤكدةٌ لوحي رافعةٌ لاحتمالِ المجازِ مفيدةٌ للاستمرارِ التجدديِّ

стр. 6916

﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القوى﴾ أي مَلَكٌ شديدٌ قُواهُ وهو جبريلَ ﵇ فإنَّه الواسطةُ في إبداءِ الخوارقِ وناهيكَ دليلاً على شدةِ قوتِه أنه قلعَ قُرَى قومِ لوطٍ من الماءِ الأسودِ الذي هو تحتَ الثَّرى وحملَها على جناحِه ورفعَها إلى السماءِ ثم قلبَها وصاحَ بثمودَ صيحةً فأصبحُوا جاثمينَ وكانَ هبوطُه على الأنبياءِ وصعودُه في أسرعَ منْ رجعةِ الطرفِ

стр. 6917

﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أي حصافةٍ في عقلِه ورأيِه ومتانةِ في دينِه ﴿فاستوى﴾ عطفٌ على علَّمه بطريقِ التفسير فإنَّه إلى قولِه تعالى ما أَوْحَى بيانٌ لكيفيةِ التعليمِ أي فاستقامَ على صورته التى خلقه الله تعالى عليها دون الصورة التي كانَ يتمثلُ بها كلما هبطَ بالوحَيْ وذلكَ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ أحبَّ أنْ يراهُ في صورتِه التي جُبلَ عليها وكان رسول الله ﷺ بحراءَ فطلعَ له جبريلُ ﵇ من المشرقِ فسدَّ الأرضَ من المغربِ وملأَ الأفقَ فخرَّ رسولُ الله ﷺ فنزل جبريل على السَّلامُ في صورةِ الآدميينَ فضمَّهُ إلى نفسِه وجعلَ يمسحُ الغُبارَ عن وجههِ قيلَ ما رآهُ أحدٌ من الأنبياءِ في صورتِه غيرُ النبيِّ عليهِ الصَّلاةُ ولاسلام فإنه رآه مرتينِ مرةً في الأرضِ ومرةً في السماءِ وقيلَ استوَى بقوتِه على ما جُعلَ له من الأمرِ وقولُه تعالَى

стр. 6918

﴿وهو بالأفق الأعلى﴾ أى أفقِ الشمسِ حالٌ منْ فاعلٍ استوى

стр. 6919

﴿ثُمَّ دَنَا﴾ أي أرادَ الدنوَّ من النبيِّ عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿فتدلى﴾ أي استرسلَ من الأفقِ الأَعْلى مع تعلقٍ بهِ فدنَا من النبيِّ يقالُ تدلّت الثمرةُ ودلَّى رجليهِ من السريرِ وأدلَى دلْوَهُ والدَّوالي الثمرُ المعلقُ

стр. 6920

﴿فَكَانَ﴾ أي مقدارُ امتدادِ ما بينَهما ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ أي مقدارَهُما فإنَّ القابَ والقيب والقادر والقِيْدَ والقِيْسَ

стр. 6921

﴾ ٤ ١٠ المقدارُ وقيلَ فكانَ جبريلَ ﵇ كَما في قولكَ هو مِنِّي معقدُ الإزارِ ﴿أَوْ أدنى﴾ أيْ عَلى تقديرِكم كَما في قوله تعالى أويزيدون والمرادُ تمثيلُ ملَكةِ الاتصالِ وتحقق استماعِه لما أُوحيَ إليه بنفِي البُعدِ المُلبسِ

стр. 6922

﴿فأوحى﴾ أي جبريلَ ﵇ ﴿إلى عَبْدِهِ﴾ عبدِ الله تعالَى وإضمارُه قبلَ الذكرِ لغايةِ ظُهورِه كَما في قوله تعالى ما ترك على ظرهها ﴿مَا أوحى﴾ أيْ من الأمورِ العظيمةِ التي لا تَفِي بها العبارةُ أو فأَوْحَى الله تعالى حينئذٍ بواسطةِ جبريلَ ما أَوْحى قيلَ أَوْحى إليهِ أنَّ الجنةَ محرمةٌ على الأنبياءِ حتى تدخلَها وعلى الأممِ حتى تدخلَها أمتكَ

стр. 6923

﴿مَا كَذَبَ الفؤاد﴾ أي فؤادُ محمَّدٍ ﵊ ﴿مَا رأى﴾ أي ما أراه ببصرِه من صورةِ جبريلَ ﵉ أي ما قال فؤداه لما رآهُ لم أعرفْكَ ولو قال ذلك لكنا كاذباً لأنه عرفَهُ بقلبِه كما رآهُ ببصرِه وقُرىءَ ما كذَّب أي صدَّقَهُ ولم يشك أن جبريلُ بصورتِه

стр. 6924

﴿أفتمارونه على مَا يرى﴾ أي أتكذبونَهُ فتجادلونه على ما يراهُ مُعاينةً أو أبعدَ ما ذُكر من أحوالِه المنافيةِ للمماراةِ تمارونَهُ من المراءِ وهو الملاحاةُ والمجادلةُ واشتقاقُه من مَرَى الناقةَ كأنَّ كلاًّ من المتجادلينَ يمرِي ما عندَ صاحبه وقرىء أتفمرونه أي أفتغلبونَهُ في المراءِ منْ ماريتُه فمريته ولِما فيهِ من مَعْنى الغلبةِ عُدِّيَ بعَلَى كما يقالُ غلبتُه عَلى كَذَا وقيلَ أفتمرونَهُ أفتجحدونَهُ من مَراهُ حقَّهُ إذَا جحدَهُ

стр. 6925

﴿ولقد رآه نَزْلَةً أخرى﴾ أي وبالله لقَدْ رأى جبريلَ في صورتِه مرةً أُخرى من النزولِ نصبت النزلُةَ نصبَ الظرفِ الذي هو مرةٌ لأن الفَعْلةَ اسمٌ للمرةِ من الفعلِ فكانتْ في حكمها وقيل تقديره ولقدرآه نازلاً نزلةً أُخْرى فنصبُها على المصدرِ

стр. 6926

﴿عِندَ سِدْرَةِ المنتهى﴾ هي شجرةُ نبْقٍ في السماءِ السابعةِ عن يمينِ العرشِ ثمرُها كقِلال هَجَرَ وورقُها كآذانِ الفيولِ تنبعُ من أصلِها الأنهارُ التي ذكرَهَا الله تعالَى في كتابِه يسير الراكب في ظلها سبعين عما لا يقطعُها والمُنْتهى موضعُ الانتهاءِ أو الانتهاءُ كأنَّها في مُنْتَهى الجنةِ وقيلَ إليها يَنْتهي علمُ الخلائقِ وأعمالهم ولايعلم أحدٌ ما وراءَها وقيلَ ينتهِي إليها أرواحُ الشهداءِ وقيلَ ينتهي إليها ما يهبط من فوقها ويصعد من تحتِها قيل إضافةُ السدرةِ إلى المُنْتهى إما إضافةُ الشيءِ إلى مكانِه كقولك شجر البستان وإضافة المحلِّ إلى الحالِّ كقولك كتابُ الفقهِ والتقديرُ سدرةٌ عندَها مُنتهى علومِ الخلائقِ أو إضافةُ المِلكَ إلى المالك على حذفِ الجارِّ والمجرورِ أي سدرةُ المُنْتَهى إليهِ هو الله قالَ تعالَى إلى ربِّكَ المُنْتهى

стр. 6927

﴾ ٠ ١٥

стр. 6928

﴿عِندَهَا جَنَّةُ المأوى﴾ أي الجنةُ التي يأوِي إليها المتقون أو أوراح الشهداءِ والجملةُ حاليةٌ وقيلَ الأحسنُ أن يكونَ الحالُ هُو الظرفَ وجنةُ المَأْوى مرتفعٌ به على الفاعليةِ وقولُه تعالى

стр. 6929

﴿إِذْ يغشى السدرة مَا يغشى﴾ ظرفُ زمانٍ لرآهُ لا لِما بعَدُه من الجملةِ المنفيةِ كما قيلَ فإنَّ مَا النافيةَ لا يعمل بعدَها فيما قبلَها والغشيانُ بمعنى التغطية والسترِ ومنه الغَوَاشِي أو بمَعْنى الإتيانِ يقالُ فلانٌ يشغاني كل حين أى يأتين والأولُ هو الأليقُ بالمقامِ وفي إبهامِ ما يغشَى من التفخيم مالا يخفى وتأخيرُه عن المفعولِ للتشويقِ إليهِ أي ولقد رآهُ عندَ السدرةِ وقتَ ما غشِيَها مما لا يكتنههه الوصفُ ولا يَفي به البيانُ كيفاً ولا كمَّاً وصيغةُ المضارعِ لحكايةِ الحالِ الماضيةِ استحضاراً لصورتِها البديعةِ وللإيذانِ باستمرار الغشيانِ بطريقِ التجددِ وقيلَ يغشاهَا الجمُّ الغفيرُ من الملائكةِ يعبدونَ الله تعالَى عندَها وقيلَ يزورُونها متبرّكينَ بها كما يزورُ الناسُ الكعبةَ وقيلَ يغشاهَا سبحاتُ أنوارِ الله حين يتجلَّى لها كما يتلجى للجبل لكنها أقوى من الجبلِ وأثبتَ حيثُ لم يُصبْها ما أصابَهُ من الدكِّ وقيلَ يغشاهَا فَراشٌ أو جرادٌ من ذهبٍ وهو قولُ ابن عبَّاسٍ وابن مسعود والضخاك وروى عنِ النبيِّ ﷺ أنَّه قالَ رأيتُ السدرةَ يغشاها فَراشٌ من ذهبٍ ورأيت على كل ورقة ملكا قائما يسبح الله تعالَى وعنْهُ ﵊ يغشاهَا رفرف من طيرٍ خُضرٍ

стр. 6930

﴿مَا زَاغَ البصر﴾ أي ما مالَ بصرُ رسولِ الله ﷺ عما رآهُ ﴿وَمَا طغى﴾ وما تجاوزُه مع ما شاهده هناكَ من الأمورِ العجيبةِ المذهلة مالا يُحصَى بل أثبتَهُ إثباتاً صحيحا متيقنا أوما عدلَ عن رؤيةِ العجائبِ التي أمر ابرؤيتها ومُكنَ منَها وما جاوزَها

стр. 6931

﴿لقد رأى من آيات رَبّهِ الكبرى﴾ أيْ والله لقدْ رَأَى الآياتِ التي هي كُبراهَا وعُظماهَا حين عُرج به إلى السماءِ فأرى عجائب الملك والملكوت مالا يُحيط به نِطاقُ العبارةِ ويجوزُ أنْ تكونَ الكُبرى صفةً للآياتِ والمفعولُ محذوفٌ أي شيئاً عظيماً من آياتِ ربِّه وأن تكونَ من مزيدة

стр. 6932

﴿أفرأيتم اللات والعزى﴾ ﴿ومناة الثالثة الأخرى﴾ هي أصنامٌ كانتْ لهم فاللاتُ كانتْ لثقيفٍ بالطائفِ وقيلَ لقريشٍ بنخلةَ وهيَ فعَلة من لَوَى لأنَّهم كانُوا يلوُون علَيها ويطوفُونَ بها وقُرِىءَ بتشديدِ التاءِ على أنَّه اسمُ فاعل اشتر به رجلٌ كانَ يلتُّ السمنَ بالزيتِ ويطعمُه

стр. 6933

﴾ ٢ ٢ ﴿ الحاجَّ وقيلَ كان يلتُّ السويقَ بالطائفِ ويطعمُه الحاجَّ فلمَّا ماتَ عكفُوا على قبرِه يعبدونَهُ وقيلَ كانَ يجلسُ على حجرٍ فلما ماتَ سُمِّيَ الحجرُ باسمِه وعُبدَ منْ دونِ الله وقيلَ كانَ الحجرُ على صورتِه والعُزَّى تأنيثُ الأعزِّ كانت لغطفان رهى سَمُرةً كانُوا يعبدونَها فبعثَ رسول الله ﷺ خالدَ بنَ الوليدِ فقطعَها فخرجتْ منَها شيطانةٌ ناشرةً شعرَها واضعةً يدَها على رأسِها وهي تُولْوِلُ فجعلَ خالدٌ يضربُها بالسيفِ حتى قتلَها فأخبرَ رسولَ الله ﷺ فقالَ تلكَ العُزَّى ولنْ تعبد أباد ومناةُ صخرةٌ لهُذَيلٍ وخُزاعةَ وقيلَ لثقيفٍ وكأنَّها سميتْ مناةَ لأنَّ دماءَ النسائِكَ تُمْنَى عندَها أي تُراقُ وقُرىءَ ومناءة وهي مفعلة من النواء كأنَّهم كانُوا يستمطرونَ عندَها الأنواء تبركا بها والأخرى صفةُ ذمَ لهَا وهي المتأخرةُ الوضيعةُ المقدارِ وقدْ جوزأن تكونَ الأوليةَ والتقدمَ عندهم للاتِ والعُزَّى ثمَّ أنَّهم كانُوا معَ ما ذُكِرَ من عبادتِهم لها يقولونَ إنَّ الملائكةَ وتلكَ الأصنامَ بناتُ الله تعالَى الله عن ذلكَ عُلواً كبيراً فقيل لهم توبيخا وتبكيتاأفرأيتم الخ والهمزةُ للإنكارِ والفاءُ لتوجيهه إلى ترتيب الرؤيةِ على ما ذكر من شؤن الله تعالى المنافيةِ لها غايةَ المُنافاةِ وهي قلبيةٌ ومفعولُها الثَّانِي محذوفٌ لدلالةِ الحال عليه فالمعنى عقيب ما سمعتُم من آثارِ كمالِ عظمةِ الله في مُلكِه وملكوتِه وجلالِه وجبروتِه وإِحكامِ قدرتِه ونفاذِ أمرِه في الملأ الأَعْلى وما تحتَ الثَّرى ومابينهما رأيتُم هذهِ الأصنامَ مع غايةِ حقارتِها وقماءتِها بناتٍ له تعالَى وقيلَ المعَنْى أفراءيتم هذه الأصنام مع حقراتها وذلَّتِها شركاءَ الله تعالَى معَ ما تقدمَ من عظمته وقيل أخبرون عن آلهتِكم هلْ لهَا شئ من القدرة والعظمة الت وُصفَ بها ربُّ العزةِ في الآي السابقةِ وقيلَ المَعْنى أظننتُم أنَّ هذه الأصنامَ التي تعبدونها تنفعُكم وقيل أظننتُم أنَّها تشفعُ لكُم في الآخرةِ وقيل أفرأيتُم إلى هذهِ الأصنامِ إنْ عبدتُموها لا تنفعْكُم وإنْ تركتُموَها لا تضرَّكم والأولُ هو الحقُّ كما يشهدُ به قولُه تعالَى

стр. 6934

﴿أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الانثى﴾ شهادةٌ بينةً فإنَّه توبيخٌ مبنيٌّ على التوبيخِ الأولِ وحيثُ كانَ مدارُه تفضيلَ جانب أنفسهم على حنابة تعالى بنسبتِهم إليه تعالى الإناثَ مع اختيارِهم لأنفسِهم الذكورَ وجبَ أن يكون مناطُ الأولِ نفسَ تلك النسبةِ حتَّى يتسنَّى بناءُ التوبيخ الثان وعليه ظاهر أنْ ليسَ في شيءٍ من التقديراتِ المذكورةِ من تلكَ النسبةِ عينٌ ولا أثرٌ وأما ما قيلَ من أنَّ هذه الجملةَ مفعول ثاني للرؤيةِ وخلوُّها عن العائدِ إلى المفعولِ الأولِ لما أنَّ الأصلَ أخبرونِي أن اللاتَ والعُزَّى ومناةَ ألكُم الذكرُ وله هُنَّ أي تلك الأصنام فوضع موضع الأُنثى لمراعاةِ الفواصلِ وتحقيقِ مناطِ التوبيخِ فمعَ ما فهي من التمحلاتِ التي ينبغي تنزيهُ ساحةِ التنزيلِ عن أمثالها يقتضِي اقتصارَ التوبيخِ على ترجيحِ جانبِهم الحقير على جنابِ الله العزيز الجليلِ من غيرِ تعرضٍ للتوبيخِ على نسبةُ الولِد إليه سبحانَه

стр. 6935

﴿تِلْكَ﴾ إشارةٌ إلى القسمةِ المنفهمةِ من الجملةِ الاستفهاميةِ ﴿إِذاً قِسْمَةٌ ضيزى﴾ أي جائرةً حيثُ جعلتُم له تعالى ما تستنكرون
следующие страницы →