Полный текст (8 642 стр.). Показаны 6931–6970 · переход к 6936.
стр. 6931
﴿لقد رأى من آيات رَبّهِ الكبرى﴾ أيْ والله لقدْ رَأَى الآياتِ التي هي كُبراهَا وعُظماهَا حين عُرج به إلى السماءِ فأرى عجائب الملك والملكوت مالا يُحيط به نِطاقُ العبارةِ ويجوزُ أنْ تكونَ الكُبرى صفةً للآياتِ والمفعولُ محذوفٌ أي شيئاً عظيماً من آياتِ ربِّه وأن تكونَ من مزيدة
стр. 6932
﴿أفرأيتم اللات والعزى﴾ ﴿ومناة الثالثة الأخرى﴾ هي أصنامٌ كانتْ لهم فاللاتُ كانتْ لثقيفٍ بالطائفِ وقيلَ لقريشٍ بنخلةَ وهيَ فعَلة من لَوَى لأنَّهم كانُوا يلوُون علَيها ويطوفُونَ بها وقُرِىءَ بتشديدِ التاءِ على أنَّه اسمُ فاعل اشتر به رجلٌ كانَ يلتُّ السمنَ بالزيتِ ويطعمُه
стр. 6933
﴾ ٢ ٢ ﴿
الحاجَّ وقيلَ كان يلتُّ السويقَ بالطائفِ ويطعمُه الحاجَّ فلمَّا ماتَ عكفُوا على قبرِه يعبدونَهُ وقيلَ كانَ يجلسُ على حجرٍ فلما ماتَ سُمِّيَ الحجرُ باسمِه وعُبدَ منْ دونِ الله وقيلَ كانَ الحجرُ على صورتِه والعُزَّى تأنيثُ الأعزِّ كانت لغطفان رهى سَمُرةً كانُوا يعبدونَها فبعثَ رسول الله ﷺ خالدَ بنَ الوليدِ فقطعَها فخرجتْ منَها شيطانةٌ ناشرةً شعرَها واضعةً يدَها على رأسِها وهي تُولْوِلُ فجعلَ خالدٌ يضربُها بالسيفِ حتى قتلَها فأخبرَ رسولَ الله ﷺ فقالَ تلكَ العُزَّى ولنْ تعبد أباد ومناةُ صخرةٌ لهُذَيلٍ وخُزاعةَ وقيلَ لثقيفٍ وكأنَّها سميتْ مناةَ لأنَّ دماءَ النسائِكَ تُمْنَى عندَها أي تُراقُ وقُرىءَ ومناءة وهي مفعلة من النواء كأنَّهم كانُوا يستمطرونَ عندَها الأنواء تبركا بها والأخرى صفةُ ذمَ لهَا وهي المتأخرةُ الوضيعةُ المقدارِ وقدْ جوزأن تكونَ الأوليةَ والتقدمَ عندهم للاتِ والعُزَّى ثمَّ أنَّهم كانُوا معَ ما ذُكِرَ من عبادتِهم لها يقولونَ إنَّ الملائكةَ وتلكَ الأصنامَ بناتُ الله تعالَى الله عن ذلكَ عُلواً كبيراً فقيل لهم توبيخا وتبكيتاأفرأيتم الخ والهمزةُ للإنكارِ والفاءُ لتوجيهه إلى ترتيب الرؤيةِ على ما ذكر من شؤن الله تعالى المنافيةِ لها غايةَ المُنافاةِ وهي قلبيةٌ ومفعولُها الثَّانِي محذوفٌ لدلالةِ الحال عليه فالمعنى عقيب ما سمعتُم من آثارِ كمالِ عظمةِ الله في مُلكِه وملكوتِه وجلالِه وجبروتِه وإِحكامِ قدرتِه ونفاذِ أمرِه في الملأ الأَعْلى وما تحتَ الثَّرى ومابينهما رأيتُم هذهِ الأصنامَ مع غايةِ حقارتِها وقماءتِها بناتٍ له تعالَى وقيلَ المعَنْى أفراءيتم هذه الأصنام مع حقراتها وذلَّتِها شركاءَ الله تعالَى معَ ما تقدمَ من عظمته وقيل أخبرون عن آلهتِكم هلْ لهَا شئ من القدرة والعظمة الت وُصفَ بها ربُّ العزةِ في الآي السابقةِ وقيلَ المَعْنى أظننتُم أنَّ هذه الأصنامَ التي تعبدونها تنفعُكم وقيل أظننتُم أنَّها تشفعُ لكُم في الآخرةِ وقيل أفرأيتُم إلى هذهِ الأصنامِ إنْ عبدتُموها لا تنفعْكُم وإنْ تركتُموَها لا تضرَّكم والأولُ هو الحقُّ كما يشهدُ به قولُه تعالَى
стр. 6934
﴿أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الانثى﴾ شهادةٌ بينةً فإنَّه توبيخٌ مبنيٌّ على التوبيخِ الأولِ وحيثُ كانَ مدارُه تفضيلَ جانب أنفسهم على حنابة تعالى بنسبتِهم إليه تعالى الإناثَ مع اختيارِهم لأنفسِهم الذكورَ وجبَ أن يكون مناطُ الأولِ نفسَ تلك النسبةِ حتَّى يتسنَّى بناءُ التوبيخ الثان وعليه ظاهر أنْ ليسَ في شيءٍ من التقديراتِ المذكورةِ من تلكَ النسبةِ عينٌ ولا أثرٌ وأما ما قيلَ من أنَّ هذه الجملةَ مفعول ثاني للرؤيةِ وخلوُّها عن العائدِ إلى المفعولِ الأولِ لما أنَّ الأصلَ أخبرونِي أن اللاتَ والعُزَّى ومناةَ ألكُم الذكرُ وله هُنَّ أي تلك الأصنام فوضع موضع الأُنثى لمراعاةِ الفواصلِ وتحقيقِ مناطِ التوبيخِ فمعَ ما فهي من التمحلاتِ التي ينبغي تنزيهُ ساحةِ التنزيلِ عن أمثالها يقتضِي اقتصارَ التوبيخِ على ترجيحِ جانبِهم الحقير على جنابِ الله العزيز الجليلِ من غيرِ تعرضٍ للتوبيخِ على نسبةُ الولِد إليه سبحانَه
стр. 6935
﴿تِلْكَ﴾ إشارةٌ إلى القسمةِ المنفهمةِ من الجملةِ الاستفهاميةِ ﴿إِذاً قِسْمَةٌ ضيزى﴾ أي جائرةً حيثُ جعلتُم له تعالى ما تستنكرون
стр. 6936
﴾ ٥ ٢ ﴿
منه وهي فُعْلَى من الضيزِ وهُو الجورُ لكنَّه كُسرَ فاؤُه لتسلمَ الياءُ كما فُعلَ في بِيْضٍ فإنَّ فِعْلى بالكسرِ لم يأتِ في الوصفِ وقُرِىءَ ضئزى بالهزة من ضأَزَهُ إذا ظلمَهُ على أنه مصدر نعت به وقُرِىءَ ضَيزى إمَّا على أنَّه مصدرٌ وصف به كدعوى أو على أنه صفةٌ كسَكْرى وعطشى
стр. 6937
﴿إِنْ هِىَ﴾ الضميرُ للأصنامِ أيْ ما الأصنامُ باعتبار الأولوهية التي يدَّعُونها ﴿إِلَاّ أَسْمَاء﴾ محضةٌ ليسَ تحتَها مما تنبىءُ هي عنْهُ من معنى الأولوهية شيءٌ ما أصلاً وقوله تعالى ﴿سَمَّيْتُمُوهَا﴾ صفة لأسماء وضميرها لها لا للأصنام والمعَنْى جعلتمُوها أسماءً لا جعلتُم لها أسماءً فإنَّ التسميةَ نسبةً بين الاسمِ والمُسمَّى فإذا قيستْ إلى الإسمِ فمعناهَا جعلُه إسماً للمسمَّى وإن قيستْ إلى المسمَّى فمعناهَا جعلُه مسمَّى للإسمِ وإنما اختيرَ ههنا المعَنْى الأولُ من غيرِ تعرضٍ للمسمَّى لتحقيق أن تلكَ الأصنامَ التي يسمُّونها آلهةً أسماءً مجردةٌ ليسَ لها مسمياتٌ قطعاً كما في قوله تعالى مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَاّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا الآيةَ لا أنَّ هناكَ مسمياتٍ لكنَّها لا تستحقُ التسميةَ وقيلَ هي للأسماءِ الثلاثةِ المذكورةِ حيثُ كانُوا يطلقونَها على تلك الأصنامِ لاعتقادِهم أنَّها تستحقُّ العكوفَ على عبادتِها والإعزازَ والتقربَ إليها بالقرابينِ وأنتَ خبيرٌ بأنَّه لو سُلِّم دلالةُ الأسماءِ المذكورةِ على ثبوت تلك المعانِي الخاصَّةِ للأصنامِ فليسَ في سلبِها عنها مزيدُ فائدةٍ بل إنَّما هي في سلبِ الألوهيةِ عنها كما هو زعمُهم المشهورُ في حقِّ جميعِ الأصنامِ على وجهٍ برهانيَ فإنَّ انتفاءَ الموصوفِ يقتضِي انتفاءَ الوصفِ بطريقِ الأولويةِ أيْ ما هيَ إلا أسماءٌ خالية عن المسميات وضعتموها ﴿أنتم ولا آباؤكم﴾ بمقتضَى أهوائِكم الباطلةِ ﴿مَّا أَنزَلَ الله بِهَا مِن سلطان﴾ برهانٍ تتعلقونَ به ﴿إِن يَتَّبِعُونَ﴾ التفاتٌ إلى الغيبة للإذيان بأنَّ تعدادَ قبائحِهم اقتضَى الإعراضِ عنهم وحكايةِ جناياتِهم لغيرِهم أي ما يتبعونَ فيما ذُكرَ من التسميةِ والعملِ بموجِبها ﴿إِلَاّ الظن﴾ إلا توهَم أَن ما هُم عليهِ حقٌّ توهماً باطلاً ﴿وَمَا تَهْوَى الأنفس﴾ أي تشتهيِه أنفسُهم الأمارةُ بالسُّوءِ ﴿وَلَقَدْ جَاءهُم مّن رَّبّهِمُ الهدى﴾ قيلَ هي حالٌ من فاعلِ يتبعونَ أو اعتراضٌ وأياً ما كان ففيهِ تأكيدٌ لبطلانِ اتباعِ الظنِّ وهو النفسُ وزيادةُ تقبيحٍ لحالِهم فإنَّ اتباعهما من أيِّ شخصٍ كان قبيحٌ وممن هداهُ الله تعالى بإرسال الرسول ﷺ وإنزالِ الكتابِ أقبحُ
стр. 6938
﴿أَمْ للإنسان مَا تمنى﴾ أمْ منقطعةٌ وما فيَها من بَلْ للانتقالِ من بيانِ أنَّ ما هُم عليه مستندٍ إلا إلى توهمِهم وهى أنفسِهم إلى بيانِ أنَّ ذلكَ ممَّا لا يُجدي نفعاً أصلاً والهمزةُ للإنكارِ والنَّفي أي ليسَ للإنسانِ كلُّ ما يتمنَّاهُ وتشتهيِه نفُسه من الأمورِ التي من جُمْلتِها أطماعُهم الفارغةُ في شفاعةِ الآلهةِ ونظائرِها التي لا تكادُ تدخلُ تحتَ الوجودِ
стр. 6939
﴿فَلِلَّهِ الأخرة والأولى﴾ تعليلٌ لانتفاءِ أنْ يكونَ للإنسانِ ما يتمنَّاهُ حتماً فإنَّ اختصاصَ
стр. 6940
﴾ ٩ ٢٦
أمور الآخرة والأولى جميع بهِ تعالى مقتضٍ لانتفاءِ أن يكونَ له أمرٌ من الأمور وقولُه تعالى
стр. 6941
﴿وَكَمْ مّن مَّلَكٍ فِى السماوات لَا تُغْنِى شفاعتهم شَيْئاً﴾ إقناطٌ لهم عمَّا علَّقوا به أطماعَهم من شفاعةِ الملائكةِ لهم موجبٌ لإقناطِهم من شفاعةِ الأصنامِ بطريقِ الأولويةِ وكم خبريةٌ مفيدةٌ للتكثيرِ محلُّها الرفعُ على الابتداءِ والخبرُ هي الجملةُ المنفيةُ وجمعُ الضميرِ في شفاعتِهم مع إفرادِ المَلكِ باعتبارِ المَعْنى أي وكثيرٌ من الملائكةِ لا تُغني شفاعتُهم عند الله تعالى شيئاً من الإغناءِ في وقتٍ من الأوقاتِ ﴿إلا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ الله﴾ لهمُ في الشفاعةِ ﴿لِمَن يَشَاء﴾ إنْ يشفعوا له ﴿ويرضى﴾ ويراهُ أهلاً للشفاعةِ من أهلِ التوحيدِ والإيمانِ وأمَّا مَنْ عداهُم من أهلِ الكفرِ والطغيانِ فهمُ من إذنِ الله تعالى بمعزل ومن الشفاعة ألف منزلٍ فإذا كانَ حالُ الملائكةِ في بابِ الشفاعةِ كما ذُكِرَ فما ظنُّهم بحالِ الأصنامِ
стр. 6942
﴿إِنَّ الذين لَا يُؤْمِنُونَ بالأخرة﴾ وبما فيها من العقابِ على ما يتعاطَونه من الكفرِ والمَعَاصي ﴿لَيُسَمُّونَ الملائكة﴾ المنزهينَ عن سماتِ النقصان على الإطلاق يسمون كلَّ واحدٍ منهم ﴿تَسْمِيَةَ الأنثى﴾ فإن قولَهم الملائكةُ بناتُ الله قولُ منهُم بأنَّ كلاً منهم بنتُه سبحانَهُ وهي التسميةُ بالأُنثى وفي تعليقِها بعدمِ الإيمانِ بالآخرةِ إشعارٌ بأنَّها في الشناعةِ والفظاعةِ واستتباعِ العقوبةِ في الآخرةِ بحيثُ لا يجترىءُ عليها إلا من يؤمنُ بَها رأساً وقولُه تعالى
стр. 6943
﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ حالٌ من فاعِل يسمون أى يسمونه والحالُ أنَّه لا علمَ لهم بما يقولونَ أصلاً وقُرىءَ بَها أي بالملائكةِ أو بالتسميةِ ﴿إِن يَتَّبِعُونَ﴾ في ذلكَ ﴿إِلَاّ الظنَّ﴾ الفاسدَ ﴿وَإِنَّ الظن﴾ أي جنسَ الظنِّ كما يلوحُ به الإظهارُ في موقعِ الإضمارِ ﴿لَا يُغْنِى مِنَ الحق شَيْئًا﴾ من الإغناءِ فإن الحقَّ الذي هو عبارةٌ عن حقيقةِ الشيءِ لا يُدرك إلا بالعلمِ والظنُّ لا اعتدادَ به في شأنِ المعارفِ الحقيقيةِ وإنما يعتدُّ به في العملياتِ وما يؤدِّي إليها
стр. 6944
﴿فأعرض عن من تولى عَن ذِكْرِنَا﴾ أي عنْهم ووضع الموصول موضع ضميرهم للتوسل به إلى وصفُهم بما في حيزِ صلتِه من الأوصافِ القبيحةِ وتعليلِ الحكمِ بهَا أيْ فأعرضْ عمَّن أعرضَ عن ذكرِنا المفيدِ للعلمِ اليقينيِّ وهو القُرآنُ المُنطوي عَلى علومِ الأولينَ والآخرينَ المذكرِ لأمورِ الآخرةِ أو عن ذكرِنا كما ينبغِي فإنَّ ذلكَ مستتبعٌ لذكرِ الآخرةَ وما فيها من الأمور المرغوبِ فيها والمرهوبِ عنَها ﴿وَلَمْ يُرد إِلَاّ الحياةَ الدنيا﴾ راضياً بها قاصراً نظرَهُ عليها والمرادُ النهيُ عن دعوتِه والاعتناءُ بشأنِه قال من أعرضَ عمَّا ذُكرَ وانهمكَ في الدُّنيا بحيثُ كانتْ هي مُنتهَى همتِه وقُصارَى سعيِه
стр. 6945
﴾ ١ ٣٠
لا تزيدُه الدعوةُ إلى خلافِها إلا عناداً وإصراراً على الباطلِ
стр. 6946
﴿ذلك﴾ أي ما أدَّاهم إلى ما هم فيه من التولِّي وقصْرِ الإرادةِ على الحياةِ الدُّنيا ﴿مَبْلَغُهُمْ مّنَ العلم﴾ لا يكادونَ يجاوزونَهُ إلى غيرهِ حتَّى تُجديهم الدعوةُ والإرشادُ وجمعُ الضميرِ في مبلغُهم باعتبارِ مَعْنى مَنْ كما أن إفراده فيما سبق باعتبارِ لفظِها والمرادُ بالعلمِ مطلقُ الإدراكِ المنتظمِ للظنِّ الفاسدِ والجملةُ اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبلَها من قصرِ الإرادةِ على الحياةِ الدُّنيا وقولُه تعالَى ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أعلم بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهتدى﴾ تعليلٌ للأمرِ بالإعراضِ وتكريرُ قولِه تعالى هو أعلمُ لزيادةِ التَّقريرِ والإيذانِ بكمالِ تباينِ المعلومَينِ والمرادُ بمَنْ ضَلَّ منْ أصرَّ عليهِ ولم يرجعُ إلى الهُدَى أصلاً وبمَنْ اهتدَى من مَنْ شأنُه الاهتداءُ في الجملةِ أي هو المبالغُ في العلمِ بمن لا يرعوِي عنِ الضلالِ أبداً وبمن يقبلُ الاهتداءَ في الجملةِ لا غيرُه فلا تُتعبْ نفسَك في دعوتِهم فإنه من القبيلِ الأولِ وفي تعليلِ الأمرِ بإعراضِه ﵇ عن الاعتناءِ بأمرِهم باقتصارِ العلمِ بأحوالِ الفريقينِ عليهِ تعالَى رمزٌ إلى أنَّه تعالَى يعاملُهم بموجبِ علمِه بهم فيجزى كلاً منْهم بما يليقُ بهِ من الجزاءِ ففيهِ وعيدٌ ووعدٌ ضِمناً كما سيأتي صَريحاً
стр. 6947
﴿ولله ما في السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ أي خلقا وملكا لالغيره أصلا لا استقلال ولا اشتراكاً وقوله تعالى ﴿لِيَجْزِىَ﴾ الخ متعلقٌ بما دلَّ عليهِ أعلمُ الخ وما بينهما اعتراض مقرر لما قبلَهُ فإنَّ كونَ الكلِّ مخلوقاً له تعالى ممَّا يقررُ علمَهُ تعالَى بأحوالِهم أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ كأنَّه قيلَ فيعلمُ ضلالَ من ضلَّ واهتداءَ من اهتدَى ويحفظُهما ليجزيَ ﴿الذين أساؤوا بِمَا عَمِلُواْ﴾ أي بعقابِ ما عملُوا من الضلالِ الذي عبَّر عنْهُ بالإساءةِ بياناً لحالهِ أو بسببِ ما عملوا ﴿وَيِجْزِى الذين أَحْسَنُواْ﴾ أي اهتدوا ﴿بالحسنى﴾ أي بالمثوبةِ الحْسْنَى التي هي الجنةُ أو بسببِ أعمالِهم الحُسْنَى وقيلَ متعلقٌ بما دل عليه قوله تعالى وَللَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فى الأرض كأنَّه قيلَ خلقَ ما فيهمَا ليجزيَ الخ وقيلَ متعلقٌ بضلَّ واهتدَى على أن اللامَ للعاقبةِ أي هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ ليؤول أمره إلى أن يجزيَهُ الله تعالى بعملِه وبمنِ اهتدَى ليؤولَ أمرُهُ إلى أنْ يجزيَهُ بالحُسْنَى وفيه من البعد مالا يَخْفى وتكريرُ الفعلِ لإبرازِ كمالِ الاعتناءِ بأمرِ الجزاءِ والتنبيهِ على تباينِ الجزاءينِ
стр. 6948
﴾ ٤ ٣ ﴿
стр. 6949
﴿الذين يَجْتَنِبُونَ كبائر الإثم﴾ بدل من الموصول الثان وصيغةُ الاستقبال في صلتِه للدلالةِ على تجددِ الاجتناب أو استمراره أو بيانٌ أو نعتٌ أو منصوبٌ على المدحِ وكبائرُ الإثمِ ما يكبرُ عقابُه من الذنوبِ وهو ما رتبَ عليه الوعيدُ بخصوصِه وقُرِىءَ كبيرَ الإثمِ على إرادةِ الجنسِ أو الشركِ ﴿والفواحش﴾ وما فُحش من الكبائِر خُصُوصاً ﴿إِلَاّ اللمم﴾ أي إلا ما قلَّ وصغُرَ فإنَّه مغفورٌ ممَّن يجتنبُ الكبائرَ قيلَ هي النظرةُ والغمزةُ والقبلةُ وقيلَ هي الخطرةُ من الذنبِ وقيلَ كلُّ ذنبٍ لم يذكرِ الله عليهِ حدَّاً ولا عذاباً وقيلَ عادةُ النفسِ الحينِ بعد الحين والاستثناءُ منقطعٌ ﴿إِنَّ رَبَّكَ واسع المغفرة﴾ حيث يغفرُ الصغائرَ باجتنابِ الكبائرِ فالجملةُ تعليلٌ لاستثناءِ اللممِ وتنبيهٌ على أنَّ إخراجَهُ عن حُكمِ المؤاخذةِ به ليسَ لخلوهِ عن الذنبِ في نفسِه بل لسَعةِ المغفرةِ الربانَّيةِ وقيلَ المَعْنى له أن يغفرَ لمن يشاءُ من المؤمنينَ ما يشاءُ من الذنوبِ صغيرِها وكبيرها لعل تعقيب وعد المسييئين ووعدِ المحسنينَ بذلكَ حينئذٍ لئلَاّ ييأسَ صاحبُ الكبيرةِ من رحمتِه تعالى ولا يتوهَم وجوبَ العقابِ عليه تعالى ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ أى بأحولكم يعلمُها ﴿إِذْ أَنشَأَكُمْ﴾ في ضمنِ إنشاءِ أبيكم آدمَ ﵇ ﴿مّنَ الأرض﴾ إنشاءً إجمالياً حسبَما مرَّ تقريرُه مراراً ﴿وَإِذْ أَنتُمْ أجنة﴾ أى وقت كونِكم أجنةً ﴿فِى بُطُونِ أمهاتكم﴾ على أطوار مخلتفة مترتبة لا يخفى عليها حالٌ من أحوالِكم وعملٌ من أعمالِكم التي منْ جُملتِها اللممُ الذي لولا المغفرةُ الواسعةُ لأصابكُم وبالُه فالجملةُ استئنافٌ مقرِّر لما قبلَها والفاءُ في قولِه تعالى ﴿فَلَا تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ﴾ لترتيبِ النَّهي عن تزكيةِ النفسِ على ما سبقَ منْ أنَّ عدمَ المؤاخذةِ باللممِ ليسَ لعدمِ كونِه من قبيلِ الذنوبِ بلْ لمحضِ مغفرتِه تعالى مع علمه بصدروه عنكُم أي إذَا كانَ الأمرُ كذلكَ فلا تُثنوا عليها بالطهارةِ عن المعاصِي بالكليةِ أو بما يستلزمُها من زكاءِ العملِ ونماءِ الخير بلِ اشكرُوا الله تعالى على فضلهِ ومغفرتِه ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتقى﴾ المعاصيَ جميعاً وهو استئنافٌ مقررٌ للنَّهي ومشعرٌ بأنَّ فيهم منْ يتقيها بأسرِها وقيلَ كانَ ناسٌ يعملونَ أعمالاً حسنةً ثم يقولونَ صلاتُنا وصيامُنا وحجُّنا فنزلتْ وهَذا إذا كانَ بطريقِ الإعجابِ أو الرياءِ فأمَّا من اعتقدان ما عملَهُ من الأعمالِ الصالحةِ من الله تعالى وبتوفيقِه وتأييدهِ ولم يقصدْ بهِ التمدحَ لم يكنْ من المزكينَ أنفسَهُم فإن المسرةَ بالطاعةِ طاعةٌ وذكرَهَا شكرٌ
стр. 6950
﴿أَفَرَأَيْتَ الذى تولى﴾ أي عنِ اتباعِ الحقِّ والثباتِ عليهِ
стр. 6951
﴿وأعطى قَلِيلاً﴾ أي شيئاً قليلاً أو إعطاءً قليلاً ﴿وأكدى﴾ أي قطعَ العطاءَ
стр. 6952
﴾ ٩ ٣٥
من قولِهم أكدَى الحافرُ إذا بلغَ الكُديةَ أي الصَّلابةَ كالصَّخرةِ فلا يمكنه أنْ يحفرَ قالُوا نزلتْ في الوليد ابن المغيرةَ كانَ يتبعُ رسول الله ﷺ فعيَّره بعضُ المشركينَ وقالَ له تركتَ دينَ الأشياخِ وضلَّلتَهم فقالَ أخشَى عذابَ الله فضمن أنْ يتحملَ عنه العذابَ إن أعطاهُ بعضَ مالِه فارتدَّ وأعطاهُ بعضَ المشروطِ وبخلَ بالباقِي وقيلَ نزلتْ في العاصِ بنِ وائلٍ السَّهميِّ لما كان يوافق النبي ﵊ في بعضِ الأمورِ وقيلَ في أبي جهلٍ كان ربما يوافق الرسول ﵊ في بعضِ الأمورِ وكان يقولُ والله ما يأمرُنا محمدٌ إلا بمكارمِ الأخلاقِ وذلكَ قولُه تعالى وأعطى قَلِيلاً وأكدى والأولُ هو الأشهرُ المناسبُ لما بعدَه من قوله تعالى
стр. 6953
﴿أعنده عِلْمُ الغيب فَهُوَ يرى﴾ الخ أي أعندَهُ علمٌ بالأمورِ الغيبيَّةِ التي منْ جُملِتها تحمّلُ صاحبِه عنه يومَ القيامةِ
стр. 6954
﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِى صُحُفِ موسى﴾ ﴿وإبراهيم الذى وفى﴾ أيْ وفَّر وأتمَّ ما ابتُلي به من الكلماتِ أو أُمرَ به أو بالغَ في الوفاءِ بما عاهدَ الله وتخصيصه بذلك لاحتماله مالم يحتملْهُ غيرُه كالصبرِ على نار نمروذ حتى إذا إنه أتاهُ جبريلُ ﵇ حينَ يُلقى في النَّارِ فقالَ ألكَ حاجةٌ فقالَ أمَّا إليكَ فَلَا وعلى ذبحِ الولدِ ويُروَى أنَّه كانَ يمشِي كلَّ يومٍ فرسخاً يرتادُ ضيفاً فإنْ وافقَهُ أكرمَهُ وإلا نَوَى الصومَ وتقديمُ مُوسى لما أنَّ صحفَهُ التي هي التوارة أشهرُ عندَهُم وأكثرُ
стр. 6955
﴿أَلَاّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى﴾ أي أنهُ لا تحملُ نفسٌ من شأنِها الحملُ حِملَ نفسٍ أُخْرَى عَلى أنَّ أنْ هيَ المخففةُ منَ الثقيلةِ وضميرُ الشأنِ الذي هو اسمُها محذوفٌ والجملةُ المنفيةُ خبرُها ومحلُّ الجملةُ الجرُّ على أنَّها بدلٌ ممَّا في صحفِ مُوسى أو الرفعِ على أنَّها خبرٌ مبتدإٍ محذوفٍ كأنَّهُ قيلَ ما في صحفِهما فقيلَ هو أنْ لا تزرُ الخ والمَعْنى أنَّه لا يُؤاخذُ أحدٌ بذنبِ غيرِه ليتخلصَ الثَّانِي عن عقابةِ ولا يقدحُ في ذلك قولُه ﵊ من سَنَّ سُنَّةً سيئةً فعليهِ وزرُهَا ووزرُ مَنْ عمِلَ بها إلى يومِ القيامةِ فإنَّ ذلكَ وزرُ الإضلالِ الذي هُو وزرُهُ وقولُه تعالَى
стр. 6956
﴿وَأَن لَّيْسَ للإنسان إِلَاّ مَا سعى﴾ بيانٌ لعدمِ انتفاعِ الإنسانِ بعملِ غيرِه من حيثُ جلبُ النفعِ إليهِ إثرَ بيانِ عدمِ انتفاعِه بهِ منْ حيثُ دفعُ الضررِ عنْهُ وأما شفاعةُ الأنبياءِ ﵈ واستغفارُ الملائكةِ ﵈ ودعاءُ الأحياءِ للأمواتِ وصدقتُهم عنُهم وغيرُ ذلكَ ممَّا لا يكادُ يُحصَى من الأمورِ النافعةِ للإنسانِ مع أنَّها ليستْ من عملِه قطعاً فحيثُ كان مناطُ منفعةِ كلِّ منهَا عمله الذي هو الإيمانُ والصَّلاحُ ولم يكن لشيءٍ منها نفعٌ مَا بدونِه جُعل النافعُ نفسَ عملِه وإنْ
стр. 6957
٥٠ ٤٠
كان بانضمامِ عملِ غيرِه إليهِ وأنْ مخففةٌ كأختِها معطوفةٌ عليهَا وكَذا قولُه تعالَى
стр. 6958
﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يرى﴾ أي يُعرضُ عليهِ ويكشفُ له يومَ القيامةِ في صحيفتِه وميزانِه من أريتُه الشيءَ
стр. 6959
﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ﴾ أي يُجزى الإنسانُ سعيَهُ يقالُ جزاهُ الله بعملِه وجَزَاهُ على عمله وجزاه عملِه بحذفِ الجارِّ وإيصالِ الفعلِ ويجوزُ أن يُجعلَ الضميرُ للجزاءِ ثم يُفسَّرَ بقولِه تعالى ﴿الجزاء الأوفى﴾ أو يبدلُ هو عنْهُ كما في قولِه تعالى وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ
стр. 6960
﴿وَأَنَّ إلى رَبّكَ المنتهى﴾ أي انتهاءَ الخلقِ ورجوعَهم إليهِ تعالى لا إلى غيرِه استقلالا ولا اشتراكا وقرىء بكسران على الابتداءِ
стр. 6961
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وأبكى﴾ أي هو خلقَ قُوتَي الضحكِ والبكاءِ
стр. 6962
﴿وأنه هو أمات وأحيا﴾ لا يقدرُ على الإماتةِ والإحياءِ غيرُه فإنَّ أثرَ القاتلِ نقضُ البنيةِ وتفريقُ الاتصالِ وإنما يحصلُ الموتُ عندَهُ بفعلِ الله تعالَى على العادةِ
стр. 6963
﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزوجين الذكر والأنثى﴾ ﴿مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تمنى﴾ تدفقُ في الرحمِ أو تخلقُ أو يقدرُ منها الولد من مى بمعنى قَدر
стр. 6964
﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النشأة الأخرى﴾ أَى الإحياءَ بعد الموتِ وفاءً بوعدِه وقُرىءَ النشاءةَ بالمدِّ وهي أيضاً مصدرُ نشأَهُ
стр. 6965
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أغنى وأقنى﴾ وأعطَى القُنيةَ وهي ما يُتأثلُ من الأموالِ وأفردَها بالذكرِ لأنَّها أشرفُ الأموالِ أو أَرْضى وتحقيقُه جعلُ الرِّضا له قنيةً
стр. 6966
﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشعرى﴾ أي ربُّ معبودِهم وهي العَبورُ وهي أشدُّ ضياءً من الغِميصاءِ وكانتْ خزاعةُ تعبدُها سنَّ لهم ذلكَ أبو كبشةَ رجلٌ من أشرافِهم وكانتْ قرِيشٌ تقولُ لرسول الله ﷺ أبو كبشةَ تشبيهاً له ﵊ به لمخالفتِه إيَّاهم في دينِهم
стр. 6967
﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الأولى﴾
стр. 6968
هي قومُ هودٍ ﵇ وعاد الأخرى إرم وقيلَ الأُولى القدماءُ لأنَّهم أُوْلى الأممِ هلاكاً بعدَ قوم نوح وقرىء عاد الاولى بحذف الهمزةِ ونقل ضمتها إلى اللام وعادَ لُّولى بإدغام التنوين في اللام وطرح همزة أولى وثقل حركتها إلى لام التعريف
стр. 6969
﴿وَثَمُودُ﴾ عطفٌ عَلى عاداً لأنَّ ما بعدَهُ لا يعملُ فيهِ وقُرِىءَ وثموداً بالتنيون ﴿فَمَا أبقى﴾ أي أحداً من الفريقينِ
стр. 6970
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ عطفٌ عليهِ أَيْضاً ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي من قبلِ إهلاكِ عادٍ وثمودَ ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أظلم وأطغى﴾ من الفريقين حيثُ كانُوا يؤذونَهُ وينفّرون الناسَ عنْهُ وكانُوا يحذرونَ صبيانَهُم أن يسمعُوا منه وكانوا يضربونَهُ ﵊ حتَّى لا يكونُ به حَراكٌ وما أثر فيهم دُعاؤُه قريباً من ألفِ سنةٍ
следующие страницы →