Полный текст (8 642 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
﴿واعتصموا بِحَبْلِ الله﴾ أي بدين الإسلامِ أو بكتابه لقوله ﵊ القرآنُ حبلُ الله المتينُ لاتنقضى عجائبُه ولا يخلَقُ من كثرة الردِّ مَنْ قال به صدَقَ ومن عمِل به رَشَد ومن اعتصم به هُديَ إلى صراط مستقيم إما تمثيلٌ للحالة الحاصلةِ من استظهارهم به ووثوقِهم بحمايته بالحالة الحاصلةِ من تمسك المتدلي من مكان رفيعٍ بحبل وثيقٍ مأمونِ الانقطاعِ من غير اعتبار مجازٍ في المفردات وإما استعارةٌ للحبل لما ذُكر من الدين أو الكتاب والاعتصام ترشيحٌ لها أو مستعارٌ للوثوق به والاعتمادِ عليه
﴿جَمِيعاً﴾ حالٌ من فاعلِ اعتصموا أي مجتمعين في الاعتصام
﴿وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ أي لا تتفرقوا عن الحق بوقوع الاختلافِ بينكم كأهل الكتابِ أو كما كنتم متفرقين في الجاهلية يحارب بعضُكم بعضاً أو لا تحدثوا ما يوجب التفريق ويُزيل الأُلفةَ التي أنتم عليها
﴿واذكروا نِعْمَةَ الله﴾ مصدر مضافٌ إلى الفاعل وقولُه تعالى
﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلقٌ به أو بمحذوفٍ وقع حالا منه وقوله تعالى
﴿إِذْ كُنتُم﴾ ظرفٌ له أو للاستقرار في عليكم أي اذكروا إنعامه عليكم أو اذكروا إنعامة متسقرا عليكم وقت كونِكم
﴿أَعْدَاء﴾ في الجاهلية بينكم إلامن والعداواتُ والحروبُ المتواصلة وقيل هم الأوسُ والخزرجُ كانا أخوَين لأب وأمٍ فوقعت بين أولادِهما العداوةُ والبغضاءُ وتطاولت الحروبُ فيما بينهم مائةً وعشرين سنةً
﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ بتوفيقكم للإسلام
﴿فَأَصْبَحْتُم﴾ أي فصِرْتم
﴿بِنِعْمَتِهِ﴾ التي هي ذلك التأليفُ
﴿إِخْوَانًا﴾ خبرُ أصبحتم أي إخواناً متحابّين مجتمعين على الأُخوّة في الله متراحمين متناصحين متفقين على كلمة الحقِّ وقيل معنى فأصبحتم فدخلتم في الصباح فالباء حينئذ متعلقةٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من الفاعل وكذا إخوانا أي فأصبحتم
стр. 737
١٠٤ - آل عمران
ملتبسين حالَ كونِكم إخواناً
﴿وَكُنتُمْ على شَفَا حُفْرَةٍ مّنَ النار﴾ شفا الحفرةِ وشفَتُها حَرْفها أي كنتم مشرفين على الوقوع في نار جهنم لكفرهم إذ لم أدرككم الموتُ على تلك الحالة لوقعتهم فيها
﴿فَأَنقَذَكُمْ﴾ بأن هداكم للإسلام
﴿مِنْهَا﴾ الضميرُ للحفرة أو للنار أو للشَفا والتأنيثُ للمضاف إليهِ كما في قولِه ... كما شرِقَتْ صدر القتا من الدمِ ...
أو لأنه بمعنى الشَّفة فإن شَفا البئرِ وشفَتَها جانبُها كالجانب وأصلُه شَفَوٌ قلبت الواوُ ألفاً في المذكر وحذفت في المؤنث
﴿كذلك﴾ إشارةٌ إلى مصدرِ الفعل الذي بعده وما فيه من معنى البعد بعلو درجة المُشَارِ إليهِ وبُعدِ منزلتِه في الفضل وكمالِ تميُّزِه به عما عداه وانتظامِه بسببه في سلك الأمور المشاهدة والكاف مُقحَمَةٌ لتأكيد ما أفاده اسمُ الإشارةِ من الفخامة ومحلُّها النصبُ على أنَّها صفةٌ لمصدر محذوف أي مثلَ ذلك التبيينِ الواضحِ
﴿يُبَيّنُ الله لَكُمْ آياته﴾ أي دلائلَه
﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ طلباً لثباتكم على الهدى وازديادِكم فيه
стр. 738
﴿وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخير﴾ أمرهم الله سبحانه بتكميل الغير وإرشادِه إثرَ أمرِهم بتكميل النفس وتهذيبِها بما قبله من الأوامر والنواهي تثبيتاً للكل على مراعاة ما فيها من الأحكامِ بأن يقومَ بعضُهم بمواجبها ويحافظَ على حقوقها وحدودِها ويذكرَها الناسَ كافةً ويردَعَهم عن الإخلال بها والجمهورُ على إسكان لام الأمر وقرئ بكسرها على الأصل وهو من كان التامة ومِنْ تبعيضيةٌ متعلقةٌ بالأمر أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً من الفاعل وهو أُمَّةٍ ويدْعون صفتُها أي لِتوجَدْ منكم أمةٌ داعيةٌ إلى الخير والأمة هي الجماعة التي يؤُمُّها فِرَقُ الناسِ أي يقصدنها ويقتدون بها أو من الناقصة وأمةٌ اسمُها ويدْعون خبرُها أي لتكن منكم أمةٌ داعين إلى الخير وأياً ما كان فتوجيهُ الخطابِ إلى الكل مع إسناد الدعوةِ إلى البعض لتحقيق معنى فرضيّتِها على الكفاية وأنها واجبةٌ على الكل لكن بحيث إنْ أقامها البعضُ سقطت عن الباقين ولو أخل بها الكلُّ أثِموا جميعاً لا بحيث يتحتّم على الكل إقامتها على ما ينبئ عنه قولُه وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً الآية ولأنها من عظائم الأمورِ وعزائمِها التي لايتولاها إلا العلماءُ بأحكامه تعالى ومراتبِ الاحتساب وكيفية إقامتِها فإن من لايعلمها يوشِكُ أن يأمرَ بمنكر وينهى عن معروف ويُغلِظَ في مقام اللينِ ويُلينَ في مقام الغِلْظة وينكِرَ على من لا يزيده الإنكارُ إلا التماديَ والإصرارَ وقيل مِنْ بيانية كما في قوله تعالى ﴿وَعَدَ الله الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ مِنْهُم﴾ الآية والأمرُ من كان الناقصة والمعنى كونوا أمة يدعون الآية كقوله تعالى ﴿كُنتُمْ خير أمة أخرجت للناس﴾ الآية ولا يقتضي ذلك كونَ الدعوةِ فرضَ عينٍ فإن الجهادَ من فروض الكفاية مع ثبوته بالخطابات العامة والدعاءُ إلى الخير عبارةٌ عن الدعاء إلى ما فيه صلاحٌ دينيٌّ أو دنيويٌّ فعطفُ الأمرِ بالمعروف والنهْيِ عن المنكر عليه بقوله تعالى
﴿وَيَأْمُرُونَ بالمعروفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكرِ﴾ مع اندراجهما فيه من باب عطف الخاصِّ على العام لإظهار فضلهما وإنافتهما على سائر الخيراتِ كعطف جبريلَ وميكالَ على الملائكةِ ﵈ وحذْفُ المفعولِ الصريحِ من الأفعال الثلاثة إما للإيذان بظهوره أي يدْعون الناسَ ويأمُرونهم وينهَوُنهم
стр. 739
١٠٥ - آل عمران
وإما للقصد إلى إيجاد نفسِ الفعل كما في قولك فلانٌ يُعطِي ويمنعُ أيْ يفعلون الدعاءَ إلى الخير والأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر
﴿وَأُوْلئِكَ﴾ إشارةٌ إلى الأمة المذكورة باعتبار اتصافِهم بما ذُكر من النعوتِ الفاضلةِ وكمالِ تميُّزِهم بذلك عمنْ عداهم وانتظامِهم بسببه في سلك الأمور المشاهدة وما فيه من معنى البعد للإشعار بعلو طبقتِهم وبُعدِ منزلتِهم في الفضلِ والإفرادُ في كاف الخطابِ إما لأن المخاطَب كلُّ من يصلُح للخطاب وإما لأن التعيينَ غيرُ مقصودٍ أي أولئك الموصوفون بتلك الصفاتِ الكاملة
﴿هُمُ المفلحون﴾ أي هم الأخصاء بكمال الفلاحِ وهم ضميرُ فصلٍ يفصِلُ بين الخبر والصفةِ ويؤكد النسبةَ ويفيد اختصاصَ المسندِ بالمسند إليه أو مبتدأٌ خبرُه المفلحون والجملةُ خبرٌ لأولئك وتعريفُ المفلحون إما للعهد أو للإشارة إلى ما يعرِفُه كلُّ أحد من حقيقة المفلحين روي عن رسول الله ﷺ أنه سُئل عن خير الناسِ فقال آمَرُهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم الله وأوصلُهم للرحم وعنه ﵇ من أمر بالمعرف ونهى عن المنكر فهو خليفةُ الله في أرضه وخليفةُ رسولِه وخليفةُ كتابِه وعنه ﵇ والذي نفسى بيده لتأ بالمعروفِ ولتنهَوُنَّ عن المُنْكَرِ أو لَيُوشِكَنَّ الله أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُم عَذَاباً من عنده ثم لتَدْعُنَّه فلا يُستجاب لكم وعَنْ عليَ ﵁ أفضلُ الجهادِ الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر ومن شنَأَ الفاسقين وغضِب لله غضِبَ الله له والأمرُ بالمعروف في الوجوب والندبِ تابعٌ للمأمور به وأما النهيُ عن المنكر فواجبٌ كلُّه فإن جميعَ ما أنكره الشرعُ حرامٌ والعاصي يجب عليه النهيُ عما ارتكبه إذ يجب عليه تركُه وإنكارُه فلا يسقط بترك أحدهما وجوب شئ منهما والتوبيخُ في قوله تعالى أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ إنما هو على نسيان أنفسِهم لا على أمرهم بالبر وعن السلف مُروا بالخير وإن لم تفعلوا
стр. 740
﴿وَلَا تَكُونُواْ كالذين تَفَرَّقُواْ﴾ هم أهلُ الكتابين حيث تفرقت اليهودُ فِرَقاً والنصارى فِرَقاً
﴿واختلفوا﴾ باستخراج التأويلاتِ الزائغةِ وكتمِ الآياتِ الناطقةِ وتحريفِها بما أخلدوا إليه من حُطام الدُّنيا الدنيئةِ
﴿مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ البينات﴾ أي الآياتُ الواضحةُ المبينة للحق الموجبة للاتفاق عليه واتحادِ الكلمة فالنهيُ متوجهٌ إلى المتصدِّين للدعوة أصالةً وإلى أعقابهم تَبَعاً ويجوز تعميمُ الموصولِ للمختلِفين من الأمم السالفةِ المشار إليهم بقوله ﴿وَمَا اختلف فِيهِ إِلَاّ الذين أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات﴾ وقيل هم المبتدِعة من هذه الأمة وقيل هم الحرَورية وعلى كل تقدير فالمنهيُّ عنه إنما هو الاختلافُ في الأصول دون الفروعِ إلا أن يكون مخالفاً للنصوص البيِّنة أو الإجماعِ لقوله ﵊ اختلافُ أمتي رحمةٌ وقولِه ﵇ من اجتهد فأصاب فله أجرانِ ومن أخطأ فله أجرٌ واحدٌ وَأُوْلئِكَ إشارةٌ إلى المذكورين باعتبار اتصافِهم بما في حِّيزِ الصلة وهو مبتدأٌ وقولُه تعالى
﴿لَهُمْ﴾ خبرُه وقوله تعالى
﴿عَذَابٌ عظِيمٌ﴾ مرتفع بالظرف على الفاعليةِ لاعتمادِه على المبتدأ أو مبتدأٌ والظرفُ خبرُه والجملةُ خبرٌ للمبتدأ الأول وفيه من التأكيد والمبالغةِ في وعيد المتفرِّقين والتشديدِ في تهديد المشبهين بهم مالا يخفى
стр. 741
١٠٦ - ١٠٧ ١٠٨ آل عمران
стр. 742
﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ أي وجوه كثيرة تبياضُّ
﴿وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ كثيرة وقرئ تسْوادُّ وعن عطاءٍ تبيضُّ وجوهُ المهاجرين والأنصارِ وتسْوَدّ وجوهُ بني قرَيظةَ والنَّضير ويومَ منصوبٌ على أنه ظرفٌ للاستقرار في لهم أي لثبوت العذابِ العظيمِ لهم أو على أنَّه مفعولٌ لمضمر خوطب به المؤمنون تحذيراً لهم عن عاقبة التفريق بعد مجئ البيناتِ وترغيباً في الاتفاق على التمسك بالدين أي اذكُروا يوم تبيض الخ وبياضُ الوجهِ وسوادُه كنايتان عن ظهور بهجةِ السرورِ وكآبةِ الخوفِ فيه وقيل يوسَمُ أهلُ الحقِّ ببياض الوجهِ والصحيفةِ وإشراقِ البَشرَة وسعْيِ النورِ بين يديه وبيمينه وأهلُ الباطلِ بأضداد ذلك
﴿فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ﴾ تفصيلٌ لأحوال الفريقين بعد الإشارةِ إليها إجمالاً وتقديمُ بيانِ هؤلاءِ لما أن المَقام مقامُ التحذيرِ عن التشبه بهم مع ما فيه من الجمع بين الإجمال والتفصيلِ والإفضاءِ إلى ختم الكلامِ بحسن حال المؤمنين كما بدئ بذلك عند الإجمالِ
﴿أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم﴾ على إرادةِ القولِ أيْ فيقال لهم ذلك والهمزةُ للتوبيخ والتعجيبِ من حالهم والظاهرُ أنهم أهلُ الكتابين وكفرُهم بعد إيمانِهم كفرُهم برسولِ الله ﷺ بعد إيمانِ أسلافِهم أو إيمانِ أنفسِهم به قبلَ مبعثِه ﵊ أو جميعُ الكفرة حيث كفروا بعد ما أقروا بالتوحيد يومَ الميثاقِ أو بعد ما تمكنوا من الإيمان بالنظر الصحيحِ والدلائلِ الواضحة والآيات البنية وقيل المرتدون وقيل أهلُ البدعِ والأهواءِ والفاء في قوله عز وعلا
﴿فَذُوقُواْ العذاب﴾ أي العذابَ المعهودَ الموصوف بالعظم الدلالة على أن الأمرَ بذَوْق العذابِ على طريق الإهانةِ مترتبٌ على كفرهم المذكورِ كما أن قولَه تعالى
﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ صريحٌ في أن نفسَ الذوْقِ معلَّلٌ بذلك والجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على استمرار كفرِهم أو على مُضيِّه في الدنيا
стр. 743
﴿وَأَمَّا الذين ابيضت وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ الله﴾ أعني الجنةَ والنعيمَ المخلِّدَ عُبِّر عنها بالرحمة تنبيهاً على أن المؤمنَ وإن استغرق عمرَه في طاعة الله تعالى فإنه لا يدخُل الجنةَ إلا برحمته تعالى وقرئ ابياضت كما قرئ اسوادَّتْ
﴿هُمْ فِيهَا خالدون﴾ استئنافٌ وقع جوابا عن سؤال نشأ من السياق كأنه قيل كيف يكونون فيها فقيل هُمْ فِيهَا خالدون لا يظعَنون عنها ولا يموتون وتقديمُ الظرفِ للمحافظة على رءوس الآي
стр. 744
﴿تِلْكَ﴾ إشارةٌ إلى الآيات المشتملةِ على تنعيم الأبرارِ وتعذيبِ الكفارِ ومعنى البُعدِ للإيذان بعلو شأنِها وسُمّو مكانِها في الشرف وهو مبتدأُ وقولُه تعالى
﴿آيات الله﴾ خبرُه وقوله تعالى
﴿نَتْلُوهَا﴾ جملةٌ حالية من الآيات والعاملُ فيها معنى الإشارةِ أو هي الخبرُ وآياتُ الله بدلٌ من اسمِ الإشارةِ والالتفاتُ إلى التكلم
стр. 745
١٠٩ - ١١٠ آل عمران
بنون العظمةِ مع كون التلاوةِ على لسانِ جبريلَ ﵇ لإبراز كمالِ العناية بالتلاوة وقرئ يتلوها على إسنادِ الفعلِ إلى ضميره تعالى وقوله تعالى
﴿عَلَيْكَ﴾ متعلقٌ بنتلوها وقوله تعالى
﴿بالحق﴾ حالٌ مؤكدةٌ من فاعلِ نتلوها أو من مفعولِه أي ملتبسين أو ملتبسةً بالحق والعدل ليس في حكمها شائبةُ جَوْر بنقص ثوابِ المحسنِ أو بزيادة عقاب المسئ أو بالعقاب من غير جُرْم بل كلُّ ذلك مُوفًّى لهم حسبَ استحقاقِهم بأعمالهم بموجب الوعدِ والوعيدِ وقوله تعالى
﴿وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً للعالمين﴾ تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبله على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه فإن تنكيرَ الظلم وتوجيهَ النفي إلى إرادته بصيغة المضارعِ دون نفسِه وتعليقَ الحكمِ بآحاد الجمع المعرف والالتفاتُ إلى الإسم الجليل إشعارا بعلة الحكم بيان لكمال نزاهتة عن الظلم بما لا مزيدَ عليهِ أي ما يريد فرداً من أفراد الظلم لفرد من أفراد العالمين في وقتٍ من الأوقاتِ فضلاً عن أن يظلِمَهم فإن المضارعَ كما يفيد الاستمرارَ في الإثبات يفيده في النَّفي بحسبِ المقامِ كما أن الجملةَ الاسمية تدل بمعونة المقام على دوام الثبوتِ وعند دخولِ حرفِ النفي تدل على دوام الانتفاءِ لا على انتفاء الدوامِ وفي سبك الجملةِ نوعُ إيماءٍ إلى التعريض بأن الكفرَةَ هم الظالمون ظلُموا أنفسَهم بتعريضِها للعذابِ الخالد كما في قوله تعالى ﴿إِنَّ الله لَا يَظْلِمُ الناس شَيْئًا ولكن الناس أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾
стр. 746
﴿ولله ما في السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ أي له تعالى وحده من غير شِرْكةٍ أصلاً ما فيهما من المخلوقاتِ الفائنة للحصر مُلكاً وخلقاً إحياءً وإماتةً وإثابةً وتعذيباً وإيرادُ كلمةِ مَا إما لتغليب غيرِ العقلاءِ على العقلاءِ وإما لتنزيلهم منزلةَ غيرِهم إظهاراً لحقارتهم في مقام بيانِ عظمتِه تعالى
﴿وإلى الله﴾ أي إلى حُكمه وقضائِه لا إلى غيره شِرْكةً أو استقلالاً
﴿تُرْجَعُ الامور﴾ أي أمورُهم فيجازي كلاً منهم بما وَعد له وأوعده من غير دخلٍ في ذلك لأحد قطُّ فالجملةُ مقررةٌ لمضمون ما ورد في جزاء الفريقين وقيل هي معطوفةٌ على ما قبلها مقرّرةٌ لمضمونه فإن كونَ العالمين عبيدَه تعالى ومخلوقَه ومرزوقَه يستدعي إرادةَ الخير بهم
стр. 747
﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ كلامٌ مستأنفٌ سيق لتثبيتِ المؤمنينِ عَلى ما هم عليه من الاتفاق على الحق والدعوةِ إلى الخير وكنتم من كان الناقصةِ التي تدل على تحقق شئ بصفة في الزمان الماضي من غير دلالة على عدم سابقٍ أو لاحق كما في قوله تعالى ﴿وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾ وقيل كنتم كذلك في علم الله أو في اللَّوحِ أو فيما بين الأمم السالفةِ وقيل معناه أنتم خيرُ أمة
﴿أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ صفةٌ لأمة واللام متعلقةٌ بأخرجت أي أظهِرَت لهم وقيل بخير أمةٍ أي كنتم خير الناس فهو صريحٌ في أن الخيريةَ بمعنى النفعِ للناس وإن فُهم ذلك من الإخراج لهم أيضاً أي أخرجَتْ لأجلهم ومصلحتِهم قال أبو هريرةَ ﵁ معناه كنتم خيرَ الناسِ تأتون بهم في السلاسل فتُدخِلونهم في الإسلام وقال قتادة هم أمةُ محمدٍ ﷺ لم يؤمر نبى
стр. 748
١١١ - آل عمران
قبله بالقتال فهم يقاتلون الكفارَ فيدخلونهم في الإسلام فهم خيرُ أمةٍ للناس
﴿تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر﴾ استئناف مبين لكونم خيرَ أمة كما يقال زيدٌ كريمٌ يطعم الناسَ ويكسوهم ويقوم بمصالحهم أو خبرٌ ثانٍ لكنتم وصيغةُ الاستقبال للدِلالة على الاستمرار وخطابُ المشافهةِ وإن كان خاصاً بمن شاهد الوحيَ من المؤمنين لكن حُكمَه عامٌ للكل قال ابن عباس ﵄ يريد أمة محمدٍ ﷺ وقال الزجاج أصلُ هذا الخطابِ لأصحاب رسولِ الله ﷺ وهو يعمُّ سائرَ أمتِه وروى الترمذيُّ عن بَهْزِ بنِ حكيم عن أبيه عن جده أنه سمع النبيِّ ﷺ يقول في قوله تعالى ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ أنتم تُتِمّون سبعين أمةً أنتم خيرُها وأكرمُها على الله تعالى وظاهرٌ أن المرادَ بكل أمةٍ أوائلهم وأواخرهم لاأوائلهم فقط فلا بد أن تكون أعقابُ هذه الأمةِ أيضاً داخلةً في الحكم وكذا الحالُ فيما رُوي أن مالكَ بنَ الصيف ووهب ابن يهوذا اليهوديَّين مرّا بنفرٍ من أصحاب النبيِّ ﷺ فيهم ابنُ مسعود وأبيُّ بنُ كعبٍ ومعاذُ بنُ جبل وسالمٌ مولى حذيفةَ رضوانُ الله عليهم فقالا لهم نحن أفضلُ منكم ودينُنا خيرٌ مما تدعوننا إليه ورَوى سعيدُ بنُ جُبيرٍ عن ابن عباس ﵄ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ الذين هاجروا مع رسول الله ﷺ إلى المدينة ورُوي عن الضحاك أنهم أصحابُ رسولِ الله ﷺ خاصةً الرواةُ والدعاةُ الذين أمر الله المسلمين بطاعتهم
﴿وَتُؤْمِنُونَ بالله﴾ أي إيماناً متعلقاً بكلِّ ما يجبُ أنْ يؤمَنَ به من رسول وكتابٍ وحساب وجزاءٍ وإنما لم يصرح به تفصيلاً لظهور أنه الذي يؤمِن به المؤمنون وللإيذان بأنه هو الإيمانُ بالله تعالى حقيقةً وأن ما خلا عن شئ من ذلك كإيمان أهلِ الكتابِ ليس من الإيمان به تعالى في شئ قال تعالى ﴿وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً أُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون حَقّاً﴾ وإنما أُخِّر ذلك عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع تقدمه عليهما وجوداً ورُتبةً لأن دَلالتَهما على خيريتهم للناس أظهرُ من دلالته عليها وليقترن به قولُه تعالى
﴿وَلَوْ آمن أَهْلُ الكتاب لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ﴾ أي لو آمنوا كإيمانكم لكان ذلك خيراً لهم مما هم عليه من الرياسة واستتباعِ العوامِّ ولازدادت رياستُهم وتمتُّعهم بالحظوظ الدنيويةِ مع الفوز بما وُعِدوه على الإيمان من إيتاء الأجرِ مرتين وقيل مما هم فيه من الكفر فالخيريةُ إنما هي باعتبار زعمِهم وفيه ضربُ تهكّمٍ بهم وإنما لم يتعرَّضْ للمؤمَنِ به أصلاً للإشعار بظهور أنه الذي يُطلق عليه اسمُ الإيمانِ لا يذهبُ الوهمُ إلى غيره ولو فُصِّل المؤمَنُ به ههنا أو فيما قبلُ لربما فُهم أن لأهل الكتاب أيضاً إيماناً في الجملة لكن إيمانَ المؤمنين خيرٌ منه وهيهاتَ ذلك
﴿مّنْهُمُ المؤمنون﴾ جملةٌ مستأنفة سيقت جواباً عمَّا نشأَ من الشرطية الدالةِ على انتفاء الخيريةِ لانتفاء الإيمانِ عنهم كأنه قيل هل منهم من آمن أو كلُّهم على الكفر فقيل منهم المؤمنون المعهودون الفائزون بخير الدارين كعبدِ اللَّه بنِ سَلَام وأصحابُه
﴿وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون﴾ المتمردون في الكفر الخارجون عن الحدود
стр. 749
﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَاّ أَذًى﴾ استثناءٌ مفرّغٌ من المصدر العام أي لن يضروكم أبداً ضرراً ما إلا ضررَ أذىً لا يبالى به من طعنٍ وتهديدٍ لا أثر له
﴿وَإِن يقاتلوكم يُوَلُّوكُمُ الادبار﴾ أي ينهزمون من غير أن ينالوا منكم شيئاً من قتل أو أسرٍ
﴿ثُمَّ لا ينصرون﴾ عطف
стр. 750
١١٢ - ١١٣ آل عمران
على الشرطية وثُمَّ للتراخِي في الرتبةِ أي لا يُنصرون من جهة أحدٍ ولا يُمنعون منكم قتلاً وأخذاً وفيه تثبيتٌ لمن آمن منهم فإنهم كانوا يؤذونهم بالتلهي بهم وتوبيخِهم وتضليلِهم وتهديدِهم وبشارةٌ لهم بأنهم لا يقدِرون على أن يتجاوزوا الأذى بالقول إلى ضرر يُعبأ به مع أنه وعدهم الغلَبةَ عليهم والانتقامَ منهم وأن عاقبةَ أمرِهم الخِذلانُ والذلُّ وإنما لم يُعطَفْ نفيُ منْصوريّتِهم على الجزاء لأن المقصودَ هو الوعدُ بنفي النصرِ مطلقاً ولو عطف عليه لكان مقيداً بمقاتلتهم كتولية الأدبارِ وكم بين الوعدين كأنه قيل ثم شأنُهم الذي أخبركم عنه وأبشرَكم به أنهم مخذولون مُنتفٍ عنهم النصرُ والقوةُ لا ينهضون بعد ذلك بجَناحٍ ولا يقومون على ساق ولا يستقيم لهم أمرٌ وكان كذلك حيث لقيَ بنو قريظةَ والنضيرِ وبنو قينُقاع ويهودُ خيبرَ ما لقُوا
стр. 751
﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة﴾ أي هدرُ النفسِ والمالِ والأهلِ أو ذل التمسكِ بالباطل
﴿أَيْنَمَا ثُقِفُواْ﴾ أي وُجدوا
﴿إِلَاّ بِحَبْلٍ مّنْ الله وَحَبْلٍ مّنَ الناس﴾ استثناءٌ من أعم الأحوال أيْ ضربت عليهم الذلةُ ضربَ القُبةِ على مَنْ هي عليه في جميعِ الأحوال إلَاّ حالَ كونِهم معتصمين بذمة الله أو كتابِه الذي أتاهم وذمةِ المسلمين أو بذمة الإسلام واتباعِ سبيلِ المؤمنين
﴿وباؤوا بِغَضَبٍ مّنَ الله﴾ أي رجعوا مستوجبين له والتنكيرُ للتفخيم والتهويل ومن متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً لغضب مؤكدةٌ لما أفاده التنكيرُ من الفخامة والهول أي كائن من الله
﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المسكنة﴾ فهي محيطةٌ بهم من جميع جوانبِهم واليهودُ كذلك في غالب الحالِ مساكينُ تحت أيدي المسلمين والنصارى
﴿ذلك﴾ إشارة إلى ما ذكر من ضرب الذلة والمسكنة عليهم والبَوْءِ بالغضب العظيم
﴿بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بآيات الله﴾ أي ذلك الذي ذكر كائنٌ بسبب كفرِهم المستمرِّ بآياتِ الله الناطقةِ بنبوة محمدٍ ﷺ وتحريفِهم لها وبسائر الآياتِ القرآنية
﴿وَيَقْتُلُونَ الانبياء بِغَيْرِ حَقّ﴾ أي في اعتقادهم ايضا واسناد القتل مع أنه فعلُ أسلافِهم لرضاهم به كما أن التحريفَ مع كونه من أفعال أحبارِهم يُنسَبُ إلى كل من يسير بسيرتهم
﴿ذلك﴾ إشارة إلى ما ذُكر من الكفر والقتل
﴿بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ أي كائنٌ بسبب عصيانِهم واعتدائهم حدود الله تعالى على الاستمرار فإن الإصرارَ على الصغائر يُفضي إلى مباشرة الكبائِر والاستمرارَ عليها يؤدي إلى الكفر وقيل معناه أن ضربَ الذلةِ والمسكنةِ في الدنيا واستيجابَ الغضبِ في الآخرة كما هو معلَّلٌ بكفرهم وقتلِهم فهو مسبَّبٌ عن عصيانهم واعتدائِهم من حيث إنهم مخاطَبون بالفروع من حيث المؤاخذة
стр. 752
﴿لَيْسُواْ سَوَاء﴾ جملةٌ مستأنفة سيقت تمهيداً لتعداد محاسِن مؤمني أهلِ الكتابِ وتذكيراً لقوله تعالى ﴿مّنْهُمُ المؤمنون﴾ والضميرُ في ليسوا لأهل الكتاب جميعاً لا للفاسقين منهم خاصة وهو اسمُ ليس وخبرُه سواءً وإنما أُفرد لأنه في الأصل مصدرٌ
стр. 753
والمرادُ بنفي المساواةِ نفيُ المشاركة في أصل الاتصاف بالقبائح المذكورةِ لا نفيُ المساواةِ في مراتب الاتصافِ بها مع تحقق المشاركة في أصل الاتصافِ بها أي ليس جميعُ أهل الكتابِ متشاركين في الاتِّصافُ بما ذُكر من القبائح والابتلاءِ بما يترتب عليها من العقوبات وقوله تعالى
﴿مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ استئنافٌ مبينٌ لكيفية عدمِ تساويهم ومزيل لما فيه من الإبهامِ كما أن ما سبقَ من قولِه تعالى ﴿تَأْمُرُونَ بالمعروف﴾ الآية مبينٌ لقوله تعالى ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ الخ ووضعُ أهلِ الكتابِ موضعَ الضميرِ العائد إليهم لتحقيق ما به الاشتراكُ بين الفريقين والإيذانِ بأن تلك الأمةَ ممن أوتي نصيباً وافراً من الكتاب لا من أرذالهم والقائمةُ المستقيمةُ العادلةُ مِن أقمتُ العودَ فقام بمعنى استقام وهم الذين أسلموا منهم كعبدِ اللَّهِ بنِ سَلَام وثعلبةَ بنِ سعيد وأُسَيْدِ بنِ عبيد وأضرابِهم وقيل هم أربعون رجلاً من أهل نجرانَ واثنان وثلاثون من الحبشة وثلاثةٌ من الروم كانوا على دين عيسى وصدّقوا محمداً عليهما الصلاة والسلام وكان من الأنصار فيهم عدةٌ قبل قدوم النبيِّ ﷺ منهم أسعدُ بنُ زُرارة والبراءُ بن معرورٍ ومحمدُ بنُ مسلمةَ وأبو قيس صرمة ابن أنسٍ كانوا موحّدين يغتسلون من الجنابة ويقومون بما يعرِفون من شرائع الحنيفيةِ حتى بعث الله النبيُّ ﷺ فصدّقوه ونصَروه وقوله تعالى
﴿يتلون آيات الله﴾ في محلِ الرفعِ على أنه صفةٌ أخرى لأمة وقيل في محل النصب على أنه حال منها لتخصُّصها بالنعت والعاملُ فيه الاستقرارُ الذي يتضمنه الجارُّ أوْ مِنْ ضميرِهَا في قَائِمَةً أو من المستكنِّ في الجارِّ لوقوعه خبراً لأمة والمرادُ بآياتِ الله القرآنُ وقوله تعالى
﴿آناءَ اللَّيْل﴾ ظرفٌ ليتلون أي في ساعاته جمع أَنىً بزنة عصا أو إِنىً بزنة مِعىً أو أنْي بزنة ظبْي أو إنْي بزنة نِحْي أو إنْو بزنة جِرْو
﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ أي يصلّون إذ لا تلاوة في السجود قال ﷺ ألا إني نُهيت أن أقرأ راكعاً وساجداً وتخصيصُ السجودِ بالذكر من بين سائر أركانِ الصلاةِ لكونه أدلَّ على كمال الخضوعِ والتصريحُ بتلاوتهم آياتِ الله في الصلاة مع أنها مشتملةٌ عليها قطعاً لزيادة تحقيقِ المخالفةِ وتوضيحِ عدمِ المساواةِ بينهم وبين الذين وُصفوا آنفاً بالكفر بها وهو السرُّ في تقديم هذا النعتِ على نعت الإيمانِ والمرادُ بصلاتهم التهجدُ اذا هو أدخلُ في مدحهم وفيه يتسنى لهم التلاوةُ فإنها في المكتوبة وظيفةُ الإمامِ واعتبارُ حالِهم عند الصلاةِ على الانفراد يأباه مقامُ المدحِ وهو الأنسبُ بالعدول عن إيرادها باسم الجنسِ المتبادرِ منه الصلاةُ المكتوبة وبالتعبير عن وقتها بالآناء المُبهمة وقيل صلاةُ العِشاءِ لأن أهلَ الكتاب لا يصلّونها لما رُوي أنَّ رسولَ الله ﷺ أخّرها ليلةً ثم خرجَ فإذا الناسُ ينتظرون الصلاةَ فقال أما إنه ليس من أهل الأديان أحدٌ يذكرُ الله هذه الساعةَ غيرُكم وقرأ هذه الآية وإيرادُ الجملةِ اسميةً للدَلالة على الاستمرار وتكريرُ الإسنادِ لتقوية الحكمِ وتأكيدِه وصيغةُ المضارع للدلالة على التجدد والجملة حال من فاعل يتولون وقيل هي مستأنفةٌ والمعنى أنهم يقومون تارةً ويسجدون أخرى يبتغون الفضلَ والرحمةَ بأنواع ما يكون في الصلاة من الخضوع لله كما في قوله تعالى وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّداً وقياما وقيل المرادُ بالسجود هو الخضوعُ كما في قوله تعالى ﴿وَللَّهِ يَسْجُدُ من في السماوات والأرض﴾
стр. 754
١١٤ - ١١٥ آل عمران
стр. 755
﴿يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الأخر﴾ صفةٌ أخرى لأُمةٌ مبينةٌ لمُباينتهم اليهودَ من جهة أخرى أي يؤمنون بها على الوجه الذي نطقَ به الشرعُ والإطلاقُ للإيذان بالغنى عن التقييد لظهور أنه الذي يُطلق عليه الإيمان بهما لا يذهبُ الوهمُ إلى غيره وللتعريض بأن إيمانَ اليهودِ بهما مع قولهم عزيرٌ ابنُ الله وكفرِهم ببعض الكتبِ والرسلِ ووصفِهم اليومَ الآخِرَ بخلاف صفتِه ليس من الإيمان بهما في شئ أصلاً ولو قُيد بما ذكر لربما تُوُهِّم أن المنتفيَ عنهم هو القيدُ المذكورُ مع جواز إطلاقِ الإيمانِ على إيمانهم بالأصل وهيهات
﴿وَيَأْمُرُونَ بالمعروفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكرِ﴾ صفتان أُخْرَيان لأُمةٌ أُجرِيتا عليهم تحقيقاً لمخالفتهم اليهودَ في الفضائل المتعلقةِ بتكميل الغيرِ إثرَ بيانِ مُباينتِهم لهم في الخصائص المتعلقةِ بتكميل النفسِ وتعريضاً بمداهنتهم في الاحتساب بل بتعكيسهم في الأمر بإضلال الناسِ وصدِّهم عن سبيل الله فإنه أمرٌ بالمنكر ونهيٌ عن بالمعروف
﴿ويسارعون فِى الخيرات﴾ صفةٌ أخرى لأمةٌ جامعةٌ لفنون المحاسنِ المتعلقةِ بالنفس وبالغير والمسارعةُ في الخير فرطُ الرغبةِ فيه لأن من رغِب في الأمر سارع في توليته والقيامِ به وآثر الفَورَ على النراخي أي يبادرون مع كمال الرغبةِ في فعل أصنافِ الخيراتِ اللازمةِ والمتعدية وفيه تعريضٌ بتباطؤ اليهودِ فيها بل بمبادتهم إلى الشرور وإيثارُ كلمةِ فِى على ما وقع في قولِه تعالى ﴿وَسَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ﴾ الخ للإيذان بأنهم مستقِرّون في أصل الخيرِ متقلّبون في فنونه المترتبةِ في طبقات الفضلِ لا أنَّهم خارجُون عنها منتهون إليها
﴿وَأُوْلئِكَ﴾ إشارةٌ إلى الأمة باعتبار اتصافِهم بما فُصّل من النُّعوتِ الجليلةِ وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو درجتِهم وسُموِّ طبقتِهم في الفضل وإيثارُه على الضميرِ للإشعارِ بعلةِ الحُكم والمدح أي أولئك المنعوتون بتلك الصفاتِ الفاضلة بسبب اتصافِهم بها
﴿مّنَ الصالحين﴾ أي من جملة من صلَحَت أحوالهم عند الله واستحقوا رضاه وثناءَه
стр. 756
﴿وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ﴾ كائناً ما كان مما ذُكر أو لم يُذكر
﴿فَلَنْ يُكْفَروهُ﴾ أي لن يعدَموا ثوابَه اْلبتةَ عبّر عنه بذلك كما عبر عن تَوْفية الثوابِ بالشكر إظهاراً لكمال تنزّهِه عن ترك إثابتِهم بتصويرِه بصورةِ ما يستحيلُ صدورُه عنه تعالى من القبائح وتعديتُه إلى مفعولين بتضمين معنى الحرمانِ وإيثارُ صيغةِ البناءِ للمفعولِ للجَريِ على سَنَنِ الكبرياءِ وقرئ الفعلانِ على صيغة الخطاب
﴿والله عَلِيمٌ بالمتقين﴾ تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبله فإن علمَه تعالى بأحوالهم يستدعي تَوْفيةَ أجورِهم لا محالة والمرادُ بالمتقين إما الأمةُ المعهودةُ وضع موضِعَ الضميرِ العائدِ إليهم مدحاً لهم وتعييناً لعُنوان تعلّقِ العلمِ بهم وإشعاراً بمناط اثابتهم وهو التقوى المنطوي على الخصائص السالفةِ وإما جنسُ المتقين عموماً وهم مندرجون تحت حكمه اندارجا أوليا
стр. 757
١١٦ - ١١٧ آل عمران
стр. 758
﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ﴾ أي بما يجبُ أنْ يُؤمن بِهِ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄ هم بنو قُريظةَ والنضير فإن معاندتَهم كانت لأجل المالِ وقيل هم مشركو قريشٍ فإن أبا جهلٍ كان كثيرَ الافتخار بماله وقيل أبو سفيان وأصحابُه فإنه أنفق مالاً كثيراً على الكفار يومَ بدرٍ وأحُد وقيل هم الكفارُ كافةً فإنهم فاخروا بالأموال والأولادِ حيث قالوا نَحْنُ أكثرُ أموالا وأولادا وما نحن بمعذّبين فردَّ الله عليهم وقال
﴿لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ﴾ أي لن تدفَع عَنْهُمْ
﴿أموالهم وَلَا أولادهم من الله﴾ أي من عذابِهِ تعالَى
﴿شَيْئاً﴾ أي شيئاً يسيراً منه أو شيئاً من الإغناءِ
﴿وَأُوْلئِكَ أصحاب النار﴾ أي مصاحبوها على الدوام وملازموها
﴿هُمْ فِيهَا خالدون﴾ أبداً
стр. 759
﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِى هذه الحياةِ الدنيا﴾ بيانٌ لكيفية عدمِ إغناءِ أموالِهم التي كانوا يعوِّلون عليها في جلبِ المنافعِ ودفعِ المضارِّ ويعلِّقون بها أطماعَهم الفارغةَ وما موصولةٌ اسميةٌ حُذف عائدُها أي حالُ ما ينفقه الكفرةُ قربةً أو مفاخرةً وسُمعةً أو المنافقون رياءً وخوفاً وقصتُه العجيبةُ التي مجرى المثل في الغرابة
﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ أي بردٌ شديدٌ فإنه في الأصل مصدرٌ وإن شاع إطلاقُه على الريح الباردة كالصر صر وقيل كلمة في تجريدية كما في قوله تعالى ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾
﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ﴾ بالكفر والمعاصي فباءوا بغضب من الله وإنما وُصفوا بذلك لأن الإهلاكَ عن سَخَط أشدُّ وأفظع
﴿فَأَهْلَكَتْهُ﴾ عقوبةً لهم ولم تدَعْ منه أثراً ولا عِثْيَراً والمرادُ تشبيهُ ما أنفقوا في ضياعه وذهابِه بالكلية من غير أن يعودَ إليهم نفعٌ ما بحرث كفارٍ ضربتْه صِرٌّ فاستأصلتْه ولم يبقَ لهم فيه منفعةٌ ما بوجه من الوجوه وَهُوَ من التشبيه المركبَ الذي مرَّ تفصيلُه في تفسيرِ قولِه تعالى ﴿كَمَثَلِ الذى استوقد نَاراً﴾ ولذلك لم يبالِ بإيلاء كلمةِ التشبيهِ الريحَ دون الحرثِ ويجوز أن يرادَ مثَلُ إهلاكِ ما ينفقون كمثَل إهلاكِ ريحٍ أو مثلُ ما ينفقون كمثَل مهلِكِ ريحٍ وهو الحرثُ وقرئ تنفقون
﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ الله﴾ بما بين من ضياع ما أنفقوا من الأموال
﴿ولكن أَنفُسَهُمْ يظلمون﴾ لما أنهم أضاعوها بإنفاقها لا على ما ينبغي وتقديمُ المفعولِ لرعاية الفواصلِ لا للتخصيص إذ الكلامُ في الفعل باعتبار تعلّقِه بالفاعل لا بالمفعول أي ما ظلمهم الله ولكن ظلموا أنفسَهم وصيغة المضارع للدلالة على التجدد والاستمرارِ وقد جُوِّز أن يكون المعنى وما ظلم الله تعالى أصحابَ الحرْثِ بإهلاكه ولكنهم ظلموا أنفسَهم بارتكاب ما استحقوا به العقوبةَ ويأباه أنه قد مر التعرُّضُ له تصريحا وإشعارا وقرئ ولكنّ بالتشديد على أن أنفسَهم اسمُها ويظلِمون خبرُها والعائدُ محذوفٌ للفاصلة أي ولكنَّ أنفسَهم يظلِمونها وأما تقديرُ ضميرِ الشأن فلا سبيلَ إليه لاختصاصه بالشعر ضرورةٍ كما في قوله ... ولكنَّ منْ يُبصِر جفونَك يعشق ...
стр. 760
١١٨ - ١١٩ البقرة
стр. 761
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً﴾ بطانةُ الرجل ووَليجتُه مَنْ يُعرِّفه أسرارَه ثقةً به شُبِّه ببطانة الثوب كما شُبِّه بالشعار قال ﷺ الأنصارُ شِعار والناسُ دِثار قال ابن عباس ﵄ كان رجال من المؤمنين يواصلون اليهودَ لما بينهم من القرابة والصداقة والحلف فأنزل الله تعالى هذه الآسية وقال مجاهد نزلتْ في قوم من المؤمنين كانوا يواصلون المنافقين فنهو عن ذلك ويؤيده قوله تعالى ﴿وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلَوا عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الانامل مِنَ الغيظ﴾ وهي صفةُ المنافق وإياً ما كان فالحكمُ عامٌ للكفرة كافةً
﴿مّن دُونِكُمْ﴾ أي من دون المسلمين وهو متعلقٌ بلا تتخذوا أو بمحذوف وقع صفة لبِطانة أي كائنةً من دونكم مجاوزةً لكم
﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ جملةٌ مستأنفةٌ مبينةٌ لحالهم داعيةٌ إلى الاجتناب عنهم أو صفةُ بطانةً يقال أَلا في الأمر إذا قصّر فيه ثم استُعمل مُعدًّى الى المفعولين في قولهم لا آلوكَ نُصحاً ولا آلوك جُهداً على تضمين معنى المنْعِ والنقصِ والخَبالُ الفسادُ أي لا يُقْصِرون لكم في الفسادِ
﴿وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ﴾ أي تمنَّوْا عَنَتَكم أي مشقتَكم وشدةَ ضررِكم وهو أيضاً استئنافٌ مؤكدٌ للنهي موجبٌ لزيادة الاجتنابِ عن المنهيِّ عنه
﴿قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم﴾ استئنافٌ آخرُ مفيدٌ لمزيد الاجتنابِ عن المنهيِّ عنه أي قد ظهرت البغضاءُ في كلامهم لِما أنهم لا يتمالكون مع مبالغتهم في ضبط أنفسِهم وتحاملِهم عليها أن ينفلِتَ من ألسنتهم ما يُعلم به بغضُهم للمسلمين وقرئ قد بدا البغضاءُ والأفواهُ جمعُ فم وأصلُه فوهٌ فلامُه هاءٌ يدل على ذلك جمعُه على أفواه وتصغيرُه على فُوَيه والنسبةُ إليه فوهيٌّ
﴿وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ مما بدا لأن بُدُوَّه ليس عن رَويَّة واختيار
﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الأيات﴾ الدالة على وجوب الإخلاصِ في الدين وموالاةِ المؤمنين ومعاداةِ الكافرين
﴿إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي إنْ كنتُم من أهلِ العقلِ أو إن كنتم تعقِلون ما بُيِّن لكم من الآيات والجوابُ محذوفٌ لدلالة المذكور عليه
стр. 762
﴿ها أنتم أُوْلاء﴾ جملةٌ من مبتدإٍ وخبر صدرت بحرف التنبيه إظهاراً لكمال العنايةِ بمضمونها أي أنتم أولاءِ المخطِئون في موالاتهم وقوله تعالى
﴿تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ بيانٌ لخطئهم في ذلك وهو خبرٌ ثانٍ لأنتم أو خبرٌ لأولاءِ والجملةُ خبرٌ لأنتم كقولك أنت زيدٌ تحبُّه أو صلةٌ له أو حالٌ والعاملُ معنى الإشارةِ ويجوز أن ينتصِبَ أولاءِ بفعلِ يفسِّره ما بعدَهُ وتكونُ الجملةُ خبراً
﴿وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب كُلّهِ﴾ أي بجنس الكتبِ جميعاً وهو حالٌ من ضميرِ المفعولِ في لا يُحِبُّونَكُمْ والمعنى لا يحبونكم والحالُ أنكم تؤمنون بكتابهم فما بالُكم تحبونهم وهم لا يؤمنون بكتابكم وفيه توبيخٌ بأنهم في باطلهم أصلبُ منكم في حقكم
﴿وإذا لقوكم قالوا آمنا﴾ نفاقاً
﴿وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الانامل مِنَ الغيظ﴾ أي منْ أجله تأسفاً وتحسراً حيث لم يجدوا إلى التشفي سبيلاً
﴿قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ﴾ دعاءٌ عليهم بدوام الغيظ
стр. 763
١٢٠ - ١٢١ آل عمران
وزيادته بتضاعيف قوةِ الإسلامِ وأهلِه إلى أن يهلِكوا به أو باشتداده إلى أن يهلكهم
﴿إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ فيعلم ما في صدوركم من العداوة والبغضاء والحنَقِ وهو يحتملُ أن يكون من المَقول أي وقل لهم أن الله تعالى عليمٌ بما هو أخفى مما تُخفونه من عض الأنامل عيظا وأن يكون خارجاً عنه بمعنى لا تتعجْب من اطْلاعي إياك على أسرارهم فإني عليمٌ بذات الصدور وقيل هو أمرٌ لرسول الله ﷺ بطيب النفسِ وقوة الرجاءِ والاستبشار بوعد الله تعالى أن يَهلِكوا غيظاً بإعزاز الإسلام وإذلالهم به من غير أن يكون ثمةَ قولٌ كأنه قيل حدِّث نفسَك بذلك
стр. 764
﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا﴾ بيانٌ لتناهي عداوتِهم إلى حد حسد وامانا لهم من خير ومنفعة وشمِتُوا بما أصابهم من ضر وشدة وذكرُ المسِّ مع الحسنة والإصابة مع السئية إما للإيذان بأن مدارَ مساءتِهم أدنى مراتبِ إصابةِ الحسنةِ ومناطَ فرحِهم تمامُ إصابةِ السيئةِ وإما لأن المسَّ مستعارٌ لمعنى الإصابة
﴿وأن تصبروا﴾ أي على عداتهم أو على مشاقّ التكاليفِ
﴿وَتَتَّقُواْ﴾ ما حرّم الله تعالى عليكم ونهاكم عنه
﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ﴾ مكرُهم وحيلتُهم التي دبّروها لأجلكم وقرئ لا يضِرْكم بكسر الضاد وجزم الراء على جواب الشرط من ضارَه يضيرُه بمعنى ضرّه يضُرّه وضمةُ الراءِ في القراءة المشهورة للإتباع كضمة مَدّ
﴿شَيْئاً﴾ نُصب على المصدرية أي لايضركم شيئاً من الضرر بفضل الله وحفظِه الموعودِ للصابرين والمتقين ولأن المُجِدَّ في الأمر المتدرِّبَ بالاتقاء والصبرِ يكون جريئاً على الخصم
﴿إِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ في عداوتكم من الكيد
﴿مُحِيطٌ﴾ علماً فيعاقبهم على ذلك وقرئ بالتاء الفوقائية أي بما تعملون من الصبر والتقوى فيجازيكم بما أنتم أهلُه
стр. 765
﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾ كلامٌ مستأنفٌ سيق للاستشهاد بما فيه من استتباع عدمِ الصبرِ والتقوى للضرر على أن وجودَهما مستتبِعٌ لما وُعِد من النجاة من مضرَّة كيدِ الأعداءِ وإذْ نُصبَ على المفعوليةِ بمضمرِ خوطبَ به النبيُّ ﷺ خاصة مع عموم الخطابِ فيما قبله وما بعده له وللمؤمنين لاختصاص مضمونِ الكلامِ به ﵇ أي واذكر لهم وقت غُدُوِّك ليتذكروا ما وقع فيه من الأحوال الناشئةِ عن عدم الصبر فيعلمون أنهم إن لزِموا الصبرَ والتقوى لا يضرُهم كيدُ الكفرةِ وتوجيهُ الأمرِ بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث مع أنها المقصودةُ بالذات للمبالغة في إيجاب ذكرها واستحضارِ الحادثةِ بتفاصيلها كما سلف بيانُه في تفسيرِ قولِه تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة﴾ الخ والمرادُ به خروجُه ﵇ إلى أُحد وكان ذلك من منزل عائشةَ ﵂ وهو المرادُ بقوله تعالى
﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾ أي من عند أهلِك
﴿تبوئ المؤمنين﴾ أي تنزلهم أو تهيئ وتسوى لهم
﴿مقاعد﴾ ويؤيد قراءة من قرأ تبوئ للمؤمنين والجملة حال من فاعل غدوتَ لكنْ لَا على أنَّها حالٌ مقدرةٌ أي ناوياً وقاصداً للتبْوِئة كما قيل
стр. 766
١٢٢ - آل عمران
بل على أن المقصودَ تذكيرُ الزمانِ الممتدِّ المتسعِ لابتداء الخروجِ والتبْوِئة وما يترتب عليها إذْ هو المُذكِّرُ للقصة وإنما عُبّر عنه بالغدو الذي هو الخروجُ غُدوةً مع كون خروجِه ﵇ بعد صلاةِ الجمعةِ كما ستعرفه إذْ حينئذٍ وقعت التبوئةُ التي هي العُمدةُ في الباب إذِ المقصودُ بتذكير الوقت تذكير مخالفتهم لأمرالنبي ﷺ وتزايُلِهم عن أحيازهم المعيَّنةِ لهم عند التبوئة وعدمِ صبرِهم وبهذا يتبين خللُ رأي من احتج به على جواز أداءِ صلاةِ الجمعة قبل الزوال واللام في قوله تعالى
﴿لِلْقِتَالِ﴾ إما متعلقةٌ بتبوِّيء أي لأجل القتالِ وإما بمحذوف وقع صفة لمقاعدَ أي كائنةً ومقاعدُ القتالِ أماكنُه ومواقِفُه فإن استعمالَ المقعدِ والمقامِ بمعنى المكانِ اتساعاً شائعٌ ذائعٌ كما في قوله تعالى ﴿فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ وقوله تعالى ﴿قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ﴾ روي أن المشركين نزلوا بأُحد يومَ الأربَعاءِ فاستشار رسول الله ﷺ أصحابَه ودعا عبدُ اللَّه بن أبي بن سلول ولم يكن دعاه قبل ذلك فاستشاره فقال عبدُ اللَّه وأكثرُ الأنصار يا رسولَ الله أقِم بالمدينة ولا تخرُجْ إليهم فوالله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا ولا دخلها علينا إلا أصبْنا منه فكيف وأنت فينا فدَعْهم فإن أقاموا أقاموا بشرِّ مَحبِس وإن دخلوا قاتلهم الرجالُ في وجوههم ورماهم النساءُ والصبيانُ بالحجارة وإن رجعوا رجعوا خائبين وقال بعضُهم يارسول الله اخرُجْ بنا إلى هؤلاء الأكلُبِ لا يرَوْن أنا قد جبُنّا عنهم فقال ﷺ إني قد رأيت في منامي بقراً مُذَبَّحةً حولي فأوّلتُها خيراً ورأيت في ذُباب سيفي ثُلَماً فأولتُه هزيمةً ورأيتُ كأني أدخلتُ يدي في درعٍ حصينةٍ فأولتُها المدينة فإن رأيتم أن تُقيموا بالمدينة فتدعوهم فقال رجال من المسلمين قد فاتتهم بدرٌ وأكرمهم الله تعالى بالشهادة يومئذ اخرُجْ بنا إلى أعدائنا وقال النعمانُ بنُ مالكٍ الأنصارى ﵁ يا رسولَ الله لاتحرمنى الجنةَ فوالذي بعثك بالحق لأدخُلَنَّ الجنة ثم قال بقوليْ أُشْهِدُ أَن لَاّ إلَه إِلَاّ الله وأني لا أفِرُّ من الزحف فلم يزالوا به ﵇ حتى دخل فلبِس لأمته فلما رأَوْه كذلك ندِموا وقالوا بئسما صنعنا نشير على رسول الله والوحيُ يأتيه وقالوا اصنع يارسول الله ما رأيت فقال ما ينبغي لنبيَ أن يلبس لأمته فيضعَها حتى يقاتل فخرج يومَ الجمعة بعد صلاةِ الجمعةِ وأصبح بالشِّعب من أحُد يوم السبْتِ للنصف من شوالٍ لسنةِ ثلاثٍ من الهجرة فمشى على رجليه فجعل يصُفُّ أصحابَه للقتال فكأنما يقوّم بهم القِدْحَ إن رأى صدراً خارجاً قال تأخَّرْ وكان نزولُه في عُدوة الوادي وجعل ظهرَه وعسكرَه إلى أحُد وأمَّر عبدَ اللَّه بنَ جُبيرٍ على الرماة وقال لهم انضَحُوا عنا بالنبل لا يأتونا من ورائنا ولا تبرَحوا من مكانكم فلن نزال غالبين ما ثبتم مكانَكم
﴿والله سَمِيعٌ﴾ لأقوالكم
﴿عَلِيمٌ﴾ بضمائركم والجملةُ اعتراضٌ للإيذان بأنه قد صدر عنهم هناك من الأقوال والأفعال مالا ينبغي صدورُه عنهم
стр. 767
﴿إِذْ هَمَّتْ﴾ بدلٌ من إذ غدوت مبينٌ لما هو المقصودُ بالتذكير أو ظرفٌ لسميعٌ عليمٌ على معنى أنه تعالى جامعٌ بين سماعِ الأقوالِ والعلمِ بالضمائر في ذلك الوقتِ إذ لا وجهَ لتقييد كونِه تعالى سميعاً عليماً بذلك الوقت قال الفراءُ معنى قولِك ضربتُ وأكرمتُ زيداً أن زيداً منصوبٌ بهما تسلّطا عليه معاً
﴿طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا﴾ متعلقٌ بهمَّتْ والباءُ محذوفةٌ أي بأن تفشَلا أي تجبُنا وتضعُفا وهما حيانِ من
стр. 768
١٢٣ - ١٢٤ آل عمران
الأنصار بنو سلمةَ من الخزرج وبنو حارثةَ من الأوس وهما الجناحانِ من عسكر رسول الله ﷺ وكانوا ألفَ رجل وقيل تسعَمائةٍ وخمسين وَعَدهم رسولُ الله ﷺ الفتحَ إن صبَروا فلما قاربوا عسكرَ الكفرةِ وكانوا ثلاثةَ آلافٍ انخذل عبدُ اللَّه بنُ أبيَ بثلث الناسِ فقال يا قومُ علامَ نَقتُل أنفسَنا وأولادَنا فتبِعَهم عمروُ بنُ حزم الأنصاري فقال أنشُدكم الله في نبيكم وأنفسِكم فقال عبدُ اللَّه لو نعلم قتالاً لاتّبعناكم فهمّ الحيانِ باتِّباع عبدِ اللَّه فعصمَهم الله تعالى فمضَوْا مع رسول الله ﷺ وعن ابن عباس ﵄ أضمَروا أن يرجِعوا فعزم الله لهم على الرشد فثبَتوا والظاهرُ أنها ما كانت إلا همَّةً وحديثَ نفس قلما تخلو النفسُ عنه عند الشدائدِ
﴿والله وَلِيُّهُمَا﴾ أي عاصِمُهما عن اتباع تلكِ الخَطرةِ والجملةُ اعتراضٌ ويجوز أن تكون حالاً من فاعل همَّتْ أو من ضميرِه في تفشلا مفيدةٌ لاستبعاد فشلِهما أو همِّهما بهِ مع كونِهِما في ولاية الله تعالى وقرئ والله وليُّهم كما في قوله تعالى ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا﴾
﴿وَعَلَى الله﴾ وحده دون ما عداه مطلقاً استقلالاً أو اشتراكاً
﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون﴾ في جميع أمورِهم فإنه حسبُهم وإظهارُ الاسمِ الجليلِ للتبرك والتعليل فإن الألوهية من موجبات التوكلِ عليه تعالى واللامُ في المؤمنين للجنس فيدخلُ فيه الطائفتان دخولاً أولياً وفيه إشعارٌ بأن وصفَ الإيمان من دواعي التوكلِ وموجباتِه
стр. 769
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ سيقت لإيجاب الصبرِ والتقوى بتذكير ما ترتب عليهما من النصر إثرَ تذكيرِ ما ترتب على عدمهما من الضرر وقيل لإيجاب التوكلِ على الله تعالى بتذكير ما يوجبه وبدرٌ اسمُ ماءٍ بين مكةَ والمدينة كان لرجل اسمُه بدرُ بنُ كِلْدةَ فسُمِّيَ باسمِه وقيل سمِّي به لصفائه كالبدر واستدارتِه وقيل هو اسمُ الموضِعِ أو الوادي وكانت وقعةُ بدرٍ في السابعَ عشرَ من شهرِ رمضانَ سنةَ اثنتين من الهجرة
﴿وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ حالٌ من مفعول نصركم وأذلةٌ جمعُ ذليلٍ وإنما جُمع جَمْعُ قِلةً للإيذان باتصافهم حينئذ بوصفي القِلة والذِلة إذ كانوا ثلثَمائةٍ وبضعةَ عشرَ وكان ضعفُ حالِهم في الغاية خرجوا على النواضح يتعقب النفرُ منهم على البعير الواحدِ ولم يكن في العسكر إلا فرسٌ واحدٌ وقيل فرَسانِ للمقداد ومرْثَد وتسعون بعيراً وستُّ أدرعٍ وثمانيةُ سيوفٍ وكان العدو زهاءَ ألفٍ ومعهم مائةُ فرسٍ وشكة وشوْكة
﴿فاتقوا الله﴾ اقتصر على الأمر بالتقوى مع كونه مشفوعاً بالصبر فيما سبقَ وما لحِق للإشعار بأصالته وكونِ الصبرِ من مباديه اللازمةِ له ولذلك قُدم عليه في الذكر وفي ترتيب الأمرِ بالتقوى على الإخبار بالنصر إيذانٌ بأن نصرَهم المذكورَ كان بسبب تقواهم أي إذا كان الأمر كذلك فاتقوا الله كما اتقيتم يومئذ
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي راجين أن تشكُروا ما يُنعِم به عليكم بتقواكم من النصرة كما شكرتم فيما قبلُ أو لعلكم يُنعم الله عليكم بالنصر كما فعل ذلك من قبل فوُضِع الشكرُ موضِعَ سببِه الذي هو الإنعامُ
стр. 770
﴿إِذْ تَقُولُ﴾ تلوينٌ للخطاب بتخصيصه رسول الله ﷺ لتشريفه والإيذانِ بأن وقوعَ النصرِ كان ببشارته ﵇ وإذ ظرفٌ لنصَرَكم قدِّم عليه الأمر
стр. 771
١٢٥ - آل عمران
بالتقوى لإظهار كمالِ العنايةِ به والمرادُ به الوقتُ الممتدُ الذي وقع فيه ما ذكر بعده وما طُويَ ذكرُه تعويلا على شهادة الحالِ مما يتعلق به وجودُ النصرِ وصيغةُ المضارعِ لحكايةِ الحالِ الماضيةِ لاستحضار صورتِها أي نصركم وقت قولك
﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ حين أظهروا العجزَ عن المقاتلة قال الشعبي بلغ المؤمنين أن كُرْزَ بنَ جابرٍ الحنفي يريد أن يُمِدَّ المشركين فشق ذلك على المؤمنين فنزل حينئذ ثم حكى ههنا
﴿أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ ربكم بثلاثة آلافٍ﴾ الكفايةُ سدُّ الخَلّةِ والقيامُ بالأمر والإمدادُ في الأصل إعطاءُ الشئ حالاً بعد حال قال المفضّل ما كان منه بطريق التقويةِ والإعانةِ يقال فيه أمَدَّه يُمِدُّه إمداداً وما كان بطريق الزيادة يقال فيه مَدَّه يمُدّه مداً ومنه والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ وقيل المَدّ في الشر كما في قوله تعالى ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ وقولِه ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العذاب مَدّاً﴾ والإمدادُ في الخير كما في قوله تعالى ﴿وأمددناكم بأموال وَبَنِينَ﴾ والتعرض لعنوان الربوبية ههنا وفيما سيأتي مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين لإظهار العنايةِ بهم والإشعارِ بعلةِ الإمداد والمعنى إنكارُ عدمِ كفايةِ الإمدادِ بذلك المقدار ونفيُه وكلمة لَنْ للإشعار بأنهم كانوا حينئذ كالآيسين من النصر لضعفهم وقلّتِهم وقوةِ العدوّ وكثرتهم
﴿مِنَ الملائكة﴾ بيانٌ أو صفة لآلافٍ أو لما أُضيف إليه أي كائنين من الملائكة
﴿مُنزَلِينَ﴾ صفةٌ لثلاثةِ آلافٍ وقيل حال من الملائكة وقرئ منزلين بالتشديد للتكثير أو للتدريج قيل امدهم الله تعالى أولا بألف ثم صاروا ثلاثة آلافٍ ثم خمسةِ آلافٍ وقرئ مبنياً للفاعل من الصيغتين أي مُنزِلين النصرَ
стр. 772
﴿بلى﴾ إيجابٌ لما بعدَ لَنْ وتحقيقٌ له أي بلى يكفيكم ذلك ثم وعد لهم الزيادةَ بشرط الصبرِ والتقوى حثاً لهم عليهما وتقويةً لقلوبهم فقال
﴿إِن تَصْبِرُواْ﴾ على لقاء العدو ومناهضتِهم
﴿وَتَتَّقُواْ﴾ معصيةَ الله ومخالفةَ نبيِّه ﵊
﴿ويأتوكم﴾ أي المشركين
﴿مّن فَوْرِهِمْ هذا﴾ أي من ساعتهم هذه وهو في الأصل مصدرُ فارَت القِدرُ أي اشتد غَلَيانُها ثم استُعير للسرعة ثم أُطلق على كل حالةٍ لا ريث فيها أصلاً ووصفُه بهذا لتأكيد السرعةِ بزيادة تعيينِه وتقريبِه ونظمُ إتيانِهم بسرعة في سلك شرطَي الإمداد المستتبِعَيْن له وجوداً وعدماً أعني الصبرَ والتقوى مع تحقق الإمدادِ لا محالةَ سواءٌ أسرعوا أو أبطئوا لتحقيق سرعة الإمداد لا لتحقيق أصلِه أو لبيانِ تحقّقِه على أي حال فُرِضَ على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه بتعليقه بأبعدِ التقاديرِ ليُعلم تحقُّقُه على سائرها بالطريق الأوْلى فإن هجومَ الأعداءِ وإتيانَهم بسرعة من مظانّ عدمِ لُحوق المددِ عادةً فعُلِّق به تحققُ الإمدادِ إيذاناً بأنه حيث تحقَّقَ مع ما ينافيه عادةً فلأَنْ يتحقَّقَ بدونه أولى وأحرى كما إذا أردتَ وصفَ درعٍ بغاية الحَصانة تقول إن لبستَها وبارزتَ بها الأعداءَ فضربوك بأيدٍ شدادٍ وسيوفٍ حِدادٍ لم تتأثرْ منها قطعاً
﴿يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مُسَوّمِينَ﴾ من التسويم الذي هو إظهارُ سيما الشيءِ أي مُعْلِمين أنفسَهم أو خيلَهم فقد رُوي أنهم كانوا بعمائمَ بيضٍ إلا جبريلَ ﵇ فإنَّه كان بعمامة صفراءَ على مثال الزبير بنِ العوام وروى
стр. 773
١٢٦ - آل عمران
أنهم كانوا على خيل باق قال عروةُ بنُ الزبير كانت الملائكةُ على خيل بُلْق عليهم عمائمُ بيضٌ قد أرسلوها بين أكتافِهم وقال هشامُ بنُ عروة عمائمُ صُفْرٌ وقال قتادة والضحاك وكانوا قد أَعْلموا بالعِهْن في نواصي الخيلِ وأذنابِها رُوي أن النبيِّ ﷺ قال لأصحابه تسوَّموا فإن الملائكة قد تسومت وقرئ مسوَّمين على البناء للمفعول ومعناه مُعْلِمين من جهته سبحانه وقيل مرسَلين من التسويم بمعنى الإسامة
стр. 774
﴿وَمَا جَعَلَهُ الله﴾ كلامٌ مبتدأٌ غيرُ داخلٍ في حيز القول مَسوقٌ من جنابه تعالى لبيان أن الأسبابَ الظاهرةَ بمعزل من التأثير وأن حقيقةَ النصرِ مختص به ليثق به المؤمنون ولا يقنَطوا منه عند فُقدان أسبابِه وأماراتِه معطوفٌ على فعل مقدرٍ ينسحبُ عليه الكلامُ ويستدعيه النظامُ فإن الإخبارَ بوقوع النصرِ على الإطلاق وتذكيرَ وقتِه وحكايةَ الوعدِ بوقوعه على وجه مخصوصٍ هو الإمدادُ بالملائكة مرةً بعد أخرى وتعيينُ وقتِه فيما مضى يقضي بوقوعه حينئذ قضاءً قطعياً لكن لم يصرَّحْ به تعويلاً على تعاضُد الدلائلِ وتآخُذ الأماراتِ والمخايل وإيذاناً بكمال الغِنى عنه بل إحترازا عن شائبة التكريرِ أو عن إيهام احتمالِ الخُلفِ في الوعد المحتومِ كأنه قيل عَقيبَ قولِه تعالى ﴿يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مُسَوّمِينَ﴾ فأمدَّكم بهم ﴿وما جعله الله﴾ الخ والجَعلُ متعدَ إلى واحد وهو الضميرُ العائد إلى مصدر ذلك الفعلِ المقدر وأما عَوْدُه إلى المصدر المذكورِ أعني قولَه تعالى أَن يُمِدَّكُمْ أو إلى المصدر المدلولِ عليه بقوله تعالى يُمْدِدْكُمْ كما قيل فغيرُ حقيقٍ بجزالة التنزيلِ لأن الهيئةَ البسيطةَ متقدمةٌ على المركبة فبيانُ العلةِ الغائبةِ لوجود الإمداد كما هو المرادُ بالنظم الكريم حقُّه أن يكون بعد بيانِ وجودِه في نفسه ولا ريب في أن المصدر بن المذكورين غيرُ معتبَرَيْنِ من حيث الوجودُ والوقوعُ كمصدر الفعلِ المقدرِ حتى يتصدى لبيان أحكامِ وجودِهما بل الأولُ معتبرٌ من حيث الكفايةُ والثاني من حيث الوعدُ على أن الأولَ هو الإمدادُ بثلاثة آلافٍ والواقع هو الإمدادُ بخمسة آلافٍ وقوله تعالى
﴿إِلَاّ بشرى لَكُمْ﴾ استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم العللِ وتلوينُ الخطابِ لتشريف المؤمنين وللإيذان بأنهم المحتاجون إلى البِشارة وتسكينِ القلوب بتوفيق الأسبابِ الظاهرةِ وان رسول الله ﷺ غني عنه بماله من التأييد الروحاني أي وما جعل إمدادَكم بإنزال الملائكةِ عِياناً لشيءٍ من الأشياءِ إلا للبشرى لكم بأنكم تُنْصَرون
﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ أي بالإمداد وتسكُنَ إليه كما كانت السكينةُ لبني إسرائيلَ كذلك فكلاهما عِلةٌ غائيةٌ للجعل وقد نُصب الأولُ لاجتماع شرائطِه من اتحاد الفاعلِ والزمانِ وكونِه مصدراً مَسوقاً للتعليل وبقيَ الثاني على حاله لفُقدانها وقيل للإشارة أيضاً إلى أصالته في العلِّية وأهميتِه في نفسه كما في قوله تعالى ﴿والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ وفي قصر الإمدادِ عليهما إشعارٌ بأن الملائكةَ ﵈ لم يباشروا يومئذ القتالَ وإنما كان إمدادُهم بتقويةِ قلوبِ المباشرين بتكثير السَّواد ونحوِه كما هو رأيُ بعض السلف ﵁ وقيلَ الجعلُ متعدٍ إلى
стр. 775
١٢٧ - ١٢٨ آل عمران
اثنين وقوله إِلَاّ بشرى لَكُمْ استثناءٌ من أعمِّ المفاعيلِ أي وما جعله الله تعالى شيئاً من الأشياء إلا بشارةً لكم فاللام في قوله تعالى وَلِتَطْمَئِنَّ متعلقةٌ بمحذوف تقديرُه ولتطمئن قلوبُكم به فُعِل ذلك
﴿وَمَا النصر﴾ أي حقيقةُ النصرِ على الإطلاق فيندرِجُ في حكمة النصرُ المعهودُ اندراجاً أولياً
﴿إِلَاّ مِنْ عِندِ الله﴾ أي إلا كائنٌ من عنده تعالى من غيرِ أنْ يكون فيه شِرْكةٌ من جهة الأسبابِ والعَدد وإنما هي مظاهرُ له بطريق جَرَيانِ سنتِه تعالى أو وما النصرُ المعهودُ إلا من عنده تعالى لا من عند الملائكةِ فإنهم بمعزلٍ من التأثير وإنما قصارى أمرِهم ما ذُكر من البِشارة وتقويةِ القلوب
﴿العزيز﴾ أي الذي لا يغالَب في حُكمه وأقضيتِه وإجراءُ هذا الوصفِ عليه تعالى للإشعار بعلة اختصاصِ النصرِ به تعالى كما أن وصفَه بقوله
﴿الحكيم﴾ أي الذي يفعلُ كلَّ ما يفعلُ حسبما تقتضيِه الحِكمةُ والمصلحة للإيذان بعلة جعْلِ النصرِ بإنزال الملائكةِ فإن ذلك من مقتَضيات الحِكم البالغةِ
следующие страницы →