Полный текст (8 642 стр.). Показаны 7246–7285 · переход к 7251.
стр. 7246
﴿فاليوم لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فدية﴾ فداء وقرئ تُؤخذُ بالتاءِ ﴿وَلَا مِنَ الذين كَفَرُواْ﴾ أي ظاهراً وباطنا ﴿مأواكم النار﴾ لا تبرحُونَها أبداً ﴿هِىَ مولاكم﴾ أي أَوْلَى بكُم وحقيقتُه مكانُكُم الذي يُقالُ فيهِ هو أَوْلى بكُم كما يقالُ هو مِئْنةُ الكرمِ أي مكانٌ لقولِ القائلِ إنَّه لكريمٌ أو مكانُكم عن قريبٍ من الولي وهو القرب أو ناصركُم على طريقةِ قولِه ... تحيةُ بينِهم ضربٌ وجيع ... أو متوليكم تتولاكم كَما توليتُم موجباتِها ﴿وَبِئْسَ المصير﴾ أي النَّارُ
стр. 7247
﴿ألم يأن للذين آمنوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله﴾ استئنافٌ ناعٍ عليهم تثاقلَهُم في أمورِ الدِّينِ ورخاوةِ عقدِهم فيها واستبطاءٌ لا نتدابهم لما نُدبوا إليهِ بالترغيبِ والترهيبِ ورُويَ أنَّ المؤمنينَ كانُوا مُجْدبين بمكةَ فلمَّا هاجرُوا أصابُوا الرزقَ والنعمةَ وفترُوا عمَّا كانُوا عليهِ فنزلتْ وعن ابن مسعودٍ ﵁ ما كانَ بينَ إسلامِنا وبينَ أنْ عُوتبنا بهذهِ الآيةِ إلا أربعُ سنينَ وعنِ ابن عباس ﵄ أنَّ الله استبطأَ قلوبَ المؤمنينَ فعاتَبهُم على رأسِ ثلاثَ عشرةَ سنةً من نزولِ القُرآنِ أيْ ألم نجىء وقتُ أنْ تخشعَ قلوبُهم لذكرِه تعالَى وتطمئنَ به ويسارعُوا إلى طاعتِه بالامتثال بأوامره والانتهاءِ عمَّا نُهوا عنهُ منْ غير توانٍ ولا فتورٍ منْ أنى الأمرُ إذَا جاءَ أناهُ أي وقته وقُرِىءَ ألم يئِنْ من آنَ يئينُ بمعنى أنَى وقُرِىءَ ألمَّا بان وفيه دلالة على أن المنفى ﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الحق﴾ أي القرآنِ وهو عطفٌ على ذكرِ الله فإنْ كان هو المرادبه أيضا فالعطف لتغاير العنواين فإنَّه ذكرٌ وموعظةٌ كما أنَّه حقٌّ نازلٌ منَ السماءِ وإلَاّ فالعطفُ كما في قولِه تعالى إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ زَادَتْهُمْ إيمانا ومَعْنى الخشوعِ له الانقيادُ التامُّ لأوامره ونواهيِه والعكوفُ على العملِ بما فيهِ من الأحكامِ التي من جُملتها ما سبَقَ وما لَحِق من الإنفاق في
стр. 7248
﴾ ٩ ١٧
سبيل الله تعالى وقرئ نزل من التنزيلِ مبنياً للمفعول ومبنياً للفاعلِ وأنزلَ ﴿وَلَا يَكُونُواْ كالذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلُ﴾ عطفٌ على تخشعَ وقُرىء بالتاءِ على الالتفاتِ للاعتناءِ بالتحذيرِ وقيلَ هو نهيٌ عن مماثلةِ أهلِ الكتابِ في قسوةِ القلوبِ بعد أنْ وبخوا وذلك أنَّ بني إسرائيلَ كانَ الحقُّ يحولُ بينَهُم وبينَ شهواتِهم وإذَا سمعُوا التوراةَ والإنجيل خشعوالله ورقَّتْ قلوبُهم ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمد﴾ أي الأجلُ وقُرِىءَ الأمدُّ بتشديدِ الدالِ أي الوقتُ الأطولُ وغلبهم الجفاءُ وزالتْ عنْهم الروعةُ التي كانتْ تأتيهُم من الكتابينِ ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فَهِىَ كالحجارةِ أَوْ أَشَدُّ قسوةً ﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فاسقون﴾ أي خارجونَ عن حدودِ دينهم رافضونَ لما في كتابِهم بالكُلِّيةِ
стр. 7249
﴿اعلموا أن الله يحيي الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ تمثيلٌ لإحياءِ القلوبِ القاسيةِ بالذكرِ والتلاوةِ بإحياءِ الأرضِ الميتةِ بالغيثِ للترغيبِ في الخشوعِ والتحذيرِ عن القساوةِ ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآياتِ﴾ التي من جُمْلتِها هذهِ الآياتُ ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ كي تعقلُوا ما فيهَا وتعملُوا بموجبِها فتفوزُوا بسعادةِ الدارينِ
стр. 7250
﴿إِنَّ المصدقين والمصدقات﴾ أي المتصدقين والمتصدقات وقدر قُرِىءَ كذلكَ وقُرِىءَ بتخفيفِ الصادِ من التصديقِ أي الذينَ صدقُوا الله ورسولَه ﴿وَأَقْرِضُواُ الله قَرْضاً حَسَناً﴾ قيلَ هُو عطفٌ على مافي المصدقينَ من مَعْنى الفعلِ فإنه حُكمِ الذين اصدَّقُوا أو صَدَقُوا عَلى القراءتينِ وعُقبَ بأنَّ فيهِ فصلاً بين أجزاءِ الصلةِ بأجنبيَ وهو المُصدِّقاتِ وأُجيبَ بأنَّ المَعْنى أنَّ الناسَ الذينَ تصدَّقُوا وتصدقن وأقرصوا فهو عطفٌ على الصلةِ من حيثُ المَعْنى من غيرِ فصلٍ وقيلَ إنَّ المُصدِّقاتِ ليسَ بعطفٍ على المُصدِّقينِ بل هُو منصوبٌ على الاختصاصِ كأنه قيلَ إنَّ المصدقينَ على العموم تغليباً وأخصُّ المصدقاتِ من بينهُم كما تقولُ إنَّ الذينَ آمنُوا ولا سيَّما العلماء منهُم وعملُوا الصالحاتِ لهم كَذا لكنْ لا على أنَّ مدارَ التخصيصِ مزيدُ استحقاقِهنَّ لمضاعفةِ الأجرِ كما في المثال المذكورِ بل زيادةُ احتياجهنَّ إلى التصدقِ الداعيةُ إلى الاعتناءِ بحثهنَّ على التصدقِ لما روي أنه ﵊ قالَ يا معشرَ النِّساءِ تصدَّقن فإنِّي أرُيتُكنَّ أكثرَ أهلِ النَّارِ وقيلَ هو صلةٌ لموصولٍ محذوفٍ معطوفٍ على المصدقينَ كأنَّه قيل والذين أقرضوا القرص الحسنُ عبارةٌ عنِ التصدقِ من الطيبِ عن طيبةِ النفسِ وخلوصِ النيةِ على المستحقِّ للصدقةِ ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ﴾ على البناءِ للمفعول مُسنداً إلى ما بعدَهُ من الجارِّ والمجرورِ وقيلَ إلى مصدرِ مَا في حيزِ الصِّلةِ على حذفِ مضافٍ أيْ ثوابُ التصدقِ وقُرِىءَ على البناء للفاعل أي يُضاعِفُ الله تعالَى وقُرِىءَ يُضعَّفُ بتشديدِ العينِ وفتحِها ﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ مرَّ ما فيه من الكلام
стр. 7251
﴿والذين آمنوا بالله ورسوله﴾
стр. 7252
﴾ ٠
كافةً وقد مرَّ بيانُ كيفيةِ الإيمانِ بهم في خاتمةِ سورةِ البقرةِ ﴿أولئك﴾ إشارةٌ إلى الموصولِ الذي هُو مبتدأٌ وما فيهِ من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه قد مر سره مرارا وهو مبتدأٌ ثانٍ وقولُه تعالَى ﴿هُمْ﴾ مبتدأ ثالث خبره ﴿الصديقون والشهداء﴾ وهُو معَ خبرِه خبرٌ للثانِي وهو مع خبره خبر للأول أو هم ضمير الفصل وما بعده خبر لأولئك والجملة خبر للموصولِ أي أُولئكَ ﴿عِندَ رَبّهِمْ﴾ بمنزلة الصديقينَ والشهداءِ المشهورينَ بعلوِّ الرُّتبةِ ورفعةِ المحلِّ وهُم الذينَ سبقُوا إلى التصديقِ واستُشْهِدوا في سبيلِ الله تعالى أو هم المبالغونَ في الصدقِ حيثُ آمنُوا وصدَّقُوا جميعَ أخبارهِ تعالَى ورسلِه والقائمونَ بالشهادةِ لله تعالى بالوحدانيةِ ولهم بالإيمانِ أو على الأممِ يومَ القيامةِ وقولُه تعالى ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ بيانٌ لثمراتِ ما وُصفوا بهِ من نعوتِ الكمالِ على أنَّه جملةٌ من مبتدإٍ وخبرٍ محلُّها الرفعُ على أنَّه خبرٌ ثانً للموصولِ أو الخبرُ هو الجارُّ وما بعدَهُ مرتفعٌ بهِ على الفاعليةِ والضميرُ الأولُ على الوجهِ الأولِ للموصولِ والأخيرانِ للصديقينَ والشهداءُ أيْ مثلُ أجرِهم ونورِهم المعروفينِ بغايةِ الكمالِ وعزةِ المنالِ وقد حذفَ أداةَ التشبيةِ تنبيهاً على قوةِ المماثلةِ وبلوغِها حدَّ الإتحادِ كما فعلَ ذلكَ حيثُ قيل هم الصديقونَ والشهداءُ وليستِ المماثلةُ بين ما للفريقِ الأولِ من الأجرِ والنورِ وبين تمام ما للأول من الأصل والأضعاف وبين ما للأخيرين من الأصل بدون الأضعافِ وأمَّا على الوجهِ الثاني فمرجعُ الكلّ واحدٌ والمَعْنى لهمُ الأجرُ والنورُ الموعودان لَهُم أجرُهم الخ ﴿والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بآياتنا أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بتلك الصفةِ القبيحةِ ﴿أصحاب الجحيم﴾ بحيثُ لا يفارقونَها أبداً
стр. 7253
﴿اعلموا أَنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى الأموال والأولاد﴾ بعدما بُيِّنَ حالُ الفريقينِ في الآخرةِ شُرحَ حالُ الحياةِ الدُّنيا التي اطمأنَّ بها الفريقُ الثَّاني وأُشيرَ إلى أنَّها من محقرات الأمورِ التي لا يركنُ إليها العقلاءُ فضلاً عن الاطمئنانِ بَها وأنَّها مع ذلكَ سريعةُ الزَّوالِ وشيكةُ الاضمحلالِ حيثُ قيلَ ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكفار﴾ أي الحُرَّاثَ ﴿نَبَاتُهُ﴾ ٦ أي النباتُ الحاصلُ بهِ ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أي يجفُّ بعدَ خضرتِه ونضارتِه ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً﴾ بعدَ ما رأيتَهُ ناضراً مُونِقاً وقُرىءَ مُصفارَّاً وإنما لم يقلْ فيصفرُّ إيذاناً بأنَّ اصفرارَهُ مقارنٌ لجفافِه وإنما المترتبُ عليه رؤيتُه كذلكَ ﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً﴾ هشيماً مُتكسراً ومحلُّ الكافِ قيلَ النصبُ على الحاليةِ من الضميرِ في لعبٌ لأنَّه في معنى الوصف وقيل الرفع على أنه خبرٌ بعدَ خبر للحياة الدنيا بتقدير المضاف أي مثل الحياةِ الدُّنيا كمثلِ الخ وبعدَ ما بُيِّنِ حقارةُ أمرِ الدُّنيا تزهيداً فيها وتنفيراً عن العكوفِ عليها أُشيرَ إلى فخامة شأنِ الآخرةِ وعظمِ ما فيها من اللذاتِ والآلامِ ترغيباً في تحصيلِ نعيمِها المقيمِ وتحذيراً
стр. 7254
﴾ ٣ ٢ ﴿
من عذابها الأليم وقد ذكرُ العذابِ فقيلَ ﴿وَفِى الأخرة عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ لأنَّه من نتائجِ الانهماكِ فيما فصل من أحوال الحياة الدُّنيا ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ عظيمة ﴿مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ﴾ عظِيمٌ لا يُقادرُ قَدرُه ﴿وَمَا الحياة الدنيا إِلَاّ متاع الغرور﴾ أي لمن اطمأنَّ بها ولم يجعلْها ذريعةً إلى الآخرةِ عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ الدُّنيا متاعُ الغرورِ إنْ ألهتكَ عن طلب الآخرةِ فأمَّا إذَا دعتكَ إلى طلبِ رضوانِ الله تعالَى فنعمَ المتاعُ ونعمَ الوسيلةُ
стр. 7255
﴿سَابِقُواْ﴾ أي سارِعُوا مسارعةَ المسابقينَ لأقرانِهم في المضمار ﴿إلى مَغْفِرَةٍ﴾ عظيمةٍ كائنةٍ ﴿مّن رَّبّكُمْ﴾ أي إلى موجباتِها من الأعمال الصَّالحةِ ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السماء والأرض﴾ أي كعرضِهما جميعاً وإذا كانَ عرضُها كذلكَ فماظنك بطولِها وقيلَ المرادُ بالعرضِ البسطةُ وتقديمُ المغفرةِ على الجنة لتقدم التخليةِ على التحليةِ ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ﴾ فيه دليلٌ على أنَّ الجنةَ مخلوقةٌ بالفعلِ وأنَّ الإيمانَ وحدَهُ كافٍ في استحقاقها ﴿ذلك﴾ الذي وعدَ من المغفرةِ والجنةِ ﴿فَضَّلَ الله﴾ عطاؤُه ﴿يُؤْتِيهُ﴾ تفضلاً وإحساناً ﴿مَن يَشَآء﴾ إيتاءَهُ إيَّاهُ من غيرِ إيجابِ ﴿والله ذُو الفضل العظيم﴾ ولذلكَ يُؤتى مَن يشاءُ مثلَ ذلكَ الفضلِ الذي لا غايةَ وراءَه
стр. 7256
﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ في الأرض﴾ كجدب ووعاهة في الزروع والثمارِ ﴿وَلَا فِى أَنفُسِكُمْ﴾ كمرضٍ وآفةٍ ﴿إِلَاّ فِى كتاب﴾ أى إلا متكوبة مثبتةً في علمِ الله تعالى أو في اللَّوحِ ﴿مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا﴾ أي نخلقَ الأنفسَ أو المصائبَ أو الأرضَ ﴿إِنَّ ذلك﴾ أي إثباتَها في كتابٍ ﴿عَلَى الله يَسِيرٌ﴾ لاستغنائِه فيهِ عن العُدَّةِ والمدة
стр. 7257
﴿لكي لا تَأْسَوْاْ﴾ أي أخبرناكُم بذلكَ لئلَاّ تحزنُوا ﴿على مَا فَاتَكُمْ﴾ من نعمِ الدُّنيا ﴿ولا تفرحوا بما آتاكم﴾ أي أعطاكُم الله تعالَى منها فإنَّ من علمَ أنَّ الكلَّ مقدرٌ يفوتُ ما قُدِّرَ فواتُه ويأتي ما قُدِّرَ إتيانُه لا محالةَ لا يعظُم جزعُه على ما فاتَ ولا فرحُه بما هُو آتٍ وقُرِىءَ بما أَتاكُم من الإتيانِ وفي القراءةِ الأُولى إشعارٌ بأنَّ فواتَ النعمِ يلحقُها إذا خُلِّيتْ وطباعَها وأمَّا حصولُها وبقاؤُها فلا بُدَّ لهما من سببٍ يُوجدها ويُبقيها وقُرِىءَ بما أُوتيتُم والمرادُ بهِ نفيُ الأَسَى المانعِ عن التسليم لأمر الله تعالى والفرحِ الموجب للبطر ولاختيال ولذلكَ عقبَ بقولِه تعالى ﴿والله لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ فإنَّ من فرحَ بالحظوظ الدنيويةِ وعظُمتْ في نفسه اختالَ وافتخَر بها لا محالةَ وفي تخصيص التذييلِ بالنَّهي عن الفرح المذكورِ إيذانٌ بأنَّه أقبحُ من الأَسَى
стр. 7258
﴾ ٦ ٢٤
стр. 7259
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل﴾ بدلٌ من كلِّ مختالٍ فإنَّ المختالَ بالمالِ يضنُّ به غالباً ويأمرُ غيرَهُ به أو مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ يدلُّ عليه قوله تعالى ﴿وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ الله هُوَ الغنى الحميد﴾ فإنَّ معناهُ ومَنْ يُعرضُ عن الإنفاقِ فإنَّ الله عني عنْهُ وعنْ إنفاقه محمودٌ في ذاتِه لا يضرُّه الإعراضُ عن شكرهِ بالتقربِ إليهِ بشيءٍ من نعمهِ وفيه تهديدٌ وإشعارٌ بأنَّ الأمر بالإنفاق لمصلحة المُنفقِ وقُرِىءَ فإنَّ الله الغنيُّ
стр. 7260
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا﴾ أي الملائكةَ إلى الأنبياءِ أو الأنبياءَ إلى الأممِ وهُو الأظهرُ ﴿بالبينات﴾ أي الحججِ والمعجزاتِ ﴿وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب﴾ أي جنسَ الكتابِ الشاملِ للكُلِّ ﴿والميزان لِيَقُومَ الناس بالقسط﴾ أي بالعدلِ رُوي أنَّ جبريلَ عليه اللسلام نزل الميزان فدفعَهُ إلى نوحٍ ﵇ وقالَ مُرْ قومَكَ يزنُوا بهِ وقيلَ أُريدَ به العدلُ ليقامَ بهِ السياسةُ ويدفعَ به العُدوانُ ﴿وَأَنزْلْنَا الحديد﴾ قيلَ نزلَ آدم ﵇ من الجنَّةِ ومعَهُ خمسةُ أشياءَ منْ حديدٍ السندانُ والكلبتانِ والميقعةُ والمطرقةُ والإبرةُ ورُويَ ومعَهُ المرُّ والمِسحاتُ وعنِ الحسنِ وأنزلنَا الحديدَ خلقنَاهُ كقولِه تعالَى وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ الأنعامِ وذلكَ أنَّ أوامرَهُ تعالَى وقضايَاهُ وأحكامَهُ تنزل من السماءِ وقولُه تعالى ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ لأن آلات الحرب إنَّما تتخذُ منْهُ ﴿ومنافع لِلنَّاسِ﴾ إذْ مَا من صنعةٍ إلَاّ والحديدُ أو ما يُعملُ بالحديدِ آلتُها والجملةُ حالٌ من الحديدِ وقولُه تعالَى ﴿وَلِيَعْلَمَ الله مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ﴾ عطفٌ على محذوفٌ يدلُّ عليه ما قبلَهُ فإنَّه حالٌ متضمنةٌ للتعليلِ كأنَّه قيلَ ليستعملُوه وليعلمَ الله علماً يتعلقُ به الجزاءُ من ينصره ورسوله باستعمالِ السيوفِ والرماحِ وسائِر الأسلحةِ في مجاهدةِ أعدائِه أومتعلق بمحذوفٍ مؤخرٍ والواوُ اعتراضيةٌ أي وليعلمَ الله مَنْ ينصرُه ورسلَهُ أنزلَه وقيلَ عطف على قوله تعالى ليقومَ النَّاسُ بالقسطِ وقولُه تعالى ﴿بالغيب﴾ حالٌ من فاعلِ ينصرُ أو مفعولِه أي غائباً عنْهم أو غائبينَ عنه وقولُه تعالى ﴿إِنَّ الله قَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ اعتراضٌ تذييليٌّ جىءَ به تحقيقاً للحقِّ وتنبيهاً على أنَّ تكليفَهُم الجهادَ وتعريضَهُم للقتالِ ليسَ لحاجتِه في إعلاءِ كلمتِه وإظهارِ دينِه إلى نصرتِهم بلْ إنَّما هُو لينتفعُوا بهِ ويصلُوا بامتثال الأمر فيه إلى الثوابِ وإلَاّ فهُو غنيٌّ بقردته وعزتِه عنهُم في كلِّ ما يُريده
стр. 7261
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وإبراهيم﴾ نوعُ تفصيلٍ لَما أُجمل في قولِه
стр. 7262
﴾ ٧
تعالَى لقد أرسلنَا رسلنَا إلخ وتكريرُ القسمِ لإظهار مزيدِ الاعتناءِ بالأمر أيْ وبالله لَقْد أرسلناهُمَا ﴿وَجَعَلْنَا فِى ذُرّيَّتِهِمَا النبوة والكتاب﴾ بأن استنبأناهُم وأوحينَا إليهم الكتبَ وقيلَ المرادُ بالكتابِ الخطُّ بالقلمِ ﴿فَمِنْهُمْ﴾ أي من الذرية أو من المرسل إليهم المدلولِ عليهم بذكر الإرسالِ والمرسلينَ ﴿مُّهْتَدٍ﴾ إلى الحقِّ ﴿وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ فاسقون﴾ خارجونَ عن الطريق المستقيمِ والعدولُ عن سنن المقابلةِ للمبالغةِ في الذمِّ والإيذانِ بغلبةِ الضُّلالِ وكثرتِهم
стр. 7263
﴿ثم قفينا على آثارهم بِرُسُلِنَا﴾ أي ثُمَّ أرسلنَا بعدَهُم رسلنَا ﴿وَقَفَّيْنَا بِعَيسَى ابن مَرْيَمَ﴾ أي أرسلنَا رسولاً بعد رسولٍ حتَّى انتهى إلى عيسَى ابنِ مريمَ ﵇ والضميرُ لنوحٍ وإبراهيمَ ومَنْ أُرسِلا إليهم أو من عاصرهم من الرُّسلِ لا للذريةِ فإنَّ الرسلَ المُقفَّى بهم من الذرية ﴿وآتيناه الإنجيل﴾ وقرئ بفتحِ الهمزةِ فإنَّه أعجميٌّ لا يلزم فه مراعاةُ أبنيةِ العربِ ﴿وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ الذين اتبعوه رأفة﴾ وقرئ رآفةً على فَعَالةٍ ﴿وَرَحْمَةً﴾ أي وفَّقناهُم للتراحمِ والتعاطفِ بينهُم ونحوه في شأن أصحابِ النبيِّ ﵊ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ ﴿وَرَهْبَانِيَّةً﴾ منصوب أما يعفل مضمر يفسره والظاهر أيْ وابتدعُوا رهبانيةً ﴿ابتدعوها﴾ وإمَّا بالعطفِ على ما قبلهَا وابتدعُوها صفةٌ لها أى وجلعنا في قلوبهم رأفة روحمة ورهبانيةً مبتدعة من عندهم أى ووفقناهم للتراحم بينهُم ولابتداعِ الرهبانيةِ واستحداثها وهي المبالغةُ في العبادةِ بالرياضةِ والانقطاع عن النَّاسِ ومعناهَا الفعلةُ المنسوبةُ إلى الرَّهبانِ وهو الخائفُ فَعْلانُ من رَهبَ كخشيانَ من خَشِي وقُرِىءَ بضمِّ الراءِ كأنَّها نسبةٌ إلى الرُّهبانِ وهو جمعُ راهبٍ كراكبٍ ورُكبان وسببُ ابتداعِهم إيَّاها أنَّ الجبابرةَ ظهروُا على المؤمنينَ بعدَ رفعِ عيسَى ﵇ فقاتلُوهم ثلاث مرات فقاتلوا حتَّى لم يبقَ منُهم إلا قليلٌ فخافُوا أنْ يُفتتنُوا في دينِهم فاختارُوا الرَّهبانيةَ في قُللِ الجبالِ فارِّينَ بدينِهم مُخلصينَ أنفسَهُم للعبادةِ وقولُه تعالَى ﴿مَا كتبناها عَلَيْهِمْ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ وقيلَ صفةٌ أُخْرى لرهبانيةٍ والنفيُ على الوجهِ الأولِ متوجِةً إلى أصلِ الفعلِ وقوله تعالى ﴿إلا ابتغاء رضوان الله﴾ استثناءٌ منقطعٌ أي مافرضناها نحنُ عليهم رأساً ولكنُهم رأسا ابتدعُوها ابتغاءَ رضوانِ الله فذمَّهم حينئذٍ بقولِه تعالى ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ من حيثُ أنَّ النذرَ عهدٌ مع الله لا يحلُّ نكثُه لا سيَّما إذَا قُصدَ به رضاهُ تعالَى وعلى الوجهِ الثانِي متوجهٌ إلى قيدِه لا إلى نفسه ولاسثتناء متصلٌ من أعمِّ العللِ أي ما كتبنَاها عليهم بأن وفقناهم لا بتداعها لشيءٍ من الأشياءِ إلا ليبتغُوا بها رضوانَ الله ويستحقُّوا بها الثوابَ ومن ضرورةِ ذلكَ أن يحافظُوا عليَها ويراعُوها حقَّ رعايتها فما رَعَاها كلُّهم بلْ بعضهم ﴿فآتينا الذين آمنوا مِنْهُمْ﴾ إيماناً صحيحاً وهو الإيمان برسولِ الله ﷺ بعدَ رعايةِ رهبانيتِهم لا مجردَ رعايتِها فإنَّها بعدَ البعثةِ لغوٌ مَحضٌ
стр. 7264
﴾ ٩ ٢٨
وكفرٌ بَحْتٌ وأنَّى لها استتباعُ الأجرِ ﴿أَجْرَهُمْ﴾ أي ما يخُصُّ بهم من الأجرِ ﴿وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ فاسقون﴾ خارجونَ عن حدِّ الاتباعِ وحملُ الفريقينِ على منِ مضَى من المراعينَ لحقوقِ الرهبانية قبل النسخ والمخلين إذْ ذاكَ بالتثليثِ والقولِ بالاتحادِ وقصدِ السمعةِ من غيرِ تعرضٍ لإيمانِهم برسولِ الله ﷺ وكفرِهم به ممَّا لا يُساعدُه المقامُ
стр. 7265
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ﴾ أي بالرسلِ المتقدمةِ ﴿اتقوا الله﴾ فيما نهاكُم عنْهُ ﴿وآمنوا بِرَسُولِهِ﴾ أي بمحمَّدٍ ﵊ وفي إطلاقهِ إيذانٌ بأنَّه عَلَمٌ فَردٌ في الرسالةِ لا يذهبُ الوهمُ إلى غيرِه ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ﴾ نصيبينِ ﴿مّن رَّحْمَتِهِ﴾ لإيمانِكم بالرسولِ وبمَنْ قبلَهُ من الرُّسلِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ لكنْ لا على مَعْنى أنَّ شريعتَهُم باقيةٌ بعد البعثةِ بلْ على أنَّها كانتْ حقَّة قبلَ النسخِ ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾ يومَ القيامةِ حسبما نطق به قوله تعالى يسعى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبأيمانهم ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ما أسلفتُم من الكُفر والمَعَاصِي ﴿والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي مبالِغٌ في المغفرةِ والرحمةِ وقولُه تعالَى
стр. 7266
﴿لّئَلَاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب﴾ متعلقٌ بمضمونِ الجملةِ الطلبيةِ المتضمنةِ لمَعْنى الشرطِ إذِ التقديرُ إنْ تتقُوا الله وتُؤمنوا برسوله يُؤتكم كَذَا وكَذَا لئلَاّ يعلمَ الذينَ لم يُسلموا مّنْ أَهْلِ الكتابِ أي ليعلمُوا ولا مزيدةٌ كما ينبىءُ عنه قراءةُ ليلعم ولكي يعلمَ ولأن يعلمَ بإدغامِ النونِ في الياءِ وأنْ في قولِه تعالَى ﴿إِلَاّ يَقْدِرُونَ على شَىْء مِن فَضْلِ الله﴾ مخففةٌ من الثقيلة واسمُها الذي هو ضميرُ الشأنِ محذوفٌ والجملةُ في حيز النصبِ على أنَّها مفعولُ يعلمَ أيْ ليعلمُوا أنَّه لا ينالونَ شيئاً مما ذُكِرَ من فضله من الكفلين والنورِ والمغفرةِ ولا يتمكنون من نيله حيثُ لم يأتُوا بشرطه الذي هُو الإيمانُ برسوله وقولُه تعالَى ﴿وَأَنَّ الفضل بِيَدِ الله﴾ عطفٌ على أنْ لا يقدرونَ وقولُه تعالَى ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء﴾ خبرٌ ثانٍ لأَنَّ وقيلَ هُو الخبرُ والجارُّ حالٌ لازمةٌ وقولُه تعالى ﴿والله ذُو الفضل العظيم﴾ اعتراض تذييلى لمضمون ما قبلَهُ وقد جُوِّزَ أنْ يكونَ الأمرُ بالتقوى والإيمانِ لغير أهلِ الكتابِ فالمَعْنى اتقُوا الله واثبتُوا على إيمانكم برسول الله ﷺ يُؤتكُم ما وعدَ مَنْ آمنَ مِنْ أهلِ الكتابِ من الكفلينِ في قولِه تعالَى أُوْلَئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ ولا ينقصكُم من مثلِ أجرِهم لأنَّكُم مثلُهم في الإيمانينِ لا تفرقون بَيْنَ أَحَدٍ من رُّسُلِهِ ورُويَ أنَّ مُؤمني أهلِ الكتابِ افتخرُوا على سائرِ المؤمنينَ بأنَّهم يُؤتون أجرَهُم مرتين وادَّعوا الفضل عليهم فنزلت وقرىء لِيَلَا بقلب الهمزة ياء لا نفتاحها بعد كسرةٍ وقُرِىءَ بسكونِ الياءِ وفتحِ اللامِ كاسمِ المرأةِ وبكسرِ اللامِ مع سكونِ الياءِ وقُرِىءَ أنْ لا يقدرُوا هَذا وقد قيل لَا غيرُ مزيدةٍ وضميرُ لا يقدرونَ للنبيِّ عليه
стр. 7267
المجادلة ﴿
الصَّلاةُ والسَّلامُ وأصحابِه والمَعْنى لئلا يعتقدَ أهلُ الكتابِ أنَّه لا يقدرُ النبيُّ ﵊ والمؤمنونَ به على شيءٍ مِن فَضْلِ الله الذي هو عبارةٌ عمَّا أُوتُوه من سعادةِ الدارينِ على أنَّ عدمَ علمِهم بعدمِ قُدرتِهم على ذلكَ كنايةٌ عن علمهِم بقدرتِهم عليه فيكونُ قولُه تعالَى وَأَنَّ الفضلَ بيدِ الله إلخ عطفاً على أنْ لا يعلمَ عنِ النبيِّ ﷺ مَنْ قرأَ سورةَ الحديدِ كُتبَ من الذينَ آمنُوا بالله ورسلِه ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾
стр. 7268
﴿قَدْ سَمِعَ الله﴾ بإظهارِ الدالِ وَقُرىءَ بإدغامِهَا في السِّينِ ﴿قَوْلَ التى تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا﴾ أيْ تراجعكَ الكلامَ في شأنِهِ وفيمَا صدرَ عنْهُ في حَقِّهَا من الظهارِ وَقُرىءَ تُحاوركَ وَتُحاولكَ أَيْ تسائلكَ ﴿وَتَشْتَكِى إِلَى الله﴾ عطفٌ عَلَى تجادلكَ أيْ تتضرعُ إليهِ تعالى وقيل حال أى من فاعله تجادلكَ وَهيَ مُتضرعةٌ إليهِ تَعَالَى وَهِيَ خَوْلَة بنتُ ثَعْلبةَ بنِ مالكِ بنِ خرامة الخزرجيةُ ظاهرَ عنْهَا زوجُهَا أَوْسُ بْنُ الصامتِ أخُو عُبَادةَ ثُمَّ ندِمَ عَلَى مَا قالَ فقالَ لَها مَا أظنكَ إِلَاّ قَدْ حرمتِ عليَّ فشقَّ عَلَيْهَا ذلكَ فاستفتتْ رسولَ الله ﷺ فقالَ حرُمتِ عليهِ فقالتْ يا رسولَ الله ما ذكَرَ طَلاقاً فقالَ حرمتِ عليهِ وَفي روايةٍ مَا أُراكِ إلا قدْ حرمتِ عليه في المرارِ كُلِّها فقالت أشكوا إِلى الله فَاقتِي وَوَجْدِي وجعلتْ تراجعُ رسولَ الله ﷺ وَكُلَّما قالَ ﵊ حرمتِ عليهِ هتفتْ وشكتْ إِلَى الله تَعَالَى فنزلتْ وَفي كلمةِ قَدْ إِشعارٌ بأنَّ الرسولَ ﵊ و المجادلةَ كانَا يتوقعانِ أنْ يُنزلَ الله تعالَى حكَم الحادثةِ ويفرجَ عَنْهَا كَرْبَهَا كَمَا يلوحُ بهِ مَا رُوي أنَّه ﵊ قال لها عند استفتهائها مَا عندِي في أمركِ شيءٌ وَأَنَّها كانتْ ترفعُ رأْسَهَا إِلى السماءِ وتقولُ أشكُو إليكَ فأنزلْ عَلى لسانِ نبيكَ ومَعنْى سَمْعِهِ تَعَالَى لقولِهَا إجابةُ دُعائِها لَا مجردَ علمِهِ تَعَالى بذلكَ كما هُوَ المَعْنِيُّ بقولِهِ تَعَالَى ﴿والله يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُما﴾ أيْ يعلُم تراجعَكُمَا الكلامَ وَصيغةُ المضارعِ للدلالةِ على استمرار السمعِ حسَبُ استمرارِ التحاورِ وتجددِهِ وَفي نَظْمِها في سلك الخطابِ تغليباً تشريفٌ لَهَا منْ جهيتين والجملة استئناف مَجْرَى التعليلِ لِمَا قبلَهُ فإنَّ إلحافَهَا في المسألةِ ومبالغَتَها في التضرعِ إِلى الله تَعَالَى ومدافعتَهُ ﵊ إيَّاها بجوابٍ منبىءٍ عنِ التوقفِ وترقبِ الوحى وعلمه تعالى بحالها منْ دَواعي الإجابةِ وَقيلَ
стр. 7269
﴾ ﴿
هيَ حالٌ وهُوَ بعيدٌ وَقَولُهُ ﴿إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ تعليلٌ لِمَا قبلَهُ بطريقِ التحقيقِ أي مبالِغٌ في العلم بالمسموعات والمبصَراتِ وَمنْ قضيتِهِ أنْ يسمعَ تحاورَهُمَا ويَرَى ما يقارنُهُ منَ الهيئاتِ الي منْ جُملِتَها رفعُ رأسِهَا إلى السماءِ وسائرُ آثارِ التضرعِ وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في الموقعينِ لتربيةِ المهابةِ وتعليلِ الحُكم بوصفِ الألوهيةِ وتأكد استقلالِ الجملتينِ وَقَوْلُه تَعَالَى
стр. 7270
﴿الذين يظاهرون مِنكُمْ مّن نّسَائِهِمْ﴾ شروعٌ في بيانِ شأنِ الظهارِ في نفسِهِ وحكمِه المترتبُ عليه شَرْعاً بطريقِ الاستئنافِ والظهارُ أنْ يقولَ الرجلُ لامرأتِهِ أنتِ عليَّ كظهرِ أمِّي مشتقٌ منَ الظهرِ وَقدْ مرَّ تفصيلُهُ في الأحزابِ وألحقَ بهِ الفقهاءُ تشبيهَهَا بجزءٍ مُحرمٍ وَفي منكُمْ مزيدُ توبيخٍ للعربِ وتهجينٌ لعادتهمْ فيه فإن كانَ منْ أيمانِ أهلِ جاهليتهِمْ خَاصَّة دونَ سائرِ الأمم وقرىء يظاهرون ويظْهرونَ وقولُه تَعَالَى ﴿مَّا هُنَّ أمهاتهم﴾ خبرٌ للموصولِ أَيْ ما نساؤُهُم أمهاتُهُم عَلَى الحقيقةِ فهُوَ كذبٌ بحتٌ وَقَرىءَ أمهاتُهم بالرفعِ عَلى لُغةِ تميمٍ وبأمهاتِهم ﴿إِنْ أمهاتهم﴾ أيْ مَا هُنَّ ﴿إِلَاّ اللائى وَلَدْنَهُمْ﴾ فَلَا تشبَّهُ بهنَّ فِي الحُرمةِ إِلا منْ ألحقَهَا الشرعُ بهنَّ منَ المرضعاتِ وأزواجِ النبيَّ ﵊ فدخلنَ بذلكَ في حُكمِ الأمهاتِ وَأمَّا الزوجاتُ فأبعدُ شيءٍ منَ الأُمومةِ ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ﴾ بقولِهم ذلكَ ﴿مُنكَراً مّنَ القول﴾ عَلى أنَّ مناطَ التأكيدِ ليسَ صدورَ القولِ عنْهمْ فإنَّه أمرٌ محققٌ بلْ كونَهُ منكراً أيْ عندَ الشرعِ وعند العقلِ والطبعِ أيضاً كما يشعرُ بهِ تنكيره ونظيرُهِ قَولُهُ تعالَى إنكُمْ لتقولونَ قولاً عظيماً ﴿وَزُوراً﴾ أيْ محرفاً عنِ الحَقِّ ﴿وَإِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ أيْ مبالغٌ في العفو والمغفرةِ فيغفرُ لمَا سلفَ منْهُ عَلَى الإطلاقِ أَوْ بالمتابِ عنْهُ وقولُه تَعَالَى
стр. 7271
﴿والذين يظاهرون مِن نّسَائِهِمْ ثم يعودون لما قالوا﴾ تفصيلٌ لحكمِ الظهارِ بعدَ بيانِ كونِهِ أمراً منكراً بطريقِ التشريعِ الكليِّ المنتظمِ لحكمِ الحادثةِ انتظاماً أولياً أيْ والذينَ يقولونَ ذلكَ القولَ المنكرَ ثمَّ يعودونَ لما قالُوا أَيْ إِلى ما قالوا بالتدراك والتلافِي لَا بالتقريرِ والتكريرِ كما في قوله تعالى أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً فإِنَّ اللامَ وإِلى تتعاقبان كَثيراً كَما في قولِهِ تَعَالى هَدَانَا لهذا وقولِهِ تعالى بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا وقوله تعالى وَأُوحِىَ إلى نُوحٍ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ اى فتدراكه أو فعليهِ أوْ فالواجبُ إعتاقُ رقبةٍ أيَّ رقبةٍ كانتْ وعندَ الشافعيِّ رحمَهُ الله تَعَالَى يشترطُ الإيمانُ والفاء للسببية ومنه فوائدِها الدلالةُ على تكررِ وجوبِ التحريرِ بتكررِ الظهارِ وَقيلَ ما قالُوا عبارةٌ عَمَّا حرَّمُوهُ عَلى أنفسِهمْ بلفظِ الظهارِ تنزيلاً للقولِ منزلةَ المقُولِ فيهِ كَما ذُكر في قوله تعالى وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ أَي المقولُ فيهِ منَ المالِ والولدِ فالمَعْنَى ثُمَّ يريدونَ العودَ للاستمتاعِ فتحريرُ
стр. 7272
٥ ٤
رقبةٍ ﴿مّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ أيْ مِنْ قبلِ أنْ يستمتعَ كلٌ منَ المُظاهِرِ وَالمُظاهَرِ منْهَا بالآخرِ جماعاً وَلَمساً ونظراً إلى الفرج شهوة وإنْ وقعَ شيءٌ من ذلكَ قبلَ التكفيرِ يجبُ عليهِ أنْ يستغفرَ ولا يعودَ حتَّى يكفرَ وإنْ أعتقَ بعضَ الرقبةِ ثمَّ مسَّ عليهِ أنْ يستأنفَ عندَ أبي حنيفةَ رحمَهُ الله تَعَالَى ﴿ذلكم﴾ إشارةٌ إِلى الحكمِ المذكورِ وَهُوَ مبتدأٌ خبرُهُ ﴿تُوعَظُونَ بِهِ﴾ أى ترجرون بهِ عنِ ارتكابِ المنكرِ المذكورِ فإنَّ الغراماتِ مزاجرٌ عنْ تعاطِي الجناياتِ والمرادُ بذكرِهِ بيانُ أنَّ المقصودَ منْ شرعِ هَذَا الحكمِ ليس تعويضكم للثوابِ بمباشرتكُمْ لتحريرِ الرقبةِ الذي هو علم في استباع الثوابِ العظيمِ بلْ هُوَ ردعُكم وزجرُكم عنَ مباشرةِ ما يوجبُهُ ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من الأعمالِ الي من جملتها التكفير ومايوجبه من جنايةِ الظهارُ ﴿خَبِيرٌ﴾ أى عالم يظواهرها وبواطِنَها ومجازيكُم بهَا فحافظُوا على حدود ما شرعَ لكُمْ وَلَا تُخِلّوا بشيءٍ منْهَا
стр. 7273
﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾ أيْ الرقبةَ ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ أيْ فعليهِ صيامُ شهرينِ ﴿مُتَتَابِعَيْنِ من قبل أن يتماسا﴾ ليلا أو نهارا عمادا أَوْ خطأً ﴿فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ﴾ أيْ الصيامَ لسببٍ منَ الأسبابِ ﴿فَإِطْعَامُ سِتّينَ مِسْكِيناً﴾ لكُلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ منْ بُرِّ أَوْ صاعٌ منْ غيرِهِ ويجبُ تقديمُهُ عَلَى المسيسِ لكن لا يستأنفُ إنْ مسَّ في خلالِ الإطعامِ ﴿ذلك﴾ إشارةٌ إلى ما مرَّ من البيان والتعليمِ للأحكامِ والتنبيُهُ عليهَا وما فيه من معنى البعد قد مرَّ سردُه مراراً وملحه إمَّا الرفعُ عَلَى الابتداءِ أو النصبُ بمضمرٍ معللٌ بَما بعدَهُ أيْ ذلكَ واقعٌ أو فعلُنَا ذلكَ ﴿لّتُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ﴾ وتعملُوا بشرائعِهِ التي شرعَهَا لكُم وترفضُوا ما كنتُم عليه في جاهليتِكُم ﴿وَتِلْكَ﴾ إشارةٌ إِلى الأحكامُ المذكورةِ وما فيه من معنى البعد لتعظيمِها كما مَرَّ غيرَ مرةٍ ﴿حُدُودَ الله﴾ التِي لا يجوزُ تعدِّيهَا ﴿وللكافرين﴾ أي الذينَ لا يعملونَ بَها ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ عبرَ عنْهُ بذلكَ للتغليظِ عَلَى طريقةِ قولِهِ تَعَالَى وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ العالمين
стр. 7274
﴿إِنَّ الذين يُحَادُّونَ الله وَرَسُولَهُ﴾ أيْ يعادونَهُمَا ويشاقونهُمَا فإنَّ كلاًّ منَ المتعاديينِ كَما أنَّه يكونُ في عُدوةٍ وشقَ غيرِ عُدوةِ الآخرِ وشقِّهِ كذلكَ يكونُ في حدَ غيرِ حَدِّ الآخرِ غيرَ أنَّ لورودِ المحادّةِ في أثناءِ ذكرِ حدودِ الله دونَ المعاداةِ والمشاقةِ من حسنِ الموقعِ مالا غايةَ وراءَهُ ﴿كُبِتُواْ﴾ أيْ أخزُوا وَقيلَ خُذِلُوا وقيلَ أذلُّوا وقيل أهلكُوا وقيلَ لُعنُوا وقيلَ غِيظُوا وهُوَ ما وقعَ يومَ الخندقِ قالُوا معَنْى كُبتوا سيكبتونَ على طريقة قوله تعالى أتى أَمْرُ الله وقيلَ أصلُ الكبتِ الكبُّ ﴿كَمَا كُبِتَ الذين مِن قَبْلِهِم﴾ منْ كُفَّارِ الأممِ الماضيةِ المعادينَ للرسلِ عليهمْ
стр. 7275
٧ ٧
الصلاةُ والسلامُ ﴿وَقَدْ أَنزَلْنَا آيات بينات﴾ حالٌ منْ واوِ كُبتوا أيْ كُبتوا لمحادّتِهم والحال أن قدْ أنزلنا آياتٍ واضحاتٍ فيمنَ حادَّ الله ورسولَهُ ممنْ قبلَهُم من الأَممِ وفيمَا فعلْنَا بهمْ وقيلَ آياتٌ تدلُّ عَلى صدقِ وصِحّةِ ما جَاء بهِ ﴿وللكافرين﴾ أيْ بتلكَ الآياتِ أو بكلِّ ما يجبُ الإيمانُ بهِ فيدخلُ فيهِ تلكَ الآياتُ دُخولاً أولياً ﴿عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ يذهبُ بعزِّهم وَكِبْرِهم
стр. 7276
﴿يوم يبعثهم الله﴾ منصور بمَا تعلقَ بهِ اللامُ منَ الاستقرارِ أوْ بمهينٍ أو بإضمارِ أذكُرْ تعظيماً لليومِ وتهويلاً لَهُ ﴿جَمِيعاً﴾ أيْ كُلُّهم بحيثُ لَا يَبْقَى منهُمْ أحدٌ غيرُ مبعوث أو مجتعين في حالةٍ واحدةٍ ﴿فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ﴾ منَ القبائحِ ببيانِ صُدورِها عنهُمْ أوْ بتصويرِهَا في تلكَ النشأةِ بما يليقُ بَها منَ الصورِ الهائلةِ عَلى رؤوسِ الإشهادِ تخجيلاً لهُم وتشهيراً بحالِهم وتشديداً لعذابهم وَقولُه تعالَى ﴿أحصاه الله﴾ استئنافٌ وقع جوابا عما نشأ مما قبيله منَ السؤالِ إمَّا عنْ كيفيةِ التنبئةِ أو عنْ سببِهَا كأنَّه قيلَ كيفَ ينبئُهمْ بأعمالِهم وهيَ أعراضٌ متقضيةٌ متلاشيةٌ فقيلَ أحصاهُ الله عدداً لمْ يفُتْهُ منْهُ شيءٌ فقولُه تعالَى ﴿وَنَسُوهُ﴾ حينئذٍ حالٌ من مفعولِ أَحْصَى بإضمار قد أو بدونه على الخلاف المشهور أو قيل لم ينبئهم بذلك فقيل أحصاه الله ونسوهُ فينبئهمْ بهِ ليعرفُوا أنَّ مَا عاينُوه من العذابِ إنما حاقَ بهم لأجله وفيه مزيدُ توبيخٍ وتنديمٍ لهُم غيرِ التخجيلِ والتشهير ﴿والله على كُلّ شَيْء شَهِيدٌ﴾ لا يغيبُ عنهُ أمرٌ منِ الأمورِ قطُّ والجملةُ اعتراضُ تذييليُّ مقررٌ لإحصائِهِ تعَالَى وَقولُه تَعَالَى
стр. 7277
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يعلم ما في السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ استشهادٌ على شمولِ شهادتِهِ تَعَالَى كما في قوله تعالى أَلَمْ تَرَ إِلَى الذى حَاجَّ إبراهيم فِى رِبّهِ وَفِي قَوْلِهِ تَعَالى أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ أي ألمْ تعلم علماً يقينا متاخماً للمشاهدةِ بأنَّه تَعَالى يعلمُ مَا فِيهمَا مِنَ الموجوداتِ سواءٌ كانَ ذلكَ بالاستقرارِ فيهمَا أو بالجزئيةِ منهُمَا وَقَوْلُه تعالى ﴿مَا يَكُونُ مِن نجوى ثلاثة﴾ الخ استئنافٌ مقررٌ لِمَا قَبْلَهُ من سعةِ علمِهِ تَعَالى وَمُبينٌ لكيفيتهِ ويكونُ منْ كانَ التامةِ وقُرىءَ تكونُ بالتاءِ اعتباراً لتأنيثِ النَّجوى وإنْ كانَ غَيْرَ حقيقيَ أيْ ما يقعُ من تناجي ثلاثةِ نفرٍ أي منْ مسارتهم على أنَّ نَجْوى مضافةٌ إلى ثلاثةٍ أوْ عَلَى أَنَّها موصوفةٌ بِها إمَّا بتقديرِ مضافٍ أيْ منْ أهلِ نجوى ثلاثة أو بجلعهم نجوى في أنفسهم ﴿إِلَاّ هُوَ﴾ أي الله ﴿رابعُهم﴾ أيْ جاعلُهم أربعةً منْ حيثُ إنَّه تعالَى يشاركهُمْ فِي الإطلاع عليها وهو استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم الأحوالِ ﴿وَلَا خَمْسَةٍ﴾ ولا نجوَى خمسةٍ ﴿إِلَاّ هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ وتخصيصُ العدَدينِ بالذكرِ إما الخصوص الواقعةِ فإنَّ الآيةَ نزلتْ في تناجي المنافقينَ وإمَّا لِبناءِ الكلامِ عَلى أغلبِ عاداتِ المتناجينَ وقدُ عممَ الحكمَ بعدَ
стр. 7278
٨ ١٠
ذلكَ فقيلَ ﴿وَلَا أدنى مِن ذَلِكَ﴾ أيْ ممَّا ذُكرَ كالواحدِ والاثنينِ ﴿وَلَا أَكْثَرَ﴾ كالستةِ وما فوقَها ﴿إِلَاّ هُوَ مَعَهُمْ﴾ يعلمُ ما يجرى بينهم وقرئ ولَا أكثرُ بالرَّفعِ عطفاً عَلى محلِّ منْ نَجْوى أو محلِ ولا أدْنَى بأنْ جُعِلَ لَا لنفي الجنس ﴿أَيْنَ مَا كَانُواْ﴾ من الأماكنِ ولو كانُوا تحتَ الأرضِ فإنَّ علمَهُ تعالىَ بالأشياءِ ليسَ لقربٍ مكانيَ حتَّى يتفاوت باختلافِ الأمكنةِ قُرباً وبُعداً ﴿ثُمَّ ينبئهم﴾ وقرئ يُنْبِئَهُمْ بالتَّخفيفِ ﴿بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ القيامة﴾ تفضيحاً لَهُمْ وَإِظهاراً لما يوجبُ عذابَهُم ﴿أَنَّ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ﴾ لأنَّ نسبةَ ذاتِهِ المقتضيةِ للعلمِ إلى الكُلِّ سواءٌ
стр. 7279
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نُهُواْ عَنِ النجوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ نزلتْ في اليهودِ والمنافقين كانوا يتناجَونَ فيما بينهُمْ وبتغامزون بأعيانهم إذَا رأَوْا المؤمنينَ فنهاهُمْ رسول الله ﷺ ثمَّ عادُوا لمثلِ فعلِهمْ والخطاب للرسول ﵊ والهمزةُ للتعجيبِ منْ حالهِمْ وصيغةُ المضارعِ للدلالةِ عَلَى تكررِ عَودِهمْ وتجددِهِ واستحضارِ صورتِهِ العجيبةِ وقولِهِ تَعَالى ﴿ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول﴾ عطفٌ عليهِ داخلٌ في حُكمهِ أيْ بِمَا هُوَ إثمٌ في نفسِهِ وعدوان للمؤمنين وتواصى بمعصيةِ الرسولِ ﵊ بعنوانِ الرسالةِ بينَ الخطابينِ المتوجهينِ إليهِ ﵊ لزيادةِ تشنيعِهِم واستعظام معصيتهم وقرئ وينتجونَ بالإثمِ والعِدْوَانِ بكسر العَين ومعصياتِ الرسولِ ﴿وَإِذَا جاؤوك حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيّكَ بِهِ الله﴾ فيقولونَ السامُ عليك أو أنعِمْ صَباحاً والله سبحانَهُ يقولُ وسلام على المرسلين ﴿وَيَقُولُونَ فِى أَنفُسِهِمْ﴾ أيْ فِيمَا بينهُمْ ﴿لَوْلَا يُعَذّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ﴾ أيْ هلَاّ يعذبُنَا الله بذلكَ لوْ كانَ محمدٌ نبياً ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ عذاباً ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ يدخلونَها ﴿فَبِئْسَ المصير﴾ أى جهنم
стр. 7280
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ﴾ فِي أنديتِكُمْ وَفِي خلواتِكم ﴿فَلَا تتناجوا بالإثم والعدوان وَمَعْصِيَةِ الرسول﴾ كما يفعله المنافقون وقرئ فلا تنتجُوا وَفلا تناجَوا بحذفِ إحدَى التاءين ﴿وتناجوا بالبر والتقوى﴾ أيْ بما يتضمنُ خيرَ المؤمنين والاتقاءَ عن معصيةِ الرسولِ ﵊ ﴿واتقوا الله الذى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ وحْدَهُ إلى غيره استقلال أوِ اشتراكاً فيجازيكُم بكُلِّ ما تأتونَ وما تذرونَ
стр. 7281
﴿إِنَّمَا النجوى﴾
стр. 7282
﴾ ٢ ١ ﴿
المعهودةُ التِي هِيَ التناجِي بالإثم والعداون ﴿مِنَ الشيطان﴾ لَا مِنْ غَيْرِهِ فإنَّه المزينُ لَها واالحامل عَليهَا وقولِهِ تَعَالى ﴿لِيَحْزُنَ الذين آمنوا﴾ خبرٌ آخرُ أيْ إنَّما هِيَ ليحزنَ المؤمنينَ بتوهمهمْ أنَّها فِي نكبةٍ أصابتهُمْ ﴿وَلَيْسَ بِضَارّهِمْ﴾ أي الشيطانُ أو التناجِي بضارِّ المؤمنينَ ﴿شَيْئاً﴾ من الأشياءِ أو شيئاً منَ الضررِ ﴿إِلَاّ بِإِذْنِ الله﴾ أيْ بمشيئتِه ﴿وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون﴾ ولا يبالُوا بنجواهُم فإنَّه تعالى يعصمُهم منْ شرِّهِ
стр. 7283
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ﴾ أيْ توسعُوا وليفسحْ بعضُكُمْ عنْ بعضِ ولا تتضامُّوا منْ قولِهم أفسحْ عَنِّي أى تنح وقرئ تفاسحُوا وقولِهِ تَعَالى ﴿فِى المجالس﴾ متعلقٌ بقيلَ وقُرِىءَ في المجلسِ عَلى أنَّ المرادَ بِهِ الجنسُ وقيلَ مجلسُ الرسولِ ﵊ وكانُوا يتضامُّون تنافساً في القُربِ منهُ ﵊ وحرصا على استماعِ كلامِهِ وقيلَ هو المجلسُ منْ مجالسِ القتال وهي مراكز الغُزاةِ كقولِهِ تَعَالى مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ قيلَ كانَ الرجلُ يأتي الصفَّ ويقولُ تفسحُوا فيأبَونَ لِحرصِهم عَلى الشهادةِ وقُرِىءَ فِي المجلَسِ بفتح اللامِ فَهُو متعلقٌ بتفسحُوا قطعاً أيْ توسعُوا فِي جلوسِكم ولا تتضايقُوا فيه ﴿فافسحوا يَفْسَحِ الله لَكُمْ﴾ أي في كلِّ ما تريدونَ التفسحَ فيهِ منَ المكانِ والرزقِ والصدرِ والقَبرِ وغيرِهَا ﴿وَإِذَا قِيلَ انشزوا﴾ أي انهضُوا للتوسعةِ عَلى المقبلينَ أوْ لِمَا أمرتمْ بِهِ منْ صلاةٍ أو جهادٍ أو غَيرِهِمَا منْ أعمالِ الخيرِ ﴿فَانشُزُواْ﴾ فانهضُوا ولا تتثبطُوا ولا تفرطُوا وقرىءَ بكسرِ الشينِ ﴿يَرْفَعِ الله الذين آمنوا مِنكُمْ﴾ بالنصرِ وحسنِ الذكرِ في الدُّنيا والإيواءِ إلى غُرفِ الجنانِ في الآخرةِ ﴿والذين أُوتُواْ العلم﴾ منهُمْ خصوصاً ﴿درجات﴾ عالية بما جمعُوا منْ أثرتي العلمِ والعملِ فإنَّ العلمَ معَ علوِّ رتبتِه يقتضِي العملُ المقرونُ بهِ مزيدَ رفعةٍ لا يدركُ شأوَهُ العملُ العارِيُّ عَنْهُ وإنْ كانَ في غايةِ الصلاحِ ولذلكَ يقتدي بالعالمِ في أفعالِه ولا يقتدَى بغيرِهِ وفي الحديثِ فضلُ العالمِ عَلى العابِدِ كفضلِ القمرِ ليلة البدرِ على سائر الكواكب ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ تهديد لمن لم يتمثل بالأمرِ وقُرِىءَ يعملونَ بالياءِ التحتانية
стр. 7284
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ إِذَا ناجيتم الرسول﴾ في بعض شؤنكم المهمةِ الداعية إلى مناجاتِهِ ﵊ ﴿فَقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نجواكم صَدَقَةً﴾ أيْ فتصدقُوا قبلَها مستعارٌ ممنْ لهُ يدانِ وفي هذا الأمرِ تعظيمُ الرسولِ ﷺ وإنفاعُ الفقراءِ والزجرُ عنِ الإفراطِ في السؤالِ والتمييزُ بينَ المخلصِ والمنافقِ
стр. 7285
﴾ ٣ ١٤
ومحبِّ الآخرةِ ومحبِّ الدُّنيا واختلفَ في أنَّه للندبِ أو للوجوبِ لكنهُ نُسِخَ بقوله تعالى أأشفقتم وهُوَ وإنْ كَان متصلاً بِهِ تلاوةً لكنَّه متراخٍ عَنْهُ نزولاً وعَنْ عليَ ﵁ إن فِي كتابِ الله أيةً ما عَمِلَ بِهَا أحدٌ غَيْرِي كانَ لي دينارٌ فصرفتُه فكنتُ إذَا ناجيتُه ﵊ تصدقتُ بدرهم وهُوَ على القولِ بالوجوبِ محمولٌ على أنَّه لم ينفق للأغنياء مناجاةٌ في مدةِ بقائِه إذْ رُوي أنَّه لمْ يَبقَ إلَاّ عشراً وقيل إلَاّ ساعةً ﴿ذلك﴾ أي التصدق ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ أيْ لأنفسكم منَ الريبةِ وحبِّ المَالِ وهذا يشعرُ بالندبِ لكنَّ قولِهُ تَعَالى ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ منبئ عنِ الوجوبِ لأنَّه ترخيصٌ إن لَمْ يجدْ فِي المناجَاةِ بلا تصدق
следующие страницы →