← Тафсир

Тафсир · id 1429

تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

أبو السعود

Полный текст (8 642 стр.). Показаны 7281–7320 · переход к 7286.

стр. 7281

﴿إِنَّمَا النجوى﴾

стр. 7282

﴾ ٢ ١ ﴿ المعهودةُ التِي هِيَ التناجِي بالإثم والعداون ﴿مِنَ الشيطان﴾ لَا مِنْ غَيْرِهِ فإنَّه المزينُ لَها واالحامل عَليهَا وقولِهِ تَعَالى ﴿لِيَحْزُنَ الذين آمنوا﴾ خبرٌ آخرُ أيْ إنَّما هِيَ ليحزنَ المؤمنينَ بتوهمهمْ أنَّها فِي نكبةٍ أصابتهُمْ ﴿وَلَيْسَ بِضَارّهِمْ﴾ أي الشيطانُ أو التناجِي بضارِّ المؤمنينَ ﴿شَيْئاً﴾ من الأشياءِ أو شيئاً منَ الضررِ ﴿إِلَاّ بِإِذْنِ الله﴾ أيْ بمشيئتِه ﴿وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون﴾ ولا يبالُوا بنجواهُم فإنَّه تعالى يعصمُهم منْ شرِّهِ

стр. 7283

﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ﴾ أيْ توسعُوا وليفسحْ بعضُكُمْ عنْ بعضِ ولا تتضامُّوا منْ قولِهم أفسحْ عَنِّي أى تنح وقرئ تفاسحُوا وقولِهِ تَعَالى ﴿فِى المجالس﴾ متعلقٌ بقيلَ وقُرِىءَ في المجلسِ عَلى أنَّ المرادَ بِهِ الجنسُ وقيلَ مجلسُ الرسولِ ﵊ وكانُوا يتضامُّون تنافساً في القُربِ منهُ ﵊ وحرصا على استماعِ كلامِهِ وقيلَ هو المجلسُ منْ مجالسِ القتال وهي مراكز الغُزاةِ كقولِهِ تَعَالى مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ قيلَ كانَ الرجلُ يأتي الصفَّ ويقولُ تفسحُوا فيأبَونَ لِحرصِهم عَلى الشهادةِ وقُرِىءَ فِي المجلَسِ بفتح اللامِ فَهُو متعلقٌ بتفسحُوا قطعاً أيْ توسعُوا فِي جلوسِكم ولا تتضايقُوا فيه ﴿فافسحوا يَفْسَحِ الله لَكُمْ﴾ أي في كلِّ ما تريدونَ التفسحَ فيهِ منَ المكانِ والرزقِ والصدرِ والقَبرِ وغيرِهَا ﴿وَإِذَا قِيلَ انشزوا﴾ أي انهضُوا للتوسعةِ عَلى المقبلينَ أوْ لِمَا أمرتمْ بِهِ منْ صلاةٍ أو جهادٍ أو غَيرِهِمَا منْ أعمالِ الخيرِ ﴿فَانشُزُواْ﴾ فانهضُوا ولا تتثبطُوا ولا تفرطُوا وقرىءَ بكسرِ الشينِ ﴿يَرْفَعِ الله الذين آمنوا مِنكُمْ﴾ بالنصرِ وحسنِ الذكرِ في الدُّنيا والإيواءِ إلى غُرفِ الجنانِ في الآخرةِ ﴿والذين أُوتُواْ العلم﴾ منهُمْ خصوصاً ﴿درجات﴾ عالية بما جمعُوا منْ أثرتي العلمِ والعملِ فإنَّ العلمَ معَ علوِّ رتبتِه يقتضِي العملُ المقرونُ بهِ مزيدَ رفعةٍ لا يدركُ شأوَهُ العملُ العارِيُّ عَنْهُ وإنْ كانَ في غايةِ الصلاحِ ولذلكَ يقتدي بالعالمِ في أفعالِه ولا يقتدَى بغيرِهِ وفي الحديثِ فضلُ العالمِ عَلى العابِدِ كفضلِ القمرِ ليلة البدرِ على سائر الكواكب ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ تهديد لمن لم يتمثل بالأمرِ وقُرِىءَ يعملونَ بالياءِ التحتانية

стр. 7284

﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ إِذَا ناجيتم الرسول﴾ في بعض شؤنكم المهمةِ الداعية إلى مناجاتِهِ ﵊ ﴿فَقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نجواكم صَدَقَةً﴾ أيْ فتصدقُوا قبلَها مستعارٌ ممنْ لهُ يدانِ وفي هذا الأمرِ تعظيمُ الرسولِ ﷺ وإنفاعُ الفقراءِ والزجرُ عنِ الإفراطِ في السؤالِ والتمييزُ بينَ المخلصِ والمنافقِ

стр. 7285

﴾ ٣ ١٤ ومحبِّ الآخرةِ ومحبِّ الدُّنيا واختلفَ في أنَّه للندبِ أو للوجوبِ لكنهُ نُسِخَ بقوله تعالى أأشفقتم وهُوَ وإنْ كَان متصلاً بِهِ تلاوةً لكنَّه متراخٍ عَنْهُ نزولاً وعَنْ عليَ ﵁ إن فِي كتابِ الله أيةً ما عَمِلَ بِهَا أحدٌ غَيْرِي كانَ لي دينارٌ فصرفتُه فكنتُ إذَا ناجيتُه ﵊ تصدقتُ بدرهم وهُوَ على القولِ بالوجوبِ محمولٌ على أنَّه لم ينفق للأغنياء مناجاةٌ في مدةِ بقائِه إذْ رُوي أنَّه لمْ يَبقَ إلَاّ عشراً وقيل إلَاّ ساعةً ﴿ذلك﴾ أي التصدق ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ أيْ لأنفسكم منَ الريبةِ وحبِّ المَالِ وهذا يشعرُ بالندبِ لكنَّ قولِهُ تَعَالى ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ منبئ عنِ الوجوبِ لأنَّه ترخيصٌ إن لَمْ يجدْ فِي المناجَاةِ بلا تصدق

стр. 7286

﴿أأشفقتم أَن تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نجواكم صدقات﴾ أيْ أخفتمْ الفقرَ منْ تقديمِ الصدقاتِ أو أخفتمْ التقديمَ لما يعدكُم الشيطانُ عليهِ منَ الفقر وجمع الصدقات لجمعِ المخاطبينَ ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ﴾ ما أمرتمْ بهِ وشَقَّ عَليكُمْ ذلكَ ﴿وَتَابَ الله عَلَيْكُمْ﴾ بأنْ رخصَ لكُم أنْ لا تفعلُوه وفيه إشعارٌ بأنَّ إشفاقَهُم ذنبٌ تجاوزَ الله عنْهُ لما رأى منهم من الانفعالِ مَا قامَ مقَام توبتهِم وإذْ عَلى بابِهَا مِنَ المُضيِّ وقيلَ بِمَعْنى إذا كما في قوله تَعَالى إِذِ الأغلال فِى أعناقهم وقيلَ بمعنى إنْ ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة وآتَوْا الزَّكَاةَ﴾ أيْ فإذْ فرطتُم فِيمَا أُمِرتُمْ بهِ منْ تقديمِ الصدقاتِ فتداركُوه بالمثابرةِ عَلى إقامةِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ ﴿وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ﴾ في سائرِ الأوامرِ فإنَّ القيامَ بِها كالجابرِ لما وقعَ في ذلكَ من التفريطِ ﴿والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ظاهراً وباطناً

стр. 7287

﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تعجيب منْ حالِ المنافقينَ الذين كانُوا يتخذونَ اليهودَ أولياءَ ويناصحونَهُم وينقلونَ إليهم أسرارَ المؤمنينَ أيْ ألمْ تنظرُ ﴿إِلَى الذين تَوَلَّوْاْ﴾ أيْ والوْا ﴿قوْماً غَضِبَ الله عَلَيْهِمْ﴾ وَهُمْ اليهودُ كَمَا أنبأ عَنْهُ قولِهِ تَعَالى مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ ﴿مَّا هُم مّنكُمْ وَلَا منهم﴾ لأنهم منافقون مذبذين بينَ ذلكَ والجملةُ مستأنفةٌ أو حالٌ من فاعل تولُوا ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الكذب﴾ أي يقولونَ والله إنَّا لمسلمونَ وهو عطفٌ عَلى تولَّوا داخلٌ في حُكمِ التعجيبِ وصيغةُ المضارعِ للدلالةِ على تكرر الحلفِ وتجددِّهِ حسبَ تكررِ ما يقتضيهِ وقولِهِ تَعَالى ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ حالٌ منْ فاعِلِ يحلفونَ مفيدةٌ لكمال شناعةِ ما فعلُوا فإنَّ الحلفَ عَلى ما لم يُعلمُ أنَّه كذبٌ في غايةِ القُبحِ وفيهِ دلالةٌ على أنَّ الكذبَ يعمُّ ما يعلمُ المخبرُ عدمَ مطابقتهِ للواقعِ وما لا يعلمُه رُوي أنَّه ﵊ كانَ في حجرةٍ من حجراتِه فقال يدخلُ عليكُم الآن رجلٌ قلبُه قلبُ جبارٍ وينظرُ بعينِ شيطانٍ فدخلَ عبدُ اللَّهِ بن نَبْتَل المنافقُ وكان أزرقَ فَقَالَ له رسول الله ﷺ علامَ تشتمني أنتَ وأصحابُك فحلفَ بالله ما فعلَ فقال ﵊ فعلتَ

стр. 7288

﴾ ٥ ١٨ فانطلق فجاءَ بأصحابُه فحلفُوا بالله ما سبُّوه فنزلتْ

стр. 7289

﴿أَعَدَّ الله لَهُمْ﴾ بسببِ ذلكَ ﴿عَذَاباً شَدِيداً﴾ نوعاً من العذابِ متفاقماً ﴿إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ فيما مَضَى منَ الزمانِ المتطاولِ فتمرنُوا على سوءِ العمل وضرُوْا به وأصرُّوا عليه

стр. 7290

﴿اتخذوا أيمانهم﴾ الفاجرةَ التي يحلفونَ بِهَا عندَ الحاجَةِ وقرئ بكسرِ الهمزةِ أيْ إيمانُهُم الذي أظهروه لأهل الإسلامِ ﴿جَنَّةُ﴾ وقايةً وسترةً دونَ دمائِهم وأموالِهم فالاتخاذُ على هذهِ القراءةِ عبارةٌ عن التسترِ بما أظهروه بالفعلِ وأمَّا عَلى القراءةِ الأُولى فهو عبارةٌ عن إعدادِهم لأيمانِهم الكاذبةِ وتهيئتِهم لَها إلى وقت الحاجة ليحلفوا بها ويتخلصُوا من المؤاخذةِ لا عن استعمالها بالفعل فإن ذلك متأخر عن المؤاخذة المسبوقةِ بوقوعِ الجنايةِ والخيانةِ واتخاذ الجنة لا بد أن يكون قبل المؤاخذة وعن سببها أيضا كما يعربُ عنْهُ الفاءُ في قولِهِ تَعَالى ﴿فَصَدُّواْ﴾ أي الناس ﴿عن سبيل الله﴾ في خلالِ أمنهِم بتثبيطِ من لقوْا عنِ الدخولِ في الإسلامِ وتضعيفِ أمرِ المسلمينَ عندهُمْ ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ وعيدٌ ثانٍ بوصفٍ آخرَ لعذابِهم وقيلَ الأولُ عذاب القبر أو عذابُ الآخرةِ

стр. 7291

﴿لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أموالهم وَلَا أولادهم مّنَ الله﴾ أي من عذابه تعالى ﴿شَيْئاً﴾ منَ الإغناءِ رُوي أنَّ رجلاً منهم قالَ لنُنصَرَنَّ يومَ القيامَةِ بأنفسنا وأموالِنا وأولادِنا ﴿أولئك﴾ الموصوفونَ بما ذكر من الصفات القبيحةِ ﴿أصحاب النار﴾ أيْ مُلازمُوهَا ومقارنُوهَا ﴿هُمْ فِيهَا خالدون﴾ لا يخرجُون منها أبداً

стр. 7292

﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً﴾ قيلَ هو ظرفٌ لقولِهِ تَعَالى لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ﴾ أيْ لله تعالى يومئذٍ على أنهُمْ مسلمونَ ﴿كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ فِي الدُّنيا ﴿وَيَحْسَبُونَ﴾ في الآخرةِ ﴿أَنَّهُمْ﴾ بتلكَ الأيمانِ الفاجرةِ ﴿على شَىْء﴾ من جلبِ منفعةٍ أو دفعِ مضرةٍ كما كانُوا عليهِ في الدُّنيا حيثُ كانوا يدفعونَ بِهَا عنْ أرواحِهم وأموالِهم ويستجرونَ بها فوائدَ دنيويةً ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الكاذبون﴾ المبالغون في الكذبِ إلى غايةٍ لا مطمَحَ وراءَها حيثُ تجاسرُوا عَلى الكذبِ بينَ يَدي علَاّمِ الغيوبِ وزعمُوا أنَّ أيمانَهُم الفاجرةَ تروجُ الكذبَ لديهِ كَمَا تروجُهُ عن الغافلينَ

стр. 7293

١٩ - ٢٢ ﴿استحوذ عَلَيْهِمُ الشيطان﴾ أي استولى عليهمْ منْ حُذتُ الإبلَ إذَا استوليتُ علَيها وجمعتها وهوَ مما جاء على الأصلِ كاستصوبَ واستنوقَ أي ملَكهُم ﴿فأنساهم ذِكْرَ الله﴾ بحيثُ لم يذكرُوه بقلوبِهم ولا بألسنتِهم ﴿أولئك﴾ الموصوفون بما ذكر من القبائح حزب الشيطان وجنوده وأتباعُهُ ﴿إِلا أَنْ حِزْبَ الشيطان هُمُ الخاسرون﴾ أي الموصوفونَ بالخُسرانِ الذي لا غايةَ وراءَه حيثُ فوتُوا على أنفسهِم النعيمَ المقيمَ وأخذوا بدله من العذابَ الأليمَ وفي تصدير الجملةُ بحرفي التنبيهِ والتحقيقِ وإظهارِ المضافينِ معاً في موقعِ الإضمارِ بأحدِ الوجهينِ وتوسيطِ ضميرِ الفصلِ منْ فنونِ التأكيد ما لا يَخْفَى

стр. 7294

﴿إِنَّ الذين يُحَادُّونَ الله وَرَسُولَهُ﴾ استئنافٌ مَسوقٌ لتعليلِ ما قبلَهُ من خسرانِ حزب الشيطان عبد عنهُمْ بالموصولِ للتنبيهِ بما في حيز الصلةِ على أنَّ مُوادةَ مَنْ حَادَّ الله ورسولَهُ محادّةٌ لَهُمَا والإشعارِ بعلةِ الحُكمِ ﴿أولئك﴾ بما فعلُوا منَ التولِي والموادةِ ﴿فِى الأذلين﴾ أيْ في جُملةِ منْ هُو أذلُّ خلقِ الله منَ الأولينَ والآخرينَ لأنَّ ذلةَ أحدِ المتخاصمينَ على مقدارِ عزةِ الآخرِ وحيثُ كانتْ عزةُ الله غير متناهيةٍ كانتُ ذلةُ من يحاده كذلك

стр. 7295

﴿كتب الله﴾ استئنافٌ واردٌ لتعليلِ كونِهمْ في الأذلينَ أيْ قضى وثبت في اللوحِ وحيثُ جَرَى ذلكَ مَجرى القسمِ أجيبَ بما يجابُ به فقيلَ ﴿لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى﴾ أيْ بالحجةِ والسيفِ وما يجري مجراهُ أو بأحدِهِمَا ونظيرُهُ قولُه تعالَى وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون وَإِنَّ جُندَنَا لهم الغالبون وقرئ ورسليَ بفتح الياء ﴿إِنَّ الله قَوِىٌّ﴾ عَلَى نصرِ أنبيائِهِ ﴿عَزِيزٌ﴾ لا يُغلب عليهِ في مرادِهِ

стр. 7296

﴿لَاّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الأخر﴾ الخطابَ للنَّبيِّ ﵊ أوْ لكُلِّ أحدٍ وتجدُ إمَّا متعدٍ إلى اثنينِ فقولِهِ تَعَالى ﴿يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ الله وَرَسُولَهُ﴾ مفعولُه الثاني أوْ إلى واحدٍ فهو حالٌ من مفعولِه لتخصصهُ بالصفةِ وقيلَ صفةٌ أُخرى لَهُ أيْ قوماً جامعينَ بينَ الإيمانِ بالله واليومِ الآخرِ وبينَ موادةِ أعداءِ الله ورسولِه والمرادُ

стр. 7297

سورة الحشر ﴿ ينفى الوجدان لنفى الموادةِ عَلى مَعْنَى أنَّه لا ينبغي أنْ يتحققَ ذلكَ وحقُّه أن يمتنعَ ولا يوجدَ بحالٍ وإنْ جدَّ في طلبهِ كلُّ أحدٍ ﴿وَلَوْ كَانُواْ﴾ أيْ من حاد الله ورسوله والجمع باعتبار معنى من كما أن الإفراد فيما قبله باعتبار لفظها ﴿آباءهم﴾ آباءُ الموادِّينَ ﴿أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إخوانهم أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ فإنَّ قضيةَ الإيمانِ بالله تعالى أَنْ يهجرَ الجميعَ بالمرةِ والكلامُ في لَوْ قَدْ مرَّ على التفصيل مراراً ﴿أولئك﴾ إشارةٌ إلى الذينَ لا يوادونهم وإنْ كانُوا أقربَ النَّاسِ إليهم وأمسَّ رحماً وما فيه من معَنى البعدِ لرفعةِ درجتهم في الفضلِ وهُوَ مبتدأ خبرُهُ ﴿كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الإيمان﴾ أي أثبتَهُ فيها وفيه قطعا ولا شئ من أعمالِ الجوارحِ يثبتُ فيهِ ﴿وَأَيَّدَهُمْ﴾ أيْ قوَّاهُم ﴿بِرُوحٍ مّنْهُ﴾ أيْ مِنْ عندِ الله تعالىَ وهُوَ نورُ القلبِ أوِ القرآنُ أو النصرُ على العدوِّ وقيل الضمير للإيمان الحياة القلوبِ بهِ فمنْ تجريديةٌ وقولُهُ تعالَى ﴿وَيُدْخِلُهُمُ﴾ الخ بيانٌ لآثارِ رحمتهِ الأخرويةِ إثرَ بيانِ ألطافهِ الدنيويةِ أيْ ويدخلهُم في الآخرةِ ﴿جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار خالدين فِيهَا﴾ أبدَ الآبدينَ وقولُه تَعَالى ﴿رَّضِىَ الله عَنْهُمْ﴾ استئنافٌ جارٍ مَجْرَى التَّعليلِ لما أفاضَ عليهمْ مِنْ آثارِ رحمتِهِ العاجلةِ والآجلةِ وقولُه تَعَالى ﴿وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ بيانٌ لابتهاجِهم بما أوتُوه عاجلاً وآجلاً وقولُه تَعَالَى ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ الله﴾ تشريفٌ لهُمْ ببيانِ اختصاصِهم بهِ وقوله تعالى ﴿إَّلا أَن حِزْبَ الله هُمُ المفلحون﴾ بيان لاختصاصهم بالفوزِ بسعادةِ الدارينِ والفوزِ بسعادةِ النشأتينِ والكلامُ في تحليةِ الجملةِ بفنونِ التأكيدِ كَمَا مَرَّ فِي مثلِها عن النبي ﵊ من قرأ سورة المجادلةِ كتبَ منْ حزبِ الله يوم القيامة سورة الحشر ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾

стр. 7298

﴿سَبَّحَ للَّهِ مَا فِى السماوات وَمَا فِي الأرض وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ مرَّ ما فيه من الكلامِ في صدرِ سورةِ الحديدِ وقد كُرِرَ الموصولُ ههنا لزيادةِ التَّقريرِ والتَّنبيهِ على استقلالِ كلَ من الفريقين بالتسبيحِ روي أنه ﵊ لما قدم المدينة صالحَ بني النضير وهُم رهطٌ من اليهودِ من ذريةِ هرون ﵇ نزلوا المدينةَ في فتن بني إسرائيلَ انتظاراً لبعثِه النبي ﵊ وعاهدَهُم أنْ لا يكونُوا لهُ ولا عليهِ فلما ظهرَ ﵊ يومَ بدرٍ قالُوا هو النبيُّ الذي

стр. 7299

﴿ نعته في التوارة لا تردُّ له رايةٌ فلما كان يومُ أحُد ما كان ارتابُوا ونكثُوا فخرجَ كعبُ بن الأشرفِ في أربعين راكبا الى مكة فحالفوا قريشا الى الكعبةِ على قتالِه ﵊ سقط فأمر ﵊ محمدَ بنَ مَسْلَمَةَ الأنصاريَّ فقتلَ كعباً غِيلةً وكان أخاهُ من الرضاعَةِ ثم صبحهم بالكتاب فقال لهم اخرُجوا من المدينة فاستهملوه ﵊ عشرة أيامٍ ليتجهزُوا للخروجِ فدسَّ عبد الله بن أبي المنافقُ وأصحابُه إليهم لا تخرجوا من الحصنِ فإن قاتلوكم فنحنُ معكم لا نخذلُكم ولئن خرجتُم لنخرجَنَّ معكم فدربوا على الأزقَّةِ وحصَّنُوها فحاصرَهُم النبيّ ﵊ إحدى وعشرينَ ليلةً فلما قذفَ الله في قلوبهم الرعبَ وأيسُوا من نصرِ المنافقين طلبُوا الصلح فأبى عليهم إلا الجلاءَ على أن يَحمِلَ كلُّ ثلاثةِ أبياتٍ على بعير ما شاؤوا من متاعِهم فجلوا إلى الشأم إلى أريحا وأذرعاتٍ إلا أهلَ بيتينِ منهم آلُ أبي الحقيقِ وآلُ حُيي بنِ أخطبَ فإنَّهم لحقُوا بخيبرَ ولحقتْ طائفةٌ منهم بالحيرةِ فأنزلَ الله تعالى سبح لله مافي السموات إلى قولِه والله على كُلّ شَيْء قدير وقولُه تعالى

стр. 7300

﴿هُوَ الذى أَخْرَجَ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب مِن ديارهم﴾ بيانٌ لبعضِ آثارِ عزته تعالى وأحكامِ حكمتِه إثرَ وصفِه تعالى بالعزةِ القاهرةِ والحكمةِ الباهرةِ على الإطلاقِ والضميرُ راجعٌ إليه تعلى بذلك العنوانِ إما بناءً على كمالِ ظهورِ اتصافه تعالى بهما مع مساعدةٍ تامةٍ من المقامِ أو على جعلِه مُستعاراً لاسمِ الإشارةِ كما في قوله تعالى قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ الله سَمْعَكُمْ وأبصاركم وَخَتَمَ على قُلُوبِكُمْ مَّنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِهِ أي بذلك وعليهِ قول رؤبة بنِ العجاجِ ... كأَنَّهُ فِي الجلدِ تَوْليعُ البَهَقْ ... كما هُو المشهورُ كأنه قيلَ ذلك المنعوتُ بالعزةِ والحكمةِ الذي أخرجَ الخ ففيهِ إشعارٌ بأن في الإخراجِ حكمةً باهرةً وقوله تعالَى ﴿لأَوَّلِ الحشر﴾ أيْ في أولِ حشرِهم إلى الشام وكانوا من سبطٍ لم يصبهم جلاءٌ قط وهم أولُ من أخرجَ من جزيرةِ العربِ إلى الشامِ أو هذا أولُ حشرِهم وآخرُ حشرِهم إجلاء عمر ﵁ أيَّاهم من خيبرَ إلى الشام وقيل آخر حشرهم حشرُ يومِ القيامةِ لأنَّ المحشرَ يكونُ بالشامِ ﴿مَا ظَنَنتُمْ﴾ أيها المسلمون ﴿أَن يَخْرُجُواْ﴾ من ديارِهم بهذا الذلِّ والهوانِ لشدةِ بأسهِم وقوةِ منعتِهم ﴿وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مّنَ الله﴾ أيْ ظنواً أنَّ حصونهم تمنعهم أو ما نعتهم من بأس الله تعالى وتغييرُ النظم بتقديم الخبر وإسنادُ الجملةِ إلى ضميرِهم للدلالةِ على كمالِ وثوقِهم بحصانةِ حصونِهم واعتقادهم في أنفسهم أنهم في غرة ومنعةٍ لا يُبَالى معها بأحدٍ يتعرضُ لهم أو يطمعُ في مُعازّتهم ويجوزُ أن يكون ما نعتهم خبراً لأنَّ وحصونُهم مرتفعاً على الفاعليةِ ﴿فاتاهم الله﴾ أي أمرُ الله تعالى وقدرُه المقدورُ لهم ﴿مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ﴾ ولم يخطرْ ببالِهم وهو قتلُ رئيسهم كعبِ بنِ الأشرفِ فإنه

стр. 7301

٥ ﴿ مما أضعفَ قوتَهُم وفلَّ شوكتَهم وسلب قلوبَهم الأمنَ والطمأنينة وقيل الضميرُ في أتاهُم ولم يحتسبوا للمؤمنينَ أى فأتاهم نصرُ الله وقُرِىءَ فتاهم أي فآتاهُم الله العذابَ أو النصرَ ﴿وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرعب﴾ أيْ أثبتَ فيها الخوفَ الذي يرعبُها أي يملؤُها ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ﴾ ليسدُّوا بما نقضُوا منها من الخشبِ والحجارةِ أفواهَ الأزقةِ ولئلا يبقى بعد جلائهم مساكنُ للمسلمينَ ولينقلُوا معهم بعضَ آلاتِها المرغوبِ فيها مما يقبلُ النقلَ ﴿وَأَيْدِى المؤمنين﴾ حيثُ كانوا يخربونَها إزالةً لمتحصَّنِهم ومتمنعهم وتوسعا لمجالِ القتالِ ونكايةً لهمْ وإسناد هذا إليهم لما أنهمُ السببُ فيه فكأنَّهم كلَّفوهم إيَّاه وأمرُوهم به قيلَ الجملةُ حالٌ أو تفسيرٌ للرعبِ وقُرِىءَ يخَرِّبُونَ بالتشديدِ للتكثيرِ وقيلَ الإخرابُ التعطيلُ أو تركُ الشيءِ خراباً والتخريبُ النقض والهدم ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ فاتعظُوا بمَا جَرى عليهمْ من الأمورِ الهائلةِ على وجهٍ لا يكادُ يهتدِي إليه الأفكارُ واتَّقوا مباشرةَ ما أدَّاهُم إليه منَ الكفرِ والمعاصي أو انْتَقَلُوا من حالِ الفريقينِ إلى حالِ أنفسِكم فلا تُعوِّلوا على تعاضُدِ الأسبابِ بل توكَّلُوا على الله وقدِ استدلَّ به على حجيةِ القياسِ كما فُصِّل في موقِعِه

стр. 7302

﴿وَلَوْلَا أَن كَتَبَ الله عَلَيْهِمُ الجلاء﴾ أي الخروجَ عن أوطانِهِم على ذلك الوجهِ الفظيعِ ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِى الدنيا﴾ بالقتلِ والسَّبي كما فعلَ ببني قريظة ﴿وَلَهُمْ فِى الأخرة عَذَابٌ النار﴾ استئنافٌ غيرُ متعلقٍ بجوابِ لولا جيءَ به لبيانِ أنَّهُم إنْ نجَوا من عذابِ الدُّنيا بكتابةِ الجلاءِ لانجاه لهم منْ عذابِ الآخرةِ

стр. 7303

﴿ذلك﴾ أي ما حاقَ بهم وما سيحيقُ ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسببِ أنهم ﴿شَاقُّواْ الله وَرَسُولَهُ﴾ وفعلُوا ما فعلُوا مما حُكي عنهُم من القبائحِ ﴿وَمَن يُشَاقّ الله﴾ وقُرِىءَ يشاققِ الله كما في الأنفالِ والاقتصارُ على ذكرِ مشاقَّتِهِ تعالى لتضمُّنِها لمشاقَّتِهِ ﵊ وليوافقَ قولِه تعالى ﴿فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب﴾ وهو إمَّا نفسُ الجزاءِ قد حُذف منه العائدُ إلى مَنْ عندِ منْ يلتزمُهُ أي شديدُ العقابِ له أو تعليلٌ للجزاءِ المحذوفِ أي يعاقبْه الله فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب وأياما كانَ فالشرطيةُ تكملةٌ لما قبلها وتقريرٌ لمضمونِهِ وتحقيقٌ للسببيةِ بالطريقِ البرهانيِّ كأنه قيلَ ذلك الذي حاقَ بهم من العقابِ العاجلِ والآجلِ بسببِ مشاقّتِهم لله تعالى ورسولِهِ وكلُّ من يشاقَّ الله كائناً مَنْ كان فلهُ بسببِ ذلكَ عقابٌ شديدٌ فإذنْ لهم عقابٌ شديدٌ

стр. 7304

﴿مَا قَطَعْتُمْ مّن لّينَةٍ﴾ أيْ أيُّ شيءٍ قطعتُمْ من نخلة وهى فعلى من اللَّوْنِ وياؤُهَا مقلوبةٌ من واوٍ لكسرةِ مَا قَبْلها كَدِيمةٍ وتجمعُ على ألوانٍ وقيلَ من اللينِ وتجمعُ على لِينٍ وهيَ النخلةُ الكريمةُ ﴿أَوْ تَرَكْتُمُوهَا﴾ الضميرُ لِمَا وتأنيثُهُ لتفسيرِهِ باللينةِ كما في قولِهِ تعالى مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا يمسك لَهَا ﴿قَائِمَةً على أُصُولِهَا﴾ كما كانتْ منْ غيرِ أنْ تتعرضُوا لها بشيءٍ مَا وقُرِىءَ عَلى أُصُلِهَا

стр. 7305

٧ ٦ إما على الاكتفاءِ من الواوِ بالضمِّ أو على أنَّه جمعُ كرُهُنٍ وقُرِىءَ قائماً على أصُولِهِ ذهاباً إلى لفظِ مَا ﴿فَبِإِذْنِ الله﴾ فذاكَ أي قطعُهَا وتركُهَا بأمرِ الله تعالى ﴿وَلِيُخْزِىَ الفاسقين﴾ أي وليذلَّ اليهودَ ويغيظَهُمْ أَذِنَ في قطعِهَا وتركِهَا لأنهُم إذا رأَوا المؤمنينَ يتحكمونَ في أموالِهِمْ كيفَ أحبُّوا ويتصرفونَ فيها حسبما شاؤا من القطعِ والتركِ يزدادونَ غيظاً ويتضاعفونَ حسرةً واستُدلَّ بهِ على جوازِ هدمِ ديارَ الكفرةِ وقطعِ أشجارِهم وإحراقِ زروعِهِم زيادةً لغيظِهِم وتخصيصُ اللينةِ بالقطعِ إنْ كانت من الألوانِ لاستبقاءِ العجوةِ والبَرْنيةِ اللتينِ هما كرامُ النخيلِ وإن كانتْ هي الكرامَ ليكونَ غيظُهُم أشدَّ وقولُهُ تعالى

стр. 7306

﴿وما أفاء الله على رَسُولِهِ﴾ شروعٌ في بيانِ حالِ ما أُخِذَ من أموالم بعدَ بيانِ ما حلَّ بأنفسِهِم من العذابِ العاجلِ والآجلِ وما فُعلَ بديارِهِم ونخيلِهِم من التخريبِ والقطعِ أي ما أعادَهُ إليهِ من ما لهم وفيه إشعارٌ بأنه كان حقيقا بأن يكونَ له ﵊ وإنما وقعَ في أيديهِم بغير حقَ فرجعه الله تعالى إلى مستحقِّهِ لأنه تعالى خلقَ الناسَ لعبادَتِهِ وخَلقَ ما خَلقَ ليتوسَّلوا به إلى طاعتِهِ فهو جديرٌ بأنْ يكونَ للمطيعينَ ﴿مّنْهُمْ﴾ أي منْ بني النَّضيرِ ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي فما أجريتُم على تحصيلِهِ وتغنُّمِهِ من الوجيفِ وهو سرعةُ السيرِ ﴿مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ هي ما يركبُ من الإبلِ خاصَّة كما أن الراكبَ عندهم راكبُهَا لا غيرُ وأما راكبُ الفرسِ فإنما يسمُّونه فارساً ولا واحدَ لها من لفظِهَا وإنما الواحدةُ منها راحلةٌ والمعنى ما قطعتُم لها شُقةً بعيدةً ولا لقيتُم مشقةً شديدةً ولا قتالاً شديداً وذلك لأنه كانتْ قُراهم على ميلينِ من المدينةِ فمشَوا إليها مشياً وما كان فيهم راكبٌ إلا النبيُّ ﵊ فافتحها صُلحاً من غيرِ أن يجري بينهم مسابقة كأنَّهُ قيلَ وما أفاءَ الله على رسولِهِ منهم فما حصلتُموه بكدِّ اليمينِ وعرقِ الجبينِ ﴿ولكن الله يُسَلّطُ رُسُلَهُ على مَن يَشَاء﴾ أي سُنَّتهُ تعالَى جاريةٌ على أنْ يسلطَهُم على مَن يَشَاء مِنْ أعدائِهِم تسليطاً خاصَّاً وقد سلَّط النبيَّ ﵊ على هؤلاءِ تسليطاً غيرَ مُعتادٍ من غيرِ أنْ تقتحموا مضايقَ الخُطُوبِ وتُقَاسُوا شدائِدَ الحروبِ فلا حقَّ لكِم في أموالِهِم ﴿والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ﴾ فيفعلُ ما يشاءُ كما يشاءُ تارةً على الوجوهِ المعهودةِ وأُخْرى على غيرِهَا وقوله تعالى

стр. 7307

﴿مَّا أَفَاء الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى﴾ بيانٌ لمصارفِ الفيءِ بعدَ بيان إفاءته ﵊ من غيرِ أن يكونَ للمقاتلةِ فيه حقٌّ وإعادةُ عينِ العبارةِ الأُولى لزيادةِ التقريرِ ووضعُ أهلِ القُرى موضعَ ضميرهم للإشعار بشمول

стр. 7308

٩ ٨ مالعقاراتهم ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ اختُلفَ في قسمةِ الفيءِ فقيلَ يُسدَّسُ لظاهرِ الآيةِ ويصرفُ سهمُ الله إلى الكعبةِ وسائرِ المساجدِ وقيلَ يُخَمَّسُ لأن ذكرَ الله للتعظيمِ ويصرفُ الآنَ سهمُ الرسول ﵊ إلى الإمامِ على قولٍ وإلى العساكرِ والثغورِ على قولٍ وإلى مصالحِ المسلمينَ على قول وقيل يُخَمَّسُ خمسةً كالغنيمةِ فإنه ﵊ كان يُقسِّمُ الخمسَ كذلكَ ويصرفُ الأخماسَ الأربعةَ كما يشاءُ والآنَ على الخلافِ المذكورِ ﴿كَىْ لَا يَكُونَ﴾ أي الفيءُ الذي حقُّه أن يكونَ للفقراءِ يعيشونَ به ﴿دُولَةً﴾ بضمِّ الدالِ وقُرِىءَ بفتحِهَا وهيَ ما يدولُ الإنسان أيْ يدورُ من الغِنى والجِدِّ والغلبةِ وقيلِ الدَّولة بالفتح من المِلكِ بكسرِهَا أو بالضَمِّ في المالِ وبالفتحِ في النصرةِ أي كيلا يكونَ جِدَّاً ﴿بَيْنَ الأغنياء مِنكُمْ﴾ يتكاثرونَ به أو كيلَا يكونَ دولةً جاهليةً بينكُمْ فإنَّ الرؤساءَ منهُم كانُوا يستأثرونَ بالغنيمةِ ويقولونَ مَنْ عَزَّ بَزَّ وقيلَ الدُّولةُ بالضمِّ ما يُتداولُ كالغُرفةِ اسمُ مَا يُغترفُ فالمَعنى كيلا يكونَ الفيْءُ شيئا يتداوله الأغنياء بينهم ويتعارونه فلا يصيب الفقراء والداولة بالفتحِ بمعنى التداولِ فالمعنَى كيلا يكونَ ذَا تداولٍ بينَهُم أو كيلا يكونَ إمساكُهُ تداولاً بينَهُم لا يخرجونَهُ إلى الفقراءِ وقُرِىءَ دولةٌ بالرفعِ على أنَّ كانَ تامةٌ أيْ كيلَا يقعَ دولةٌ على ما فُصِّل منَ المعانِي ﴿وَمَا آتاكم الرسول﴾ أي ما أعطاكُمُوه من الفيءِ أو منَ الأمرِ ﴿فَخُذُوهُ﴾ فإنه حقُّكم أو فتمسكُوا به فإنه واجبٌ عليكم ﴿وَمَا نهاكم عَنْهُ﴾ عن أخذِهِ أو عنْ تعاطيهِ ﴿فانتهوا﴾ عنْهُ ﴿واتقوا الله﴾ في مخالفَتِهِ ﵊ ﴿أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب﴾ فيعاقبُ مَنْ يخالفُ أمرَهُ ونهيَهُ

стр. 7309

﴿لِلْفُقَرَاء المهاجرين﴾ بدلٌ من الذى القُربى وما عُطفَ عليهِ فإنَّ الرسولَ ﵊ لا يسمَّى فقيراً ومن أعطى أغنياء ذوِي القُربى خصَّ الإِبدالَ بما بعدَهُ وأما تخصيصُ اعتبارِ الفقرِ بفيءِ بني النضيرِ فتعسفٌ ظاهرٌ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن ديارهم وأموالهم﴾ حيثُ اضطرهُم كفارُ مكةَ وأحوجوهم الى االخروج وكانُوا مائةَ رجلٍ فخرجُوا منها ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ الله ورضوانا﴾ اى طالبين منه تعالى رزقا فى الدنيا ومرضاة في الآخرة وصفوا أولا بما يدل على استحقاقهم للفىء من الإخراج من الديار والأموالِ وقُيِّدَ ذلكَ ثانياً بما يوجبُ تفخيمَ شأنِهِم ويؤكدُهُ ﴿وَيَنصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ﴾ عطفٌ على يبتغونَ فهيَ حالٌ مقدرةٌ أي ناوينَ لنصرةِ الله تعالى ورسولِه أو مقارِنةٌ فإنَّ خروجَهُم من بين الكفارِ مراغمينَ لهم مهاجرينَ إلى المدينةِ نصرةٌ وأيُّ نصرةٍ ﴿أولئكَ﴾ الموصوفونَ بما فُصل من الصفاتِ الحميدةِ ﴿هُمُ الصادقون﴾ الراسخونَ في الصدقِ حيثُ ظهرَ ذلكَ بما فعلُوا ظهوراً بيناً

стр. 7310

﴿والذين تبوؤوا الدار والإيمان﴾ كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ

стр. 7311

﴾ ٠ لمدحِ الأنصارِ بخصالٍ حميدةٍ من جُملَتِها محبَّتُهُم للمهاجرينَ ورضاهم باختصاص الفئ بهم أحسنَ رِضا وأكملَهُ ومعنى تبوئِهِم الدارَ أنهم اتخذوا المدينةَ والإيمانَ مَبَاءةً وتمكَّنوا فيهما أشدَّ تمكنٍ على تنزيلِ الحالِ منزلةَ المكانِ وقيلَ ضُمِّنَ التبوؤُ ومعنى اللزوم وقيل تبوؤا الدارَ وأخلَصُوا الإيمانَ كقولِ من قال ... علفتها تبنا وماءا بارِداً ... وقيلَ المَعْنَى تبوؤُا دارَ الهجرةِ ودارَ الإيمانِ فحذف المضاف إليهِ منَ الأولِ وعَوِّضَ منه اللامُ وقيلَ سَمَّى المدينةَ بالإيمانِ لكونِهَا مظهَرَهُ ومنشأَهُ ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ من قبلِ هجرةِ المهاجرينَ على المعانِي الأُوَلِ ومن قبلِ تبوؤِ المهاجرينَ على الأخيرينِ ويجوزُ أن يُجعلَ اتخاذُ الإيمانِ مباءةً ولزومُهُ وإخلاصُهُ على المعَانِي الأَوَلِ عبارةً عن إقامةِ كافَّةِ حُقوقِهِ التي من جُمْلَتِهَا إظهارُ عامَّةِ شعائرِه وأحكامِهِ ولا ريبَ في تقدمِ الأنصارِ في ذلك على المهاجرينَ لظهورِ عجزِهِم عن إظهارِ بعضِهَا لا عَنْ إخلاصِهِ قلباً واعتقاداً إذْ لا يُتصور تقدُّمهم عليهِمْ في ذلكَ ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ خبرٌ للموصولِ أي يحبونَهُم من حيثُ مهاجَرَتُهُم إليهم لمحبتِهِم الإيمانَ ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ﴾ أي في نفوسِهِم ﴿حَاجَةً﴾ أي شيئاً محتاجاً إليه يقالُ خُذْ منْهُ حاجتَكَ أي ما تحتاجُ إليهِ وقيلَ إثر حاجةٍ كالطلبِ والحرازة والحسدِ والغيظِ ﴿مّمَّا أُوتُواْ﴾ أى مما أوتى المهاجرون من الفئ وغيرَهِ ﴿وَيُؤْثِرُونَ﴾ أي يقدمونَ المهاجرينَ ﴿عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ في كل شئ من أسبابِ المعاشِ حتى إنَّ من كانَ عندهُ امرأتانِ كان ينزلُ عن إحداهُمَا ويزوجها واحداً منهُم ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ أيْ حاجةٌ وخَلَّةٌ وأصلُهَا خَصَاصُ البيتِ وهي فُرجَهُ والجملةُ في حيزِ الحالِ وقدْ عرفتَ وجهَهُ مراراً وكان النبيُّ ﵊ قسَّم أموالَ بني النضيرِ على المهاجرين ولم يُعطِ الأنصارَ إلا ثلاثةً نفرٍ محتاجينَ أبا دُجَانَةَ سماكَ بنَ خَرَشَةَ وسهلَ بن حنيف والحرث بنَ الصِّمَّةِ وقالَ لهم إنْ شئتُمْ قسمتُم للمهاجرينَ من أموالِكُم وديارِكُم وشاركتُمُوهُم في هذه الغنيمةِ وإن شئتُم كانتْ لكُم ديارُكُم وأموالُكُم ولم يُقسم لكم شئ من الغنيمة فقالت الأنصارُ بلْ نقسمُ لهم من أموالِنَا وديارِنَا ونؤثرهُم بالغنيمةِ ولا نشاركهُم فيهَا فنزلتْ وهذا صريحٌ في أنَّ قولَهُ تعالَى والذينَ تبوؤُا الخ مستأنفٌ غيرُ معطوفٍ على الفقراءِ أو المهاجرينَ نعم يجوزُ عطفُه على أولئكَ فإنَّ ذلكَ إنما يستدْعِي شركةَ الأنصارِ للمهاجرينَ في الصدقِ دونَ الفيءِ فيكونُ قولُهُ تعالى يحبونَ وما عُطفَ عليهِ استئنافاً مقرراً لصدقِهِم أو حالاً من ضميرِ تبوؤُا ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ الشُّح بالضمِّ والكسرِ وقدْ قرئ بهِ أيضاً اللؤمُ وإضافتُهُ إلى النفسِ لأنَّه غريزةٌ فيها مقتضيةٌ للحرصِ على المنعِ الذي هو البخلُ أي ومن يُوقَ بتوفيقِ الله تعالى شُحَّها حتى يخالفَهَا فيما يغلبُ عليها من حُبِّ المالِ وبغضِ الإنفاقِ ﴿فَأُوْلَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى مَنْ باعتبارِ معناها العامِّ المنتظمِ للمذكورينَ انتظاماً أولياً ﴿هم المفلحون﴾ الفائزون بكل مطلوب الناجون عن كل مكروهٍ والجملةُ اعتراضٌ واردٌ لمدحِ الأنصارِ والثناءِ عليهم وقرئ يوق بالتشديد

стр. 7312

﴿والذين جاؤوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ هم الذينَ

стр. 7313

﴾ ١ ١ ﴿ هاجرُوا بعد ما قَوِيَ الإسلامُ أو التابعونَ بإحسانٍ وهم المؤمنونَ بعد الفريقينِ إلى يومِ القيامةِ ولذلك قيلَ إن الآيةَ قد استوعبتْ جميعَ المؤمنينَ وأياً ما كان فالموصولُ مبتدأٌ وخبره ﴿يَقُولُونَ﴾ الخ والجملةُ مسوقةٌ لمدحِهِم بمحبَّتِهِم لمنْ تقدَمَهُم من المؤمنينَ ومراعاتِهِم لحقوقِ الأخوةِ في الدينِ والسبقِ بالإيمانِ كما أنَّ ما عُطفتْ عليه من الجملةِ السابقةِ لمدحِ الأنصارِ أيْ يدعونَ لهم ﴿رَبَّنَا اغفر لَنَا ولإخواننا﴾ أيْ في الدينِ الذي هُو أعزُّ وأشرفُ عندهُم من النسبِ ﴿الذين سَبَقُونَا بالإيمان﴾ وصفُوهُم بذلكَ اعترافاً بفضلِهِم ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلاًّ﴾ وقرئ غِمْراً وهُمَا الحقدُ ﴿لِلَّذِينَ آمنوا﴾ على الإطلاقِ ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ رؤوف رحيم﴾ أي مبالغ في الرأفةِ والرحمةِ فحقيقٌ بأنْ تجيبَ دُعاءَنَا

стр. 7314

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نافقوا﴾ حكايةٌ لِمَا جَرى بينَ الكفرةِ والمنافقينَ من الأقوالِ الكاذبةِ والأحوالِ الفاسدةِ وتعجيبٌ منها بعد حكايةِ محاسنِ أحوالِ المؤمنينَ وأقوالِهِم على اختلافِ طبقاتِهِمْ والخطابُ لرسول الله ﷺ أو لكل أحد ممن له حظٌّ من الخطاب وقولِهِ تعالى ﴿يَقُولُونَ﴾ الخ استئنافٌ لبيانِ المتعجَّبِ منهُ وصيغة المضارع للدلالة على استمرارا قولِهِم أو لاستحضارِ صورتِهِ واللام في قوله تعالى ﴿لإِخْوَانِهِمُ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب﴾ للتبليغِ والمرادُ بأخوَّتِهِم إما توافُقُهُم في الكفرِ أو صداقَتُهُم وموالاتُهُمْ واللام في قوله تعالى ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾ أي من دياركم قسرا موطئةٌ للقسمِ وقولُه تعالى ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ جوابُ القسمِ أيْ والله لئِنْ أُخْرجتُم لنخرجنَّ معكم البتةَ ونذهبنَّ في صُحْبَتكم أينما ذهبتُم ﴿وَلَا نُطِيعُ فيكُمْ﴾ أيْ في شأنِكُمْ ﴿أَحَدًا﴾ يمنعنا منَ الخروجِ معكُم ﴿أَبَدًا﴾ وإنْ طالَ الزمانُ وقيلَ لا نطيعُ في قتالِكُم أو خذلانِكُم وليسَ بذاكَ لأن تقديرَ القتالِ مترقبٌ بعد ولأن وعدَهُم لهم على ذلك التقديرِ ليسَ مجردَ عدمِ طاعتِهِم لمن يدعُوهُم إلى قتالهِم بل نصرتَهُم عليهِ كما ينطقُ به قولُهُ تعالى ﴿وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ﴾ أي لنعاونَنَّكُم على عدوِّكم على أن دعوتَهُم إلى خذلانِ اليهودِ مما لا يمكنُ صدورُه عن رسول الله ﷺ والمسلمينَ حتى يدَّعوا عدمَ طاعتِهِم فيها ضرورةَ أنَّها لو كانَتْ لكانَتْ عند استعدادِهِم لنصرتِهِم وإظهارِ كفرِهِم ولا ريب في أن ما يفعله ﵊ عند ذلكَ قتلَهُم لا دعوَتَهُم إلى تركِ نصرتِهِم وأما الخروجُ معهم فليسَ بهذه المرتبةِ من إظهارِ الكفرِ لجوازِ أن يدَّعوا أن خروجَهُم معهم لما بينَهُم من الصداقةِ الدنيويةِ لا للموافقةِ في الدينِ ﴿والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لكاذبون﴾ في مواعيدِهِم المؤكدةِ بالأيمانِ الفاجرةِ وقولُهُ تعالى

стр. 7315

﴿لَئِنْ أُخْرِجُواْ لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ الخ تكذيبٌ لهم في كلِّ واحدٍ

стр. 7316

﴾ ٥ ١ ﴿ من أقوالِهِم على التفصيلِ بعدَ تكذيبِهِم في الكُلِّ على الإجمالِ ﴿وَلَئِن قُوتِلُواْ لَا يَنصُرُونَهُمْ﴾ وكانَ الأمرُ كذلك فإنَّ ابْنَ أُبيّ وأصحابَهُ أرسلُوا إلى بَنِي النضيرِ ذلكَ سراً ثم أخلفُوهُم وفيه حجةٌ بينةٌ لصحةِ النبوة وإعجازِ القرآنِ ﴿وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ﴾ على الفرضِ والتقديرِ ﴿لَيُوَلُّنَّ الأدبار﴾ فراراً ﴿ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ﴾ أي المنافقونَ بعد ذلكَ أي يهلكهم الله ولا ينفهم نفاقُهُم لظهورِ كفرِهِم أو ليَهْزُمَنَّ اليهودُ ثم لا ينفعهم نصرة المنافين بعد ذلك

стр. 7317

﴿لَانتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً﴾ أي أشدُّ مرهوبيةً على أنها مصدرٌ من المبنيِّ للمفعولِ ﴿فِى صُدُورِهِمْ مّنَ الله﴾ أي رهبتُهُم منكُم في السرِّ أشدُّ مما يظهرونَهُ لكم من رهبةِ الله فإنهم كانُوا يدَّعونَ عندَهُم رهبةً عظيمةً من الله تعالى ﴿ذلك﴾ أي ما ذُكِرَ من كونِ رهبتِهِم منكُم أشدَّ من رهبةِ الله ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسببِ أنَّهُم ﴿قَوْمٌ لَاّ يَفْقَهُونَ﴾ أيْ شيئاً حتى يعلمُوا عظمةَ الله تعالى فيخشَوه حقَّ خشيتِهِ

стр. 7318

﴿لَا يقاتلونكم﴾ أي اليهودَ والمنافقونَ بمعنى لا يقدرونَ على قتالِكُم ﴿جَمِيعاً﴾ أي مجتمعينَ متفقينَ في موطنٍ من المواطنِ ﴿إِلَاّ فِى قُرًى مُّحَصَّنَةٍ﴾ بالدروبِ والخنادقِ ﴿أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ﴾ دونَ أنْ يصحرُوا لكُم ويبارزُوكم لفرطِ رهبتِهِم وقُرِىءَ جُدْرٍ بالتخفيفِ وقُرِىءَ جِدَارٍ وبإمالةِ فتحةِ الدالِ وجَدْرِ وجدر وهما الجدارُ ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ استئنافٌ سيقَ لبيانِ أن ما ذُكر من رهبتم ليسَ لضعفِهِم وجبنِهِم في أنفسِهِم فإنَّ بأسَهُم بالنسبة إلى أقرانِهِم شديدٌ وإنما ضعفُهُم وجبنُهُم بالنسبةِ إليكُم بما قذفَ الله تعالَى في قلوبَهُم من الرعبِ ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً﴾ مجتمعينَ متفقينَ ﴿وَقُلُوبُهُمْ شتى﴾ متفرقةٌ لا أُلفةَ بينها ﴿ذلك﴾ أي ما ذكر منْ تشتتِ قلوبِهِم بسببِ أنَّهُم ﴿قَوْمٌ لَاّ يَعْقِلُونَ﴾ أي لا يعقلونَ شيئاً حتَّى يعرفُوا الحقَّ ويتبعُوه وتطمئنَ به قلوبُهُم وتتحدَ كلمتُهُم ويرمُوا عن قوسٍ واحدةٍ فيقعونَ في تيهِ الضلال وتتشتت قلوبِهِم حسبَ تشتتِ طرقِهِ وتفرقِ فنونِهِ وأمَّا ما قيل من أن المعنى لا يعقلونَ أنَّ تشتتَ القلوبِ مما يُوهِنُ قُواهُم فبمعزلٍ منَ السدادِ وقولُهُ تعالَى

стр. 7319

﴿كمثل الذين من قبلهم﴾ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ تقديرُه مثلُهم أيْ مثلُ المذكورينَ من اليهودِ والمنافقينَ كمثلِ أهلِ بدرٍ أو بني قَينُقَاع على ما قيلَ أنهم أُخرِجُوا قبلَ بني النضيرِ ﴿قَرِيبًا﴾ في زمانٍ قريب وانتصابه بمثل ذا التقديرُ كوقوعِ مثلِ الخ ﴿ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ أي سوءَ عاقبةِ كُفرِهِم في الدنيا ﴿وَلَهُمْ﴾ في الآخرة ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ لا يُقادرُ قَدْرُهُ والمَعْنَى أنَّ حالَ هؤلاءِ كحالِ أولئكَ في الدُّنيا والآخرةِ لكنْ لا على أنَّ حالَ كُلِّهم كحالِهِم بلْ حالُ بعضِهِم الذينَ هم اليهودُ كذلكَ وأما حالُ المنافقينَ فهيَ ما نطقَ به

стр. 7320

﴾ ٦ ١٩ قولُه تعالى
следующие страницы →