Полный текст (8 642 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
١٢٥ - آل عمران
بالتقوى لإظهار كمالِ العنايةِ به والمرادُ به الوقتُ الممتدُ الذي وقع فيه ما ذكر بعده وما طُويَ ذكرُه تعويلا على شهادة الحالِ مما يتعلق به وجودُ النصرِ وصيغةُ المضارعِ لحكايةِ الحالِ الماضيةِ لاستحضار صورتِها أي نصركم وقت قولك
﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ حين أظهروا العجزَ عن المقاتلة قال الشعبي بلغ المؤمنين أن كُرْزَ بنَ جابرٍ الحنفي يريد أن يُمِدَّ المشركين فشق ذلك على المؤمنين فنزل حينئذ ثم حكى ههنا
﴿أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ ربكم بثلاثة آلافٍ﴾ الكفايةُ سدُّ الخَلّةِ والقيامُ بالأمر والإمدادُ في الأصل إعطاءُ الشئ حالاً بعد حال قال المفضّل ما كان منه بطريق التقويةِ والإعانةِ يقال فيه أمَدَّه يُمِدُّه إمداداً وما كان بطريق الزيادة يقال فيه مَدَّه يمُدّه مداً ومنه والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ وقيل المَدّ في الشر كما في قوله تعالى ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ وقولِه ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العذاب مَدّاً﴾ والإمدادُ في الخير كما في قوله تعالى ﴿وأمددناكم بأموال وَبَنِينَ﴾ والتعرض لعنوان الربوبية ههنا وفيما سيأتي مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين لإظهار العنايةِ بهم والإشعارِ بعلةِ الإمداد والمعنى إنكارُ عدمِ كفايةِ الإمدادِ بذلك المقدار ونفيُه وكلمة لَنْ للإشعار بأنهم كانوا حينئذ كالآيسين من النصر لضعفهم وقلّتِهم وقوةِ العدوّ وكثرتهم
﴿مِنَ الملائكة﴾ بيانٌ أو صفة لآلافٍ أو لما أُضيف إليه أي كائنين من الملائكة
﴿مُنزَلِينَ﴾ صفةٌ لثلاثةِ آلافٍ وقيل حال من الملائكة وقرئ منزلين بالتشديد للتكثير أو للتدريج قيل امدهم الله تعالى أولا بألف ثم صاروا ثلاثة آلافٍ ثم خمسةِ آلافٍ وقرئ مبنياً للفاعل من الصيغتين أي مُنزِلين النصرَ
стр. 772
﴿بلى﴾ إيجابٌ لما بعدَ لَنْ وتحقيقٌ له أي بلى يكفيكم ذلك ثم وعد لهم الزيادةَ بشرط الصبرِ والتقوى حثاً لهم عليهما وتقويةً لقلوبهم فقال
﴿إِن تَصْبِرُواْ﴾ على لقاء العدو ومناهضتِهم
﴿وَتَتَّقُواْ﴾ معصيةَ الله ومخالفةَ نبيِّه ﵊
﴿ويأتوكم﴾ أي المشركين
﴿مّن فَوْرِهِمْ هذا﴾ أي من ساعتهم هذه وهو في الأصل مصدرُ فارَت القِدرُ أي اشتد غَلَيانُها ثم استُعير للسرعة ثم أُطلق على كل حالةٍ لا ريث فيها أصلاً ووصفُه بهذا لتأكيد السرعةِ بزيادة تعيينِه وتقريبِه ونظمُ إتيانِهم بسرعة في سلك شرطَي الإمداد المستتبِعَيْن له وجوداً وعدماً أعني الصبرَ والتقوى مع تحقق الإمدادِ لا محالةَ سواءٌ أسرعوا أو أبطئوا لتحقيق سرعة الإمداد لا لتحقيق أصلِه أو لبيانِ تحقّقِه على أي حال فُرِضَ على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه بتعليقه بأبعدِ التقاديرِ ليُعلم تحقُّقُه على سائرها بالطريق الأوْلى فإن هجومَ الأعداءِ وإتيانَهم بسرعة من مظانّ عدمِ لُحوق المددِ عادةً فعُلِّق به تحققُ الإمدادِ إيذاناً بأنه حيث تحقَّقَ مع ما ينافيه عادةً فلأَنْ يتحقَّقَ بدونه أولى وأحرى كما إذا أردتَ وصفَ درعٍ بغاية الحَصانة تقول إن لبستَها وبارزتَ بها الأعداءَ فضربوك بأيدٍ شدادٍ وسيوفٍ حِدادٍ لم تتأثرْ منها قطعاً
﴿يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مُسَوّمِينَ﴾ من التسويم الذي هو إظهارُ سيما الشيءِ أي مُعْلِمين أنفسَهم أو خيلَهم فقد رُوي أنهم كانوا بعمائمَ بيضٍ إلا جبريلَ ﵇ فإنَّه كان بعمامة صفراءَ على مثال الزبير بنِ العوام وروى
стр. 773
١٢٦ - آل عمران
أنهم كانوا على خيل باق قال عروةُ بنُ الزبير كانت الملائكةُ على خيل بُلْق عليهم عمائمُ بيضٌ قد أرسلوها بين أكتافِهم وقال هشامُ بنُ عروة عمائمُ صُفْرٌ وقال قتادة والضحاك وكانوا قد أَعْلموا بالعِهْن في نواصي الخيلِ وأذنابِها رُوي أن النبيِّ ﷺ قال لأصحابه تسوَّموا فإن الملائكة قد تسومت وقرئ مسوَّمين على البناء للمفعول ومعناه مُعْلِمين من جهته سبحانه وقيل مرسَلين من التسويم بمعنى الإسامة
стр. 774
﴿وَمَا جَعَلَهُ الله﴾ كلامٌ مبتدأٌ غيرُ داخلٍ في حيز القول مَسوقٌ من جنابه تعالى لبيان أن الأسبابَ الظاهرةَ بمعزل من التأثير وأن حقيقةَ النصرِ مختص به ليثق به المؤمنون ولا يقنَطوا منه عند فُقدان أسبابِه وأماراتِه معطوفٌ على فعل مقدرٍ ينسحبُ عليه الكلامُ ويستدعيه النظامُ فإن الإخبارَ بوقوع النصرِ على الإطلاق وتذكيرَ وقتِه وحكايةَ الوعدِ بوقوعه على وجه مخصوصٍ هو الإمدادُ بالملائكة مرةً بعد أخرى وتعيينُ وقتِه فيما مضى يقضي بوقوعه حينئذ قضاءً قطعياً لكن لم يصرَّحْ به تعويلاً على تعاضُد الدلائلِ وتآخُذ الأماراتِ والمخايل وإيذاناً بكمال الغِنى عنه بل إحترازا عن شائبة التكريرِ أو عن إيهام احتمالِ الخُلفِ في الوعد المحتومِ كأنه قيل عَقيبَ قولِه تعالى ﴿يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مُسَوّمِينَ﴾ فأمدَّكم بهم ﴿وما جعله الله﴾ الخ والجَعلُ متعدَ إلى واحد وهو الضميرُ العائد إلى مصدر ذلك الفعلِ المقدر وأما عَوْدُه إلى المصدر المذكورِ أعني قولَه تعالى أَن يُمِدَّكُمْ أو إلى المصدر المدلولِ عليه بقوله تعالى يُمْدِدْكُمْ كما قيل فغيرُ حقيقٍ بجزالة التنزيلِ لأن الهيئةَ البسيطةَ متقدمةٌ على المركبة فبيانُ العلةِ الغائبةِ لوجود الإمداد كما هو المرادُ بالنظم الكريم حقُّه أن يكون بعد بيانِ وجودِه في نفسه ولا ريب في أن المصدر بن المذكورين غيرُ معتبَرَيْنِ من حيث الوجودُ والوقوعُ كمصدر الفعلِ المقدرِ حتى يتصدى لبيان أحكامِ وجودِهما بل الأولُ معتبرٌ من حيث الكفايةُ والثاني من حيث الوعدُ على أن الأولَ هو الإمدادُ بثلاثة آلافٍ والواقع هو الإمدادُ بخمسة آلافٍ وقوله تعالى
﴿إِلَاّ بشرى لَكُمْ﴾ استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم العللِ وتلوينُ الخطابِ لتشريف المؤمنين وللإيذان بأنهم المحتاجون إلى البِشارة وتسكينِ القلوب بتوفيق الأسبابِ الظاهرةِ وان رسول الله ﷺ غني عنه بماله من التأييد الروحاني أي وما جعل إمدادَكم بإنزال الملائكةِ عِياناً لشيءٍ من الأشياءِ إلا للبشرى لكم بأنكم تُنْصَرون
﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ أي بالإمداد وتسكُنَ إليه كما كانت السكينةُ لبني إسرائيلَ كذلك فكلاهما عِلةٌ غائيةٌ للجعل وقد نُصب الأولُ لاجتماع شرائطِه من اتحاد الفاعلِ والزمانِ وكونِه مصدراً مَسوقاً للتعليل وبقيَ الثاني على حاله لفُقدانها وقيل للإشارة أيضاً إلى أصالته في العلِّية وأهميتِه في نفسه كما في قوله تعالى ﴿والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ وفي قصر الإمدادِ عليهما إشعارٌ بأن الملائكةَ ﵈ لم يباشروا يومئذ القتالَ وإنما كان إمدادُهم بتقويةِ قلوبِ المباشرين بتكثير السَّواد ونحوِه كما هو رأيُ بعض السلف ﵁ وقيلَ الجعلُ متعدٍ إلى
стр. 775
١٢٧ - ١٢٨ آل عمران
اثنين وقوله إِلَاّ بشرى لَكُمْ استثناءٌ من أعمِّ المفاعيلِ أي وما جعله الله تعالى شيئاً من الأشياء إلا بشارةً لكم فاللام في قوله تعالى وَلِتَطْمَئِنَّ متعلقةٌ بمحذوف تقديرُه ولتطمئن قلوبُكم به فُعِل ذلك
﴿وَمَا النصر﴾ أي حقيقةُ النصرِ على الإطلاق فيندرِجُ في حكمة النصرُ المعهودُ اندراجاً أولياً
﴿إِلَاّ مِنْ عِندِ الله﴾ أي إلا كائنٌ من عنده تعالى من غيرِ أنْ يكون فيه شِرْكةٌ من جهة الأسبابِ والعَدد وإنما هي مظاهرُ له بطريق جَرَيانِ سنتِه تعالى أو وما النصرُ المعهودُ إلا من عنده تعالى لا من عند الملائكةِ فإنهم بمعزلٍ من التأثير وإنما قصارى أمرِهم ما ذُكر من البِشارة وتقويةِ القلوب
﴿العزيز﴾ أي الذي لا يغالَب في حُكمه وأقضيتِه وإجراءُ هذا الوصفِ عليه تعالى للإشعار بعلة اختصاصِ النصرِ به تعالى كما أن وصفَه بقوله
﴿الحكيم﴾ أي الذي يفعلُ كلَّ ما يفعلُ حسبما تقتضيِه الحِكمةُ والمصلحة للإيذان بعلة جعْلِ النصرِ بإنزال الملائكةِ فإن ذلك من مقتَضيات الحِكم البالغةِ
стр. 776
﴿لِيَقْطَعَ﴾ متعلقٌ بقوله تعالى وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ وما بينهما تحقيقٌ لحقيقته وبيانٌ لكيفية وقوعِه والمقصورُ على التعليل بما ذُكر من البُشرى والاطمئنانِ إنما هو الإمدادُ بالملائكة على الوجه المذكورِ فلا يقدح ذلك في تعليل أصلِ النصرِ بالقطع وما عُطف عليه أو بَما تعلَّق به الخبرُ في قوله عز وعلا وَمَا النصر إِلَاّ مِنْ عِندِ الله على تقدير كونِه عبارةً عن النصر المعهودِ وقد أُشير إلى أن المعلَّلَ بالبشارة والاطمئنانِ إنما هو الإمدادُ الصوريُّ لا ما في ضِمنه من النصر المعنويِّ الذي هو مَلاكُ الأمر وأما تغلقه بنفس النصرِ كما قيل فمع ما فيه من الفصلَ بين المصدرِ ومعمولِه بأجنبي هو الخبرُ مُخلٌّ بسَداد المعنى كيف لا ومعناه قصرُ النصرِ المخصوصِ المعلَّلِ بعلل معيّنةٍ على الحصول من جهته تعالى وليس المرادُ إلا قصرَ حقيقةِ النصرِ أو النصرِ المعهودِ على ذلك والمعنى لقد نصركم الله يومئذ أو وما النصرُ الظاهرُ عند إمدادِ الملائكةِ إلا ثابتٌ من عند الله ليقطعَ أي يُهلِكَ ويَنْقُصَ
﴿طَرَفاً مّنَ الذين كَفَرُواْ﴾ أي طائفةٌ منهم بقتل وأسر وقد وقع ذلك حيث قُتل من رؤسائهم وصناديدِهم سبعون وأُسر سبعون
﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أي يخزيَهم ويُغيظَهم بالهزيمة فإن الكبتَ شدةُ غيظٍ أو وهنٌ يقع في القلب من كَبتَه بمعنى كَبده إذا ضرب كِبدَه بالغيظ والحُرقة وقيل الكبتُ الإصابةُ بمكروه وقيل هو الصرعُ للوجه واليدين فالتاء حينئذ غيرُ مُبْدَلةٍ وأو للتنويع
﴿فَيَنقَلِبُواْ خَائِبِينَ﴾ أي فينهزموا منقطعي الآمالِ غيرَ فائزين من مبتغاهم بشئ كما في قوله تعالى ﴿وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً﴾
стр. 777
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الامر شَىْء﴾ اعتراضٌ وُسِّط بين المعطوف عليه المتعلّقِ بالعاجل والمعطوفِ المتعلّقِ بالآجل لتحقيق أن لا تأثير للمنثورين إثرَ بيانِ أن لا تأثيرَ للناصرين وتخصيصُ النفيِ برسول ﷺ على طريق تلوين الخطاب للدلالة على الانتفاءِ من غيره بالطريق الأولى وإنما خُصّ الاعتراضُ بموقعه لأن ما قبله من القطع والكبْتِ من مظانِّ أن يكونَ فيه لرسول الله ﷺ ولسائر مباشري القتالِ مدخَلٌ في الجملة
﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذّبَهُمْ﴾ عطفٌ على يكبِتَهم
стр. 778
والمعنى أن مالِكَ أمرِهم على الإطلاقِ هو الله نصرَكم عليهم ليُهلِكَهم أو يكبتَهم أَوْ يتوبَ عَلَيْهِمْ إنْ أسلموا أو يعذبَهم إن أصروا وليس لك من أمرهم شيءٌ إنما أنت عبدٌ مأمورٌ بإنذارهم وجهادِهم والمرادُ بتعذيبهم التعذيب السديد الأخرويُّ المخصوصُ بأشد الكفَرةِ كُفراً وإلا فمطلقُ التعذيبِ الأخرويِّ متحققٌ في الفريقين الأولين أيضاً ونظمُ التوبةِ والتعذيبِ المذكورِ في سلك العلة الغائبة للنصر المترتبةِ عليه في الوجود من حيث إن قبولَ توبتِهم فرْعُ تحققِها الناشئ من علمهم بحقية الإسلامِ بسبب غلبةِ أهلِه المترتبةِ على النصر وأن تعذيبَهم بالعذاب المذكورِ مترتبٌ على إصرارهم على الكفر بعد تبيُّنِ الحقِّ على الوجه المذكورِ هذا وقيل إن عُتبةَ بنَ أبي وقاصٍ شج رسول الله ﷺ يومَ أحُد وكسرَ رَباعِيَتَه فجعل ﷺ يمسح الدمَ عن وجهه وسالم مولى حُذيفةَ يغسِلُ عن وجهه الدمَ وهو يقول كيف يُفلحُ قومٌ خضَبوا وجهَ نبيِّهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم فنزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الامر شَىْء﴾ الآية كأنه نوعُ معاتبةٍ على إنكاره ﵇ لفلاحهم وقيل أراد أن يدعوَ عليهم فنهاه الله تعالى لعلمه بأن منهم من يؤمن فقولُه تعالى ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ حينئذ معطوفٌ على الأمر أو على شيء بإضمار أنْ أي ليس لك من أمرَهم أو مِن التوبة عليهم أو من تعذيبهم شيءٌ أو ليس لك من أمرهم شيءٌ أو التوبة عليهم او تعذبهم ونُقل عن الفراء وابنِ الأنباري أن أَوْ بمعنى الا ان المهنى ليس لك من أمرهم شيءٌ إلا أن يتوبَ الله عليهم فتفرَحَ به أو يعذبهم فتشفى منهم وأيا ما كان فهو كلامٌ مستأنفٌ سيق لبيان بعضِ الأمورِ المتعلقة بغزوة أحُدٍ إثرَ بيانِ بعضِ ما يتعلق بغزوة بدرٍ لِما بينهما من التناسُب الظاهرِ لأن كلاًّ منهما مبنيٌّ على اختصاص الأمرِ كلِّه بالله تعالى ومنبئ عن سلبه عمن سواه وأما تعلقُ كلِّ القصةِ بغزوة أُحد على أنَّ قولَه تعالى إِذْ تَقُولُ بدلٌ ثانٍ من إذ غدوتَ وأن ما حُكي عن رسول الله ﷺ قد وقع يومَ أحدٍ وأن الإمدادَ الموعودَ كان مشروطاً بالصبر والتقوى فلما لم يفعلوا لم يتحققِ الموعودُ كما قيل فلا يساعدُه النظمُ الكريمُ أما أوّلاً فلأن المشروطَ بالصبر والتقوى إنما هو الإمدادُ بخمسة آلافٍ لا بثلاثة آلافٍ مع أنه لم يقع الإمدادُ يومئذ ولا بمَلكٍ واحدٍ وأما ثانياً فلأنه كان ينبغي حينئذ أن ينعى عليهم جناياتهم وحِرْمانَهم بسببها تلكَ النعمةَ الجليلة ودعوى ظهورِه مع عدم دِلالةِ السباقِ والسياقِ عليه بل مع دَلالتهما على خلافه مما لا يكاد يُسمع وأما ثالثاً فلأنه لا سبيل إلى جعل الضَّمير في قولِه تعالى وَمَا جَعَلَهُ الله الخ عائداً إلى الإمداد الموعودِ لأنه لم يتحققْ فكيف يبيِّنُ علّته الغائيةَ ولا إلى الوعدِ به على معنى أنه تعالى إنما جعل ذلك الوعدَ لبِشارتكم واطمئنانِ قلوبكم فلم تفعلوا ما شرَطَ عليكم من الصبر والتقوى فلم يقع إنجازُ الموعودِ لما أنَّ قولَه تعالَى وَمَا النصر إِلَاّ مِنْ عِندِ الله العزيز الحكيم صريحٌ في أنه قد وقع الإمدادُ الموعودُ لكن أثرَه إنما هو مجردُ البِشارة والاطمئنانِ وقد حصلا وأما النصرُ الحقيقيُ فليس ذلك إلا من عنده تعالى وجعلُه استئنافاً مقرّراً لعدم وقوعِ الإمداد على معنى أن التصر الموعودَ مخصوصٌ به تعالى فلا ينصُر من خالف أمرَه بترك الصبر والتقوى اعتسافٌ بيّنٌ يجب تنزيهُ التنزيلِ عن أمثالِه على أنَّ قولَه تعالى لِيَقْطَعَ طَرَفاً الآية متعلقٌ حينئذ بما تعلق به قولُه تعالى مِنْ عِندِ الله من الثبوت والإستقرار وضرورة أن تعلقَه بقوله تعالى وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ الآية مع كون ما بينهما من التفصيل متعلقاً بوقعة أحُدٍ من قبيل الفصل بين الشجر ولحائه فلا بُدَّ من اعتبارِ وجودِ النصرِ قطعاً لأن تفصيل الأحكام المتريبة على وجود شيء
стр. 779
١٢٩ - ١٣٠ ١٣١ آل عمران
بصدد بيانِ انتفائِه مما لم يُعهدْ في كلام الناسِ فضلاً عن الكلام المَجيد فالحق الذي لا محيد عنه أن قولَه تعالى إِذْ تَقُولُ ظرفٌ لنصرَكم وأن ما حُكي في أثنائه إلى قوله تعالى خَائِبِينَ متعلقٌ بيومِ بدرٍ قطعاً وما بعده محتملٌ الوجهين المذكورين وقوله تعالى
﴿فَإِنَّهُمْ ظالمون﴾ تعليلٌ على كل حال لقوله تعالى أَوْ يُعَذّبَهُمْ مبينٌ لكون ذلك من جهتهم وجزاءٌ لظلمهم
стр. 780
﴿ولله ما في السماوات وَمَا فِي الارض﴾ كلامٌ مستأنفٌ سيق لبيان اختصاصِ ملكوتِ كلِّ الكائناتِ به إثرَ بيانِ اختصاصِ طرَفٍ من ذلك به سبحانه تقريراً لما سبق وتكملةً له وتقديمُ الجارِّ للقصر وكلمةُ مَا شاملةٌ للعقلاء أيضاً تغليباً أي له مَا فِيهمَا مِنَ الموجوداتِ خلقاً ومُلكاً لا مدخَلَ فيه لأحد أصلاً فله الأمرُ كلُّه
﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء﴾ أنْ يغفر له مشيئة مبنية على الحكم والمصالح
﴿وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء﴾ أنْ يعذِّبَه بعمله مشيئةً كذلك وإيثارُ كلمة مِنْ في الموضعين لاختصاص المغفرةِ والتعذيبِ بالعقلاء وتقديمُ المغفرة على التعذيب للإيذان بسبق رحمتِه تعالى غضبَه وبأنها من مقتَضيات الذاتِ دونه فإنه من مقتضيات سيئاتِ العُصاة وهذا صريحٌ في نفي وجوبِ التعذيبِ والتقييدُ بالتوبة وعدمِها كالمنافي له
﴿والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ تذييلٌ مقررٌ لمضمونِ قولِه تعالى يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء مع زيادة وفي تخصيص التذييلِ به دون قرينةٍ من الاعتناء بشأن المغفرةِ والرحمةِ ما لا يخفى
стр. 781
﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ الربا﴾ كلامٌ مبتدأٌ مشتمِلٌ على ما هو مَلاكُ الأمرِ في كل باب لا سيما في باب الجهادِ من التقوى والطاعةِ وما بعدهما من الأمور المذكورةِ على نهج الترغيبِ والترهيبِ جيء به في تضاعيفِ القصةِ مسارعةً إلى إرشاد المخاطَبين إلى ما فيه وإيذاناً بكمالِ وجوبِ المحافظةِ عليه فيمَا هُم فيهِ من الجهاد فإن الأمورَ المذكورةَ فيه مع كونها مناطاً للفوز في الدارين على الإطلاق عُمدةٌ في أمر الجهادِ عليها يدورُ فلكُ النُّصرةِ والغلَبة كيف لا ولو حافظوا على الصبر والتقوى وطاعة الرسول ﷺ لما لقُوا ما لقُوا ولعل إيرادَ النهي عن الربا في أثنائها لِما أن الترغيبَ في الإنفاق في السراء والضراءِ الذي عُمدتُه الإنفاقُ في سبيل الجهادِ متضمنٌ للترغيب في تحصيل المالِ فكان مظِنةَ مبادرة الناس إلى طرق الاكتساب ومن جملتها الربا فنُهوا عن ذلك والمرادُ بأكله أخذُه وإنما عُبر عنه بالأكل لما أنه مُعظم ما يقصَد بالأخذ ولشيوعه في المأكولات مع ما فيه من زيادة تشنيع وقوله
﴿أضعافا مضاعفة﴾ ليس لتقييد النهي به بل لمراعاةِ ما كانوا عليه من العادة توبيخاً لهم بذلك إذ كان الرجلُ يُرْبي إلى أجلٍ فإذا حل قال للمَدين زدْني في المال حتى أزيدك في الأجل فيفعلُ وهكذا عند محلِّ كلِّ أجلٍ فيستغرق بالشيء الطفيفِ مالَه بالكلية ومحلُّه النصبُ عَلى الحاليّةِ من الربا وقرئ مُضَعَّفَةً
﴿واتقوا الله﴾ فيما نهيتم عنه من الأمور التي من جملتها الربا
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ راجين للفلاح
стр. 782
﴿واتقوا النار التى أُعِدَّتْ للكافرين﴾
стр. 783
بالتحرز عن متابعتهم وتعاطي ما يتعاطَوْنه كان أبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول هي أخوفُ آيةٍ في القرآن حيث أوعدَ الله المؤمنين بالنار المُعَدَّة للكافرين إن لم يتّقوه في اجتناب محارمِه
стр. 784
﴿وَأَطِيعُواْ الله﴾ في كلِّ ما أمركم به ونهاكم عنه
﴿والرسول﴾ الذي يبلّغكم أوامرَه ونواهيَه
﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ راجين لرحمته عقّب الوعيدَ بالوعد ترهيباً عن المخالفة وترغيباً في الطاعة وإيرادُ لَعَلَّ في الموضعين للإشعار بعزة منالِ الفلاحِ والرحمة قال محمد بن اسحق هذه الآيةُ معاتبةٌ للذين عصوا رسول الله ﷺ حين أمرهم بما أمرهم يومَ أحُد
стр. 785
﴿وَسَارِعُواْ﴾ عطفٌ على أطيعوا وقرئ بغير واو على وجه الاستئنافِ أي بادروا وأقبلوا وقرئ سابقوا
﴿إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ أي إلى ما يؤدي إليهما وقيل إلى الإسلام وقيل إلى التوبة وقيل إلى الإخلاص وقيل إلى الجهاد وقيل إلى أداء جميعِ الواجباتِ وتركِ جميعِ المنهيَّاتِ فيدخُل فيها ما مر من الأمور المأمور بها والمنهي عنها دخولاً أولياً وتقديمُ المغفرةِ على الجنةِ لما أنَّ التخليةَ متقدِّمةٌ على التحلية ومِنْ متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً لمغفرة أي كائنةٍ من ربكم والتعرضُ لعنوانِ الربوبيةِ مع الإضافةِ إلى ضميرِ المخاطبينَ لإظهار مزيدِ اللطفِ بهم وقولُه تعالى
﴿عرضها السماوات والارض﴾ أي كعرضهما صفةٌ لجنةٍ وتخصيصُ العَرْض بالذكر للمبالغة في وصفها بالسِّعة والبسطةِ على طريقة التمثيلِ فإن العَرْضَ في العادة أدنى من الطول وعن ابن عباس ﵄ كسبع سمواتٍ وسبعِ أرضينَ لو وُصل بعضُها ببعض
﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ في حيِّز الجرِّ على أنه صفةٌ أخرى لجنة أو في محلِّ النَّصبِ على الحالية منها لتخصُّصها بالصفة أي هُيِّئَتْ لهم وفيه دليلٌ على أنَّ الجنةَ مخلوقةٌ الآن وأنها خارجةٌ عن هذا العالم
стр. 786
﴿الذين يُنفِقُونَ﴾ في محل الجرِّ على أنه نعتٌ للمتقين مادحٌ لهم أو بدلٌ منه أو بيانٌ أو في حيزِ النصبِ أو الرفع على المدح ومفعولُ ينفقون محذوفٌ ليتناولَ كلَّ ما يصلُح للإنفاق أو متروكٌ بالكلية كما في قولك يُعطي ويمنَع
﴿فِى السَّرَّاء والضراء﴾ في حالتي الرخاءِ والشدة واليُسر والعُسر أو في الأحوال كلِّها إذ الإنسانُ لا يخلو عن مَسَرة أو مضَرَّة أي لا يخلُون في حال ما بإنفاق ما قدَروا عليه من قليل أو كثير
﴿والكاظمين الغيظ﴾ عطفٌ على الموصول والعدولُ إلى صيغة الفاعلِ للدِلالة على الاستمرار وأما الإنفاقُ فحيث كان أمراً متجدداً عبّر عنه بما يفيد الحدوث والتجدد والكظمُ الحبسُ يقال كظَم غيظه أي حبَسه قال المُبرِّدُ تأويلُه أنه كتمه على امتلائه منه يقال كظمتُ السقاءَ إذا ملأتُه وشددتُ عليه أي المُمْسِكين عليه الكافّين عن إمضائه مع القُدرة عليه وعن النبيِّ ﷺ من كظم غيظاً وهو قادرٌ على إنفاذِه ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً
﴿والعافين عن الناس﴾
стр. 787
١٣٥ - آل عمران
أي التاركين عقوبةَ من استحق مؤاخذتَه رُوي أنه ينادي منادٍ يومَ القيامة أين الذين كانت أجورُهم على الله تعالى فلا يقوم إلا من عفا وعن النبيِّ ﷺ إن هؤلاءِ في أمتي قليلٌ ألا من عصَم الله وقد كانوا كثيراً في الأمم التي مضت وفي هذين الوصفين إشعارٌ بكمال حُسنِ موقعِ عفوِه ﵊ عن الرماة وتركِ مؤاخذتِهم بما فعلوا مخالفة أمرِه ﵇ وندبٌ له ﵇ إلى ترك ما عزَم عليه من مجازاة المشركين بما فعلوا بحمزة ﵁ حيث قال حين رآه قد مُثِّل به لأمثّلنّ بسبعين مكانك
﴿والله يُحِبُّ المحسنين﴾ اللامُ إما للجنس وهم داخلون فيه دخولاً أولياً وإما للعهد عبّر عنهم بالمحسنين إيذاناً بأن النعوتَ المعدودةَ من باب الإحسانِ الذي هو الإتيانُ بالأعمال على الوجه اللائقِ الذي هو حسنُها الوصفيُّ المستلزِمُ لحسنها الذاتي وقد فسره ﵇ بقولِه أنْ تعبدَ الله كأنَّك تراهُ فإنْ لم تكنْ تراهُ فإنَّهُ يَرَاكَ والجملةُ تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبلَها
стр. 788
﴿والذين﴾ مرفوعٌ على الابتداء وقيل مجرورٌ معطوفٌ على ما قبله من صفات المتقين وقوله تعالى ﴿والله يُحِبُّ المحسنين﴾ اعتراضٌ بينهما مشيرٌ إلى ما بينهما من التفاوت فإن درجةَ الأولين من التقوى أعلى من درجة هؤلاءِ وحظِّهم اوفى من حظهم أو على نفس المتقين فيكونُ التفاوتُ أكثرَ وأظهرَ
﴿إِذَا فَعَلُواْ فاحشة﴾ أي فَعلةً بالغةً في القُبح كالزنا
﴿أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾ بأن أتَوْا ذنباً أيَّ ذنبٍ كان وقيل الفاحشةُ الكبيرةُ وظلمُ النفسِ الصغيرة أو الفاحشةُ ما يتعدّى إلى الغير وظلمُ النفس ما ليس كذلك قيل قال المؤمنون يا رسولَ الله كانت بنو إسرائيلَ أكرمَ على الله تعالى منا كان أحدُهم إذا أذنب أصبحت كفارةُ ذنبِه مكتوبةً على عَتَبة دارِه افعلْ كذا فأنزل الله تعالى هذه الآيةَ وقيل إن نبهانَ التمار أتتْه امرأةٌ حسناءُ تطلُب منه تمراً فقال لها هذا التمرُ ليس بجيد وفي البيت أجودُ منه فذهب بها إلى بيته فضمّها إلى نفسه وقبّلها فقالت له اتق الله فتركها وندِم على ذلك وأتى النبيِّ ﷺ وذكر له ذلك فنزلت وقيل جرى مثلُ هذا بين أنصاري وإمرأة ورجل ثقفي كان بينهما مؤاخاةٌ فندم الأنصاريُّ وحثا على رأسه الترابَ وهام على وجهه وجعل يسيح في الجبال تائباً مستغفِراً ثم أتى النبيِّ ﷺ فنزلت وأياً ما كان فإطلاقُ اللفظِ ينتظم ما فعله الزُناةُ انتظاماً أولياً
﴿ذَكَرُواْ الله﴾ تذكّروا حقَّه العظيمَ وجلالَه الموجبَ للخشية والحياء أو وعيدَه أو حُكمَه وعقابَه
﴿فاستغفروا لِذُنُوبِهِمْ﴾ بالتوبة والندمِ والفاءُ للدَلالة على أن ذكرَه تعالى مستتبعٌ للاستغفار لا محالة
﴿وَمَن يَغْفِرُ الذنوب﴾ استفهامٌ إنكاريٌّ والمرادُ بالذنوب جنسُها كما في قولك فلانٌ يلبَس الثيابَ ويركب الخيلَ لا كلُّها حتى يُخِلّ بما هو المقصودُ من استحالة صدورِ مغفرةِ فردٍ منها عن غيره تعالى وقوله تعالى
﴿إِلَاّ الله﴾ بدلٌ من الضَّمير المستكِّنِ في يغفر أي لا يغفرُ جنسَ الذنوبِ أحدٌ إلا الله خلا أن دلالة الإستفهام على الانتفاء أقوى وأبلغُ لإيذانه بأن كلَّ أحدٍ ممن له حظٌّ من الخطاب يعرِف ذلك الانتفاءَ فيسارع إلى الجواب به والمرادُ به وصفُه سبحانه بغاية سَعةِ الرحمةِ وعمومِ المغفرةِ والجملةُ معترضةٌ بين المعطوفين أو
стр. 789
١٣٦ - ١٣٧ آل عمران
بين الحالِ وصاحبِها لتقرير الاستغفارِ والحث عليه والإشعارِ بالوعد بالقَبول
﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ﴾ عطفٌ على فاستغفروا وتأخيرُه عنه مع تقدم عدمِ الإصرار على الاستغفار رتبةً لإظهار الاعتناءِ بشأن الاستغفارِ واستحقاقِه للمسارعة إليه عَقيبَ ذكرِه تعالى أو حالٌ من فاعلِه أي ولم يُقيموا أو غيرَ مقيمين
﴿على مَا فَعَلُواْ﴾ أي ما فعلوه من الذنوب فاحشةً كانت أو ظلماً أو على فعلهم روى عنِ النبيِّ ﷺ أنه قال ما أصرّ من استغفر وإن عاد في اليَّومِ سبعينَ مَرَّة وأنه لا كبيرةَ مع الاستغفار ولا صغيرةَ مع الإصرار
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ حالٌ منْ فاعل يُصِروا أي لم يصيروا على ما فعلوا وهم عالمون بقُبحه والنهيِ عنه والوعيدِ عليه والتقييدُ بذلك لما أنه قد يُعذر من لا يعلم ذلك إذا لم يكن عن تقصير في تحصيل العلم به
стр. 790
﴿أولئك﴾ إشارةٌ إلى المذكورين آخِراً باعتبار اتصافِهم بما مرَّ من الصفات الحميدةِ وما فيه من معنى البُعد للإشعارِ ببُعد منزلتِهم وعلوِّ طبقتِهم في الفضل وهو مبتدأ وقوله تعالى
﴿جَزَآؤُهُمْ﴾ بدلُ اشتمالٍ منه وقوله تعالى
﴿مَغْفِرَةٌ﴾ خبرٌ له أو جزاؤهم مبتدأٌ ثانٍ ومغفرةٌ خبر له والجملةُ خبرٌ لأولئك وهذه الجملةُ خبر لقوله تعالى والذين إِذَا فَعَلُواْ الخ على الوجه الأولِ وهو الأظهرُ الأنسبُ بنظم المغفرةِ المنبئةِ عن سابقةِ الذنبِ في سلك الجزاءِ إذ على الوجهين الأخريين يكون قولُه تعالى أولئك الخ جملةٌ مستأنَفةٌ مبينةٌ لما قبلها كاشفةً عن حال كلا الفريقين المحسنين والتائبين ولم يُذكَرْ من أوصاف الأولين ما فيه شائبةُ الذنبِ حتى يُذكَرَ في مطلَع الجزاءِ الشاملِ لها المغفرةُ وتخصيصُ الإشارةِ بالآخِرين مع اشتراكهما في حكم إعدادِ الجنةِ لهما تعسُّفٌ ظاهر
﴿مّن رَّبّهِمُ﴾ متعلقٌ بمحذوفٍ وقع صفةٌ لمغفرةٌ مؤكدةٌ لما أفادَه التنوينُ من الفخامةِ الذاتيةِ بالفخامةِ الإضافيةِ أي كائنة من جهته تعالَى والتعرضُ لعنوانِ الربوبيةِ مع الإضافةِ إلى ضميرِهم للإشعار بعلة الحُكمِ والتشريفِ
﴿وجنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ عطفٌ على مغفرة والتنكر المُشعِرُ بكونها أدنى من الجنة مما يؤيد رُجحانَ الوجهِ الأول
﴿خالدين فِيهَا﴾ حالٌ مقدرةٌ من الضمير في جزاؤهم لأنه مفعولٌ به في المعنى لأنه في قوة يجزيهم الله جناتٌ خالدين فيها ولا مَساغَ لأنْ يكونَ حالاً من جناتٌ في اللفظ وهي لأصحابها في المعنى إذ لو كان كذلك لبرز الضمير
﴿وَنِعْمَ أَجْرُ العاملين﴾ المخصوصُ بالمدح محذوفٌ أي ونعم أجرُ العاملين ذلك أي ما ذكر من المغفرة والجناتِ والتعبيرُ عنهما بالأجر المشعرِ بأنهما يُستحقان بمقابلة العمل وإن كان بطريق التفضُّل لمزيد الترغيبِ في الطاعات والزجرِ عن المعاصي والجملةُ تذييلٌ مختصٌّ بالتائبين حسبَ اختصاصِ التذييلِ السابق بالأولين وناهيك مضمونها دليلا على مابين الفريقين من التفاوت النيِّرِ والتبايبن البيِّن شتانَ بين المحسنين الفائزين بمحبة الله وبيّن العاملين الحائزين لأُجرتهم وعمالتِهم
стр. 791
﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ رجوعٌ إلى تفصيل بقيةِ القصةِ بعد تمهيدِ مبادئ الرشدِ والصلاح وترتيبِ مقدماتِ الفوز والفلاح
стр. 792
١٣٨ - ١٣٩ آل عمران
والخلو المضى والسنن والوقائع وقيل الأممُ والظرفُ إما متعلقٌ بخلَتْ أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً من سننٌ أي قد مضت من قبل زمانِكم أو كائنةً من قبلكم وقائعُ سنها الله تعالى في الأمم المكذِّبة كما في قوله تعالى وَقُتّلُواْ تَقْتِيلاً سُنَّةَ الله فِى الذين خَلَوْاْ الخ والفاءُ في قوله تعالى
﴿فَسِيرُواْ فِى الأرض فانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين﴾ للدِلالة على سببية خلوِّها للسير والنظر أو للأمر بهما وقيل المعنى على الشرط أي إنْ شككتم فسيروا الخ وكيف خبرٌ مقدمٌ لكان معلقٌ لفعلِ النظرِ والجملةُ في محل النصب بعد نزع الخافض لأن الأصلَ استعمالُه بالجار
стр. 793
﴿هَذَا﴾ إشارةٌ إلى ما سلف من قولِه تعالى ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ إلى آخره
﴿بَيَانٌ لّلنَّاسِ﴾ أي تبيينٌ لهم على أن اللامَ متعلقةٌ بالمصدر أو كائنٌ لهم على أنها متعلقةٌ بمحذوف وقع صفة له وتعريفُ الناس للعهد وهم المكذبون أي هذا إيضاحٌ لؤ عاقبةِ ما هُم عليهِ من التكذيب فإن الأمرَ بالسير والنظرِ وإن كان خاصاً بالمؤمنين لكن العملَ بموجبه غيرُ مختصَ بواحد دون واحدٍ ففيه حملٌ للمكذبين أيضاً على أن ينظُروا في عواقب مَنْ قبلَهم من أهل التكذيبِ ويعتبروا بما يعاينون من آثار دمارِهم وإن لم يكن الكلامُ مَسوقاً لهم
﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ﴾ أي وزيادةُ بصيرةٍ وموعظةٍ لكم وإنما قيل
﴿لّلْمُتَّقِينَ﴾ للإيذان بعلة الحُكمِ فإن مدارَ كونِه هدىً وموعظةً لهم إنما هو تقواهم ويجوز أن يُرادَ بالمتقين الصائرين إلى التقوى والهدى والموعظة على ظاهرهما أي هذا بيانٌ لمآل أمرِ الناسِ وسوءِ مَغبّتِه وهدايةٌ لمن اتقى منهم وزجرٌ لهم عمَّا هُم عليهِ من التكذيب وأن يُراد به ما يُعمهم وغيرَهم من المتقين بالفعل ويُرادَ بالهدى والموعظةِ أيضاً ما يعُم ابتداءَهما والزيادةَ فيهما وإنما قُدّم كونُه بياناً للمكذبين مع أنه غيرُ مَسوق له على كونه هدىً وموعظةً للمتقين مع أنه المقصودُ بالسياق لأن أولَ ما يترتب على مشاهدة آثارِ هلاكِ أسلافِهم ظهورُ حالِ أخلافِهم وأما زيادةُ الهدى أو أصلِه فأمرٌ مترتبٌ عليه وتخصيصُ البيانِ للناس مع شموله للمتقين أيضاً لما أنَّ المرادَ به مجردُ البيانِ العاري عن الهدى والعظةِ والاقتصار عليهما في جانب المتقين مع ترتّبهما على البيان لما أنهما المقصِدُ الأصليُّ ويجوز أن يكون تعريفُ الناسِ للجنس أي هذا بيانٌ للناس كافةً وهدى وموعظةٌ للمتقين منهم خاصة وقيل كلمةُ هَذَا إشارةٌ إلى ما لُخِّص من أمر المتقين والتائبين والمُصِرِّين وقوله تعالى قَدْ خلت الآية اعتراض للبعث على الإيمان وما يُستحَقّ به ما ذُكر من أجر العاملين وأنت خبيرٌ بأن الاعتراضَ لا بد أن يكون مقرِّراً لمضمون ما وقع في خلاله ومعاينةُ آثارِ هلاكِ المكذبين مما لا تعلُّقَ له بحال أحدِ الأصنافِ الثلاثةِ للمؤمنين وإن كان باعثاً على الإيمان زاجراً عن التكذيب وفيل إشارةٌ إلى القرآن ولا يخفى بُعدُه
стр. 794
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ تشجيعٌ للمؤمنين وتقويةٌ لقلوبهم وتسليةٌ عما أصابهم يوم أحُدٍ من القتل والقرحِ وكان قد قُتل يومئذ خمسةٌ من المهاجرين حمزةُ بنِ عبد المطلبِ ومصعب بنُ عميرٍ صاحبُ رايةِ رسول الله ﷺ وعبدُ اللَّه بنُ جحشٍ ابن عمة النبيِّ ﷺ وعثمان بن شماس وسعد مولى عتبه
стр. 795
١٤٠ - آل عمران
رضوانُ الله تعالَى عليهم أجمعين ومن الأنصار سبعون رجلا ﵃ أي لا تضعُفوا عن الجهاد بما نالكم من الجراح ولا تحزَنوا على مَنْ قتل منكم
﴿وَأَنتُمُ الاْعْلَوْنَ﴾ جملةٌ حاليةٌ من فاعلِ الفعلين أي والحالُ أنكم الأعلَوْن الغالبون دون عدوِّكم فإن مصيرَ أمرِهم إلى الدمار حسبما شاهدتم من أحوال أسلافِهم فهو تصريحٌ بالوعد بالنصر والغلبةِ بعد الإشعار به فيما سبق أو وأنتم المعهودون بغاية علوا الشانِ لما أنكم على الحق وقتالكم لله وقَتْلاكم في الجنة وهم على الباطل وقتالُهم للشيطان وقَتْلاهم في النار وقيل وأنتم الأعلَوْن حالاً منهم حيث أصبتم منهم يومَ بدرٍ أكثرَ مما أصابوا منكم اليوم
﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ متعلقٌ بالنهي أو بالأعلون وجوابُه محذوفٌ لدَلالة ما تعلق به عليهِ أيْ إنْ كنتُم مؤمنين فلا تهِنوا ولا تحزَنوا فإن الإيمانَ يوجب قوةَ القلب والثقةَ بصنع الله تعالى وعدمَ المبالاة بأعدائه أو إن كنتم مؤمنين فأنتم الأعلَوْن فإن الإيمانَ يقتضي العلوَّ لا محالةَ أو إن كنتم مصدقين بوعد الله تعالى فأنتم الأعلَوْن وأيَاً ما كانَ فالمقصودُ تحقيف المعلقِ بناءً على تحقيقُ المعلَّقِ به كما في قولِ الأجير إنْ كنتُ عمِلتُ لك فأعطني أجري ولذلك قيل معناه إذ كنتم مؤمنين وقيل معناه إنْ بقيتم على الإيمان
стр. 796
﴿إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القوم قَرْحٌ مّثْلُهُ﴾ القرحُ بالفتح والضم لغتان كالضَّعف والضعف وقد قرئ بهما وقيل هو بالفتح والجراح وبالضم ألمها وقرئ بفتحين وقيل القرح والقرح كالطرد والطرد والمعنى إن نالوا منكم يومَ أحُدٍ فقد نِلتم منهم قبله يومَ بدر ثم لم يضعف ذلك قلوبهم ولم يُثَبِّطْهم عن معاودتكم بالقتال فأنتم أحقُّ بأن لا تضعُفوا فإنكم ترجون من الله مالا يرجون وقيل كلا المَسَّيْنِ كان يوم أحُد فإن المسلمين نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمرَ رسولِ الله ﷺ قَتلوا منهم نيفاً وعشرين رجلاً منهم صاحبُ لوائِهم وجرحوا عدداً كثيراً وعقَروا عامة خيلِهم بالنبل
﴿وَتِلْكَ الايام﴾ إشارةٌ إلى الأيام الجارية فيما بين الأمم الماضية والآتية كافة لا إلى الأيامِ المعهودةِ خاصةً من يوم بدرٍ ويومِ أحدٍ بل هي داخلةٌ فيها دخولاً أولياً والمرادُ بها أوقاتُ الظَفَرِ والغَلَبةِ
﴿نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس﴾ نُصَرِّفها بينهم نُديلُ لهؤلاء تارةً ولهؤلاء أخرى كقول من قال ... فيوماً علينا ... ويوماً لنا ويوماً نُساءُ ويوماً نُسَرّ ...
والمداولةُ كالمعاورة يقال داولتُه بينهم فتداولوه أي عاورْتُه فتعاوره واسمُ الإشارةِ مبتدأ والأيامُ إما صفةٌ له أو بدلٌ منه أو عطفُ بيان له فنداولها خبره أو خبر فنداولها حالٌ من الأيام والعاملُ معنى اسمِ الإشارةِ أو خبرٌ بعد خبرٍ وصيغةُ المضارعِ الدالةُ على التجدد والاستمرارِ للإيذان بأن تلك المداولةَ سنةٌ مسلوكةٌ فيما بين الأممِ قاطبةً سابقتِها ولاحقتِها وفيه ضربٌ من التسلية وقوله
﴿وليعلمَ الله الذين آمنوا﴾ إما من باب التمثيلِ أي ليعامِلَكم معاملةَ من يريد أن يَعلمَ المخلِصين الثابتين على الإيمان من غيرهم أو العلمُ فيه مجاز عن التمييز يطريق إطلاقِ اسمِ السببِ عَلى المسبَّب أي ليُميِّزَ الثابتين على الإيمان من غيرهم كما في قوله تعالى ما كان الله ليذر المؤمنين على مَا أَنتُمْ عليهِ حتى يميز
стр. 797
١٤١ - آل عمران
الخبيث مِنَ الطيب أو هو على حقيقته معتبَرٌ من حيث تعلُّقُه بالمعلوم من حيث إنه موجود بالفعل إذْ هُو الذي يدورُ عليه فلك الجزاء لا من حيث أنه موجودٌ بالقوة وإطلاقُ الإيمانِ مع أن المرادَ هو الرسوخُ والإخلاصُ فيه للإيذان بأن اسمَ الإيمانِ لا ينطلق على غيره والالتفاتُ إلى الغَيبة بإسناده إلى اسم الذاتِ المستجمِعِ للصفات لتربية المهابةِ والإشعارِ بأن صدورَ كلِّ واحدٍ مما ذكر بصدد التعليلِ من أفعاله تعالى باعتبار منشإٍ معيّنٍ من صفاته تعالى مغايرٌ لمنشإ الآخَر والجملةُ علةٌ لما هو فردٌ من أفراد مُطلقِ المداولةِ التي نطقَ بها قولُه تعالى نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس من المداولة المعهودةِ الجاريةِ بين لفريقي المؤمنين والكافرين واللامُ متعلقةٌ بما دل عليه المطلقُ من الفعل المقيَّدِ بالوقوع بين الفريقين المذكورين أو بنفس الفعلِ المطلقِ باعتبار وقوعِه بينهما والجملةُ معطوفةٌ على علةٍ أخرى لها معتبرةٍ إما على الخصوص والتعيينِ محذوفة لدَلالة المذكورةِ عليها لكونها من مباديها كأنه قيل نداولها بينكم وبين عدوِّكم ليظهرَ أمرُكم وليَعلَمَ الخ فإن ظهورَ أعمالِهم وخروجَها من القوةِ إلى الفعلِ من مبادى تمييزِهم عن غيرهم ومواجبِ تعلّقِ العلمِ الأزليِّ بها من تلك الحيثيةِ وكذا الحالُ في باب التمثيل فتأملْ وإما على العموم والإبهامِ للتنبيه على أن العللَ غيرُ منحصِرَةٍ فيها عُدِّد من الأمور وأن العبد يسوءه ما يجري عليه من النوائب ولا يشعُر بأن الله تعالى جعل له في ذلك من الألطاف الخفية مالا يخطر بالبال كأنه قيل نداولها بينكم ليكونَ من المصالح كيت وكيت وليَعلَمَ الخ وفيه من تأكيد التسليةِ ومزيدِ التبصرة مالا يخفى وتخصيصُ البيان بعلة هذا الفردِ من مطلقِ المداولةِ دون سائر أفرادِها الجاريةِ فيما بين بقيةِ الأممِ تعييناً أو إبهاماً لعدم تعلقِ الغرضِ العلميِّ ببيانها ولك أن تجعلَ المحذوفَ المبْهَمَ عبارةً عن علل سائرِ أفرادِها للإشارة إجمالاً إلى أن كلَّ فردٍ من أفرادها له علةٌ داعيةٌ إليه كأنه قيل نداولها بين الناس كافةً ليكونَ كيت وكيت من الحِكَم الداعيةِ إلى تلك الأفرادِ وليَعلمَ الخ فاللامُ الأولى متعلقةٌ بالفعل المطلق باعتبار تقييده بتلك اللإفراد والثانية باعتبار تقييده بالفرد المعهودِ وقيل هي متعلقةٌ بمحذوفٍ مؤخَّرٍ تقديرُه وليعلمَ الله الذين آمنوا فَعَل ذلك
﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء﴾ جمعُ شهيدٍ أي ويُكرِمَ ناساً منكم بالشهادة وهم شهداءُ أحُدٍ فمِنْ ابتدائيةٌ أو تبعيضيةٌ متعلقةٌ بيتخذ أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً من شهداءَ أو جمعُ شاهدٍ أي ويتخذ منكم شهوداً معدلين بما ظهر منهم من الثبات على الحق والصبرِ على الشدائد وغيرِ ذلك من شواهد الصدقِ ليشهدوا على الأممِ يومَ القيامةِ فمِنْ بيانيةٌ لأن تلك الشهادةَ وظيفةُ الكلِّ دون المستشهَدين فقط وأيا ما كان ففي لفظ الاتخاذ المنبئ عن الاصطفاء والتقريبِ من تشريفهم وتفخيم شأنهم مالا يخفى وقولُهُ تعالى
﴿والله لَا يُحِبُّ الظالمين﴾ اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبله ونفيُ المحبةِ كنايةٌ عن البغض وفي إيقاعه على الظالمين تعريضٌ بمحبته تعالى لمقابليهم والمرادُ بهم إما غيرُ الثابتين على الإيمان فالتقريرُ من حيث إن بغضَه تعالى لهم من دواعي إخراجِ المخلِصينَ المصطَفَيْنَ للشهادة من بينهم وإما الكفرةُ الذين أُديل لهم فالتقريرُ من حيث إن ذلك ليس بطريق النُصرةِ لهم فإنها مختصةٌ بأوليائه تعالى بل لِما ذُكر من الفوائدِ العائدةِ إلى المؤمنين وقوله تعالى
стр. 798
﴿وليمحص الله الذين آمنوا﴾ أي ليُصَفِّيَهم ويُطهرَهم من
стр. 799
١٤٢ - آل عمران
الذنوب عطفٌ على يتخذ وتكريرُ اللامِ لتذكير التعليلِ لوقوع الفصلِ بينهما بالاعتراض وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موقع الإضمار لإبراز مزيد الاعتناءِ بشأن التمحيصِ وهذه الأمورُ الثلاثة عللٌ للمداولة المعهودةِ باعتبار كونِها على المؤمنين قُدِّمت في الذكر لأنها المحتاجةُ إلى البيان ولعل تأخيرَ العلةِ الأخيرةِ عن الاعتراض لئلا يُتوَهَّمَ اندراجُ المذنبين في الظالمين أو ليقترن بقوله
﴿وَيَمْحَقَ الكافرين﴾ فإن التمحيصَ فيه محوُ الآثارِ وإزالةُ الأوضارِ كما أن المَحْقَ عبارة عن النفص والإذهاب قال المفضل وهو أن يذهب الشئ بالكلية حتى لا يرى منه شئ ومنه قولُه تعالى يَمْحَقُ الله الربا أي يستأصله وهذه علة للمداولة باعتبار كونها على الكافرين والمرادُ بهم الذين حاربوا رسولَ الله ﷺ يومَ أحُدٍ وأصرّوا على الكفر وقد محقَهم الله جميعاً
стр. 800
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ كلامٌ مستأنفٌ سيق لبيان ما هي الغايةُ القصوى من المُداولة والنتيجةِ لما ذُكر من تمييز المخلِصين وتمحيصِهم واتخاذِ الشهداءِ وإظهارِ عزةِ منالِها والخطابُ للذين انهزموا يوم أحُدٍ وأمْ منقطعةٌ وما فيها من كلمةِ بل للإضراب عن التسلية ببيان العلل فيما لقُوا من الشدّة إلى تحقيق أنها من مبادى الفوزِ بالمطلب الأسني والهمزةُ للإنكار والاستبعاد أي بل أحسِبتم
﴿أَن تدخلوا الجنة﴾ وتفوزوا بنعيمها وقوله تعالى
﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ﴾ حالٌ من ضمير تدخُلوا مؤكدةٌ للإنكار فإن رجاءَ الأجرِ بغير عملٍ ممن يعلم أنه منوطٌ به مستبعَدٌ عند العقولِ وعدمُ العلم كنايةٌ عن عدم المعلومِ لما بينهما من اللزومِ المبنيِّ على لزوم تحققِ الأولِ لتحقق الثاني ضرورةَ استحالةِ تحقق شئ بدون علمِه تعالى به وإيثارُها على التصريح للمبالغة في تحقيق المعنى المرادِ فإنها إثباتٌ لعدم جهادِهم بالبرهان وللإيذان بأن مدارَ ترتبِ الجزاءِ على الأعمال إنما هو علمُ الله تعالى بها كأنه قيل والحالُ أنه لم يوجَد الذين جاهدوا منكم وإنما وجه النفيُ إلى الموصوفين مع أن المنفيَّ هو الوصفُ فقط وكان يكفي أن يقال ولما يعلمِ الله جهادَكم كنايةً عن معنى ولما تجاهدوا للمبالغةِ في بيانِ انتفاءِ الوصفِ وعدمِ تحققِه أصلاً وفي كلمة لما إيذانٌ بأن الجهادَ متوقَّعٌ منهم فيما يُستقبل إلا أنه غيرُ معتبَرٍ في تأكيد الإنكار وقرئ يعلمَ بفتح الميم على أن أصله يعلَمَن فحُذفت النونُ أو على طريقة إِتباعِ الميمِ لما قبلها في الحركة لإبقاء تفخيمِ اسم الله تعالى ومنكم حالٌ من الذين
﴿وَيَعْلَمَ الصابرين﴾ منصوبٌ بإضمار أن على أن الواوَ للجمع كما في قولك لا تأكُلِ السمكَ وتشرَبَ اللبن أي لا يكن منك أكلُ السمك وشربُ اللبن والمعنى أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تدخُلوا الجنة والحالُ أنه لم يتحقق منكم الجهادُ والصبرُ أي الجمعُ بينهما وإيثارُ اسمِ الفاعلِ على الموصول للدِلالة على أن المعتبرَ هو الاستمرارُ على الصبر وللمحافظة على الفواصلِ وقيل مجزومٌ معطوفٌ على المجزوم قبله قد حُرِّك لالتقاء الساكنين بالفتح للخِفة والإتباعِ كما مر ويؤيِّده القراءةُ بالكسر على ما هو الأصلُ في تحريك الساكن وقرئ يعلمُ بالرفع على أنَّ الواوُ للحالِ وصاحبُها الموصولُ والمبتدأُ محذوفٌ أي وهو يعلمُ الصابرين كأنه قيل ولما تجاهدوا وأنتم صابرون
стр. 801
١٤٣ - ١٤٤ آل عمران
стр. 802
﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الموت﴾ أي تتمنُّون الحربَ فإنها من مبادئ الموتِ أو الموتَ بالشهادة والخطابُ للذين لم يشهدوا بدراً وكانوا يتمنَّوْن أن يشهدوا مع رسول الله ﷺ مشهداً لينالوا ما ناله شهداءُ بدرٍ من الكرامة فألحُّوا على رسُولِ الله ﷺ في الخروج ثم ظهر منهم خلافُ ذلك
﴿مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ﴾ متعلقٌ بتَمنَّون مبينٌ لسبب إقدامِهم على التمنى من قبل أن تشاهدوه وتعرفوا هوله وشدته وقرئ تلاقوه
﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ أي ما تتمنَّونه من أسباب الموتِ أو الموتَ بمشاهدة أسبابِه وقولُه تعالى
﴿وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ حالٌ من ضميرِ المخاطبينَ وفي إيثار الرؤيةِ على الملاقاة وتقييدِها بالنظر مزيدُ مبالغةٍ في مشاهدتهم له والفاءُ فصيحةٌ كأنه قيل إِن كُنتُمْ صادقين في تمنيكم ذلك فقد رأيتُموه معاينين له حين قُتل بين أيديكم مَنْ قُتل من إخوانكم وأقاربكم وشارفتم أن تُقتلوا فلِمَ فعلتم ما فعلتم وهو توبيخٌ لهم على تمنِّيهم الحربَ وتسبُّبهم لها ثم جُبنِهم وانهزامِهم لا على تمني الشهادةِ بناءً على تضمُّنها لغلَبة الكفارِ لما أن مطلبَ من يتمنّاها نيلُ كرامةِ الشهداءِ من غير أن يخطُر بباله شئ غيرُ ذلك فلا يستحِقُّ العتابَ من تلك الجهة
стр. 803
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَاّ رَسُولٌ﴾ مبتدأٌ وخبرٌ ولا عمل لما بالاتفاق لانتقاض نفيِه بإلا وقوله تعالى
﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل﴾ صفة لرسول منبئة عن كونه في شرف الخُلوِّ فإن خلوَّ مشاركيه في منصِب الرسالةِ من شواهد خلوة ﵊ لا محالة كأنه قيل قد خلت من قبله أمثالُه فسيخْلو كما خلَوْا والقصرُ قلبيٌّ فإنهم لمّا انقلبوا على أعقابهم فكأنهم اعتقدوا أنه ﵊ رسولٌ لا كسائر الرسلِ في أنه يخلو كما خلوا ويحب التمسكُ بدينه بعده كما يجب التمسك بدينهم بعدَهم فرُدَّ عليهم بأنه ليس إلا رسولاً كسائر الرسلِ فسيخلو كما خلَوْا ويجب التمسكُ بدينه كما يجب التمسكُ بدينهم وقيل هو قصرُ إفرادٍ فإنهم لما استعظموا عدم بقائه ﵊ لهم نُزِّلوا منزلةَ المستبعِدين لهلاكه كأنهم يعتقدون فيه ﵊ وصفَيْن الرسالة والبعدَ عن الهلاك فرُدَّ عليهم بأنه مقصور على الرسالة لايتجاوزها إلى البعد عن الهلاك فلا بد حينئذٍ من جعل قوله تعالى قَدْ خَلَتْ الخ كلاماً مبتدأً مَسوقاً لتقرير عدمِ براءتِه ﵊ من الهلاك وبيانِ كونِه أُسوةً لمن قبلَهُ من الرُّسلِ ﵈ وأياً ما كان فالكلامُ يخرج على خلاف مقتضى الظاهرِ
﴿أفَإِنْ مَاتَ أوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلى أعْقَابِكُمْ﴾ إنكارٌ لارتدادهم وانقلابِهم عن الدين بخُلوِّه بموتٍ أو قتلٍ بعد علمِهم بخلوِّ الرسلِ قبله وبقاءِ دينِهم متمسَّكاً به وقيل الفاءُ للسببية والهمزةُ لإنكار أن يجعلوا خُلوَّ الرسلِ قبله سبباً لانقلابهم بعد وفاتِه مع كونه سبباً في الحقيقة لثباتهم على الدين وإيرادُ الموتِ بكلمة إن مع علمهم به اْلبتةَ لتنزيل المخاطبين منزلةَ المتردِّدين فيه لما ذُكر من استعظامهم إياه وهكذا الحالُ في سائر المواردِ فإن كلمةَ إنْ في كلام الله تعالى لا تجري على ظاهرها قطُّ ضرورة علمِه تعالى بالوقوع
стр. 804
أو اللاوقوعِ بل تُحملُ على اعتبار حالِ السامعِ أو أمرٍ آخرَ يناسب المقامَ وتقديمُ تقديرِ الموتِ مع أن تقديرَ القتلِ هو الذي ثار منه الفتنةُ وعظُم فيه المحنةُ لِما أن الموتَ في شرف الوقوعِ فزجرُ الناسِ عن الانقلاب عنده وحملهم على التثبيت هناك أهمُّ ولأن الوصفَ الجامعَ بينه وبين الرسلِ ﵈ هو الخلوُّ بالموت دون القتل روي أنه لما التقى الفئتانِ حمل أبو دجانةَ في نفرٍ من المسلمين على المشركين فقاتل قِتالاً شديداً وقاتل عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁ قتالاً عظيماً حتى التوى سيفُه وكذا سعدُ بنُ أبي وقاصٍ فقتلوا جماعةً من المشركين وهزموهم فلما نظر الرماةُ إليهم ورأَوْا أنهم قد انهزموا أقبلوا على النَّهْب ولم يلتفتوا إلى نهي أميرهم عبد الله بن جبيرٍ فلم يبقَ منهم عنده إلا ثمانيةُ نفرٍ فلما رآهم خالدُ بنُ الوليدِ قد اشتغلوا بالغنيمة حمل عليهم في مائتين وخمسين فارساً من المشركين من قبل الشعب وقتلوا من بقيَ من الرُماة ودخلوا خلفَ أقفيةِ المسلمين ففرّقوهم وهزموهم وحملوا على أصحاب رسول الله ﷺ وقاتلوهم حتى أصيب هناك نحوُ ثلاثين رجلاً كلٌّ منهم يجثوا بين يديه ويقول وجهي لوجهك وقاء ونفسي لنفسك فداءٌ وعليك سلامُ الله غيرَ مُودَّعٍ ورمى عبدُ اللَّه بنُ قميئةَ الحارثي رسول الله ﷺ بحجر فكسر رَباعيتَه وشجُّ وجهَه الكريمَ فذبّ عنه مصعب بن عمير ﵁ وكان صاحبَ الرايةِ حتى قتله ابنُ قميئة وهو يزعُم أنه قتل النبيَّ ﷺ فقال قتلت محمدا وصارخ قيل إنه إبليسُ ألا أن محمداً قد قُتل فانكفأ الناسُ وجعل الرسولُ ﷺ يدعو إليَّ عبادَ الله قال كعبُ بنُ مالك كنت أولُ من عرف رسول الله ﷺ من المسلمين فناديت بأعلى صوتي يا معشرَ المسلمين هذا رسول الله ﷺ فانحاز إليه ثلاثون من أصحابه وحموه حتى كشفوا عنه المشركين وتفرّق الباقون وقال بعضُهم ليت بن أُبيَ يأخذ لنا أماناً من أبي سفيانَ وقال ناس من المنافقين لو كانَ نبيَّاً لما قُتل ارجِعوا إلى إخوانكم وإلى دينكم فقال أنسُ بنُ النضر وهو عمُّ أنسِ بنِ مالكٍ يا قوم إن كان قُتل محمدٌ فإن ربَّ محمدٍ حيٌّ لا يموت وما تصنعون بالحياة بعد رسولِ الله ﷺ فقاتِلوا على ما قاتل عليه وموتوا كِراماً على ما مات عليه ثم قال اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاءِ وأبرَأُ إليك مما جاء به هؤلاء ثم شدّ بسيفه وقاتل حتى قُتل وتجويزهم لقتله ﵊ مع قوله تعالى ﴿والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس﴾ لما أن كلَّ آيةٍ ليس يسمعها كلُّ أحدٍ ولا كلُّ من يسمعها يستحضِرُها في كل مقام لاسيما في مثل ذلك المقامِ الهائل وقد غفَل عمرُ ﵁ عن هذه الآية الكريمةِ عند وفاته ﵊ وقام في الناس فقال إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله ﷺ توفي وإن رسولَ الله ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران فغاب عن قومه أربعين ليلةً ثم رجع والله ليرجِعَنَّ رسول الله ﷺ ولأُقطِّعن أيديَ رجالٍ وأرجلَهم يزعمون أن رسول الله ﷺ مات ولم يزل يكرِّرُ ذلك إلى أن قام أبُو بكرٍ ﵁ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناسُ من كان يعبُد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبُد الله فإن الله حى لايموت ثم تلا ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل﴾ الآية قال الراوي والله لكأن الناسَ لم يعلموا أن هذه الآيةَ نزلت على رسُولِ الله ﷺ حتى تلاها أبو بكر وقال عمر ﵁ والله ما هو إلا أن سمعتُ أبا بكرٍ ﵁ يتلو فعقرت حتى ماتحملنى رجلاي وعرفتُ أن رسولَ الله ﷺ قد مات
﴿وَمَن يَنقَلِبْ على عَقِبَيْهِ﴾ بإدباره عما كان يُقبل عليه رسولُ الله ﷺ من أمر الجهادِ وغيرِه
стр. 805
١٤٥ - آل عمران
وقيل بارتداده عن الإسلامِ وما ارتد يومئذ أحدٌ من المسلمين إلا ما كان من المنافقين
﴿فَلَن يَضُرَّ الله﴾ بما فعل من الانقلاب
﴿شَيْئاً﴾ أي شيئا من الضرر وإنما يضُرُّ نفسَه بتعريضها للسُخط والعذاب
﴿وَسَيَجْزِى الله الشاكرين﴾ أي الثابتين على دينَ الإسلامِ الذي هو أجلُّ نعمةٍ وأعزُّ معروفٍ سُمّوا بذلك لأن الثباتَ عليه شكرٌ له وعِرفانٌ لحقه وفيه إيماءٌ إلى كُفران المنقلبين ورُوي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنَّ المراد بهم الطائعون لله تعالى من المهاجرين والأنصار وعَنْ عليَ ﵁ أبو بكر وأصحابه ﵃ وعنْهُ ﵁ أنَّه قال أبو بكر من الشاكرين ومن أحبّاء الله تعالَى وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موقع الإضمار لإبراز مزيدِ الاعتناءِ بشأن جزائِهم
стр. 806
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ﴾ كلامٌ مستأنفٌ سيق للتنبيه على خطئهم فيما فعلوا حذراً من قتلهم وبناءً على الإرجاف بقتلِه ﵊ ببيانِ أن موتَ كلِّ نفسٍ منوطٌ بمشيئةِ الله لايكاد يقع بدون تعلقها به وإن خاضت موارد الخوف واقتحمت مضايقَ كلِّ هولٍ مخوف وقد أشير بذلك إلى أنها لم تكن متعلقةً بموتهم في الوقت الذي حذِروه فيه ولذلك لم يُقتلوا حينئذ لا لإحجامهم عن مباشرة القتالِ وكلمة كان ناقصةٌ اسمُها أن تموت وخبرُها الظرفُ على انه متعلق بمحذف وقوله تعالى
﴿إِلَاّ بِإِذْنِ الله﴾ استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم الأسباب أي وما كان الموتُ حاصلاً لنفس من النفوس بسببٍ من الأسبابِ إلا بمشيئه تعالى على أن الإذنَ مَجازٌ منها لكونها من لوازمه أو إلا بإذنه لملك الموتِ في قبض روحِها وسَوْقُ الكلامِ مَساقَ التمثيل بتصوير الموتِ بالنسبة إلى النفوس بصورةِ الأفعالِ الاختياريةِ التي لا يتسنى للفاعل إيقاعُها والإقدامُ عليها بدون إذنِه تعالى أو بتنزيل إقدامِها على مباديه أعني القتالَ منزلةَ الإقدام على نفسه للمبالغة في تحقيق المرامِ فإن موتَها حيث استحال وقوعُه عند إقدامِها عليه أو على مباديه وسعْيِها في إيقاعه فلأَنْ يستحيلَ عند عدمِ ذلك أولى وأظهر وفيه من التحريض على القتال مالا يخفى
﴿كتابا﴾ مصدرٌ مؤكّدٌ لمضمون ما قبله أي كتبه الله كتاباً
﴿مُّؤَجَّلاً﴾ موقتا بوقت معلوم لا يتقدم ولا يتأخَّرُ ولو ساعةً وقرئ مُوَجّلاً بالواو بدلَ الهمزةِ على قياس التخفيفِ وبعد تحقيق أن مدار الموتِ والحياةِ محضُ مشيئةِ الله من غير أن يكون فيه مدخلٌ لأحد أصلاً أشير إلى أن توفيةَ ثمراتِ الأعمالِ دائرةٌ على إرادتهم ليصْرِفوها عن الأغراض الدنية إلى المطالب السنيةِ فقيل
﴿وَمَن يُرِدِ﴾ أي بعمله
﴿ثَوَابَ الدنيا نُؤْتِهِ﴾ بنون العظمةِ على طريق الالتفات
﴿منها﴾ أي من ثوابها ما نشاء أن نؤتيَه إياه كما في قوله مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ وهو تعريضٌ بمن شغلتهم الغنائمُ يومئذ وقد مر تفصيلُه
﴿وَمَن يُرِدِ﴾ أي بعمله
﴿ثَوَابَ الاخرة نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ أي من ثوابها ما نشاء من الأضعاف حسبما جريَ به الوعدُ الكريمُ
﴿وَسَنَجْزِى الشاكرين﴾ نعمةَ الإسلامِ الثابتين عليه الصارفين لما آتاهُم الله تعالى من القُوى والقدر إلى ما خُلقت هي لأجله من طاعة الله تعالى لا يلويهم
стр. 807
١٤٦ - آل عمران
عن ذلك صارفٌ أصلاً والمرادُ بهم إما المجاهدون المعهودون من الشهداءِ وغيرهم وإما جنسُ الشاكرين وهم داخلون فيه دخولا أولياً والجملةُ اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبله ووعدٌ بالمزيد عليه وفي تصديرها بالسين وإبهامِ الجزاءِ من التأكيد والدَّلالة على فخامة شأنِ الجزاءِ وكونِه بحيث يقصُر عنه البيان مالا يخفى وقرئ الأفعالُ الثلاثةُ بالياء
стр. 808
﴿وَكَأَيّن﴾ كلامٌ مبتدأٌ ناعٍ عليهم تقصيرَهم وسوءَ صنيعِهم في صدودهم عن سَنن الربانيين المجاهدين في سبيل الله مع الرسلِ الخاليةِ ﵈ وكأين لفظةٌ مركبةٌ من كاف التشبيهِ وأي حدث فيها بعد التركيب معنى التكثيرِ كما حدث في كذا وكذا والنون تنوينٌ أُثبتت في الخط على غير قياسٍ وفيها خمسُ لغاتٍ هي إحداهن والثانيةُ كائِنْ مثلُ كاعن والثالثة كأْيِن مثل كعْيِن والرابعةُ كَيْئِن بياء ساكنة بعدها همزة مكسورة وهي قلبُ ما قبلها والخامسةُ كأْن مثلُ كعن وقد قرئ بكل منها ومحلُّها الرفعُ بالابتداءِ وقولُه تعالى
﴿مّن نَّبِىٍّ﴾ تمييزٌ لها لأنها مثلُ كم الخبرية وقد جاء تمييزُها منصوباً كما في قوله ... أطرُد اليأسَ بالرجاء فكأين ... أملاحم يسره بعد عسره ...
وقوله تعالى
﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ خبرٌ لها على أن الفعلَ مسندٌ إلى الظاهر والرابطُ هو الضمير المجرورُ في معه وقرئ قُتِل وقُتّل على صيغة المبني للمفعول مخففةً ومشددةً والرِّبِّيُّ منسوبٌ إلى الرب كالرَّباني وكسرُ الراء من تغييرات النسب وقرئ بضمها وبفتحها أيضاً على الأصل وقيل هو منسوبٌ إلى الرَّبة وهي الجماعة أي كثيرٌ من الأنبياء قاتلَ معه لإعلاء كلمةِ الله وإعزاز دينِه علماءُ أتقياءُ أو عابدون أو جماعاتٌ كثيرة فالظرفُ متعلقٌ بقاتل أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً من فاعله كما في القراءتين الأخيرتين إذ لا احتمالَ فيهما لتعلقه بالفعل أي قُتلوا أو قُتّلوا كائنين معه في القتال لا في القتل قالَ سعيدُ بنُ جُبيرٍ ما سمعنا بنبي قُتل في القتال وقال الحسنُ البصري وجماعةٌ من العظماء لم يقتَلْ نبي في حرب قطُّ وقيل الفعلُ مسندٌ إلى ضمير النبي والظرف متعلقٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً منه والرابطُ هو الضميرُ المجرورُ الراجعُ إليه وهذا واضحٌ على القراءة المشهورة بلا خلاف أي كم من نبي قاتلَ كائناً معه في القتال ربيون كثير وأما على القراءتين الأخيرتين فغيرُ ظاهرٍ لا سيما على قراءة التشديد وقد جوّزه بعضُهم وأيّده بأن مدارَ التوبيخ اتخذالهم للإرجاف بقتلِه ﵇ أي كم من نبي قُتل كائناً معه في القتل أو في القتال ربيون الخ وقوله تعالى
﴿فَمَا وهنوا﴾ عطف عل قاتل على أن المرادَ به عدمُ الوهنِ المتوقَّعِ من القتال كما في قولك وعظتُه فلم يتعظ وصِحْتُ به فلم ينزجِرْ فإن الإتيانَ بالشيء بعد ورود ما يوجب الإقلاع عنه وإن كان استمراراً عليه بحسَب الظاهر لكنه بحسب الحقيقةِ صنعٌ جديدٌ مصحِّحٌ لدخول الفاءِ المرتبةِ له على ما قبله أي فما فتَروا وما انكسرت هِمتُهم
﴿لِمَا أَصَابَهُمْ﴾ في أثناء القتالِ وهو علةٌ للمنفيّ دون النفيِ نعم يُشعِرُ بعلّته قوله تعالى
﴿فِى سَبِيلِ الله﴾ فإن كونَ ذلك في سبيله مما يقوِّي قلوبَهم ويُزيلُ وهنَهم وما موصولةٌ أو موصوفةٌ فإن جُعِل الضميران لجميع الرِّبيِّين فهي عبارةٌ عما عدا القتلِ من الجراح وسائرِ المكارِه المعتريةِ
стр. 809
١٤٧ - آل عمران
للكل وإن جعلاً للبعض الباقين بعد ما قُتل الآخرون كما هو الأنسبُ بمقام توبيخِ المنخذِلين بعد ما استُشهد الشهداءُ فهي عبارةٌ عما ذُكر مع ما اعتراهم من قتل إخوانِهم من الخوف والحُزْن وغيرِ ذلك هذا على القراءة المشهورةِ وأما على القراءتين الأخيرتين فإن أُسندَ الفعلُ إلى الرّبيّين فالضميران للباقين منهم حتماً وإن أُسند إلى ضمير النبي كما هو النسب بالتوبيخ على الانخذال بسبب الإرجاف بقتلِه ﵊ فهما للباقين أيضاً إن اعتُبر كونُ الرّبيّين مع النبي في القتل وللجميع إن اعتُبر كونُهم معه في القتال
﴿وَمَا ضَعُفُواْ﴾ عن العدو وقيل عن الجهاد وقيل في الدين
﴿وَمَا استكانوا﴾ أي وما خضَعوا للعدو وأصلُه استكنَ من السكون لأن الخاضعَ يسكُن لصاحبه ليفعلَ به ما يريدُه والألفُ من إشباع الفتحةِ أو استكْوَن من الكون لأنه يُطلب أن يكون لمن يُخضَع له وهذا تعريضٌ بما أصابهم من الوهن والانكسارِ عند استيلاءِ الكفرةِ عليهم والإرجاف بقتل النبيِّ ﷺ وبضَعفهم عند ذلك عن مجاهدة المشركين واستكانتِهم لهم حين أرادوا أن يعتضِدوا بابن أُبيّ المنافق في طلب الأمانِ من أبي سفيان
﴿والله يُحِبُّ الصابرين﴾ أي على مقاساة الشدائدِ ومعاناةِ المكاره في سبيل الله فينصرهم ويعظهم قدرَهم والمرادُ بالصابرين إما المعهودون والإظهارُ في موضعِ الإضمارِ للثناء عليهم بحسن الصبرِ والإشعارِ بعلة الحُكم وإما الجنس وهم داخلون فيه دخولا أولياً والجملةُ تذييلٌ لما قبلَها
стр. 810
﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ﴾ كلامٌ مبينٌ لمحاسنهم القوليةِ معطوفٌ على ما قبله من الجُمل المبيِّنةِ لمحاسنهم الفعلية وقولهم بالنصب خبرٌ لكان واسمُها أن وما بعدها في قوله تعالى
﴿إلا أن قَالُواْ﴾ والاستثناءُ مفرَّغٌ من أعم الأشياء ما كانَ قولاً لهم عند أي لقاء للعدو واقتحامِ مضايق الحربِ وإصابةِ ما أصابهم من فنون الشدائد والأهوال شئ من الأشياءِ إِلَاّ أَن قالوا
﴿ربَّنَا اغفر لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ أي صغائرَنا
﴿وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا﴾ أي تجاوزْنا الحدَّ في ركوب الكبائرِ أضافوا الذنوبَ والإسرافَ إلى أنفسهم مع كونهم ربانيين برءاء من التفريط في جنب الله تعالى هضما لها واستقصارا لهممهم وإسناداً لما أصابهم إلى أعمالهم وقدّموا الدعاءَ بمغفرتها على ما هو الأهمُّ بحسب الحال من الدعاء بقولهم
﴿وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا﴾ أي في مواطن الحربِ بالتقوية والتأييدِ من عندك أو ثبتْنا على دينك الحقِّ
﴿وانصرنا عَلَى القوم الكافرين﴾ تقريباً له إلى حيز القَبول فإن الدعاءَ المقرونَ بالخضوع الصادرَ عن زكاء وطهارةٍ أقربُ إلى الاستجابة والمعنى لم يزالوا مواظبين على هذا الدعاءِ من غير أن يصدُرَ عنهم قولٌ يوهم شائبةَ الجزَعِ والخَوَرِ والتزلزُلِ في مواقف الحربِ ومراصدِ الدين وفيه من التعريض بالمهزمين مالا يخفى وقرأ ابنُ كثير وعاصمٌ في رواية عنهما برفع قَوْلُهُمْ على أنه الاسمُ والخبرُ أنَّ وَمَا في حيزِها أي ما كان قولُهم حينئذ شيئاً من الأشياءِ إلا هذا القول المنبىء عن أحاسن المحاسنِ وهذا كما ترى أقعدُ بحسب المعنى وأوفق بمقتضى المقام لما أن الإخبارَ بكون قولِهم المطلقِ خصوصيةَ قولِهم المحكيِّ عنهم مفصلاً كما تفيده قراءتهما اكثر إفادة للسامع
следующие страницы →