← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14309

التحبير لإيضاح معاني التيسير

الصنعاني

Полный текст (5 029 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

والمختار في الأدعية والأذكار وغير ذلك من التصانيف، وكانت وفاته بالموصل يوم الخميس سلخ ذي الحجة سنة ست وستمائة (١). قوله: "أخباره وآثاره": أقول: الخبر (٢): ما كان عن النبي ﷺ . والأثر (٣): ما كان عن الصحابي مطلقاً؛ لأنه يحتمل أن يكون من قوله ﷺ ، وعن قول الصحابي. قوله: "إن أبا الحسن رزين بن معاوية" (٤). أقول: هو ابن عمار العبدري نسبةً إلى عبد الدار بن قصي السَرَقُسطي - بفتح المهملة وفتح الراء وضم القاف - نسبة إلى سرقسطه بلدة بالمغرب.

стр. 107

وهو الإمام الكبير الحدث المجاور جامع الكتب الستة. توفي بمكة في المحرم سنة (٤٣٥). قوله: "فليشتهر بتجريد الأصول في أحاديث الرسول". أقول: هذه تسمية لهذا الذي اختصره البارزي وانتقاه، والأولى تسميته: بتجريد جامع الأصول، وكأنه على حذف مضاف؛ لأنه صرح أنه جرد أخباره وآثاره واستعان الله. واعلم أن قول البارزي: "وألفيت منه ما ارتكبه من التكرير والإسهاب" يدل أنه كرّر ابن الأثير وأسهب. ربما وأتى بما عنه غنية فلذا ألقاه، إلا أنه لا يخفى أن ابن الأثير [٣/ ب] جمع الأصول الستة، فلا بد له من الإتيان بكل ما اشتملت عليه، وإلا لما كان جمعاً لها وقد قصد جمعها وسماه بذلك، ومعلوم أن متون الأحاديث في الأصول الستة [١/ أ] مختلفة في ألفاظها، وفي زيادة بعض الروايات على بعض، فلا بد له من التكرير والإسهاب، وهو الإطالة على أنه لا غنى للناظر عن كل ما ورد في الباب من روايات الأصول؛ لأن فيها زيادات تتم بها الأحكام ويرتبط بها الكلام، ولا يحل الإخلال بها. قال ابن الأثير (١): "إن الكتب الستة هي أمُّ كتب الحديث، وأشهُرها في أيدي الناس، وبأحاديثها أخذ العلماء، واستدل الفقهاء، وأثبتوا الأحكام، وأشادوا مباني الإسلام. ومصنفوها أشهر علماء الحديث، وأكثُرهم حفظاً، وأعرفُهم بمواقع الخطأ والصواب، وإليهم المنتهى" انتهى. قوله: "وضبط ذلك بالحرف الأول". أقول: قال: أي: سواءً كان أصلياً أو زائداً. قوله: "وذكر أنه وجد في كتاب رزين أحاديث لم يرها في مفردات الأصول".

стр. 108

أقول: قال ابن الأثير (١): إنه أحب أن يشتغل بكتاب رزين الجامع لهذه الصحاح، واعتنى بأمره ولو بقراءته ونسخه، قال: فلما تتبعته وجدته على ما قد تعب فيه قد أودع أحاديث في أبواب، غيرُ تلك الأبواب أولى بها، وكرر فيه أحاديث كثيرة، وترك أكثر منها، ثم إني جمعت بين كتابه وبين الأصول الستة التي ضمَّنها كتابه، فرأيت فيها أحاديث كثيرة لم يذكرها في كتابه، ورأيت في كتابه أحاديث كثيرة لم أجدها في الأصول التي قرأتها وسمعتها، ونقلت منها، وذلك لاختلاف النسخ والطرق" انتهى. قلت: في إطلاقه لفظ الصحاح على الستة تسامح [٤/ ب] إذ السنن الأربع لا يطلق عليها صحاح، وكأنه غلب الإطلاق باعتبار الصحيحين. ثم إنا وجدنا في هامش نسخ من جامع الأصول أنه قال رزين في خطبة كتابه: واعلم أني أدخلت من اختلاف نسخ الموطأ (٢) لابن شاهين، والدارقطني.

стр. 109

ومن رواية معن (١) للموطأ أحاديث تفردت بها بعض النسخ عن بعض وكلها صحيحة. وقال أيضاً في موضع آخر: إنه ظاهر ما اتفق عليه الترمذي والنسائي، أو اتفق عليه أحدهما مع بعض نسخ الموطأ بأحاديث يسيرة ثبت له سماعها، وهي مروية من طريق أهل البيت ﵈ عن علي وابن عباس وغيرهما. انتهى. ولم ينبه ابن الأثير على هذا مع الحاجة إليه. فائدة: قال رزين: والذي فُكر هنا من النسائي هو من النسخة الكبرى لأن فيها زيادات، وأما الصغرى فداخلةٌ فيما قبلها من الكتب. انتهى. فعلمت أن ما في جامع الأصول وفروعه هو من السنن الكبرى للنسائي والصغرى هي المعروفة بالمجتبى. فائدة أخرى: اعلم أنه ترك ابن الأثير ومن تبعه ما يذكره الترمذي عقيب روايته الحديث من تصحيح أو تحسين أو تغريب، وما يجمعه بينها أو بعضها، وكذلك فاتهم ما ينبه أبو داود على ضعفه.

стр. 110

فأما الأول: فقد قيض الله بعض علماء الحديث فألحق ما ساقه الترمذي من ذلك، وألحقه بجامع الأصول، ولعل الله يمن علينا فنلحقه هنا إن شاء الله. قوله: "عُطلاً بلا علامة". أقول: بلا رمز إلى أصل من الأصول؛ لأنه جعل لكل واحد من الستة علامة هي: حرف من حروف اسمه أو ما نسب إليه. "وعُطلاً" بضم العين والطاء اسم مفرد، يقال: امرأة عُطُل [٥/ ب] إذا لم يكن عليها حلية. قوله: "اختلطت واختبطت على أكثر الكتاب". أقول: القاعدة لابن الأثير فيما اطلعنا عليه من كتابه أنه يقول مثلاً: عائشة ت، ثم يسوق لفظ الحديث، ثم يقول: أخرجه الترمذي، فيأتي برمز من أخرجه بعد ذكر الراوي، ثم يأتي في آخر متن الحديث بلفظ من أخرجه، فيجمع بين الرمز في أوله وذكر اسم المرموز له باسمه في آخره، فكان محروساً من الطرفين من أوله وآخره. فما أدري ما الذي وقع للمصنف من نسخ الجامع، فإنا لم نجد فيه ما ذكره من رقم الصحابي الراوي للحديث في حاشية الكتاب إلى آخر كلامه. ولعل هذا وقع في تجريد البارزي، فإني لم أقف عليه. قوله: "العَناء". أقول: - بفتح العين المهملة والمد - التعب. وقوله [٢/ أ]: "الغَنآء" - بفتح الغين المعجمة والمد - النفع. و- بكسرها والمد - السماع. و- بكسرها والقصر - اليَسار. وكأن نسخ الجامع اختلفت، فالذي رأيناه - وهو لدينا - ليس فيه "من العنآء" بل هو كما صنفه المصنف، بل فيه زيادة هو الإتيان بالرمز أولاً لمن خرَّج الحديث عقيب ذكر صحابيه.

стр. 111

قوله: "واكتفيت في زيادات رزين ... " إلى آخره. أقول: تقدم أن رزيناً قد باح في خطبة كتابه بمن خرج عنه. قوله: "وما اختلفت معانيه وألفاظه فلا بد من ذكر المخالف وإثباته". أقول: إذا اختلفت ألفاظ الأحاديث ومعانيها، فإنه يجمع بينهما لبيان الاختلاف، ولينظر الناظر في كيفية الجمع بينهما، ويأتي بيان أنه ما تم الوفاء بهذا للمصنف. قوله: "وزدت شيئاً كثيراً من أصله". أقول: أي: من أصل تجريد البارزي وهو جامع الأصول. قوله: "وسميته بتيسير الوصول إلى جامع الأصول". أقول: التيسير: التسهيل، وكأنه يريد تيسير وصوله [٦/ ب] فآلة التعريف عوض عن المضاف إليه. أي: والمراد أنه وصل بتأليفه هذا إلى تتبعه بجامع الأصول. بمعنى: أن تأليفه إياه كان سبباً لوصوله إلى تتبع الجامع وإلى تجريده له واختصاره إياه لا أنه تيسير الوصول لكل طالب إذ لا يصل إلى الجامع بحصول هذا المجرد منه المسمى: بالتيسير ضرورةً إلا بأن تقدر مضاف - أي: إلى بعض جامع الأصول، لأن هذا المجرد منه بعضه، ويحتمل أنه بمعرفة هذا الكتاب يصل إلى الجامع بمعرفة أبوابه وترتيبه, فيسهل عليه معرفته إياه، ويكفي في التسمية أدنى مناسبة على أن تسمية ابن الأثير كتابه: جامع الأصول فيه تسامح إنما جمع متون الأصول وحذف شرط أسانيدها، فلو سماه: تجريد الأصول لطابق معناه وصدق مسماه.

стр. 112

قوله: "الشَرْجي". أقول: - بفتح الشين المعجمة وسكون الراء فجيم - نسبة إلى الشرجة (١). قال في القاموس (٢): بلدة بساحل اليمن. قوله: "المراغي". أقول:- بفتح الميم فراء مخففة اخره عين معجمة - حي من الأزد. قوله: "فاتصلت روايتنا". أقول: أي: بالإجازة (٣) وهي أحد طرق الرواية، والمصنف قد أجاز بها كتابه هذا: تيسير الوصول لمن أدرك عصره وغير كتابه، وكل ما ذكره في قوله: أَجزتُ لمُدْرِكي عَصْرِي جَميعَاً ... إجازةَ ما يَجُوزُ رِوايَتي له مِن المقروء والمَسْمُوعِ طُراً ... وما ألفتُ مِن كُتبٍ قَليلَة وما لي من مُجَازٍ من شيوخٍ ... من الكتبِ القصيرةِ والطويلة وأرجو الله يختم لي بخير ... ويَرحَمَني بِرحَمَته الجزيلة

стр. 113

ولنا بحمد الله لكتابه إجازات متصلة بمؤلِفه ﵀. واعلم أن الإجازة تسعة أنواع قد حققناها في شرحنا على التنقيح (١) فالرتبة الثالثة [٧/ ب]: أن يجيز جميع مسموعاته لجميع الموجودين من المسلمين، وهذا هو الذي أجازه المصنف هنا في أبياته. واعلم أنه قد ادعى الباجي (٢) الإجماع على جواز الرواية بالإجازة، ورد عليه زين الدين (٣) وابن الصلاح. قال القاضي عياض (٤): وإلى الإجازة لعامة المسلمين من وجد منهم ومن لم يوجد ذهب جماعة من مشايخ الحديث. قال زين الدين: وأنا أتوقف عن الرواية بها. انتهى. ومن أراد تحقيق البحث جميعاً فقد أودعناه شرح التنقيح (٥).

стр. 114

[(مناقب الأئمة الستة)] (١) قوله: "وبدأت أولاً بمناقب [الأئمة] (٢) الستة". أقول: وقد عقد ابن الأثير لذكرهم الباب الرابع في كتابه (٣) قال: "فإن القوم أي: الستة كانوا أعلام الهدى ومعادن الفضل واللسان في فضلهم مطلق العنان. قال: ابن الأثير: وقد بدأنا بذكر مالك لأنه المقدم زماناً وقدراً ومعرفة وعلماً ونباهة وذكراً وهو شيخ العلم، وأستاذ الأئمة، وإن كنا في ذكر تخريج الأحاديث قدمنا عليه البخاري ومسلماً للشرط - أي: لكتابيهما - فلا نقدمهما عليه في الذكر إذ هو أحق وأولى وكتاباهما أجدر بالتقديم من كتابه وأحرى. انتهى كلام ابن الأثير والمصنف قد أتى بما يفيد في مناقب الأئمة الستة فلا نزيد عليه شيئاً إلا أن نضبط شيئاً من الألفاظ المحتاجة لذلك. قوله: "الأصبحي". أقول: -[بفتح] (٤) الهمزة فحاء وصاد مهملتين الأولى ساكنة وفتح الموحدة بينهما - نسبة إلى ذي أصبح. قال ابن الأثير (٥): أن عمرو بن الحارث جد مالك هو ذو أصبح بن سويد من حمير بن سبأ الأكبر من بني يَشْجُب بن قحطان.

стр. 115

قوله: "إن الشافعي [٣/ أ] من أصحابه". أقول: قال الشافعي: قدمت على مالك بن أنس وقد حفظت الموطأ، فقال لي: أحضر من يقرأ لك. فقلت: أنا أقرأ، فقرأت الموطأ عليه حفظاً. فقال: إن يكن أحدٌ يفلح فهذا الغلام (١). قوله: "العلم عن ابن شهاب" (٢) [٨/ ب]. أقول: هؤلاء. الثلاثة من مشايخ مالك، ولم يدرك أحداً من الصحابة فهو من تبع التابعين، ومن مشايخه محمد بن المنكدر (٣) وهشام بن عروة بن الزبير، وإسماعيل بن أبي حكيم، وزيد بن أسلم وسعيد بن أبي سعيد المقْبري، مخرَمة بن سليمان، وربيعة بن أبي الرحمن، وأفتى معه.

стр. 116

قوله: "الماجشون" (١). أقول:- بفتح الميم وجيم معجمة - في القاموس (٢): بضم الجيم: السفينةُ، وثيابٌ مُصبَّغَةٌ ولقبٌ معرَّبُ ماهْ كُونْ. انتهى. قوله: "ويحيى بن يحيى الأندلسي". أقول: كان يسميه مالك عاقل الأندلس، وسبب ذلك: أنه كان في مجلس مالك فقال قائل: قد حضر الفيل، فخرج أصحاب مالك كلهم ينظروا إليه، ولم يخرج يحيى فقال له مالك: مالَكَ لا تخرج فتراه؛ لأنه لا يكون بالأندلس؟ [فقال] (٣): إنما جئت من بلدي لأنظر إليك، وأتعلم من هديك وعلمك، ولم أجيء أنظر إلى الفيل، فأعجب به مالك وسماه عاقل الأندلس. قال ابن حزم: إنه انتشر مذهب مالك بالأندلس بسبب يحيى المذكور. قال ابن الأثير (٤): ومن طريقه رَوَينا الموطأ. قوله: "القَعْنَبِيّ" (٥). أقول:- بفتح القاف وسكون العين المهملة ونون مفتوحة فموحدة نسبة إلى جده قعنب، وهو لغةً الشديد الصلب الأسد.

стр. 117

[قوله] (١): "وأصبغ". [أقول] (٢): بفتح الهمزة فصاد مهملة ساكنة فموحدة فغين معجمة. قوله: "إنه مالك بن أنس". أقول: قيل: والأظهر أنه رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم فإنه الذي لا يجد الناس أعلم منه. قوله: "عن ربيعة بن عبد الرحمن". أقول: هو المعروف بربيعة الرأي فقيه أهل المدينة أدرك جماعة من الصحابة وعنه أخذ مالك. قوله: "حظي" (٣). أقول: في القاموس (٤): حظي كرضي [٩/ ب] قوله: والحظوة المكانة؛ والطاق: المحراب. قوله: "إن مثقالاً من دولة". أقول: يشير إلى أن المنصور مع مالك. قال ابن وهب: سمعت منادياً ينادي بالمدينة ألا لا يفتي الناس إلا مالك بن أنس وابن أبي ذئب.

стр. 118

قوله: وقد قال ﷺ وآله وسلم: "اختلاف أمتي رحمة" (١). أقول: قال الحافظ السيوطي في الجامع الصغير (٢): إنه ذكره أبو نصر المقدسي في الحجة والبيهقي في الرسالة الأشعرية بغير سند، وأورده الخلعي والقاضي حسين وإمام الحرمين وغيرهم، ولعله خرج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا. انتهى كلامه. وإذا كان السيوطي لم يعرف له سنداً ولا عرف له طريقاً، وهو أوسع المتأخرين اطلاعاً، فهو يدل على أنه ليس أصل، والأدلة القرآنية والسنية دالة على أنه لا أصل له لشدة النهي عن التفرق، فإنه عذاب لا رحمة. قوله: "كُراعٍ". أقول: بزنة غراب قال في القاموس (٣): اسم مجمع الخيل. قوله: "وجُعفي أبو قبيلة من اليمن" (٤). أقول: جعفي بزنة كرسي، والنسبة إليه كذلك. قوله: "من زُهاء". أقول:- بضم الزاي - بزنة فُعال، القَدْر.

стр. 119

قوله: "ولما قدم بغداد ... " إلى آخره. أقول: قد سقنا هذه الحكاية بنصها في شرح التنقيح (١) وشرح قصب السكر (٢) نظم [نخبة] (٣) الفكر. قوله: "الفَرَبْري". أقول:- بفتح الفاء وفتح الراء وسكون الموحدة وكسر الراء الثانية - نسبة إلى فِرَبْر (٤) قرية بخراسان واسمه: محمد بن يوسف [٤/ أ]. قوله: "القشيري". أقول: بضم القاف فشين معجمة فمثناة تحتيه فراء نسبة إلى قشير بن كعب بن ربيعة كزبير أبو قبيلة. قوله: "السجِسْتَاني". أقول: سِجِسْتَان (٥) إقليم معروف بين خراسان وكرمان، ويقال: [١٠/ ب] في النسبة إليه أيضاً: سجزي. السِجِسْتَاني: بكسر السين المهملة والجيم المكسورة وسكون السين الثانية وفتح المثناة الفوقية وبعد الألف نون.

стр. 120

قوله: "قال أبو داود (١): كتبت عن رسول الله ﷺ ". أقول: تمام كلامه: وما كان فيه ضعف شديد بينته، وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صحيح، وبعضه أصح من بعض. انتهى. قوله: "أربعة أحاديث" (٢). أقول: جمعها من قال: عمدة الدين عندنا كلمات .... أربع قالهن خير البرية اتق الشبهات وازهد ودع ما ... ليس يعنيك واعملن بنية ويأتي بيان كتابه ما ذكر من ذلك. قوله: "قال ابن الأعرابي". هو أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد بن الأعرابي أحد رواة سنن أبي داود. قوله: "الترمذي". أقول: نسبة إلى ترمذ (٣).

стр. 121

قال السمعاني (١): هي بلدة قديمة على طرف [نهر] (٢) بلخ الذي يقال له: جيحون. يقال في النسبة إليها: تِرمِذي - بكسر التاء والميم، ويضم ويفتح مع كسر الميم ثلاثة أوجه حكاها أبو سعيد السمعاني -. قوله: "النسائي". أقول: نَسبَهُ في تاريخ ابن خلكان أنه نسبةً إلى نَسَا (٣) - بفتح النون وفتح السين المهملة بعدها همزة - مدينة بخراسان. انتهى. قوله: "ابن خَشْرم" (٤). أقول: بفتح الخاء المعجمة وسكون الشين المعجمة فراء. قوله: "قال عليّ بن عمر الحافظ". أقول: هو المعروف بالدارقطني الإمام الحجة. قوله: "بطرسوس". أقول: في القاموس (٥): طَرَسُوسُ كحَلَزُونٍ بلد إسلاميّ مُخْصِبٌ كان للأرْمَنِ ثم [أُعيد] (٦) الإسلام في عصرنا.

стр. 122

قوله: "تُكُلّم في إسناده بالتعليل" (١) [١١/ ب]. أقول: قدمنا لك أن "جامع الأصول" نقل من السنن الكبرى لا من "المجتبى" ولكن المجتبى قد دخل في الكبرى إذ هو بعضها.

стр. 123

حرف الهمزة وفيه عشرة كتب: ١ - الإيمان. ٢ - الاعتصام. ٣ - الأمانة. ٤ - الأمر بالمعروف. ٥ - الاعتكاف. ٦ - إحياء الموات. ٧ - الإيلاء. ٨ - الأسماء والكنى. ٩ - الآنية. ١٠ - الأمل والأجل. الكتاب الأول: (في الإيمان والإسلام) [وفيه ثلاثة أبواب] قوله: "الكتاب الأول". أقول: قال جماعة من الفقهاء: إن الكتاب مأخوذ من الكتب وهو الضم يقال: تكتب بنو فلان إذا تجمعوا، ومنه قيل للخط بالقلم: كتابة لما فيه لاجتماع الحروف والكلمات، وسميت الأوراق الجامعة للعلوم بذلك؛ لأنها تجمع المسائل والأبواب (١). وقال أبو حيان (٢): لا يجوز أن يكون الكتاب مأخوذ من الكتب لأن المصدر لا يشتق من المصدر. وفي الفتح (٣): أنهم استعملوا الكتاب فيما يجمع أشياء من الأبواب والفصول الحاوية للمسائل.

стр. 124

وأما الباب (١) فهو لما يدخل منه إلى بلدة ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ (٢) أو مسكن: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ (٣) ثم نقل إلى الدخول في معان غير معاني ما قبله والخروج منها. الباب الأول: (فى تعريفهما حقيقة ومجازاً، وفيه ثلاث فصول) قوله: "في تعريفهما". أقول: التعريف أقول: يريد التعريف اللفظي، وهو: أن يكون اللفظ واضح الدلالة على معنى فيفسر بلفظ أوضح دلالة على ذلك المعنى كتفسير الغضنفر بالأسد، وليس هذا تعريفاً حقيقياً كما هو معروف في محله. الفصل الأول: في فضلهما قوله: "الفصل الأول في فضلهما". أقول: معنى هذا الفصل مما أخره ابن الأثير إلى حرف الفاء، والمصنف قدمه ولكل وجهه. قد كان الأولى أن يقول: في أفضليتهما. لما أخرجه (ت) (٤) والنسائي (٥) وابن ماجه (٦).

стр. 125

وابن حبان (١) والحاكم (٢) من حديث جابر: "أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله". وحديث: "أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله". الحديث أخرجه [مالك في] (٣) الموطأ (٤) والترمذي (٥). وحديث [١٢/ ب] ما أخرجه أحمد (٦): "أفضل الكلامِ سُبحانَ الله والحمدُ لله ولا إله إلا الله والله أكبر" فهما أفضل الأقوال، والأقوال من الأعمال، فهما أفضل الأعمال. فالتعبير بأفضليتهما أحسن كما لا يخفى. واعلم أن تفضيل شيء على شيء يراد به أنه أحب إلى الله وأكثر إثابة، وأعظم أجراً، ولا يصح الحكم لعمل من الأعمال، ولا قول من الأقوال، ولا شخص من الأشخاص بالفضل إلا بتوقيف من الشارع، ولا يجزي فيه الاجتهاد ولا القياس لأن مقادير الأجور لا تعرف إلا بتعريف الله ورسوله كقول الله: ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ (٧)، ونحوها من الآيات والأحاديث.

стр. 126

وأما الخوض: [من الناس] (١) في تفضيل أنواع وأفراد وأجناس بالتخمين والقياس، فإنه بدعة، وقول على الله تعالى بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. ولذا يقال: الخوض في التفضيل بلا دليل من الفضول المنهي عنه الداخل تحت قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٢)، وعبارة ابن الأثير كعبارة المصنف. ١/ ١ - عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتْ ﵁ عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: "مَنْ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عبد الله وَرَسُولُهُ وَكلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ الله الْجَنّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ" أخرجهُ الشيخان (٣) والترمذي (٤). وفي أخرى لمسلم (٥): "من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، حرّم الله تعالى عليه النارَ". [صحيح]. قوله: "عن عبادة بن الصامت". أقول: يتعلق بمحذوف، أي: أروي أو أذكر. وعُبَادة - بضم العين المهملة فموحدة خفيفة بعد ألفه دال مهملة - قال ابن عبد البر في الاستيعاب (٦): عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم خزرجي أنصاري يكنى: أبا الوليد، شهد العقبة الأولى والثانية والثالثة، شهد بدراً والمشاهد كلها، ثم وجّهه عمر إلى الشام قاضياً

стр. 127

ومعلماً، فأقام بحمص، ثم انتقل إلى فلسطين، ومات بها، ودفن ببيت المقدس وقبره بها [٥/ أ] [١٣/ ب]. ٢/ ٢ - وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ سعد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله تعالى عنهما أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يُخْرَجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنَ إِيمَانِ" قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَمَنْ شَكَّ فَلْيَقْرَأْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ أخرجه الترمذي (١) وصححه. [صحيح]. للمصنف أن يأتي بهذا الحديث عوضاً عن حديث أبي سعيد ليتم الوفاء بقوله في خطبة كتابه: إنما تكرر فيه من الأحاديث اقتصرت على أتمَّ الروايات فيه, فإن رواية أنس (٢) التي سقناها أتم من رواية أبي سعيد التي ذكرها لجمعها بين القول والاعتقاد. وذكر درجات الاعتقاد من الشعيرة والبرة والذرة والروايتان في الترمذي (٣) وقد صححهما كما عرفت.

стр. 128

قوله: "وصححه". أقول: أحسن المصنف بذكره تصحيح الترمذي، فإنه قال عقيب روايته: حسن صحيح، لكنه لم يطرد ذكر ذلك للمصنف. واعلم أن ابن الأثير (١) ذكر عقيب حديث أبي سعيد هذا أن في رواية ذكرها رزين أن رسول الله ﷺ قال: "يدخل أهل الجنة الجنةَ، وأهلُ النارِ النارَ" ثم يقول الله: أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردلٍ من إيمان. انتهى. قلت: وقد عرفت أنه لا ينسب إلى رزين إلا ما خلا عن الستة، ومن العجب أنّ هذا الحديث في صحيح البخاري (٢) من حديث أبي سعيد في باب تفاضل الإيمان بلفظه وتمامه بعد قوله: "من إيمان، فيخرجون منها قد اسودوا، فيلقون في نهر لحياء - أو الحياة شك مالك - فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية" انتهى. ٣/ ٣ - وعنه ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَنْ قَالَ رَضِيتُ بِالله رَبًّا، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولاً وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ". أخرجه أبو داود (٣). قوله: "رضيت بالله رباً". أقول: قال "صاحب التحرير": معنى رضيت بالشيء: قنعت به، ولم أطلب معه غيره.

стр. 129

والحديث أخرجه مسلم (١) بلفظ: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً ... " إلى آخره، أي: مالكاً ومربياً والرضى خلاف السخط، فإن رضي بالله رباً تلقى كلما آتاه بالرضى من السراء والضراء، وأفرده بالربوبية، ولم يتخذ من دونه رباً كما اتخذت اليهود والنصارى أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله؛ كما قال عدي بن حاتم: أتيت رسول الله [١٧/ ب] ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب فقال: "يا عدي! اطرح هذا الوثن من عنقك" فطرحته، ثم انتهيت إليه وهو يقرأ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٢) حتى فرغ منها فقلت: إنا لسنا نعبدهم! فقال: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ " قال: فقلت: بلى. قال: "فتلك عبادتهم" أخرجه الترمذي، وابن سعد، وعبد بن حميد، وابن المنذر وغيرهم (٣).

стр. 130

فإذا كانت هذه الطاعة لأحبارهم ورهبانهم تصيرهم متخذين لهم أرباباً، فكيف بغيرها من الانقياد والامتثال والطاعة لكل من خالف أوامر الله ونواهيه، فإن العبد قد اتخذ من انقاد له في غير طاعة رباً وصيره معبوداً ورضي بغير الله رباً، فلا يتم له رضى بالله أن يؤثر على أوامره ونواهيه وطاعته أراء غيره، ويعلم أن كل ما آتاه من مولاه وربه، فهو الخير كله وبهذا تحقق عبوديته لربه الذي إن كل من في السماوات والأرض إلا آتيه عبداً، وليكن في كل أحواله كما قيل: إن كان سكان الغضى ... رضوا بقتلي فرِضى والله لا كنت لما ... يهوى المحب مبغضاً صرت له عبداً وما ... للعبد أن يعترضا وبالجملة: فالعبد لا زال خائفاً من مولاه راجياً له قائماً بالخدمة ممتثلاً لأمره منتهياً عن نهيه وزجره راضياً بقسمته مقراً بحكمته خائفاً من عذابه راجياً لرحمته، مفتقراً إليه في جميع حالاته، منكسراً ذليلاً في حركاته وسكناته كما قال ابن تيمية: أنا الفقير إلى رب السماوات ... أنا المسكين في مجموع حالاتي أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي ... والخير أن يأتنا من عنده يأتي ولست أملك شيئاً دونه أبداً ... ولا شريك أنا في بعض ذراتي

стр. 131

ولا ظهير له كي أستعين به ... كما يكون لأرباب الولاء يأتي [١٨/ ب] ومن رضي بالإسلام ديناً، وأم شعائره، وتعلم أحكامه، ونشر شرائعه، وتعظيم حرماته، ومعرفة ما أمر الله به وجوباً وندباً، وما حرمه وما كرهه، والعمل بكل ذلك واجب معرفته. ومن رضي بمحمد رسولاً، قَبِل ما جاء به فآمن به وصدق ما جاء من الأحكام وشرائع الإسلام، وتعظيم رب الأنام، والتصديق بكل ما جاء به من الوعد والوعيد، وغير ذلك من أحوال المبدأ والمعاد، ومن الجزاء يوم المعاد، وعظّم هذا الرسول بحسن الاتباع، وهجر الابتداع والرضى بالثلاثة: ربوبية الله، والإسلام، والرسول يفتقر إلى تأليف مستقل، وقد وسعنا الكلام عليها في شرح الجامع الصغير المسمى: "بالتنوير". قال القاضي عياض (١): في شرح حديث مسلم الذي ذكرناه: معنى الحديث: صح إيمانه. ٤/ ٤ - وعنه أيضاً ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلاَمُهُ كَتَبَ الله لَهُ كُلَّ حَسَنَةٍ كَانَ أَزْلَفَهَا، وَمُحِيَتْ عَنْهُ كُلُّ سَيِّئَةٍ كَانَ أَزْلَفَهَا، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقِصَاصُ: كلَّ حَسَنةٍ بِعَشْرَةِ أَمْثَالهِا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلاَّ أَنْ يَتَجَاوَزَ الله عَنْهَا" أخرجه البخاري (٢) تعليقاً، والنسائي (٣) مستنداً.

стр. 132

ومعنى: "أزلفها" قربها [صحيح]. قوله: "إذا أحسن أحدكم إسلامه": أقول: في الفتح (١): أي: صار إسلامه حسناً باعتقاده وإخلاصه ودخوله فيه بالباطن والظاهر، وأن يستحضر عند علمه قرب ربه منه، واطلاعه عليه كما دل له تفسير الإحسان [٧/ أ] في حديث جبريل (٢). قوله: "كتب الله" أي: أمر بكتابة ذلك، وفي رواية الدارقطني (٣) عن معاذ: "يقول لملائكته اكتبوا". قوله: "كان أزلفها": أقول: كذا لأبي (٤) في رواية البخاري، وبغيره: "زَلَفَها" وهي بالتخفيف فيهما كما ضبطه في المشارق (٥). وقال النووي: بالتشديد. ورواية النسائي (٦): "أزلفها" و"زلَّف" بالتشديد و"أزلف" بمعنى واحد: أسلف وقدم. قوله: "ومحيت عنه كل سيئة": أقول: [١٩/ ب]: لأن الإسلام يجب ما قبله.

стр. 133

قوله: "القصاص": أقول: أي: كان بعد إسلامه القصاص. وقوله: "الحسنة" مبتدأ: "بعشر أمثالها" خبره، والجملة استئنافية. وقوله: "إلى سبعمائة ضعف" متعلق بمحذوف، أي: منتهية. وفي كتاب الرقاق للبخاري (١) زيادة: "إلى أضعاف كثيرة". وقوله: "والسيئة" عطف على الحسنة مبتدأ. و"بمثلها" خبره. "إلا أن يتجاوز الله عنها بعفوه". وفيه رد على الخوارج المكفرين بالمعاصي (٢)، وعلى المعتزلة (٣) القائلين بأنه لا عفو عن المعاصي. وأول الحديث دليل على زيادة الإيمان ونقصانه؛ لأن الحسن تتفاوت درجاته.

стр. 134

قوله: "تعليقاً": أقول: التعليق: أن يحذف من أول السند (١)، وهنا حذف البخاري شيخه فقال: قال مالك. قال في الفتح (٢): ذكرها معلقاً، ولم يوصله في موضع آخر من هذا الكتاب. انتهى. زاد ابن الأثير (٣) - بعد قوله تعليقاً -: عن مالك، ولم يذكر الحسنة. انتهى. وما كان يحسن من المصنف حذفه لإبهام عبارته أنه أخرجه بهذا اللفظ الذي ساقه، وليس كذلك، فإن لفظه هكذا: قال مالك: أخبرني زيد بن أسلم أن عطاء بن يسار أخبره أن أبا سعيد الخدري

стр. 135

أخبره أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا أسلم العبد فحسن إسلامه يكفر الله عنه كل سيئة كان أزلفها ... " إلى آخر ما هنا. فعرفت أن البخاري أسقط لفظ: "كتب الله له كل حسنة كان أزلفها" كما قاله ابن الأثير. قلت: وقد نقل الحافظ ابن حجر (١) العذر للبخاري في إسقاط تلك الجملة فقال: قيل: إن المصنف أسقط ما زاد غيره عمداً؛ لأنه يشكل على القواعد. قال المازري (٢): الكافر لا يصح منه التقرب، فلا يثاب على العمل الصالح الصادر منه في شركه؛ لأن [٢٠/ ب] من شرط المتقرب أن يكون عارفاً بمن يتقرب إليه، والكافر ليس كذلك، وتابعه القاضي عياض (٣) على تقرير هذا الإشكال، واستضعف ذلك النووي (٤) فقال: الصواب الذي عليه المحققون، بل نقل بعضهم فيه الإجماع أن الكافر إذا فعل أفعالاً جميلة كالصدقة وصلة الرحم، ثم أسلم ومات على الإسلام أن ثواب ذلك يكتب له، وأما دعوى أنه مخالف للقواعد فغير مسلم؛ لأنه قد يعتد ببعض أفعال الكافر في الدنيا ككفارة الظهار، فإنه لا يلزمه إعادتها إذا أسلم وتجزيه. انتهى. وأطال التقول، والحق ما قيل: إن قبول طاعته معلق على إسلامه، هذا هو الصواب الذي دل عليه الحديث.

стр. 136

وأما القول بأنه حذف البخاري تلك الجملة لإشكالها فقول باطل، وكيف يطوى بعض ما قاله رسول الله ﷺ ؛ لأنه مشكل، فهذا لا يفعله مؤمن، بل يجب رواية ما قاله ﷺ ونبين وجه إشكاله ووقفه مما في كلامه مشكل نظر. قوله: "والنسائي مسنداً" (١): أقول: المسند (٢): ما اتصل سنده بالمخبر عنه هذا، وقد أخرجه أبو ذر الهروي (٣) في روايته لصحيح البخاري موصولاً، ووصله الحسن بن سفيان (٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥) من طرق لهم. قوله: "قربها": أقول: في الجامع: الزلفة تكون في الخير والشر، وفي المشارق (٦): زَلَف بالتخفيف. أي: جمع وكسب، وهذا يشمل الخير والشر، أما القربة، فلا تكون إلا في الخير. والحديث قد استعمل الزلفة في الخير والشر كما عرفت.

стр. 137

٥/ ٥ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁، أَنَّ رَسُولُ الله ﷺ قَالَ: "إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلاَمَهُ, فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا حتى يَلْقَى الله تعالى" أخرجه الشيخان (١) [صحيح]. قوله: "عبد الرحمن بن صخر": أقول: جزم المصنف باسمه واسم أبيه، وفيهما خلاف كثير [٢١/ ب] قال ابن عبد البر في "الاستيعاب" (٢): اختلفوا في اسم أبي هريرة واسم أبيه اختلافاً لا يحاط به ولا يضبط، ثم قال: ومثل هذا الاختلاف والاضطراب لا يصح معه شيء يعتمد عليه إلا أن عبد الله أو عبد الرحمن هو الذي يسكن إليه القلب في اسمه في الإسلام. قال الحاكم أبو أحمد (٣): أصح شيء عندنا في اسم أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر، وقد غلبت كنيته عليه فهو كمن لا اسم له. أسلم أبو هريرة عام خيبر، وشهدها مع رسول الله ﷺ ، ثم لزمه وواظب عليه رغبة في العلم راضياً بشبع بطنه، وكان يده مع يد رسول الله ﷺ يدور معه حيثما دار، وكان من أحفظ أصحاب رسول الله ﷺ ، وكان يحضر ما لا يحضر سائر المهاجرين والأنصار لاشتغال المهاجرين بالتجارة والأنصار بحوائطهم، وقد شهد له رسول الله ﷺ بأنه حريص على العلم والحديث، وقال له: يا رسول الله! إني قد سمعت منك حديثاً كثيراً، وإني أخشى أن أنسى.

стр. 138

قال: "ابسط رِداءك" فبسطه، فغرف بيده منه، ثم قال: "ضُمَّه" فضممته إلى صدري، فما نسيت شيئاً بعد (١). استعمله عمر على البحرين، ثم عزله، ثم أراده على العمل، فأبى عليه. ولم يزل يسكن المدينة، وكانت وفاته سنة تسع وخمسن، وقيل غير ذلك، وصلى عليه الوليد بن عقبة بن أبي سفيان، وكان أميراً يومئذٍ على المدينة. قوله: "إذا أحسن أحدكم إسلامه": أقول: تقدم شرحه في الحديث الأول. قوله: "أخرجه الشيخان" (٢): أقول: هكذا في "جامع الأصول"، ولكن لفظ: "حتى يلقى الله" [٢٢/ ب] ليست من ألفاظ رواية البخاري، وإنما زادها مسلم في روايته فهي من أفراده. ٦/ ٦ - وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله دَخَلَ الْجَنَّةَ" أخرجه أبو داود (٣) [حسن]. قوله: "وعن معاذ بن جبل": أقول: هو الخزرجي الأنصاري ثم الجشمي أبو عبد الرحمن، وهو أحد السبعين الذين شهدوا العقبة من الأنصار، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين عبد الله ابن مسعود، وقيل: وبين جعفر بن أبي طالب، شهد معاذ بدراً والمشاهد كلها وبعثه رسول الله ﷺ [٨/ أ] قاضياً إلى

стр. 139

الجند (١) من اليمن، ويعلم الناس القرآن وشرائع الإسلام، وجعل إليه قبض الصدقات من العمال باليمن، وقال فيه رسول الله ﷺ : "أعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل" (٢). وقال ﷺ : "يأتي معاذ بن جبل يوم القيامة أمام العلماء برتوة" (٣) فمكث معاذ في اليمن أميراً حتى قبض رسول الله ﷺ فرجع إلى المدينة، ثم خرج إلى الشام ومات بناحية الأردن في طاعون [عمواس] (٤) سنة (١٨) وهو ابن (٣٨) سنة، وقد أطال ابن عبد البر (٥) ترجمة معاذ. قوله: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة": أقول: ولذا ورد الأمر بتلقين من هو في سياق الموت هذه الكلمة، قال ﷺ : "لقنوا موتاكم قول: لا إله إلا الله". أخرجه أبو داود (٦)، وابن حبان (٧) من حديث أبي سعيد.

стр. 140

وهو في مسلم عنه (١) وعن أبي هريرة (٢) دون (قول). وعند ابن حبان (٣) عن أبي هريرة بمثله وزاد: "فإنه من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنةَ يوماً من الدهر، وإن أصابَهُ ما أصابه قبلَ ذلك" [٢٣/ ب] وغلط ابن الجوزي فعزاه للبخاري، وليس فيه، وجعله المحب الطبري من المتفق عليه وليس بجدير. (نكتة) دالة على شرف الاشتغال بعلم الحديث. ذكر النمازي في شرحه للأثمار ما وقع لأبي زرعة وهو أنه لما حضرته الوفاة كان عنده أبو حاتم ومحمد بن مسلم فاستحييا أن يلقناه فتذاكرا حديث التلقين فارتج عليهما، فبدأ أبو زرعة وهو في النزع، فذكر إسناده إلى أن قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله" ثم خرجت روحه مع الهاء قبل أن يقول: دخل الجنة. بل الاشتغال بالعلم النافع مطلقاً سبباً لحسن الخاتمة كما ذكر الشيخ تقي الدين ابن الصلاح وغيره عن بعضهم قال: حضرنا عيادة الشيخ أبي حامد الإسفراييني في مرض موته، فدخلنا عليه وهو يجود بنفسه فسأل بعض الحاضرين صاحبه عن مسألة، وهي ضمان الدرك هل يصح، وكان على وجه السرار بينه وبينه، فسمعه الشيخ أبو حامد فقال: إن كان بعد نقد

стр. 141

الثمن صح، وإلا فلا لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ [ثم] (١) فاضت نفسه كأنها ذبالة سراج ﵀. واعلم أنه روى أبو القاسم القشيري في أماليه (٢) من طريق ابن سيرين عن أبي هريرة مرفوعاً: "إذا أثقلت مرضاكم فلا تملوهم قول لا إله إلا الله، ولكن لقنوهم فإنه لن يختم بها لمنافق قط" وقال غريب. قال الحافظ ابن حجر (٣): فيه محمد بن الفضل بن عطية متروك. قلت: وفي الأخبار والحكايات ما يدل لصحته. قال الحافظ عبد الحق بن عبد الرحمن الإشبيلي: واعلم أن سوء الخاتمة - أعاذنا الله منها - له أسباب ولها طرق وأبواب وأعظمها الإكباب على الدنيا والإعراض عن الأخرى، والإقدام والجرأة على معاصي الله حتى قال: وروي أن بعض رجال الناصر نزل به الموت فجعل ابنه يقول: لا إله إلا الله فقال: الناصر مولاي [٢٤/ ب] فأعاد عليه القول، فأعاد مثل ذلك، ثم أصابته غشية، فلما أفاق قال: الناصر مولاي، وكان هذا دأبه كلما قيل له قل: لا إله إلا الله. قال: الناصر مولاي، ثم قال لابنه: يا فلان! الناصر إنما يعرفك بسيفك والقتل القتل، ثم مات. قال عبد الحق: وقيل لآخر أعرفه: قل: لا إله إلا الله فجعل يقول: الدار الفلانية فيها كذا وكذا، والبستان افعلوا فيه كذا وكذا، ثم ذكر من هذا نحوه ممن أبى أن يقول: لا إله إلا الله عند السياق لأمور حالت بينه وبين قولها.

стр. 142

فانظر كم بين صالحي العلماء الذين حكينا صفة التوفيق لها، وختم كل كلام بها، وبين من صده الشيطان عنها عقوبة بما قدمه من معاصيه وآثره من طاعة هواه على طاعة الله [٩/ أ] وفعل ما يرضيه (١).

стр. 143

اللهم! وفقنا لما يرضيك، وأوزعنا شكر أياديك، وعذنا من شر معاصيك. وقوله: "دخل الجنة". أقول: قد قدمنا الكلام على رواية (تعبد) بما عرفت. وقوله: "أخرجه أبو داود" (١): قلت: وأخرجه أحمد (٢) والحاكم (٣) من حديث معاذ، وأعله ابن القطان بصالح بن أبي عَريب (٤) وأنه لا يعرف وتعقب بأنه روى عنه جماعة، وذكره ابن حبان في الثقات (٥). قلت: وفي التقريب (٦): عَريب - بفتح العين المهملة وكسر الراء - وقال: إنه مقبول. ٧/ ٧ - وعَنْ أَبِي ذَرٍّ - جندب بن جنادة الغفاري ﵁، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ "أَتَاني جِبْرِيلُ ﵇ فَبَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لاَ يُشْرِكُ بِالله شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ". قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: "وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ" قلت: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قال: "وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ". ثم قال في الرابعة: "على رغم أبي أنف أبي ذر" أخرجه الشيخان (٧) والترمذي (٨) [صحيح]. "الرغم" الذل والهوان.

стр. 144

قوله: "جُنْدَب بن جنادة": أقول:- بضم الجيم وسكون النون وفتح الدال المهملة فموحدة - قال ابن عبد البر (١): إنه [أكثر] (٢) وأصح ما قيل في اسمه وفيه اختلاف كثير. قال: كان من كبار الصحابة قديم الإسلام، يقال: أسلم بعد أربعة وكان خامساً في الإسلام، ثم ذكر ابتداء إسلامه وصفته ومقامه بمكة. قال علي بن أبي طالب ﵇: وعى أبو ذر علماً عجز الناس عنه، ثم أوكى عليه، ثم يخرج شيئاً منه. قال رسول الله ﷺ : "أبو ذر [٢٥/ ب] في أمتي على زهد عيسى بن مريم" (٣). وقال أبو ذر: "لقد تركنا رسول الله ﷺ وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا ذكر منه علماً" (٤). وساق ابن عبد البر بسنده إليه ﷺ قال: "ما أظَلَّت الخضراءُ ولا أقلَّتِ الغبراءُ أصدق لهجة من أبي ذر" (٥). توفي أبو ذر بالربذة سنة أحد وثلاثين أو اثنتين وثلاثين. وصلى عليه ابن مسعود، ثم مات بعده في ذلك العام.

стр. 145

قوله: "لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق". أقول: في رواية أن القائل ذلك [هو] (١) رسول الله ﷺ ففي البخاري (٢) قال: قال لي جبريل: "من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة ولم يدخل النار. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: نعم". والرواية الأخرى أن القائل أبو ذر. وقوله: "على رَغم أبي ذر" قال النووي (٣): هو بفتح الراء وكسرها وضمها ذكره الجوهري (٤) وغيره، وهو مأخوذ من الرَغام - بفتح الراء - وهو التراب فمعنى: أرغم الله أنفه: ألصقه بالتراب وأذله. فمعنى قوله ﷺ : "على رغم أبي ذر" أي: على ذل منه لوقوعه مخالفاً لما يريده. وقيل: معناه: على كراهة منه، وإنما قاله أبو ذر لاستبعاده العفو عن الزاني والسارق المنتهك للحرمة واستعظامه ذلك، وذكر ذنبين: ذنب بين العبد وربه، وذنب بين العبد وغيره من المخلوقين. والحديث كغيره مقيد بما سلف في حق الله، وأما حق المخلوقين، فإنه لا يتركه الله بل السارق مثلاً لا بد أن ينتصف منه المسروق؛ إما بالأخذ من حسناته، أو إذا لم يكن له حسنات ألقي عليه من سيئات المسروق، وألقي في النار إلا أن يسامحه المسروق عليه، أو يعيضه الله من فضله كل هذا ثبتت به الأحاديث.
следующие страницы →