← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14309

التحبير لإيضاح معاني التيسير

الصنعاني

Полный текст (5 029 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الثمن صح، وإلا فلا لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ [ثم] (١) فاضت نفسه كأنها ذبالة سراج ﵀. واعلم أنه روى أبو القاسم القشيري في أماليه (٢) من طريق ابن سيرين عن أبي هريرة مرفوعاً: "إذا أثقلت مرضاكم فلا تملوهم قول لا إله إلا الله، ولكن لقنوهم فإنه لن يختم بها لمنافق قط" وقال غريب. قال الحافظ ابن حجر (٣): فيه محمد بن الفضل بن عطية متروك. قلت: وفي الأخبار والحكايات ما يدل لصحته. قال الحافظ عبد الحق بن عبد الرحمن الإشبيلي: واعلم أن سوء الخاتمة - أعاذنا الله منها - له أسباب ولها طرق وأبواب وأعظمها الإكباب على الدنيا والإعراض عن الأخرى، والإقدام والجرأة على معاصي الله حتى قال: وروي أن بعض رجال الناصر نزل به الموت فجعل ابنه يقول: لا إله إلا الله فقال: الناصر مولاي [٢٤/ ب] فأعاد عليه القول، فأعاد مثل ذلك، ثم أصابته غشية، فلما أفاق قال: الناصر مولاي، وكان هذا دأبه كلما قيل له قل: لا إله إلا الله. قال: الناصر مولاي، ثم قال لابنه: يا فلان! الناصر إنما يعرفك بسيفك والقتل القتل، ثم مات. قال عبد الحق: وقيل لآخر أعرفه: قل: لا إله إلا الله فجعل يقول: الدار الفلانية فيها كذا وكذا، والبستان افعلوا فيه كذا وكذا، ثم ذكر من هذا نحوه ممن أبى أن يقول: لا إله إلا الله عند السياق لأمور حالت بينه وبين قولها.

стр. 142

فانظر كم بين صالحي العلماء الذين حكينا صفة التوفيق لها، وختم كل كلام بها، وبين من صده الشيطان عنها عقوبة بما قدمه من معاصيه وآثره من طاعة هواه على طاعة الله [٩/ أ] وفعل ما يرضيه (١).

стр. 143

اللهم! وفقنا لما يرضيك، وأوزعنا شكر أياديك، وعذنا من شر معاصيك. وقوله: "دخل الجنة". أقول: قد قدمنا الكلام على رواية (تعبد) بما عرفت. وقوله: "أخرجه أبو داود" (١): قلت: وأخرجه أحمد (٢) والحاكم (٣) من حديث معاذ، وأعله ابن القطان بصالح بن أبي عَريب (٤) وأنه لا يعرف وتعقب بأنه روى عنه جماعة، وذكره ابن حبان في الثقات (٥). قلت: وفي التقريب (٦): عَريب - بفتح العين المهملة وكسر الراء - وقال: إنه مقبول. ٧/ ٧ - وعَنْ أَبِي ذَرٍّ - جندب بن جنادة الغفاري ﵁، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ "أَتَاني جِبْرِيلُ ﵇ فَبَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لاَ يُشْرِكُ بِالله شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ". قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: "وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ" قلت: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قال: "وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ". ثم قال في الرابعة: "على رغم أبي أنف أبي ذر" أخرجه الشيخان (٧) والترمذي (٨) [صحيح]. "الرغم" الذل والهوان.

стр. 144

قوله: "جُنْدَب بن جنادة": أقول:- بضم الجيم وسكون النون وفتح الدال المهملة فموحدة - قال ابن عبد البر (١): إنه [أكثر] (٢) وأصح ما قيل في اسمه وفيه اختلاف كثير. قال: كان من كبار الصحابة قديم الإسلام، يقال: أسلم بعد أربعة وكان خامساً في الإسلام، ثم ذكر ابتداء إسلامه وصفته ومقامه بمكة. قال علي بن أبي طالب ﵇: وعى أبو ذر علماً عجز الناس عنه، ثم أوكى عليه، ثم يخرج شيئاً منه. قال رسول الله ﷺ : "أبو ذر [٢٥/ ب] في أمتي على زهد عيسى بن مريم" (٣). وقال أبو ذر: "لقد تركنا رسول الله ﷺ وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا ذكر منه علماً" (٤). وساق ابن عبد البر بسنده إليه ﷺ قال: "ما أظَلَّت الخضراءُ ولا أقلَّتِ الغبراءُ أصدق لهجة من أبي ذر" (٥). توفي أبو ذر بالربذة سنة أحد وثلاثين أو اثنتين وثلاثين. وصلى عليه ابن مسعود، ثم مات بعده في ذلك العام.

стр. 145

قوله: "لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق". أقول: في رواية أن القائل ذلك [هو] (١) رسول الله ﷺ ففي البخاري (٢) قال: قال لي جبريل: "من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة ولم يدخل النار. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: نعم". والرواية الأخرى أن القائل أبو ذر. وقوله: "على رَغم أبي ذر" قال النووي (٣): هو بفتح الراء وكسرها وضمها ذكره الجوهري (٤) وغيره، وهو مأخوذ من الرَغام - بفتح الراء - وهو التراب فمعنى: أرغم الله أنفه: ألصقه بالتراب وأذله. فمعنى قوله ﷺ : "على رغم أبي ذر" أي: على ذل منه لوقوعه مخالفاً لما يريده. وقيل: معناه: على كراهة منه، وإنما قاله أبو ذر لاستبعاده العفو عن الزاني والسارق المنتهك للحرمة واستعظامه ذلك، وذكر ذنبين: ذنب بين العبد وربه، وذنب بين العبد وغيره من المخلوقين. والحديث كغيره مقيد بما سلف في حق الله، وأما حق المخلوقين، فإنه لا يتركه الله بل السارق مثلاً لا بد أن ينتصف منه المسروق؛ إما بالأخذ من حسناته، أو إذا لم يكن له حسنات ألقي عليه من سيئات المسروق، وألقي في النار إلا أن يسامحه المسروق عليه، أو يعيضه الله من فضله كل هذا ثبتت به الأحاديث.

стр. 146

٨/ ٨ - وعَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَتَى النَّبِي ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! مَا الْمُوجِبَتَانِ فَقَالَ: "مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِالله شَيْئًا دَخَلَ النَّار، وَمَنْ مَاتَ لا يُشْرِكُ بِالله شَيْئًا دَخَلَ الجنة" أخرجه مسلم (١) [صحيح]. قوله: "وعن جابر بن عبد الله". أقول: قال ابن عبد البر (٢): هو ابن عبد الله بن حَرام الأنصاري السلَميّ: من بني سَلِمة اختُلف في كنيته وأصحُ ما قيل فيه: أبو عبد الله شهد العقبة الثانية مع أبيه وهو صغير، ولم يَشْهدِ الأولى. وروي عنه أنه قال: لم أشهد بدراً، ولا أُحُداً؛ [٢٦/ ب] منعني أبي، وذكر البخاري أنه شهد بدراً، وكان ينقل لأصحابه الماء، ثمان عشرة غزوة. قال ابنُ الكلبي. شهد [الجمل] (٣) وصفين مع علي بن أبي طالب، وكان من المُكْثرين الحُفاظ [للسير] (٤) وكف بصره في آخر عمره وتوفي بالمدينة سنة أربع وسبعين، وقيل: سنة ثمان وسبعين، وقيل: سنة سبع وسبعين. وصلى عليه أبان بن عثمان، وكان أمير المدينة. قوله: قال رسول الله ﷺ : "ثنتان موجبتان ... " الحديث. أقول: فيه الإخبار بأن الشرك موجب لدخول النار وعدمه موجب لدخول الجنة، وهو كالأحاديث التي مرت إلا أنه لا بد من قول كلمة التوحيد والاعتقاد، ولو أدنى شيء كما [١٠/ أ] تقدم تقدير بأدنى شيء من حبه شعير ... إلى آخره.

стр. 147

وأما الإيجاب ففي "النهاية" (١) يقال: وجب يجب وجوباً إذا لزم وثبت، يقال: أوجب الرجل إذا فعل فعلاً وجبت له به الجنة والنار. ٩/ ٩ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ الله، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: "لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! أَنْ لاَ يَسْأَلَني عَنْ هَذَا أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ: أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ" أخرجه البخاري (٢) [صحيح]. قوله: "من أسعد الناس بشفاعتك": في "النهاية" (٣): قد تكرر ذكر الشفاعة في الحديث فيما يتعلق بأمور الدنيا والآخرة، وهي السؤال في التجاوز عن الذنوب الجرائم يقال: شفع يشفع شفاعة فهو شفيع وشافع والمشفِع الذي يقبل الشفاعة والمشفَع الذي تقبل شفاعته. انتهى. وتأتي أحاديث الشفاعة. قال القاضي عياض (٤): مذهبُ أهل السنة جواز الشفاعة عقلاً، ووجوبها سمعاً بصريح: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾ (٥) وقوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (٦) وأمثالهما. وقد جاءت الآثار التي

стр. 148

بلغت بمجموعها التواتر بصحة الشفاعة في الآخرة لمذنبي المؤمنين (١) وأجمع السلف الصالح ومن بعدهم عليهما [٢٧/ ب] ومنعت الخوارج وبعض المعتزلة منها. قلت: أي: أنكروا بعض أنواعها. قال: وتعلقوا بمذاهبهم بتخليد المذنبين في النار، واحتجوا بقوله: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ (٢) وبقوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨)﴾ (٣) وهذه الآيات في الكفار في الكتاب وغيره. وأما تأويلهم أحاديث الشفاعة بكونها في زيادة الدرجات فباطل، وألفاظ الأحاديث صريحة في بطلان مذهبهم، وإخراج من استوجب النار منها، ولكن للشفاعة خمسة أقسام: أولها: مختصة بنبينا ﷺ وهي الإراحة من هول الموقف، وتعجيل الحساب كما يأتي بيانها. الثانية: في إدخال قوم الجنة بغير حساب، وهذه وردت لنبينا محمد ﷺ وحده ذكرها مسلم. الثالثة: شفاعة لقوم استوجبوا النار فشفع فيهم نبينا ﷺ ومن شاء الله. الرابعة: فيمن دخل النار من المؤمنين، فقد جاءت الأحاديث بإخراجهم من النار بشفاعته ﷺ والملائكة وإخوانهم من المؤمنين، ثم يخرج الله كل من قال: لا إله إلا الله كما جاء في الحديث.

стр. 149

الخامسة: الشفاعة في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها، وهذه لا ينكرها المعتزلة، ولا ينكرون أيضاً شفاعة الحشر الأولى. قال القاضي: وقد عرف بالنقل المستفيض من السلف الصالح سؤال شفاعة نبينا ﷺ [٢٨/ ب] ورغبتهم فيها، وعلى هذا لا يلتفت إلى قول من قال: إنه يكره أن يسأل الله أن يرزقه شفاعة النبي ﷺ ؛ لكونها لا تكون إلا للمذنبين؛ فإنها قد تكون لتخفيف الحساب وزيادة الدرجات، ثم كل عاقل يعترف بالتقصير محتاج إلى العفو غير معتد بعمله مشفق من أن يكون من الهالكين، وعزم هذا القائل أن لا يدعوا بالمغفرة والرحمة لأنها لأصحاب الذنوب، وهذا كله خلاف ما عرف من دعاء السلف والخلف (١). انتهى كلام القاضي. وقوله: "لما رأيت من حرصك على الحديث": أقول: شهادة لأبي هريرة بمحبته الحديث وحرصه عليه. وقوله: "أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه" فيه تقييد لكل ما سلف مما لم يذكر منه هذا القيد [٢٩/ ب] [١١/ أ]. ١٠/ ١٠ - وعَنْ صُهَيْبٍ بن سنان ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كلَّهُ له خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَان خَيْرًا لَهُ، وإنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ". أخرجه مسلم (٢) [صحيح]. ١١/ ١١ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أن رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدهِ! لاَ يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌ وَلاَ نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ".

стр. 150

أخرجه مسلم (١) [صحيح]. ١٢/ ١٢ - وعَنْ وهْب بْنِ مُنَبِّهٍ وقيل له: أَلَيْسَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ لَيْسَ مِفْتَاحٌ إِلاَّ وَلهُ أَسْنَانٌ، فَإِنْ جِئْتَ بِمِفْتَاحٍ لَهُ أَسْنَانٌ فُتِحَ لَكَ، وإلاَّ لَمْ يُفْتَحْ لَكَ" أخرجه البخاري معلقاً (٢) [إسناده ضعيف]. ١٣/ ١٣ - وعن عبد الله بن مسعود الهذلي ﵁، وسأله رجل: ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا محمد في أدناه وطرفه في الجنة، وعن يمينه جواد، وعن يساره جواد، وثم رجال يدعون من مر بهم، فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط المستقيم انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الآية (٣). أخرجه رزين (٤) [ضعيف]. "والجواد" جمع جادة، وهي: الطريق.

стр. 151

الفصل الثاني: في حقيقتهما ١٤/ ١ - عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵄, وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَلا تَغْزُو؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ الإِسْلَامَ بُنِيَ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهِ، وَأَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيْتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَان" أخرجه الخمسة إلا أبا داود (١) [صحيح]. ١٥/ ٢ - وعن يحيى بن يعمر قال: كان أول من قال في القدر (٢) بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين. فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر ﵄ داخلاً المسجدَ فاكتنفته أنا وصاحبي: أحدُنا عن يمينه والآخر عن يساره، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليّ. فقلتُ: يا أبا عبد الرحمن! إنه ظهَرَ قبلنا أناسٌ يقرءون القرآن ويتقفرون العلم، وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قَدَرَ، وأن الأمر أنف فقال: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم براء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر! لو أن لأحدهم مثل أحدٍ ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر. ثم قال: حدثني أبي عمر بن الخطاب ﵁ قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر [٣٠/ ب] لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه. وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام. فقال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن

стр. 152

محمداً عبده ورسوله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً. قال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة. قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن إمارتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة "وليس عند مسلم العالة" رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. قال: ثم انطلق فلبثت ملياً" هذا لفظ مسلم، وعندهم: "فلبثت ثلاثاً ثم قال: يا عمر! أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل ﵇ أتاكم يعلمكم دينكم" أخرجه الخمسة إلا البخاري (١)، وزاد أبو داود (٢) في أخرى بعد صوم رمضان: "والاغتسال من الجنابة". وله في أخرى (٣): وسأله رجلٌ من مزينة أو جُهينة فقال: يا رسول الله! فيم نعملُ في شيء خلا ومضى؟ فقال الرجلُ: أو بعض القوم: ففيم العمل؟ قال: إن أهل الجنة ييسرون لعمل أهل الجنة، وإن أهل النار ييسرون لعمل النار". وأخرج البخاري (٤) ﵀ نحوه عن أبي هريرة وهي رواية لهم إلا الترمذي (٥) ﵀، وفيه أن تعبد الله لا تشرك به شيئاً مكان أن تشهد

стр. 153

وفيه: فإذا كان الحفاة العراة رءوس الناس. وزاد في خمس لا يعلمها إلا الله تعالى وتلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية. وفي أخرى بعد العُراة: الصم البكم ملوك الأرض وعند النسائي (١) ﵀ قال: لا والذي بعثت محمداً بالحق هادياً وبشيراً ما كنت بأعلم به من رجل منكم، وإنه لجبريل ﵇ نزل في صورة دحية الكلبي. ومعنى: "يتقفرون" يتتبعون، وقوله: "أنف" بضم الهمزة والنون: أي: محدث لم يسبق علم الله تعالى به. وكذب أعداء الله تعالى، بل علم الله تعالى سابقٌ للمعلومات كلها. ١٦/ ٣ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "بينا نحن جلوس مع النبي ﷺ في المسجد إذ دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد، ثم عقله. ثم قال: أيكم محمدٌ؟ قلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ" (٢) [صحيح]. وللنسائي (٣) من رواية أبي هريرة: هذا الأمغر المرتفق قال حمزة: "الأمغر: الأبيض المشرب بحمرة فقال: ابن عبد المطلب، فقال [٣١/ ب] النبي ﷺ : "قد أجبتك. فقال: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة فلا تجد علي في نفسك. قال: "سل عما بدا لك" فقال: أسألك بربك ورب من قبلك: الله أرسلك إلى الناس كلهم؟ قال: "اللهم! نعم" قال: أنشدك بالله تعالى الله أمرك أن تصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة. قال: "اللهم! نعم" قال: أنشدك بالله تعالى آلله أمرك أن تصوم هذا الشهر من السنة. قال: "اللهم! نعم" قال: أنشدك بالله تعالى

стр. 154

الله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا. قال: "اللهم! نعم" قال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر. [إسناده صحيح] أخرجه الخمسة، وهذا لفظ البخاري. وعند مسلم (١) جاء رجل فقال: يا محمد! أتانا رسولك فزعم أنك تزعم أن الله تعالى أرسلك؟ قال: "صدق" قال: فمن خلق السماء؟ قال: "الله" قال: فمن خلق الأرض؟ قال: "الله" قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: "الله" قال: فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب الجبال آلله أرسلك؟ قال: "نعم" قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا؟ قال: صدق. قال: فبالذي أرسلك الله تعالى أمرك بهذا؟ قال: نعم، ثم ذكر الزكاة، ثم الصيام، ثم الحج، كذلك قال: والنبي ﷺ يقول في كل سؤال: "صدق" فيقول: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ فيقول: "نعم" ثم ولى وقال: والذي بعثك بالحق لا أزيدُ عليهن ولا أنقص منهن، فقال النبي ﷺ : "لئن صدق ليدخلن الجنة" [صحيح]. ١٧/ ٤ - وعن طلحة بن عبيد الله قال: جار رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد ثائر الرأس نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول. حتى دنا من رسول الله ﷺ فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "خمس صلوات في اليوم والليلة" فقال: هل عليّ غيرهن؟ قال: "لا إلا أن تطوع" فقال رسول الله ﷺ : وصيام رمضان" فقال: هل علي غيره؟ قال: "لا إلا أن تطوع" وذكر له الزكاة، فقال: هل علي غيرها؟ قال: "لا إلا أن تطوع" فأدبر وهو يقول: لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فقال رسول الله ﷺ : "أفلح إن صدق، أو دخل الجنة إن صدق".

стр. 155

أخرجه الستة إلا الترمذي (١) [صحيح] وعند أبي داود (٢): "أفلح وأبيه إن صدق". [شاذ بذكر وأبيه]. ١٨/ ٥ - وعن عبد الله بن عباس ﵄، وسألته امرأة عن نبيذ الجر فقال: إن وفد عبد القيس أتوا النبي ﷺ فقال: من الوفد، أو من القوم؟ قالوا: ربيعة. قال: مرحباً بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا ندامى، قالوا: إنا نأتيك من شقة بعيدة، وإن بيننا هذا لحي من كفار مضر، ولا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام فمرنا بأمر فصلٍ نخبر به من وراءنا، وندخل به الجنة. فأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع أمرهم بالإيمان بالله تعالى وحده وقال: هل تدرون ما الإيمان؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمساً من المغنم، ونهاهم عن الدباء، والحنتم، والمزفت، والنقير. قال شعبة: وربما قال: المقير. وقال: أحفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم. وقال [٣٢/ ب] للأشج أشج عبد قيس: إن فيك خصلتين يحبهما الله تعالى: الحلم، والأناة. أخرجه الخمسة، وهذا لفظ الشيخين (٣). [صحيح]. "الدباء" القرع "والحنتم" جرار خضر كانوا يجعلون فيها الخمر "والنقير" أصل خشبة ينقر. و"المزفت" الوعاء المطلي بالزفت من داخل وهو المقير. وهذه الأوعية الأربعة تسرع

стр. 156

بالشدة في الشراب وتحدث فيه القوة والمسكرة عاجلاً، وتحريم الانتباذ في هذه الظروف كان في صدر الإسلام، ثم نسخ. ١٩/ ٦ - وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِأَرْبَعٍ: يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ الله وَأنِّي مُحَمَّد رَسُولُ الله بَعَثَنيَ بِالحَقِّ وَيُؤْمِنُ بِالمَوْتِ، وَيُؤْمِنُ بِالْبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، وَيُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ" أخرجه الترمذي (١) [صحيح]. قوله: "وعن علي بن أبي طالب": أقول (٢): الهاشمي المكي المدني الكوفي. أسلم وهو ابن ثمان أو عشر سنين، أو أربعة عشرة، أو خمس عشرة أو ست عشرة. أقوال قيل: والصواب عدم توقيت إسلامه؛ لأنه لم يكن مشركاً فيستأنف الإسلام. أجمعوا على أنه شهد المشاهد كلها إلا تبوك، فإنه استخلفه رسول الله ﷺ في المدينة وقال له: "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي" (٣) وكان لواءه ﷺ معه في أكثر حروبه، وكان له الأثر العظيم في كل مشهد حتى لا يعلم لأحد من الصحابة في الشجاعة ومبالاة الحروب ماله، وقد أثنى عليه الأئمة في كتب الصحابة وغيرها بما لا تستوفيه العبارة، ولا تفنى عنه الإشارة، وقد شرحنا من أحواله وفضائله وخصائصه ما لا يدخل تحت الحصر في كتابنا "الروضة الندية شرح التحفة

стр. 157

العلوية" (١) واستشهد بمسجد الكوفة وقت الفجر وذلك يوم الجمعة سابع عشر من شهر رمضان سنة أربعين، وأصح الأقوال: أن عمره حين استشهد ثلاث وستون سنة. قوله: "لا يؤمن عبدٌ حتى يؤمن بأربع". أقول: لا يتصف بالإيمان الذي ينجي من العذاب ويستحق به الثواب، فأبهم الأربع، ثم فسرها بقوله: "يشهد أن لا إله إلا الله" أي: يقر بلسانه مع اعتقاده بجنانه. ويشهد أني محمد رسول الله. كذلك أيضاً. وقوله: "بعثني بالحق" أي: أرسلني به وهو للجنس. أي: جنس الحق [ويحتمل] (٢) الاستغراق أي: كل حق، ويحتمل أن يراد القرآن فإنه الحق، وهذا اللفظ متضمن لجميع شرائع الدين، فدخلت بقية أركان الإسلام إذْ هذي من الحق الذي بعث به ﷺ . والإيمان "بالموت" التصديق (٣) بأنه من عند الله يرسل ملائكته لقبض الأرواح في [٣٣/ ب] الأجل الذي قدره لعباده لا أنه كما يقوله الكفار: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ (٤). والإيمان بالبعث التصديق: [بأن] (٥) الله يحيي العظام وهي رميم، وأنه يعيد الخلق كما بدأه، ويبعث من في القبور، وهذه من المطالب المهمة لله ولرسله، وكرر الله الاستدلال عليه في القرآن في عدة آيات وضرب الأمثال والأقيسة، وأشار إلى أنه معلوم عقلاً بقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨)

стр. 158

فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ (١) فأورده الكلام استفهاماً إنكارياً. أي: لا يقع هذا الحسبان والظن من إنسان، ثم استدل بأنه كان من مني ميت وهو النطفة، ثم نقله إلى علقة، ثم سواه إنساناً، أفتعجز قدرته أن تحيي الموتى؟ فإنه قد أحياه أولاً، وهو نطفة كما قال تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ (٢) فالإماتة الأولى تعلمونها يقيناً بالمشاهدة في النطفة، فإنها ميتة أحياها بنفخ الروح فيها، فالإحياء بعد الإماتة الثانية مثل الإحياء الأول بعد الإماتة الأولى. فكيف تنكر؟ فإنه لا ينكر اتفاق المتماثلين عاقل، وقد أورده استفهاماً إنكارياً، والإيمان بهذا واجب وقد قامت أدلته، ويكفي من أدلته إخبار الرسول ﷺ بوجوب تصديقه في كل ما أخبر به إذ هو معنى الإيمان به، فعطف هذا وما قبله على قوله: "وإني رسول الله" من عطف الخاص على العام رفعاً لشأنه، وإفراد لذكره، وتنويهاً بأمره. قوله: "وأخرجه الترمذي". قلت: وصحح بعض طرقه [١٢/ أ]. الحديث السابع: ٢٠/ ٧ - وعن الشريد بن سويد الثقفي قال: قلت: يا رسول الله! إني أمي أوصت أن أعتق عنها رقبة مؤمنة، وعندي جارية سوداء نوبيةٌ أفأعتقها؟ قال: "ادعها" فدعوتها، فجاءت فقال: "من ربك؟ " قالت: الله. قال: "فمن أنا؟ " قالت: رسول الله، قال: "اعتقها فإنها مؤمنة".

стр. 159

أخرجه أبو داود (١) والنسائي (٢) [حسن]. قوله: "وعن الشَرِيدْ بن سويد الثقفي". أقول:- بفتح الشين المعجمة فراء [٣٤/ ب] فمثناة تحتية فدال مهملة - وسُويد - بالمهملة - مصغر. قال ابن عبد البر في الاستيعاب (٣): قيل: إنه من حضر موت، ولكن عداده في ثقيف روى عنه ابنه عمرو بن الشريد، ويعقوب بن عاصم، يعدّ في أهْل الحجاز [وذكر] (٤) بسنده أنه استنشده النبي ﷺ من شعر أُميَّة بن أبي الصلت مائة قافية، فقال: كادَ يُسلمُ (٥) انتهى. قوله: "فقال لها: من ربك؟ قالت: الله". أقول: فيه أنه يختبر إيمان من لم يعلم إيمانه بسؤاله عن ربه أي: مالكه وإلهه، فإنه ﷺ لما أراد معرفة إيمانها سألها عن ربها من هو واكتفى بإقرارها بأنه الله تعالى، وهذا جوابها كان عن الفطرة التي فطر الله عباده عليها، ولم يسألها عن صفاته، ولا عن شيء بعد إقرارها بربوبيته ولم يكلفها الدليل على أنه ربها بل كفاه إقراراً به تعالى، ولم يأمرها بالنطق بكلمة التوحيد لعلمه بأنها بإقرارها بربوبيته مقرة بوحدانيته، ثم قال لها: "فمن أنا؟ " قالت: رسول الله. فقيل: إقرارها أيضاً واكتفى به عن طلب الدليل على ما أقرت به، ومن المعلوم أن مستند إقرارها برسالته ﷺ هو شهرة أمره، وأنه رسول الله، وإن لم تعرف معجزة، ولا عرفت إقامة بأدلة الرسالة، ثم حكم ﷺ لها بأنها مؤمنة بمجرد إقرارها بربية الله ورسالته ﷺ ، ولم يسألها عن

стр. 160

غير ذلك، لأنها بإقرارها بأنه رسول الله قد تضمن إيمانها بكل ما جاء به؛ وفي هذا دليل ناهض على الحكم بإيمان العامة القاصرين عن معرفة الأدلة لا دلائل التوحيد، ولا دلائل الرسالة، بل يكفيهم التصديق بالله، وأنه ربهم وبرسالة رسول الله ﷺ . قال الزركشي في شرح الجامع (١): وقد ذكر الحديث الآتي عند مسلم، وهذا دليل على الاكتفاء بالشهادتين في صحة العقدة، وإن لم يكن عن نظر واستدلال، بل اكتفى بما فطرت عليه فإنه ﷺ لم يسألها من أين علمت ذلك؟ قال النووي [٣٥/ ب] في شرحه: وهذا هو الصحيح الذي عليه الجمهور، وكذلك قوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" (٢) ولم يقل: حتى يستدلوا أو ينظروا. وقال ابن عبد السلام في "قواعده" (٣):- قد ذكر ما يجب من معرفة الله - أن اعتقاد ذلك واجب في حق العامة وهو قائم مقام العلم في حق الخاصة لما في تكليفهم ذلك من المشقة الظاهرة العامة.

стр. 161

وقال صاحب الصحائف: من اعتقد أركان الدين تقليداً فاختلفوا فيه؟ فقيل: مؤمن، وإن كان عاصياً بترك النظر والاستدلال المؤدي إلى معرفة أدلة قواعد الدين، وهذا مذهب الأئمة الأربعة (١)، والأوزاعي، والثوري، وكثير من المسلمين. وقيل: لا يستحق اسم المؤمن إلا بعد عرفان الأدلة، وهو مذهب الأشعري (٢). انتهى. وهذا الحديث والذي بعده يردان هذا القول، فإنه لو كان عدم النظر عصيان لما أقر النبي ﷺ الجارية عليه، وقد سماها مؤمنة، وأما ما نقل عن الأشعري أن إيمان المقلد لا يصح،

стр. 162

وأنه يقول بتكفير العوام. فقد أنكره أبو القاسم القشيري (١) وقال: هذا كذب وزور. وقال أبو منصور في "المقنع": أجمع أصحابنا أن العوام مؤمنون عارفون بالله وأنهم حشو الجنة للأخبار والإجماع فيه، وهذا لا ينبغي أن يرتاب فيه. قال: وقد نقل الكيا [١٣/ أ] في تعليقه إجماع الأصحاب أنهم مؤمنون. قلت: وفيهم قال أبو القاسم البلخي: هنيئاً للعامة هنيئاً لهم السلامة. وقال: أموت على دين العجائز. وقد بسطنا هذا في محله، ويأتي كلام الخطابي قريباً. قوله: "أخرجه أبو داود (٢) والنسائي" (٣). الحديث الثامن: ٢١/ ٨ - وعن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: إن لي جارية كانت ترعى غنماً لي فجئتها وقد فقدت شاة فسألتها عنها، فقالت: أكلها الذئب فأسفت عليها، وكنت من بني آدم فلطمت وجهها وعلي رقبة أفأعتقها؟ فقال لها النبي ﷺ : "أين الله تعالى؟ " قالت: في السماء، قال: "فمن أنا" قالت: أنت رسول الله فقال: "اعتقها فإنها مؤمنة". أخرجه مسلم (٤)، ومالك (٥)، وأبو داود (٦)، والنسائي (٧).

стр. 163

قوله: "وعن معاوية بن الحكم السلمي". أقول: في "الاستيعاب" (١) [٣٦/ ب] كان ينزل المدينة، ويسكن في سُلِيم وهو معدود في أهل المدينة، ولم يطل في ترجمته. قوله: "فأسِفت عليها": أسف الرجل يأسف أسفاً فهو أسيف إذا غضب. قوله: "رقبة" الرقبة في الأصل العتق، جعلت عبارة عن ذات الإنسان ذكراً كان أو أنثى. قوله: "صككتها": الصك: الضرب. أراد [أنه] (٢) لطمها، وقد جاء في رواية: ["فلطمتها"] (٣). وفيه دليل أن لطم وجه المملوك لا يخرجه بمجرده عن الملك، ويأتي الكلام فيه في العتق - بالمثلة - في كتاب العتق إن شاء الله. قوله: "أين الله": هذا دليل لما قال العز بن عبد السلام: إن الله تعالى اغتفر للعامة اعتقاد الجهة؛ لأنهم لا يعرفون إله ذا جهة، فلم يكلفهم الله بخلاف ما يعرفونه، وعليه ورد السؤال بأين الله؟ وأقر ﷺ جوابها بأنه في السماء وعليه: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ الآية (٤)، ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (٥) وللعلماء أبحاث طويلة في هذا بينهم وبين الحنابلة.

стр. 164

وقوله: "فإنها مؤمنة" هو كما سلف في حديث الشريد (١). وقال الخطابي (٢): هنا إما حكم بأنها مؤمنة بهذا القدر من قولها وهو: أنه لما سألها أين الله؛ فقالت: في السماء. وهذا القدر لا يكفي في ثبوت الإسلام والإيمان دون الإقرار بالشهادتين [و] (٣) التبري من سائر الأديان؛ لأنه ﷺ رأى منها أمارة الإسلام، وأنها في دار الإسلام وبين المسلمين، وتحت رق المسلمين، وهذا القدر يكفي علماً لذلك ألا ترى إذا رأينا رجلاً وامرأة مقيمين في بيت فسألناه عنها قال: هي زوجتي [٣٧/ ب] صدقناه في ذلك وقبلنا قولهما، ولا نكشف عن أمرهما ولا نطلب منهما شرائط العقد، فإذا جاءنا رجل وامرأة أجنبيان يريدان ابتداء عقد النكاح فإنا نطالبهما بشروط النكاح، وإحضار الولي والشهود وغير ذلك، وكذلك الكافر إذا عرض عليه الإسلام لم نقتصر منه على قوله: إني مسلم حتى يصف الإسلام بكماله وشرائطه، فإذا جاءنا من يجهل حاله في الكفر والإيمان فقال: إني مسلم قبلناه إذا كان عليه أمارة الإسلام من هيئته وشارة ودار كان قبول قوله أولى، بل يحكم عليه بالإسلام، وإن لم يقل شيئاً. انتهى. قلت: وفيه تأمل، فإنه اكتفى رسول الله ﷺ بإسلام عامة العباد بمجرد قولهم لكلمة التوحيد، وصرح ﷺ بأنه لم يؤمر أن يشق عن قلوب الناس، فهذا الذي ادعاه الخطابي من التبري من سائر الأديان لم يأت به دليل، بل الدخول في دين الإسلام هو براءة من سائر

стр. 165

الأديان، ولا علمنا أنه أتى عن رسول الله ﷺ حرف واحد بشرعية البراءة عن سائر الأديان في صحة الإسلام إلا ما يأتي في حديث معاوية بن حيدة من قوله ﷺ له أن يقول: أسلمت وجهي لله وتخليت .. (١) ويأتي الكلام عليه إن شاء الله [١٤/ أ]. الحديث التاسع: ٢٢/ ٩ - وعن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ذَاقَ طَعْمَ الإِيْمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبّاً، وَبِالإِسْلَامِ دِيْنَاً، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً" أخرجه مسلم (٢) والترمذي (٣) [صحيح]. قوله: قوله: "عن العباس بن عبد المطلب". أقول: في "الرياض المستطابة" (٤) أنه كان أسن من النبي ﷺ بسنتين أو ثلاث، ولم يزل معظماً في الجاهلية والإسلام، وكان إليه أمر السقاية في الجاهلية [٣٨/ ب] وقرره ﷺ . حضر مع النبي ﷺ ليلة العقبة، وأكّد له العقد مع الأنصار، وخرج إلى بدر مع المشركين مرآءةً لهم فأسره ﷺ والمسلمون ففادى نفسه وابني أخويه عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث، وأسلم عقيب ذلك وعذره النبي ﷺ في الإقامة بمكة لأجل سقايته، ولقي النبي ﷺ في سفر الفتح مهاجراً بنفسه، فرجع معه وكان سبباً لتسكين الشر وحقن الدماء، وخرج معه ﷺ إلى حنين وثبت معه، وكان النبي ﷺ يعظمه ويجله ويعطيه العطاء الجزل، وكذلك

стр. 166

الخلفاء الراشدين بعده. ومناقبه واسعة، ووفاته سنة (٣٢) أو (٣٤) وهو ابن (٨٨) سنة أو نحوها ووفاته في شهر رجب وصلى عليه عثمان وقبره في وراء البقيع مشهور (١). قوله: "ذاق طعم الإيمان". أقول: استعارة تخييلية شبه الإيمان بشيء ذي ذوق مطوي في النفس، ثم أثبت له الذوق والطعم تخييلاً له كما عرف. وفيه تنزيل [المعقول] (٢) منزلة المحسوس. قال صاحب "التحرير": يعني: رضيت بالشيء قنعت به واكتفيت به، ولم أطلب معه غيره. فمعنى الحديث: لم يطلب غير الله، ولم يسع في غير طريق الإسلام، ولن يسلك إلا ما يوافق شريعة محمد ﷺ . ولا شك في أن من كان هذه صفته فقد خلصت حلاوة الإيمان إلى قلبه، وذاق طعمه. وقال القاضي عياض (٣): معنى الحديث: صح إيمانه، واطمأنت به نفسه، وخامر باطنه، لأن رضاه بالمذكورات دليل لقوة معرفته ونفاذ بصيرته ومخالطة بشاشة قلبه، لأن من رضي أمراً سهل عليه، وكذا المؤمن إذا دخل قلبه الإيمان سهلت عليه الطاعات ولذت له. انتهى. قلت: وتقدم الكلام بأوفى من هذا في الفصل الأول. قوله:"أخرجه مسلم (٤) والترمذي (٥) ". وقال: حسن صحيح.

стр. 167

٢٣/ ١٠ - وعن عبد الله بن معاوية الغاضري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثَلاَثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ طَعَمَ طَعْمَ الإِيْمَانِ: مَنْ عَبَدَ الله وَحْدَهُ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله، وَأَعْطَى زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسه رَافِدَة عَلَيْه كُلَّ عَامٍ، وَلَمْ يُعْطِ الهَرِمَة، وَلاَ الدَّرِنَة، وَلاَ المَرِيْضَة، وَلاَ الشّرَط اللَّئِيْمَة، وَلَكِنْ مِنْ وَسَطِ أَمْوَالِكُم، فَإِنَّ الله تَعَالَى لَمْ يَسْأَلْكُم خَيْرهُ وَلَمْ يَأْمُرْكُم بِشَرِّه" أخرجه أبو داود (١). ومعنى: "رافدة عليه" أي: معينة له على أداء الزكاة غير محدثة نفسه بمنعها فهي ترفده وتعينه. ومعنى: "الدرنة والشرط اللئيمة" رذال المال وصغاره. أقول: بالغين المعجمة وضاد معجمة، والنسبة إلى غضارة قبيلة من أسد (٢). قوله: "ثلاث من فعلهن فقد طعم طعْمَ الإيمان". أي: قد ذاقه واستلذ به. وفيه استعارة كما سبق، ثم بعد طعمها حمله تشويقاً إليها فسرها بقوله: "من عبد الله وحده" العبادة غاية الخضوع والتذلل والانقياد، وهي عامة لكل ما يتذلل به لله تعالى فيما أمر به فيشمل كل عبادة أمر الله بها. وقوله: "واعلم أن لا إله إلا الله" هذه متقدمة على الأولى وجوداً وطلباً، ولكن الواو لا تقتضي الترتيب على أنه قد يقال: عِلْمُ أن لا إله إلا الله قد استلزمه إفراده بالعبادة الدال عليه قوله: "وحده" إذ لا يفرده بها إلا بعد علمه بانفراده بالإلهية. وقدمنا لك أنه لا بد من العلم والقول بهذه الكلمة، وإذا كان كذلك فهو من باب عطف الخاص على. العام.

стр. 168

كما أن قوله: "وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه" وذلك إذا أعطى المال من العبادة لما فيه من الامتثال للأمر، وإخراج ما هو شقيق الروح إيماناً بوجوبها، فيكون هذا تفصيل لذلك المجمل. وعدها ثلاثاً؛ لأنها كذلك، وإن شملها أمر واحد، وفي إضافة الزكاة إلى المال إعلام بأنه لا زكاة على من لا مال له، ثم هي مجملة هنا قدراً ونصاباً وزماناً ومصرفاً، وكم في كل نوع من المال؟ ومن أي المال تجب؟ ففيها إجمال واسع، وقد بينته السنة النبوية [٤٠/ ب] بياناً شافياً [١٥/ أ] ثم شرط في الإعطاء أن يكون عن طيبة نفس، والمخرج لها عالماً أن هذه طاعة لا يتم الامتثال إلا بطيبة النفس وبذلها، ولا يكون في قِسْم من قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ (١) بل يكون من القسم الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ﴾ ... ﴿وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٢) وكيف لا تطيب نفسه بجزء حقير؛ عشراً، أو نصفه، أو ربعه، يخرجه صلةً لإخوانه الفقراء ومواساة لهم وشكراً لله، وسيذكر الله له ما أعطاه ومتاجرة له، فإنه يقول تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾ (٣). والحوامل على طيبة النفس بها كثيرة، لكن من العباد من يتزلزل قدمه عند خراج المال ويتحوشه عبودة الشح: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ (٤) ولذا

стр. 169

أفرد الزكاة هنا [مع] (١) شمول الأولى لها بمشمولة لقريبتها، وهي الصلاة لشدة التكليف بها وعدم سماحة النفوس ببذلها. وفسر المصنف قوله: "رافدة عليه كل عام، أي: معينة له على أداء الزكاة غير محدثة نفسه بمنعها، فهي ترفده وتعينه". فقوله: "طيبة بها نفسه": حال من الزكاة، ولا بد من تقدير مضاف أي: بإخراجها أو إعطائها. قوله: "رافدة": حال من نفسه. أي: حال كون نفسه معينة له على إعطاء زكاة ماله مهونة عليه إخراجها معظمة له أجر إعطائها واثقةً بالإخلاف من الله تعالى وعوناً له. ولفظها "النهاية" (٢): الرَّافِدَة: فاعِلَة من الرَّفْد وهو الإعانَة. يقال: رفَدْته أرفِدُهُ إذا أعنْتَه أي: تُعِينُه نفْسُه على أدائها. انتهى. ويأتي أبحاث ذلك في كتاب الزكاة. قوله: "الذَرِبة" بالذال المعجمة المفتوحة وراء مكسورة فموحدة (٣). و"الشَرَط" - بفتح الشين [٤١/ ب] المعجمة وفتح الراء - وقد فسرهما المصنف. وهذا في زكاة الأنعام، ويجري مثله في غيرها كما يفيده عموم قوله: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ﴾

стр. 170

تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا﴾ (١) بعد قوله: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ (٢). ٢٤/ ١١ - وعن بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه عن جده قال: قلت: يا نبي الله! ما أتيتك حتى حلفت أكثر من عدد هؤلاء لأصابع يديه أن لا آتيك ولا آتي دينك، وإني كنت امرأً لا أعقلُ شيئاً إلا ما علمني الله تعالى ورسوله، وإني سألتك بوجه الله تعالى، بم بعثك الله إلينا؟ قال: "بالإسلام" قلت: وما آيات الإسلام؟ قال: أن تقول: "أسلمت وجهي لله تعالى، وتخليت، وتقيم الصلاة, وتؤتي الزكاة، كل مسلم على مسلم محرم أخوان نصيران، لا يقبل من مشرك بعدَ ما أسلم عملٌ أو يفارق المشركين إلى المسلمين" أخرجه النسائي (٣) [حسن]. قوله: " [و] (٤) عن بهز": أقول: - بفتح الموحدة وسكون الهاء فزاي - ابن حَكِيم بن معاوية بن حيدة - بفتح الحاء المهملة فمثناة تحتيه ساكنة فدال مهملة، وهو قوله: قال: قلت: أي: قال معاوية ابن حيدة. أقول: هو أبو عبد الملك قال الحافظ ابن حجر (٥): صدوق. قوله: "ما آيات الإسلام" أي: علاماته. قال: "أن تقول: أسلمت وجهي لله".

стр. 171

أي: أنفذت واستسلمت له، وإنما أوقفه على الوجه زيادة في الانقياد والاستسلام لأنه إذا انقاد أشرف أعضائه فبالأولى غيره. وفيه دليل أنه يكفي هذا اللفظ عن التلفظ بكلمة الشهادة، وليس كذلك، بل هذا اقتصار على مفرد تحته جمل، لأن من أسلم أتى بخصال الإسلام التي رأسها وأساسها تلفظه بكلمة التوحيد. "وتخليت" - بالخاء المعجمة - في "النهاية" (١): التخلي: التفرغ يقال: تخلى للعبادة وهو تفعال من الخلو والمراد التبري من الشرك وعقد القلب على الإيمان. انتهى. قلت: هذا هو دليل الخطابي على أنه لا بد من التبري عن كل دين في عقد الإسلام كما أشرنا إليه إلا أنه لا يخفى أنه ﷺ لم يأمر كل من أسلم بذلك، وذلك لأن من لازم الرضى بالإسلام البراءة عما عداه، وتقدم الكلام على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. وقوله: "كل مسلم على مسلم محرم" في "الجامع": زاد في أخرى: "كل مسلم عن مسلم محرم" هكذا بلفظ: "عن" جملة استئنافية احتفاء بحقوق العباد بعضهم على بعض، وأن كل مسلم محرم دمه وماله وعرضه على كل مسلم. قال ابن الأثير (٢) في "غريب الجامع": يقال: أحرم الرجل: إذا اعتصم بحرمةٍ تمنع عنه. انتهى. ثم زاده بياناً بقوله: "أخوان نصيران" أي: المسلمان أخوان (٣) [٤٢/ ب].

стр. 172

مأخوذ من قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (١) فهما أخوان بأخوة الإسلام. وقوله: "النصيران" تثنية نصير، وهو المبالغ في نصرة غيره، فهو إعلام بأن كل أخ منهم نصير لأخيه [١٦/ أ] ويأتي إفادة إيضاحه في حقوق المسلمين بعضهم على بعض، ثم إنه ﷺ أخبره بما يجب من الهجرة بقوله: "لا يقبل من مشرك بعد ما أسلم عمل من أعمال الإسلام، ولا يثاب عليه إلا أن يفارق أو إلى أن يفارق" (٢) فيفارق يتصور بأن المقدرة، وأو بمعنى: إلا أو إلى كما عرف في النحو. "المشركين إلى المسلمين" أي: يخرج من دار الشرك إلى دار الإسلام، وهذه الهجرة كانت واجبة لا يقبل عمل إلا بها إلا من عذره من المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، ثم نسخت من مكة بعد فتحها إذ بعده صارت دار إسلام. ٢٥/ ١٢ - وعن سفيان بن عبد الله الثقفي ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك. قال: "قُلْ: آمَنْتُ بِالله تَعَالَى ثُمَّ اسْتَقِم" أخرجه مسلم (٣) [صحيح]. قوله: "سفيان بن عبد الله الثقفي": أقول: في "الاستيعاب" (٤): معدود في أَهْلِ الطائف، له صُحْبَةٌ وسماع ورواية كان عاملاً لعمر بن الخطاب على الطَّائِف روى عنه ابنُه عبد الله بن سفيان وغيره.

стр. 173

قوله: "قل لي في الإسلام" أي: في حقيقته النافعة لمن تمسك بها كما يفيده. قوله: "قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك". وقوله ﷺ : "قل آمنت بالله" أي: صدقت به وبرسله، وبما جاءت به رسله. "ثم استقم" الجواب النبوي مشتق من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ (١) قد ثبت عن السلف تفسير الاستقامة وثبت مرفوعاً. أخرج الترمذي (٢)، والنسائي (٣)، والبزار (٤)، وأبو يعلى (٥)، وابن جرير (٦)، وابن أبي حاتم (٧)، وابن عدي (٨) وابن مردويه (٩) عن أنس قال: قرأ علينا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ [٤٣/ ب] قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قال: "قد قالها ناس عن الناس، ثم كفر أكثرهم فمن قالها حتى يموت فهو ممن استقام عليها".

стр. 174

وأخرج ابن المبارك (١) وعبد الرزاق (٢) والفريابي، وسعيد بن منصور (٣) وآخرون من طريق سعيد ابن أبي [نمران] (٤) عن أبي بكر الصديق في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قال: "الاستقامة أن لا يشركوا به شيئاً". وأخرج ابن مردويه (٥) من طريق الثوري عن بعض أصحابه عن النبي ﷺ في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ "إلى فرائض الله". وأخرج ابن مردويه (٥) وعبد بن حميد (٥) والحكيم الترمذي في نوادر الأصول (٥) وابن جرير (٦) والحاكم وصححه (٧) من طريق الأسود بن هلال عن أبي بكر الصديق أنه قال: ما تقولون في هاتين الآيتين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (٨) قالوا له: الذين قالوا: ربنا الله ثم عملوا بها واستقاموا على أمره، فلم يذنبوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم لم يذنبوا. فقال: لقد حملتوهما على أمر شديد. الذين آمنوا

стр. 175

ولم يلبسوا إيمانهم بظلم. يقولون: بشرك. والذين قالوا: ربنا الله ثم استقاموا فلم يرجعوا إلى عبادة الأوثان. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات (١) عن ابن عباس في: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قال: "على شهادة أن لا إله إلا الله". ٢٦/ ١٣ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ صَلَّى صَلاَتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيْحَتَنَا فَهُوَ المُسْلِم" أخرجه النسائي (٢) وهو طرف من حديث طويل أخرجه البخاري (٣) وأبو داود (٤) والترمذي (٥) ﵀. [صحيح]. قوله: "وصلى صلاتنا" أي: الخمس المفروضة علينا وهي لا تتم بجميع صفاتها وهيئاتها، ومنها: استقبال القبلة، فقوله: "واستقبل قبلتنا" ذكر لأعظم واجبات الصلاة عناية بشأنه. وقوله: "وأكل ذبيحتنا" أي: ما ذبحه أهل الإسلام فهو المسلم؛ لأنه قد اتصف بخصال الإسلام فإن إقامة الصلاة [٤٤/ ب] لا يكون إلا بعد التصديق بالله وبرسله، وأكل ذبائح أهل الإسلام من جملة خصاله، وإنما كان ﷺ يصف لكل سائل ما يعلم أنه إلى معرفته أحوج، وأن خطابه أهم وإسلامه بفعله وقوله أتم.

стр. 176

واعلم أن هذه الأحاديث التي سردها المصنف وقبله ابن الأثير في حقيقة الإيمان والإسلام هي، وإن اختلفت ألفاظها وعُدَّ في بعضها ما لم يعد في غيره فهي عائدة إلى مراد واحد وهو بيان الإيمان، وإيضاح مسماه وأوضح شيء في ذلك حديث جبريل (١) ولهذا سماه النبي ﷺ تعليماً للدين، وما عداه مما نقص عن الخصال التي عدت فيه كحديث الجارية (٢) الذي اقتصر فيه عن سؤالها عن الله وعن النبي ﷺ يحمل على أنه اقتصار على الأهم، وإلا فكل خصال الإيمان التي بني عليها مراده على أن بعض أحاديث هذا الفصل يدخل ويناسب الفصل الذي في مجاز الإيمان والإسلام. قوله: "أخرجه النسائي" هكذا في الجامع. وقول المصنف: "وهو طرف من حديث طويل أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي" هذا ليس في الجامع زاده المصنف (٣). الفصل الثالث: في المجاز أقول: هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له ولا بد له من علاقة وقرينة ومراده فيما [١٧/ أ] يستعمل فيه لفظ الإيمان مجازاً لا حقيقة، وهو أنه قد أتى إطلاق لفظ الإيمان على أحد أركانه من باب إطلاق اسم الكل على الجزء. ٢٧/ ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الإِيْمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ" وفي رواية: "بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيْمَانِ". أخرجه الخمسة.

стр. 177

زاد في رواية: "فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" (١) [صحيح]. قوله: "الإيمان بضع": أقول: - بكسر أوله، وحكي الفتح - لغة لعدد مبهم مقيد بما بين الثلاث إلى التسع، وفيه أقوال، وأما بضعة اللحم بالفتح لا غير. "وسبعون" [٤٥/ ب] هذا لفظ السنن الثلاث (٢) ورواية لمسلم بلفظ (٣): "سبعين". وقوله: "وفي رواية وستون" هي رواية البخاري (٤) واعلم أن القاعدة في علوم الحديث أ، هـ إذا انفرد البخاري قدم على غيره، وهنا قدم ابن الأثير (٥) رواية الثلاثة على رواية البخاري، وتبعه المصنف، وأنه كان على ابن الأثير سياق الأربع الروايات لأنه بصدد جمع متون الأصول الستة. وبقي رواية ثالثة، وهي في مسلم (٦) رواية بلفظ: "بضع وسبعون أو بضع وستون".

стр. 178

ورواية رابعة عند الترمذي بلفظ (١): "أربع وستون". قيل: وهي لا تخالف رواية البخاري لأن غاية ما فيها تعيين البضع أنه أربع، وهو أحد ما يطلق عليه لفظ البضع إلا أنه قال الحافظ (٢): أنها رواية معلولة، ثم اختلف العلماء في أي الروايات أرجح، فرجح البيهقي (٣) رواية البخاري بأنه المتيقن وما عداه مشكوك، ومنهم من رجح رواية الأكثر أعني: بضع وسبعون، وقد ذكر ذلك النووي في شرح مسلم (٤). وقوله: "شعبة" - بضم الشين المعجمة - أي: قطعة، والمراد الخصلة أو الجزء، وفي لفظ للترمذي (٥): "باباً" عوض "شعبة". أقول: بالمد هو لغة: تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به. وفي الشرع: خلوص يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق. ولا يقال: رب حياء يمنع عن قول الحق، أو فعل الخير فإن [٤٦/ ب] ذلك ليس حياءً شرعياً. قال ابن الصلاح: ذلك ليس بحياء، بل عجز وخور ومهابة، وإنما أفرد الحياء بالذكر وخصه من الشعب؛ لأنه كالداعي إلى باقي الشعب إذ الحي يخاف فضيحة الدنيا والآخرة، فيتألم وينزجر.

стр. 179

قال الشيخ ابن الصلاح. إن الكلام في تعيين هذه الشعب يطول، وقد صنفت في ذلك مصنفات، ومن أغزرها فوائد كتاب "المنهاج" (١) لأبي عبد الله الحليمي إمام الشافعيين ببخارى، وكان من رفعاء أئمة المسلمين وحذا حذوه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه الجليل الحفيل بـ "شعب الإيمان" (٢). قوله: "وزاد" أي: أبو هريرة. "في رواية" مسلم بلفظ (٣): "فأفضلها قول: لا إله إلا الله وأدناها إماطة" أي: إزالة ما يؤذي المسلمين في طرقهم من شوك وحجارة وقذر وعذرة، ومن ثمة نهى عن التخلي في الطرقات. وأسقط الترمذي (٤). قلت: وقد قال في روايته: حسن صحيح. قال النووي (٥): إن كمال الإيمان بالأعمال، وتمامه بالطاعات، وأن التزام هذه الطاعات وضم هذه الشعب من جملة التصديق والدلائل عليه، وأنها خلق أهل التصديق، فليست خارجة عن اسم الإيمان الشرعي ولا اللغوي، وقد نبه ﷺ على أن أفضلها: [التوحيد] (٦) المتعين على كل أحد، والذي لا يصح شيء من الشعب إلا بعد صحته، وأدناها ما يتوقع

стр. 180

ضرره بالمسلمين من إماطة الأذى عن طريقهم، وبقي بين هذين [الطريقين] (١) أعداد لو تكلف المجتهد تحصيلها بغلبة الظن وشدة التتبع لأمكنه، وقد فعل ذلك بعض من تقدم، وفي الحكم بأن ذلك مراد النبي ﷺ [٤٧/ ب] صعوبة، ثم إنه لا يلزم معرفة أعيانها، ولا يقدح جهل ذلك في الإيمان؛ إذ أصول الإيمان وفروعه معلومة محققة، والإيمان بأن هذا العدد واجب في الجملة. هذا كلام القاضي عياض (٢). قال ابن حبان (٣): تتبعتُ معنى هذا الحديث مُدِّة وعددت الطاعات، فإذا هي تزيدُ على هذا العدد شيئاً كثيراً، فرجعتُ إلى السنن، فعددتُ كل طاعةٍ عدَّها رسول الله ﷺ من الإيمان، فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين، فرجعتُ إلى كتاب الله فقرأته بالتدبر وعددت كُلَّ طاعةٍ عدَّها الله ونبيه ﷺ سبع وسبعون شعبة لا تزيد عليها ولا تنقص، فعلمتُ أنّ مراد رسول الله ﷺ أن هذا العدد في الكتاب والسنن. انتهى. قلت: وقد يقال: إنه ﷺ لم يبين عددها ليحافظ المؤمن على كل خصلة خير ورد فيها الوعد [١٨/ أ] بالإثابة كما قيل في إخفاء ليلة القدر وساعة الجمعة، ويمكن أنه لم يرد العدد المتابعة بل المبالغة نحو: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ (٤) ولا ينافيها ذكر البضع؛ لأنه في نفسه مجهول القدر، ويحتمل أن كل خصلة تحتها خلال من الخير، فإن مثل بر الوالدين فيه إنفاق المال لأجلهما وصلة أرحامهما وغير ذلك. ٢٨/ ٢ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيْهِ وَجَدَ بِهِنَّ طَعْمَ الإِيْمَانِ: مَنْ كَانَ الله وَرَسُولهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سُواهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدَاً لاَ يُحِبُّهُ إِلاَ للهِ، وَمَنْ يَكْفُرهُ
следующие страницы →