← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14309

التحبير لإيضاح معاني التيسير

الصنعاني

Полный текст (5 029 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

فقال: أُبي وسعد مع معاذ مجمع ... وزيد أبو الدرداء ثم أبو زيد وأبو زيد (١) هو: سعيد بن عبيد مصغر الأوسي البدري يعرف بسعيد القارئ. وقيل: هو قيس بن السكن، ولذلك قال أنس: أحد عمومتي، وقال ابن معين: هو ثابت بن زيد بن مالك الأشهلي. قوله: "المفصل" يأتي بيانه والخلاف من ابتدائه، وانتهاؤه سورة الناس اتفاقاً.

стр. 1157

كتاب: التوبة هي الرجوع (١) من باب يتوب توبة إذا رجع ثم أريد بها الرجوع عن مخالفة أمر الله إلى موافقته مع الندامة على المخالفة. وفي التعريفات: التوبة: الرجوع من مذموم الشرع إلى محموده، والتوبة النصوح توثيق العزم على أن لا يعود. ١ - عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الله بْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا: عَنِ رَسُولُ الله ﷺ وَالآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ، فَقَالَ: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ". فَقَالَ بِهِ هَكَذَا فَذَبَّهُ عَنْهُ, ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولُ الله ﷺ يَقُولُ: "لله أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مِنْ رَجُلٍ نَزَلَ فِي أَرْضٍ دَوِيَّةٍ مَهْلكَةٌ مَعَهُ راحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ نَوْمَةً، فاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ راحِلَتُهُ, فَطَلَبَهَا حَتَّى إِذا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْجُوعُ والْعَطَشُ قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي الَّذِيْ كنْتُ فِيْهِ، فأَنَامُ حَتَّى أَمُوْتُ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى ساعِدِه لِيَمُوتَ فاسْتَيْقَظَ فَإِذَا راحِلَتُهُ عِنْدَهُ عَلَيْهَا زادَهُ وشَرَابُهُ، فَالله أَشَدُّ فَرَحَاً بِتَوْبَةِ الْعبد المُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ". أخرجه الشيخان (٢) والترمذي (٣). [صحيح] وَزَادَ فِي رِوَايَة (٤) مُسْلِم ثُّمَّ قاَلَ: اللهمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ. "الدَّوِيَّةُ (٥) " الصحراء التي لا نبات فيها.

стр. 1158

قوله: "فقال: إن المؤمن" هذا هو الذي عن نفسه. قوله: "يخاف أن يقع عليه" قال ابن أبي حمزة (١): السبب في ذلك أن قلب [ابن آدم] (٢) منور، فإذا رأى من نفسه ما يخالف ما ينور به قلبه، عظم الأمر عليه فلم يأمن العقوبة بسببه، وهذا شأن المؤمن أنه دائم الخوف والمراقبة، يستصغر عمله الصالح، ويخشى من صغير عمله السيئ، والفاجر قلبه مظلم [فذنبه] (٣) سهل عليه، لا يعتقد أنه يحصل له بسببه ضرر، كما أن ضرر الذباب عنده سهل، وكذا دفعه عنه. قوله: "أفرح" [٤٦٧/ ب] أي: أرضى بالتوبة وأشد قبولاً لها فإن حقيقة الفرح (٤) عليه تعالى محال.

стр. 1159

قلت: وطريقة السلف (١) السكوت عن التأويل كما قدمناه مراراً. قوله: "عبده المؤمن"، كأنه قيد واقعي، وإلا فإن توبة الكافر بإسلامه مما يحبه الله. وقوله: "الدَوِيَّة (٢) " بفتح الدال المهملة، وتشديد الواو والياء جميعاً، وهي: الفلاة والمفازة. وقوله: "مهلكة (٣) " بفتح الميم واللام وسكون الهاء، أي: يهلك من حصل بها. [ويروى بضم الميم وكسر اللام أي: تهلك هي من حصل بها (٤)] قوله: "عليها زاده وشرابه" زاد في رواية (٥): "فقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك" أي: غلب الفرح على عقله فقال ما قال. قوله: "فالله أشد فرحاً". قال المازري (٦): الفرح ينقسم على وجوه: منها: السرور، والسرور يقارنه الرضا بالمسرور به، قال: فالمراد هنا أن الله [٦٣٦/ أ] رضي توبة عبده أشد مما يرضى واجد ضالته بالفلاة، فعبر عن الرضا بالفرح تأكيداً لمعنى الرضا في نفس السامع، ومبالغة في تقريره.

стр. 1160

٢ - وَعَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: حَدَّثَنَا صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ الْمُرادِيَّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "بَابٌ مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ مَسِيرَةُ عَرْضِهِ أَوْ يَسِيرُ الرّاكِبُ في عَرْضِهِ أَرْبَعِينَ أَوْ سَبْعِينَ سَنَة، خَلَقَهُ الله يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ، مَفْتُوحٌ لِلتَّوْبَةِ، لا يُغْلَقُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبَهَا". أخرجه الترمذي (١) وصححه. [حسن] قوله في حديث زر بن حبيش: "حتى تطلع الشمس من مغربها". هذا حد لقبول التوبة، وهو معنى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ (٢)، ودال على أن بعض الآيات المراد في الآية هو طلوع الشمس من مغربها. ٣ - ولمسلم (٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ تَابَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْس مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ الله عَلَيْهِ". [صحيح] ٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولُ الله في ﷺ قَالَ: "إِنَّ الله يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَم يُغَرْغَرْ". أخرجه الترمذي (٤) وصححه. [حسن] قوله في حديث ابن عمر: "ما لم يغرغر" الغرغرة (٥): هي حالة النزع لا يقبل فيها توبة، ولا غيرها، ولا تنفذ فيها وصية ولا غيرها.

стр. 1161

٥ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، أَنَّ رَسُولُ الله ﷺ قَالَ: "إِنَّ الله يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا". أخرجه مسلم (١). [صحيح] "اليَدُ" هنا: كناية عن العطاء والفضل. ٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، أَنَّ رَسُولُ الله ﷺ قَالَ: "كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى راهِبٍ فأتَاهُ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لَهُ مِنَ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ لاَ، فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةَ، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالمٍ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ بِها أنَاسًا يَعْبُدُونَ الله فَاعبد الله مَعَهُمْ، وَلا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّها أَرْضُ سَوْءٍ، فانْطَلَقَ حَتَّى إِذا انتَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ فاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلاَئِكَةُ الْعَذابِ، فَقالَتْ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ: إِنَّهُ جاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى الله تَعَالَى، وَقالَتْ مَلاَئِكَةُ الْعَذابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ في صُورَةِ آدَمِيٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الأَرْضَيْنِ فَفِي أَيِّهمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ، فَقاسُوا فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ بِشِبْرٍ، فَقَبَضَتْهُ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ". أخرجه الشيخان (٢). [صحيح] زاد في رواية (٣): فَلَمَّا كانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَجَعَل يَنوءُ بِصَدْرِهِ نَحْوَ الْقَرْيةِ الصّالِحَةِ فَجُعِلَ مِنْ أَهْلِهَا. [صحيح]

стр. 1162

٧ - وفي أخرى (١). فَأَوْحَى الله تَعَالَى إِلَى هَذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي، وَإِلَى هَذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي، وَقَالَ: قِيْسُوا مَا بَيْنَهُمَا". [صحيح] قوله [٤٦٨/ ب] في حديث أبي سعيد: "كان في بني إسرائيل رجل". قال الحافظ ابن حجر (٢): لم نقف على اسمه، ولا على اسم أحد من الرجال ممن ذكر في القصة. قوله: "فأتى راهباً" فيه إشعار بأن ذلك كان بعد رفع (٣) عيسى ﵇؛ لأن الرهبانية إنما ابتدعها أصحابه كما نص عليه القرآن. قوله: "فإنها أرض سوء" فيه أن بعض البقاع من الأرض يكون سكونها إعانة على المعاصي وعن البعد عن الطاعات، وبعضها على خلاف ذلك، وأنه ينبغي لمن اعتاد العصيان في أرض أن يفارقها ويخرج منها إلى أرض فيها قوم يعبدون الله، وظاهره أنه قد تاب لما أفتاه العالم أنها تقبل توبته، ولا يحال بينه وبينها، وأشار عليه بما يعينه على الطاعة وهو إتيانه الأرض التي يعبد الله فيها، ومثل هذا أنه ﷺ لما نام في الوادي عن صلاة (٤) الفجر هو وأصحابه أمرهم بالخروج منه وصلى في غيره، وأخبرهم أنه حضرهم فيه الشيطان. قوله: "فقبضته ملائكة الرحمة" في الرواية الآتية: "فجعل من أهلها".

стр. 1163

في الحديث مشروعية (١) التوبة من جميع الكبائر، حتى من قتل الأنفس، ويحمل على أن [٤٦٩/ ب] الله إذا قبل توبة القاتل تكفل بإرضاء خصمه، وفيه (٢) أن الملائكة الموكلين ببني آدم يختلف اجتهادهم في حقهم بالنسبة إلى من يكتبونه مطيعاً أو عاصياً، وأنهم يختصمون في ذلك حتى يقضي الله بينهم، وفيه فضل العالم على العابد فإن الذي أفتاه أولاً أنه لا توبة له على غلبت عليه العبادة، فاستعظم وقوع ما وقع من ذلك القاتل من جرأته على قتل العدد الكثير، وأما الثاني فغلب عليه العلم فأفتاه بالصواب ودله على طريق النجاة (٣). قال عياض (٤): وفيه أن التوبة تنفع من القتل كما تنفع من سائر الذنوب، وفيه حجة لمن أجاز التحكيم، وأن من رضي الفريقان بتحكيمه فحكمه جائز عليهم. قوله: "فجعل ينوء" أي: ينهض. قوله: "فأوحى الله إلى هذه أن تباعدي" أي: إلى أرض السوء، وهذا من محبته تعالى لتوبة عبده ورجوعه إليه. ٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: إِنَّ رَسُولُ الله ﷺ قَالَ: "كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ". أخرجه الترمذي (٥). [حسن]

стр. 1164

كتاب: تعبير الرؤيا وفيه فصلان: الفصل الأول: في ذكر الرؤيا وآدابها أقول: التعبير (١) خاص بتفسير الرؤيا، وهو العبور من ظاهرها إلى باطنها. وقيل: النظر في الشيء فيعتبر بعضه ببعض حتى يحصل على فهمه، وأصله من العبر بفتح فسكون، وهو التجاوز من حال إلى حال (٢). وأما الرؤيا فهي ما يراه الشخص في منامه، وأما حقيقتها فقال ابن العربي (٣): الرؤيا إدراكات علقها الله في قلب العبد على يد ملك أو شيطان، إما بأسمائها أي: حقيقتها، أي: عبارتها، وإما تخليط، قال: ونظيرها في اليقظة الخواطر، فإنها قد تأتي على شيء وقصد، وقد تأتي مسترسلة غير محصلة. وقال المازري (٤): أكثر كلام الناس [٤٧٠/ ب] في حقيقة الرؤيا، وقال فيها غير الإسلاميين أقاويل كثيرة منكرة، لما حاولا الوقوف على حقائق لا تدري بالعقل، ولا يقوم عليها برهان، وهم لا يصدّقون بالسمع، وذكر أقاويلهم. ثم قال: والصحيح ما عليه أهل السنة، أن الله يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان (٥) فإذا خلقها فكأنَّه جعلها علماً على أمور أخرى يخلقها في [باقي] (٦) الحال،

стр. 1165

وما وقع منها على خلاف المعتقد فهو كما يقع لليقظان، قال: ونظيره إن الله خلق الغيم علامة للمطر، وقد يتخلف، وتلك الاعتقادات تقع تارة بحضرة الملك فيقع بعدها ما يسر، وتقع بحضرة الشيطان فيقع منها ما يضر، والعلم عند الله. انتهى. قلت: وقد فصل ﷺ الرؤيا فيما أخرجه مسلم (١) ولفظه: "والرؤيا ثلاث: فالرؤيا الصالحة بشرى من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدث به المرء نفسه" انتهى. ١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أن رَسُولُ الله ﷺ قال: "إِذَا اقتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تَكْذِبُ، وَرُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ". أخرجه الخمسة (٢) إلا النسائي. [صحيح] وزاد بعضهم: "وَمَا كَانَ مِنَ النُّبُوَّةِ فَإِنَّهُ لاَ يَكْذُبُ". قوله في حديث أبي هريرة: "إذا اقترب الزمان" قيل (٣): معناه تقارب زمان الليل والنهار، وهو وقت استوائهما أيام الربيع، وذلك وقت اعتدال الطبائع الأربع غالباً، والمعبرون يزعمون أصدق الرؤيا ما كان وقت اعتدال الليل والنهار، وقيل: معناه اقتراب الساعة وهو الصواب، وذلك أن أكثر أهل العلم يقبض حينئذٍ وتندرس معالم الديانة، فيكون الناس على مثل الفترة إلى مذكر ومجدد لما درس من الدين كما كانت الأمم تذكر بالأنبياء، لكن لما كان نبينا ﷺ خاتم الأنبياء عوضوا [٤٧٢/ ب] بالرؤيا الصادقة التي هي جزء من النبوة.

стр. 1166

وقال ابن أبي حمزة (١): إن المؤمن في ذلك الوقت يكون غريباً (٢) فيقل أنيسه ومعينه فيكرم بالرؤيا الصادقة. قوله: "جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة". أقول: ولمسلم (٣): "من خمسة وأربعين" وله (٤) "من سبعين" وللطبراني (٥) "من ستة وسبعين" ولابن عبد البر (٦): "من ستة وعشرين" وللترمذي (٧): "من أربعين" ولأحمد (٨) "من تسعة وأربعين" وجمع بأن ذلك بحسب مراتب الأشخاص. قال القرطبي (٩): المسلم الصادق على الغيب بخلاف الكافر والفاسق والمخلط. وقال غيره (١٠): معنى كونها جزءاً من أجزاء النبوة على سبيل المجاز، وهو أنها تجيء على موافقة النبوة لا أنها جزء باقٍ من النبوة؛ لأن النبوة قد انقطعت بموته ﷺ ، وقيل (١١): إنها جزء من علمها؛ لأنها وإن انقطعت فعلمها باقٍ.

стр. 1167

وقيل: إنها تشابهها في صدق الأخبار عن الغيب، وأما تخصيص عدد الأجزاء وتفصيلها فمما لا مطمع لنا في الإطلاع عليه، ولا يعلم حقيقته إلا نبي. قوله: "وزاد بعضهم: وما كان من النبوة فإنه لا يكذب"، هذا مدرج من قول ابن سيرين كما نقله ابن الأثير فإنه قال في "الجامع (١) " قال ابن سيرين: فأنا أقول هذه. ٢ - وَفِي أُخْرَى (٢) لِلسِّتَةِ إِلّا النَّسَائِي عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولُ الله ﷺ يَقُولُ: "الرُّؤْيَا مِنَ الله، والْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكمُ الْحُلُمَ يَكْرَهُهُ فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسارِهِ وَلْيَسْتَعِذْ بِالله مِنْهُ، فَلَنْ يَضُرَّهُ". [صحيح] ٣ - وَفِي أُخْرَى لِلْبُخارِي (٣) قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ رَآَنِي فِي الْمَنامِ فَقَدْ رَآَنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانُ لا يَتَمَثَّلُ بِي". [صحيح] قوله في حديث أبي قتادة: "والحلم من الشيطان" في النهاية (٤): الرؤيا والحلم عبارة عما يراه النائم في نومه من الأشياء، لكن غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير والشيء الحسن، وغلب الحلم على [٤٧٢/ ب] ما يراه من الشر والقبيح. انتهى. قال المنذري (٥): الحُلم بضم الحاء وسكون اللام، وضمها هو الرؤيا، وبالضم والسكون فقط هو رؤية الجماع في النوم، وهو المراد هنا. انتهى.

стр. 1168

وفي "القاموس (١) " مثله لكن قوله ﷺ في الحديث: "يكرهه" يشعر أنه لم يرد منه الإحتلام بل أريد به الرؤيا، وقال ابن حجر (٢): إن تخصيص الرؤيا بكونها من الله، والحلم من الشيطان تصرف شرعي، وإن كان في الأصل لما يراه النائم. انتهى. قوله: "فليبصق عن يساره وليتعوذ" هذا دواء ما يكرهه من قبح الرؤيا وأنها لا تضر، أي: لا يصيبه ما يكرهه منها ولفظ الترمذي (٣): "فليبصق عن يساره ثلاث مرات ويستعيذ بالله من شرها" وقال (٤): حسن صحيح. قوله: "فقد رآني". أقول: اختلف العلماء في معنى قوله: "فقد رآني" قال ابن الباقلاني (٥): معناه أن رؤياه صحيحة ليست بأضغاث ولا من شبهات الشيطان، ويؤيده رواية فقد رأى الحق وقال آخرون (٦): بل الحديث على حقيقته وظاهره، والمراد أن من رآه قد أدركه ولا مانع يمنع من ذلك، والعقل لا يحيله حتى يضطر إلى صرفه عن ظاهره، قالوا: وأما كونه قد يرى على خلاف صفته أو في مكانين معاً، فإن ذلك غلط في صفاته وتخيل لها على خلاف ما هي عليه، وقد يظن

стр. 1169

الظان بعض الخيالات مريعاً لكون ما تخيله مرتبطاً بما في منامه، فتكون ذاته ﷺ مرئية وصفاته متخيلة غير مرئية، والإدراك لا يشترط فيه تحديق الإبصار ولا قرب المسافة ولا كون المرئي مدفوناً في الأرض وظاهراً عليها، وإنما يشترط كونه موجوداً ولم يقم دليل على فناء جسده ﷺ ، بل جاء في الأحاديث (١) ما يقتضي بقاؤه حياً. ٤ - وفي أخرى لأبي داود (٢) والترمذي (٣): عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ: "رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، وَهِيَ عَلَى رِجْلِ طائِرٍ مَا لَمْ يَتَحَدَّثْ بِهَا، فَإِذَا تَحَدَّثَ بِها سَقَطَتْ". [ضعيف] قوله في حديث أبي رزين: "وهي على رجل طائر" في النهاية (٤) [٤٧٣/ ب] أراد على رجل [قدر ما رآه بمعنى خاص] (٥) من خير أو شر، وفي آخر وهي على رجل طائر ما لم تعبر أي: لا يستقر تأويلها حتى تعبر، يريد أنها سريعة السقوط، إذا عبرت كما أن الطائر لا يستقر في أكثر أحواله فكيف ما يكون على رحله.

стр. 1170

٥ - وفي أخرى للبخاري (١) ومالك (٢) عَنْ أَبِي سَعِيْدٌ ﵁ قَالَ: "رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ". [صحيح] ٦ - وللترمذي (٣) عَنْ أَبِي سَعِيْدٌ أَيْضَاً: أَنَّ رَسُولُ الله ﷺ قَالَ: "أَصْدَقُ الرُّؤْيَا بِالْأَسْحَار". [ضعيف] قوله في حديث أبي سعيد: "أصدق الرؤيا بالأسحار أخرجه الترمذي". قلت: وسكت عليه لم يصفه بشيء، لكنه ساقه من حديث ابن لهيعة، عن دراج عن ابن الهيثم، وابن لهيعة لهم فيه كلام معروف، ودراج قال الذهبي (٤) في "الميزان": قال أحمد: حديثه مناكير ولينه، وقال النسائي: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: ضعيف، وقال الدارقطني: ضعيف، وقال مرة: متروك، ثم قال: ولابن وهب عن عمرو بن الحارث نسخه منها عن أبي الهيثم عن أبي سعيد مرفوعاً: "أصدق الرؤيا بالأسحار". انتهى.

стр. 1171

٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "لَنْ يَبْقَى بَعْدِي مِنَ النُّبُوَّةِ إِلاَّ الْمُبَشِّرَاتُ" قَالُوا: وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: "الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ". أخرجه البخاري (١) متصلاً، ومالك (٢) عن عطاء مرسلاً. وزاد: يَرَاهَا الرَّجُلَ الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لُهُ. الفصل الثاني: فيما جاء من الرؤيا المفسرة عن رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ - ١ - عَنْ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه سلم - مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ لأَصْحَابِهِ: "هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا؟ " فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ الله أَنْ يَقُصَّ، وَإِنَّهُ قَالَ لَنَا ذَاتَ غَدَاةٍ: "هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا؟ " مَا مِنَّا أَحَدٌ رَأَى شَيْئَاً، فَقَالَ: "لَكِنَّي أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي، فَقَالاَ لِي: انْطَلِقْ، فانْطَلَقْتُ: فأتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ، فَإِذَا آخَرُ قائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ، فَإِذَا هُوَ يَهْوِي بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ، فَيَثْلَغُ رَأْسَهُ فَيَتَهَدْهَدُ الْحَجَرُ هَا هُنَا، فَيَتْبَعُ الْحَجَرَ فَيَأْخُذُهُ، فَلاَ يَرْجعُ إِلَيْهِ حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ، فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ ما فَعَلَ الْمَرَّةَ الأُولَى، قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا سُبْحَانَ الله مَا هَذَا؟ قَالاَ لِي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ، فانْطَلَقْنَا فَأتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ, وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ، فَإِذَا هُوَ يَأْتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرَهُ إِلَى قَفَاهُ, وَعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ؛ ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الْجانِبِ الآخَرِ، فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْجانِبِ الأَوَّلِ، فَما يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ الْجانِبِ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ الْجَانِبُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ ما فَعَلَ الْمَرَّةَ الأُولَى، قُلْتُ: سُبْحانَ الله مَا هَذَا؟ قَالاَ انْطَلِقْ انْطَلِقْ، فانْطَلَقْنا فأتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّورِ فَإِذَا فِيهِ لَغَطٌ وَأَصْواتٌ، فَاطَّلَعْنَا فِيهِ, فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، وإذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهبٌ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللهبُ ضَوْضؤُوْا قُلْتُ: ما هَؤُلاَءِ؟ قالاَ: انْطَلِقِ

стр. 1172

انْطَلِقْ، فانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ أَحْمَرَ مِثْلِ الدَّمِ، وَإِذَا فِي النَّهَرِ رَجُلٌ سَابِحٌ، وَإِذَا عَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ عِنْدَهُ حِجارَةً كَثيرَةً، وَإِذا ذَلِكَ السّابِحُ يَسْبَحُ ما سَبح، ثُمَّ يَأْتِي ذَلِكَ الَّذِي عِنْدَهُ الْحِجَارَةَ فَيَفْغَرُ لَهُ فَاهُ فَيُلْقِمُهُ حَجَرًا فَيَنْطَلِقُ يَسْبَحُ، ثُمَّ يَرْجعُ إِلَيْهِ، كُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ فَغَرَ فَاهُ فَأَلْقَمَهُ حَجَرًا، قُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالاَ: انْطَلِقِ انْطَلِقْ، قَالَ: فانْطَلَقْنا فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ كَرِيهِ الْمَرْآةِ كَأَكْرَهِ مَا أنْتَ راءٍ فَإِذَا عِنْدَهُ نَارٌ يَحُشُّهَا وَيَسْعَى حَوْلَها، قُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالاَ: انْطَلِقِ انْطَلِقْ، فانْطَلَقْنا فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مُعْتَمَّةٍ فِيهَا مِنْ كُلِّ نَوْرِ الرَّبِيعِ، وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَيِ تِلْكَ الرَّوْضَةِ رَجُلٌ طَوِيلٌ لاَ أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولاً فِي السَّمَاءِ، وَإِذَا حَوْلَهُ مِنْ أَكْثَرِ وِلْدَانٍ رَأَيْتُهُمْ، قُلْتُ: ما هَؤُلاَءِ؟ قَالاَ: انْطَلِقِ انْطَلِقْ، فانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى دَوْحَةٍ عَظِيمَةٍ لَمْ أَرَ دَوْحَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا وَلاَ أَحْسَنَ، فَقَالاَ: ارْقَ فِيهَا، فارْتَقَيْنَا فِيهَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ وَلَبِنِ فِضَّةٍ، فَأتَيْنَا بَابَ الْمَدِينَةٍ فاسْتَفْتَحْنَا فَفُتِحَ لَنَا، فَدَخَلْنَاهَا فَتَلَقَّانَا فِيهَا رِجَالٌ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ، وَشَطْرٌ كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ، فَقَالاَ لَهُمُ: اذْهبُوا فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهَرِ، وَإِذَا نَهَرٌ مُعْتَرِضٌ كَأَنَّ ماءَهُ الْمحْضُ فِي الْبَيَاضِ، فَذَهَبُوا فَوَقَعُوا فِيهِ، ثُمَّ رَجَعُوا وَقَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ، فَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، فَقَالاَ: هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ، وَهَذاكَ مَنْزِلُكَ، فَسَما بَصَرِي صُعُدًا، فَإِذَا قَصْرٌ مِثْلُ الرَّبابَةِ الْبَيْضاءِ، فَقُلْتُ: فذَرَانِي فَأَدْخُلَهُ، قالاَ: أَمّا الآنَ فَلاَ، وَأَنْتَ داخِلُهُ، فَقُلْتُ: فَإِنِّي رَأَيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَباً فَمَا هَذَا الَّذِي رَأَيْتُ؟ قَالاَ: إِنَّا سَنُخبرُكَ, أَمَّا الرَّجُلُ الأَوَّلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ الْقُرآنَ فُيرْفُضُهُ وَيَنامُ عَنِ الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلَى قَفاهُ، وَمَنْخِرُهُ إِلَى قَفاهُ، وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ, فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ فَيَكْذِبُ الْكَذْبَةَ تَبْلُغُ الآفَاقَ، وَأَمَّا الرِّجَالُ والنِّسَاءُ الْعُراةُ الَّذِينَ في مِثْلِ بِناءِ التَّنُّورِ فَإِنَّهُمُ الزُّنَاةُ والزَّوَانِي، وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ في النَّهَرِ وَيُلْقَمُ الْحَجَرَ، فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا، وَأَمَّا الرَّجُلُ الْكَرِيهُ الْمَرْآةِ الّذِي عِنْدَ النّارِ يَحُشُّها وَيَسْعَى حَوْلَها، فَإِنَّهُ مالِكٌ خازِنُ النَّارِ، وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي في الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْراهِيمُ ﵊، وَأَمَّا الْوِلْدانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ ماتَ عَلَى

стр. 1173

الْفِطْرَةِ". فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله! وَأَوْلاَدُ الْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ ﷺ : "وَأَوْلاَدُ الْمُشْرِكِينَ، وَأَمَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنًا وَشَطَرٌ مِنْهُمْ قَبِيحًا، فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلاً صالحِاً وآخَرَ سَيِّئًا، تَجاوَزَ الله عَنْهُمْ". أخرجه الشيخان (١) والترمذي (٢). [صحيح] "الضوضاء (٣) " أصوات الناس وجلبتهم، "وحشَّ النار (٤) " إذا أوقدها "والمعتمة (٥) " طويلة النبات "والنور (٦) " بفتح النون: الزهر "والدوحة" الشجرة "والمحض (٧) " من كل شيء الخالص منه، والمراد به هنا اللبن الخالص "والربابة (٨) " السحابة. قوله: "ذات غداة" لفظ ذات زائد، وهو من إضافة الشيء إلى اسمه، قوله: "ابتعثاني" بموحدة ثم مثناة وعين مهملة بعدها مثلثة، والإنبعاث (٩) افتعال من البعث، وهو الإنباه، والإثارة من النوم.

стр. 1174

قوله: "فانطلقت معهما" في رواية: "إلى الأرض المقدسة" وعند أحمد (١): "إلى أرض فضاء أو أرض مستوية"، وفي حديث علي: "فانطلقا بي إلى السماء". قوله: "يهوي" بفتح أوله وكسر الواو، أي: [٤٧٤/ ب] يسقط. قوله: "يثلغ (٢) " بفتح أوله وسكون المثلثة وفتح اللام وبعدها غين معجمة. أي: شدخه، والشدخ كسر الشيء الأجوف. قوله: "فيتدهده (٣) " بفتح المهملتين بينهما هاء ساكنة والمراد دفعه من علو إلى أسفل وتدهده إذا انحط. قوله: "ها هنا" أي: إلى جهة الضارب فيتبع الحجر الذي يرمي به فيأخذه. قوله: "حتى يصح رأسه" في رواية جرير: "حتى يلتئم" وعند أحمد (٤): "عاد رأسه كما كان" وفي حديث علي (٥): "فيقع دماغه جانباً وتقع الصخرة جانباً". قوله: "بكلوب (٦) " هو حديدة معوجة الرأس. قوله: "فيشرشر (٧) " أي: يقطع ويشق.

стр. 1175

قوله: "لغط (١) " اللغطُ الفجة والجلبة. قوله: "ضوضاء (٢) " [الضوضاء] (٣) أصوات الناس وغلبهم يقال فيه: ضَوْضوْ بلا همز. قوله: "فغرفاه (٤) " أي: فتحه. قوله: "كريه المرآة (٤) " بفتح الميم وسكون الراء، وهمزة ممدوداً، أي: قبيح المنظر. قوله: "يحثها (٥) " بفتح أوله وضم المهملة، وتشديد المعجمة، أي: يوقدها. قوله: "معتمة (٦) " بضم الميم وسكون المهملة، وكسر المثناة وتخفيف الميم بعدها (تاء) تأنيث، ولبعضهم بفتح المثناة وتشديد الميم، أي: طويلة النبات يقال: اعتم النبات [٤٧٥/ ب] إذا طال: "والنّور" بفتح النون الزهر. قوله: "ظهري (٧) " يقال: قعدت بين ظهري القوم وظهرانيهم، أي: بينهم. قوله: "دوحة (٨) " بالمهملتين الشجر العظام. قوله: "المحض (٩) " هو الخالص من كل شيء.

стр. 1176

قوله: "صُعُدا (١) " بضم المهملتين يقال لما أثبت صعدا، أي: ازداد طولاً يريد ارتفع بصره [إلى] (٢) فوق. قوله: "الربابة (٣) " بفتح الرآء السحابة وجمعها رباب، وتكون بيضاء وسوداء والمراد بها في الحديث البيضاء. قوله: "وينام عن الصلاة المكتوبة" قال ابن العربي (٤): جعلت العقوبة في رأس هذا لنومه عن الصلاة والنوم موضعه الرأس. قوله: "فيكذب الكذبة" قال ابن العربي (٥): شرشرة شدق الكاذب إنزال للعقوبة بمحل المعصية [٤٧٦/ ب]. ٢ - وَعَنْهُ (٦) ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "نَحْنُ الْآَخِرُونَ السَّابِقُونَ، وَبَيْنا أَنَا نَائِمٌ إِذْ أُوتِيتُ خَزَائِنَ الأَرْضِ، فَوُضِعَ في يَدَيَّ سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَكَبُرَا عَلَيَّ وَأَهَمَّانِي، فَأُوحِىَ إِلَيَّ أَنِ انْفُخْهُمَا، فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا، فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا: صَاحِبَ صَنْعَاءَ، وَصاحِبَ الْيَمَامَةِ". أخرجه الشيخان (٧) والترمذي (٨). [صحيح]

стр. 1177

قوله: "وعنه" أي: سمره إذ هو المتقدم ذكره، ولكن [١٣٧/ أ] الذي في "الجامع الكبير" (١) وفي "صحيح البخاري (٢) " نسبته إلى أبي هريرة فنسبة المصنف به إلى سمرة غلط. قوله: "أوتيت" قال الحافظ (٣): أنه وجده في نسخة معتمدة من طريق أبي ذر، أتيت بدون واو، أو من الإتيان بمعنى المجيء، ويحذف الباء من خزائن وهي مقدرة، وعند غيره "أوتيت" بزيادة واو من الإتيان، بمعنى الإعطاء ولا إشكال في حذف الباء على هذه الرواية. قوله: "خزائن الأرض" قال الخطابي (٤): المراد ما فتح الله على الأمة من الغنائم من ذخائر كسرى وقيصر وغيرهما، ويحتمل معادن الأرض التي فيها الذهب والفضة. وقال غيره [بل] (٥) يحتمل على أعم من ذلك. قوله: "فوضع" بفتح أوله وثانيه (٦)، وفي رواية بضم (٧) أوله وفتح ثانيه وهو الموافق لقوله سواران، وفي رواية "سوارين" وهي تناسب لأوله. وقوله: "كبرا علي" أي: عظما علي، قال القرطبي (٨): إنما عظما عليه لكون الذهب من حلية النساء ومما حرم على الرجال.

стр. 1178

قوله: "فطارا" زاد في رواية: فوقع واحد باليمامة والآخر باليمن، وفي ذلك إشارة إلى حقارتهما؛ لأن الذي ينفخ فيذهب بالنفخ إنما يكون في غاية الحقارة، وفي طيرانهما إشارة إلى حقارة أمرهما واضمحلال شأنهما. قوله: "فأولتهما الكاذبين اللذين أنا بينهما" قال القرطبي (١): ما ملخصه: مناسبة هذا التأويل لهذه الرؤيا أن أهل صنعاء وأهل اليمامة كانوا قد أسلموا وكانوا كالساعدين للإسلام، فلما ظهر فيهما الكذابان [٤٧٧/ ب] وبهرجا على أهلهما زخرفا أقوالهما، ودعواهما الباطلة، فانخدع أكثرهم بذلك، فكان اليدان بمنزلة البلدين، والسواران بمنزلة الكذابين، وهو ظاهر أنهما كانا حين قص الرؤيا موجودين، ووقع في صحيح مسلم (٢) يخرجان بعدي. قال القاضي (٣): أي: يظهر أمرهما وشأنهما بعده [ ﷺ ] (٤) وإلا فقد كانا موجودين في عصره، فإن الأسود العنسي ظهر بصنعاء في حياته ﷺ ، وادعى النبوة، وعظمت شوكته، وحارب المسلمين، وفتك فيهم وغلب على البلد، وآل أمره إلى أن قتل في حياة رسول الله ﷺ ، وأما مسيلمة فادعى النبوة في حياته ﷺ لكن لم تعظم شوكته ولم تقع محاربته إلا في عهد أبي بكر، قال ابن العربي (٥): يحتمل أن التأويل منه ﷺ كان بوحي، ويحتمل أن يكون تفاءل بذلك عليهما دفعاً لحالهما، وأخرج المنام عليهما؛ لأن الرؤيا إذا عبرت وقعت. ٣ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنَّي أُهاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِها نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهِلي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ، وَرَأَيْتُ

стр. 1179

فِي رُؤْيَايَ هَذِهِ أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا فانْقَطَعَ صَدْرُهُ، فَإِذا هُوَ ما أُصِيبَ مِنَ الْمُؤْمِنينَ يَوْمَ أحُدٍ، ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَى فَعادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ، فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ الله بِهِ مِنَ الْفَتْحِ واجْتَمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ، وَرَأَيْتُ فِيهَا أَيْضًا بَقَرًا والله خَيْرٌ، فَإِذَا هُمُ النَّفَرُ مِنَ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَإِذا الْخَيْرُ ما جاءَ الله تَعَالَى بِهِ مِنَ الْخَيْرِ، وَثَوابِ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا الله تَعَالَى بَعْدَ يَوْمِ بدْرٍ". أخرجه الشيخان (١). [صحيح] "وَالْوَهَلُ (٢) " بالتحريك الوهم. قوله في حديث أبي موسى: "وهلي" بفتح الهاء، وقيل: بسكونها، أي: وهمي واعتقادي. قوله: "اليمامة" هي مدينة معروفة، وهي قاعدة بالبحرين. قوله: "يثرب" جاء في حديث النهي عن تسميتها يثرب لكراهة يثرب، ولأنه من أسماء الجاهلية وسمَّاها هنا؟ فقيل: يحتمل أن هذا قبل النهي. وقيل: إنه لبيان الجواز وأن النهي للتنزيه. وقيل: سمَّاها لمن يعرفها به، ولهذا جمع بينه وبين اسمها الشرعي فقال: "المدينة يثرب". قوله: "ورأيت ... " إلى آخره. قال المهلب (٣): هذه الرؤيا من ضرب المثل، ولما كان النبي ﷺ يصول بأصحابه عبر عن السيف بهم وبهزه عن أمره لهم بالحرب وعن القطع فيه بالقتل فيهم [٤٧٨/ ب] وبالهزة

стр. 1180

الأخرى، فعاد إلى حالة من الاستواء عبر به عن اجتماعهم، والفتح عليهم، ولأهل التعبير في السيف تصرف على أوجه (١) وسردها. قوله: "ورأيت بقراً" زاد البخاري (٢) "تنحر" قاله في الفتح (٣): واجتماع المؤمنين - إلى قوله -: "يوم بدر" في البخاري (٤) رواية بعد يوم بدر. قال الحافظ (٥): والمراد بما بعد يوم بدر فتح خيبر ثم مكة، ووقع في رواية بعد بالضم أي: بعد أحد، ونصب يوم، أي: ما جاء الله به بعد بدر الثانية من تثبيت قلوب المؤمنين. ٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولُ الله ﷺ يَقُوْلُ: "رَأَيْتُ الَّليْلَةَ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّي فِي دَارِ عُقْبَةَ بْنِ رافِعٍ، وَأُتِيتُ بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ ابْنِ طَابٍ فَأَوَّلْتُهُ أَنَّ الرِّفْعَةَ لَنَا فِي الدُّنْيَا، وَالْعاقِبَةَ فِي الآخِرَةِ، وَأَنَّ دينَنَا قَدْ طَابَ". أخرجه مسلم (٦) وأبو داود (٧). [صحيح] قوله في حديث أنس: "رطب ابن طاب" وعذق ابن طاب، وعرجون ابن طاب، هو مضاف إلى ابن طاب رجل في المدينة، قاله النووي (٨).

стр. 1181

قوله: "ون ديننا قد طاب" أي: كمل واستقرت أحكامه، وتمهدت قواعده، والرفعة أخذها من رافع كأخذ العاقبة من عقبة، وفيه أن التعبير يؤخذ من ألفاظ الرؤيا. ٥ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "رَأَيْتُ امْرَأةً سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ الرَّأْسِ خَرَجَتْ مِنَ الْمَدِينَةِ حَتَّى نَزَلَتْ بِمَهْيَعَةَ وَهِيَ الْجُحْفَةُ؛ فَأَوَّلْتُ أَنَّ وَبَاءَ الْمَدِينَةِ نُقِلَ إِليْهَا. أخرجه البخاري (١) والترمذي (٢). [صحيح] قوله في حديث ابن عمر: "رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس" أي: شعر (٣) الرأس زاد في رواية: "تفلة (٤) " بفتح المثناة وكسر الفاء، أي: كريهة الرائحة. قوله: "مهيعة (٥) " بفتح الميم، وسكون الهاء بعدها مثناة تحتية، ثم عين مهملة، وقيل بوزن عظيمة وهي الجحفة، هذه اللفظة مدرجة (٦) من قول موسى بن عقبة. قوله: "فأولت أن وباء المدينة نقل إلى الجحفة". قال [ابن التين (٧)]: هذه الرؤيا من قسم المعبرة، وهي مما ضرب به المثل ووجه التمثيل أنه اشتق من لفظ السوداء السوء والذل، فتأول خروجها بما جمع اسمها، وتأول من ثوران شعر راسها أن الذي يسوء ويثير الشرّ يخرج من المدينة.

стр. 1182

٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِي حَياةِ رَسُولِ الله ﷺ إذَا رَأَى رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَيْه، وَكُنْتُ غُلاَمًا شَابًّا عَزَبًا أَنَامُ في الْمَسْجِدِ، فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَاني فَأَتَيَا بِي إِلَى النَّارِ، فَإِذَا هِيَ مَطْويَّةٌ كَطَيِّ الْبِئْرِ، وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ كَقَرْنَيِ الْبِئْرِ، فَإِذَا فِيهَا نَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ فَجَعَلْتُ أَقُولُ: أَعُوذُ بِالله مِنَ النَّارِ ثلاثًا، فَلَقِيَهُمَا مَلَكٌ آَخَرُ فَقَالَ لِي: لَمْ تُرَعْ؟ فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ، فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَ: "نِعْمَ الرَّجُلُ عبد الله لَوْ كانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ"، قَالَ سالِمٌ. فَكَانَ عبد الله بَعْدَ ذَلِكَ لاَ يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلاَّ قَلِيلاً. أخرجه الشيخان (١). [صحيح] ٧ - وَفِي رِوَايَة (٢) قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ فِي كَفِّي سَرَقَةً مِنْ حَرِير لا أُرِيدُ بِها مَكانَاً فِي الْجَنَّةِ إِلاَّ طارَتْ بِي إِلَيْهِ فَقَصَصْتَهَا عَلَى حَفْصَةَ فَقَصَّتْها عَلَى رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أَخَاكِ رَجُلٌ صَالِحٌ. [صحيح] "السرقة (٣) " بتحريك الراء: قطعة من جَيِّد الحرير. قوله: "مطوية" أي: مبنية "والفرنان" الخشبتان [٤٧٩/ ب] القائمتين تمد عليهما الخشبة العارضة التي تعلق فيها الحديدة التي فيها البكرة. قوله: "لم ترع" أي: لا تخف، قال القرطبي (٤): إنما فسر الشارع من رؤيا عبد الله ما هو محمود؛ لأنه عرض على النار ثم عوفي منها، وقيل له: لا روع عليك، وذلك لصلاحه.

стр. 1183

٨ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : ذَاتَ يَوْمٍ: "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ رُؤْيَا؟ " فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا رَأَيْتُ كَأَنَّ مِيزانًا نَزَلَ مِنَ السَّماءِ فَوُزِنْتَ أَنْتَ وَأَبُو بَكْرٍ فَرُجِحْتَ أَنْتَ بِأَبِي بَكْرٍ، وَوُزِنَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَرُجِحَ أَبُو بَكْرٍ، وَوُزِنَ عُمَرُ وَعُثْمانُ فَرُجِحَ عُمَرُ، ثُمَّ رُفِعَ الْمِيزَانُ فَرَأَيْنَا الْكَرَاهَةَ فِي وَجْهِ رَسُولِ الله ﷺ . أخرجه أبو داود (١) والترمذي (٢). [صحيح] قوله في حديث أبي بكرة: "من رأى منكم رؤيا". قال القاضي عياض (٣): في هذا الحديث الحث على علم الرؤيا، والسؤال عنها وتأويلها، قال العلماء: وسؤالهم محمول على أنه ﷺ أراد تعليمهم تأويلها، وفضيلتها واشتمالها على ما شاء الله من الإخبار بالغيب. قوله: "فرأينا الكراهة في وجه رسول الله ﷺ " كأنه كره رفع الميزان أو لغير ذلك. قوله: "والترمذي". قلت: وقال (٤): حسن، وفي نسخة "صحيح". ٩ - وَعَنِ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَتَى رَجُلٌ النَّبيّ ﷺ فَقَالَ: رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ كَأَنَّ ظُلَّةً تَنْظِفُ السَّمْنَ والْعَسَلَ، وَأَرَى النَّاسَ يَتكَفَّفُونَ مِنْهَا فالْمُسْتَكْثِرُ والْمُسْتَقِلُّ، وَإذَا سَبَبٌ وَاصِلٌ مِنَ الأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ، وَأَرَاكَ أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ بَعْدَكَ فَعَلاَ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ آخَرُ فَعَلاَ، ثُمَّ آخَرُ فَانْقَطَعَ بِهِ، ثُمَّ وُصِلَ لَهُ فَعَلاَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ الله! بأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، وَالله لَتَدَعَنِّي فَأُعَبِّرُهَا، فَقَالَ: "اعْبُرْهَا"، فَقَالَ: أَمَّا الظُّلَّةُ فَظُلَّةُ الإِسْلاَمِ، وَأَمَّا الَّذِي يَنْظِفُ مِنَ السَّمْنِ والْعَسَلِ فالْقُرْآنُ حَلاَوَتُهُ وَلِينُهُ، وَأَمَّا ما يَتَكَفَّفُ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ فَالمُسْتَكْثِرُ مِنَ

стр. 1184

الْقُرْآنِ والْمُسْتَقِلُّ، وَأَمَّا السَّبَبُ الْوَاصِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ فالْحَقُّ الَّذِي أنَتَ عَلَيْهِ تَأْخُذُ بِهِ فَيُعْلِيكَ الله، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ فَيَنْقَطِعُ بِهِ، ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ. فَأَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ الله! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي؛ أَصَبْتُ أَمْ أَخْطَأْتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا"، فقَالَ: وَالله لَتُحَدِّثَنِّي بِالَّذِي أَخْطَأْتُ فَقَالَ ﷺ : "لا تُقْسِمْ". أخرجه الخمسة (١) إلا النسائي. [صحيح] "الظلة (٢) " شبه السحابة "والسبب (٣) " الحبل. قوله في حديث ابن عباس: "أتى رجل". قال ابن حجر (٤): لم أقف على اسمه. قوله: "ظلة" بضم الظاء المعجمة [٤٨٠/ ب] أي: سحابة لها ظل، وكلما أظل من سقيفة ونحوها يسمى ظلة، قال الخطابي (٥). قوله: "تنطف (٦) " بنون وطاء مكسورة يقال: نطف الماء إذا سال. قوله: "يتكففون منها" أي: يأخذون بأكفهم، قال الخليل (٧): تكفف بسط كله فالمستكثر والمستقل، أي: الآخذ كثيراً والآخذ قليلاً.

стр. 1185

قوله: "وإذا سبب" أي: حبل. قوله: "لا تقسم" نهي لأبي بكر عن القسم وقد وقع، فالمراد لا تعيد الإقسام، والعجب أنه ﷺ طوى عن أبي بكر موضع خطائه ونهاه عن الإقسام بأنه يخبره به، ولم يسكت العلماء عن البحث عن موضع الخطأ، فساق في "فتح الباري (١) " عدة أقوال في ذلك في تعيين محل خطأ أبي بكر وقد كتبنا على هامش "الفتح" ما فيه غنية، على أن ذلك لا يحسن التعرض له بل لا يجوز. ١٠ - وَعَنْ عائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: رَأَيْتُ ثَلاَثَةَ أَقْمَارٍ سَقَطْنَ فِي حُجْرَتِي فَقَصَصْتُ رُؤْيَايَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصّدِّيقِ، فَسَكَتْ، فَلَمَّا تُوُفِّىَ رَسُولُ الله ﷺ وَدُفِنَ فِي بَيْتِي قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا أَحَدُ أَقْمَارِكِ وَهُوَ خَيْرُهَا. أخرجه مالك (٢). [موقوف صحيح] ١١ - وعنها ﵂ قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ الله عَنْ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ فَقالَتْ خَدِيجَةُ ﵂: إِنَّهُ قَدْ صَدَّقَكَ، وَإِنَّهُ ماتَ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ، فَقَالَ ﷺ : "أُرِيتُهُ فِي الْمَنَامِ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ بَيَاضٌ، وَلَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَكَانَ عَلَيْهِ لِبَاسٌ غَيْرُ ذَلِكَ". أخرجه الترمذي (٣). [ضعيف] قوله في حديث عائشة [عن] (٤) ورقة: "أخرجه الترمذي". قلت: ثم قال (٥): هذا حديث غريب.

стр. 1186

وعثمان (١) بن عبد الرحمن [٤٨١/ ب] ليس عند أهل الحديث بالقوي. انتهى. قلت: وعثمان المذكور هو راويه عن الزهري. ١٢ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِي إِلَى رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ: إِنِّي حَلَمْتُ أَنَّ رَأْسِي قُطِعَ فأَنَا أَتَّبِعُهُ، فَزَجَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: "لاَ تُخبرْ بِتَلَعُّبِ الشَّيْطَانِ بِكَ فِي الْمَنَامِ". أخرجه مسلم (٢). [صحيح] قوله في حديث جابر: "إني حلمت" إلى قوله: "ولا تخبر بتلعب الشيطان بك"، هذا نهي عن الإخبار بالرؤيا المكروهة [ومعرفة كراهة مثل هذه واضح وقد ثبت النهي عن الإخبار بالرؤية المكروهة] (٣) قال النووي (٤): سبب النهي أنه ربما فسرها سامعها بتفسير مكروه على ظاهر صورتها، وكان ذلك مجملاً فوقع ذلك بتقدير الله. قال المازري (٥): قيل إن النبي ﷺ علم أن منامه هذا من الأضغاث بوحي أو بدلالة في المنام دلته على ذلك، أو على أنه من تحزين الشيطان، وأما العابرون فتكلموا في كتبهم على قطع الرأس، ويجعلونه دلالة على مفارقة الرآئي ما هو معه من النعم، ومفارقة من فوقه، وبتغير حاله في جميع أموره إلا أن يكون عبداً، فيدل على عتقه، أو مريضاً فعلى شفائه، أو

стр. 1187

مديوناً فعلى قضاء دينه، أو لم يحج فعلى أن يحج، أو مغموماً فعلى فرحه، أو خائفاً فعلى أمنه، انتهى. ١٣ - وَعَنْ أُمِّ الْعَلاَءِ الْأَنْصَارِيَّة ﵂ قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ الْمَهَاجِرُونَ طَارَ لَنا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ فِي السُّكْنَى، فاشْتَكَى فَمَرَّضْنَاهُ حَتَّى تُوُفِّيَ، قالَتْ: فَرَأَيْتُ لِعُثْمَانَ فِي النَّوْمِ عَيْنًا تَجْرِي، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ الله ﷺ فَقَالَ: ذَاكِ عَمَلُهُ يَجْرِى لَهُ". أخرجه البخاري (١). [صحيح] قوله: "وعن أم العلاء" هي: أم خارجة (٢) بن زيد [بن ثابت واسمها كنيتها، وأبوها الحارث بن زيد بن] (٣) خارجة الخزرجي. قوله: "فاشتكى" أي: مرض وأصله لصدور الشكوى، ثم استعمل لكل مرض لأن الشكوى تلزم عنه غالباً.

стр. 1188

كتاب: التفليس ١ - عن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بَعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ" أخرجه الستة (١)، واللفظ للشيخين. [صحيح] وزاد مالك (٢) وأبو داود (٣): وَإِنْ مَاتَ الَّذِي ابْتَاعَهُ فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ فِيهِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ. [صحيح] وزاد أبو داود (٤): وَإِنْ كَانَ قَضَى مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرُمَاءِ. [صحيح] قوله: "فهو أحق به من غيره". اختلف العلماء فيمن اشترى سلعة فأفلس، أو مات قبل أن يؤدي ثمنها ولا وفاء عنده، وكانت السلعة باقية بحالها. فقال الشافعي (٥) وطائفة: بايعها بالخيار، إن شاء تركها وصارت مع الغرماء بثمنها، وإن شاء رجع [٤٨٢/ ب] فيها بعينها في صورة الإفلاس والموت. وقال أبو حنيفة (٦): لا يجعل له الرجوع فيها بل يتعين المضاربة.

стр. 1189

وقال مالك (١): يرجع في صورة الإفلاس، ويضارب في صورة الموت. واحتج الشافعي (٢) بهذه الأحاديث وتأولها أبو حنيفة بتأويلات ضعيفة مردودة. ٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فكَثُرَ دَيْنُهُ فَأَفْلَسَ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ"، فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفاءَ دَيْنِهِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ لِغُرَمَائِهِ: "خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ لَهُ لَيْسَ لَكُمْ إِلاَّ ذَلِكَ". أخرجه الخمسة (٣) إلا البخاري. [صحيح] قوله في حديث أبي سعيد: "أصيب رجل" أي: أصابت [١٣٩/ أ] ثماره التي شراها جائحة أتلفتها، فأمر ﷺ الناس بالصدقة فلم يف بقضاء كل دينه، فقال لغرمائه: "ليس لكم إلا ذلك". فيه دليل على أن الثمرة (٤) غير مضمونة إذ لو كانت مضمونة لقال: وما بقي فنظرة إلى ميسرة أو نحوه، إذ الدين لا يسقط بإعسار المدين والحديث يذكر في باب الجوائح (٥).

стр. 1190

كتاب: [تمني الموت (١)] أقول: في التعريفات (٢): التمني: طلب حصول الشيء ممكناً كان أو ممتنعاً، ذكره ابن الكمال (٣). وقال الراغب (٤): تقدير شيء في النفس وتصويره فيها، وذلك قد يكون عن تخمين وظن (٥)، لكن لما كان أكثره تخميناً صار الكذب له أملك، فأكثر التمني تصوُّرُ ما لا حقيقة له، والأمنية الصورة الحاصلة في النفس. انتهى. وفي "الفتح (٦) ": التمني إرادة معلقة بالمستقبل، فإن كان في خير من غير أن يعلق بجسد فهي مطلوبة، وإلا فهي مذمومة، وقد قيل: إن بين التمني والترجي عموماً وخصوصاً، فالترجي في الممكن والتمني في أعم من ذلك. وقيل: التمني يتعلق بما فات [٤٨٣/ ب] وعبر عنه بطلب ما لا يمكن حصوله. قوله: "باب تمني الموت" أي: باب النهي عن تمنيه أو حكم تمنيه، أو كيفية التلفظ بتمنيه كما يدل له حديث أنس.

стр. 1191

١ - عَنْ أَنَسِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لاَ يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لاَ بُدَّ فَاعِلاً فَلْيَقُلِ: اللهمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَياةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّني إِذَا كانَتِ الْوَفاةُ خَيْرًا لِي". أخرجه الخمسة (١). [صحيح] قوله: "من ضر أصابه" هذا لا مفهوم له؛ لأنه لا يتمنى (٢) الموت إلاَّ لذلك. إن قلت: لم نهى عن تمني الموت؟ قلت: قد نبه ﷺ على علة ذلك بقوله: "لا يتمنين أحدكم الموت إما محسناً فلعله يزداد، وإما مسيئاً فلعله يستعتب"، هذه رواية البخاري (٣) والنسائي (٤)؛ ولأنه إنما يتمناه تبرماً وتحرجاً مما نزل به من الضر، فهو تسخط لما قدره الله عليه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ (٥) ما يفيد بأنه بنزول التفسير مأمور بالرجوع إلى من لا يكشف كل ضر غيره، وهو رب العالمين. والمتمني للموت أراد خلاف ذلك؛ ولأن الموت مقدر بأجل إذا جاء لا يتأخر فتمنيه إرادة لإخراجه عما قدره الله من وقته. قوله: "وإن كان لا بد فاعلاً".

стр. 1192

أقول: كأن المراد لا فراق له عن التكلم بالتمني فلينتقل إلى غيره وهو سؤال الله وتفويض (١) الأمر إليه. وقوله: "لا بد" قال أهل اللغة (٢): معناه: لا إنفكاك ولا فراق ولا مندوحة، أي: هو للثلاثة. ٢ - وَفِي رِوايَة لِلنِّسَائِي (٣) عَنْ قَيْسٌ بْنِ أَبِي حَازِم قَالَ: "دَخَلْتُ عَلَى خَبَّابٍ وَقَدِ اكتَوَى فِي بَطْنِهِ سَبْعًا، وَقَالَ: لَوْلاَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لدَعَوْتُ بِهِ". [صحيح] قوله حديث خباب: قدمه المصنف في البناء ونسبه إلى الشيخين (٤)، وله ألفاظ أحدها: ما ذكره هنا، وفي رواية حارثة بن مُضِّرب عند الترمذي (٥) والنسائي (٦) قال: دخلت على خباب وقد اكتوى في بطنه فقال: ما أعلم أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ لقي من البلاء ما لقيت، لقد كنت وما أجد درهماً على عهد رسول الله ﷺ وفي ناحية بيتي أربعون ألفاً ... الحديث [٤٨٤/ ب].

стр. 1193

حرف الثاء [ أي: المثلثة] (١) [وفيه كتاب واحد] (٢) [كتاب: الثناء والشكر] (٣) قوله: "كتاب الثناء" بتقديم المثلثة، في التعريفات (٤): الثناء على الشيء فعل ما يشعر بتعظيمه، والثناء (٥) ما يذكر من محامد الناس فيثني حالاً محالاً. انتهى. وأما النثاء بتقديم النون على المثلثة ففي "القاموس (٦) " نثا الحديث حدث به وأشاعه، والشيء فرقه وأذاعه، والنثا ما أخبر به عن الرجل من حسن أو سيئ. قوله: "والشكر" في التعريفات (٧): الشكر اللغوي الوصف بالجميل على جهة التعظيم على النعمة من اللسان والجنان والأركان، والشكر العرفي صرف العبد كل ما أنعم ربه عليه إلى ما خلق لأجله والشكر عند القوم نشر التفضل بنعت التذلل، وصرف النعمة في وجه الخدمة، والإقرار بالإفضال على وجه الإدلال والإفضال.

стр. 1194

١ - عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْد ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ الله خَيْرَاً، فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاء". أخرجه الترمذي (١). [حسن] قوله: "معروف (٢) " المعروف ما تقبله الأنفس، ولا تجد منه تكرها. وقال: ما قبله العقل وأقره الشرع وأحبه كرم الطبع. قوله: "فقد أبلغ في الثناء" أي: على فاعله إليه، فدل أن الدعاء لفاعل المعروف ثناء عليه بالغ، وفيه دليل على أن صانع المعروف يستحق على من ابتدأه إليه الثناء عليه، وأبلغ الثناء هو الدعاء، فإن فيه الإقرار بأنه لا يستطيع المكافأة له، على ما أسداه إلا الله، بجزائه عليه خيراً، ونكر الخبر تعظيماً له، قد يأتي في الحديث الثاني الأمر بالجزاء على العطية، فإن لم يجد أثنى فهو مقيد لهذا المطلق وأخص منه كما يأتي. قوله: "أخرجه الترمذي". قلت: وقال (٣): هذا حديث حسن جيد غريب، لا نعرفه من حديث أسامة بن زيد إلا من هذا الوجه، وقد روي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثله. انتهى. ٢ - وَعَنْ جابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ أُعْطِيَ عَطَاءً فَلْيَجْزِ بِهِ إِنْ وَجَدَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُثْنِ بِهِ، فَإِنَّ مَنْ أَثْنَى بِهِ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَمَنْ كتَمَهُ فَقدْ كَفَرَهُ". أخرجه أبو داود (٤) والترمذي (٥). [صحيح]

стр. 1195

٣ - وفي رواية الترمذي (١): "وَمَنْ تَحَلَّى بِمَا لَمْ يُعْطَهُ كَانَ كَلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُوْرِ". قوله في حديث جابر [١٤٠/ أ]: "من أعطي عطاءً فليجز به"، هذا أخص من حديث أسامة؛ لأنه في العطية، وهي أخص من مطلق المعروف، لتبادرها إلى عطية الأعيان [٤٨٥/ ب] والمعروف أعم، وقد أمر هنا بالجزاء إن وجد، فإن لم يجد أجزأه الثناء على من أعطاه، وتقدم أن أبلغه قوله جزاه الله خيراً، وعبارة لفظ الترمذي: "من أعطي عطاءً فوجد فليجز به (٢) ". قوله: "ومن تحلى بما لم يعطه كان كلابس ثوبي زور" في "الجامع": إنما شبه المتحلي بما ليس عنده بلابس ثوبي زور، أي: ثوبي ذي زور، وهو الذي يزور على الناس، بأن يتزيا بزي أهل الزهد، ويلبس ثياب التقشف رياءً، أو أنه يظهر أن عليه ثوبين وليس عليه إلا ثوب واحد، وقال الأزهري (٣): لابس ثوبي زور: هو أن يخيط كُماً على كُم ليظهر لمن يراه أن عليه قميصين وليس عليه إلا قميص واحد كمان من كل جانب. انتهى. قوله: "وفي أخرى للترمذي". قلت: وقال (٤) الترمذي عقب إخراجه: هذا حديث حسن غريب. وقوله: "ومن كتم فقد كفر" يقول (٥): كفر تلك النعمة.
следующие страницы →