١ - عَنْ أَنَسِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لاَ يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لاَ بُدَّ فَاعِلاً فَلْيَقُلِ: اللهمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَياةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّني إِذَا كانَتِ الْوَفاةُ خَيْرًا لِي". أخرجه الخمسة (١). [صحيح]
قوله: "من ضر أصابه" هذا لا مفهوم له؛ لأنه لا يتمنى (٢) الموت إلاَّ لذلك.
إن قلت: لم نهى عن تمني الموت؟
قلت: قد نبه ﷺ على علة ذلك بقوله: "لا يتمنين أحدكم الموت إما محسناً فلعله يزداد، وإما مسيئاً فلعله يستعتب"، هذه رواية البخاري (٣) والنسائي (٤)؛ ولأنه إنما يتمناه تبرماً وتحرجاً مما نزل به من الضر، فهو تسخط لما قدره الله عليه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ (٥) ما يفيد بأنه بنزول التفسير مأمور بالرجوع إلى من لا يكشف كل ضر غيره، وهو رب العالمين.
والمتمني للموت أراد خلاف ذلك؛ ولأن الموت مقدر بأجل إذا جاء لا يتأخر فتمنيه إرادة لإخراجه عما قدره الله من وقته.
قوله: "وإن كان لا بد فاعلاً".
стр. 1192
أقول: كأن المراد لا فراق له عن التكلم بالتمني فلينتقل إلى غيره وهو سؤال الله وتفويض (١) الأمر إليه.
وقوله: "لا بد" قال أهل اللغة (٢): معناه: لا إنفكاك ولا فراق ولا مندوحة، أي: هو للثلاثة.
٢ - وَفِي رِوايَة لِلنِّسَائِي (٣) عَنْ قَيْسٌ بْنِ أَبِي حَازِم قَالَ: "دَخَلْتُ عَلَى خَبَّابٍ وَقَدِ اكتَوَى فِي بَطْنِهِ سَبْعًا، وَقَالَ: لَوْلاَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لدَعَوْتُ بِهِ". [صحيح]
قوله حديث خباب: قدمه المصنف في البناء ونسبه إلى الشيخين (٤)، وله ألفاظ أحدها: ما ذكره هنا، وفي رواية حارثة بن مُضِّرب عند الترمذي (٥) والنسائي (٦) قال: دخلت على خباب وقد اكتوى في بطنه فقال: ما أعلم أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ لقي من البلاء ما لقيت، لقد كنت وما أجد درهماً على عهد رسول الله ﷺ وفي ناحية بيتي أربعون ألفاً ... الحديث [٤٨٤/ ب].
стр. 1193
حرف الثاء [ أي: المثلثة] (١)
[وفيه كتاب واحد] (٢)
[كتاب: الثناء والشكر] (٣)
قوله: "كتاب الثناء" بتقديم المثلثة، في التعريفات (٤): الثناء على الشيء فعل ما يشعر بتعظيمه، والثناء (٥) ما يذكر من محامد الناس فيثني حالاً محالاً. انتهى.
وأما النثاء بتقديم النون على المثلثة ففي "القاموس (٦) " نثا الحديث حدث به وأشاعه، والشيء فرقه وأذاعه، والنثا ما أخبر به عن الرجل من حسن أو سيئ.
قوله: "والشكر" في التعريفات (٧): الشكر اللغوي الوصف بالجميل على جهة التعظيم على النعمة من اللسان والجنان والأركان، والشكر العرفي صرف العبد كل ما أنعم ربه عليه إلى ما خلق لأجله والشكر عند القوم نشر التفضل بنعت التذلل، وصرف النعمة في وجه الخدمة، والإقرار بالإفضال على وجه الإدلال والإفضال.
стр. 1194
١ - عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْد ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ الله خَيْرَاً، فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاء". أخرجه الترمذي (١). [حسن]
قوله: "معروف (٢) " المعروف ما تقبله الأنفس، ولا تجد منه تكرها. وقال: ما قبله العقل وأقره الشرع وأحبه كرم الطبع.
قوله: "فقد أبلغ في الثناء" أي: على فاعله إليه، فدل أن الدعاء لفاعل المعروف ثناء عليه بالغ، وفيه دليل على أن صانع المعروف يستحق على من ابتدأه إليه الثناء عليه، وأبلغ الثناء هو الدعاء، فإن فيه الإقرار بأنه لا يستطيع المكافأة له، على ما أسداه إلا الله، بجزائه عليه خيراً، ونكر الخبر تعظيماً له، قد يأتي في الحديث الثاني الأمر بالجزاء على العطية، فإن لم يجد أثنى فهو مقيد لهذا المطلق وأخص منه كما يأتي.
قوله: "أخرجه الترمذي".
قلت: وقال (٣): هذا حديث حسن جيد غريب، لا نعرفه من حديث أسامة بن زيد إلا من هذا الوجه، وقد روي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثله. انتهى.
٢ - وَعَنْ جابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ أُعْطِيَ عَطَاءً فَلْيَجْزِ بِهِ إِنْ وَجَدَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُثْنِ بِهِ، فَإِنَّ مَنْ أَثْنَى بِهِ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَمَنْ كتَمَهُ فَقدْ كَفَرَهُ". أخرجه أبو داود (٤) والترمذي (٥). [صحيح]
стр. 1195
٣ - وفي رواية الترمذي (١): "وَمَنْ تَحَلَّى بِمَا لَمْ يُعْطَهُ كَانَ كَلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُوْرِ".
قوله في حديث جابر [١٤٠/ أ]: "من أعطي عطاءً فليجز به"، هذا أخص من حديث أسامة؛ لأنه في العطية، وهي أخص من مطلق المعروف، لتبادرها إلى عطية الأعيان [٤٨٥/ ب] والمعروف أعم، وقد أمر هنا بالجزاء إن وجد، فإن لم يجد أجزأه الثناء على من أعطاه، وتقدم أن أبلغه قوله جزاه الله خيراً، وعبارة لفظ الترمذي: "من أعطي عطاءً فوجد فليجز به (٢) ".
قوله: "ومن تحلى بما لم يعطه كان كلابس ثوبي زور" في "الجامع": إنما شبه المتحلي بما ليس عنده بلابس ثوبي زور، أي: ثوبي ذي زور، وهو الذي يزور على الناس، بأن يتزيا بزي أهل الزهد، ويلبس ثياب التقشف رياءً، أو أنه يظهر أن عليه ثوبين وليس عليه إلا ثوب واحد، وقال الأزهري (٣): لابس ثوبي زور: هو أن يخيط كُماً على كُم ليظهر لمن يراه أن عليه قميصين وليس عليه إلا قميص واحد كمان من كل جانب. انتهى.
قوله: "وفي أخرى للترمذي".
قلت: وقال (٤) الترمذي عقب إخراجه: هذا حديث حسن غريب.
وقوله: "ومن كتم فقد كفر" يقول (٥): كفر تلك النعمة.
стр. 1196
٤ - وفي أخرى للترمذي (١) عَنْ أَبِي سَعِيْدٌ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ لاَ يَشْكُرُ النَّاسَ لاَ يَشْكُرُ الله تَعَالَى".
قوله: "وفي أخرى للترمذي عن أبي سعيد".
قلت: وقال عقبها (٢): هذا حديث حسن، وأخرج (٣) قبله من حديث أبي هريرة بلفظ: "من لا يشكر النَّاس لا يشكر الله" بكلمة لا في الموضعين، ونسب هذا اللفظ إلى أبي هريرة.
وأخرج حديث أبي سعيد بلفظ: "من لم يشكر" بكلمة لم في الموضعين، فاللفظ الذي أتى به المصنف هو لفظ حديث أبي هريرة لا أبي سعيد، وحديث أبي هريرة قال الترمذي (٤) عقيبه: هذا حديث صحيح، وفي "الجامع (٥) " ذكر لحديث أبي هريرة لفظين بكلمة لا فيهما والأخرى بكلمة لم فيهما.
وأما حديث أبي سعيد فليس فيه إلا لفظ واحد بكلمة لا فيهما.
ومعنى الحديث: أن من ترك شكر من أحسن إليه، فإنه قد ترك شكر الله، وذلك؛ لأن الله قد أمره بشكر من أحسن إليه، فإذا لم يشكره فلم يمتثل أمر الله، ومن لم يمتثل أمره تعالى فقد ترك شكر الله، إذ من شكره امتثال أمره ويحتمل أن يراد أن من ترك شكر من أحسن [٤٨٦/ ب] إليه من العباد ترك شكر الله؛ لأنه بشكره العباد شكر لله حيث سخرهم
стр. 1197
للإحسان إليه، وفي "الجامع (١) " معناه من كان من طبعه وعادته كفران نعمة الناس، وترك الشكر لهم، كان من عادته، كفران نعمة الله، وترك الشكر له، وقيل (٢): معناه أن الله لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس ويكفر معروفهم لاتصال أحد الأمرين بالآخر. انتهى.
٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! مَا رَأَيْنَا قَوْمًا أَبْذَلَ مِنْ كَثِيرٍ وَلا أَحْسَنَ مُوَاسَاةً مِنْ قَلِيلٍ مِنْ قَوْمٍ نَزَلْنَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ لَقَدْ كَفَوْنَا الْمُؤْنَةَ، وَأَشْرَكُونَا فِي الْمَهْنَإِ، حَتَّى خِفْنَا أَنْ يَذْهَبُوا بِالأَجْرِ كُلِّهِ، قَالَ: "لاَ، ما دَعَوْتُمُ لَهُمْ وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ". أخرجه أبو داود (٣)، والترمذي (٤) وصححه. [صحيح]
قوله: "لقد كفونا المؤنة" في "القاموس (٥) ": أنه مهموز قال: وقد لا يهمز، فإن القوم احتمل مونتهم، أي: قوتهم.
قوله: "أخرجه أبو داود والترمذي".
قلت: لفظ "الجامع (٦) " بعد سياقه بلفظه: هذه رواية الترمذي، واختصره (٧) أبو داود وقال: إن المهاجرين قالوا: يا رسول الله! ذهبت الأنصار بالأجر كله. قال: "لا ما دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم". انتهى.
стр. 1198
وقال الترمذي (١) عقب روايته: هذا حديث حسن صحيح غريب.
[انتهى نقل الجزء الأول من التحبير من الأم التي بخط المصنف ﵀, ويليه الجزء الثاني أوله الكتاب الأول من حرف الجيم في الجهاد.
كان تمام نقل هذا الجزء الأول ليلة الخميس ٢٢/ المحرم سنة (١٣٦٢ هـ)، بعناية مولانا أمير المؤمنين المتوكل على الله يحيى بن الإمام المنصور بالله محمَّد بن يحيى حميد الدين حفظه الله.
كتبه بخطه محمَّد بن أحمد بن علي الحجري لطف الله به] (٢).
تم المجلد الثاني من التحبير لإيضاح معاني التيسير
ويليه المجلد الثالث
ويبدأ بحرف الجيم - الكتاب الأول في الجهاد
ولله الحمد والمنة.
стр. 1199
التَّحبير لإيضَاح مَعَاني التَّيسير (*)
تَأليف
العَلاّمَة محمَّد بن إسمَاعيل الأمير
حَقّقه وعَلقّ عَليه وَخَرّجَ أحَاديثَه وَضبَط نصَّه
محَمَّد صُبْحي بن حَسَن حَلّاق أبو مصعب
الجُزء الثالث
مَكتَبَةُ الرُّشد
ناشرون
стр. 1200
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م
مَكتَبَةُ الرُّشد - ناشرون
المملكة الْعَرَبيَّة السعودية - الرياض
الإدارة: مركز البستان - طريق الملك فهد هاتف ٤٦٠٤٨١٨
ص. ب. ١٧٥٢٢ الرياض ١١٤٩٤ - فاكس ٤٦٠٢٤٩٧
E-mail:info@rushd.com.sa
Website:www.rushd.com.sa
فروع المكتبة داخل المملكة
- الرياض: المركز الرئيسي: الدائري الغربي، بين مخرجي ٢٧ و٢٨ هاتف: ٤٣٢٩٣٣٢
- الرياض: فرع طريق عثمان بن عفان، هاتف: ٢٦٩٠٤٤٤ - ٢٠٥١٥٠٠
- فرع مكة المكرمة: شارع الطائف هاتف: ٥٥٨٥٤٠١ فاكس: ٥٥٨٣٥٠٦
- فرع المدينة المنورة: شارع أبي ذر الغفاري هاتف: ٨٣٤٠٦٠٠ فاكس: ٨٣٨٣٤٢٧
- فرع جدة: مقابل ميدان الطائرة هاتف: ٦٧٧٦٣٣١ فاكس: ٦٧٧٦٣٥٤
- فرع القصيم: بريدة - طريق المدينة هاتف: ٣٢٤٢٢١٤ فاكس: ٣٢٤١٣٥٨
- فرع أبها: شارع الملك فيصل: هاتف: ٢٣١٧٣٠٧ فاكس: ٢٢٤٢٤٠٢
- فرع الدمام: شارع الخزان هاتف: ٨١٥٠٥٦٦ فاكس: ٨٤١٨٤٧٣
- فرع حائل: هاتف: ٥٣٢٢٢٤٦ فاكس: ٥٦٦٢٢٤٦
- فرع الإحساء: هاتف: ٥٨١٣٠٢٨ فاكس: ٥٨١٣١١٥
- فرع تبوك: هاتف: ٤٢٤١٦٤٠ فاكس: ٤٢٣٨٩٢٧
- فرع القاهرة: شارع إبراهيم أبو النجا - مدينه نصر: هاتف: ٢٢٧٢٨٩١١ - فاكس: ٢٢٧١٢٦٢٥
مكاتبنا بالخارج
- القاهرة: مدينة نصر هاتف: ٢٧٤٤٦٠٥ - موبايل: ٠١٠٠١٦٢٢٦٥٣
- بيروت: بئر حسن موبايل: ٥٥٤٣٥٣/ ٠٣ - تلفاكس: ٤٦٢٨٩٥/ ٠٥
стр. 1201
التَّحبير
لإيضَاح مَعَاني التَّيسير
- ٣ -
الجزء الثالث
стр. 1202
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 1203
حرف الجيم
وفيه كتابان
الجهاد، والجدال والمراء
الكتاب الأول: في الجهاد
وفيه ثلاث أبواب
الباب الأول: في فضله
وفيه فصلان:
الفصل الأول: في فضل الجهاد والمجاهدين
١ - عَنْ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ الله خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ المَنَازِلِ". أخرجه الترمذي (١) والنسائي (٢).
[بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وبه نستعين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه] (٣).
стр. 1204
قوله: الكتاب الأول في الجهاد، هو بكسر الجيم (١) لغةً: المشقة، وشرعاً: بذل الجهد في قتال الكفار لإعلاء كلمة الله تعالى، ويدخل فيه البغاة، واعلم أنه كان فرض الجهاد قبل وقعة بدر، وكانت بدر في رمضان في السنة الثانية وفيها فرض (٢) الصيام، والزكاة.
قوله: رباط يوم في سبيل الله. المرابط (٣): الملازم للمكان الذي بين المسلمين، والكفار لحراسة المسلمين منهم.
قوله: أخرجه الترمذي.
قلت: من طريق أي: [] (٤) صالح مولى عثمان بن عفان قال: سمعت عثمان، وهو على المنبر يقول: "إني كتمتكم حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ كراهية تفرقكم عني ثم بدا لي أن أحدثكموه ليختار امرؤٌ لنفسه ما بدا له"، وذكر الحديث، ثم قال الترمذي (٥): هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه, قال محمد: أبو صالح [سليمان (٦)] اسمه برْكَان انتهى. وفي "التقريب" (٧) اسمه: الحارث، ويقال: تركان - بمثناة أوله ثم راء ساكنة - مقبول.
стр. 1205
٢ - وَعَن فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولِ الله- ﷺ :"كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلاَّ المُرَابِطَ فِي سَبِيلِ الله فَإِنَّهُ يُنْمَى لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْم القِيَامَةِ وَيُؤَمَّنُ مِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ". أخرجه أبو داود (١) والترمذي (٢). [صحيح].
٣ - وفي رواية الترمذي (٣) قال: قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ : "المُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ".
قوله: "ينمي" (٤) أي: يزاد ويكُثُر.
قوله: في حديث فضالة يختم على عمله، معناه: أنَّ الرجل إذا مات لا يزاد في ثواب ما عمل، ولا ينقص منه إلَّا الغازي؛ فإنَّ ثواب مرابطته ينمو، ويتضاعف.
قوله: أبو داود، والترمذي.
قلت: [٢ ب] لفظه (٥): إلا الذي مات مرابطاً، وقال (٦): حديث فضالة بن عبيد حديث حسن صحيح.
٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ الله أوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا". أخرجه الشيخان (٧) والترمذي (٨). [صحيح].
стр. 1206
قوله في حديث أنس: "الغدوة" (١) هي بفتح المعجمة المرة الواحدة من الذهاب، والروحة - بفتح الراء -[هي] (٢) المرة الواحدة (٣) من المجيء، وفي "التوشيح" (٤) هي: النصف الأول من النهار، والروحة الخروج النصف الثاني منه، وأمَّا الغدوة - بالضم - فهي ما بين صلاة الغداة، وطلوع الشمس، واللام في لغدوة للابتداء، أو القسم.
قوله [١٤١/ أ]: خير من الدنيا وما فيها، قال ابن دقيق العيد (٥): يحتمل أن يكون من تنزيل الغيب منزلة المحسوس تحقيقاً له في النفس لكون الدنيا محسوسة في النفس مستعظمة في الطباع؛ فلذلك وقعت المفاضلة بها، وإلا فمن المعلوم أن جميع ما في الدنيا لا يساوي ذرة مما في الجنة، ويحتمل أن المراد أن هذا القدر من الثواب خير من الثواب الذي يحصل له لو حصلت له الدنيا لأنفقها في طاعة الله.
قوله: أخرجه الشيخان، والترمذي، قال ابن عبد الأثير (٦): أخرج الترمذي هذا الحديث في أول حديث هو مذكور في صفة الجنة من كتاب القيامة من حرف القاف.
٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ : "مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ الله فَوَاقَ نَاقَةٍ لِتكُونَ كَلِمَةُ الله هِيَ العُلْيَا وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ". أخرجه الترمذي (٧) [حسن].
"وَفُوَاقُ النَّاقَةِ" (٨) قدر ما بين الحَلْبتين من الاستراحة.
стр. 1207
قوله: في حديث أبي هريرة فواق ناقة, الفواق: قدر ما بين الحلبتين بأن يحلب ثم يترك للفصيل يرضعها لتدر ثم يحلب، فالفواق ما بينهما، وقيل: ما بين رفع يدك عن ضرعها وقت الحلب ووضعها من الوقت.
قوله: لتكون كلمة الله هي العليا، يريد لإعلاء كلمة الله فقط، قال الطبري (١): وإذا كان هذا هو الباعث أولاً لا يضره ما عرض بعد ذلك [٣ ب].
قلت: وقد بين الحوامل على الجهاد حديث أبي موسى (٢) أنَّه سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياءً، فأيّ ذلك في سبيل الله؟ قال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".
٦ - وَعَنْ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: "مَنْ سَألَ القَتْلَ فِي سَبِيلِ الله تَعَالَى صَادِقَاً مِنْ نَفْسِهِ ثُمَّ مَاتَ أَوْ قُتِلَ كانَ لَهُ أَجْرَ شَهِيدٍ، وَمَنْ جُرِحَ جُرْحًا فِي سَبِيلِ الله أَوْ نُكِبَ نَكْبَةً فِي سَبِيلِ الله فَإِنَّهَا تَجِيءُ يَوْمَ القِيَامَةِ كأَغْزَرِ مَا كَانَتْ، لَوْنُهَا كَلَوْنُ الزَّعْفَرَانِ، وَرِيحُهَا رِيحُ المِسْكِ، وَمَنْ خَرَجَ بِهِ خُرَاجٌ فِي سَبِيلِ الله تَعَالَى فَإِنَّ عَلَيْهِ طَابَعَ الشُّهَدَاءِ". أخرجه أصحاب (٣) السنن.
قوله: "في حديث معاذ من سأل القتل" لفظه في الترمذي: "من قاتل في سبيل الله من رجل مسلم فواق ناقة وجبت له الجنة".
قوله: "أو نكب نكبة" (٤) هي ما يصيب الإنسان من الحوادث.
стр. 1208
قوله: "خراج" هذا اللفظ ليس في رواية الترمذي والخراج (١) - بالضم - وَبَاءٌ معروف فإن عليه طابع الشهداء.
قوله: "أصحاب السنن" في الجامع نسبة إلى أبي داود والنسائي، قال: وأخرجه الترمذي مفرقاً في موضعين انتهى، وكلام المصنف صحيح فقد أخرجه أصحاب السنن.
٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ :"مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ الله إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَدْمِي، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ". أخرجه الستة (٢) إلا أبا داود. [صحيح].
قوله: "في حديث أبى هريرة يدمي" وفي رواية (٣): "ينفجر دماً" وفي أخرى (٤): "يثعب" وفي رواية (٥): "والله أعلم بمن يكلم في سبيله"، قيل (٦): والحكمة في كون الدم يأتي على هيئته أنه يشهد لصاحبه بفضله، وعلى قاتله بفعله، وفائدة رائحته الطيبة أن ينشر في أهل الموقف إظهاراً لفضله.
قوله: "عرف المسك" العرف: الرائحة طيبةً كانت، أو خبيثة، والمراد هنا الطيبة.
وقوله: "يثعب" (٧) بالمثلثة، فعين مهملة، يسيل.
قوله: "أخرجه الستة".
стр. 1209
قلت: بألفاظ مختلفة فيها زيادة، ونقصان قد ساقها ابن الأثير في "الجامع" (١).
٨ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "تَضَمَّنَ اللهُ تَعَالَى لَمِنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لاَ يُخْرِجُهُ إِلاَّ جِهَادٌ فِي سَبِيلي وَإِيمَانٌ بِي، وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلي، فَهُوَ عَلَىَّ ضَامِنٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ أَوْ أَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ نَائِلاً مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ, وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا مِنْ كلْمٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيْلِ اللهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيامَةِ كهَيئَتِهِ يَوْمَ كُلِمَ، لَوْنُه لَوْنُ دَمٍ، وَرِيْحُهُ رِيْحُ مِسْكٍ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمدٍ بِيَدِه لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى المُسْلِمِينَ مَا قَعَدْتُ خِلاَفَ سَرِيَّةٍ تَغْزو فِي سَبِيلِ الله أَبَدًا، وَلَكِنْ لاَ أَجِدُ سَعَةً فَأَحْمِلَهُمْ، وَلاَ يَجِدُونَ سَعَةً فَيَتَّبِعُونِي، وَيَشُقُّ عَلِيْهِمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِي أَغْزُوَ فِي سَبِيلِ الله فَأُقْتَلَ، ثُمَّ أَغْزُوَ فَأُقْتَلَ ثُمَّ أَغْزُوَ فَأُقْتَلَ" (٢). أخرجه الثلاثة والنسائي. [صحيح].
"وَالكَلْمُ" (٣) الجرح، و"وَالمَكْلُومُ" المجروح.
قوله: "في حديث أبي هريرة الثاني من أجر" أي: فقط إن لم يغنم شيئاً، أو غنيمة، أي: معها أجر، هذا الضمان، والكفالة [٤ ب] موافق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ (٤) الآية، وكأنه سكت عن الأجر الثاني الذي مع الغنيمة لنقصه بالنسبة إلى الأجر الذي بلا غنيمة، والحاصل على هذا التأويل أن ظاهر الحديث أنه إذا غنم لا يحصل له أجر، وليس ذلك مراداً، بل المراد أو غنيمة معها أجر أنقص من أجر من
стр. 1210
يغنم؛ لأن القواعد تقتضي أنه عند عدم الغنيمة أفضل منه, وأتم أجراً عند وجودها، فالحديث صريح في نفي الحرمان، وليس صريحاً في نفي الجمع قاله في "فتح الباري" (١).
قلت: قد أخرج أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو عنه ﷺ أنه قال: "ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون غنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة, ويبقى لهم الثلث، فإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم" (٢).
قوله: "لوددت" من الودادة, وهي إرادة وقوع الشيء على إرادة وجه مخصوص يراد، قال الراغب (٣): الود محبة الشيء تمني حصوله، فمن الأول: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (٤)، ومن الثاني: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ (٥) الآية، قوله: "فأُقتل"، إن قيل: كيف صدر منه ﷺ هذا التمني مع علمه أنه لا يقتل: أجيب: أن التمني لا يستلزم الوقوع.
٩ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُوْلُ الله! مَا يَعْدِلُ الجِهَادَ فِي سَبِيلِ الله؟ قَالَ: "لاَ تَسْتَطِيعُونَهُ"، فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: "لاَ تَسْتَطِيعُونَهُ"، وَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ: "مَثَلُ المُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ القَانِتِ بِآيَاتِ الله لاَ يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ وَلاَ صَلاَةٍ حَتَّى يَرْجعَ المُجَاهِدُ". أخرجه الستة (٦) إلا أبا داود. [صحيح].
стр. 1211
قوله: في الثالث [٥ ب] من أحاديث أبي هريرة: أنه أخرجه الستة إلا أبا داود. قلت: وقال الترمذي (١) بعد إخراجه أنه حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: وفي الباب عن الشفاء، وعبد الله بن حبشي وأبي موسى، وأبي سعيد، وأم مالك البهرية، وأنس.
قلت: وليس في لفظه: القانت بآيات الله، ليس إلا الصائم القائم، وللحديث ألفاظ سردها ابن الأثير (٢).
١٠ - وعن أبي سعيد ﵁ قال: قِيْلَ: يَا رَسُولَ الله! أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "مُؤْمِنٌ مُجَاهِدٌ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ الله"، قِيْلَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "رَجُلٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقي الله وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ". أخرجه الخمسة (٣). [صحيح]
١١ - وعنه ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ وَشَرِّ النَّاسِ، إِنَّ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ رَجُلاً عَمِلَ فِي سَبِيلِ الله عَلَى ظَهْرِ فَرَسِهِ أَوْ ظَهْرِ بَعِيرِهِ أَوْ عَلَى قَدَمِهِ حَتَّى يَأْتِيَهُ المَوْتُ وَإِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ رَجُلاً يَقْرَأُ كتَابَ الله لاَ يَرْعَوِي إِلَى شَيْءٍ مِنْهُ". أخرجه النسائي (٤). [بسند ضعيف]
قوله: "لَا يَرْعَوِي" (٥) أي لا ينكفُّ ولا ينزجر.
قوله: "في حديث أبي سعيد في شعب" بكسر الشين المعجمة الطريق في الجبل (٦)، وبفتحها: القبيلة العظيمة قال العلماء: إنَّما وردت الأحاديث بذكر "الشعب"، والجبل؛ لأن
стр. 1212
ذلك في الأغلب يكون خالياً من الناس، فكل موضع يبعد عن الناس فهو داخل في هذا المعنى.
١٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ : "أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ؟ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ الله تَعَالَى أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِالَّذِي يَتْلُوهُ؟ رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ يُؤَدِّي حَقَّ الله تَعَالَى فِيهَا أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ؟ رَجُلٌ يُسْأَلُ بِالله وَلاَ يُعْطِى بِه". أخرجه مالك (١) والترمذي (٢) والنسائي (٣). [صحيح]
قوله: "في حديث ابن عباس في غنيمة له فيه أنه يتخذ ما يقوم به من المعاش، وصغرها لئلا يستكثر منها فتشغله عن عبادة الله".
قوله: "أخرجه مالك، والترمذي".
قلت: وقال الترمذي (٤) هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، ويروى هذا الحديث من غير وجهٍ عن ابن عباس عن النبي ﷺ .
١٣ - وَعَنْ أَبِي أُمَامة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ : "سِيَاحَةُ أُمَّتِي الجِهَاُد في سَبِيلِ الله". أخرجه أبو داود (٥). [حسن].
قوله: "في حديث أبي أمامة أخرجه أبو داود".
قلت: وللحديث سبب أخرجه أبو داود [٦ ب] قال: عن أبي أمامة أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله! إيذن لي في السياحة فذكره.
стр. 1213
وقوله: "سياحة أمتي الجهاد" في النهاية (١): ساح في الأرض يسيح سياحة إذا ذهب فيها، وأصله في السيح، وهو الماء الجاري المنبسط على الأرض. انتهى.
وكان من الأولين من يسيح في الأرض للعبادة، والتخلي، ونحو ذلك، فأخبر ﷺ أن سياحة الأمة الجهاد, عوضاً عما كان عليه من سلف.
١٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لاَ يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ الله تَعَالَى حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ، وَلاَ يَجْتَمِعُ عَلَى عَبْدٍ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ الله وَدُخَانُ جَهَنَّمَ". أخرجه الترمذي (٢) وصححه والنسائي (٣). [صحيح].
قوله: "في حديث أبي هريرة أخرجه الترمذي".
قلت: وقال (٤): هذا حديث حسن صحيح، ومحمد بن عبد الرحمن، أي: أحد رواته هو مولى آل طلحة مدني.
١٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "عَيْنَانِ لاَ تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ الله، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ الله". أخرجه الترمذي (٥). [صحيح لغيره].
стр. 1214
قوله: في حديث ابن عباس: أخرجه الترمذي.
стр. 1215
قلت: وقال (١) حديث ابن عباس حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث شعيب ابن زريق. انتهى. [١٤٢/ أ] وفي "التقريب" (٢): شعيب بن زريق الشامي أبو شيبة صدوق يخطئ. انتهى.
١٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "لاَ يَجْتَمِعُ كَافِرٌ وَقَاتِلُهُ فِي النَّارِ أبداً، وَلاَ يَجْتَمِعُ فِي جَوْفِ عَبْدٍ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ الله وَفَيْحُ جَهَنَّمَ، وَلاَ يَجْتَمِع فِي قَلْبِ عَبْدٍ الإِيمَانُ وَالحَسَدُ". أخرجه مسلم (٣) وأبو داود (٤) والنسائي (٥). [صحيح].
١٧ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قال رَسُولَ الله- ﷺ : "مَنْ رَضِيَ بِالله رَبًّا، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُوْلَاً، وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ". فَعَجِبْتُ لَهَا، فَقُلْتُ: أَعِدْهَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ الله فَأَعَادَهَا، ثُمَّ قَالَ: "وَأُخْرَى يُرْفَعُ بِهَا العَبْدُ مِائَةَ دَرَجَةٍ فِي الجَنَّةِ, مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ". قُلْتُ: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: "الجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله، الجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله، الجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله". أخرجه مسلم (٦) والنسائي (٧). [صحيح].
١٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "يَضْحَكُ الله تَعَالَى إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ كِلاَهُمَا [٧ ب] يَدْخُلُ الجَنَّةَ، يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ الله ثُمَّ يَسْتَشْهِدُ فَيَتُوبُ الله تَعَالَى عَلَى القَاتِلِ فَيُسْلِمُ فَيُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله فَيَسْتَشْهَدُ". أخرجه الثلاثة (٨).
стр. 1216
والنسائي (١). [صحيح].
ومعنى "الضحك" (٢) هنا: الرضى.
١٩ - وعنه ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ :"مَنِ احْتبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ الله إِيمَانًا بِالله وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ, فَإِنَّ شِبَعَهُ وَرِيَّهُ وَرَوْثَهُ وَبَوْلَهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ - يعني الحسنات -". أخرجه البخاري (٣) والنسائي (٤). [صحيح].
٢٠ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِي ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ بِنَاقَةٍ مَخطُومَةٍ إِلَى رَسُولُ الله ﷺ فقال: هذه في سبيل الله تعالى، فقال ﷺ : "لَكَ بِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ سَبْعُمِائَةِ نَاقِةٍ كُلُّهَا مَخْطُومَةٌ". أخرجه مسلم (٥) والنسائي (٦). [صحيح].
стр. 1217
٢١ - وَعَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قال: سُئِلَ رَسُولَ الله ﷺ -أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "إخْدَامُ عَبْدٍ فِي سَبِيلِ الله، أَوْ إِظْلَالُ فُسْطَاطٍ أَوْ طَرُوقَةُ فَحْلٍ". أخرجه الترمذي (١). [حسن].
قوله: "طرُوقَةُ فَحْلٍ" (٢) هي الناقة إذا كبرت وصلحت أن يعلوها الفحل وهي الحِقَّةُ من الإبل.
٢٢ - وَعَنْ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ الله فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا". أخرجه الخمسة (٣). [صحيح].
٢٣ - وعَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ -يَقُولُ: "سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمُ الأَمْصَارُ وَسَتكُونُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ تُقْطَعُ عَلَيْكُمْ؛ فِيهَا بُعُوثٌ يَكْرَهُ الرَّجُلُ مِنْكُمُ البَعْثَ فِيهَا فَيَتَخَلَّصُ مِنْ قَوْمِهِ ثُمَّ يَتَصَفَّحُ القَبَائِلَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ يَقُوُل: مَنْ أَكْفِهِ بَعْثَ كَذَا وَكَذَا؟ أَلاَ وَذَلِكَ الأَجِيرُ إِلَى آخِرِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهِ". أخرجه أبو داود (٤). [إسناده ضعيف].
"البُعُوثُ" (٥) جمع بَعْثٍ، وهم طائفة من الجيش يبعثون في الغزو كالسرية.
стр. 1218
٢٤ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: "كَتَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى عُمَرَ ﵄ يَذْكُرُ لَهُ جُمُوعًا مِنَ الرُّومِ؛ وَمَا يَتَخَوَّفُ مِنْهُمْ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّهُ مَهْمَا يَنْزِلْ بِعَبْدٍ مُؤْمِنٍ مِنْ مُنْزَلِ شِدَّةٍ يَجْعَلِ الله تَعَالَى بَعْدَهُ فَرَجًا، وَإِنَّهُ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، وَإِنَّ الله تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠] ". أخرجه مالك (١). [موقوف صحيح].
الفصل الثاني: في فضل الشهادة والشهداء
١ - عَنْ أَنَسَ ﵁ قَالَ: قال رَسُولَ الله ﷺ : "مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَلَهُ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا الشَّهِيدُ، ويَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِنَ الكَرَامَةِ". أخرجه الخمسة (٢) إلا أبا داود. [صحيح].
وفي رواية (٣): إلّا الشّهِيدَ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشّهَادَةِ. [صحيح].
٢ - وعن ابن أبي عميرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ :"لَأَنْ أُقْتَلَ فِي سَبِيلِ الله [٨ ب] تَعَالَى أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُوْنُ لِي أَهْلُ المَدَرِ وَالوَبَرِ". أخرجه النسائي (٤). [حسن].
قوله: "وعن ابن أبي عميرة" بفتح أوله وكسر ثانيه، قال في "التقريب" (٥): صحابي عنه جبير بن نفير.
стр. 1219
قوله: "أهل المدر والوبر، أهل المدر القرى (١)، وأهل الوبر الأعراب"، وقيل (٢): أهل المدر أهل القرى، والأمصار، وأهل الوبر [...........] (٣).
٣ - وَعَنِ المُغِيرَة ﵁ قال: أَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا ﷺ عَنْ رِسَالَةِ رَبِّنَا: "أَنَّهُ مَنْ قُتِلَ مِنَّا صَارَ إِلَى الجَنَّةِ؛ فنحن أحب في الموت منكم في الحياة". أخرجه البخاري (٤) تعليقاً إلى قوله إلى الجنة، وأخرجه بطوله رزين.
قوله: "في حديث المغيرة أخرجه البخاري تعليقاً" لفظ "الجامع" (٥) بعد سياقه كله، أخرجه البخاري في ترجمة (٦) باب هذا لفظه، وفي بعض نسخ "الجامع" ليس فيه أخرجه البخاري في ترجمة باب، ولا على المغيرة علامة البخاري، بل فيها أخرجه من غير علامة. انتهى.
فالعجب من كلام المصنف أنَّه أخرج البخاري أوله، وأخرجه بطوله رزين فهذا شيء ليس في "الجامع" الذي عنه ينقل المصنف، ثم إنه ليس (٧) من لازم كونه في ترجمة أن يكون تعليقاً كما قاله المصنف.
٤ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله! أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ الله أَتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "نَعَمْ؛ إِنْ قُتِلْتَ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ
стр. 1220
مُدْبِرٍ، ثُمَّ قَالَ: "كَيْفَ قُلْتَ؟ " فَأَعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: نَعَمْ؛ إِلاَّ الدَّيْنَ فَإِنَّ جِبْرِيلَ أَخْبَرَنِي ذَلِكَ". أخرجه مسلم (١) ومالك (٢) والترمذي (٣) والنسائي (٤). [صحيح]
٥ - وفي أخرى لمسلم (٥) عن ابن عمرو بن العاص ﵄: أَنَّهُ ﷺ قَالَ: "يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلِّ ذَنْبٍ إِلاَّ الدَّيْنَ". [صحيح]
قوله: "في حديث أبي قتادة إلا الدين" هو تنبيه على جميع حقوق المخلوقين، وأن الجهاد وسائر أنواع (٦) البر لا تكفر حقوقهم، إنَّما تكفر حقوق الله.
وقوله ﷺ : "نعم، إلا الدين" محمول على أنه أوحي إليه في الحال لقوله: "إنّ جبريل أخبرني بذلك" وفي لفظ النسائي: "سارني به جبريل آنفاً". أي: الآن [٩ ب].
٦ - وَعَنْ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "الشُّهَدَاءُ أَرْبَعَةٌ: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيِّدُ الإِيمَانِ لَقِيَ العَدُوَّ فَصَدَقَ الله تَعَالَى حَتَّى قُتِلَ فَذَلِكَ الَّذِي يَرْفَعُ النَّاسُ أَعْيُنَهُمْ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ هَكَذَا"، وَرَفَعَ رَأْسَهُ حَتَّى سَقَطَتْ قَلَنْسُوَتُهُ، فَلَا أَدْرِى قَلَنْسُوَةَ عُمَرَ أَرَادَ أَمْ قَلَنْسُوَةَ النَّبِيِّ ﷺ ، "وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيِّدُ الإِيمَانِ لَقِيَ العَدُوَّ فَكَأَنَّمَا
стр. 1221
ضُرِبَ جِلْدُهُ بِشَوْكِ طَلْحٍ مِنَ الجُبْنِ أَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَقَتَلَهُ فَهُوَ فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَة, وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ خَلَطَ عَمَلاً صَالحِاً وَآخَرَ سَيِّئًا لَقِيَ العَدُوَّ فَصَدَقَ الله تَعَالَى حَتَّى قُتِلَ فَذَلِكَ فِي الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ، وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ أَسْرَفَ عَلَى نَفْسِهِ لَقِيَ العَدُوَّ فَصَدَقَ الله تَعَالَى حَتَّى قُتِلَ فَذَلِكَ فِي الدَّرَجَةِ الرَّابِعَةِ". أخرجه الترمذي (١). [ضعيف]
يقال: "سهم غرب" بالإضافة (٢) وغيرها إذا لم يعرف من رمى به.
قوله: "في حديث فضالة القلنسوة" (٣)، هي: ما يلبس في الرأس، والطلح (٤): شجر معروف ذو شوك، والجبن - بضم الجيم وسكون الموحدة - هو: الخوف وعدم الإقدام.
قوله: "سهم غرب" (٥)، بالعين المعجمة والراء فموحدة، يقال: سهم غرب بالإضافة وبعدمها، وسكون الراء وتحريكها، وهو كما قال المصنف للذي لا يعرف راميه، ولا من أين جاء.
وإنما اختلفت الدرجات؛ لأن الأول: امتاز بجودة الإيمان، وبأنه صدق الله، والثاني: بجودة الإيمان فقط، والثالث والرابع: لم يتصفا بجودة الإيمان، بل الأول له عمل صالح خلط به غيره, والرابع: ظاهره أنه ليس له عمل صالح، بل أسرف على نفسه.
قوله: "أخرجه الترمذي".
стр. 1222
قلت: وقال (١) هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عطاء بن دينار سمعت محمداً يقول: قد روى سعيد بن أيوب هذا الحديث عن أشياخ من خولان، ولم يذكر فيه عن أبي يزيد، وقال عطاء بن دينار ليس به بأس. انتهى. [١٤٣/ أ].
٧ - وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ رَغَّبَ فِي الجِهَادِ وَذَكَرَ الجَنَّةَ، وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَأْكُلُ تَمرَاتٍ فِي يَدِهِ فَقَالَ: إِنِّي لَحَرِيصٌ عَلَى الدُّنْيَا إِنْ جَلَسْتُ حَتَّى أَفْرُغَ مِنْهُنَّ، فَرَمَى مَا فِي يَدِهِ وَحَمَلَ بِسَيْفِهِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. أخرجه مالك (٢). [ضعيف]
قوله: "وعن يحيى بن سعيد" وفيه: ورجل من الأنصار يأكل تمرات هو عمر بن الحمام، ويقال: عمير الأنصاري [١٠ ب]، وكان هذا الفعل يوم أحد.
٨ - وَعَنِ البَرَاءَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ بِالحَدِيدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! أُقَاتِلُ أوْ أُسْلِمُ؟ فَقَالَ: "أَسْلِمْ ثُمَّ قَاتِلْ"، فَأَسْلَمَ ثُمَّ قَاتَلَ، فَقُتِلَ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "عَمِلَ قَلِيلاً وَأُجِرَ كَثِيرًا". أخرجه الشيخان (٣)، وهذا لفظ البخاري. [صحيح]
"المُقَنَّعُ" (٤) هو المتغطِّي بالسلاح، وقيل: المغطى رأسه به فقط.
قوله: "في حديث البراء المقنع" لفظ "الجامع" (٥): رجل مقنع: إذا كان على رأسه بيضة وهي: الخوذة، وقيل: هو المتغطي بالسلاح.
٩ - وَعَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ الصَّحَابَةِ: أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ الله! مَا بَالُ المُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ إِلاَّ الشَّهِيدَ؟ قَالَ: "كفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً".
стр. 1223
أخرجه النسائي (١). [صحيح]
قوله: "في حديث راشد بن سعد يفتنون في قبورهم" أي: سؤال الملكين لهم منكر ونكير.
وقوله: "بارقة السيوف" في "الجامع" (٢) برق السيف إذا لمع تشبيهاً له بلموع البرق يعني: أن بارقة السيوف على رأس الشهيد وروعته منها جوزي عليها بأن لا يُسأل في قبره، وذلك؛ لأنَّ ثباته عند البارقة على الإيمان دليل قوة إيمانه وثبوت عقيدته، والفتنة في القبر إنما هي لبيان ثباته على الإيمان فقد تبين قبل وفاته فأيّ حاجة لسؤاله في قبره.
١٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَا يَجِدُ الشَّهِيْدُ مِنْ مَسِّ القَتْلِ إِلَّا كَمَا يَجِدُ أَحَدْكُمْ مِنْ مَسِّ القَرْصَةِ". أخرجه الترمذي (٣) والنسائي (٤). [بسند حسن]
١١ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ رَجُلٍ غَزَا فِي سَبِيلِ الله فَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ فَعَلِمَ مَا عَلَيْهِ فَرَجَعَ حَتَّى أُرِيقَ دَمُهُ فَيَقُولُ الله -لمِلاَئِكَتِهِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي رَجَعَ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي وَشَفَقَاً مِمَّا عِنْدِي حَتَّى أُرِيقَ دَمُهُ, أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ" (٥). [حسن]
قوله: "في حديث ابن مسعود عجب ربنا" في النهاية (٦) قيل: معنى عجب ربك: أي: رضي وأثاب فسماه عجباً مجازاً (٧)، وليس بعجب في الحقيقة، وقيل: أي: عظم عنده، وكبر لديه.
стр. 1224
قوله: فعلم ما عليه، أي: من إثم الفرار من الزحف [١١ ب].
١٢ - وَعَنْ عَبْدِ الخَبِيرِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵁ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولَ الله ﷺ يُقَالُ لَهَا أُمُّ خَلاَّدٍ وَهِىَ مُتْنَقِّبَةٌ تَسْأَلُ عَنِ ابْنٍ لَهَا قُتِلَ فِي سَبِيلِ الله، فَقَالَ لَهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ: جِئْتِ تَسْأَلِينَ عَنِ ابْنِكِ وَأَنْتِ مُتَنَقِّبَةٌ؟ فَقَالَتْ: إِنْ أُرْزَإِ ابْنِي فَلَنْ أُرْزَأَ حَيَائِي. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ الله ﷺ : "ابْنُكِ لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ"، قَالَتْ: وَلِمَ؟ قَالَ: "لأَنَّه قَتَلَهُ أَهْلُ الكِتَابِ" (١). أخرجهما أبو داود. [ضعيف]
قوله: "في حديث عبد الخبير أن أُرْزَإِ ابني" الرزء (٢) - بضم الراء - المصيبة بفقد الأحبة، وهو من الانتقاص، تقول: إن أصبت به وفقدته فلن أصب بحيائي، فلهذا [تنقبت (٣)].
قوله: "لأنه قتله أهل الكتاب" فيه دليل على أن من قتله أهل الكتاب أفضل ممن قتله الكفار الذين لا كتاب لهم.
وقوله: "منتقبة" بتقديم بتقديم النون على المثناة الفوقية، وضبط في "سنن أبي داود" بتقديم المثناة على النون، وضبط فيه كالأول وهو في النقاب، أي: فعلت النقاب على وجهها، وكان السائل لها يرى أن حرَّ المصيبة يذهلها عن النقاب.
стр. 1225
١٣ - وَعَن سَهْلِ بْنِ حُنَيْف ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَنْ سَأَلَ الله الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ الله مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ". أخرجه الخمسة (١) إلا البخاري. [صحيح]
قوله: "في حديث سهل بن حُنَيْف من سأل الله الشهادة إلى آخره"، فيه دليل أن من سأل الله شيئاً بصدق أعطاه ثواب ما سأله، وفيه استحباب سؤال الشهادة، بل استحباب ما فيه الخير مطلقاً.
١٤ - وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيَّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ -قَالَ: "مَنْ فَصَلَ فِي سَبِيلِ الله فَمَاتَ أَوْ قُتِلَ، أَوْ وَقَصَهُ فَرَسُهُ أَوْ بَعِيرُهُ, أَوْ لَدَغَتْهُ هَامَّةٌ، أَوْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ بِأَيِّ حَتْفٍ شَاءَ الله تَعَالَى مَاتَ فَهُوَ شَهِيدٌ". أخرجه أبو داود (٢). [ضعيف]
قوله: مَنْ فَصَل (٣) - بالفاء وصاد مهملة - يأتي [تفسيره (٤)] يخرج.
قوله: وَقَصَهُ - بفتح الواو، فقاف، فصاد مهملة - والوقص (٥): كسر العنق "أو لدغته" - بالمهملة وغين معجمة - أصابه لدغ من ذوات السم.
قوله: "بأيّ حتف" الحتف - بفتح الحاء المهملة وسكون المثناة الفوقية ففاءٌ هو الموت، وقولهم: حتف (٦) أنفه [١٢ ب] كانوا يتخيلون أنَّ روح المريض تخرج من أنفه.
стр. 1226
قوله: "فهو شهيد" زاد في "الجامع" (١) في هذه الرواية: "وإنَّ له الجنة" كأنها سقطت على المصنف.
١٥ - وَفِي أُخْرَى لَهُ: قِيْلَ: يَا نَبِيَّ الله! مَنْ فِي الجَنَّةِ؟ قَالَ: "النَّبِيُّ فِي الجَنَّةِ, وَالشَّهِيدُ فِي الجَنَّةِ، وَالمَولُودُ فِي الجَنّةِ، وَالوئَيدُ في الجَنّةِ" (٢). [حسن]
ومعنى "فصل" أي: خرج.
قوله: وفي أخرى له، ظاهره أن الرواية الأخرى لأبي داود عن أبي مالك الأشعري وليس كذلك، بل الذي في "الجامع" (٣) حسناء (٤) بنت معاوية الصريمية قالت: حدثني عمي قال: قلت: للنبي ﷺ من في الجنة؟ الحديث.
قوله: "والوئيد في الجنة" في النهاية (٥) إنما هو فعيل بمعنى المفعول، وقد عارض هذا حديث: "الوائدة والموءودة في النار" ويأتي الكلام.
١٦ - وَعَنْ أَبِي النَّضْرِ (٦) قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِشُهَدَاءِ أُحُدٍ فَقَالَ: "هَؤُلاَءِ أَشْهَدُ عَلَيْهِمْ"، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَلَسْنَا بِإِخْوَانِهِمْ يَا رَسُولَ الله؟ أَسْلَمْنَا كَمَا أَسْلَمُوا، وَجَاهَدْنَا كَمَا جَاهَدُوا، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "بَلَى؛ وَلَكِنْ لاَ أَدْرِى مَا تُحْدِثُونَ بَعْدِي". فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّا لَكَائِنُونَ بَعْدَكَ؟. أخرجه مالك (٧).
стр. 1227
الباب الثاني: في الجهاد وما يتعلق به
وفيه خمسة فصول:
الفصل الأول: في وجوبه والحث عليه
١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا، وَالصَّلاَةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْكُمْ خَلْفَ كُلِّ مُسْلِمٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا، وَإِنْ عَمِلَ الكَبَائِرَ، وَالصَّلاَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا، وَإِنْ عَمِلَ الكَبَائِرَ". أخرجه أبو داود (١).
قوله: "في حديث أبي هريرة, وإن عمل الكبائر" قال المنذري في مختصر (٢) السنن: إنه حديث منقطع مكحول لم يسمع من أبي هريرة. انتهى.
قلت: لأنه أخرجه أبو داود عن مكحول عن أبي هريرة إلا أنه أخرج أبو داود (٣) من حديث أنس بن مالك حديث: "الجهاد ماضٍ منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل". قال المنذري (٤): رواه مسلم والترمذي والنسائي [١٣ ب] فلو أتى المصنف بهذه الرواية (٥) لكان أولى.
стр. 1228
٢ - وعن أنس ﵁ قال: قال رَسُولَ الله ﷺ :"جَاهِدُوا المُشْرِكِينَ بِأمْوَالِكُمْ وَأنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ". أخرجه أبو داود (١) والنسائي (٢). [صحيح]
قوله: "في حديث أنس جاهدوا المشركين بأموالكم" بأن يتجهز المجاهد من ماله، ويجهز غيره إن استطاع، وبنفسه [أن يخرج] (٣) باذلاً لها في سبيل الله، وبلسانه، بالتحريص على جهادهم، وهجوهم بالشعر، وغير ذلك. [صحيح]
٣ - وعن ابن عباس ﵄: أن رَسُولَ الله ﷺ قَالَ يَوْمَ الفَتْحِ: "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ, وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفِرُوا". أخرجه الخمسة (٤).
قوله: "في حديث ابن عباس: لا هجرة بعد الفتح" قال في "التوشيح": أي: من مكة بعد ما فتحت، أما من سائر بلاد الكفر، فالهجرة منها باقية, ولفظ الإسماعيلي من حديث أبي عمر: "انقطعت الهجرة بعد الفتح إلى رسول الله ﷺ ، ولا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار" أي: ما دام في الدنيا دار كفر.
٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله- ﷺ : "مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِغَزْوٍ مَاتِ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ".
قال ابن المبارك: فَنَرى أنَّ ذلكِ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولَ الله ﷺ . أخرجه مسلم (٥) وأبو داود (٦) والنسائي (٧). [صحيح]
стр. 1229
٥ - وفي رواية لأبي داود (١): عَنْ أَبِي أُمَامَةُ ﵁: مَنْ لَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُجَهّزْ غَازِيَاً أَوْ يَخْلُفْ غَازِيَاً فِي أَهْلِهِ بِخَيرٍ أَصَابَهُ الله تَعَالَى بِقَارعَةٍ قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ. [حسن]
قوله: "في حديث أبي هريرة: قال ابن المبارك إلى آخره" هذا الذي قاله (٢) ابن المبارك محتمل، وقال غيره أنه عام، والمراد أن من فعل هذا فقد أشبه المنافقين المتخلفين عن الجهاد في هذا الوصف، فإن ترك الجهاد أحد شعب النفاق.
قوله: قارعة في النهاية (٣): أي: بداهية مهلكة، يقال: قرعهُ أمر إذا أتاه فجاءة. انتهى.
٦ - وَعَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ عَبْدُ الله بْنُ أَبِي أَوْفَى ﵄ قال: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا العَدُوَّ يَنْتَظِرُ حَتَّى مَالَتِ الشَّمْسُ فَقَامَ فِيهِمْ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وَاسْأَلُوا الله العَافِيَةَ، وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلاَلِ السُّيُوفِ"، ثُمَّ قَالَ: "اللهمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأَحْزَابِ: اهْزِمْهُمْ، وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ". أخرجه الشيخان (٤) وأبو داود (٥). [صحيح]
قوله: "في حديث ابن أبي أوفى: لا تتمنوا لقاء العدو" قال ابن بطال (٦): الحكمة في النهي أن المرء لا يعلم ما يؤول [١٤ ب] إليه الأمر خصوصاً أن لقاء الموت من أشق الأشياء على النفس، فلا يأمن عدم الصبر عند ملاقاة العدو.
стр. 1230
قال النووي (١): وقد كثرت الأحاديث بسؤال العافية، ومن الألفاظ العامة المتناولة [١٤٤/ أ] لدفع جميع المكروهات، اللهم إني أسألك العافية لي، ولجميع أحبائي، ولجميع المسلمين.
قوله: "إن الجنة تحت ظلال السيوف" قال القرطبي (٢): هذا من الكلام النفيس "الجامع" الموجز المشتمل على البلاغة، وعذوبة اللفظ فإنه أفاد الحض على الجهاد، والإخبار بالثواب عليه, والحث على مقاومة العدو، واستعمال السيوف، والاجتماع حين الزحف حتى تصير السيوف تظلل المقاتلين. انتهى.
وفي "الجامع" (٣) جعل ظلال السيوف في القتال شاملة للجنة؛ لأن من دخل تحت ظل السيف في سبيل الله فقد دخل الجنة, ومعناه: الدنو من القرن حتى يعلوه ظل سيفه، ولا يفر منه.
قوله: "اللهم منزل الكتاب إلى آخره" [إشارة] (٤) بهذا الدعاء إلى وجوه النصر عليهم "فبالكتاب" إلى قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ (٥)، "وبمجري السحاب" إلى القدرة (٦) الظاهرة إلى تسخير السحاب حيث تحركه الرياح بمشيئة الله، وحيث تستقر سحابة مع هبوب الريح، وحيث تمطر تارةً، وأخرى لا تمطر، فأشار بحركته إلى إعانة المجاهدين في حركتهم في القتال، وبوقوفه إلى إمساك أيدي الكفار عنهم، وبإنزال المطر إلى غنيمة ما معهم حيث يتفق قتلهم، وإلى هزيمتهم حيث لا يحصل الظفر بشيء منهم، وكلها أحوال صالحة