قوله: "فهو شهيد" زاد في "الجامع" (١) في هذه الرواية: "وإنَّ له الجنة" كأنها سقطت على المصنف.
١٥ - وَفِي أُخْرَى لَهُ: قِيْلَ: يَا نَبِيَّ الله! مَنْ فِي الجَنَّةِ؟ قَالَ: "النَّبِيُّ فِي الجَنَّةِ, وَالشَّهِيدُ فِي الجَنَّةِ، وَالمَولُودُ فِي الجَنّةِ، وَالوئَيدُ في الجَنّةِ" (٢). [حسن]
ومعنى "فصل" أي: خرج.
قوله: وفي أخرى له، ظاهره أن الرواية الأخرى لأبي داود عن أبي مالك الأشعري وليس كذلك، بل الذي في "الجامع" (٣) حسناء (٤) بنت معاوية الصريمية قالت: حدثني عمي قال: قلت: للنبي ﷺ من في الجنة؟ الحديث.
قوله: "والوئيد في الجنة" في النهاية (٥) إنما هو فعيل بمعنى المفعول، وقد عارض هذا حديث: "الوائدة والموءودة في النار" ويأتي الكلام.
١٦ - وَعَنْ أَبِي النَّضْرِ (٦) قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِشُهَدَاءِ أُحُدٍ فَقَالَ: "هَؤُلاَءِ أَشْهَدُ عَلَيْهِمْ"، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَلَسْنَا بِإِخْوَانِهِمْ يَا رَسُولَ الله؟ أَسْلَمْنَا كَمَا أَسْلَمُوا، وَجَاهَدْنَا كَمَا جَاهَدُوا، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "بَلَى؛ وَلَكِنْ لاَ أَدْرِى مَا تُحْدِثُونَ بَعْدِي". فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّا لَكَائِنُونَ بَعْدَكَ؟. أخرجه مالك (٧).
стр. 1227
الباب الثاني: في الجهاد وما يتعلق به
وفيه خمسة فصول:
الفصل الأول: في وجوبه والحث عليه
١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا، وَالصَّلاَةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْكُمْ خَلْفَ كُلِّ مُسْلِمٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا، وَإِنْ عَمِلَ الكَبَائِرَ، وَالصَّلاَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا، وَإِنْ عَمِلَ الكَبَائِرَ". أخرجه أبو داود (١).
قوله: "في حديث أبي هريرة, وإن عمل الكبائر" قال المنذري في مختصر (٢) السنن: إنه حديث منقطع مكحول لم يسمع من أبي هريرة. انتهى.
قلت: لأنه أخرجه أبو داود عن مكحول عن أبي هريرة إلا أنه أخرج أبو داود (٣) من حديث أنس بن مالك حديث: "الجهاد ماضٍ منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل". قال المنذري (٤): رواه مسلم والترمذي والنسائي [١٣ ب] فلو أتى المصنف بهذه الرواية (٥) لكان أولى.
стр. 1228
٢ - وعن أنس ﵁ قال: قال رَسُولَ الله ﷺ :"جَاهِدُوا المُشْرِكِينَ بِأمْوَالِكُمْ وَأنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ". أخرجه أبو داود (١) والنسائي (٢). [صحيح]
قوله: "في حديث أنس جاهدوا المشركين بأموالكم" بأن يتجهز المجاهد من ماله، ويجهز غيره إن استطاع، وبنفسه [أن يخرج] (٣) باذلاً لها في سبيل الله، وبلسانه، بالتحريص على جهادهم، وهجوهم بالشعر، وغير ذلك. [صحيح]
٣ - وعن ابن عباس ﵄: أن رَسُولَ الله ﷺ قَالَ يَوْمَ الفَتْحِ: "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ, وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفِرُوا". أخرجه الخمسة (٤).
قوله: "في حديث ابن عباس: لا هجرة بعد الفتح" قال في "التوشيح": أي: من مكة بعد ما فتحت، أما من سائر بلاد الكفر، فالهجرة منها باقية, ولفظ الإسماعيلي من حديث أبي عمر: "انقطعت الهجرة بعد الفتح إلى رسول الله ﷺ ، ولا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار" أي: ما دام في الدنيا دار كفر.
٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله- ﷺ : "مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِغَزْوٍ مَاتِ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ".
قال ابن المبارك: فَنَرى أنَّ ذلكِ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولَ الله ﷺ . أخرجه مسلم (٥) وأبو داود (٦) والنسائي (٧). [صحيح]
стр. 1229
٥ - وفي رواية لأبي داود (١): عَنْ أَبِي أُمَامَةُ ﵁: مَنْ لَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُجَهّزْ غَازِيَاً أَوْ يَخْلُفْ غَازِيَاً فِي أَهْلِهِ بِخَيرٍ أَصَابَهُ الله تَعَالَى بِقَارعَةٍ قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ. [حسن]
قوله: "في حديث أبي هريرة: قال ابن المبارك إلى آخره" هذا الذي قاله (٢) ابن المبارك محتمل، وقال غيره أنه عام، والمراد أن من فعل هذا فقد أشبه المنافقين المتخلفين عن الجهاد في هذا الوصف، فإن ترك الجهاد أحد شعب النفاق.
قوله: قارعة في النهاية (٣): أي: بداهية مهلكة، يقال: قرعهُ أمر إذا أتاه فجاءة. انتهى.
٦ - وَعَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ عَبْدُ الله بْنُ أَبِي أَوْفَى ﵄ قال: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا العَدُوَّ يَنْتَظِرُ حَتَّى مَالَتِ الشَّمْسُ فَقَامَ فِيهِمْ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وَاسْأَلُوا الله العَافِيَةَ، وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلاَلِ السُّيُوفِ"، ثُمَّ قَالَ: "اللهمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأَحْزَابِ: اهْزِمْهُمْ، وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ". أخرجه الشيخان (٤) وأبو داود (٥). [صحيح]
قوله: "في حديث ابن أبي أوفى: لا تتمنوا لقاء العدو" قال ابن بطال (٦): الحكمة في النهي أن المرء لا يعلم ما يؤول [١٤ ب] إليه الأمر خصوصاً أن لقاء الموت من أشق الأشياء على النفس، فلا يأمن عدم الصبر عند ملاقاة العدو.
стр. 1230
قال النووي (١): وقد كثرت الأحاديث بسؤال العافية، ومن الألفاظ العامة المتناولة [١٤٤/ أ] لدفع جميع المكروهات، اللهم إني أسألك العافية لي، ولجميع أحبائي، ولجميع المسلمين.
قوله: "إن الجنة تحت ظلال السيوف" قال القرطبي (٢): هذا من الكلام النفيس "الجامع" الموجز المشتمل على البلاغة، وعذوبة اللفظ فإنه أفاد الحض على الجهاد، والإخبار بالثواب عليه, والحث على مقاومة العدو، واستعمال السيوف، والاجتماع حين الزحف حتى تصير السيوف تظلل المقاتلين. انتهى.
وفي "الجامع" (٣) جعل ظلال السيوف في القتال شاملة للجنة؛ لأن من دخل تحت ظل السيف في سبيل الله فقد دخل الجنة, ومعناه: الدنو من القرن حتى يعلوه ظل سيفه، ولا يفر منه.
قوله: "اللهم منزل الكتاب إلى آخره" [إشارة] (٤) بهذا الدعاء إلى وجوه النصر عليهم "فبالكتاب" إلى قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ (٥)، "وبمجري السحاب" إلى القدرة (٦) الظاهرة إلى تسخير السحاب حيث تحركه الرياح بمشيئة الله، وحيث تستقر سحابة مع هبوب الريح، وحيث تمطر تارةً، وأخرى لا تمطر، فأشار بحركته إلى إعانة المجاهدين في حركتهم في القتال، وبوقوفه إلى إمساك أيدي الكفار عنهم، وبإنزال المطر إلى غنيمة ما معهم حيث يتفق قتلهم، وإلى هزيمتهم حيث لا يحصل الظفر بشيء منهم، وكلها أحوال صالحة
стр. 1231
للمسلمين، وأشار (١) "بهازم الأحزاب" إلى التوسل بالنعمة السابقة, وإلى تجريد التوكل، واعتقاد أن الله هو المنفرد بالفعل، وفيه التنبيه على عظم هذه النعم الثلاث، فإن بإنزال الكتاب حصلت النعمة الأخروية، وهو الإسلام وبتسخير السحاب حصلت النعمة [١٥ ب] الدنيوية، وهي الرزق، وبهزيمة الأحزاب حصل حفظ النعمتين، فكأنه قال: اللهم كما أنعمت بعظيم النعمتين الدنيوية والأخروية, وحفظهما فأبقهما، ذكره في "فتح الباري" (٢).
٧ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ الكِنْدِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "لاَ يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ يُقَاتِلُونَ عَلَى الحَقِّ وَيُزِيغُ الله تَعَالَى لهُمْ قُلُوبَ أَقْوَامٍ وَيَرْزُقُهُمْ مِنْهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ, وَحَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ الله، وَالخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَهُوَ يُوحَى إِلَيَّ أَنِّى مَقْبُوضٌ غَيْرَ مُلَبَّثٍ، [وَأَنْتُمْ] (٣) تَتَّبِعُونِي، أَلاَ فَلَا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، وَعُقْرُ دَارِ المُؤْمِنِينَ الشَّامُ". أخرجه النسائي (٤). [صحيح]
"عُقْرُ الدَّار" (٥) بضم العين المهملة وفتحها: أصلها، وأشار بذلك إلى أن الشام تكون عند ظهور الفتن آمنة, والمسلمون بها أسلم.
قوله: "في حديث سلمة بن نفيل: يُريع (٦) الله لهم" بالراء، ومثناة تحتية, فعين مهملة من الريع النماء والزيادة، وكأن المراد يلقي لهم محبة زائدة في قلوب أقوام من الأمة فيصلونهم بالأرزاق
قوله: حتى تقوم الساعة، فيه استمرار الجهاد، وداومه.
стр. 1232
قوله: معقود في نواصيها الخير الناصية شعر مقدم الرأس، وقد جاء تفسير الخير بأنه الأجر والمغنم.
الفصل الثاني: في آدابه
١ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولَ الله ﷺ إِذَا غَزَا قَالَ: "اللهمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَنَصِيرِي، بِكَ أَحُولُ وَبِكَ أَصُولُ وَبِكَ أقَاتِلُ". أخرجه أبو داود (١) والترمذي (٢). [صحيح]
"الفصل الثاني في آدابه"
أي: الجهاد، والمراد بها ما حثهم رَسُولَ الله ﷺ عليه، كالدعاء الذي أفاده الحديث الأول في قوله: "عضدي" العضد: الناصر والمعين كما في "القاموس" (٣) فعطف ونصيري كالتفسير له.
قوله: "أحول" بالحاء المهملة، قال الخطابي (٤) معناه: أحتال حال في الحرب حوله طاق، كما فيه - أيضاً -: وبك أصول صال على قرنه صولاً، وصيالاً [١٦ ب] وصوولا، وصولانا، سطا، واستطال، كما فيه - أيضاً -:
قوله: "وبك أقاتل" أي: بنصرك وتأييدك، وأفاد بتقديم الجار والمجرور في الأفعال كلها حصر ذلك عليه تعالى، وفيه تفويض الأمر إليه تعالى.
٢ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ هُوَ وَجُيُوشهُ إِذَا عَلَوُا الثّنَايَا كَبَّرُوا، وَإِذَا هَبَطُوا سَبَّحُوا فَوُضِعَتِ الصَّلَاةُ عَلَى ذلِكَ (٥).
стр. 1233
قوله: "في حديث ابن عمرو: كبروا" قال العلماء: الحكمة في التكبير عند الارتفاع: استشعار كبرياء الله، وعلوه, والتسبيح عند الانحدار؛ لأنه تنزيه، فناسب تنزيه الله في الأماكن المنخفضة عن صفات الانخفاض.
قوله: "فوضعت الصلاة على ذلك" أي: تكبر الله للإحرام، وللركوع حال الارتفاع، وتسبح خلال الركوع، والسجود للانحدار، وتكبير النقل بعضه في الانحدار، فالمراد الأغلب ثم إنه لا يخفى أن شرعية الصلاة قبل شرعية القتال والغزو، فكأنه إخبار بأن الصلاة وافقت هذا الصنيع في أسفارهم.
٣ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَع ﵁ قَالَ: أَمَّرَ رَسُولُ الله عَلَيْنَا ﷺ مَرَّةً أَبَا بَكْرٍ ﵁ فِي غَزَاةٍ فَبَيَّتْنَا أُنَاساً مِنَ المُشْرِكِينَ فَقَتَلَهُمْ فَقَتَلْتُ بِيَدِي تِلْكَ اللَّيْلَةَ سَبعَةَ، هُمْ أَهْلُ أَبْيَاتٍ، وَكَانَ شِعَارُنَا: يَا مَنْصُورُ أَمِتْ أَمِتْ. أخرجه أبو داود (١). [حسن]
قوله: "في حديث سلمة بن الأكوع: وكان شعارنا" الشعار (٢): العلامة، وهو [ما
стр. 1234
يتنادى (١)] به الناس في الحرب مما يكون علامة بينهم يتعارفون بها، وكان كل واحد ينادي صاحبه، ويتفاءلُ له بأنَّه منصور، ويأمره أن يميت قرنه من الكفار، ويؤكد أمره بالتكرار.
٤ - وَعَنِ المُهَلّب: عَمَّنْ سَمِعَ النّبيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِنْ بَيَّتكُمُ العَدُوُّ فَقُولُوا (حم، لا يُنْصَرُونَ) ". أخرجه أبو داود (٢) والترمذي (٣). [صحيح]
قوله: "في حديث المهلب: حم لا ينصرون".
قيل: معناه: اللهم لا ينصرون، ويريد به الخبر، لا الدعاء؛ لأنه لو كان دعاءً؛ لقيل: لا ينصروا، مجزوماً، فكأنه قال: والله لا ينصرون، وقيل: إن السورة التي أولها حم سورة (٤) لها شأن، فنبه بذكرها على شرف منزلتها، وأنها مما يستنزل بذكرها النصر من الله [١٧ ب].
وقوله: "لا ينصرون" مستأنف، كأنه قيل: قولوا لهم: حم، فقيل: ماذا يكون إذا قلناها قال: لا ينصرون، وهو حديث مرسل (٥)، وفي رواية ذكرها رزين، ولم أجدها في الأصول، قال: سمعت المهلب وهو يخاف أن يبيته الخوارج، يقول سمعت علي بن أبي طالب ﵇ يقول: وهو يخاف أن تبيته الحرورية سمعت رَسُولَ الله ﷺ يقول وهو يخاف أن يبيته أبو سفيان: "إن بيتم فإن شعاركم حم لا ينصرون" (٦).
стр. 1235
ذكره ابن الأثير في "الجامع" (١).
٥ - وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالَكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولَ الله ﷺ إِذَا أَرَادَ غَزْوَة وَرَّى لِغَيْرِهَا وَيَقُولُ: الحَرْبُ خِدْعَةٌ. أخرجه أبو داود (٢). [صحيح]
قوله: "في حديث كعب بن مالك: (ورّى (٣) بغيرها) ".
هي من التورية، وهو ذكره بلفظ يدل عليه، أو على بعضه دلالة خفية عند السامع، وهذا قطعة من حديث تخلف الثلاثة الطويل، وإنما يوري ليبغت العدو، وهو غير عالم به، ولا متأهب له، ولذا قال ﷺ لما أراد غزو قريش: "اللهم اخف عنا العيون" (٤).
قوله: "والحرب خدعة" بفتح الخاء وضمها وكسرها، وبسكون الدال المهملة أمر باستعمال الحيلة فيه ما أمكن [١٤٥/ أ] وقال ابن المنير (٥): معناه: الحرب الكاملة في مقصودها إنما هي المخادعة لا المواجهة، وذلك لخطر المواجهة وحصول الظفر مع المخادعة بغير خطر.
стр. 1236
٦ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولِ الله ﷺ : "الغَزْوُ غَزْوَانِ: فَأَمَّا مَنِ ابْتَغَى وَجْهَ الله، وَأَطَاعَ الإِمَامَ، وَأَنْفَقَ الكَرِيمَةَ، وَيَاسَرَ الشَّرِيكَ، وَاجْتَنَبَ الفَسَادَ: فَإِنَّ نَوْمَهُ وَنَبْهَهُ أَجْرٌ كُلُّهُ، وَأَمَّا مَنْ غَزَا فَخْرًا، وَرِيَاءً، وَسُمْعَةً، وَعَصَى الإِمَامَ، وَأَفْسَدَ فِي الأَرْضِ: فَإِنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ بِالكَفَافِ". أخرجه الأربعة (١) إلا الترمذي. [حسن]
قوله: "في حديث معاذ أنفق الكريمة" (٢) أي: النفيسة من ماله في الجهاد "وياسر الشريك" أي: عامله باليسر و ["السماحة"] (٣).
قوله: "ونبهه" (٤) قيده أبو علي بضم النون [١٨ ب] وسكون الموحدة، وفي "سنن أبي داود" ضبط فلم يفتحها، وفيه رواية نبهته بزيادة تاء.
قوله: "رياء وسمعة" يقال: بذل الشيء رياء وسمعة أي: ليراه الناس، ويسمعوه.
قوله: ["كفاف" (٥)] (٦) الكفاف السواء، والقدر، وهو الذي يفضل عليه، ولا يعوزه.
قوله: "أخرجه الأربعة إلا الترمذي".
قال المنذري في "مختصر السنن" (٧): وأخرجه النسائي، وفيه [بقية (٨)] (٩) بن الوليد وفيه مقال.
стр. 1237
٧ - وَعَن قَيْس بْن عَبَّاد قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولَ الله ﷺ يَكْرَهُونُ الصَّوْتَ عِنْدَ القِتَالِ. أخرجه أبو داود (١). [موقوف صحيح]
قوله: "في حديث قيس بن عبّاد يكرهون الصوت .. إلى آخره" ابن عباد بضم العين المهملة، وبعدها موحدة مخففة بعد الألف دالٌ مهملة، وكراهية الصوت في القتال مثل أن ينادي بعضهم بعضاً [أو يقول بعضهم قولاً (٢)] له أثر [يتضح (٣)] ويعرف نفسه على وجه الفخر والعجب.
٨ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاء ﵁: أنَّهُ كَانَ يَقِفُ حِينَ يَنْتَهِي إِلَى الدَّرْبِ في مَمرِّ النَّاسِ إِلَى الجِهَادِ فَيُنَادِي نِدَاءَ يُسْمِعُ النَّاسَ: يَا أيُّهَا النَّاسُ! مَنْ كانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَيَظُنُّ أَنَّهُ أُصِيبَ فِي وَجْهِه هذَا لَمْ يَدْلَهُ وَفَاءَ فَلْيَرْجِعُ وَلاَ يَتْبَعْنِي؛ فَإِنَّهُ لَا يَعُودُ كَفَافاً. أخرجه رزين.
قوله: "وعن أبي الدرداء" وهو حديث موقوف عليه، والتحذير من الدين معلوم، وأحاديث (٤) أنه "لا يغفر للشهيد" تقدمت.
قوله: "أخرجه رزين" فيه ما عرفت.
стр. 1238
[قوله (١)]:
الفصل الثالث: في صدق النية [والإخلاص (٢)]
١ - [عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً، وَيُقَاتِلُ رِيَاءَّ أَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ الله؟ فَقَالَ: "مَنْ قَاتَلَ لِتكُونَ كَلِمَةُ الله هِيَ العُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ الله]. (٣) أخرجه الخمسة (٤).
قوله: "في حديث أبي موسى حَميَّة"، الحَميَّة (٥): الأنفة، والاحتمال لمن يلزمك أمره.
٢ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ الله! رَجُلٌ يُرِيدُ الجِهَادَ فِي سَبِيلِ الله وَهُوَ يَبْتَغِي عَرَضًا مِنْ الدُّنْيَا؟ فَقَالَ:"لاَ أَجْرَ لَهُ"، فَأَعَادَ عَلَيْهِ ثَلَاثَاً كُلُّ ذلِكَ يَقُولُ: "لاَ أَجْرَ لَهُ". أخرجه أبو داود (٦). [حسن]
قوله: "في حديث أبي هريرة يبتغي عَرَضاً من الدنيا" بفتح العين المهملة والراء جميعاً ما (٧) يفنى [١٩ ب] من مال وغيره، وقيل: هو ما عدا الدينار والدرهم.
стр. 1239
قوله: "كل ذلك يقول: لا أجر له"، تقدم قريباً حديث أبي داود (١): "أن من غنم رجع بثلثي أجره"، ولكن هذا فيمن كان أصل مقصده العرض الدنيوي، وذلك فيمن قصده إعلاء كلمة الله، واتفق أنه حصل له ما غنمه.
قوله: "أخرجه أبو داود".
قلت: وفيه ابن مكرز الشامي، وفي هامش أبي داود: وقال أبو داود: هو أيوب بن مكرز. انتهى.
وفي "التقريب" (٢) لابن حجر: ابن مكرز، شامي، شيخ لبكير بن الأشج قيل: هو أيوب بن عبد الله، وقيل: هو زيد. انتهى. ذكره في الأبناء.
وفي حرف الهمزة قال (٣): أيوب بن عبد الله بن مكرز العامري القرشي الخطيب، مستور من الثالثة، ولم يثبت أنّ أبا داود روى له. انتهى.
قلت: في "سنن أبي داود" حديث بكير بن عبد الله بن الأشج عن ابن مكرز .. إلى آخره، وقد قال ابن حجر (٤): ابن مكرز شيخ لبكير بن الأشج وهذا هو الذي روى عنه أبو داود، وإنما نسبه ابن حجر إلى جده، وأبو داود نسبه إلى أبيه عبد الله بن الأشج، ولم يذكر الحافظ في "التقريب" زيد بن مكرز فتعين أنه أيوب وعنه روى أبو داود.
وبكل حال ففي حديث أبي هريرة مستور (٥).
стр. 1240
٣ - وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ الهَادِ- ﵁: "أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَعْرَابِ جَاءَ فَآمَنَ بالنَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: أُهَاجِرُ مَعَكَ؟ فَأَوْصَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ بَعْضَ أَصْحَابِهِ, فَكَانَتْ غَزَاةٌ غَنِمَ النَّبِيُّ ﷺ فِيْهَا شَيْئَاً فَقَسَمَ وَقَسَمَ لَهُ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: "قَسَمْتُهُ لَكَ"، قَالَ: مَا عَلَى هَذَا اتَّبَعْتُكَ، وَلَكِنْ اتَّبَعْتُكَ عَلَى أَنْ أُرْمَى إِلَى هَا هُنَا، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى حَلْقِهِ بِسَهْمٍ، فَأَمُوتَ فَأَدْخُلَ الجَنَّةَ. فَقَالَ:"إِنْ تَصْدُقِ الله يَصْدُقْكَ"، فَلَبِثُوا قَلِيلاً ثُمَّ نَهَضُوا فِي قِتَالِ العَدُوِّ فَأُتِىَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مَحْمُوْلَاً قَدْ أَصَابَهُ سَهْمٌ حَيْثُ أَشَارَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ :"أَهُوَ هُوَ؟ "، قَالُوا نَعَمْ. قَالَ: "صَدَقَ الله فَصَدَقَهُ"، ثُمَّ كُفَّنَ فِي جُبَّةِ النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ قَدَّمَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ فَكَانَ فِيمَا ظَهَرَ مِنْ صَلاَتِهِ: "اللهمَّ هَذَا عَبْدُكَ خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِكَ فَقُتِلَ شَهِيدًا وأنا شَهِيدٌ عَلَى ذَلِكَ". أخرجه النسائي (١). [صحيح]
قوله: "في حديث شداد فصلى عليه"، فيه دليل على الصلاة [٢٠ ب] على الشهيد، وأنّ تركه (٢) ﷺ الصلاة على شهداء أحد، كان لعذر، أو أن هذا شاهد له وأنه ﷺ صلى عليهم.
٤ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عُقْبَةَ عَنْ أَبِيه - وَكَانَ مَوْلًى مِنْ أَهْلِ فَارِسَ - قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ أُحُدًا فَضَرَبْتُ رَجُلاً مِنَ المُشْرِكِينَ فَقُلْتُ: خُذْها وَأَنَا الغُلاَمُ الفَارِسِيُّ، فَالتَفَتَ إِلَيَّ النَّبي ﷺ فَقَالَ: "هَلاَّ قُلْتَ وَأَنَا الغُلاَمُ الأَنْصَارِيُّ إِنَّ ابْنَ أُخْتْ القَوْمِ مِنْهُمْ، وإِنَّ مَوْلَى القَوْمِ مِنْهُمْ". أخرجه أبو داود (٣). [إسناده ضعيف]
قوله: "في حديث عبد الرحمن بن عقبة أخرجه أبو داود".
قلت: قال ابن الأثير (٤): وانتهت روايته عند قوله "الأنصاري"، ثم إنه ليس في لفظه في "الجامع" (٥) "إن ابن أخت" بل فيه "ابن أخت" بدون كلمة "إنّ" ثم إنه لم ينسبه في "الجامع" (٦)
стр. 1241
إلا إلى أبي داود فقط، وقد قال: إنها انتهت إلى "الأنصاري"، فلا أدري لمن زيادة "ابن أخت (١) القوم" إلى آخره.
الفصل الرابع: في أحكام القتال والغزو
١ - عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى الله تعالى وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: "اغْزُوا بِاسْمِ الله فِي سَبِيلِ الله، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِالله، اغْزُوا وَلاَ تَغُلُّوا، وَلاَ تَغْدِرُوا، وَلاَ تَمْثُلُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا وَليدًا، فَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاَثِ خِلاَلٍ: فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ المُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْهِمْ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ المُسْلِمِينَ يَجْرِى عَلَيْهِمْ حُكْمُ الله تَعَالَى الَّذِي يَجْرِس عَلَى المُؤْمِنِينَ، وَلاَ يَكُونُ لهُمْ فِي الغَنِيمَةِ وَالفَيْءِ شَيْءٌ إِلاَّ أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ المُسْلِمِينَ، وُإِنْ هُمْ أبوْا فَسَلْهُمُ الجِزْيَةَ, فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِالله تَعَالَى عَلَيْهِمْ وَقَاتِلْهُمْ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لهُمْ ذِمَّةَ الله تَعَالَى وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ فَلاَ تَفْعَلْ، وَلَكِنِ اجْعَلْ لهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ، فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَتكُمْ وَذِمَّة أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ الله وَذِمَّةَ رَسُولهِ ﷺ . وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ وَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلهُمْ عَلَى حُكْمِ الله فَلاَ تُنْزِلهمْ عَلَى حُكْمِ الله تَعَالَى، وَلَكِنْ أَنْزِلهُمْ عَلَى حُكْمِكَ، فَإِنَّكَ لا تَدْرِي أَتُصِيبُ فِيهِمْ حُكْمَ الله تعالى أَمْ لاَ". أخرجه مسلم (٢)، وأبو داود (٣).
стр. 1242
والترمذي (١). [صحيح]
"على جيش" هو الجمع الكثير.
"أو سرية" (٢): السرية: طائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة رجل.
قوله: "في خاصته"، خاصة الرجل: نفسه ومن يلزمه أمره من أهله وأصحابه وقرابته.
قوله: "لا تغلوا" (٣)، الغل: الخيانة، والغلول: ما يخفيه أحد الغزاة من الغنيمة ولم يحضره إلى أمير الجيش ليدخل في القسمة.
قوله: "لا تمثلوا" المثلة (٤): تشويه خلقة القتيل والتنكيل به.
قوله: "لا تغدروا" بكسر الدال المهملة.
قوله:"وليداً"، الوليد: الصبي الصغير، والجمع [٢١ ب] ولدان.
قوله: "إلى ثلاث خلال"، الخلال: جمع خلة، المراد بها الخصال، وفسّر الثلاث بقوله: "ادعهم إلى الإسلام" إلى آخره، والمراد دعوتهم قبل القتال.
قوله: "كأعراب المسلمين" وهم سكان البادية من غير هجرة، تجري عليهم أحكام الإسلام، ولا حقَّ لهم في الفيء والغنيمة، إنما يكون لهم نصيب من [١٤٦/ أ] الزكوات إن كانوا بصفة المستحقين لها.
стр. 1243
قال الشافعي (١): الصدقات للمساكين ونحوهم ممن لا حقّ لهم في الفيء والغنيمة، والفيء للأجناد فلا يعطى أهل الفيء من الصدقات، ولا أهل الصدقات من الفيء واحتج بهذا الحديث.
وقال مالك (٢) وأبو حنيفة (٣): المالان سواء يجوز أن يصرف إلى النوعين، قلت: وقوله ﷺ عليه وآله وسلم هنا: "ألّا أن يجاهدوا مع المسلمين" دليل للشافعي.
قوله: "وإن هم أبوا" أي: الإسلام.
"فسلهم الجزية"، قال الجوهري (٤): الجزية ما يؤخذ من أهل الذمة والجمع: جزي، مثل: لحية ولحي، فيه دليل على أنها تؤخذ من كل من يأبى الإسلام من عربي وعجمي، وفي المسألة خلاف أوضحناها في "حواشي ضوء النهار" (٥).
قوله: "فإن أبوا" أي: إعطاء الجزية "فاستعن بالله عليهم وقاتلهم".
قوله: [٢٢ ب] "وأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم به".
علّل النهي بقوله: "فإنّك لا تدري" إلى آخره، وهو دليل بأنّ حكم الله واحد، وأنه لا يصيبه كل مجتهد، والمسألة له مبسوطة في الأصول وبسطناها بسطاً شافياً في "إجابة السائل شرح بغية الآمل" (٦) في الأصول.
стр. 1244
ولفظ رواية الترمذي (١): "وإذا حاصرت حصناً فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه, فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيّه، واجعل لهم ذمتك وذمم أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذمتكم وذمم أصحابكم خير من أن تخفروا ذمة الله ورسوله".
ثم ذكر قوله "وإذا حاصرت أهل حصن" إلى قوله: "فلا تنزلوهم على حكم الله" إلى آخره كما سلف، فأفاد النهي عن إنزالهم على ذمة الله وذمة رسوله، وعن إنزالهم على حكم الله، وليس في أبي داود (٢) ذكر ذمة الله وذمة رسوله، هذا والذمة هي الأمان، وأذمه: أجاره.
وقوله: "تخفروا" بضم أوله، أخفرت الرجل إذا نقضت عهده، وخفرته: أمنته وحميته.
وفي النهاية (٣) يقال: خفرت الرجل أجرته وحفظته, وخفرته إذا كنت له خفيراً، أي: حامياً وكفيلاً، وتخفرت به: إذا استجرت به والخفارة بالكسر والضم: الذمام، وأخفرت الرجل: إذا انقضت عهده وذمامه، والهمزة فيه للإزالة، أي: أزلت خفارته كأَشْكَيته إذا أزلتَ [شكواه] (٤)، وهو المراد في الحديث. انتهى.
٢ - وَعَنْ عَبْدَ الله بْنِ عَوْنٍ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ أَسْأَلُهُ عَنْ الدُّعَاءِ قَبْلَ القِتَالِ، فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الإِسْلاَمِ، وَقَدْ أَغَارَ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى بَنِي المُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى المَاءِ فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وَسَبَى ذَرَاريهَّم وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ ﵂، حَدَّثَنِي بِذَلِكَ عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ ﵄ وَكَانَ فِي ذَاكَ الجَيْشِ. أخرجه الشيخان (٥) وأبو داود (٦)، ومعنى "غَارُّونَ" (٧) أي: غافلون. [صحيح]
стр. 1245
قوله: "في حديث عبد الله بن عون وهم غارُّون" بغين معجمة وراء مشددة [٢٣ ب] جمع غارّ بالتشديد، أي: غافل، وهو دليل على جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم الدعوة إلى الإسلام من غير تقديم إعلام.
وفي المسألة: ثلاثة مذاهب:
وجوب الإنذار مطلقاً وهو مذهب مالك (١)، وعدم وجوبه مطلقاً وهو ضعيف، أو باطل، وجوبه إن لم تبلغهم الدعوة، وعدمه إن بلغتهم لكن تستحب وهذا هو الصحيح، وبه قال الجمهور (٢)، وقد تظافرت الأحاديث الصحيحة على معناه كهذا الحديث ونحوه.
وفي "سنن الترمذي" (٣) أنه ذهب بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم إلى الدعوة قبل القتال، وهو قول إسحاق بن إبراهيم قال: أن تقدم إليهم في الدعوة فحسن تدعوهم يكون ذلك أهيب.
وقال بعض أهل العلم: لا دعوة اليوم، وقال أحمد (٤): لا أعرف اليوم أحداً يُدعى، وقال الشافعي (٥): لا تقاتلوا العدو حتى تدعو إلَّا أَنْ تعجلوا عن ذلك فإن لم تفعل فقد بلغهم الدعوة. انتهى كلام الترمذي.
قوله: "وسبي ذراريهم" فيه دليل على جواز استرقاق العرب؛ لأن بني المصطلق عرب من خزاعة، وهو قول الشافعي (٦) في الجديد وهو الصحيح وبه قال جمهور العلماء (٧).
стр. 1246
قوله: "أخرجه الشيخان وأبو داود" وقال (١): هذا حديث نبيل رواه ابن عون عن نافع لم يشركه فيه أحد. انتهى.
٣ - وَعَنْ أَبِي مُوْسَى ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُوْلُ الله ﷺ إِذَا بَعَثَ أَحَدَاً مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ قَالَ: "بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا". أخرجه مسلم (٢). [صحيح]
٤ - وَعَنْ سَمْرَة بْنِ جُنْدِبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "اقْتُلُوْا شُيُوخَ المُشْرِكِينَ، وَاسْتَبْقُوا شَرْخَهُمْ، يَعْني مَنْ لَم يَنْبُتْ". أخرجه أبو داود (٣) والترمذي (٤).
قوله: "شرخهم" بالشين المعجمة، فراء ساكنة فخاء معجمة، في النهاية (٥): أراد بالشيوخ: الرجال الشبان أهل الجلد والقوة على القتال ولم يرد الهرمى، والشرخ: الصغار الذين لم يدركوا، وقيل: أراد بالشيوخ: الهرمى الذين إذا سُبُوا لم ينتفع بهم في الخدمة،
стр. 1247
والشرخ: الشباب أوله، وقيل: [٢٤ ب] نضارته وقوته، وهو مصدر يقع على الواحد والاثنين والجمع، وقيل: هو جمع شارخ مثل: شارب وشرب (١).
٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: وُجِدَتِ امْرَأَةٌ مَقْتُولَةً فِي بَعْضِ مَغَازِي رَسُولِ الله ﷺ ، فَنَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ. أخرجه الستة (٢) إلا النسائي. [صحيح]
قوله: "في حديث ابن عمر فنهى عن قتل النساء والصبيان".
قال الترمذي (٣): هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، وغيرهم كرهوا قتل النساء والصبيان وهو قول سفيان الثوري (٤) والشافعي (٥)، ورخص بعض أهل العلم في البيات وقتل النساء والولدان، وهو قول أحمد (٦) وإسحاق ورخصا في البيات. انتهى.
قوله [١٤٧/ أ]: "أخرجه الستة إلّا النسائي".
قلت: زاد ابن الأثير (٧): غير أنّ "الموطأ" (٨) أرسله عن نافع عن ابن عمر.
٦ - وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ ﵁ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولَ الله ﷺ غَزَوَاتٍ، فكَانَ إِذَا طَلَعَ الفَجْرُ أَمْسَكَ عَن القِتَال حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وإِذَا طَلَعَتْ قَاتَلَ حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ أَمْسَكَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ قَاتَلَ حَتَّى العَصْرِ، ثُمَّ أَمْسَكَ حَتَّى يُصَلِّيَ
стр. 1248
العَصْرَ ثُمَّ قَاتل؛ وَكَانَ يَقُوْلُ عِنْدَ هَذِهِ الأَوْقَاتِ تَهِيجُ رِيَاحُ النَّصْرِ وَيَدْعُو المُؤْمِنُونَ لِجُيُوشِهِمْ فِي صَلَواتِهِمْ. أخرجه أبو داود (١) والترمذي (٢).
قوله: "في حديث النعمان بن مقرن أخرجه الترمذي".
قلت: وقال (٣): وقد روي هذا الحديث عن النعمان بن مقرن بأوصل من هذا، وقتادة لم يدرك النعمان بن مقرن، مات النعمان في خلافة عمر بن الخطاب. انتهى.
ومنه يعرف أن الحديث منقطع ثم ساق (٤) عن النعمان: "شهدت مع رَسُولَ الله ﷺ فكان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تزول الشمس وتهب الرياح وينزل النصر".
قال الترمذي (٥): [و (٦)] هذا حديث حسن صحيح، وكأنه هو [ما (٧)] قال أنه أوصل.
وأغرب ابن الأثير (٨) فقال: إنه اختصره، أي: حديث النعمان أبو داود، وذكر هذا اللفظ الأخير من رواية الترمذي، فأوهم أنه اختصر أبو داود بهذا اللفظ وساق ابن الأثير (٩) في أول الحديث قصة وأشار إليها الترمذي حيث قال الحديث بطوله ولم يذكرها. [٢٥ ب].
قَدْ كتَبَ لَكَ مِنْ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ كَذَا وَكَذَا مِنَ الأَجْرِ"، وَقَالَ: "أمَا إِنِّي سَأَكْتُبُ لَكَ بِالوَصَاةِ بَعْدِي"، فَفَعَلَ وَخَتَمَ عَلَيْهِ وَدَفَعَهُ إِلَيَّ. أخرجه أبو داود (١). [ضعيف]
قوله: "في حديث الحارث بن مسلم بالرنين" (٢) هو الصوت والاستغاثة، وهو بالراء المفتوحة فمثناة تحتية فَنُون.
١٠ - وَعَنْ جُنْدُبِ بْنِ مَكِيثٍ ﵁ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ الله ﷺ سَرِيَّةٍ فَكُنْتُ فِيهِمْ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَشُنُّوا الغَارَةَ عَلَى بَنِي المُلَوَّحِ، فَخَرَجْنَا حَتَّى كُنَّا بِالكَدِيدِ لَقِينَا الحَارِثَ بْنَ البَرْصَاءِ اللَّيْثِيَّ فَأَخَذْنَاهُ فَقَالَ: إِنَّمَا جِئْتُ أُرِيدُ الإِسْلاَمَ، وَإِنَّمَا خَرَجْتُ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَقُلْنَا: إِنْ تَكُ مُسْلِمًا لَمْ يَضُرَّكَ رِبَاطُنَا يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَإِنْ يَكُنْ غيرُ ذَلِكَ نَسْتَوْثِقْ مِنْكَ فَشَدَدْنَاهُ وَثَاقًا. أخرجه أبو داود (٣). [ضعيف]
قوله: "جندب بن مكيث" (٤) بفتح الميم وكسر الكاف ومثناة ساكنة فمثلثة, هو أخو رافع بن مكيث، يعد في أهل المدينة, وكان عند رسول الله ﷺ على صدقات جهينة.
قوله: "أن يشنوا الغارة" يقال: شن وأشن، وشن الغارة تفريقها من كل وجهة, قاله الجوهري (٥)
قوله: "على بني الملوح" بضم الميم وفتح اللام وتشدد الواو فحاءٌ مهملة.
و"الكديد" (٦) بفتح الكاف، [ويضم (٧)].
стр. 1251
١١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيْدٍ ﵁ قَالَ: بَعَثَ رَسُولَ الله ﷺ بَعْثَاً إِلَى بَنِي لَحْيَانَ ثُمَّ قَالَ: "لِيَنْبَعِثُ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا وَالأَجْرُ بَيْنَهُما" (١). [صحيح]
قوله: "في حديث أبي سعيد بعث بعثاً" في "القاموس" (٢) بعثه كمنعه أرسله كابتعثه فانبعث.
[قوله (٣)]: "إلى بني لحيان" زاد في لفظه في "الجامع" (٤) "من هذيل" ولحيان بكسر اللام أشهر من فتحها، وكانوا ذلك الوقت كفاراً.
- وفي رواية: ثم قال للقاعد: "أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير فله مثل نصف أجر الخارج"، أخرجه مسلم (٥) وأبو داود (٦). [صحيح]
وقوله: "خلف الخارج" بفتح المعجمة واللام الخفيفة، أي: قام بحال من يتركه وذلك أعم من أن يكون في حياته أو بعد وفاته [٢٦ ب].
قوله: "كل رجلين" كأنه خطاب لجماعة معينين.
قوله: "الأجر بينهما" أي: الثواب الذي يستحقه الخارج يكون نصفه للقاعد، وسبب استحقاق القاعد للأجر مبين في اللفظ بقوله: "أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير".
وأما حديث زيد بن خالد الجهني مرفوعاً: "من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازياً في أهله فقد غزا" أخرجه الترمذي (٧) وقال: حسن صحيح؛ فإنّه دلَّ على أن
стр. 1252
للقاعد مثل أجر الخارج؛ لأنه حكم له بأنه قد غزا، وأن المجهز كأنه غزا، والمراد به من أعطى الخارج جهاز جهاده من النفقة وغيرها، والتوفيق بين حديث الكتاب وحديث الترمذي: أنها تختلف أحوال القاعدين في حسن الخلف، فمنهم من يستحق نصف (١) أجر الخارج، ومنهم من يستحق مثل أجره, فاستحقاق القاعد لأجل خلفه للخارج بخير.
وقوله: "مثل [نصف (٢)] أجر الخارج" هو تفسير "بينهما".
١٣ - وَعَنِ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كُنْتُ فِي سَرِيَّةٍ فَحَاصَ النَّاسُ حَيْصَةً فَكُنْتُ فِيمَنْ حَاصَ، فَلمَّا نَفَرْنَا قُلْنَا كَيْفَ نَصْنَعُ وَقَدْ فَرَرْنَا مِنَ الزَّحْفِ وَبُؤْنَا بِالغَضَبِ؟ فَقُلْنَا نَدْخُلُ المَدِينَةَ فَلاَ يَرَانَا أَحَدٌ، فَلمَّا دَخَلْنَا المَدِيْنَةِ قُلْنَا: لَوْ عَرَضْنَا أَنْفُسَنَا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَإِنْ كَانَ لَنَا تَوْبَةٌ أَقَمْنَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ ذَهَبْنَا، فَأتَيْنَاهُ فَقُلْنَا: نَحْنُ الفَرَّارُونَ، فَأَقْبَلَ إِلَيْنَا وَقَالَ: "لاَ بَلْ أَنْتُمُ
стр. 1253
العَكَّارُونَ"، فَدَنَوْنَا فَقَبَّلْنَا يَدَهُ, فَقَالَ: أَنَا فِئَةُ المُسْلِمِينَ". أخرجه أبو داود (١) والترمذي (٢). [ضعيف]
"حاص الناس حيصة" أي: جالوا جولة يريدون الفرار "وَالعَكَّارُون" أي: الكرارون إلى الحرب، والعطافون نحوها.
قوله: "في حديث ابن عمر حاص الناس حيصة" بالمهملات.
قال ابن الأثير (٣): حصت على الشيء حدت عنه وملت عن جهة, هكذا قال الخطابي، وقال الهروي (٤): فحاص الناس حيصة، أي: حملوا حملة.
قال: وحاص تحيص إذا مال والتجأ إلى جهة.
قال: وجاض بالجيم (٥) والضاد المعجمة قريب منه، وكذلك قرأته في كتاب الترمذي مضبوطاً بالجيم والضاد.
قوله: "العكارون" (٦) هم الذين يقطعون إلى الحرب وقيل: إذا حادَ الإنسان [٢٧ ب] عن الحرب ثم عاد إليها، يقال: قد عكر وهو عاكر وعكّار.
стр. 1254
قوله: "فئة المسلمين" هو بيان لقوله تعالى: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ (١)، وأنّ من فرّ إلى الإمام فهو متحيز إلى فئة، والفئة: الجماعة الذين يرجع إليهم من ولّى عن موقف الحرب يحتمون بهم.
وفي الحديث دليل على تقبيل اليد.
١٣ - وَعَنْ نَجْدَةَ بْنِ عَامِرٍ الحَرُوْرِي: أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ يَسْأَلُهُ عَنْ خَمْسِ خِصَالٍ: أَمَّا بَعْدُ: فَأَخْبِرْنِي هَلْ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ؛ وَهَلْ كَانَ يَضْرِبُ لَهُنَّ سَهْمَاً؛ وَهَلْ كَانَ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ؛ وَمَتَى يَنْقَضِي يُتْمُ اليَتِيمِ؛ وَعَنِ الخُمْسِ لِمَنْ هُوَ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: لَوْلاَ أَنْ أَكْتُمَ عِلْمًا لمَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَتَبْتَ تَسْأَلُنِي: هَلْ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ؟ وَقَدْ كَانَ يَغْزُو بِهِنَّ فَيُدَاوِينَ الجَرْحَى، وَيُحْذَيْنَ مِنَ الغَنِيمَةِ، وَأَمَّا بِسَهْمٍ فَلَمْ يَضْرِبْ لَهُنَّ، وَإِنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمْ يَكُن يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ فَلاَ تَقْتُلْهُمْ؛ وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي مَتَى يَنْقَضِي يُتْمُ اليَتِيمِ: فَلَعَمْرِي إِنَّ الرَّجُلَ لَتَنْبُتُ لِحْيَتُهُ وَإنَّهُ لَضعِيفُ الأَخْذِ لِنَفْسِهِ، فَإِذَا كَانَ آخذَاً لِنَفْسِهِ مِنْ صَالِحِ مَا يَأْخُذُ النَّاسُ فَقَدْ ذَهَبَ عَنْهُ اليُتْمُ، وَكَتَبْتَ تَسْأَلنِي عَنِ الخُمْسِ لِمَنْ هُوَ، وَأَنَا أَقُوْلُ هُوَ لَنَا. فَأَبَى عَلَيْنَا قَوْمُنَا ذَلكَ. أخرجه مسلم (٢) وأبو داود (٣) والترمذي (٤). [صحيح]
قوله: "نجدة" هو بفتح النون وسكون الجيم فدال مهملة، هو ابن عامر الحروري بفتح الحاء المهملة وضم الراء الأولى، الحنفي، روى عن ابن عباس وكان إرساله إليه في فتنة ابن الزبير.
قوله: "لما كتبتُ إليه" وذلك لأنه من الخوارج فلا يؤنسه بجوابه لكنه أجاب عليه لما ذكره.
стр. 1255
قوله: "يحذين" (١) بضم حرف المضارعة فحاء مهملة، فذال معجمة فمثناة تحتية فضمير جماعة النساء، أي: يرضخ لهن بشيء من الغنيمة، وبهذا قال أكثر العلماء، وقال الأوزاعي (٢): إنّ النساء يقسم لهن مع الرجال إن قاتلن أو داوين الجرحى، وقال مالك (٣): لا يرضخ لهن، وهذان المذهبان مردودان (٤) بهذا الحديث الصحيح.
قوله: "متى ينقضي يتم اليتيم" أي: متى ينقضي حكم اليتم ويستقل اليتيم بالتصرف في ماله، وأمّا نفس اليتيم فينقضي بالبلوغ، وقد ثبت أنه ﷺ قال: "لا يتم بعد حلم" (٥)، وفي [كل (٦)] كلام ابن عباس متمسك للشافعي (٧) ومالك (٨) وغيرهما (٩) أنّ حكم اليتم لا ينقضي
стр. 1256
بالبلوغ ولا بعلو السن، بل لا بد من ظهور الرشد منه في دينه ودنياه، وهي مسألة معروفة [٢٨ ب] والله تعالى شرط الرشد في دفع مال اليتيم إليه، وعليه [١٤٨/ أ] دل كلام ابن عباس هنا، وأفاد أنّ الرشد أن يتصرف تصرف [صالحي (١)] الناس.
قوله: "فأبى علينا قومنا" يريد أنهم رأوا أنه لا يتعين صرفه إلينا، بل يصرفونه في المصالح، وأراد بقومه ولاة الأمر من بني أمية.
هذا [و (٢)] قد اختلف العلماء في الخمس، فقال الشافعي (٣) كقول ابن عباس وهو أنّ خمس الخمس من الفيء والغنيمة يكون لذي القربى وهم عند الشافعي: بنو هاشم، وبنو المطلب، وقال النسائي في "المجتبى" (٤): اختلفوا في هذين السهمين بعد وفاة رَسُولَ الله ﷺ سهم الرسول وسهم ذي القربى، فقال قائل: سهم الرسول للخليفة من بعده، وقال قائل: سهم ذي القربى لقرابة الرسول ﷺ ، وقال قائل: سهم ذي القربى لقرابة الخليفة، فاجتمع رأيهم على جعل هذين السهمين في الخيل والعدة في سبيل الله، فكان كذلك في خلافة أبي بكر وعمر.
وقيل (٥): إنّ سهم النبي ﷺ إلى الإمام يشتري الكراع منه، والسلاح ويعطي منه من يرى ممن فيه غنىً ومنفعة لأهل الإسلام وفي أهل العلم، والحديث والفقه والقرآن.
وسهم ذي القربى وهم بنو هاشم وبنو المطلب سهم الغني منهم والفقير، وقيل: يختص به الفقير، ولا وجه له، وكلام ابن عباس دال بأنّ الخمس (٦) لبني هاشم لكنه منعهم عنه بنو أمية.
стр. 1257
١٤ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيّة ﵂ قَالَتْ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولَ الله ﷺ سَبْعِ غَزَوَاتٍ أَخْلُفُهُمْ فِي رِحَالِهمْ: أَصْنَعُ لَهُمُ الطَّعَامَ، وَأُدَاوِي الجَرْحَى، وَأَقُومُ عَلَى المَرْضَى. أخرجه مسلم (١).
قوله: "وعن أم عطية" [أم عطية (٢)] هي الغاسلة (٣) وهي من كبار الصحابيات وهي أنصارية، وأم عطية الأنصارية الحائضة غيرها.
١٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ الله ﷺ فقَالَ: "إِنْ وَجَدْتُمْ فُلاَنًا وَفُلاَنًا - رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ - فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ" فَلمَّا أَرَدْنَا الخُرُوجَ قَالَ: "كنْتُ أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحْرِقُوا فُلاَنًا وَفُلاَنًا، وَإِنَّ النَّارَ لاَ يُعَذِّبُ بِهَا إِلاَّ الله، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا". أخرجه البخاري (٤) وأبو داود (٥) والترمذي (٦). [صحيح]
قوله: "في حديث أبي هريرة إن وجدتم فلاناً وفلاناً" هما: هبار بن الأسود [٢٩ ب] ونافع بن عبد عمرو، وقيل: ابن عبد القيس قاله القسطلاني (٧)، وكان هبّار نخس (٨) بعير
стр. 1258
زينب بنت رَسُولَ الله ﷺ لما هاجرت فسقطت على صخرة وهي حامل فأسقطت جنينها، ولم تزل تهراق الدماء ومرضت، ولم يدركه النافذ فأسلم بعد ذلك، وعاش إلى أيام معاوية وكان المسلمون يسبونه بما فعل، حتى شكى ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "سبّ من سبك" فكفّ الناس عنه.
وأما نافع بن عبد عمرو فقال الحافظ ابن حجر (١): لم أقف على ذكره في الصحابة فلعله لم يسلم، والحديث أفاد تحريم التحريق بالنار، ويأتي قوله ﷺ وحرّق".
١٦ - وَعَنِ عُرْوَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنِ زَيْدٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ عَهِدَ إِلَيْهِ قَالَ: "أُغِرْ عَلَى أُبْنَى صَبَاحًا وَحَرِّقْ" قِيْلَ لَأَبِي مِسْهَرٍ: أُبْنَى؟ قَالَ: نَعَمْ نَحْنُ أَعْلَمُ هِيَ يُبْنَى فَلَسْطِين. أخرجه أبو داود (٢). [حسن لغيره]
"ابْنَى وَيُبْنى" اسم موضع بين عسقلان والرملة من أرض فلسطين.
قوله: "في حديث أسامة: ابنى" بضم الهمزة والقصر، ويقال: يبنى كما قال هي يبنى فلسطين (٣).
قوله: "وحرق" (٤) يحتمل أن المراد زروعهم ودورهم ونحو ذلك، ما عدا الإنس، ويحتمل أنه عام منسوخ بالحديث الأول، إن عُرِف التاريخ والا رجع إلى الترجيح.
стр. 1259
١٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "إِذَا قَاتَلَ أَحَدْكُمْ فَلْيَجْتَنِبُ الوَجْهِ". أخرجه الشيخان (١). [صحيح]
قوله: "في حديث أبي هريرة فليجتنب الوجه" فيه تحريم ضرب الوجه بالسيف ونحوه، وأنه لا يحل، وقد تكرر النهي عن ذلك، بل نهي (٢) عن وسم الحيوانات في الوجه، وأذن فيه في الأذن.
زاد ابن الأثير (٣): أنه زاد مسلم في روايته (٤): "إذا قاتل أحدكم أخاه"، وفي أخرى (٥): "فلا يلطمن الوجه"، وفي أخرى (٦): "فليتقِ الوجه" انتهى، وفي قوله: "أخاه" ما يشعر أنه إذا قاتل كافراً فلا عليه أن يتقي الوجه.
قال الحافظ ابن حجر (٧): أنه اختلف السلف في التحريق فكره ذلك عمر وابن عباس وغيرهما (٨) مطلقاً سواء كان بسبب كفر أو غيره [٣٠ ب] ومنهم من قيده بأن لا يكون فيهم نساء ولا صبيان، قال: وأجازه (٩) علي وخالد بن الوليد وغيرهما.
стр. 1260
قال: وحديث الباب يريد هذا الحديث ظاهر في التحريم وهو نسخ (١) لأمره المتقدم وفيه جواز (٢) نسخ الحكم قبل العمل به، أو قبل التمكن من العمل به.
١٨ - وَعَنِ ابْنِ تِعْلَى قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ فَأُتِيَ بِأَرْبَعَةِ أَعْلاَجٍ مِنَ العَدُوِّ فَأَمَرَ بِهِمْ فَقُتِلُوا صَبْرًا بِالنَّبْلِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا أيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ ﵁ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَنْهَى عَنْ قَتْلِ الصَّبْرِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَده لَوْ كَانَتْ دَجَاجَةٌ مَا صَبَرْتُهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَأَعْتَقَ أَرْبَعَ رِقَابٍ. أخرجه أبو داود (٣). [ضعيف]
قوله: "وعن ابن تعلى" في "الجامع" (٤) هو ابن تعلى (٥) سمع أبا أيوب الأنصاري، روى عنه بكير بن الأشج. انتهى.
قلت: تعلى بالمثناة الفوقية مكسورة وسكون العين المهملة.
قوله: "مع عبد الرحمن بن خالد بن الوليد" أي: ابن المغيرة المخزومي أدرك النبي ﷺ له رؤية ولأبيه صحبة، ولم يسمع عبد الرحمن من النبي ﷺ وكان له فضل وشجاعة وكرم، وهذه الغزوة لعلّها في خلافة عمر بن الخطاب.
قوله: "أعلاج" (٦) جمع علج، وهو الرجل من كبار العجم، ويجمع أيضاً على علوج وعلجة.
стр. 1261
قوله: "صبراً" (١) صبرت القتيل على القتل، إذا حبسته عليه لتقتله بالسيف أو غيره من أنواع السلاح وسواه، وكل من قتل أي قتلة كانت إذا لم تكن في حرب ولا على غفلة ولا على غرة فهو مقتولٌ صبراً.
قوله: "أخرجه أبو داود".
قلت: ترجمه (٢) بباب "في قتل الأسير بالنبل" ثم ذكر روايتين (٣) الأولى: "فأمر بهم فقتلوا صبراً" قال أبو داود (٤): قال لنا غير سعيد - يريد ابن منصور - الذي رواه عنه عن ابن وهب في هذا الحديث قال بالقتل صبراً. انتهى.
١٩ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "أَعَفُّ النَّاسِ قِتْلةً أَهْلُ الإِيْمَانِ". أخرجه أبو داود (٥). [صحيح]
قوله: "في حديث ابن مسعود أعف الناس قتلة" هي بكسر القاف وسكون المثناة الفوقية الحالة من القتل، وبفتحها [٣١ ب] المرة من القتل، والعفة النزاهة كأنه يريد أنهم لا يمثلون ولا يقتلون صبراً بغير السيف لعلمهم بأنّ هذا منهي عنه.
٢٠ - وَعَنْ عَبْدُ الله بْنِ يَزِيْدٍ الأَنْصَارِيّ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولَ الله ﷺ عَنِ النُّهبى والمُثْلَةِ. أخرجه البخاري (٦).
قوله: "في حديث عبد الله بن يزيد الأنصاري عن النُّهبى".
стр. 1262
قال ابن الأثير (١): النهبة المنهوب، والنهبى اسم ما انتهب من الأشياء، وتقدم تفسير المثلة.
قال السهيلي (٢): النهبى بضم النون وسكون الهاء وموحدة مقصور أخذ مال المسلم قهراً، قال [١٤٩/ أ] فإن قيل قد مثل ﷺ بالعرنيين وقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم بالحرة.
قلنا: في ذلك جوابان أحدهما: أنه فعل ذلك بهم قصاصاً لأنهم قطعوا أيدي الرعاة وأرجلهم وسملوا أعينهم، الثاني: أنّ ذلك كان قبل تحريم المثلة.
فإن قيل: فقد تركهم يستسقون فلا يسقونه حتى ماتوا عطشاً.
قلنا: عطشهم لأنهم عطشوا أهل بيت النبي ﷺ تلك الليلة، روي في ذلك حديث مرفوع: أنه ﵇ بقي هو وأهله تلك الليلة بلا لبن قال: "اللهم عطش من عطش أهل بيت نبيك" (٣)، انتهى.
قلت: في تقييده النهبى أن يكون مال (مسلم) شيءٌ؛ لأنه سيأتي سبب الحديث أنه نهب الصحابة غنماً من مال المشركين.
٢١ - وعن ابن عباس ﵄ قال: كان المشركون على منزلتين من النبي ﷺ والمؤمنين، كانوا مشركي أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه, ومشركي أهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه، فكان إذا هاجرت المرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر، فإذا طهرت حل لها النكاح، فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه، فإن هاجر منهم عبد أو أمة فهما حران، لهما ما للمهاجرين، ثم ذكر من أهل العهد مثل حديث مجاهد ﵀؛ فإن هاجر عبد أو أمة للمشركين من أهل العهد لم يردوا وردت أثمانهم، قال: وكانت قريبة بنت أبي أمية تحت عمر
стр. 1263
ابن الخطاب فطلقها فتزوجها معاوية بن أبي سفيان، وكانت أم الحكم تحت عياض بن غنم الفهري فطلقها فتزوجها عبد الله بن عثمان الثقفي. أخرجه البخاري (١). [صحيح]
قوله: "وعن ابن عباس وكانت قريبة" تصغير قريبة (٢) بالقاف والموحدة وهي أخت أم سلمة أم المؤمنين وقيل إنها بفتح القاف.
"وكانت أم الحكم" هي بنت أبي سفيان أخت أم حبيبة أم المؤمنين، أسلمت يوم "الفتح" وهي أم عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان المعروف بابن أم الحكم (٣).
قوله: "عياض بن غنم الفهري" (٤) غنم بفتح الغين المعجمة وسكون النون، وعياض له صحبة أسلم يوم الحديبية واستشهد وكان بالشام مع ابن عمه أبي عبيدة بن الجراح. [٣٢ ب].
الفصل الخامس: في أسباب تتعلق بالجهاد
١ - عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو بْنِ العَاصِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيْلِ الله تَعَالَى فَيَسْلِمُونَ وَيُصِيبُونَ إِلاَّ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِم، وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تُخفِقُ وَتُخَوِّفُ وَتُصَابُ إِلاَّ تَمَّ أَجْرهم". أخرجه مسلم (٥) وأبو داود (٦) والنسائي (٧). [صحيح]
"تَخُفُقُ" (٨) أي: لا تصيب شيئاً من المغنم.
стр. 1264
قوله: "إلا تعجلوا ثلثي أجرهم" ظاهره أنه لما نالوه من السلامة، والغنيمة، وقد استشكل نقص (١) ثواب المجاهدين بأخذ الغنيمة؛ لأنه مخالف لما ثبت من حل الغنيمة، ولمدح النبي ﷺ بأنها أحلت له، ولم تحل لغيره، ولو كانت تنقص الأجر ما وقع النفع بها، ثم إنه ﷺ قال: "وجعل رزقي تحت ظل رمحي" (٢) وهو المغانم، فكيف يجعله الله رزقاً لرسوله ﷺ وينقص به الأجر، وكان ﷺ يرغّب في السلب ويقول: "من قتل قتيلاً فله سلبه" (٣) وغير ذلك.
وإشكال آخر وهو: أنه يلزم أن يكون أجر أهل بدر أنقص من أجر أهل أحد مع أنّ أهل بدر أفضل بالاتفاق.
قال القاضي عياض (٤): أنه أجاب بأنّ حديث (٥) عبد الله بن عمرو ضعيف، لأنه من رواية حميد بن هاني وليس بمشهور.
قال الحافظ ابن حجر (٦): هذا مردود؛ لأنه ثقة محتج به عند مسلم، وقد وثقه النسائي وابن يونس وغيرهما، ولا يعرف فيه تجريح عن أحد.
стр. 1265
قال (١): ومنهم من حمل نقص الأجر على غنيمةٍ أخذت بغير وجهها، وظهور فساد هذا الوجه يغني عن الأطناب، إذ لو كان الأمر كذلك لم يبق لهم ثلث الأجر ولا أقل.
قلت: بل يكون وزراً.
ومنهم من حمل نقص الأجر على من قصد الغنيمة في ابتداء جهاده، وحمل تمامه على من قصد الجهاد محضاً.
وردّ هذا بأن في صدر حديث أبي هريرة: "لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي"، فالمقسم هو من أخلص، فالجواب عن أصل الإشكال أنه لا يلزم من [الحمل (٢)] ثبوت وفاء [٣٣ ب] الأجر لكل غاز، والمباح في الأصل لا يستلزم الثواب بنفسه، لكن ثبت أن أخذ الغنيمة واستيلائها من الكفار يحصل الثواب.
قلت: كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ (٣)، فهم بأخذ الغنائم ينالون ثواباً آخر لعله يقاوم أو يقارب الثواب الذي [فات (٤)] مع عدمها فالناقص، أجر الغزو، وقد ثبت أجر آخر بما نالوه من الكفار.
وأما الإشكال (٥) بأهل بدر فأجاب الحافظ عنه بقوله: بأنه لا يلزم من كونهم مع أخذ الغنيمة أنقص أجراً مما لو لم تحصل لهم الغنيمة أن يكونوا في حال أخذهم الغنيمة مفضولين بالنسبة إلى من بعدهم كمن شهد أُحداً؛ لكونهم لم يغنموا شيئاً، بل أجر البدري في الأصل أضعاف أجر من بعده, مثال ذلك: أن نقول: لو فرض أنّ أجر البدري بغير غنيمة ستمائة،