قوله: "صبراً" (١) صبرت القتيل على القتل، إذا حبسته عليه لتقتله بالسيف أو غيره من أنواع السلاح وسواه، وكل من قتل أي قتلة كانت إذا لم تكن في حرب ولا على غفلة ولا على غرة فهو مقتولٌ صبراً.
قوله: "أخرجه أبو داود".
قلت: ترجمه (٢) بباب "في قتل الأسير بالنبل" ثم ذكر روايتين (٣) الأولى: "فأمر بهم فقتلوا صبراً" قال أبو داود (٤): قال لنا غير سعيد - يريد ابن منصور - الذي رواه عنه عن ابن وهب في هذا الحديث قال بالقتل صبراً. انتهى.
١٩ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "أَعَفُّ النَّاسِ قِتْلةً أَهْلُ الإِيْمَانِ". أخرجه أبو داود (٥). [صحيح]
قوله: "في حديث ابن مسعود أعف الناس قتلة" هي بكسر القاف وسكون المثناة الفوقية الحالة من القتل، وبفتحها [٣١ ب] المرة من القتل، والعفة النزاهة كأنه يريد أنهم لا يمثلون ولا يقتلون صبراً بغير السيف لعلمهم بأنّ هذا منهي عنه.
٢٠ - وَعَنْ عَبْدُ الله بْنِ يَزِيْدٍ الأَنْصَارِيّ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولَ الله ﷺ عَنِ النُّهبى والمُثْلَةِ. أخرجه البخاري (٦).
قوله: "في حديث عبد الله بن يزيد الأنصاري عن النُّهبى".
стр. 1262
قال ابن الأثير (١): النهبة المنهوب، والنهبى اسم ما انتهب من الأشياء، وتقدم تفسير المثلة.
قال السهيلي (٢): النهبى بضم النون وسكون الهاء وموحدة مقصور أخذ مال المسلم قهراً، قال [١٤٩/ أ] فإن قيل قد مثل ﷺ بالعرنيين وقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم بالحرة.
قلنا: في ذلك جوابان أحدهما: أنه فعل ذلك بهم قصاصاً لأنهم قطعوا أيدي الرعاة وأرجلهم وسملوا أعينهم، الثاني: أنّ ذلك كان قبل تحريم المثلة.
فإن قيل: فقد تركهم يستسقون فلا يسقونه حتى ماتوا عطشاً.
قلنا: عطشهم لأنهم عطشوا أهل بيت النبي ﷺ تلك الليلة، روي في ذلك حديث مرفوع: أنه ﵇ بقي هو وأهله تلك الليلة بلا لبن قال: "اللهم عطش من عطش أهل بيت نبيك" (٣)، انتهى.
قلت: في تقييده النهبى أن يكون مال (مسلم) شيءٌ؛ لأنه سيأتي سبب الحديث أنه نهب الصحابة غنماً من مال المشركين.
٢١ - وعن ابن عباس ﵄ قال: كان المشركون على منزلتين من النبي ﷺ والمؤمنين، كانوا مشركي أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه, ومشركي أهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه، فكان إذا هاجرت المرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر، فإذا طهرت حل لها النكاح، فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه، فإن هاجر منهم عبد أو أمة فهما حران، لهما ما للمهاجرين، ثم ذكر من أهل العهد مثل حديث مجاهد ﵀؛ فإن هاجر عبد أو أمة للمشركين من أهل العهد لم يردوا وردت أثمانهم، قال: وكانت قريبة بنت أبي أمية تحت عمر
стр. 1263
ابن الخطاب فطلقها فتزوجها معاوية بن أبي سفيان، وكانت أم الحكم تحت عياض بن غنم الفهري فطلقها فتزوجها عبد الله بن عثمان الثقفي. أخرجه البخاري (١). [صحيح]
قوله: "وعن ابن عباس وكانت قريبة" تصغير قريبة (٢) بالقاف والموحدة وهي أخت أم سلمة أم المؤمنين وقيل إنها بفتح القاف.
"وكانت أم الحكم" هي بنت أبي سفيان أخت أم حبيبة أم المؤمنين، أسلمت يوم "الفتح" وهي أم عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان المعروف بابن أم الحكم (٣).
قوله: "عياض بن غنم الفهري" (٤) غنم بفتح الغين المعجمة وسكون النون، وعياض له صحبة أسلم يوم الحديبية واستشهد وكان بالشام مع ابن عمه أبي عبيدة بن الجراح. [٣٢ ب].
الفصل الخامس: في أسباب تتعلق بالجهاد
١ - عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو بْنِ العَاصِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيْلِ الله تَعَالَى فَيَسْلِمُونَ وَيُصِيبُونَ إِلاَّ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِم، وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تُخفِقُ وَتُخَوِّفُ وَتُصَابُ إِلاَّ تَمَّ أَجْرهم". أخرجه مسلم (٥) وأبو داود (٦) والنسائي (٧). [صحيح]
"تَخُفُقُ" (٨) أي: لا تصيب شيئاً من المغنم.
стр. 1264
قوله: "إلا تعجلوا ثلثي أجرهم" ظاهره أنه لما نالوه من السلامة، والغنيمة، وقد استشكل نقص (١) ثواب المجاهدين بأخذ الغنيمة؛ لأنه مخالف لما ثبت من حل الغنيمة، ولمدح النبي ﷺ بأنها أحلت له، ولم تحل لغيره، ولو كانت تنقص الأجر ما وقع النفع بها، ثم إنه ﷺ قال: "وجعل رزقي تحت ظل رمحي" (٢) وهو المغانم، فكيف يجعله الله رزقاً لرسوله ﷺ وينقص به الأجر، وكان ﷺ يرغّب في السلب ويقول: "من قتل قتيلاً فله سلبه" (٣) وغير ذلك.
وإشكال آخر وهو: أنه يلزم أن يكون أجر أهل بدر أنقص من أجر أهل أحد مع أنّ أهل بدر أفضل بالاتفاق.
قال القاضي عياض (٤): أنه أجاب بأنّ حديث (٥) عبد الله بن عمرو ضعيف، لأنه من رواية حميد بن هاني وليس بمشهور.
قال الحافظ ابن حجر (٦): هذا مردود؛ لأنه ثقة محتج به عند مسلم، وقد وثقه النسائي وابن يونس وغيرهما، ولا يعرف فيه تجريح عن أحد.
стр. 1265
قال (١): ومنهم من حمل نقص الأجر على غنيمةٍ أخذت بغير وجهها، وظهور فساد هذا الوجه يغني عن الأطناب، إذ لو كان الأمر كذلك لم يبق لهم ثلث الأجر ولا أقل.
قلت: بل يكون وزراً.
ومنهم من حمل نقص الأجر على من قصد الغنيمة في ابتداء جهاده، وحمل تمامه على من قصد الجهاد محضاً.
وردّ هذا بأن في صدر حديث أبي هريرة: "لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي"، فالمقسم هو من أخلص، فالجواب عن أصل الإشكال أنه لا يلزم من [الحمل (٢)] ثبوت وفاء [٣٣ ب] الأجر لكل غاز، والمباح في الأصل لا يستلزم الثواب بنفسه، لكن ثبت أن أخذ الغنيمة واستيلائها من الكفار يحصل الثواب.
قلت: كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ (٣)، فهم بأخذ الغنائم ينالون ثواباً آخر لعله يقاوم أو يقارب الثواب الذي [فات (٤)] مع عدمها فالناقص، أجر الغزو، وقد ثبت أجر آخر بما نالوه من الكفار.
وأما الإشكال (٥) بأهل بدر فأجاب الحافظ عنه بقوله: بأنه لا يلزم من كونهم مع أخذ الغنيمة أنقص أجراً مما لو لم تحصل لهم الغنيمة أن يكونوا في حال أخذهم الغنيمة مفضولين بالنسبة إلى من بعدهم كمن شهد أُحداً؛ لكونهم لم يغنموا شيئاً، بل أجر البدري في الأصل أضعاف أجر من بعده, مثال ذلك: أن نقول: لو فرض أنّ أجر البدري بغير غنيمة ستمائة،
стр. 1266
وأجر الأحدي مثلاً بغير غنيمة مائة فإذا نسبنا ذلك باعتبار حديث عبد الله بن عمرو كان للبدري لكونه آخذاً للغنيمة مائتان، وهي ثلث الستمائة فيكون أكثر أجراً من الأحدي.
وإنما امتاز أهل بدر بذلك لكونها أول غزوة شهدها النبي ﷺ في قتال الكفار، وكانت مبدأ اشتهار الإسلام وقوة أهله, فكان لمن شهدها مثل أجر من شهد المغازي بعدها جميعاً، فصارت لا يوازيها شيء في الفضل. انتهى (١).
قلت: خلاصته أنّ أهل بدر خصصهم النبي ﷺ عن عموم حديث [ابن عمرو (٢)] وبقي إشكال ثالث ذكره الحافظ عن ابن دقيق (٣) فقال: إنما المشكل العمل المتصل بأخذ الغنائم، ولو كانت تنقص الأجر لما كان السلف الصالح يثابرون عليها.
ويمكن أن يجاب: بأن أخذها من جهة تقديم بعض المصالح الجزئية على بعض، لأنّ أخذ الغنائم أول ما شرع كان عوناً على الدين، وقوة لضعف المسلمين [٣٤ ب] وهي مصلحة عظمى يغتفر لها نقص بعض الأجر [١٥٠/ أ] من حيث هو.
قال الحافظ (٤): وذكر بعض المتأخرين للتعبير بثلثي الأجر في حديث ابن عمرو حكمة لطيفة بالغة: وذلك أن الله أعدّ للمجاهدين ثلاث كرامات دنيويتان وأخروية فالدنيويتان: السلامة والغنيمة، والأخروية: دخول الجنة فإذا رجع سالماً غانماً فقد حصل له ثلثا ما أعد الله له وبقي له عند الله الثلث، وإن رجع بغير غنيمة عوضّه عن ذلك ثواباً في مقابلة ما فاته، فكان معنى الحديث أن يقال للمجاهد: إذا فات عليك شيء من أمر الدنيا عوضك الله ثواباً، وأما الثواب المختص بالجهاد فهو حاصل للفريقين معاً.
قال (٥): وغاية ما فيه عد ما يتعلق النعمتين الدنيويتين أجراً بطريق المجاز. انتهى.
стр. 1267
٢ - وَعَن جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولَ الله ﷺ فِي غَزَاةٍ فَقَالَ: إِنَّ بِالمَدِيْنَةِ رِجَالَاً مَا سِرْتُمْ مَسِيْراً، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيَاً إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ حَبَسَهُمُ العُذْرُ". أخرجه مسلم (١)، وأخرجه البخاري (٢)، وأبو داود (٣) عن أنس. [صحيح]
قوله: "في حديث جابر بن عبد الله حبسهم العذر" ترجم البخاري (٤) لهذا الحديث بقوله: "باب من حبسه العذر عن الغزو"، وقال ابن حجر (٥): العذر الوصف الطاري على المكلف، المناسب للتسهيل عليه، والمراد بالعذر ما هو أعم من المرض، وعدم القدرة على السفر، ووقع في مسلم (٦): "حبسهم المرض" وكأنه حمل على الأغلب.
قوله: "إلا كانوا معكم" ولابن حبان (٧) وأبي عوانة (٨) من حديث جابر: "إلّا شركوكم في الأجر" بدل قوله: "إلا كانوا معكم".
стр. 1268
وأخرجه أبو داود (١) "بلفظ: "لقد تركتم بالمدينة أقواماً ما سرتم من مسير، ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيم, قالوا: يا رسول الله! وكيف [٣٥ ب] يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال: "حسبهم العذر" (٢).
قال المهلب: يشهد لهذا الحديث قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (٣) الآية، فإنه فاضل بين المجاهدين والقاعدين، واستثنى أولي الضرر من القاعدين، فكأنه ألحقهم بالفاضلين، وفيه أن المؤمن تبلغّه نيته أجر العامل إذا منعه العذر عن العمل.
٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ قَوْمٍ يُقَادُوْنَ إِلَى الجَنَّةِ بِالسَّلَاسِلِ". أخرجه البخاري (٤) وأبو داود (٥). [صحيح]
وقال: يَعْنِي الأَسِيْرَ يُوثَقُ ثُمَّ يُسْلِمُ.
قوله: "في حديث أبي هريرة عجب (٦) [ربنا (٧)] " الحديث .. في النهاية (٨): اعلم أنه إنما يتعجب الآدمي من الشيء إذا عظم وقعه عنده وخفي عليه سببه فأخبرهم بما يعرفون ليعلموا موقع هذه الأشياء عنده.
стр. 1269
وقيل: معنى عجب ربك، أي: رضي وأثاب فسماه عجباً (١) مجازاً وليس بعجب في الحقيقة والأول الوجه انتهى.
٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "إِنَّما الإِمَامَ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ بِهِ". أخرجه الخمسة (٢) إلا الترمذي. [صحيح]
قوله: "في حديثه الآخر إنّ الإمام جُنَّة" في النهاية (٣): لأنه يقي المأموم الزَّللَ والسّهوة، وفي "الجامع" (٤): الجنة ما يستجن به أي: يتقى به الحوادث ويكون كالمجن لمن وراءه وهو الترس.
قوله: "أخرجه أبو داود" قال في "الجامع" (٥): وقد أخرج البخاري ومسلم والنسائي هذا المعنى في جملة حديث يرد في كتاب الخلافة (٦) والإمارة من حرف الخاء.
٥ - وَعَنْ أَنَسْ ﵁: أَنَّ فَتًى مِنْ أَسْلَمَ قَالَ: يَا رَسُولَ الله! إِنِّي أُرِيدُ الغَزْوَ وَلَيْسَ مَعِي مَا أَتَجَهَّزُ بِهِ, قَالَ: "ائْتِ فُلاَنًا فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ تَجَهَّزَ فَمَرِضَ". فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلاَمَ وَيَقُولُ: أَعْطِنِي الَّذِي تَجَهَّزْتَ بِهِ, فَقَالَ لَأَهْلِهِ: يَا فُلاَنَةُ! أَعْطِيهِ الَّذِي تَجَهَّزْتُ بِهِ،
стр. 1270
وَلاَ تَحْبِسِي عَنْهُ شَيْئًا منه، فَوَالله لاَ تَحْبِسِي مِنْهُ شَيْئًا فَيُبَارَكَ لَكِ فِيهِ. أخرجه مسلم (١) وأبو داود (٢). [صحيح]
قوله: "في حديث أنس فيبارك لك فيه" فضيلة الدلالة على الخير، وفيه أنّ من نوى صرف شيء إلى جهة بر فتعذر عليه، استحب بذله في جهة بر أخرى، ولا يلزمه من ذلك ما لم يلتزمه بنذر.
٦ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ -سَمَّى خَيْلَنَا خَيْلَ الله تَعَالَى، وَكَانَ يَأْمُرُنَا بِالجَمَاعَةِ إِذَا فَزِعْنَا، وَالصَّبْرِ وَالسَّكِينَةِ إِذَا قَاتَلْنَا. أخرجه أبو داود (٣). [ضعيف]
قوله: "في حديث سمرة خيل الله" على حذف مضاف تقديره: خيل أولياء الله أولها كانت يقاتل عليها في سبيل الله من أجله جعلت له.
قوله: "وكان إذا فزعنا" لفظ "سنن أبي داود" (٤) بعد قوله: "خيل الله إذا فزعنا" ومثله في "الجامع" (٥) ثم قال: وكان رَسُولَ الله ﷺ إذا فزعنا [٣٦ ب] بالجماعة، فسقط من الحديث على "المصنف" قوله بعد "خيل الله" "إذا فزعنا" (٦).
٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "خيْرُ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ، وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُمِائَةٍ، وَخَيْرُ الجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلاَفٍ، وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ". أخرجه أبو داود (٧).
стр. 1271
والترمذي (١). [صحيح]
قوله: "خير الصحابة أربعة" كأن المراد بهم الذين يصطحبون في السفر أو نحوه، أو الجلساء.
و"الأربعمائة خير السرايا" وهي جمع سرية (٢) بزنة عطية، قطعة من الجيش من مائة إلى خمسمائة، فإن زاد على الخمسمائة فهو منسر بالنون ثم المهملة، فإن زاد على ثمانمائة فجيش، فإن زاد على أربعة آلاف سمي جحفلاً، وإن زاد فجيش جرّار، والمراد فلا تزيد ولا تنقص، وإلا فاتت الخيرية وهي مطلوبة في كل شيء.
قوله: "أخرجه أبو داود والترمذي".
стр. 1272
قلت: وقال (١) هذا حديث حسن غريب، لا يُسنده كبيرُ أحدٍ غيرُ جرير بن حازم، وإنما هذا الحديث عن الزهري، عن النبي ﷺ مرسلاً.
وقد رواه [حبان] (٢) بن علي [العنزيُّ] (٣) عن عُقيل عن الزهري عن عبيد الله [بن عبد الله] (٤) عن ابن عباس عن النبي ﷺ .
ورواه الليث بن سعد عن عقيل، عن الزهري، عن النبي ﷺ مرسلاً. انتهى كلام الترمذي (٥).
وقال أبو داود (٦): بعد إخراجه والصحيح أنه مرسل.
٨ - وَعَنْ أَبِي طَلْحَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولَ الله ﷺ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ أَقامَ بِالعَرْصَةِ ثَلَاثَ لَيَالِ. أخرجه الخمسة (٧) إلا النسائي. [صحيح]
قوله: "في حديث أبي طلحة أقام بالعرصة" (٨) بفتح المهملتين وسكون الراء بينهما البقعة الواسعة والمراد هنا موضع الحرب.
"المُدَرَّبَةُ" (١) المخرّجة المؤدّبة التي ألفِتِ الركوب وعُوِّدت المشي في الدروب.
"وَالمُجَرَّسَةُ" (٢) بالجيم والسين المهملة: المجربة المدربة في الركوب والسير.
قوله: "في حديث عمران بن الحصين كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل".
الحلفاء جمع حليف، وهو الذي يحالفك على الشيء أي: يعاهدك.
وقوله: "لبني عقيل" هو مصغّر.
قوله: "العضباء" هي ناقة (٣) [٣٧ ب] رسول الله ﷺ ، والناقة العضباء (٤) هي المشقوقة الأذن، ولم تكن ناقة رَسُولَ الله ﷺ عضباء، وإنما هذا اسم لها.
قوله: "سابقة الحاج" أراد بسابقة الحاج ناقته كأنها كانت لسرعتها تسبق الحاج.
قوله: "بجريرة [١٥١/ أ] حلفائك ثقيف" يريد أنها كانت بين رسول الله ﷺ ، وبين ثقيف موادعة، فلما نقضوها ولم ينكر عليهم بنو عقيل صاروا مثلهم في نقض العهد، وقد استشكل المازري (٥) رده إلى دار الكفر، وأجاب ابن الأثير (٦) فقال: وإنَّما ردَّه إلى دار الكفر بعد إظهار كلمة الإسلام؛ لأنه علم أنه غير صادق، وأنّ ذلك لرغبة أو رهبة، وهذه خاصة برسول الله ﷺ .
стр. 1275
وقيل: معناه: أخذت لندفع بك جريرة حلفائك من ثقيف، ويدل على صحة ذلك أنه فدي بعد بالرجلين الذي أسرهما ثقيف من المسلمين، وفيه دليل أنّ الحليف يعقل مع العاقلة إذا وجبت الدية وذهب إلى هذا طائفة من الفقهاء، والجريرة (١): الجناية والذنب.
قوله: "لو قلتها وأنت تملك أمرك فلحت كل الفلاح" يريد: إذا أسلمت قبل الأسر أفلحت الفلاح التام، بأن يكون مسلماً حراً؛ لأنه إذا أسلم بعد الأسر كان مسلماً عبداً.
قوله: "ففدي بالرجلين" يقال: فدي الأسير إذا أعطى عوضه مال أو غيره وأطلق سبيله.
[قوله (٢)] "قال" أي: عمران.
"وأصيب امرأة من الأنصار" هي امرأة أبي ذر.
"وأصيبت العضباء" يحتمل أنها كانت العضباء معها، وأنها أصيبت المرأة بالأسر وأخذت العضباء، ويحتمل أن العضباء كانت مع غيرها أخذها من أسر المرأة. [٣٨ ب].
قوله: "في الوثاق" (٣) بكسر الواو فمثلثة هو قيد، أو حبل يشد به الأسير.
قوله: "فانفلتت" أي: المرأة ذات ليلة.
قوله: "رغا" (٤) بالراء فغين معجمة، هو صوت ذوات الخف، يقال: رغا البعير إذا صاح فتتركه لئلا يسمعوا صوته فيتنبهوا لها.
قوله: "مدربة" (٥) هي المتخرجة التي قد ألفت الركوب والسير، ويأتي تفسير "المصنف" لها بزيادة، وعودت المشي في الكروب فهي مشتقة من ذلك.
стр. 1276
ويأتي تفسيره المجرسة (١) وهي بالجيم وراء وسين مهملتين.
قوله: "ورويَ مدرنة" أي: بالنون عوضاً عن الموحدة، إلا أني لم أجده في النهاية (٢)، ولا "القاموس" (٣)، ولا في غريب "الجامع" (٤) بهذا المعنى.
و [أما] (٥) ما في حديث (٦) الزكاة "ولا يعطي الدرنة" (٧) فالمراد بها الجرباء ولا يناسب هنا.
وعلى أنه ليس في رواية "الجامع" (٨) هذا اللفظ فلا أدري من أين أتى به "المصنف" والذي فيه "مدربة" بالموحدة.
قال: وعند أبي داود (٩) مجرسة، وقد تصحف "منوقة" من النون إلى المثناة الفوقية، قال الحرمي (١٠): إنما هي منوقة بالنون وهي التي قد ريضت وأدبت.
قوله: "ونذروا بها" بكسر المعجمة، أي: علموا، وفيه دليل على جواز سفر المرأة وحدها للضرورة كالهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكالهرب ممن يريد منها فاحشة، فالنهي عن سفرها وحدها محمول على غير حال الضرورة.
стр. 1277
وفيه دليل لما يقوله الشافعي (١) من أنّ الكفار لا يملكون مال المسلم إذا غنموه، وقال أبو حنيفة (٢): يملكونه إذا حازوه إلى دار الحرب، وحجة الشافعي [في قوله (٣)] "فيما لا يملك العبد".
قوله: "فيما لا يملك العبد" قالوا: هو محمول على ما إذا أضاف النذر إلى معين لا يملكه [٣٩ ب] كإن شفى الله مريضي فلله عليّ أن أعتق عنه فلان ونحو ذلك.
أمّا إذا التزم شيئاً في الذمة لا يملكه فيصح نذره كإن شفى الله مريضي فعليّ عتق رقبة، وهو حينئذ لا يملكها ولا يملك قيمتها، فيصح نذره، فإذا شفى الله مريضه ثبت العتق ولزمه أخذ رقبة.
قوله: "في الدروب" زاد في "النهاية" (٤): فصارت تألفها وتعرفها ولا تنفر.
١٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ ﵄ قَالَ: المُشْرِكِينَ أَرَادُوا أَنْ يَشْتَرُوا جَسَدَ رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ فَأَبَى رَسُولَ الله ﷺ أنْ يِبِيعَهُمْ. أخرجه الترمذي (٥). [ضعيف]
قوله: "في حديث ابن عباس أخرجه الترمذي".
قلت: وقال (٦): هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث الحكم، ورواية الحجاج بن أرطأة أيضاً عن الحكم.
وقال [أحمد بن الحسن (٧)]: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ابن أبي ليلى لا يحتج بحديثه.
стр. 1278
قال محمد بن إسماعيل: إنّ ابن أبي ليلى صدوق، ولكن لا يعرف صحيح حديثه من سقيمه، ولا أروي عنه شيئاً، وابن أبي ليلى هو صدوق فقيه وربما يهم في الإسناد. انتهى كلامه.
[قوله (١)]:
الباب الثالث: في فروع الجهاد
[وفيه أربعة فصول (٢)]
الفصل الأول: في الأمان والهدنة
١ - عَنْ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ صَخْرٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ غَزَا ثَقِيفًا، فَلمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ صَخْرٌ رَكِبَ فِي خَيْلٍ يُمِدُّ رَسُولَ الله ﷺ فَوَجَدَهُ وَقَدِ انْصَرَفَ، وَلَمْ يَفْتَحْ فَجَعَلَ صَخْرٌ ﵁ حِيْنَئِذٍ عَهْدَ الله وَذِمَّتَهُ أَنْ لاَ يُفَارِقَ القَصْرَ حَتَّى يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَلَمْ يُفَارِقْهُمْ حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ صَخْرٌ: أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ ثَقِيفًا قَدْ نَزَلوا عَلَى حُكْمِكَ يَا رَسُولَ الله، وَإِنِّي مُقْبِلٌ بِهِمْ فِي خَيْلٍ، فَأَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ بِالصَّلاَةِ جَامِعَةً، فَدَعَا لأَحْمَسَ عَشْرَ دَعَوَاتٍ: "اللهمَّ بَارِكْ لأَحْمَسَ فِي خَيْلِهَا ورِجْلِهَا"، وَأتَاهُ القَوْمُ فَكَلَّمَهُ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! إِنَّ صَخْرًا أَخَذَ عَمَّتِي، وَقَدْ دَخَلَتْ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ المُسْلِمُونَ. فَدَعَاهُ فَقَالَ: "يَا صَخْرُ! إِنَّ القَوْمَ إِذَا أَسْلَمُوا فَقَدْ أَحْرَزُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ فَادْفَعْ إِلَى المُغِيرَةِ عَمَّتَهُ"، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، وَسَأَلَ نَبِيَّ الله ﷺ مَاءً كَانَ لِبَنِي سُلَيْمٍ قَدْ هَرَبُوا عَنِ الإِسْلاَمِ وَتَرَكُوا ذَلِكَ المَاءَ. فَقَالَ: أَنْزِلُ فِيْهِ أَنَا وَقَوْمِي، فَأَنْزَلَهُ وَأَسْلَمَوا - يَعْنِي بَنِي سُلَيْمٍ - فَأَتَوْا صَخْرًا وَسَأَلُوهُ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِمُ ذَلِكَ المَاءَ، فَأَبَى فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فقَالُوا: يَا رَسُوْلَ الله! قَدْ أَسْلَمْنَا فَأَتيْنَا صَخْرًا لِيَدْفَعَ إِلَيْنَا مَاءَنَا فَأَبَى عَلَيْنَا، فَدَعَاهُ فَقَالَ: "يَا صَخْرُ! إِنَّ القَوْمَ إِذَا أَسْلَمُوا أَحْرَزُوا
стр. 1279
دِمَاءَهُمْ وَأمْوَالُهمْ فَادْفَعْ إِلَيْهِمْ مَاءَهُمْ"، قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُوْلَ الله، وَرَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ الله ﷺ يَتَغَيَّرُ عِنْدَ ذَلِكَ حُمْرَةً حَيَاءً مِنْ أَخْذِ الجَارِيَةِ وَأَخْذِهِ المَاءَ. أخرجه أبو داود (١). [ضعيف]
قوله: "في حديث عثمان بن أبي حازم عن جده صخر" هو صخر بن العيلة عبد الله بن ربيعة الأحمسي يكنى: أبا حازم، وقيل: أن العيلة أمه، ذكره ابن عبد البر (٢).
قوله: "ودعا لأحمس عشر دعوات" ذكر منها هنا دعوتين.
قوله: "فادفع [٤٠ ب] إليهم أموالهم".
قال الخطابي (٣): يشبه أن يكون النبي ﷺ إنما أمره بردِّ الماء على معنى الاستطابة والسؤال، ولذلك كان يظهر في وجهه أثر الحياء، والأصل أن الكافر إذا هرب عن ماله فإنه يكون فيئاً لرسول الله ﷺ ، ورسول الله جعله لصخر، وحيث ملكه صخر فلا ينتقل عن ملكه بدون رضاه، وإنما ردّه ﷺ تآلفاً لهم على الإسلام.
وأما رده المرأة: فيحتمل أن يكون ذلك كما فعله في سبي هوازن بعد أن استطاب أنفس [الناس (٤)] عنها، [١٥٢/ أ]، ويحتمل أن يكون ذلك [الأمر فيها بخلاف ذلك (٥)] لأنهم نزلوا على حكم رَسُولَ الله ﷺ فرأى أن يرد المرأة والأسبى؛ لأن دمائهم وأموالهم وسبيهم كان موقوفاً على ما يريه الله فيهم فكان ذلك حكمه، انتهى.
قلت: إلا أنه يعكر عليه في المرأة قوله ﷺ : "يا صخر! إن القوم إذا أسلموا فقد أحرزوا دمائهم وأموالهم" وقد قال المغيرة: أن عمته قد دخلت فيما دخل فيه المسلمون، فإنه ظاهر أنه أخذها صخر وهي مسلمة.
стр. 1280
ويعكر على قصة الماء إخباره لصخر: "إن القوم إذا أسلموا (١) ... " إلى آخره، فإنه ظاهر أن إسلام بني سليم ردّ عليهم ما أخذ منهم فهو مشكل.
وأما قوله: "يتغير حمرة حياء" فهو من فهم الراوي [٤١ ب] ويحتمل أنه ﷺ -استحيا من طلبه لصخر ما أخذه.
قوله: "أخرجه أبو داود" في إسناده عثمان (٢)، قال أبو حاتم (٣): كان ممن فحش خطؤه وانفرد بالمناكير قاله [المنذري (٤)] (٥).
٢ - وَعَنْ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الله قَالَ: كُنَّا بِالمِرْبَدِ بِالبَصْرَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ أَشْعَثُ الرَّأْسِ بِيَدِهِ قِطْعَةُ أَدَمٍ أَحْمَرَ، فَقُلْنَا: كَأنَّكَ مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ؟ فَقَالَ: أَجَلْ، قُلْنَا: نَاوِلْنَا هَذِهِ القِطْعَةَ الأَدَمَ الَّتِي فِي يَدِكَ، فَنَاوَلَنَا فَإِذَا فِيهَا: "مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ الله ﷺ إِلَى بَنِي زُهَيْرِ بْنِ قَيْس: إِنَّكُمْ إِنْ شَهِدْتُمْ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَأَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتيْتُمُ الزَّكَاةَ، وَأَدَّيْتُمُ الخُمُسَ مِنَ المَغْنَمِ، وَسَهْمَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَسَهْمَ الصَّفِيِّ: أَنْتُمْ آمِنُونَ بِأَمَانِ الله تَعَالَى وَرَسُولهِ"، فَقُلْنَا: مَنْ كَتَبَ لَكَ هَذَا؟ قَالَ: رَسُولُ الله ﷺ .
стр. 1281
أخرجه أبو داود (١) والنسائي (٢). [إسناده صحيح]
قوله: "في حديث يزيد بن عبد الله فإذا رجل أشعث الرأس" هو النمر (٣) بكسر النون ابن ثولب بفتح المثناة الفوقية آخره موحدة، الشاعر (٤).
قوله: "إلى بني زهير بن قيس" بقاف ومثناة تحتية وسين مهملة، كذا في نسخ التيسير، والذي في "جامع ابن الأثير" (٥) "ابن أُقيش" بهمزة مضمومة فقاف ساكنة، فمثناة تحتية، فشين معجمة، فلعله تصحف على المصنف.
وراجعت "سنن أبي داود" (٦)، وإذا الذي فيها أقيش كما في "الجامع" (٧)، وفي رواية الأنصاري، وقيش بواو مضمومة عوض الهمزة، والباقي كما ضبطناه، فتقرر أنه تصحف على صاحب التيسير.
يزيده وضوحاً أن في "القاموس" (٨) في حرف الشين المعجمة ما لفظه أُقَيْش كزبير أبو حيٍّ من عكل، والحارث بن أقيش، أو وقيش صحابي. انتهى.
стр. 1282
قوله: "وسهم الصفي" بالصاد المهملة والفاء، في "النهاية" (١): الصفي ما كان يختاره رئيس الجيش لنفسه من الغنيمة قبل القسمة ويقال له: الصفية. انتهى.
قوله: "وسهم رسول الله ﷺ ".
قال الشيخ (٢): هو ما كان يسهم له ﷺ كسهم رجل ممن شهد الوقيعة حضرها رسول الله ﷺ وغاب عنها.
٣ - عَنْ عَامِرِ بْنِ شَهْرٍ ﵁ قَالَ: لمَّا خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ قَالَتْ لِي هَمْدَانُ: هَلْ أَنْتَ آتٍ هَذَا الرَّجُلَ وَمُرْتَادٌ لَنَا، فَإِنْ رَضِيتَ لَنَا شَيْئًا رَضِيْنَاهُ, وَإِنْ كَرِهْتَ شَيْئًا كَرِهْنَاهُ, قُلْتُ: نَعَمْ. فَجِئْتُ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ فرَضِيتُ أَمْرَهُ وَأَسْلَمَ قَوْمِي، وَكَتَبَ لِي رَسُولُ الله ﷺ هذَا الكِتَابَ إِلَى عُمَيْرٍ ذِي مَرَّانَ، قَالَ: وَبَعَثَ رَسُولَ الله ﷺ مَالِكَ بْنَ مِرَارَةَ الرَّهَاوِيَّ إِلَى اليَمَنِ جَمِيعًا، فَأَسْلَمَ عَكٌّ ذُو خَيْوَانَ، قَالَ: فَقِيلَ لِعَكٍّ: انْطَلِقْ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ -وَخُذْ مِنْهُ الأَمَانَ عَلَى بَلَدِكَ وَمَالِكَ، فَقَدِمَ: فَكَتَبَ لَهُ النَّبيّ ﷺ : "بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: لِعَكٍّ ذِي خَيْوَانَ: إِنْ كَانَ صَادِقًا فِي أَرْضِهِ وَمَالِهِ وَرَقِيقِهِ فَلَهُ الأَمَانُ، [وَذِمَّةُ الله] (٣) وَذِمَّةُ [مُحَمَّد] (٤) رَسُولِ الله ﷺ ، وَكَتَبَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ. أخرجه أبو داود (٥). [إسناده ضعيف]
قوله: "وعن عامر بن شهر" (٦) الهمداني ويقال [٤٢ ب] الناعطي ويقال: البكيلي، وكلاهما من همدان، وشهر بفتح الشين المعجمة، ويقال: هو أبو شهر، ويقال: أبو الكنود بفتح الكاف وضم النون ودال مهملة، كان أحد عمال النبي ﷺ على اليمن، وكان أول من اعترض على الأسود العنسي في ناحيته.
стр. 1283
وهمدان بفتح الهاء وسكون الميم ودال مهملة قبيلة، وهمدان بالتحريك والمعجمة بلد.
قوله: "ومرتاد" (١) المرتاد في الأصل طالب الكلأ، ثم نقل إلى كل متطلب أمر آخر، راد، يرود، فهو رائد.
قوله: "إلى عمير" مصغر عمر، وهو ابن أفلح الهمداني جدّ مجالد بن سعيد (٢).
و"مران" بضم الميم وتشديد الراء بعد ألفه نون.
قوله: "مالك بن مرارة" (٣) بضم الميم وفتح الراء، بينهما ألف.
وَ"الرهاوي" بفتح الراء والهاء قبيلة من مذحج.
قوله: "عكّ" بفتح العين المهملة وتشديد الكاف.
وَ"خيران" بفتح الخاء المعجمة وسكون المثناة التحتية والراء والنون، وفي "سنن أبي داود" (٤) "ذي خيوان" بعد المثناة التحتية واو، وليس فيه رواية بذي خيران كما هنا، ومثل ما. هنا في "الجامع" (٥).
قال ابن الأثير (٦): قدم على النبي ﷺ وأسلم، وكتب له كتاباً. انتهى. يريد بالكتاب هو المذكور هنا.
قوله: "وذمة الله" الذمة (٧) والذمام هما بمعنى العهد والأمان والضمان، والحرمة والحق، وسمى أهل الذمة بدخولهم في عهد المسلمين وأمانهم.
стр. 1284
قوله: "خالد بن سعيد" (١) هو أبو سعيد خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي، أسلم قديماً، يقال أنه كان ثالثاً أو رابعاً [٤٣ ب] أو خامساً في الإسلام فهو من السابقين الأولين.
٤ - وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ كَعْبُ بْنُ الأَشْرَفِ كَانَ يَهْجُو النَّبِيَّ ﷺ وَيُحَرِّضُ عَلَيْهِ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ قَدِمَ المَدِينَةَ وَكَانَ أَهْلُهَا أَخْلاَطَاً مِنْهُمُ المُسْلِمُونَ وَمِنْهُمُ المُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَ الأَوْثَانَ، وَمِنْهُمُ اليَهُودُ، وَكَانُوا يُؤْذُونَ رَسُولَ الله ﷺ وَأَصحَابَهُ، فَأَمَرَ الله نَبِيَّهُ ﷺ بِالصَّبْرِ وَالعفْوِ، فَفِيهِمْ أَنْزَلَ الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾، فَأَبَى كَعْبُ بْنُ الأَشْرَفِ أَنْ يَنْزِعَ عَنْ أَذَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ مَنْ يَقْتُلُهُ فَقَتَلَهُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ ﵁، فَلمَّا قَتْلِهِ فَزِعَتِ اليَهُودُ وَالمُشْرِكُونَ فَغَدَوْا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَالُوا: طُرِقَ صَاحِبُنَا فَقُتِلَ، فَذَكَرَ لَهُمُ رَسُولَ الله ﷺ الَّذِي كَانَ يَقُولُ، ثُمَّ دَعَاهُمُ إِلَى أَنْ يَكْتُبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ كِتَابًا يَنْتَهُونَ إِلَى مَا فِيهِ، فَكَتَبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ وَبيْنَ المُسْلِمِينَ عَامَّةً صَحِيفَةً. أخرجه أبو داود (٢). [صحيح]
قوله: "في حديث كعب: سعد بن معاذ" (٣) وهو أبو عمرو سعد بن معاذ بن النعمان ابن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل، خزرجي (٤)، أسلم بالمدينة بين العقبة الأولى والثانية على
стр. 1285
يد مصعب بن عمير، وأسلم بإسلامه بنو عبد الأشهل، ودارهم أول دار أسلمت من الأنصار، وسمَّاه رَسُولَ الله ﷺ سيد الأنصار، كان مقدماً مطاعاً شريفاً في قومه، من جلة الصحابة وأكابرهم وخيرهم، شهد بدراً وأحداً، وثبت مع النبي ﷺ يومئذٍ، ورمي يوم الخندق في أكحله فلم يرق له دم حتى مات به في شهر ذي القعدة، سنة خمس وهو ابن سبع وثلاثين سنة.
قوله: "محمد بن مسلمة" (١) هو أبو عبد الله، وقيل: أبو عبد الرحمن أوسي أنصاري، أشهلي، شهد المشاهد كلها إلا تبوك، كان من فضلاء الصحابة، وكان من الذين أسلموا على يد مصعب بن عمير بالمدينة، وقصة قتله لكعب بن الأشرف مسوقة في كتب السيرة (٢) وغيرها بطولها، وأخرجه أبو داود (٣) من حديث جابر مفصلاً.
ولفظه بعد أن ترجم له (٤) "باب في العدو يؤتى على غره" فقال: "إنه ﷺ قال: من لكعب بن الأشرف؟ فإنّه قد آذى [٤٤ ب] الله ورسوله، فقام محمد بن مسلمة فقال: يا رَسُولَ الله! أتحب أني أقتله؟ قال: "نعم"، قال: فأذن لي أن أقول شيئاً؟ قال: "نعم"، فأتاه فقال: إن هذا الرجل قد سألنا الصدقة وقد عنَّانا .. الحديث سيأتي، فلم يذكر فيه أنه ﷺ أمر معاذ بن جبل، والجمع بين الحديثين أنه أمر معاذاً أن يبعث إليه فبعث محمد بن مسلمة، فأتى رَسُولَ الله ﷺ يستأذنه فيما يقول فأذن له.
وأخرج حديث جابر الشيخان (٥) والنسائي (٦) كما قاله الحافظ المنذري (٧).
стр. 1286
٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: صَالَحَ رَسُولُ الله ﷺ -أَهْلَ نَجْرَانَ عَلَى ألْفَي حُلَّةٍ النِّصْفُ فِي صفَرٍ [وَالبَقِيَّةُ] (١) فِي رَجَبٍ يُؤَدُّونَهَا إِلَى المُسْلِمِينَ، وَعَارِيَةِ ثَلاَثِينَ دِرْعًا، وَثَلاَثِينَ فَرَسًا، وَثَلاَثِينَ بَعِيرًا، وَثَلاَثِينَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ السِّلاَحِ يَغْزُونَ بِهَا، وَالمُسْلِمُونَ ضَامِنُونَ لَهَا حَتَّى يَرُدُّوهَا عَلَيْهِمْ، عَلَى أَنْ لاَ تُهْدَمَ لَهْمْ بَيْعَةٌ، وَلاَ يُخْرَجُ لَهُمْ قَسٌّ، وَلاَ يُفْتَنُوا عَنْ دِينِهِمْ مَا لَمْ يُحْدِثُوا حَدَثًا أَوْ يَأْكُلُوا الرِّبَا. أخرجه أبو داود (٢). [إسناده ضعيف]
قوله: "في حديث ابن عباس على ألفي حلة" هي برود يمانية، ولا تسمى حلة إلا أن تكون [١٥٣/ أ] ثوبين من جنس واحد (٣).
قوله: "حتى يردوها عليهم".
قلت: زاد في رواية "الجامع" (٤) لهذا الحديث بعد هذا اللفظ، لفظ: "إن كان باليمن كيدٌ أو غدرة" (٥)، وظاهره أنه قيد لقوله: "وعارية .. " إلى آخره، فيفيد أنه لا عارية عليهم إلا إن كان باليمن ما ذكر، لا مطلقاً كما يفيده إسقاط هذا القيد.
ولا أدري لماذا أسقطه المصنف؟! وراجعت "سنن أبي داود" وإذا هذا لفظه، أعني زيادة: "إن كان باليمن" كما أنه لفظ ابن الأثير.
стр. 1287
واعلم أن لفظه في "الجامع" (١): "كيد ذا تعذره" وكتب في هامشه: صوابه: "كيد ذاتَ غَدْرٍ" كذا في "النهاية" (٢)، و"المنتقى" (٣) أي: حرب ذات غدر، وفي "الإرشاد" (٤) كيد أو غدر. انتهى.
ورأيته في لفظ "السنن" (٥) وإذا لفظه "كيد ذا تعذره" بمثناة فوقية وذال معجمة، قال الخطابي (٦) في "شرح السنن": كذا وقع [٤٥ ب] في كتابي، وفي غيرها: ذات عذر.
قوله: "بيعة" (٧) بكسر الموحدة للنصارى، وقيل: هي كنيسة أهل الكتاب، وقيل: البيعة لليهود والكنيسة للنصارى.
و"القس" (٨) بفتح القاف وتشديد السين المهملة رئيس النصارى في العلم والدين.
تمامه: قال أبو داود (٩): قال إسماعيل: فقد أكلوا الربا، قال أبو داود (١٠): إذا نقضوا بعض ما اشترط عليهم فقد أحدثوا. انتهى.
стр. 1288
قلت: ويريد أبو داود بإسماعيل هو ابن عبد الرحمن القرشي وهو المعروف بالسدي، وهو الذي رواه عن ابن عباس، ولكن (١) في سماعه من ابن عباس نظر، وإنما قيل أنه رآه ورأى ابن عمر وأنس بن مالك.
٦ - وَعَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ ﵁: لَئِنْ بَقِيتُ لِنَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ لأَقْتُلَنَّ المُقَاتِلَةَ وَلأَسْبِيَنَّ الذُّرِّيَّةَ، فَإِنِّي كَتَبْتُ الكِتَابَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولَ الله ﷺ عَلَى أَنْ لاَ يُنَصِّرُوا أَوْلَادَهُمْ (٢). أخرجه رزين. [ضعيف]
قوله: "في حديث زياد بن حدير: أخرجه رزين".
قلت: الذي في "الجامع" (٣) قال أبو داود (٤): وهذا حديث منكر ذكره رزين، ولم أجده (٥) في كتاب أبي داود. انتهى لفظ "الجامع".
وأقول: بل أخرجه أبو داود (٦) في باب (٧) أخذ الجزية، عن زياد بن حدير قال: قال علي إلى آخره.
قال أبو داود (٨): وهذا حديث منكر، قال أبو داود (٩): وبلغني عن أحمد أنه أنكره جداً وتكلم فيه.
стр. 1289
قال أبو داود (١) أيضاً: وأنكروا هذا الحديث على عبد الرحمن بن هانئ، قال أبو علي: ولم يقرأه أبو داود في العرضة الأخيرة. انتهى كلام أبي داود.
قوله: قال أبو علي - يريد به اللؤلؤي، أحد رواة أبي داود، وليس هذه اللفظة من كلام أبي داود، بل من بعض الرواة.
وقال المنذري في "مختصر سنن أبي داود" (٢) في إسناده إبراهيم (٣) بن مهاجر النخعي الكوفي، وشريك (٤) بن عبد الله النخعي، وقد تكلم فيهما غير واحد من الأئمة، وفيه أيضاً عبد الرحمن (٥) [٤٦ ب] بن هانئ النخعي، قال الإمام أحمد: ليس بشيء، وقال ابن معين كذلك. انتهى.
فأعجب لقول "المصنف": أخرجه رزين وكان المتعين عليه ذكر لفظ "الجامع" (٦) أنه ذكره رزين، وأنه قال ابن الأثير: لم يجده في كتاب أبي داود.
٧ - وَعَنِ العِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ السُّلَمِيِّ ﵁ قَالَ: نَزَلْنَا مَعَ رَسُولَ الله ﷺ قَلْعَةَ خَيْبَرَ وَمَعَهُ مَنْ مَعَهُ مِنْ المُسْلِمِينَ، وَكَانَ صَاحِبُ خَيْبَرَ رَجُلاً مَارِدًا [مُنْكَرًا (٧)] فَأَقْبَلَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! أَلكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا حُمُرَنَا وَتَأْكُلُوا ثَمَرَنَا وَتَضْرِبُوا نِسَاءَنَا؟ فَغَضِبَ رَسُولَ الله ﷺ وَقَالَ: "يَا ابْنَ عَوْفٍ! ارْكَبْ فَرَسَكَ ثُمَّ نَادِ: إِنَّ الجَنَّةَ لاَ تَحِلُّ إِلاَّ لمُؤْمِنٍ وَأَنِ اجْتَمِعُوا لِلصَّلاَةِ"، فَاجْتَمَعُوا ثُمَّ صَلَّى بِهِمُ، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ: "أَيَحْسَبُ أَحَدُكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ قَدْ يَظُنُّ أَنَّ الله تَعَالَى لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا إِلاَّ مَا فِي هَذَا القُرْآنِ، أَلاَ وَإِنِّي وَالله قَدْ وَعَظْتُ وَأَمَرْتُ وَنَهَيْتُ عَنْ أَشْيَاءَ إِنَّهَا لِمَثْلُ
стр. 1290
القُرْآنِ أَوْ أَكْثَرُ، وَأَنَّ الله تَعَالَى لَمْ يُحِلَّ لَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ أَهْلِ الكِتَابِ إِلاَّ بِإِذْنٍ، وَلاَ ضَرْبَ نِسَائِهِمْ وَلاَ أَكْلَ ثِمَارِهِمْ إِذَا أَعْطُوا الَّذِي عَلَيْهِمْ". أخرجه أبو داود (١). [ضعيف]
قوله: "في حديث العرباض مارد" المارد (٢) من الرجال العاتي الشديد، قوله: "منكراً" (٣) اسم فاعل من أنكر (٤)، أي: منكراً للإسلام و [النبوة (٥)].
قوله: "لكم أن تذبحوا حمرنا" كذا في "الجامع الكبير" (٦) والذي في "سنن أبي داود" (٧): "ألكم" بزيادة همزة الاستفهام.
وقوله: "ثمرنا" ضبط بمثلثة ومثناة فوقية، وهما روايتان في "السنن".
قوله: "فغضب رسول الله ﷺ "، كان غضبه أنهم فعلوا ذلك بغير إذنه ﷺ .
قوله: "أخرجه أبو داود".
قلت: قال المنذري (٨): في إسناده أشعث بن [شعبة (٩)] المصّيصي وفيه مقال. انتهى.
وفي "التقريب" (١٠): أنه مقبول ولم يقدح فيه بشيء.
стр. 1291
وفي "الميزان" (١): أشعث بن [شعبة (٢)] عن أرطأة بن المنذر وجماعة، قال أبو زرعة: لين، وقوّاه ابن حبّان. انتهى. فكأن المنذري (٣) أشار إلى كلام أبي زرعة.
٨ - وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ جُهَيْنَةَ: أَنَّ رَسُولُ الله ﷺ قَالَ: "لَعَلَّكُمْ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا فَتَظْهَرُونَ عَلَيْهِمْ فَيَتَّقُوَنكُمْ بِأَمْوَالهِمْ دُونَ أَنْفُسِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ، فَيُصَالِحُونَكُمْ عَلَى صُلْحٍ، فَلاَ تُصِيبُوا مِنْهُمْ فَوْقَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لاَ يَصْلُحُ لَكُمْ". أخرجه أبو داود (٤). [ضعيف]
قوله: "وعن رجل من جهينة" لفظ أبي داود (٥): عن رجل من ثقيف عن رجل من جهينة.
قوله: "وذراريهم".
قلت: لفظ "السنن" "وأبناءهم".
قوله: "فإنه لا يصلح لكم" أي: لا [٤٧ ب] يحل بعد الصلح أخذ شيء منهم، فقد حقنوا دمائهم وأحرزوا أموالهم بالصلح فلا يحل نقضه.
قوله: "أخرجه أبو داود" قال المنذري (٦): في إسناده رجل مجهول. انتهى.
قلت: هو الذي من ثقيف، وأمّا الذي من جهينة فإنه وإن كان مجهولاً لكنه صحابي، وجهالة عينه لا تضر كما عرف في "علوم الحديث" (٧).
قوله: "في حديث أبي هريرة: إلا صلحاً حرَّم حلالاً أو حلَّلَ حراماً".
قال الأئمة: الصلح يجري مجرى المعاوضات، ولذلك لا يجوز إلا فيما أوجب المال، ولا يجوز في دعوى القذف أو دعوى الزوجية ولا في مجهول.
ولا يجوز أن يصالح من دين هو عليه على حال نسيئة؛ لأنه يكون من بيع الكالئ بالكالئ، ولا يجوز الصلح على قول مالك (١) على الإقرار، ولا يجوز [١٥٤/ أ] على قول الشافعي (٢) على الإنكار، وجوّزه أصحاب الرأي (٣) على الإقرار والإنكار معاً.
ونوع آخر من الصلح وهو: أن يصالحه من مال على بعضه نقداً، وهذا من باب الحط والإبراء، وإن كان يسمى صلحاً، قاله الخطابي (٤).
стр. 1294
قوله: "والمسلمون على شروطهم" هذا في الشروط الجائزة في حق الدين دون الشروط الفاسدة، وهو مما دخل في قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١).
قوله: "أخرجه أبو داود والترمذي" زاد في "الجامع" (٢) إلا أن أبا داود انتهت روايته عند قوله: "شروطهم" انتهى.
قلت: وقال (٣) الترمذي حسن صحيح.
١٠ - وَعَنْ ابْنَ المُسَيَّبِ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ لِيَهُودِ خَيْبَرَ: "أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ الله تَعَالَى عَلَى أَنَّ التَّمْرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ"، وَكَانَ ﷺ يَبْعَثُ عَبْدَ الله بْنَ رَوَاحَةَ فَيَخْرُصُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، ثُمَّ يَقُولُ: إِنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَلِي فَكَانُوا يَأْخُذُونهَ. أخرجه مالك (٤). [صحيح لغيره]
قوله: "ابن المسيب" هو منقطع ولكنه ثابت من طرق مرفوعة صحيحة.
قوله: "أقركم ما أقركم الله تعالى" [٤٨ ب] قال ابن عبد البر (٥): ليس فيه دليل على أن المساقاة إلى أجل مجهول أو إلى غير أجل جائزة؛ لأن قوله: "ما أقركم الله" فيه دليل على أن ذلك مخصوص به؛ لأنه كان ينتظر القضاء في ذلك من ربه، وليس كذلك غيره، وقد أحكمت الشريعة معاني الإجارات وسائر المعاملات، وجمهور (٦) علماء المدينة وغيرها لا تجوز عندهم المساقاة إلا إلى سنين معلومة.
الرسغ من اليد أو الرجل، فيكون منقلب الكف إلى القدم إلى ما يلي الإبهام، وذلك الموضع هو الفدعة.
قوله: "رئيسهم" في "الجامع" (١): أحد بني الحقيق.
قوله: "أتراه سقط على قول رسول الله ﷺ .. إلى قوله: ثم يوماً".
في "الجامع" (٢): أنه أجاب رئيسهم المذكور على عمر بقوله: كان ذلك هزيلة من محمد وهي تصغير هزلة وهي المرة الواحدة من الهزل ضد الجد.
وفي "الاستذكار" (٣) لابن عبد البر: أن عمر أخبر أن رَسُولَ الله ﷺ قال في وجعه الذي مات فيه: "لا يجتمعن دينان بأرض الحجاز" (٤) ففحص عنه حتى [٤٩ ب] وجد النص عليه، فقال: من كان عنده عهد من رسول الله ﷺ فليأت به، وإلا فإني مجليكم فأجلاهم.
قوله (٥): فأجلاهم، الإجلاء: الإخراج من الوطن كرهاً.
стр. 1297
وقوله: "قلوصك" (١) بالقاف وصاد مهملة الناقة الشابة (٢)، وقيل القوية على السير ولا يسمى (٣) الذكر قلوصاً.
١٢ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ قَتَلَ مُعَاهِدًا مُتْعَهِّدَاً فِي غَيْرِ كُنْهِهِ حَرَّمَ الله تَعَالَى عَلَيْهِ الجَنَّةَ". أخرجه أبو داود (٤) والنسائي (٥). [صحيح]
قوله: "في غير كنهه" (٦): أي: في غير وقته أو حاله الذي يجوز فيه قتله.
١٣ - وَعَنْ صَفْوَانَ بْنَ سُلَيْمٍ، عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَبْنَاءِ الصَّحَابَةِ عَنْ آبَائِهِمْ ﵃: أَنَّ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: "مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا، أَوِ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ [نَفْسٍ] (٧) فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ". أخرجه أبو داود (٨). [حسن]
قوله: "في حديث صفوان بن سليم: أخرجه أبو داود" ولفظ أبي داود: أن صفوان بن سليم أخبره عن عدة من أبناء أصحاب رَسُولَ الله ﷺ عن آبائهم دنيةٌ .. وساق الحديث، قال عليه الحافظ المنذري (٩): فيه أيضاً مجهولون. انتهى.
стр. 1298
وقوله: "دنية" بكسر الدال المهملة فنون ساكنة أي: الأقرب منهم.
قوله: "معاهداً" المعاهد الذي بينك وبينه عهد وأمان.
قوله: "حجيجه" (١) الحجيج: فعيل من المحاجة، المغالبة وإظهار الحجة.
١٤ - وَعَنْ أُمِّ هَانِئٍ ﵂ قَالَتْ: أَجَرْتُ رَجُليْنِ مِنْ أَحْمَائِي، فَقَالَ ﷺ : قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ. أخرجه الستة (٢) إلا النسائي.
قوله: "في حديث أم هانئ: رجلين" هما الحارث بن هشام وزهير بن أبي أمية المخزوميان، وفيه جواز إجارة (٣) المرأة المسلمة، وفي الحديث قصة في كتب السيرة (٤).
قوله: "أخرجه الستة إلا النسائي".
قلت: في "الجامع" (٥) أن لفظ الشيخين (٦) و"الموطأ" (٧): أنها قالت: يا رسول الله! قد أجرتُ فلان بن هبيرة، فقال ﷺ : "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ".
ولفظ الترمذي (٨): "قد أجرت رجلين من أحمائي" .. الحديث.
стр. 1299
وفي رواية أبي داود (١): "أجارت رجلاً من المشركين وذكرت له ﷺ ذلك فقال: "قد أجرنا من أجرت وأمّنا [٥٠ ب] من أمّنت".
١٥ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَا خَتَرَ قَوْمٌ بِالعَهْدِ إِلَّا سَلّطَ الله تَعَالَى عَلَيْهِمْ العَدُوَّ. أخرجه مالك (٢) بلاغاً. [موقوف صحيح]
"الختر" (٣) الغدر.
[قوله (٤)]
الفصل الثاني: في الجزية وأحكامها
واعلم أن الحكمة في وضع الجزية: أن الذي يلحقهم من الذل سببها يحملهم على الدخول في الإسلام مع ما في مخالطة المسلمين من الإطلاع على محاسن الإسلام.
١ - عَنْ مُعَاذٍ بْنِ جَبَلٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ لمَّا وَجَّهَهُ إِلَى اليَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عِدْلَهُ مِنَ المَعَافِرِ، ثِيَابٌ تَكُونُ بِاليَمَنِ. أخرجه بو داود (٥). [صحيح]
قوله: "على كل حالم" فيه دليل على أن الجزية إنما تجب على (٦) الذكر منهم دون الإناث والصبيان والمجانين، وفيه بيان أن الدينار مقبول من جماعتهم أغنيائهم وأوساطهم في ذلك سواء، وإلى ذلك ذهب الشافعي (٧).
стр. 1300
قوله: "المعافري" (١) هي برود منسوبة إلى معافر وهي قبيلة باليمن.
٢ - وَعَنْ جَعْفَر بْنٍ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبَيْهِ: أَنَّ عُمَرَ بْن الخَطَّابِ ﵁ ذَكَرَ المَجُوسَ فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا أَصْنَعُ فِي أَمْرِهِمْ؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولَ الله ﷺ يَقُوْلُ: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ" (٢). [ضعيف]
قوله: "وعن جعفر بن محمد عن أبيه" أي: محمد بن علي بن الحسين المعروف بالباقر.
قوله: "أن عمر بن الخطاب" هذا منقطع، فإن محمد الباقر لم يدرك عمر.
قوله: "أشهد لسمعته من رسول الله ﷺ ... إلى آخره" في امتناع عمر من أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عنده عبد الرحمن، دليل على أنّ رأي الصحابة أن الجزية لا تؤخذ من كل مشرك، بل لا تؤخذ (٣) إلا من أهل الكتاب.
واختلفوا هل المجوس [١٥٥/ أ] أهل كتاب أم لا؟ فروي (٤) عن علي ﵇ أنه قال: كان لهم كتاب يدرسونه فأصبحوا وقد أسري على كتابهم، فرفع من بين أظهرهم واتفقوا (٥) على تحريم ذبائح المجوس ومناكحتهم بخلاف [٥١ ب] أهل الكتابين.