← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14309

التحبير لإيضاح معاني التيسير

الصنعاني

Полный текст (5 029 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

قوله: "بالزاي والفاء" (١) تحمل وزناً ومعنى في "غريب الجامع" (٢) زفر الحمل يزفره إذا حمله فقول المصنف: أي تخطيها، لم نجده (٣) في غيره. الفصل الرابع: في الشهداء • جمع شهيد. ١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ؟ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله؟! مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ الله فَهُوَ شَهِيدٌ, قَالَ: "إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًا لَقَلِيلٌ"، قَالُوا: فَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ الله؟! قَالَ: "مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ الله فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ الله فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي البَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَالغَرِيقُ شَهِيدٌ". أخرجه مسلم (٤) ومالك (٥) والترمذي (٦) [صحيح] قوله (٧): "والمطعون الذي مات به" (٨):

стр. 1367

وقد فسّره ﷺ بقوله: "هو غدة كغدة البعير يخرج في المراق" (١) وسمي طاعوناً لسرعة قتله. قوله: "والمبطون" هو الذي يموت بعلة البطن كالاستسقاء (٢) والنفاخ والإسهال وقيل: الذي يشتكي بطنه ويموت بدائه. وقوله: "الحرق" أي: المحترق. وقوله: "الغرق" أي: الغريق، وهما اللذان يموتان بالنار والماء. ٢ - وفي رواية مالك (٣) والترمذي (٤): قَالَ النَّبيُّ ﷺ : الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ، وَزَادَ: "وَصَاحِبُ الهَدْمِ شَهِيدٌ". [صحيح] وفي رواية عن جابر (٥): "وَالمَرْأَةُ تموْتُ بِجَمْعٍ". [صحيح] وفي رواية أخرى (٦) صحيحة عن ابن عمرو بن العاص: "ومنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيْدٌ". [صحيح] يُقَالُ: "مَاتَتْ المَرْأةُ بجُمْعٍ" إذا ماتت وولدها في بطنها. قوله: "تموت بجمع" بالضم بمعنى المجموع كالذخر بمعنى المذخور، وكسر الكسائي (٧) الجيم، والمعنى أنها ماتت مع شيء مجموع فيها غير منفصل عنها من حمل أو بكارة،

стр. 1368

قاله في "التوشيح" والمصنف اقتصر على الأول، وذكر ابن الأثير (١) المعنيين. واعلم أنه قد ورد في الأحاديث ذكر غير من ذكر، انتهوا إلى أربعين شهيد قد نظمناهم وذكرنا النظم [٨٨ ب] في جمع الشتيت شرح (٢) أبيات التثبيت. ٣ - وَعَنْ أُمِّ حِزَامٍ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "المَائِدُ فِي البَحْرِ الَّذِي يُصِيبُهُ القَيْءُ لَه أَجْرُ شَهِيدٍ، وَالغَرِقُ لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ". أخرجه أبو داود (٣). قوله: "في حديث أم حزام المائد (٤) في البحر" أي: الذي (٥) براسه من اضطراب السفينة بالأمواج، وظاهر الحديث إنالة الأجر بالميد وهو الميل وعد بالقيء أجر شهيد وإن لم يمت منه. قوله: "أخرجه أبو داود" قال المنذري (٦): في إسناده هلال بن ميمون الرملي (٧)، قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم الرازي: ليس بقوي يكتب حديثه. ٤ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ الله ﷺ يَقُوْلُ: "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ".

стр. 1369

أخرجه أصحاب "السنن" (١). [صحيح] ٥ - وَعَنْ أَبِي سَلاَّمٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ قَالَ: أَغَرْنَا عَلَى حَيٍّ مِنْ جُهَيْنَةَ فَطَلَبَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ رَجُلاً مِنْهُمْ فَضَرَبَهُ فَأَخْطَأَهُ فَأَصَابَ نَفْسَهُ فَقَالَ ﷺ : "أَخُوكُمْ يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ"، فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ فَوَجَدُوهُ قَدْ مَاتَ، فَكَفَّنهُ رَسُولُ الله ﷺ بِثِيَابِهِ وَدِمَائِهِ وَصَلَّى عَلَيْهِ وَدَفَنَهُ فَقَالُوا: أَشَهِيدٌ يَا رَسُولَ الله؟ فَقَالَ: "نَعَمْ، وَأَنَا لَهُ شَهِيدٌ". أخرجه أبو داود (٢). [ضعيف] قوله: "في حديث أبي سلام أخرجه أبو داود". قال المنذري (٣): [وأخرجه مسلم بأتم منه والنسائي] (٤). ٦ - وَعَنِ العِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "يَخْتَصِمُ الشُّهَدَاءُ وَالمُتَوَفَّوْنَ عَلَى فُرُشِهِمْ إِلَى رَبِّنَا فِي الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنَ الطَّاعُونِ فَيَقُولُ الشُّهَدَاءُ: إِخْوَانُنَا قُتِلُوا كَمَا قُتِلْنَا، وَيَقُوُل المُتَوَفَّوْنَ عَلَى فُرُشِهِمْ إِخْوَانُنَا مَاتُوا كَما مُتْنَا فَيَقُوُلُ رَبُّنَا: انْظُرُوا إِلَى جِرَاحِهِمْ، فَإِنْ

стр. 1370

أَشْبَهَت جِرَاحَ المَقْتُولِينَ فَإِنَّهُمْ مِنْهُمْ وَمَعَهُمْ، فَإِذَا جِرَاحُهُمْ قَدْ أشْبَهَتْ جِرَاحَهُمْ". أخرجه النسائي (١). [صحيح] ٧ - وعن ابن عمر ﵄: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁: غُسِّلَ وَكُفِّنَ وَصُلِّى عَلَيْهِ وَكَانَ شَهِيْدَاً. أخرجه مالك (٢). [موقوف صحيح] (٣) كتاب الجدال والمراء في "الجامع" (٤): الجدال والمراء: المخاصمة والمحاجة وطلب المغالبة، وفي غيره (٥): الجدال التشدد في الخصومة من الجدل وهو القتل. وفي البغوي (٦): وهو شدة القتل وهو يريد قتل خصمه عن مذهبه بطريق الحجاج وقيل: الجدال من الجدالة وهي الأرض، فكل واحد من الخصمين يريد قهر صاحبه وصرعه على الجدالة. وفي "النهاية" (٧): الجدال مغالبة الحجة بالحجة والمجادلة المناظرة والمخاصمة، والمراد به في الحديث - أي: الذي فيه ذمه - الجدال على الباطل وطلب المغالبة لا إظهار الحق فإن ذلك محمود لقوله: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٨).

стр. 1371

١ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلاَّ أُوتُوا الجَدَلَ". ثُمَّ تَلاَ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ (١). أخرجه الترمذي (٢) وصححه. [حسن] ٢ - وعنه ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ تَرَكَ المِرَاءَ وَهُوَ مُبْطِلٌ بُنيَ لَهُ فِي رَبَضِ الجَنَّةِ، وَمَنْ تَرَكَهُ وَهُوَ مُحِقٌّ بُنِيَ لَهُ فِي وَسَطِهَا، وَمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ بُنيَ لَهُ فِي أَعْلاَهَا". أخرجه الترمذي (٣) [حسن] "رَبَضُ الجَنَّةِ" (٤) مشبه بِرَبَضِ المدينة، وهو ما حولها من العمارة. ٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "المِرَاءُ فِي القُرْآنِ كُفْرٌ". أخرجه أبو داود (٥).

стр. 1372

قوله: "في حديث أبي هريرة المراء في [٨٩ ب] القرآن كفر" قال الخطابي (١): قيل المراد بالمراء الشك [فيه (٢)]، وقيل: الجدال المشكك فيه، وقيل: هو الجدال الذي يفعله أهل الأهواء في باب القدر ونحوه. ٤ - وعن عائشة ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "إَنَّ أبْغَضُ الرِّجَالُ إِلَى الله تَعَالَى "الأَلَدُّ الخَصِمُ". أخرجه الخمسة (٣) إلا أبا داود. [صحيح]. "الأَلَدُّ" الشديد الخصومة. "والخَصِمُ" الذي يخْصمُ إِخوانه ويُحَاجُّهم. قوله: "في حديث عائشة الألد الخصم" الألد (٤) مأخوذ من لديدي العنق وهما صفحتاه، وتأويله أن خصمه في أي وجه آخذ من أبواب الخصومة من يمين أو شمال غلبه في ذلك. ٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ وَنَحْنُ نَتَنَازَعُ فِي القَدَرِ فَغَضِبَ حَتَّى كَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْهِهِ حَبُّ الرُّمَّانُ مِنْ حُمْرَةِ الغَضَبِ فَقَالَ: "أَبِهَذَا أُمِرْتُمْ؟ أَمْ بِهَذَا أُرْسِلْتُ إِلَيْكُمْ؟ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ كَثْرَةُ التَّنَازُعِ فِي أَمْرِ دِيْنِهْم وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِم. زاد في رواية: "عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ أَلَّا تنَازَعُوا فِيه". أخرجه الترمذي (٥). [حسن]. قوله: "فغضب" إنما غضب ﷺ [لأن (٦)] القدر (٧) سر من أسرار الله وطلب سر الله منهي عنه.

стр. 1373

قوله: "عزمت عليكم" يعني: أقسمت عليكم. قوله: "أخرجه الترمذي". قلت: وقال (١): وفي الباب عن عمر وعائشة وأنس وقال: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث صالح المري، وصالح المري له غرائب يتفرد بها. انتهى. قلت: وفي "تقريب التهذيب" (٢) صالح بن بشير بن وادع المُرَّي، بضم الميم وتشديد الراء، أبو بشر القاضي الزاهد ضعيف. انتهى. [١٦٧/ أ].

стр. 1374

٦ - وَعَنْ ابْنِ المُسَيَّبِ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ الله ﷺ جَالِسٌ فِي أَصْحَابه ﵃ وَقَعَ رَجُلٌ بِأَبِي بَكْرٍ ﵁ فَآذَاهُ فَصَمَتَ عنه أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ آذَاهُ الثَّانِيَةَ فَصَمَتَ عَنْهُ, ثُمَّ آذَاهُ الثَّالِثَةَ فَانْتَصَرَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَقَامَ رَسولُ الله ﷺ فَقَالَ أبُو بَكْرٍ: أَوَجَدْتَ عَلَيَّ يَا رَسولَ الله؟ قَالَ: "لا، وَلَكِنْ نَزَلَ مَلكٌ مِنَ السَّمَاءِ يُكَذِّبُهُ بِمَا قَالَ لَكَ، [فَلمَّا انْتَصَرْتَ ذهبَ المَلَكُ وَقَعَدَ الشَّيْطَانُ فَلَمْ أَكُنْ لأَجْلِسَ إِذا قَعَدَ] (١) الشَّيْطَانُ". أخرجه أبو داود (٢). [حسن لغيره]. قوله: "إذا قعد الشيطان [٩٠ ب] " وفيه أنه قد أذن الله في الانتصار: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾ (٣)، وكأنه ﷺ أحبّ للصديق الصبر والمغفرة لقوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ (٤). قوله: "أخرجه أبو داود". قلت: أخرجه مرسلاً (٥) فإنه قال: عن سعيد، بن المسيب قال: بينما رسول الله ﷺ ... الحديث، ثم أخرجه (٦) بأخصر منه من حديث أبي هريرة لكن قال المنذري (٧): في إسناده - أي: حديث أبي هريرة - محمد بن عجلان وفيه مقال، قال: وذكر البخاري في "تاريخه" (٨) المرسل وبعده "المسند" وقال: الأول أصح. انتهى.

стр. 1375

٧ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسِ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: لَا تُمَار أَخَاكَ فَإِنَّ المِرَاءَ لَا تُفْهَمُ حِكْمَتُهُ، وَلَا تُؤْمَنُ غَائِلَتُهُ، وَلَا تَعِدْ وَعَداً فَتُخْلِفهُ (١). أخرجه رزين. [ضعيف]

стр. 1376

[حرف الحاء وفيه ستة كتب الحج والعمرة، الحدود، الحضانة، الحسد، الحرص، الحياء كتاب الحج والعمرة الباب الأول: في فضائلهما (١)] حرف الحاء [قوله (٢)]: "كتاب الحج" الحج لغة (٣) [القصد (٤)] إلى أي شيء، فخصّه الشرع بقصد معيّن ذي شروط معلومة، وفيه لغتان "الفتح" والكسر، وقيل: "الفتح" المصدر، والكسر الاسم والحجة بالفتح للمرة الواحدة على القياس، وقال الجوهري (٥): الحجة بالكسر المرة الواحدة وهو من الشواذ وذو الحجة: بالكسر شهر الحج والحجيج الحجاج. ١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! نَرَى الجِهَادَ أَفْضَلَ الأَعْمَالِ أَفَلاَ نُجَاهِدُ؟ قَالَ: "لكِنَّ أَفْضَلَ الجِهَادِ وَأَجْمَلَهُ حَجٌّ مَبْرُورٌ [ثُمَّ لُزُومُ الحُصْر، قَالَتْ: فَلَا أَدعُ الحَجَّ بَعْدَ إِذَ سَمِعْتُ هَذَا] ". أخرجه البخاري (٦) [صحيح]

стр. 1377

إلا قوله: "ثُمَّ لُزُومُ الُحصْرِ" والنسائي (١) بطوله. [بإسناد حسن]. قوله: [٩١ ب] "في حديث عائشة" لكن يروى بلفظ خطاب النسوة وبالاستدراك أكثر ولأنه يشتمل على فضل الحج وعلى جواب سؤالها عن الجهاد وسماه جهاداً لما فيه من المشقة. قوله: "ثم لزوم الحُصْر" هو كناية عن البقاء في البيوت وعدم السفر للحج. وفي رواية (٢) أنه ﷺ قال لأزواجه هذه "ثم لزوم الحُصْر" والإشارة إلى حجتهن معه ﷺ ، وقد كان عمر يتوقف أولاً في الإذن لأزواجه ﷺ في الخروج للحج اعتماداً على قوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنّ﴾ (٣)، وكان يرى تحريم السفر عليهن ثم ظهر له الجواز، فأذن لهن في آخر

стр. 1378

خلافته، ثم كان يحج بهن في خلافته فوقف بعضهن عند ظاهر الآية وهي زينب وسودة وقالتا (١): لا تحركنا دابة بعد رسول الله ﷺ . قوله: "مبرور" قال ابن خالويه (٢): مقبول، وقال غيره (٣): الذي لا يخالطه شيء من المآثم ورجّحه النووي (٤)، وقال القرطبي (٥): الأقوال في تفسيره متقاربة المعنى، وحاصلها أنه الحج الذي وفيت أحكامه ووقع موقعاً كما طلب من المكلف على الوجه الأكمل، وقد أخرج أحمد (٦) والحاكم (٧) من حديث جابر سألنا رسول الله ما بر الحج؟ قال: "إطعام الطعام، وإفشاء السلام" قال الحافظ (٨): وفي إسناده ضعف، فلو ثبت لكان هو المتعين دون غيره. ٢ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلاَّ لَبَّى مَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ حَتَّى تَنْقَطِعَ الأَرْضُ مِنْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا". أخرجه الترمذي (٩). [صحيح].

стр. 1379

قوله: "في حديث سهل بن سعد أخرجه الترمذي". قلت: وسكت عليه. ٣ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "تَابِعُوْا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ فَإنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيْد". أخرجه النسائي (١). [صحيح]. قوله: "في حديث ابن عباس أخرجه النسائي". قلت: [٩٢ ب] وأخرجه الترمذي (٢) بلفظه وزاد بعد قوله: خبث الحديد "والذهب والفضة وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة"، أخرجه [عن] (٣) ابن مسعود وقال (٤): حسن صحيح، غريب من حديث عبد الله بن مسعود. ٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الجَنَّةُ". أخرجه الستة (٥) إلا أبا داود. [صحيح].

стр. 1380

٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ طَافَ بِالبَيْتِ خَمْسِينَ مَرَّةً خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ". أخرجه الترمذي (١). والمراد بذلك بذلك خمسون طوافاً كاملاً دون الأشواط. [ضعيف]. قوله: "في حديث ابن عباس خمسون طوافاً كاملاً" أي: ولو مفرقة في جميع عمره. قوله: "دون الأشواط" إشارة إلى ما حكى المحب الطبري: أنّ المراد بالمرة الشوط دورة وقال المراد: خمسون أسبوعاً وقد روي كذلك في رواية الطبراني في "الأوسط" (٢) قال: وليس المراد أن يأتي بها متوالية في آن واحد بل المراد أن توجد في صحائف حسناته ولو في جميع عمره. قوله: "أخرجه الترمذي". قلت: وقال (٣): وفي الباب عن أنس وابن عمر، قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث غريب سألت محمداً عن هذا الحديث فقال: إنما يروى هذا الحديث عن ابن عباس. ٦ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قال رَسُولَ الله ﷺ : "مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ مِنَ المَسْجِدِ الأَقْصَى إِلَى المَسْجِدِ الحَرَامِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ أَوْ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ"، شك الراوي أيتهما قال. أخرجه أبو داود (٤). [ضعيف]. قوله: "في حديث أم سلمة أخرجه أبو داود" وأخرجه البيهقي في "الشعب" (٥) ولفظه: "من أهل بالحج والعمرة" وقال فيه: "غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ووجبت له الجنة". وكذا رواه ابن ماجه (٦) بإسناد صحيح: "من أهل بعمرة من بيت المقدس غفر له".

стр. 1381

ورواه البخاري في "تاريخه الكبير" (١) ولم يذكر فيه: "وما تأخر" وقال في بعض (٢) رواته لا يتابع في هذا الحديث؛ لأنه ﷺ وقت المواقيت وأهلّ من [٩٣ ب] ذي الحليفة. قلت: هذا الإهلال من بيت المقدس لا ينافي توقيت المواقيت؛ لأنه أمر خاص بفضل خاص. ٧ - وَعَنْ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولُ الله ﷺ قَالَ لِامْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالَ لَهَا أُمِّ سِنَانٍ: "مَا مَنَعَكِ أَنْ تَحُجِّي مَعَنَا؟ "، قَالَتْ: نَاضِحَانِ كَانَا لَأَبِي فُلَانٍ "زَوْجِهَا" حَجَّ هُوَ وَابْنُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَكَانَ الآَخَرُ يَسْقِي أَرْضَاً لَنَا. قَالَ: "فَعُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً، أَوْ حَجَّةً مَعِي: فَإِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فَاعْتَمِرِي فَإِنَّ عُمْرَةً فِيهِ تَعْدِلُ حَجَّةً". أخرجه الشيخان (٣) إلى قوله: معي والنسائي بتمامه (٤). [صحيح]. "النَّاضِحُ" البعير الذي يسقى عليه. قوله: "في حديث [ابن عباس (٥)] لامرأة من الأنصار يقال لها أم سنان" ومثلها اتفق لأم سليم ومثلها لأم معقل كما في "الفتح" (٦). قوله: " [في حديث ابن عباس (٧)] ناضحان" بمعجمة فمهملة.

стр. 1382

في "المحكم" (١) [(٢)] الناضح: البعير أو الثور أو الحمار الذي يسقى عليه الماء، والأنثى بالهاء [لكن المراد هنا البعير] (٣). قوله: "أن تكوني حججت معنا" الظاهر أنّ المراد حججت حجة الإسلام؛ لأنه من المعلوم أنه لا حج يفرض قبل حجه ﷺ ، إما؛ لأنه ما فرض الحج إلا في العاشرة، أو لأنه لم يتم زمن الحج وصحة الوقوف إلا في حجته ﷺ ؛ لأن فيها استدار الدهر ورجع كل شهر إلى زمنه كما يأتي من قوله [قد (٤)] استدار الزمان". الحديث. وأبو بكر وعلي وأبو هريرة ﵃ الذين أرسلهم ﷺ إلى مكة في التاسعة لم يحجوا حجة الفرض كما يأتي. قوله: "تقضي حجة أو حجة معي" كأنه شك من الراوي، وفي "الفتح" (٥): قال ابن خزيمة في هذا الحديث: إن الشيء يشبه بالشيء ويجعل عدله إذا شابهه في بعض المعاني لا في جميعها؛ لأن العمرة لا يقضى بها فرض الحج ولا النذر. انتهى. قال ابن حجر (٦) بعد نقل كلامه: والظاهر أنه ﷺ أعلمها أن العمرة في رمضان تقوم مقام الحج في الثواب، لا أنها تقوم مقامها في إسقاط الفرض للإجماع على أنّ الاعتمار [٩٤ ب] لا يجزي عن حج الفرض. انتهى. وقال ابن الجوزي (٧): إن ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت كما يزيد بحضور القلب وبخلوص القصد.

стр. 1383

٨ - وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَتْ: إِنِّي كُنْتُ تَجَهَّزْتُ لِلْحَجِّ فَاعْتَرَضَ لِي، فَقَالَ: "اعْتَمِرِي فِي رَمَضَانَ فَإِنَّ عُمْرَةً فِيهِ كَحِجَّةٍ". أخرجه مالك (١) وأبو داود (٢). [صحيح] قوله: "في حديث أبي بكر بن عبد الرحمن جاءت امرأة" قيل: هي أم سنان المذكورة أولاً وقيل: أم معقل وقيل: أم سليم. قوله: "فاعترض لي" أي: حصل لي عارض منعني، قيل: إنه مرض حملها. ٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمْلَاً يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إِلَى الله مِنْ إِهْرَاقِ الدِّمَاءَ إِنَّهَا لتأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلاَفِهَا، وإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ الله تَعَالَى بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ فِي الأَرْضِ فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا". أخرجه الترمذي (٣). [ضعيف]. وزاد رزين: وإِنَّ لِصَاحِبِ الأضحِيَةِ بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةً. قوله: "في حديث عائشة: ما عمل ابن آدم عملاً .. إلى آخره" هذا يأتي في باب الضحايا وليس هذا مكانه.

стр. 1384

١٠ - وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيق ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُولَ الله ﷺ : أَيُّ الحَجِّ أَفْضَلُ؟ قَالَ: العَجُّ وَالثَّجُّ. أخرجه الترمذي (١). [صحيح]. "العَجُّ" (٢) رفع الصوت بالتلبية. "وَالثَّجُّ" (٣) إراقة دماء الهدي والضحايا. قوله: "في حديث أبي بكر العج والثج أخرجه الترمذي". قلت: ثم قال: قال أبو عيسى (٤): حديث أبي بكر حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي فديك عن الضحاك بن عثمان [١٦٩/ أ] ومحمد بن المنكدر لم يسمع من عبد الرحمن بن يربوع. انتهى. وعبد الرحمن بن يربوع هو راويه عن أبي بكر ثم له طريقاً أخرى وطعن فيها. ١١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رَسُولَ الله ﷺ : "جَهَادُ الصَّغِير وَالكَبِيْرِ وَالضَّعِيفِ والمَرْأَةِ: الحَجُّ والعُمْرَةُ". أخرجه النسائي (٥). [حسن].

стр. 1385

[الفصل الثاني]: (١) في وجوب الحج ١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا". فَقَالَ رَجُلٌ: أَفِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ الله؟! فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلاَثاً، ثُمَّ قَالَ: ذَرُونِي مَا تَرَكْتكُمْ، لَوْ قلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلمَا اسْتَطَعْتُمْ، إِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَثْرَةِ سُؤَالهِمْ وَاخْتِلاَفِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ". أخرجه مسلم (٢) والنسائي (٣). [صحيح]. قوله: "في حديث أبي هريرة فقال رجل ... إلى آخره" في "شرح مسلم" (٤) أنه الأقرع بن حابس قال (٥): واختلف الأصوليون (٦) هل الأمر يقتضي التكرار؟ والصحيح عند أصحابنا (٧) لا يقتضيه، والثالث يوقف ما زاد على مرة على البيان فلا يحكم [٩٥ ب] [بالقضاء به ولا منعه] (٨).

стр. 1386

وهذا الحديث قد يستدل به من يقول بالتوقف؛ لأنه سأل فقال: أكلّ عام؟ [ولو (١)] كان [مطلقاً لا يقتضي التكرار ولا عدمه (٢)]، [لم يسأل ولقال له النبي ﷺ (٣)] لا حاجة إلى السؤال، بل مطلقه محمول على كذا، وقد [تحقق الآخرون (٤)] عنه بأنه سأل استظهاراً واحتياطاً. وقوله: "ذروني ما تركتم" ظاهر (٥) في أنه لا يقتضي التكرار، وفيه دليل على أنّ الأصل عدم الوجوب، وأنه لا حكم قبل ورود الشرع، وهذا هو الصحيح عند محققي الأصوليين لقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ (٦) انتهى. قلت: وفيه بحث معروف في الأصول (٧). قوله: "فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" هذا [من] (٨) قواعد الإسلام المهمة ومن جوامع الكلم التي أعطاها رسوله ﷺ ، فدخل فيها ما لا يحصى من الأحكام كالصلاة بأنواعها فإن عجز عن بعض أركانها أو عن بعض شرائطها أتى بالباقي. وإن عجز عن غسل بعض أعضاء الوضوء أو الغسل غسل الممكن وغير ذلك في كل باب من أبواب الواجبات.

стр. 1387

والحديث مأخوذ من قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١)، وهي مبينة لقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (٢)، ومفسّرة بأنّ حق تقاته هو المستطاع لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ (٣) ﴿إلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٤)، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٥). ٢ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ الله الحَرَام وَلَمْ يَحُجَّ فَلاَ عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُوديًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا وَذَلِكَ أَنَّ الله تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٦) الآية". أخرجه الترمذي (٧). [ضعيف جداً] قوله: "في حديث علي ﵇ أخرجه الترمذي". قلت: [و (٨)] قال (٩) هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده مقال، وهلال بن عبد الله (١٠) مجهول، والحارث [٩٦ ب] يضعف في الحديث. انتهى.

стр. 1388

هذا وعدّ هذا الحديث ابن الجوزي في "الموضوعات" (١) فقال القاضي عز الدين بن جماعة (٢): لا التفات إلى قول ابن الجوزي وكيف يصفه بالوضع، وقد أخرجه الترمذي في جامعه؟ وقال: إنّ كل حديث في جامعه معمول به إلا حديثين. وقال الحافظ ابن حجر (٣): له طرق مرفوعة وموقوفة، ومرسلة، وإذا انضم بعضها إلى بعض علم أنّ له أصلاً، ونحمله على من استحل الترك قال: وتبين بذاك خطأ من ادّعى أنه موضوع. وقال العراقي: هو محمول على التحذير والتخويف، ومن ترك ذلك مع القدرة كقوله: ليس بمؤمن من فعل كذا، وليس منا من فعل كذا، ويحتمل أن يراد من استحل ذلك مع القدرة عليه. ٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ سَأَلَ رَسُولَ الله ﷺ فَقَالَ: الحَجُّ فِي كُلِّ سَنَةٍ أَوْ مَرَّةً وَاحِدةً؟ فَقَالَ: "بَلْ مَرَّةً وَاحِدَةً فَمَنْ زَادَ فَتَطَوُّعٌ" (٤). [صحيح]. قوله: "في حديث ابن عباس أخرجه أبو داود والنسائي". قلت: وقال المنذري (٥): سفيان بن حسين صاحب الزهري، وقد تكلم فيه يحيى بن معين (٦) وغيره، غير أنه قد تابعه عليه سليمان بن كثير وغيره فرووه عن الزهري كما رواه. وقد أخرج مسلم (٧) في "صحيحه" من حديث أبي هريرة ثم ساق ما قدمه "المصنف".

стр. 1389

٤ - وعنه ﵁ قال: قال رَسُولَ الله ﷺ : "لا صَرُورة في الإسلام" (١). أخرجهما أبو داود [ضعيف]. قوله: "في حديث ابن عباس لا صَرُورة في الإسلام" بالصاد المهملة وراء بعدها واو فراء، قال أبو عبيد (٢): هو في الحديث التبتل وترك النكاح أي: ليس ينبغي لأحد أن يقول لا أتزوج لأنه ليس من أخلاق المؤمنين، وهو فعل الرهبان. والصرورة (٣) أيضاً الذي لم يحج قط وهو من الصر: الحبس والمنع، وقيل أراد من قَتَل في الحرم قُتِل ولا يقبل منه أن يقول: إني صَرُورَةٌ ما حجبت [٩٧ ب] ولا عرفت حرمة الحرم كان الرجل في الجاهلية إذا أحدث حدثاً فلجأ إلى الكعبة لم يُهَجْ، فكان إذا لقيه ولي الدم في الحرم قيل له: هو صرورة فلا تَهِجْه. قوله: "أخرجهما" أي هو والذي قبله "أبو داود". قلت: تقدم ما قاله المنذري (٤) في الأول وقال (٥) في هذا: فيه عمرو بن عطاء (٦) وقد ضعّفه غير واحد من الأئمة. انتهى. قلت: وهم الحافظ المنذري فإن هذا هو عمر بن عطاء (٧) يعني ابن أبي الخوار كما قاله أبو داود، وهو بضم الخاء المعجمة وهو موثق.

стр. 1390

ولم يذكره الذهبي (١) في "الميزان" بجرح وإنما المضعف عمر بن عطاء بن ورَّاز وليس هو الراوي هنا. وفي "التقريب" (٢): عمر بن عطاء بن أبي الخوار بضم الخاء المعجمة وتخفيف الواو مكّي مولى بني عامر ثقة، ثم قال: عمر بن عطاء بن وراز بفتح الواو والراء الخفيفة آخره زاي، حجازي ضعيف، انتهى. ٥ - وَلَهُ عَنْهُ أَيْضَاً: قَالَ ﷺ : "مَنْ أَرَادَ الحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ" (٣). [حسن]. "الصَّرُورَةُ" (٤) الذي لم يحج رجلاً كان أو امرأة. قوله: "وله" أي: أبي داود. "عنه" أي: عن ابن عباس. قوله: "فليتعجل" قالوا: إنه أمر ندب، وزاد فيه الإمام أحمد (٥) وابن ماجه (٦): "ما يذمه لمرض المريض وتضل الضالة وتعرض الحاجة". انتهى. قال الحافظ: أنه أخرجه البخاري والنسائي. ٦ - وَعَنْ جَابِر ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُولَ الله ﷺ عَنِ العُمْرَةِ أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ فَقَالَ: "لَا، وَأَنْ تَعْتَمِرُوا هُوَ أَفْضَلُ (٧). [ضعيف مرفوعاً].

стр. 1391

٧ - وعن ابن عباس ﵄ قَالَ: "العُمْرَةُ وَاجِبَةٌ" (١) أخرجهما الترمذي. قوله: "أخرجهما الترمذي". قلت: بوب (٢) لهما "باب العمرة واجبة هي أم لا" ثم قال (٣) في حديث جابر: هذا حديث حسن صحيح، وهو قول بعض أهل العلم قالوا: العمرة ليست بواجبة وكان يقال هما حجّان الحج الأكبر يوم النحر، والحج الأصغر العمرة. وقال الشافعي (٤): العمرة سنة لا نعلم أحداً رخص في تركها وليس فيها شيء ثابت بأنها تطوع، قال الشافعي: وقد روي عن النبي ﷺ وهو ضعيف لا تقوم بمثله الحجة، وقد بلغنا عن ابن عباس أنه كان يوجبها. انتهى كلام الترمذي [٩٨ ب]. وأمّا قول ابن عباس: "العمرة واجبة" فلم يخرجه الترمذي إلا أن يريد بقوله هنا عن الشافعي: وبلغنا (٥) عن ابن عباس، فيحتمل وفيه تأمل.

стр. 1392

٨ - وَمِثْلِهِ عَنِ ابْنَ مَسْعُودٍ: وكان يقرأ: وأتموا الحج والعمرة إلى البيت، وكان يقول: لَوْلاَ التَّحَرُّجُ، وَأَنِّي لَمْ أَسْمَعْ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ فِي ذَلِكَ شَيْئًا لَقُلْت العُمْرَةُ وَاجِبَةٌ. أخرجه رزين. قوله: "أخرجه رزين". قلت: وبيّض له ابن الأثير، ورأيته في "الدر المنثور" (١) فقال: أنه أخرجه عبد بن حميد وابن أبي داود في المصاحف (٢). انتهى. [١٧٠/ أ]. الباب الثالث: في الميقات والإحرام [وفيه فصلان، وثلاثة فروع الفصل الأول: في الميقات (٣)] قوله: "الفصل الأول في الميقات" اعلم أنه أراد به ميقات الزمان وميقات المكان. ١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَشْهُرُ الحَجُّ شَوَّالَ وَذُو القَعْدَةِ وَعَشْرِ مِنْ ذِي الحِجَّةِ. أخرجه البخاري (٤) ترجمة. [صحيح].

стр. 1393

قوله: "وعشر من ذي الحجة" قال النووي (١): فلا يجوز الإحرام بالحج في غير هذا الزمان، وهذا مذهب الشافعي (٢) فلو أحرم بالحج في غير هذا الزمان لم ينعقد حجاً وانعقدت عمرة. انتهى. قلت: ودليله الآية: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (٣) وكما يأتي من حديث ابن عباس .. إنّ من السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج"، فهو مؤقت كتوقيت الصلوات والصوم. وأما قوله: وانعقدت عمرة، فما دليله؟ بل هذا عمل بلا نية والأعمال بالنيات، فالصواب أنه يلغو إحرامه. وظاهر كلام البخاري (٤) عدم جواز الإحرام بالحج في غير أشهره وهو مذهب إسحاق وداود وغيرهما. قال في "الفتح" (٥): ويؤيده القياس على الميقات الزماني، فقد أجمعوا أنه لا يجوز التقديم عليه، وفرّق الجمهور (٦) بين الزماني والمكاني. قلت: فمنعوه في الأولى وأجازوه في الثاني، وأجمع (٧) العلماء على أن أشهر الحج ثلاثة أولها [٩٩ ب] شوال.

стр. 1394

ولكن اختلفوا هل هي بكمالها أو شهران وينقص الثالث، الأول لمالك (١) والثاني للباقين (٢). قوله: "أخرجه البخاري في ترجمة" هكذا عبارة ابن الأثير (٣)، إلا أنه قال في ترجمة والأولى ذكره البخاري؛ لأنه لم يخرجه بل قال: وقال ابن عمر فهو مقطوع. قال الحافظ (٤): إنه وصله الطبري (٥) والدارقطني (٦) من طريق ورقاء عن عبد الله بن دينار عنه، وروى البيهقي (٧) من طريق عبد الله بن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مثله. والإسنادان صحيحان. ٢ - وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَة: أَنَّ عَبْدَ الله بْنِ الزبَيرِ ﵄: أَقَامَ بِمَكَّةَ تِسْعَ سِنِيْنُ يُهِلُّ بِالحَجِّ لهِلَالِ ذِي الحِجَّةِ، وَعُرْوَةُ مَعَهُ يَفْعَلُ ذلِكَ (٨). [موقوف صحيح]. قوله: "في حديث هشام بن عروة يهل بالحج لهلال ذي الحجة" هذا من الميقات الزماني بالنظر إلى أهل مكة، وقد ذهب الجمهور (٩) إلى أن الأفضل لهم أن يهلوا يوم التروية؛ لأنه أهل أصحابه ﷺ بأمره لما فسخوا الحج إلى العمرة يوم التروية.

стр. 1395

٣ - وَعَنْ القَاسِمِ بْنَ مَحَمَّدٌ: أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ! مَا شَأْنُ النَّاسِ يَأْتُونَ شُعْثًا وَأَنْتُمْ مُدَّهِنُونَ أَهِلُّوا إِذَا رَأَيْتُمُ الهِلاَلَ (١). أخرجهما مالك. [موقوف ضعيف] "الشَّعِثُ" (٢) البعيد العهد بِتَسْريح الشعر وغسله. قوله: "في حديث القاسم أهلوا إذا رأيتم الهلال" أي: هلال ذي الحجة فيطول إحرامهم فلا يقفون إلا شعثاً غبراً فيشابهون الآفاقيين. قوله: "أخرجه مالك" قال الحافظ ابن حجر (٣) أنه أخرجه بإسناد منقطع، قال (٤): وأخرج ابن المنذر (٥) بإسناد متصل عن عمر "أنه قال لأهل مكة: ما لكم يقدم الناس شعثاً وأنتم ملطخون طيباً، مدهنين، إذا رأيتم الهلال فأهلوا بالحج". انتهى. وهذا رأي من عمر. ٤ - وَعَنِ عَطَاءٌ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ المُجَاوِرِ مَتَى يُلَبِّي بِالحَجِّ؟ فَقَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إِذَا أَتَى مُتَمَتِّعَاً يُلَبِّي بِالحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ إِذَا صَلَّى الظُّهْرَ وَاسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ. أخرجه البخاري (٦) ترجمة. [صحيح] "يَوْمُ التّرْوِيَةِ" (٧) هو الثامن من ذ الحجة، سمي بذلك؛ لأنهم كانوا يرتوون من الماء فيه. قوله: "في حديث عطاء أخرجه البخاري ترجمة" هكذا في "الجامع" (٨)، إلا أنه قال: في ترجمة، والبخاري لم يخرجه بل ذكره مقطوعاً فقال: وسُئل عطاء.

стр. 1396

قال الحافظ ابن حجر (١): أنه وصله سعيد بن منصور من طريقه بلفظ: "رأيت ابن عمر في المسجد فقيل له: قد رؤي الهلال - "فذكر قصة فيها" - فأمسك حتى كان يوم [١٠٠ ب] التروية فأتى البطحاء، فلما استوت به راحلته أحرم". قوله: "يتروون (٢) من الماء فيه"، هذا أحد الوجوه في تسميته، وهو أقواها بفتح المثناة الفوقية وسكون الراء وكسر الواو وتخفيف التحتية، وإنما كانوا يتروون من الماء؛ لأن تلك الأماكن لم تكن فيها آبار ولا عيون، وأمّا الآن فقد كثرت جداً واستغنوا عن حمل الماء. ٥ - وعن ابن عباس ﵄ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُحْرَمَ بِالحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الحَجِّ. أخرجه البخاري (٣) ترجمة أيضاً. [صحيح]. قوله: "في حديث ابن عباس أخرجه البخاري ترجمة" أي: في ترجمة، ولكنه لم يخرجه بل ذكره مقطوعاً كغيره مما قدمنا فقال: وقال ابن عباس. قال الحافظ (٤):

стр. 1397

وصله ابن خزيمة (١) والحاكم (٢) والدارقطني (٣) من طريق الحسن عن مقسم عنه قال: "لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج، فإن سنة الحج أن يحرم بالحج في أشهر الحج، ورواه ابن جرير (٤) من وجه آخر عن ابن عباس قال: "لا يصح أن يحرم أحد بالحج إلا في أشهر الحج". انتهى. ٦ - وَعَنْ اَبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ, وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّأْمِ مِنَ الجُحْفةِ, وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ". أخرجه الستة (٥). [صحيح] ٧ - وَفِي رِوَايَة (٦): قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَذُكِرَ لِي وَلَمْ أَسْمَعْ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "وَيُهِلُّ أَهْلَ اليَمَن مِنْ يَلَمْلَمْ". [صحيح] ٨ - وفي أخرى للبخاري (٧): أَنَّ رَجُلَاً سَأَلَهُ: مِنْ أَيْنَ يَجُوزُ لِي أَنْ أَعْتَمِرَ؟ فَقَالَ: فَرَضَهَا رَسُولُ الله ﷺ : لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْناً، وَلأَهْلِ المَدِينَةِ مِنْ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّامِ الجُحْفَةِ، وَلَمْ يَزِدْ. [صحيح] قوله: "وعن ابن عمر" هذا ذكر الميقات المكاني والأول في الميقات الزماني، وذكر مسلم في "صحيحه" (٨) الثلاثة الأحاديث التي أتى بها "المصنف"، إلا أنه قدم حديث ابن عباس (٩)،

стр. 1398

قال النووي (١): قدمه؛ لأنه أكملها، فلهذا ذكره مسلم أول الباب فإنه صرح فيه بنقله المواقيت الأربعة عن رَسُولَ الله ﷺ ، ثم حديث ابن عمر (٢)؛ لأنه لم يحفظ ميقات اليمن بل بلغه [١٠١ ب] بلاغاً، ثم حديث جابر (٣)؛ لأن أبا الزبير قال (٤): أحسب جابراً [رفعه] (٥) وهذا لا يقتضي ثبوته مرفوعاً. انتهى كلامه. والمصنف قدم حديث ابن عمر. قوله: "يهل أهل المدينة" عبارة ترجمة البخاري بلفظ: "مهل" قال ابن حجر (٦): أشار "المصنف" بالترجمة إلى حديث ابن عمر؛ لأنه بلفظ: "مهل" أي: بضم الميم وفتح الهاء وتشديد اللام هو موضع الإهلال وأصله رفع الصوت؛ لأنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالتلبية عند الإحرام، ثم أطلق على نفس الإحرام اتساعاً. قوله: "أهل المدينة" أي: مدينته ﷺ . "ذا الحليفة" بالمهملة والفاء مصغراً مكان معروف بينه [١٧١/ أ] وبين المدينة (٧) ستة أميال، وبينه وبين مكة مئتا ميل غير ميلين قاله ابن حزم (٨). وقال غيره (٩): بينهما عشر مراحل وبها مسجد يعرف بمسجد الشجرة فخربت وبها بئر يقال لها بئر علي.

стр. 1399

قوله: "من الجحفة" (١) بضم الجيم وسكون المهملة وهي خربة بينها وبين مكة خمس مراحل، سميت الجحفة؛ لأن السيل اجتحفها، وهي التي تسمى مهيعة كما في حديث ابن عمر [وهي] (٢) بوزن علقمة وقيل بوزن لطيفة. قوله: "ولأهل نجد" في "الفتح" (٣): أما نجد فهو كل مكان مرتفع وهو اسم لعشرة مواضع، والمراد منها هنا التي أعلاها تهامة واليمن، وأسفلها الشام والعراق وقرن المنازل اسم المكان ويقال: قرن (٤) بغير إضافة بينه وبين مكة من جهة الشرق مرحلتان (٥).

стр. 1400

قوله: "يلملم" بفتح المثناة التحتية واللام وسكون الميم بعدها لام مفتوحة [١٠٢ ب] ثم ميم، مكان على مرحلتين (١) من مكة ويقال فيه: ألملم (٢) بالهمز وهو [الأصل] (٣)، وحكى ابن السيد فيه يرمرم برائين بدل اللامين. ٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: وَقَّتَ رَسُولُ الله ﷺ لأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ, وَلأَهْلِ الشَّامِ الجُحْفَةَ، وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المنَازِلِ، وَلأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ. قَالَ: "فَهُنَّ لهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ, وَمَنْ كانَ دُونَهُنَّ فَمُهَلُّهُ أَهْلِهِ، وَكَذَلِكَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا". أخرجه الخمسة (٤) إلا الترمذي. [صحيح] ١٠ - وفي رواية (٥): وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ. [صحيح]. قوله: "وقّت" أي: حدّد وأصل التوقيت أن تجعل للشيء وقتاً يختص به، ثم وسع فيه فأطلق على المكان أيضاً. قال ابن الأثير (٦): التوقيت والتأقيت أن يجعل للشيء وقت يختص به وهو بيان مقدار المدة يقال: وقت بالتشديد ووقت بالتخفيف يقته إذا بيّن مدته.

стр. 1401

قوله: "فهنَّ لهنَّ" (١) أي: المواقيت لأهل البلاد المذكورة وهو ضمير جماعة المؤنث، وأصله لما يعقل وقد استعمل فيما لا يعقل. قوله: "ولمن أتى عليهن من غير أهلهن" أي: لمن أتى على المواقيت من غير أهل البلاد المذكورة، فيدخل في ذلك من دخل بلد ذات ميقات ومن لم يدخل فالذي لا يدخل لا إشكال فيه إذا لم يكن له ميقات معين، والذي يدخل فيه خلاف كالشامي إذا أراد الحج فدخل المدينة فميقاته ذو الحليفة لاجتيازه عليها، ولا يؤخر (٢) حتى يأتي الجحفة التي هي ميقاته الأصلي. قوله: "فمن أراد الحج والعمرة" فيه دليل على جواز دخول مكة بغير إحرام. قوله: "فمن حيث أنشأ" أي: ميقاته من حيث أنشأ الإحرام. قوله: "حتى أهل مكة" يجوز فيه الرفع والكسر. قوله: "يهلون منها" فلا يحتاجون إلى الخروج إلى ميقات للإحرام، واعلم أنَّ هذا عام في الميقات لهم لعمرة وحج إلا أنه قال المحب الطبري (٣): أنه لا يعلم أحداً جعل مكة ميقاتاً للعمرة. قلنا: هذا العموم [١٠٣ ب] في الكلام النبوي جعلهما (٤) ميقاتاً لها، وأمّا أمره ﷺ لعائشة بالخروج إلى التنعيم لتأتي بعمرة فليس فيه دليل على أنها لا تصح من مكة، بل أمرها بذلك لأنها أرادت أن تدخل مكة بعمرة كما دخلها أزواجه ﷺ غيرها؛ لأنها حاضت فانتقلت إلى الحج ولم تدخل بعمرة, ويأتي تحقيقه. ١١ - وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: سُئِلَ جَابِرَ ﵁ عَنِ المُهَلِّ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مُهَلُّ أَهْلِ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ, وَالطَّرِيقُ الآخَرُ الجُحْفَةُ، وَمُهَلُّ أَهْلِ العِرَاقِ مِنْ ذَاتِ

стр. 1402

عِرْقٍ، وَمُهَلُّ أَهْلِ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ المَنَازِلِ، وَمُهَلُّ أَهْلِ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ". أخرجه مسلم (١). [صحيح لغيره]. قوله: "في حديث أبي الزبير ذات عرق" بكسر العين المهملة وسكون الراء بعدها قاف، تسمى به كونها منه عرقاً وهو الجبل الصغير، وهي أرض سبخة بينها وبين مكة مرحلتان، وهذا صريح في أن ذات عرق (٢) ميقات أهل العراق، لكن ليس رفع الحديث ثابتاً كما ستعرفه، ولكنه قد وقع الإجماع (٣) أنّ ذات عرق ميقات أهل العراق. قوله: "وذكر لي ولم أسمع" وفي البخاري (٤): "وبلغني" وفيه في رواية (٥) بلفظ: "وزعموا أن النبي ﷺ ولم أسمعه"، وله في كتاب العلم (٦) عنه: "لم أفقه هذه من النبي ﷺ ".

стр. 1403

وقد ثبت ذلك من حديث ابن عباس (١) الآخر وثبت من حديث جابر عند مسلم (٢)، ومن حديث عائشة عند النسائي (٣)، ومن حديث الحارث (٤) بن عمر السهمي عند أحمد، وأبي داود والنسائي. قوله: "أخرجه مسلم". قلت: لفظه في "الجامع" (٥): "أن جابراً سئل عن المهل قال: سمعت - أحسبه رفعه إلى النبي ﷺ قال: مهل أهل المدينة ... " إلى آخره، والمصنف حذف قوله: "أحسبه رفعه" وجزم برفعه، وليس له ذلك، فإنّ الرفع (٦) مشكوك فيه عند راويه. وفي لفظ لمسلم (٧) [١٠٤ ب]: "أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله سئل عن المهل فقال: سمعته ... "، ثم انتهى فقال: أراه يعني النبي ﷺ .

стр. 1404

قال النووي (١): معنى هذا أنَّ [أبا (٢)] الزبير قال: سمعت جابراً ثم انتهى. أي: وقف عن رفع الحديث إلى النبي ﷺ وقال: أُراه بضم الهمزة أي: أظنه رفع هذا الحديث كما قال في الرواية الأخرى: "أحسبه - رفع الحديث إلى النبي ﷺ " [لا يحتج بهذا الحديث مرفوعاً لكونه] (٣) لم يجزم برفعه، انتهى كلام النووي في "شرح مسلم". قلت: وأخرج ابن ماجه (٤) حديث جابر من طريق أبي الزبير فذكره جازماً به إلا أنه قال المنذري: فيه إبراهيم بن يزيد الخوزي (٥) لا يحتج بحديثه. وفي "التقريب" (٦): الخوزي بضم المعجمة وبالزاي متروك الحديث [وفي حشيه] (٧)، والعجب أنه حسن الترمذي (٨) الحديث. ١٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لمَّا فُتِحَ هَذَانِ المِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ ﵁ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ حَدَّ لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا، وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا أَنْ نَأْتِي قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا، قَالَ: فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ، فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ. أخرجه البخاري (٩). [صحيح].

стр. 1405

"المِصْرُ" المدينة، والمراد بهما هنا: الكوفة والبصرة. قوله: "في حديث ابن عمر هذان المصران" المراد بهما البصرة (١) والكوفة وبفتحهما غلبة المسلمين على مكان أرضهما وإلا فهما من [مصر (٢)] المسلمين. قوله: "جور" بفتح الجيم وسكون الواو ضد العدل، أي: مائل عن طريقهم (٣). قوله: "فحدّ لهم ذات عرق" هو صريح في أنّ عمر حدّ لهم ذات عرق عن اجتهاد، وقد نص على ذلك الشافعي (٤) والجمهور (٥)، وقد وردت فيها أحاديث مرفوعة، ولكن قال ابن خزيمة (٦) وغيره: لا يثبت منها شيء، وقال [المنذري (٧)] لم يجد في ذات عرق حديثاً، وقال الحافظ ابن حجر (٨) بعد أن ساق أحاديث في ذلك: لكن الحديث بمجموع طرقه يقوى كما ذكرنا. ١٣ - وعن عائشة ﵂ قَالَتَ: وَقَّتَ رَسُولَ الله ﷺ ذَاتَ عِرْقٍ لَأَهْل العِرَاق. أخرجه أبو داود (٩) والنسائي (١٠). [صحيح لغيره].
следующие страницы →