قوله: "فهنَّ لهنَّ" (١) أي: المواقيت لأهل البلاد المذكورة وهو ضمير جماعة المؤنث، وأصله لما يعقل وقد استعمل فيما لا يعقل.
قوله: "ولمن أتى عليهن من غير أهلهن" أي: لمن أتى على المواقيت من غير أهل البلاد المذكورة، فيدخل في ذلك من دخل بلد ذات ميقات ومن لم يدخل فالذي لا يدخل لا إشكال فيه إذا لم يكن له ميقات معين، والذي يدخل فيه خلاف كالشامي إذا أراد الحج فدخل المدينة فميقاته ذو الحليفة لاجتيازه عليها، ولا يؤخر (٢) حتى يأتي الجحفة التي هي ميقاته الأصلي.
قوله: "فمن أراد الحج والعمرة" فيه دليل على جواز دخول مكة بغير إحرام.
قوله: "فمن حيث أنشأ" أي: ميقاته من حيث أنشأ الإحرام.
قوله: "حتى أهل مكة" يجوز فيه الرفع والكسر.
قوله: "يهلون منها" فلا يحتاجون إلى الخروج إلى ميقات للإحرام، واعلم أنَّ هذا عام في الميقات لهم لعمرة وحج إلا أنه قال المحب الطبري (٣): أنه لا يعلم أحداً جعل مكة ميقاتاً للعمرة.
قلنا: هذا العموم [١٠٣ ب] في الكلام النبوي جعلهما (٤) ميقاتاً لها، وأمّا أمره ﷺ لعائشة بالخروج إلى التنعيم لتأتي بعمرة فليس فيه دليل على أنها لا تصح من مكة، بل أمرها بذلك لأنها أرادت أن تدخل مكة بعمرة كما دخلها أزواجه ﷺ غيرها؛ لأنها حاضت فانتقلت إلى الحج ولم تدخل بعمرة, ويأتي تحقيقه.
١١ - وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: سُئِلَ جَابِرَ ﵁ عَنِ المُهَلِّ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مُهَلُّ أَهْلِ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ, وَالطَّرِيقُ الآخَرُ الجُحْفَةُ، وَمُهَلُّ أَهْلِ العِرَاقِ مِنْ ذَاتِ
стр. 1402
عِرْقٍ، وَمُهَلُّ أَهْلِ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ المَنَازِلِ، وَمُهَلُّ أَهْلِ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ". أخرجه مسلم (١). [صحيح لغيره].
قوله: "في حديث أبي الزبير ذات عرق" بكسر العين المهملة وسكون الراء بعدها قاف، تسمى به كونها منه عرقاً وهو الجبل الصغير، وهي أرض سبخة بينها وبين مكة مرحلتان، وهذا صريح في أن ذات عرق (٢) ميقات أهل العراق، لكن ليس رفع الحديث ثابتاً كما ستعرفه، ولكنه قد وقع الإجماع (٣) أنّ ذات عرق ميقات أهل العراق.
قوله: "وذكر لي ولم أسمع" وفي البخاري (٤): "وبلغني" وفيه في رواية (٥) بلفظ: "وزعموا أن النبي ﷺ ولم أسمعه"، وله في كتاب العلم (٦) عنه: "لم أفقه هذه من النبي ﷺ ".
стр. 1403
وقد ثبت ذلك من حديث ابن عباس (١) الآخر وثبت من حديث جابر عند مسلم (٢)، ومن حديث عائشة عند النسائي (٣)، ومن حديث الحارث (٤) بن عمر السهمي عند أحمد، وأبي داود والنسائي.
قوله: "أخرجه مسلم".
قلت: لفظه في "الجامع" (٥): "أن جابراً سئل عن المهل قال: سمعت - أحسبه رفعه إلى النبي ﷺ قال: مهل أهل المدينة ... " إلى آخره، والمصنف حذف قوله: "أحسبه رفعه" وجزم برفعه، وليس له ذلك، فإنّ الرفع (٦) مشكوك فيه عند راويه.
وفي لفظ لمسلم (٧) [١٠٤ ب]: "أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله سئل عن المهل فقال: سمعته ... "، ثم انتهى فقال: أراه يعني النبي ﷺ .
стр. 1404
قال النووي (١): معنى هذا أنَّ [أبا (٢)] الزبير قال: سمعت جابراً ثم انتهى. أي: وقف عن رفع الحديث إلى النبي ﷺ وقال: أُراه بضم الهمزة أي: أظنه رفع هذا الحديث كما قال في الرواية الأخرى: "أحسبه - رفع الحديث إلى النبي ﷺ " [لا يحتج بهذا الحديث مرفوعاً لكونه] (٣) لم يجزم برفعه، انتهى كلام النووي في "شرح مسلم".
قلت: وأخرج ابن ماجه (٤) حديث جابر من طريق أبي الزبير فذكره جازماً به إلا أنه قال المنذري: فيه إبراهيم بن يزيد الخوزي (٥) لا يحتج بحديثه.
وفي "التقريب" (٦): الخوزي بضم المعجمة وبالزاي متروك الحديث [وفي حشيه] (٧)، والعجب أنه حسن الترمذي (٨) الحديث.
١٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لمَّا فُتِحَ هَذَانِ المِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ ﵁ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ حَدَّ لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا، وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا أَنْ نَأْتِي قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا، قَالَ: فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ، فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ. أخرجه البخاري (٩). [صحيح].
стр. 1405
"المِصْرُ" المدينة، والمراد بهما هنا: الكوفة والبصرة.
قوله: "في حديث ابن عمر هذان المصران" المراد بهما البصرة (١) والكوفة وبفتحهما غلبة المسلمين على مكان أرضهما وإلا فهما من [مصر (٢)] المسلمين.
قوله: "جور" بفتح الجيم وسكون الواو ضد العدل، أي: مائل عن طريقهم (٣).
قوله: "فحدّ لهم ذات عرق" هو صريح في أنّ عمر حدّ لهم ذات عرق عن اجتهاد، وقد نص على ذلك الشافعي (٤) والجمهور (٥)، وقد وردت فيها أحاديث مرفوعة، ولكن قال ابن خزيمة (٦) وغيره: لا يثبت منها شيء، وقال [المنذري (٧)] لم يجد في ذات عرق حديثاً، وقال الحافظ ابن حجر (٨) بعد أن ساق أحاديث في ذلك: لكن الحديث بمجموع طرقه يقوى كما ذكرنا.
١٣ - وعن عائشة ﵂ قَالَتَ: وَقَّتَ رَسُولَ الله ﷺ ذَاتَ عِرْقٍ لَأَهْل العِرَاق. أخرجه أبو داود (٩) والنسائي (١٠). [صحيح لغيره].
стр. 1406
١٤ - وعن ابن عباس ﵄ قَالَ: وَقَّتَ رَسُولَ الله ﷺ لَأَهْلِ المَشْرِقِ العَقِيقَ. أخرجه أبو داود (١) والترمذي (٢). [منكر].
قوله [١٠٥ ب] "في حديث [عائشة] (٣) وقّت رَسُولَ الله ﷺ لأهل المشرق العقيق" اختلف في العقيق فقيل إنها ذات عرق وقيل غيره، وهذا من أدلة من قال (٤): أنّ توقيت ذات عرق منصوص عليه.
قوله: "أخرجه أبو داود والترمذي".
قلت: أخرجاه أيضاً من حديث ابن عباس: "أن النبي ﷺ وقّت لأهل المشرق العقيق" لكن تفرد به يزيد بن أبي زياد (٥) وهو ضعيف.
وحديث عائشة أنكره الإمام أحمد علي أفلح بن حميد (٦) قاله المنذري (٧)، إلا أن أفلح بن
стр. 1407
حميد قال في "التقريب" (١) إنه ثقة [١٧٢/ أ] ورمز عليه بأنه أخرج له الشيخان.
١٥ - وعن مالك (٢): أنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أَهَلَّ مِنَ الجِعِرَّانَةِ بِعُمْرَةٍ. [موقوف صحيح].
قوله: "في حديث مالك من الجعرانة" بكسر الجيم، قال السهيلي (٣): موضع لقيت به ريطة بنت سعد التي نزل فيها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ (٤)، كانت تلقب الجعرانة, وكانت عمرته منها بعد عوده من غزوة حنين وكانت في ذي القعدة وهي أحد عمره الأربع.
١٦ - وعن الثقة عنده: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ مِنْ إِيليَاء. أخرجه مالك (٥).
"إيلياء" (٦) بالمد والتخفيف: اسم بيت المقدس. [موقوف صحيح].
قوله: "وعن الثقة عنده" أي: عند مالك.
١٧ - وعن عثمان ﵁: أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُحْرِمَ الرَّجُلُ مِنْ خُرَاسَانِ وَكِرْمَانَ. أخرجه البخاري (٧) ترجمة. [صحيح].
стр. 1408
قوله: "في حديث عثمان أنه كره أن يحرم الرجل من خراسان أو كرمان" بفتح الكاف والكسر، واختار "الفتح" الشيخ مجد الدين الشيرازي وقال: إنه الذي قطع به الصغاني، ووجه التخصيص لخراسان بعرق فذكر قصة وهو: أنه روى أحمد بن سيار في "تاريخ مرو" (١) من طريق داود بن أبي هند قال: لما فتح عبد الله بن عامر خراسان قال: لأجعلن شكري لله أن اخرج من موضعي هذا محرماً فأحرم من نيسابور، فلمّا قدم على عثمان لامه على ما صنع، ووجه لومه له أن بين خراسان ومكة أكثر من مسافة أشهر الحج، فيستلزم أن يكون أحرم في غير أشهر الحج فكره ذلك عثمان [١٠٦ ب] وقد لزم أنه (٢) أحرم من غير الميقات المكاني أيضاً. قوله: "أخرجه البخاري ترجمة" في ترجمة والبخاري لم يخرجه إنما ذكره مقطوعاً بلفظ: "وكره عثمان أن يحرم الرجل من خراسان أو كرمان".
قال الحافظ ابن حجر (٣): وصله سعيد بن منصور ثنا: هشيم ثنا يونس بن عبيد، أنّ الحسن - هو البصري -: أنّ عبد الله بن عامر أحرم من خراسان فلما قدم على عثمان لامه فيما صنع وكرهه. انتهى.
الفصل الثاني: في الإحرام [وما يحرم فيه] (٤)
قال ابن الأثير (٥): وفيه ثلاثة فروع؛ الفرع الأول: فيما يحل للمحرم وهو أحد عشر نوعاً ثم عدّها والمصنف سردها سرداً واحداً فطال عليه هذا الفصل.
١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سُئِلَ رَسُولَ الله ﷺ : مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ؟ قَالَ: "لاَ يَلْبَسُ المُحْرِمُ القَمِيصَ، وَلاَ العِمَامَةَ، وَلاَ البُرْنُسَ، وَلاَ السَّرَاوِيلَ، وَلَا ثَوْبَاً مَسَّهُ وَرْسٌ وَلَا زَعْفَرَانٌ،
стр. 1409
وَلاَ الخُفَّيْنِ، إِلاَّ أَنْ لاَ يَجِدَ نَعْلَيْنِ فَلْيَقْطَعُهُمَا حَتَّى يَكُوْنَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ". أخرجه الستة (١)، وهذا لفظ الشيخين. [صحيح].
وزاد البخاري (٢): وَلَا تَنْتَقِبُ المَرْأَةُ المُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسُ القُفَّازَيْنِ. [صحيح].
"القُفازَ" (٣) بضم القاف وتشديد الفاء: شيء يعمل لليدين يُحْشَى بقطن ويكون له أزرار يزرَّر بها على الساعدين من البردِ تلبسه المرأة في يَدَيْها.
قوله: "في حديث ابن عمر قال: لا يلبس المحرم" وقع السؤال عمّا يلبس فأجاب بما لا يلبس؛ لأنه محصور، فآثر التصريح به؛ لأنه أوجز وأخصر، لكن لأبي عوانة (٤) "ما يترك".
وفي رواية (٥): "ما يجتنب المحرم" فعلى هذا الجواب على طبق السؤال، ونبه بالقميص والسراويل على كل (٦) مخيط، وبالعمائم والبرانس على كل ما يغطي الرأس مخيطاً أو غيره، وبالخفاف على ما يستر الرجل، وفي رواية عند الطبراني (٧) وغيره: "ولا القباء".
стр. 1410
قوله: "البرنس" (١) بضم الموحدة وسكون الراء المهملة ثوب رأسه ملتصق به، وقيل: قلنسوة (٢) طويلة كان النساك يلبسونها.
وَ"الورس" (٣) نبت أصفر يكون باليمن تصبغ به الثياب، وهو بفتح الواو وسكون الراء بعدها مهملة.
قوله: "ولا تنتقب المرأة" أي: المحرمة، أي: لا تجعل النقاب على وجهها، والنقاب الخمار الذي يسدل (٤) على الوجه أو تحت المحاجر، والمراد نهيها [١٠٧ ب] عن لبس النقاب، وأما لغيره مما يستر الوجه فتفعله؛ لأنها مأمورة بتغطية وجهها، وفي ذكر حكم المرأة ما دل على أن المراد من قول السائل ما يلبس المحرم، أي: من ذكر وأنثى.
٢ - وعنه ﵁ قَالَ: "نَهَى رَسُولَ الله ﷺ النِّسَاءَ فِي إِحْرَامِهِنَّ عَنِ القُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ وَمَا مَسَّ الوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ مِنَ الثِّيَابِ، وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحَبَّتْ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ مُعَصْفَراً أَوْ خَزًّا أَوْ حُلِيّاً أَوْ سَرَاوِيلَ أَوْ قَمِيصاً أَوْ خُفّاً". أخرجه أبو داود (٥). [حسن]
قوله: "في حديث ابن عمر أخرجه أبو داود".
قلت: ثم قال عقبه: قال أبو داود (٦): روي هذا الحديث عن ابن إسحاق عن نافع عبدةُ
стр. 1411
ابن سليمان ومحمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق إلى قوله: "وما من الورس والزعفران من الثياب" لم يذكر ما بعده. انتهى.
وقال المنذري (١): فيه محمد بن إسحاق وقد تقدم الكلام عليه.
٣ - وفي رواية (٢) عن عائشة: أَنَّهُ ﷺ رَخَّصَ لِلنِّسَاءِ فِي الخُفَّيْنِ. [حسن].
٤ - وعن ابن عباس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "مَنْ لَمْ يَجِدْ إَزَارَاً فَلْيَلْبَسُ سرَاوِيْلَ، وَمَنْ لَمْ يَجِدَ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ". أخرجه الخمسة (٣). [صحيح].
قوله: "في حديث ابن عباس فليلبس سراويل" في "الجامع" (٤): عن يحيى بن يحيى قال: سمعت مالكاً وقد سئل عما ذكره عن رَسُولَ الله ﷺ أنه من لم يجد إزاراً فليلبس السراويل، يقول: لم أسمع بهذا ولا أرى أن يلبس المحرم سراويل؛ لأن رَسُولَ الله ﷺ نهى عن لبس السراويلات فيما نهى عنه من لبس الثياب التي لا ينبغي للمحرم أن يلبسها، ولم يستثن كما استثنى في الخفين. أخرجه "الموطأ" (٥)، انتهى.
وقال أبو داود (٦) بعد إخراجه: قال أبو داود: هذا حديث أهل مكة ومرجعه إلى البصرة أي: جابر بن زيد والذي تفرد به جابر [١٠٨ ب] بن زيد ذكر السراويل ولم يذكر القطع في الخف. انتهى.
стр. 1412
وأما المنذري (١) فقال: وأخرجه البخاري (٢) ومسلم (٣) والترمذي (٤) والنسائي (٥). انتهى.
وأعرض عما ذكره أبو داود، وهذا نقلناه عن أبي داود في بعض الروايات عنه الملحقة في "السنن" تحت قوله: وقد أخرجه البخاري ومن ذكر ولم يتعرض في "الفتح" (٦) لما ذكره أبو داود من انفراد جابر بن زيد، بل قال فيه: في شرح حديث ابن عباس وقد قال القرطبي (٧): أخذ بظاهر هذا الحديث أحمد.
وقال الجمهور (٨): بشرط قطع الخف وفتق السراويل، ولم يأت الفتق في شيء من الروايات إنما قالوا: يلبس النظير (٩) بالنظير لاستوائهما في الحكم.
وعن أبي حنيفة (١٠) منع السراويل مطلقاً، ومثله عن مالك (١١) وكأنّ حديث ابن عباس لم يبلغه.
٥ - وَعَنْ نَافِعٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ يَقُوْلُ لِابْنَ عُمَرَ: رَأَى عُمَرَ ﵄ عَلَى طَلْحَةَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ مَغْرَةٌ أو مَدَرٌ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ أَيُّهَا الرَّهْطُ
стр. 1413
أَئِمَّةٌ يَقْتَدِى بِكُمُ النَّاسُ، فَلَوْ أَنَّ رَجُلاً جَاهِلاً رَأَى هَذَا لَقَالَ إِنَّ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ الله قَدْ كَانَ يَلْبَسُ الثِّيَابَ المُصْبَغَةَ فِي الإِحْرَامِ، فَلاَ تَلْبَسُوا أَيُّهَا الرَّهْطُ مِنْ هَذِهِ الثِّيَابِ (١). [موقوف صحيح].
قوله: "في حديث نافع إنما هو مغرة أو مدر" لفظ "الجامع" (٢): "إنما هو مدر" وليس (٣) فيه لفظ مغرة، وهي بفتح الميم وسكون الغين المعجمة فراء، فسّرها في "النهاية" (٤) بالمدر الأحمر الذي تصبغ به الثياب، وفسر المدر في "غريب الجامع" (٥) بقوله: المدر: الطين مستحجر.
٦ - وعن عروة قَالَ: كَانَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ تَلْبَسُ المُعَصْفَرَاتِ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ لَيْسَ فِيْهَا زَعْفَرَانٌ. أخرجه مالك (٦). [موقوف صحيح].
٧ - وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ﵁: أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بِالجِعْرَانَةِ قَدْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَهُوَ مُصَفِّرٌ لِحْيَتَهُ وَرَأْسَهُ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! أَحْرَمْتُ بِعُمْرَةٍ وَأَنا كَمَا تَرَى، فَقَالَ: "انْزِعْ عَنْكَ الجُبَّةَ وَاغْسِلْ عَنْكَ الصُّفْرَةَ". أخرجه الستة (٧)، وهذا لفظ الشيخين. [صحيح].
وزاد أبو داود (٨): "وَاصْنَعُ فِي عُمْرَتِكَ مَا صَنَعْتَ فِي حَجَّتِكَ". [صحيح].
стр. 1414
قوله: "في حديث يعلى بن أمية واغسل عنك الصفرة" استدل به على منع استدامة الطيب بعد الإحرام [١٠٩ ب].
وهو قول مالك (١) ومحمد بن الحسن (٢)، وأجيب (٣) عنه بأنّ قصة يعلى كانت بالجعرانة وهي سنة ثمان بلا خلاف، وقد ثبت (٤) عن عائشة: "أنها طيّبت رَسُولَ الله ﷺ بيدها عند إحرامه"، وذلك في حجة الوداع سنة عشر بلا خلاف، وإنما يؤخذ بالآخر من الأمرين على أن أمر الرجل بغسل الخلوق وهو لا يخلو عن الزعفران، والتزعفر منهي عنه مطلقاً لمحرمٍ وغيره.
٨ - وعن ابن عمر ﵄: أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ لُبْسَ المِنْطَقَةِ لْلْمُحرِمِ (٥). [موقوف صحيح].
قوله: "في حديث ابن عمر المنطقة" (٦) هي كل ما شددت على وسطك، وهذا اجتهاد منه لا دليل عليه.
٩ - وعن القاسم بن محمد قال: أَخْبَرَنِي الفَرَافِصَةُ بنُ عُميرٍ الحَنَفِيُّ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ ﵁ يُغَطِّي وَجْهَهُ وَهُوُ مْحْرِمٌ (٧). [موقوف صحيح].
قوله: "في حديث القاسم بن محمد الفرافصة" بالضم للفاء ثم بعد الألف فاء فصاد مهملة اسم للأسد، وبالفتح اسم الرجل وهو الفرافصة المعروف بأبي نائلة صهر عثمان بن عفان وتغطية وجه المحرم غير منهي عنها.
стр. 1415
١٠ - وعن نافع قال: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُوْلُ: مَا فَوْقَ الذَّقَنِ مْنَ الرَّأْسِ فَلَا يُخَمِّرُهُ المُحْرِمُ (١). أخرج هذه الأحاديث الثلاثة مالك.
١١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ مُحْرِمَاتٌ، فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ. أخرجه أبو داود (٢). [حسن لغيره].
قوله: "في حديث عائشة أخرجه أبو داود" قال المنذري (٣): وأخرجه ابن ماجه (٤) وذكر سعيد بن يحيى بن سعيد القطان ويحيى بن معين أنّ مجاهد لم يسمع من عائشة.
وقال أبو حاتم الرازي (٥): مجاهد عن عائشة مرسل، وفي إسناده أيضاً يزيد بن أبي زياد (٦) قد تكلم فيه غير واحد، وأخرج له [١١٠ ب] مسلم في جماعة، غير محتج به. انتهى.
стр. 1416
١٢ - وعن فاطمة بنت المنذر قالت: كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْر ﵂. أخرجه مالك (١) [موقوف صحيح].
١٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: طَيَّبْتُ رَسُولَ الله ﷺ بيَدَيَّ هَاتَيْنِ حِينَ أَحْرَمَ، وَلحِلِّهِ حِينَ أَحَلَّ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالبَيْتِ بِطِيْبٍ فِيْهِ مِسْكٌ.
أخرجه الستة (٢). [صحيح].
وفي رواية (٣): بِذَرِيرَةٍ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ. [صحيح].
وفي أخرى (٤): قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ ثُمَّ يُحْرِمُ. [صحيح].
وفي أخرى (٥): بِأَطْيَبِ مَا أَجِدُ حَتَّى أَجِدَ وَبِيصَ الطِّيبِ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ.
وفي أخرى (٦): كَأَّنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيْصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولَ الله ﷺ وهُوَ مُحْرِمٌ. [صحيح].
زاد في رواية (٧): كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَدَّهِنُ بِالزَّيْتِ فَذَكَرْتُهُ لِإِبْرَاهِيْمَ، فَقَالَ: مَا تَصْنَعُ بِقَوْلِهِ: حَدَّثَنِي الأَسْوَدُ عَنْ عَائِشَةُ قَالَتْ: كَأَنِّي أْنْظُرُ إِلَى وَبِيْصِ الطِّيبِ. الحديث. [صحيح].
стр. 1417
زاد في رواية (١): وَذلِكَ طِيبُ إِحْرَامِه. [صحيح].
قوله: "في حديث عائشة حين أحرم" أي: حين أراد الإحرام كما تدل له الرواية الأخرى عنها بلفظ: "قبل أن يحرم ثم يحرم".
قوله: "وبيص" (٢) [١٧٣/ أ] الوبيص بفتح الواو فموحدة فمثناة تحتية فصاد مهملة هو البريق.
قوله: "مفارق" (٣) جمع مفرق وهو المكان الذي يفترق فيه الشعر في وسط الرأس وجمع لإرادة جوانب الرأس التي يفترق فيها الشعر.
١٤ - وفي أخرى: سُئِلَ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الرَّجُلِ يَتَطَيَّبُ ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا؟ فَقَالَ: مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا أَنْضَخُ طِيبًا لأَنْ أَطَّلِيَ بِقَطِرَانٍ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ. فَأُخْبِرَتْ عَائِشَةَ ﵂ بِقَوْلِ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَتْ: أنَّا طَيَّبْتُ رَسُولَ الله ﷺ عِنْدَ إِحْرَامِهِ, ثُمَّ طَافَ فِي نِسَائِهِ, ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا يَنْضَخُ طِيْبَاً. (٤) هذه ألفاظ الشيخين. [صحيح].
١٥ - وفي أخرى للنسائي (٥): كَانَ رَسُولَ الله ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ أَدَّهَنَ بأَطْيَبِ دُهْن يَجْدُ حَتَّى أَرَى وَبِيصَهُ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ. [صحيح].
١٦ - وله (٦) في أخرى قالت: طَيَّبْتُهُ لِحَرَمِهِ حينَ أَحْرَمَ وَلحِلِّهِ بَعْدَ مَا رَمَى العَقَبَةَ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالبَيْتِ. [صحيح].
قوله: "لحرمه" بضم الحاء وكسرها، أي: لإحرامه.
стр. 1418
١٧ - وفي أخرى (١): طِيبًا لاَ يُشْبِهُ طِيبَكُمْ هَذَا يَعْنِي لَيْسَ لَهُ بَقَاءٌ. [صحيح].
"الذَّرِيرَةُ" (٢) ضربٌ من الطيب مجموع من أخلاط. "وَالوَبِيصُ" (٣) البَصِيصُ وْالبَرِيقُ، "وَيَنْضَخُ" (٤) بالخاء المعجمة: يفوح.
١٨ - وَعَنْ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ: كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ رَسُوْلِ الله ﷺ إِلَى مَكَّةَ فَنُضَمِّدُ جِبَاهَنَا بِالسُّكِّ المُطَيَّبِ عِنْدَ الإِحْرَامِ، فَإِذَا عَرِقَتْ إِحْدَانَا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا فَيَرَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلاَ يَنْهَاهَا. أخرجه أبو داود (٥). [صحيح].
ومعنى "نُضَمِّدُ" (٦) أي: نلطخ، و"السُّكُّ" نوع معروف من الطيب (٧).
قوله: "في حديث عائشة بالسُّك" بضم السين المهملة، قال "المصنف": إنه نوع من الطيب، في "النهاية" (٨): [هو] (٩) طيب معروف يضاف إلى غيره من الطيب ويستعمل. انتهى.
فعبارة "المصنف" قاصرة لا سيما بعد قولها "المطيب"، هذا صريح في بقاء عين الطيب ولا يقال هذا خاص بالنساء؛ لأنهم أجمعوا على أن الرجال والنساء سواء في تحريم استعمال الطيب إذا كانوا محرمين.
стр. 1419
وقال بعضهم: كان ذلك طيباً لا رائحة، تمسكاً برواية عن الزهري عن عروة عن عائشة (١): "بطيب لا يشبه طيبكم"، قال بعض رواته: يعني لا بقاء له، أخرجه النسائي.
قالوا: يرد هذا التأويل قولها "بطيب فيه مسك" وقولها "كأني أنظر إلى وبيص المسك" وفي رواية: "بالغالية الجيدة" وهذا يدل [١١١ ب] على أن قولها: "لا كطيبكم" أي: أطيب منه، وقال بعضهم: إن ذلك خاص به ﷺ .
قلت: فيقال: فما بال أزواجه في استعمالهن السُّك المطيب.
١٩ - وَعَنِ الصَّلْتِ بْنِ زيَيْدٍ (٢) عَنْ غيرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ وَجَدَ رِيحَ طِيبٍ وَهُوَ بِالشَّجَرَةِ فَقَالَ: مِمَّنْ هَذَا؟ فَقَالَ كُثِّيرُ بْنِ الصلْتِ مِنِّي، لَبَّدْتُ رَأْسِي وَأَرَدْتُ أَنْ أَحْلِقَ. فَقَالَ عُمَرُ: فَاذْهَبْ إِلَى شَرَبَةٍ مِنَ الشَّرَبَاتِ فَادْلُكْ رَأْسَكَ حَتَّى تُنَقِيَهُ فَفَعَلَ ذَلِكْ. أخرجه مالك (٣). [موقوف ضعيف].
قوله: "في حديث الصلت بن زيَيْد" هو بالزاي ثم يائين مثناتين من تحت، تصغير زيد.
قوله: "وهو بالشجرة" (٤) هو موضع على ستة أميال من المدينة.
قوله: "إلى شربة" (٥) بالمعجمة مفتوحة وراء مفتوحة يأتي تفسيرها.
٢٠ - وَلَهُ فِي أُخْرَى عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ وَجَدَ رِيحَ طِيبٍ فَقَالَ: مِمَّنْ هَذَا الطِّيبِ؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ: مِنِّي يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: مِنْكَ لَعَمْرُ الله؟ فَقَالَ: إِنَّمَا
стр. 1420
طَيَّبَتْنِي أُمَّ حَبِيبَةَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ. فَقَالَ عُمَرُ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ لَتَرْجِعَنَّ فَلْتَغْسِلَنَّهُ (١). (٢) [موقوف صحيح].
"التَّبْلِيدُ" (٣) أن يُسَرِّحَ شعر رأسه، ويجعل فيه شيئاً ممن صَمغ ليلتزق، ولا يتشعَّث في الإحرام، "وَالشَّرَبَة" (٤) بفتح الشين والراء: الماء المجتمع حول النخلة كالحوض.
٢١ - وَعَنْ ابْنَ عُمَرَ ﵄: أنَّهُ كَفَّنَ ابْنَهُ وَاقِدَاً وَمَاتَ بِالجُحْفَةِ مُحْرِمًا وَخَمَّرَ رَأْسَهُ وَوَجْهَهُ وَقَالَ: لَوْلاَ أَنَّا حُرُمٌ لَطَيَّبْنَاهُ. أخرجه مالك (٥). [موقوف صحيح].
قوله: "وخمر رأسه" هو معارض حديث الذي (٦) وقصته ناقته.
وقوله: "لولا أنا حرم لطيبناه" جعل المانع كون الغاسلين حرم لا كونه محرماً، وتقدم في حديث الذي وقصته الناقة النهي عن تطييبه وتخمير رأسه؛ لأنه يبعث محرماً.
٢٢ - وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إِذَا أَرَادَ الخُرُوجَ إِلَى مَكَّةَ ادَّهَنَ بِدُهْنٍ لَيْسَ لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، ثُمَّ يَأْتِي مَسْجِدَ ذِي الحُلَيْفَةِ فَيُصَلِّي ثُمَ يَرْكَبُ، فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً أَحْرَمَ، ثُمَّ يَقُوْلُ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُوْلَ الله ﷺ يَفْعَلُ. أخرجه البخاري (٧). [صحيح].
стр. 1421
٢٣ - وفي رواية للترمذي (١) قال: كَانَ يَدَّهِنُ بِدُهْنٍ غيرِ مُقَتَّتٍ. يَعْنِي غَيْرِ مُطَيِّبٍ. [إسناده ضعيف].
"القَتُّ" (٢) تطييب الدهن بالريحان.
٢٤ - وعن ابن عباس ﵄ قَالَ: يَشُمُّ المُحْرِمُ الرَّيْحَانَ، وَيَنْظرُ فِي المرآةِ، وَيَتَدَاوَى بِمَا يَأْكُلُ الزَّيْتِ وَالسَّمْنِ. أخرجه البخاري (٣) ترجمة.
قوله: "في حديث [ابن عباس] (٤) أخرجه البخاري ترجمة" مثله في "الجامع" (٥) إلا أنه قال: في ترجمة، والبخاري ذكره منقطعاً فقال: وقال ابن عباس.
قال الحافظ في "الفتح" (٦): أمّا شم الريحان فقال سعيد بن منصور: ثنا ابن عيينة, عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه كان لا يرى بأساً للمحرم يشم الريحان.
стр. 1422
وأما النظر في المرآة [١١٢ ب] فقال [الثوري] (١) في جامعه (٢): رواية عبد الله بن الوليد عنه عن هشام بن حسّان عن عكرمة عن ابن عباس قال: لا بأس أن ينظر في المرآة وهو محرم.
وأمّا التداوي فقال أبو بكر بن أبي شيبة (٣): ثنا أبو خالد الأحمر وعباد بن العوام، عن أشعث، عن عطاء، عن ابن عباس أنه كان يقول: يتداوى المحرم بما يأكل.
وقال أيضاً (٤): ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: إذا تشققت يد المحرم ورجلاه فليدهنهما بالزيت أو بالسمن. انتهى.
[فهذا الأثر ومرّ نظائرها لم يخرجه] (٥) البخاري بل ذكرها مقطوعة، وهذا تخريجها، فلا أدري كيف وقع لابن الأثير التعبير بقوله: أخرجه البخاري، مع أنه قد تقدم له في نظائر يقول: ذكره البخاري في ترجمة، وهو الصواب.
٢٥ - وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ حُنَيْنٍ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ ﵄ اخْتَلَفَا بِالأَبْوَاءِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ المُحْرِمُ رَأْسَهُ, وَقَالَ المِسْوَرُ: لاَ يَغْسِلُ المُحْرِمُ رَأْسَهُ، فَأَرْسَلني ابْنُ العَبَّاسِ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ﵁ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ القَرْنَيْنِ وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: أنَّا عَبْدُ الله بْنُ حُنَيْنٍ، أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ ابْنُ العَبَّاسِ يَسْأَلُكَ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَغْسِلُ رَأْسَه وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ فَطَأْطَأَهُ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ, فَقَالَ لإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ: اصْبُبْ، فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، فَحَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُهُ ﷺ يَفْعَلُ. أخرجه الستة (٦) إلا الترمذي. [صحيح].
стр. 1423
زاد في رواية غير مالك: قَالَ المِسْوَرُ لَابْنِ عَبَّاسٍ: لَا أُمَارِيْكَ أَبَدَاً. "قَرْنَا البِئْرِ" عِضَادَتاها التي يجعل عليهما البكرة. "وَالمُمَارَاةٌ" المجادلة.
قوله: "وعن عبد الله بن حنين" (١) بضم الحاء المهملة وفتح النون الأولى وسكون التحتية هو عبد الله بن حنين مولى العباس بن عبد المطلب، وقيل: مولى علي بن أبي طالب ﵇ تابعي مشهور ثقة، روى عن علي وابن عباس وأبي أيوب ﵃.
قوله: "والمسور" (٢) بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح الواو، و"مخرمة" بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء، توفي النبي ﷺ وله من العمر ثماني سنين وسمع منه وحفظ عنه، ومات بمكة في فتنة ابن الزبير، أصابه حجر من حجارة المنجنيق وهو يصلي في الحجر [١١٣ ب] فقتله.
قوله: "حرّك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر" ففي فعله جواب السائل بالفعل، ثم إخباره أنه ﷺ فعله، فدل على أنه يغتسل المحرم ويغسل رأسه.
قال الحافظ (٣): وفي هذا الحديث من الفوائد مناظرة الصحابة في الأحكام، ورجوعهم إلى النصوص وقبولهم لخبر الواحد ولو كان تابعياً، وأن قول بعضهم ليس بحجة على البعض.
قال ابن عبد البر (٤): لو كان معنى الاقتداء في قوله ﷺ : "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" (٥) يراد به الفتوى، لما احتاج ابن عباس إلى إقامة البينة على دعواه بل كان
стр. 1424
يقول: أنت نجم وأنا نجم [فلا عليك] (١) فبأينا "اقتدى من بعدنا كفاه" (٢) ولكن معناه كما قال المزني (٣) وغيره من أهل النظر: أنه في النقل؛ لأن جميعهم عدول.
٢٦ - وعن خارجة بن زيد عن أبيه ﵁: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ تجَرَّدَ لِإِهْلَالهِ وَاغْتَسَلَ. أخرجه الترمذي (٤). [حسن].
وذكر رزين (٥) رواية: أن النبي ﷺ اغْتَسَلَ لِإِحْرَامِهِ وَلِطَوَافِهِ بِالبَيْتِ وَلوُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ.
٢٧ - وعن نافع قال: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَغْتَسِلُ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلدُخُوْلِهِ مَكَّةَ وَلِوُقُوْفِهِ بِعَرَفَةَ. أخرجه مالك (٦). [موقوف صحيح].
زاد في رواية (٧): وَكَانَ إِذَا أَحْرَمَ لَا يَغْسِلُ رَأْسَهُ إِلَّا مِنْ الاحْتِلَامِ. [موقوف صحيح].
стр. 1425
٢٨ - وعن ابن عمر ﵄: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ لَبَّدَ رَأْسَهُ بِالغَسْلِ. أخرجه أبو داود (١) والنسائي (٢). [ضعيف].
وعنده سَمعتُهُ ﷺ يُهِلُّ مُلَبِّدَاً. [صحيح].
قوله: "في حديث ابن عمر لبد رأسه" التلبيد (٣) أن يجعل في الرأس شيئاً نحو الصمغ ليجتمع شعره لئلا يتشعث في الإحرام أو يقع فيه القمل.
قوله: "بالعسل" قال ابن الصلاح (٤): يحتمل أنه بفتح المهملتين ويحتمل أنه بكسر المعجمة وسكون المهملة، ما يغسل به الرأس من خطمي أو غيره.
٢٩ - وعن ابن عباس ﵄ قَالَ: لَا يَدْخُلُ المُحْرِمُ الحَمَّامَ. أخرجه البخاري (٥) ترجمة.
قوله: "في حديث ابن عباس لا يدخل المحرم الحمام" كذا في "الجامع" (٦) بالنفي، والذي في البخاري: وقال ابن عباس: "يدخل المحرم الحمام" بالإثبات ذكره مقطوعاً.
وقال الحافظ ابن حجر (٧): وصله الدارقطني والبيهقي من طريق أيوب عن عكرمة عنه قال: [١١٤ ب] "يدخل المحرم الحمام وينتزع ضرسه، وإذا انكسر ظفره طرحه ويقول: أميطوا عنكم الأذى، فإن الله لا يصنع بأذاكم شيئاً".
стр. 1426
وروى البيهقي (١) عن ابن عباس أنه دخل حمّاماً [بالجحفة] (٢) وهو محرم، وقال: "إن الله لا يعبأ بأوساخكم شيئاً" انتهى بلفظه، قال (٣): وروى ابن أبي شيبة كراهة ذلك عن الحسن وعطاء.
٣٠ - وعنه ﵁ قَالَ: احْتَجَمَ رَسُولَ الله ﷺ وهُوَ مُحْرِم. أخرجه الخمسة (٤)، وهذا لفظ الشيخين. [صحيح].
وزاد البخاري (٥) ﵀ في أخرى: وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ. [صحيح].
وله (٦) في أخرى: احْتَجَمَ فِي رَأْسِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ مِنْ وَجَعٍ كَان بِهِ. [صحيح].
وفي أخرى (٧): مِنْ شَقيقةٍ كانَتْ بِهِ بِمَاءٍ يُقالُ لَهُ لَحْيُ جَمَلٍ مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ فِي وَسَطِ رَأْسِهِ. [صحيح].
قوله: (٨) "ابن عباس الثاني احتجم وهو محرم" فيه جواز الحجامة للمحرم، وهو إجماع إن كان لعذر ولو قطع من الشعر قالوا: ويلزمه الفدية.
стр. 1427
قوله: "يقال له لحي جمل" بفتح اللام وحكي كسرها وسكون المهملة وبفتح الجيم والميم موضع (١) بطريق مكة [١٧٤/ أ] ووهم من ظن أنه الحيوان المعروف، وأنه كان آلة الحجم.
قوله: "في وسط رأسه" بفتح السين متوسطة وهو ما فوق اليافوخ فيما بين أعلى القرنين، قال أهل اللغة: كل شيء مصمت لا يبين بعضه من بعض كالدار والساحة والوجه والرأس فوسطه بفتح السين.
وما بان بعضه من بعض كالصف والقلادة والسبحة وحلقة الناس ونحو ذلك، فالوسط منه بسكون السين، قاله الأزهري (٢) والجوهري (٣) وغيرهما، وقد أجازوا في المفتوح الإسكان ولم يجيزوا في الساكن الفتح.
٣١ - وعن أنس ﵁ قَالَ: احْتَجَمَ رَسُولَ الله ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ عَلَى ظَهْرِ القَدَمِ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ. أخرجه أبو داود (٤) والنسائي (٥).
وعنده (٦) مِنْ وثءٍ كان به. [صحيح].
"وَالوَثَى" (٧) هو أن يصيب العظم وصم لا يبلغ الكسر.
٣٢ - وَعَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لاَ يَحْتَجِمُ المُحْرِمُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مُضطَرَّاً إِلَيْهِ مِمَّا لاَ بُدَّ مِنْهُ. أخرجه مالك (٨). [موقوف صحيح].
стр. 1428
٣٣ - وَعَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ: أَنَّ [عُمَرُ بْنُ (١)] عُبَيْدِ الله بنِ مَعْمَرٍ اشْتَكَى عَيْنَيْهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَأَرَادَ أَنْ يَكحِّلَهُمَا فنهاه أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُضَمِّدَهُمَا بِالصَّبِرِ، وَحَدَّثَهُ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ عَنْ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهُ. أخرجه الخمسة (٢) إلا البخاري. [صحيح].
زاد أبو داود (٣): "وَكَانَ أَبَانُ أمِيرَ المَوْسِمِ". [صحيح].
قوله: "فنهاه أبان بن عثمان" تضميد العين بالصبر ونحوه مما ليس [١١٥ ب] بطيب جائز للمحرم ولا فدية عليه، ويجوز للمحرم الاكتحال بكحلٍ لا طيب فيه بالاتفاق، ويكره لمن قصد به الزينة عند الشافعي (٤) ومنعه ابن حنبل (٥).
٣٤ - وعن ابن عمر ﵄: أَنَّهُ نَظَرَ فِي مِرْآةٍ لِشَكْوَى بِعَيْنَيْهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ. أخرجه مالك (٦). [موقوف صحيح].
قوله: "نظر في مرآة" تقدم جوازه عن ابن عباس، والأصل جواز كل ما ذكر ما لم يأت دليل بتحريمه.
٣٥ - وعن ابن عباس ﵄ قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولَ الله ﷺ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مَحْرِمٌ. أخرجه الخمسة (٧) وهذا لفظ الشيخين. [صحيح].
стр. 1429
زاد البخاري (١) في أخرى: فِي عُمْرةِ القَضَاءِ وَبَنَى بِهَا وَهُوَ حَلَالٌ وَمَاتَتْ بِسَرِفَ. [صحيح].
وقال أبو داود (٢): قال ابن المسيب: وَهِمَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فِي تَزْوِيجِ مَيْمُوْنَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ. [صحيح مقطوع].
وفي أخرى للنسائي (٣): تَزَوَّجَ النبي ﷺ وهُوَ مُحْرِمٌ وَلَمْ يَذْكُرْ مَيْمُونَةَ ﵂. [شاذّ].
قوله: "في حديث ابن عباس تزوج ميمونة وهو محرم" أي: عقد عقد نكاحها وهو كذلك للإجماع على فساد الجماع للحج والعمرة, وقد اختلف في تزوجه ﷺ ميمونة، فالذي قاله ابن عباس: "أنه كان ﷺ محرماً"، وجاء نحوه عن عائشة وأبي هريرة، وجاء عن ميمونة نفسها أنه كان حلالاً، وعن أبي رافع مثله كما يأتي، وأنه كان السفير بينهما.
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة، فالجمهور (٤) على المنع لحديث عثمان: "لا ينكح المحرم ولا ينكح" أخرجه مسلم (٥)، وأجابوا (٦) عن حديث ميمونة هذا بأنه اختلف في الواقعة كيف كانت فلا تقوم به حجة، ولأنه يحتمل الخصوصية فكان حديث النهي أولى أن يؤخذ به.
стр. 1430
وقال عطاء وعكرمة وأهل الكوفة (١): يجوز للمحرم أن يتزوج كما يجوز له أن يشتري الجارية للوطء، وتعقب بأنه قياس في مقابلة السنة فلا يعتد به.
وتأولوا حديث عثمان بأن المراد به الوطء، وردَّ بأنه صريح بقوله: "ولا يُنكح" بضم أوله، وبقوله: "لا يخطب".
قوله: "أخرجه الخمسة".
قلت: وقال الترمذي (٢) بعد روايته أنه حديث حسن صحيح، قال: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري وأهل الكوفة. انتهى.
٣٦ - وعن أبي رافع ﵁ قَالَ: تَزَوَّجَ النبي ﷺ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ، وَبَنَى بِهَا وَهُوَ حَلَالٌ، وَكُنْتُ أَنَا الرَّسُولُ بَيْنَهُمَا. أخرجه الترمذي (٣). [حسن].
стр. 1431
"بنى الرجل بزوجته" دخل بها، وقال الجوهري (١): لا يقال بنى بها بل بنى عليها.
قوله: "أخرجه الترمذي" [١١٦ ب].
قلت: وقال (٢): قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، ولا أعلم أحداً أسنده غير حماد بن زيد عن مطر الوراق عن ربيعة.
وروى مالك (٣) بن أنس عن ربيعة عن سليمان بن يسار: "أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال"، رواه مالك مرسلاً. انتهى.
ورواه أيضاً سليمان بن بلال مرسلاً.
٣٧ - وعن ميمومة ﵂ قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي رَسُولَ الله ﷺ وَنحْنُ حَلَالَانِ بِسَرِفَ. أخرجه مسلم (٤) وأبو داود (٥) والترمذي (٦)، وهذا لفظ أبي داود. [صحيح].
وعند مسلم (٧): تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ، قَالَ الرَّاوِي: وَهُوَ يَزيْد بن الأَصَمِّ: وكانت خالتي وخالة ابن عباس. [صحيح].
стр. 1432
وزاد الترمذي (١): وَبَنَى بِهَا حَلَالَاً وَمَاتَتْ بِسَرِفَ وَدَفَنَّاهَا فِي الظُّلَّةِ الّتِي بَنى بِهَا فِيهَا. [صحيح].
"سَرِف" بوزن كتِف: جبل بطريق المدينة.
قوله: "وزاد الترمذي وبنى بها بسرف" إلى آخره.
قلت: وقال عقبه: قال أبو عيسى (٢): هذا حديث غريب، وروى غير واحد هذا الحديث عن يزيد بن الأصم مرسلاً: "أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال".
٣٨ - وعن سليمان بن يسار قال: بَعَثَ النَّبيَّ ﷺ أَبَا رَافِعٍ مَوْلَاهُ وَرَجُلَاً مِنْ الأَنْصَارِ فَزَوَّجَاهُ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الحَارِثِ، وَرَسُولُ الله ﷺ بِالمَدِيْنَةِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ. أخرجه مالك (٣). [ضعيف].
قوله: "أخرجه مالك" أي: مرسلاً كما قدمناه عن الترمذي.
٣٩ - وعن عثمان ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "لَا يَنكِحُ المُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ وَلَا يَخْطُبُ". أخرجه الستة (٤) إلا البخاري. [صحيح].
قوله: "في حديث عثمان لا ينكح" بفتح المثناة التحتية وكسر الكاف، أي: لا يعقد لنفسه عقد النكاح.
فَقَالَ: "هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟ " فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَنَاوَلْتُهُ العَضُدَ فَأَكَلَهَا وَهْوَ مُحْرِمٌ, وَقَالَ: "إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ أَطْعَمْكُوهَا الله". أخرجه الستة (١). [صحيح].
وزاد في رواية لهم (٢): هُوَ حَلَالٌ فكُلُوه. [صحيح].
وفي أخرى (٣) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولَ الله ﷺ : "أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ؟ " قَالُوا لَا، قَالَ: فَكُلُوْا. [صحيح].
وفي أخرى (٤) قال: "أَشَرْتُمْ أَوْ أَعَنْتُمْ أَوِ اصَّدْتُمْ". [صحيح].
قوله: "عن أبي قتادة [١١٧ ب] " هذا هو النوع السادس في "الجامع" (٥) في الصيد.
وأبو قتادة (٦) اسمه الحارث ويقال: عمرو، أو النعمان بن الربعي بكسر الراء وسكون الموحدة بعدها مهملة، صحابي جليل شهد أحداً وما بعدها ولم يصح أنه شهد بدراً.
قوله: "وأنا غير محرم" قد استشكل عدم إحرامه، وقد جاوز الميقات، وقد تقرر أنّ من أراد أحد النسكين لا يجوز له مجاوزة الميقات إلا بإحرام.
قال القاضي (٧) في جوابه: إنّ المواقيت لم تكن وقتت، وقيل: إنه ﷺ بعثه وأصحابه لكشف عدوٍّ لهم بالساحل كما ذكر مسلم (٨) في الرواية الأخرى.
стр. 1435
وقيل: إنّ أبا قتادة لم يكن خرج معه ﷺ وإنما أخرجه أهل المدينة بعد ذلك ليعلم النبي ﷺ أن بعض العرب يقصدون الإغارة على المدينة.
وقيل: بل خرج معهم لكنه لم ينو حجاً ولا عمرة، قال القاضي (١): وهذا بعيد.
قوله: "وأحبّوا لو أني أبصرته" كأنه فهم محبتهم من القرائن، وفيه دليل على أنه لا لوم في محبة الإنسان لما يحرم عليه سببه وهو هنا الاصطياد.
قوله: "فغضبت" كأنه لم يعلم أنها تحرم عليهم الإعانة له، وفي رواية أنهم قالوا: "لسنا نعينك عليه بشي [١١٨ ب] إنّا محرمون"، وفيه دليل على أن قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (٢) شامل للإعانة عليه والإشارة مع أنهم ليسوا بقاتلين لكنهم شاركوا قاتله بالإعانة والإشارة، وأنه أريد في الآية ما هو أعم من المباشرة للقتل، أو كأنهم فهموا أنّ الإعانة محرمة من السنة، فإنه قد قال ﷺ : "أمنكم أحد أمره أن يحمل عليه أو أشار إليه؟ قالوا: لا"، فقد كانوا سبق علمهم بتحريم الإعانة، ويأتي أنه لا يحرم على المحرم إلا ما صاده أو صيد لأجله فلذا أكل ﷺ منها العضد، ويأتي التوفيق بين هذا وبين ردّه ﷺ لما أهداه له الصعب.
٤٣ - وَعَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ ﵁: أَنَّهُ أَهْدَى إِلَى رَسُولِ الله ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهْوَ بِالأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: "إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلاَّ أَنَّا حُرُمٌ". أخرجه الستة (٣) إلا أبا داود. [صحيح].
قوله: "وعن الصعب" (٤) اسمه يزيد بن قيس بن ربيعة الليثي.
وَ"جثامة" بفتح الجيم وتشديد المثلثة.
стр. 1436
قوله: "وهو بالأبواء" (١) بفتح الهمزة وسكون الموحدة والمد، جبل من عمل [١٧٥/ أ] الفرع بضم الفاء والراء بعدها مهملة.
قوله: "أو بودّان" (٢) شك من الراوي وهو بفتح الواو وتشديد الدال وآخره نون موضع بالجحفة.
قوله: "فلما رأى ما في وجهه" أي: من الكراهية وبهذا صرح الترمذي (٣)، ومثله لابن خزيمة في رواية الطبراني: "إنّا لم نردّه عليك كراهية له".
قوله: "إلا أنا حرم" زاد النسائي: "لا نأكل الصيد" وقد وردت أحاديث: "أنه ﷺ أكل من الصيد وهو محرم"، فأخذ بها الكوفيون وأجازوا للمحرم أكل الصيد وجزم الجمهور بحرمته وجمعوا (٤) بأنه يحرم ما صاده [١١٩ ب] بنفسه أو صيد لأجله، وأحاديث رده ﷺ محمولة على هذا، وأحاديث قبوله محمولة على أنه لم يصد لأجله كما ثبت به الحديث وهو "صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصاد لكم" يأتي قريباً أنه أخرجه أصحاب "السنن".
٤٤ - وفي أخرى للنسائي (٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ أَهْدَى إِلَى رَسُولِ الله ﷺ رِجْلَ حِمَارِ وَحْشٍ تَقْطُرُ دَمًا وَهُوَ مُحْرِمٌ بِقُدَيْدٍ فَرَدَّهَا عَلَيْهِ. [صحيح].
"والمُرَادُ بِرِجْلِ الحِمَارِ هُنَا فَخِذُهُ".
стр. 1437
قوله: "وفي أخرى للنسائي عن ابن عباس" وأخرجه مسلم (١) بلفظ: "أهدى الصعب رجل حماراً".
وفي رواية (٢) عنده: "عجز حمار وحش تقطر دماً" وهو يعارض الرواية التي فيها "حماراً وحشياً" (٣) فقال القرطبي (٤) في الجمع بينهما: يحتمل أنه أحضر الصعب الحمار مذبوحاً ثم قطع منه عضواً بحضرة النبي ﷺ ثم قدّمه له فمن قال لحم حمار أراد ما قدمه للنبي ﷺ ، قال: ويحتمل أن يكون من قال حماراً أطلق وأراد بعضه مجازاً، قال (٥): ويحتمل أنه أهداه له حيَّاً فلما رده عليه ذكاه وأتاه بعضوٍ منه ظاناً أنه إنما رده له لمعنى يختص بجملته فأعلمه بامتناعه أنّ حكم الجزء من الصيد حكم الكل.
قال (٦): والجمع بينهما إذا أمكن أولى من توهيم بعض الروايات.
وقال الشافعي (٧): حديث مالك أنَّ الصعب أهدى حماراً أثبت من رواية من روى أنه أهدى لحم حمار.
وقال الترمذي (٨): روى بعض أصحاب الزهري في حديث الصعب "لحم حمار وحش" وهو غير محفوظ. انتهى.
стр. 1438
فكلام القرطبي (١) جمع بين الروايات، وكلام الشافعي والترمذي ترجيح لرواية من قال: حمار وحش.
٤٥ - وعن جابر ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: صَيْدُ الَبرِّ لَكُمْ حَلَالٌ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَادُ لَكُمْ.
أخرجه أصحاب السنن (٢). [ضعيف].
قوله: "أو يصاد لكم" هكذا الرواية بالألف وهي جائزة على لغة، ومنه:
أَلَمْ يأتيكَ والأنباءُ تَنْمِي (٣) [١٢٠ ب].
قوله: "في حديث جابر صيد البر لكم حلال ... " الحديث.
وقوله: "أخرجه أصحاب السنن".
стр. 1439
قلت: قال الترمذي (١): قال أبو عيسى حديث جابر مفسر، والمطلب لا نعرفه له سماعاً من جابر، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم. انتهى كلامه.
ونقل المنذري في "مختصر السنن" (٢) كلام الترمذي هذا في أنّ المطلب (٣) لم يسمع من جابر ثم قال: وذكر أبو حاتم (٤) أنه لم يسمع من جابر، وقال: ابنه عبد الرحمن بن أبي حاتم: يشبه أن يكون أدركه. انتهى.
والحاصل أنّ روايته ليست إلا من طريق المطلب عن جابر.
٤٦ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: كُنَّا مَعَ طَلْحَةَ وَنَحْنُ حُرُمٌ فَأُهْدِىَ لَنَا طَيْرٌ وَطَلْحَةُ رَاقِدٌ فَمِنَّا مَنْ أَكَلَ مِنْهُ وَمنَّا مَنْ تَوَرَّعَ فَلَمْ يَأْكُلْ فَاسْتَيْقَظَ طَلْحَةُ وَوَفَّقَ مَنْ أَكَلَهُ، وَقَالَ أَكَلْنَاهُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ . أخرجه مسلم (٥) والنسائي (٦). [صحيح].
"وَفَّقَ مَنْ أَكلَهُ" (٧) أي صوَّب رأيه.
قوله: "عن عبد الرحمن بن عثمان" هو ابن عبيد الله بن عثمان قرشي، وهو ابن أخي طلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن صحابي قيل: له إدراك وليست له رواية.
стр. 1440
قوله: "وقال أكلناه مع رسول الله ﷺ " هو محمول على أنه لم يصد لأجلهم، وعليه يحمل حديث عثمان، وأنه إنما يحرم على من صيد لأجله، ويحل لغيره من المحرمين لأنهم ما صادوه ولا صيد لأجلهم.
٤٧ - وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: أُتِيَ عُثْمَانَ ﵁ بِلَحْمَ صَيْدٍ وَهُوَ بِالعَرْجِ، فَقَالَ لأَصْحَابِهِ كُلُوا. فَقَالُوا أَوَلاَ تَأْكُلُ أَنْتَ؟ فَقَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنَّمَا صِيدَ مِنْ أَجْلِى. أخرجه مالك (١) [موقوف صحيح].
٤٨ - وَعَنْ عُرْوَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ لَهُ وَقَدْ سَأَلْهَا عَنْ لَحْمِ صَيْدٍ لَمْ يُصَدْ مِنْ أَجْلِهِ؛ يَا ابْنَ أُخْتِي! إِنَّمَا هِيَ عَشْرُ لَيَالٍ، فَإِنْ تَخَلَّجَ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ فَدَعْهُ. أخرجه مالك (٢).
٤٩ - وَعَنِ البَهْزِيِّ ﵁، وَاسْمُهُ زَيْدِ بْنِ كَعْبٍ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ خرَجَ يُرِيدُ مَكَّةَ وَهو مُحْرِمٌ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالرَّوْحَاءِ إِذَا حِمَارُ وَحْشٍ عَقِيرٌ فَذُكِرَ لِرَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ: "دَعُوهُ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَجِيْءَ صَاحِبُهُ"، فَجَاءَ البَهْزِيُّ وَهُوَ صَاحِبُهُ، إِلَى رَسُوْلِ الله ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! شَأْنَكُمْ بِهَذَا الحِمَارِ، فَأَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ أبا بَكْرٍ يُقَسِّمَهُ بَيْنَ الرِّفَاقِ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى إِذَا كَانَ بِالإثَايَةِ بَيْنَ الرُّوَيْثَةِ وَالعَرْجِ إِذَا ظَبْيٌ حَاقِفٌ فِي ظِلٍّ وَفِيهِ سَهْمٌ فَزَعَمَ أَنَّ النَّبيّ ﷺ أَمَرَ رَجُلاً أَنْ يَقِفَ عِنْدَهُ لاَ يَرِيبُهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يُجَاوِزُهُ. أخرجه مالك (٣) والنسائي (٤). [صحيح].
"الحَاقِفُ" (٥) الذي انحنى وتثنَّى في نومه.
قوله: "وعن البهزي" بفتح الموحدة وسكون الهاء فزاي، واسمه كما قال "المصنف" وفي "التقريب" (٦): صحابي له حديث.