قوله: "وهو بالأبواء" (١) بفتح الهمزة وسكون الموحدة والمد، جبل من عمل [١٧٥/ أ] الفرع بضم الفاء والراء بعدها مهملة.
قوله: "أو بودّان" (٢) شك من الراوي وهو بفتح الواو وتشديد الدال وآخره نون موضع بالجحفة.
قوله: "فلما رأى ما في وجهه" أي: من الكراهية وبهذا صرح الترمذي (٣)، ومثله لابن خزيمة في رواية الطبراني: "إنّا لم نردّه عليك كراهية له".
قوله: "إلا أنا حرم" زاد النسائي: "لا نأكل الصيد" وقد وردت أحاديث: "أنه ﷺ أكل من الصيد وهو محرم"، فأخذ بها الكوفيون وأجازوا للمحرم أكل الصيد وجزم الجمهور بحرمته وجمعوا (٤) بأنه يحرم ما صاده [١١٩ ب] بنفسه أو صيد لأجله، وأحاديث رده ﷺ محمولة على هذا، وأحاديث قبوله محمولة على أنه لم يصد لأجله كما ثبت به الحديث وهو "صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصاد لكم" يأتي قريباً أنه أخرجه أصحاب "السنن".
٤٤ - وفي أخرى للنسائي (٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ أَهْدَى إِلَى رَسُولِ الله ﷺ رِجْلَ حِمَارِ وَحْشٍ تَقْطُرُ دَمًا وَهُوَ مُحْرِمٌ بِقُدَيْدٍ فَرَدَّهَا عَلَيْهِ. [صحيح].
"والمُرَادُ بِرِجْلِ الحِمَارِ هُنَا فَخِذُهُ".
стр. 1437
قوله: "وفي أخرى للنسائي عن ابن عباس" وأخرجه مسلم (١) بلفظ: "أهدى الصعب رجل حماراً".
وفي رواية (٢) عنده: "عجز حمار وحش تقطر دماً" وهو يعارض الرواية التي فيها "حماراً وحشياً" (٣) فقال القرطبي (٤) في الجمع بينهما: يحتمل أنه أحضر الصعب الحمار مذبوحاً ثم قطع منه عضواً بحضرة النبي ﷺ ثم قدّمه له فمن قال لحم حمار أراد ما قدمه للنبي ﷺ ، قال: ويحتمل أن يكون من قال حماراً أطلق وأراد بعضه مجازاً، قال (٥): ويحتمل أنه أهداه له حيَّاً فلما رده عليه ذكاه وأتاه بعضوٍ منه ظاناً أنه إنما رده له لمعنى يختص بجملته فأعلمه بامتناعه أنّ حكم الجزء من الصيد حكم الكل.
قال (٦): والجمع بينهما إذا أمكن أولى من توهيم بعض الروايات.
وقال الشافعي (٧): حديث مالك أنَّ الصعب أهدى حماراً أثبت من رواية من روى أنه أهدى لحم حمار.
وقال الترمذي (٨): روى بعض أصحاب الزهري في حديث الصعب "لحم حمار وحش" وهو غير محفوظ. انتهى.
стр. 1438
فكلام القرطبي (١) جمع بين الروايات، وكلام الشافعي والترمذي ترجيح لرواية من قال: حمار وحش.
٤٥ - وعن جابر ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: صَيْدُ الَبرِّ لَكُمْ حَلَالٌ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَادُ لَكُمْ.
أخرجه أصحاب السنن (٢). [ضعيف].
قوله: "أو يصاد لكم" هكذا الرواية بالألف وهي جائزة على لغة، ومنه:
أَلَمْ يأتيكَ والأنباءُ تَنْمِي (٣) [١٢٠ ب].
قوله: "في حديث جابر صيد البر لكم حلال ... " الحديث.
وقوله: "أخرجه أصحاب السنن".
стр. 1439
قلت: قال الترمذي (١): قال أبو عيسى حديث جابر مفسر، والمطلب لا نعرفه له سماعاً من جابر، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم. انتهى كلامه.
ونقل المنذري في "مختصر السنن" (٢) كلام الترمذي هذا في أنّ المطلب (٣) لم يسمع من جابر ثم قال: وذكر أبو حاتم (٤) أنه لم يسمع من جابر، وقال: ابنه عبد الرحمن بن أبي حاتم: يشبه أن يكون أدركه. انتهى.
والحاصل أنّ روايته ليست إلا من طريق المطلب عن جابر.
٤٦ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: كُنَّا مَعَ طَلْحَةَ وَنَحْنُ حُرُمٌ فَأُهْدِىَ لَنَا طَيْرٌ وَطَلْحَةُ رَاقِدٌ فَمِنَّا مَنْ أَكَلَ مِنْهُ وَمنَّا مَنْ تَوَرَّعَ فَلَمْ يَأْكُلْ فَاسْتَيْقَظَ طَلْحَةُ وَوَفَّقَ مَنْ أَكَلَهُ، وَقَالَ أَكَلْنَاهُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ . أخرجه مسلم (٥) والنسائي (٦). [صحيح].
"وَفَّقَ مَنْ أَكلَهُ" (٧) أي صوَّب رأيه.
قوله: "عن عبد الرحمن بن عثمان" هو ابن عبيد الله بن عثمان قرشي، وهو ابن أخي طلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن صحابي قيل: له إدراك وليست له رواية.
стр. 1440
قوله: "وقال أكلناه مع رسول الله ﷺ " هو محمول على أنه لم يصد لأجلهم، وعليه يحمل حديث عثمان، وأنه إنما يحرم على من صيد لأجله، ويحل لغيره من المحرمين لأنهم ما صادوه ولا صيد لأجلهم.
٤٧ - وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: أُتِيَ عُثْمَانَ ﵁ بِلَحْمَ صَيْدٍ وَهُوَ بِالعَرْجِ، فَقَالَ لأَصْحَابِهِ كُلُوا. فَقَالُوا أَوَلاَ تَأْكُلُ أَنْتَ؟ فَقَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنَّمَا صِيدَ مِنْ أَجْلِى. أخرجه مالك (١) [موقوف صحيح].
٤٨ - وَعَنْ عُرْوَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ لَهُ وَقَدْ سَأَلْهَا عَنْ لَحْمِ صَيْدٍ لَمْ يُصَدْ مِنْ أَجْلِهِ؛ يَا ابْنَ أُخْتِي! إِنَّمَا هِيَ عَشْرُ لَيَالٍ، فَإِنْ تَخَلَّجَ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ فَدَعْهُ. أخرجه مالك (٢).
٤٩ - وَعَنِ البَهْزِيِّ ﵁، وَاسْمُهُ زَيْدِ بْنِ كَعْبٍ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ خرَجَ يُرِيدُ مَكَّةَ وَهو مُحْرِمٌ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالرَّوْحَاءِ إِذَا حِمَارُ وَحْشٍ عَقِيرٌ فَذُكِرَ لِرَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ: "دَعُوهُ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَجِيْءَ صَاحِبُهُ"، فَجَاءَ البَهْزِيُّ وَهُوَ صَاحِبُهُ، إِلَى رَسُوْلِ الله ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! شَأْنَكُمْ بِهَذَا الحِمَارِ، فَأَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ أبا بَكْرٍ يُقَسِّمَهُ بَيْنَ الرِّفَاقِ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى إِذَا كَانَ بِالإثَايَةِ بَيْنَ الرُّوَيْثَةِ وَالعَرْجِ إِذَا ظَبْيٌ حَاقِفٌ فِي ظِلٍّ وَفِيهِ سَهْمٌ فَزَعَمَ أَنَّ النَّبيّ ﷺ أَمَرَ رَجُلاً أَنْ يَقِفَ عِنْدَهُ لاَ يَرِيبُهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يُجَاوِزُهُ. أخرجه مالك (٣) والنسائي (٤). [صحيح].
"الحَاقِفُ" (٥) الذي انحنى وتثنَّى في نومه.
قوله: "وعن البهزي" بفتح الموحدة وسكون الهاء فزاي، واسمه كما قال "المصنف" وفي "التقريب" (٦): صحابي له حديث.
стр. 1441
قوله: "بالروحاء" (١) قرية جامعة على ليلتين من المدينة، وحديثه في الحمار محمول على ما سلف فإنه لم يصد لأجلهم.
قوله: "الرويثة" (٢) بالراء والمثلثة مصغّر، قرية [١٢١ ب] جامعة بينها وبين المدينة سبعة عشر فرسخاً.
وَ"العرج" (٣) بفتح المهملة وسكون [الراء] (٤) وبالجيم قرية جامعة بينها وبين الرويثة ثلاثة عشر ميلاً.
قوله: "حاقف" أي: نائم قد انحنى في نومه.
قوله: "لا يربيه" بفتح حرف المضارعة لا يتعرض له ويزعجه، وإنما أمر أن لا يربيه أحد لما رأى فيه من السهم فإنه قد صار لصاحب السهم.
٥٠ - وعن عروة أن الزبير ﵁: كَانَ يَتَزَوَّدُ صَفِيفَ قَدِيدِ الظَّبَاءِ وَهُوَ مُحْرِمٌ. أخرجه مالك (٥). [موقوف صحيح].
"الصَّفِيفُ وَالقَدِيدُ" (٦) اللحم المملوح المُجَفَّفُ في الشمس، سمي صفيفاً لأنه يُصَف في الشمس لِيَجفَّ (٧).
стр. 1442
قوله: "في حديث عروة قديد الظباء" محمول على أنه صيد له قبل إحرامه.
٥١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَاسْتَقْبَلْنَا رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ فَجَعَلْنَا نَضْرِبُهُ بِسِيَاطِنَا وَقِسِيِّنَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "كلُوهُ فَإِنَّهُ مِنْ صَيْدِ البَحْرِ". أخرجه أبو داود (١) والترمذي (٢) [ضعيف جداً].
"الرِّجْلُ مِنَ الجَرَادِ" (٣) بكسر الراء وسكون الجيم: القطعة منه.
قوله: "في حديث أبي هريرة رجل جراد" والعرب تسمي جماعة الجراد رجلاً، وجماعة الظباء سرباً (٤)، وجماعة النعام (٥) خطباً، وجماعة الحمير (٦) عانة.
قوله: "أخرجه الترمذي".
قلت: وقال: قال (٧) أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي المهزَّم عن أبي هريرة، وأبو المهزَّم (٨) اسمه يزيد بن سفيان وقد تكلم فيه شعبة.
стр. 1443
وقد رخص قوم من أهل العلم للمحرم أن يصيد الجراد ويأكله، ورأى بعضهم عليه صدقة إذا اصطاده أو أكله. انتهى كلامه.
وقال المنذري (١): أبو المهزَّم متروك وهو بضم الميم وفتح الهاء وكسر الزاي وتشديدها وبعدها ميم، قال أبو بكر المعافري: ليس في هذا الباب حديث صحيح. انتهى. [١٢٢ ب].
٥٢ - وعن كعب قال: الجَرَادُ مِنْ صَيْدِ البَحْرِ. أخرجه مالك (٢) وأبو داود (٣). [ضعيف].
٥٣ - وزاد مالك: أن عمر ﵁ قال له: وما يدريك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، والذي نفسي بيده إن هي إلا نثرة حوت ينثره في كل عام مرتين.
"النَّثْرَةُ" (٤) للدواب بالنون: [شِدّة العَطْسَة] (٥) يقال نَثرَتِ الشاة إذا طَرَحت عن أنفها الأذى.
٥٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ نُفِسَتْ بِمُحمَّدِ بنِ أَبِي بَكْرٍ بِالشَّجَرَةِ فَأَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَأْمُرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُهِلَّ. أخرجه مسلم (٦) وأبو داود (٧). [صحيح].
"نُفِسَتِ المَرْأَةُ" بضم النون وفتحها: إذا ولدت.
стр. 1444
قوله: "في حديث عائشة نفست بالشجرة" بفتح النون وضمّها، يقال للمرأة إذا ولدت، وبالفتح وحده إذا حاضت، ويأتي للمصنف تفسيره، قيل: والفتح أفصح فيهما، قال النووي (١): سمي نفاساً لخروج النفس وهو المولود والدم أيضاً.
قوله: "بالشجرة" في رواية "بذي الحليفة" وفي رواية: "بالبيداء"، وهذه المواضع الثلاثة متقاربة فالشجرة بذي الحليفة والبيداء بطرفها وكانت سمرة، وكان ﷺ ينزلها من المدينة ويحرم منها وكانت على ستة أميال من المدينة.
٥٥ - وعن أسماء بنت عميس ﵂: أَنَّهَا وَلَدَتْ مَحمَّداً بِالبَيْدَاءِ: وَذَكَرَ مِثْلَهُ. أخرجه مالك (٢) والنسائي (٣). [صحيح].
وفي رواية مالك (٤): بِذِي الحُلَيْفَةِ فَأَمَرَهَا أَبُو بَكْرٍ أَنْ تَغْتَسِلَ ثُمَّ تُهِلَّ. [صحيح لغيره].
زاد النسائي (٥) في أخرى: ثُمَّ تُهِلُّ بِالحَجِّ وَتَصْنَعُ مَا يَصْنَعُ النَّاسُ إِلَّا أَنَّهَا لَا تَطُوفُ بِالبَيْتِ، وَذلِكَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ. [صحيح].
وفي أخرى له (٦): أَرْسَلْتُ إِلَى رَسُولَ الله ﷺ كَيْفَ أَصْنَعُ؟ فَقَالَ: "اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي ثُمَّ أَهِلِّي. [صحيح].
"اسْتَثْفَرَتِ الحَائِضُ" (٧) إِذَا شَدَّت على فرجها خِرْقة وعَلَّقت طرَفيها إلى شيء مشدود في وسطها من مُقَدَّمها ومؤخرها. مَأْخُوذٌ من ثَفَر الدابة: وهو ما يكون تحت ذَنبَها.
стр. 1445
قوله: "في حديث أسماء بنت عميس" وهي امرأة أبي بكر.
قوله: "واستثفري" يأتي تفسيره للمصنف بما ذكره ابن الأثير (١).
قال النووي (٢): وفيه صحة إحرام النفساء والحائض [١٧٦/ أ] واستحباب اغتسالهما للإحرام وهو مجمع على الأمر به، وقال أهل الظاهر (٣) أنه واجب ويصح من الحائض والنفساء يصح منهما كل [أفعال الحج] (٤) إلا الطواف وركعتيه. انتهى.
قلت: ويأتي عن ابن عمر بزيادة: "أنها لا تطوف بين الصفا والمروة"، وإن كان موقوفاً عليه فهو ثابت في المرفوع، وهل هو لترتبه ما في تقديم طوافها بالبيت أو لغيره وحديثه وحديث ابن عباس في معنى واحد. [١٢٣ ب].
٥٦ - وَعَنْ ابْنَ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ قَالَ في المَرْأَةُ الحَائِضُ الَّتِي تُهِلُّ بِالحَجِّ أَوِ العُمْرَةِ: إِنَّهَا تُهِلُّ بِحَجِّهَا أَوْ عُمْرَتِهَا إِذَا أَرَادَتْ، وَلَكِنْ لاَ تَطُوفُ بِالبَيْتِ وَلاَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوةِ، وَتَشْهَدُ المَنَاسِكَ كُلَّهَا مَعَ النَّاسِ، وَلاَ تَقْرَبُ المَسْجِدَ حَتَّى تَطْهُرَ. أخرجه مالك (٥). [موقوف صحيح].
٥٧ - وعن ابن عباس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "النُّفَسَاءُ وَالحَائِضُ إِذَا أَتَتَا عَلَى الميْقَاتِ تَغْتَسِلَانِ وَتَحْرِمَانِ وَتَقْضِيَانِ المَنَاسِكَ كُلَّهَا غيرَ الطَّوَافِ بِالبَيْتِ". أخرجه أبو داود (٦) والترمذي (٧). [صحيح].
стр. 1446
٥٨ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى المُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ: الغُرَابُ وَالحِدْأَةُ، وَالعَقْرَبُ, وَالفَأْرَةُ, والكَلْبُ العَقُوْرُ. أخرجه الستة (١) إلا الترمذي. [صحيح].
وفي رواية (٢): لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِي الحَرَمِ والإِحْرَامِ. [صحيح].
وفي أخرى لأبي داود (٣) والترمذي (٤) عن أبي سعيد الخدري: والسبع العادي. [ضعيف].
والمراد به الذي يعدو على الإنسان فيفترسه, وسيجيء لما يجوز قتله من الدواب باب في كتاب القتل من حرف القاف إن شاء الله تعالى.
قوله: "وعن ابن عمر" هذا النوع الثامن في "الجامع" (٥) وهو فيما يقتله المحرم من الدواب.
"خمس من الدواب" مفهوم العدد غير مراد فقد وردت أحاديث (٦) بقتل غيرها.
قوله: "والحدأة" (٧) بالهمزة على زنة عنبة ويجوز فتح أوله, طائر معروف وسمي الحدا بكسر أوله وفتح ثانية بعدها همزة بغير مد وهو لفظ البخاري (٨) هنا.
стр. 1447
قوله: "العقور" العضوض فعول بمعنى فاعل، وهو من أبنية المبالغة، والمراد به كل سبع عاقر كالكلب والأسد والنمر، قاله في "الجامع" (١) ويناسبه رواية (٢) الترمذي عن الخدري بلفظ "السبع العادي".
٥٩ - وَعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ أُمِّهِ: أَنَّهَا سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تُسْأَلُ عَنِ المُحْرِمِ أَيَحُكُّ جَسَدَهُ, قَالَتْ نَعَمْ فَلْيَحُكَّهُ وَلْيَشْدُدْ، ثُمَّ قَالَتْ: لَوْ رُبِطَتْ يَدَايَ وَلَمْ أَجِدْ إِلاَّ رِجْلَيَّ لَحَكَكْتُ. أخرجه مالك (٣). [موقوف حسن].
قوله: "عن علقمة بن أبي علقمة" اسم أبي علقمة بلال مولى عائشة أم المؤمنين، روى عن أنس بن مالك وعن أمه، روى عنه مالك بن أوس وسليمان بن بلال.
قوله: "عن أمه" قال الحافظ (٤): اسمها مرجانة.
قوله: "قالت: نعم" وفي البخاري (٥) "ولم ير ابن عمر وعائشة بالحك بأساً".
قال الحافظ (٦): أمّا أثر ابن عمر فوصله البيهقي من طريق أبي مجلز قال: "رأيت ابن عمر يحك رأسه وهو محرم ففطنت له فإذا هو يحك بأطراف أنامله".
وأمّا أثر عائشة فوصله مالك عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه، وساق الحديث الذي هنا وهذان الأمران وإن كانا موقوفين فالأصل جواز الحك ولم يأت عنه نهي.
٦٠ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ حُجَّاجًا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالعَرْجِ نَزَلَ رَسُولُ الله ﷺ وَنَزَلْنَا فَجَلَسَتْ عَائِشَةُ إِلَى جَنْبِ رَسُولِ الله ﷺ وجَلَسْتُ إِلَى
стр. 1448
جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ فَكَانَتْ زَامَلَةْ رَسُولِ الله ﷺ وَزَامِلَةُ أَبِي بَكْرِ وَاحِدَةً مَعَ غُلاَمٍ لأَبِي بَكْرٍ ﵁ فَجَلَسَ أَبُو بَكْرٍ [يَنْتَظِرُ] (١) أَنْ يَطْلُعَ عَلَيْهِ فَطَلَعَ وَلَيْسَ مَعَهُ بَعِيرُهُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَيْنَ بَعِيرُكَ؟
فَقَالَ: أَضلَلْتُهُ البَارِحَةَ، فَقَالَ أبُو بَكْرٍ: بَعِيرٌ وَاحِدٌ تُضِلُّهُ؟ وَطَفِقَ يَضْرِبُهُ وَرَسُولُ الله ﷺ يَتبَسَّمُ وَيَقُولُ: "انْظُرُوا إِلَى هَذَا المُحْرِمِ مَا يَصْنَعُ"، وَمَا يَزِيْدُ عَلَى ذَلِكَ وَيَتَبَسَّمُ. أخرجه أبو داود (٢). [حسن].
قوله: "وعن أسماء بنت أبي بكر [١٢٤ ب] " هذا جعله ابن الأثير (٣) نوعاً كما جعل حكّ الجسد نوعاً فقال هنا: النوع العاشر في الضرب وساق حديث أسماء.
قوله: "وكانت زاملة رَسُولَ الله ﷺ " الزاملة بالزاي البعير الذي يحمل عليه الطعام والمتاع، من الزمل وهو الحمل، وفي "غريب الجامع" (٤): ما يحمل عليه الرجل زاده [وأدواته] (٥) وما يركبه.
قوله: "انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع" فيه جواز ضرب الخادم تأديباً ولو كان الضارب محرماً؛ لأنه ﷺ لم ينه أبا بكر.
قوله: "أخرجه أبو داود" قال المنذري (٦): فيه محمد بن إسحاق وقد تقدم الكلام فيه.
٦١ - وعن ربيعة بن عبد الله: أَنَّهُ رَأَى عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ يُقَرِّدُ بَعِيراً لَهُ وَهُوَ مُحْرِمُ (٧). [موقوف صحيح].
стр. 1449
قوله: "في حديث ربيعة يقرد" بضم حرف المضارعة وقاف وتشديد الراء، يأتي تفسيره وهذا الأمر مقرر للأصل، فالأصل إباحة ذلك فكراهة ابن عمر كما رواه نافع لا دليل عليها.
٦٢ - وعن نافع قال: كَانَ ابْنُ عُمرَ يَكْرَهُ أَنْ يَنْزِعَ المُحْرِمُ حَلمةً أَوْ قُرَاداً مِنْ بَعِيرِهِ. (١) أخرجهما مالك. [موقوف صحيح].
ومعنى "يُقَرِّدُ" (٢) أي: ينزع عنه القُرْدان جمع قُراد وهو دُوَيبَة معروفة.
"والحَلَمَةُ" (٣) جمعها حلَم وهي: ما عظم من القراد.
الفرع الأول (٤): في التلبية
قوله: "الفرع الثاني" قد سبق له أن الأصل فيه ثلاثة فروع، فلما فرغ من الأول أخذ في الثاني، وهكذا صنع ابن الأثير في جعله فرعاً ثانياً لكنه قسمه إلى نوعين.
والتلبية مصدر لبى إذا قال: لبيك ولا [١٢٥ ب] يكون عامله إلا مضمراً.
قال ابن عبد البر (٥): قال جماعة من أهل العلم: معنى التلبية إجابة دعوة إبراهيم حين أذّن في الناس بالحج. انتهى.
قال الحافظ (٦): وهذا أخرجه عبد بن حميد (٧)، وابن جرير (٨)، وابن أبي حاتم (٩)، بأسانيدهم في تفاسيرهم عن ابن عباس ومجاهد وعطاء وعكرمة وقتادة وغير واحد،
стр. 1450
والأسانيد إليهم قوية وأقوى ما فيه عن ابن عباس ما أخرجه ابن أبي حاتم (١) من طريق قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عنه "لمّا فرغ إبراهيم من بناء البيت قيل له: أذِّن في الناس بالحج قال: ما يبلغ صوتي، قال: أذِّن وعليَّ البلاغ، قال: فنادى إبراهيم: يا أيها الناس! كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، فسمعه من بين السماء والأرض، أفلا ترون أنّ الناس يجيئون من أقصى الأرض يلبّون".
ومن طريق (٢) ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس وفيه: "فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وأوّل من أجابه أهل اليمن فليس حاجٌ يحج من يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلا من كان أجاب إبراهيم يومئذ".
قال ابن منير (٣): وفي مشروعية التلبية تنبيه على إكرام الله لعباده بأن وفودهم إلى بيته إنما كان باستدعاء منه ﷺ . انتهى.
١ - عن ابن عمر ﵄ قَالَ: بَيْدَاؤُكُمْ هَذِهِ الَّتِي تَكْذِبُونَ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ فِيهَا: مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ المَسْجِدِ: يَعْنِي مسجد ذي الحُلَيْفَةِ. أخرجه الستة (٤). [صحيح].
وفي رواية (٥): مَا أَهَلَّ إِلَّا مَنْ عِنْدِ الشَّجَرَةِ حِينَ قَامَ بِهِ بَعِيرُهُ. [صحيح].
وفي أخرى للنسائي (٦): قِيْلَ لِابْنِ عُمَرَ: رَأَيْتُكَ تُهِلُّ إِذَا اسْتَوَتْ بِكَ رَاحِلَتُكَ؟ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَفْعَلهُ. [صحيح].
اعلم أن حديث ابن جبير عن ابن عباس [١٢٦ ب] أحسن شيء يجمع به بين الروايات هذه، ويظهر منه أنه لا يكذب في شيء لا من قال: من البيداء ولا غير، فيجب التمسك به وقد عين ابن عباس محل ابتدائه ﷺ بالإهلال، وأنه أوجب في مصلاه، وأهلّ حين استقلت به راحلته، فما أجوده من حديث!
هذا واعلم أنّ في حكم التلبية أقوالٌ أربعة؛ الأول: أنها سنة من "السنن" لا يجب بتركها شيء وهو قول الشافعي (١) وأحمد (٢).
والثاني: أنها واجبة (٣) ويجب بتركها دم.
الثالث: أنها واجبة لكن يقوم مقامها فعل يتعلق بالحج كالتوجه على الطريق.
الرابع: أنها ركن من الإحرام لا ينعقد بدونها، حكاه ابن عبد البر (٤) عن الثوري وأبي حنيفة (٥) وأهل الظاهر (٦) قالوا: هي نظير تكبيرة الإحرام للصلاة, وهو قول عطاء (٧).
قلت: وهو أقوى الأقوال.
٤ - وعن نافع قال: كان ابن عمر ﵄ إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية، ثم يبيت بذي طوى، ويصلي بها الصبح، ثم يغتسل، ويحدث أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك.
стр. 1453
أخرجه الثلاثة (١). [صحيح].
قوله: "عن نافع" إلى قوله: "ذي طوى" (٢) بتليين الطاء مقصور منّون، وغير منّون واد بقرب مكة.
٥ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رَسُولَ اللهِ ﷺ : "يلبي المقيم أو المعتمر حتى يستلم الحجر". أخرجه أبو داود (٣) [ضعيف مرفوعاً، صحيح موقوف على ابن عباس] والترمذي (٤).
وعنده: كَانَ يُمْسِكُ عَنِ التَّلْبِيَةِ فِي العُمْرَةِ إِذَا اسْتَلَمَ الحجَرَ. [موقوف صحيح].
قوله: "في حديث ابن عباس يلبي المقيم أو المعتمر" كأنه يريد بالمقيم المعتمر [١٢٧ ب] من أهل مكة.
قوله: "أخرجه أبو داود".
قلت: وقال أبو داود (٥) رواه عبد الملك بن أبي [سليمان] (٦) وهمام عن عطاء عن ابن عباس موقوفاً. انتهى.
ورواه أبو داود (٧) أولاً مرفوعاً.
стр. 1454
ولكن قال المنذري (١): فيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قد تكلم فيه جماعة من الأئمة.
٦ - وعن ابن عمر ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُهِلُّ مُلَبِيَّاً وَفِي رِوَايَةٍ مُلَبِّدَاً، يَقُولُ: لَبَّيْكَ اللهمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيْكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وِالنِّعْمَةَ لَكَ والمُلْكَ لَا شَرِيْك لَكَ، لَا يَزِيْدُ عَلَى هَذ الكَلِمَاتِ. أخرجه الستة (٢). [صحيح].
قوله: "إن الحمد" روي بكسر الهمزة (٣) على الاستئناف، وبفتحها على التعليل والكسر أجود عند الجمهور.
قال ثعلب: لأن من كسر جعل معناه الحمد لك على كل حال، ومن فتح فإن معناه: لبيك لهذا السبب.
قال ابن دقيق العيد (٤): الكسر أجود؛ لأنه يقتضي أن تكون الإجابة مطلقة غير معللة. [١٧٧/ أ].
٧ - زاد في رواية (٥): وكان عبد الله بن عمر يقول: كان عمر بن الخطاب يهل بإهلال رَسُولَ اللهِ ﷺ من هؤلاء الكلمات ويقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك، لبيك والرغباء إليك والعمل. [صحيح].
وزاد أبو داود (٦) في أخرى عن جابر، فذكر مثل ما قال ابن عمر، وقال: والناس
стр. 1455
يزيدون ذا المعارج ونحوه من الكلام، والنبي ﷺ يسمع ولا يقول شيئاً. [صحيح].
ومعنى "ذا المعارج" (١) أي: صاحب مصاعد السماء ومراقيها.
قوله: "والرغباء" بفتح الراء والمد، وبضمها والقصر، وفي النهاية (٢): والرغبى، وفي رواية: "الرغباء" بالمد وهما من الرغبة كالنعمى والنعمة. انتهى.
واعلم أنه قد اختلف في الزيادة على تلبيته ﷺ فقال قوم (٣): لا ينبغي الزيادة عليها؛ لأنه [١٢٨ ب] لم يقل: لبّوا كما شئتم، بل علّمهم التكبير في الصلاة.
وقال آخرون (٤): لا بأس بالزيادة [الأنه (٥)] ﷺ أقرّهم عليها ولم ينكرها، وهذا قول الجمهور، ولا شك أنّ إقراره ﷺ تشريع دالٌ على الجواز وأنه لا بأس بالزيادة.
٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان من تلبية رَسُولَ اللهِ ﷺ لبيك إله الحق. أخرجه النسائي (٦). [صحيح].
٩ - وَعَنْ السَّائِبِ بنْ خَلَّاد الأَنْصَارِيَّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "إنَّ جِبْرِيلُ ﵇ أَتَانِيْ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي وَمَنْ مَعِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ أَوْ بِالإِهْلاَلِ".
стр. 1456
أخرجه الأربعة (١). [صحيح].
قوله: "في حديث السائب أو بالإهلال" شك من الراوي.
١٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ المُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ، - فَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَيْلَكُمْ قَدْ قَدْ". فَيَقُولُونَ: إِلاَّ شَرِيكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ، يَقُولُونَ هَذَا وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ. أخرجه مسلم (٢). [صحيح].
قوله "قَدْ قَدْ" (٣) بمعنى حسْبُ وتكرارها لتأكيد الأمر، ويعنون "بِالشَّرِيكِ" الصنم " [وَما] (٤) مَلَكْ" الآيات التي عنده وحوله.
قوله: "في حديث ابن عباس إلا شريك هو لك تملكه وما ملك" لقد أعمى الكفر بصائرهم، كيف يكون المملوك شريكاً لمالكه، فإن هذا ليس شأن الشريك، بل قولهم تملكه وما ملك مناقض لقولهم: إلا شريك هو لك، جعلوه شريكاً أولاً ومملوكاً ثانياً لمن جعلوه شريكاً له.
стр. 1457
الفرع [الثاني] (١) فيمن أفسد إحرامه
قوله: "فرع: فيمن أفسد إحرامه" هو ثالث الفروع، هذا الفرع ليس فيه حديث مرفوع، فلا كلام فيه، وقد بينا أحكام الإفساد في حواشي "ضوء النهار" (٢) بما لا مزيد [عليه] (٣) بحمد الله، والفرع في جزاء الصيد كذلك كهذا الفرع. [١٢٩ ب].
١ - عن مالك (٤) ﵁ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ وَعَلِيًّا وَأَبَا هُرَيْرَةَ سُئِلُوا عَنْ رَجُلٍ أَصَابَ أَهْلَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِالحَجِّ فَقَالُوا: يَنْفُذَانِ لِوَجْهِهِمَا حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا ثُمَّ عَلَيْهِمَا حَجُّ قَابِلٍ
٥ - وعن ابن عباس ﵄ قَالَ: مَنْ نَسِيَ شَيْئَاً مِنْ نُسِكِهِ أَوْ تَرَكهُ مِمَّا بَعْدَ الفَرَائِضُ فَلْيَهْرِقُ دَمَاً (١). أخرج أحاديث هذا الفرع كلها مالك. [موقوف صحيح].
[الباب الرابع: في الإفراد والقران والتمتع
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول: في الإفراد] (٢)
قوله: "الباب الرابع في الإفراد والقران والتمتع" هذه هي أنواع الحج أذن الله لهم أن يأتوا بأحدها فمن أتى به برئت ذمته من واجب الحج.
فالإفراد: هو الإهلال بالحج وحده في أشهره، والاعتمار بعد الفراغ من أعمال الحج لمن يشاء، وهذه الزيادة وكأن قوله: والاعتمار ليس من حقيقة الإفراد، ولذا قال النووي في "شرح مسلم" (٣): إن الإفراد أن يحرم بالحج في أشهر الحج ثم يأتي به, هذا لفظه.
والقران: هو الإحرام بالحج والعمرة معاً، وهذا لا خلاف في جوازه، أو الإهلال بالعمرة ثم يدخل عليها الحج أو عكسه، وهذا مختلف فيه.
والتمتع: هو الاعتمار (٤) في أشهر الحج، ثم التحلل من تلك العمرة، والإهلال بالحج من تلك السنة ويطلق التمتع في عرف السلف على القران أيضاً، أفاده في الفتح.
وقال ابن عبد البر (٥): ومن التمتع أيضاً القران، لأنه يتمتع بسقوط سفر آخر من بلده للنسك الآخر، ومن التمتع أيضاً فسخ الحج إلى العمرة.
стр. 1461
١ - عن عائشة ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أفْرَدَ الحَجَّ. أخرجه الستة (١) إلا البخاري. [صحيح].
ومثله عن ابن عمر: أخرجه مسلم (٢) والترمذي (٣). [صحيح].
قوله: "في حديث عائشة أنه ﷺ أفرد الحج" يأتي أن الحق أنه حج قارناً، ومن قال أفرد الحج، فمحمول على أول أمره ثم أتاه آت من ربه وهو بالعقيق فقال له: قل عمرة في حجة فصار قارناً.
قال النووي في "شرح مسلم" (٤): وقد اختلفت روايات الصحابة في حجه ﷺ حجة الوداع هل قارناً (٥) أم مفرداً (٦) ............................................
стр. 1462
أم متمتعاً (١)؟ ذكر البخاري ومسلم روايات كذلك وطريق [١٣٠ ب] الجمع بينهما ما ذكرناه، أنه ﷺ كان مفرداً ثم صار قارناً. انتهى.
وقد أطال ابن القيم (٢) البحث في حجه ﷺ وأطاب وبين أنه كان قارناً وذكر أدلة تزيد على عشرين دليلاً وعلى الجملة أنه لم يتكلم أحد فيما علمناه في الحج وتحقيقه مثله جزاه الله خيراً.
٢ - وعن ابن عمر ﵄ قَالَ (٣): افْصِلُوا بين حَجَّكُمْ وَعُمرتِكُمْ فَإِنَّ ذَلِكَ أَتَمُّ لِحَجَّ أَحَدِكُمْ، وَأَتَمُّ لِعُمْرَتِهِ أَنْ يَعْتَمِرُ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الحَجِّ. أخرجه مالك (٤). [موقوف صحيح].
قوله: "وعن ابن عمر" مثله في "الجامع" والذي في "صحيح مسلم" (٥) عن عمر نفسه.
قوله: "افصلوا بين حجّكم وعمرتكم" بالفاء فصاد مهملة، أي: اجعلوهما مفصولتين لا تضموا إحداهما إلى الأخرى، وكان هذا رأي عمر النهي عن متعة الحج وتبعه عليه عثمان ومعاوية كما يأتي وابن الزبير، وخالفهم أمير المؤمنين علي ﵇ وابن عباس وابن عمر وغيرهم.
стр. 1463
قال النووي (١) بعد كلام نقله: قلت: والمختار أنّ عمر وعثمان وغيرهما إنما نهوا عن المتعة التي هي الاعتمار في أشهر الحج ثم الحج من عامه ومرادهم نهي تنزيه للترغيب في الإفراد لكونه أفضل وقد انعقد الإجماع بعدهم على جواز الإفراد والقران والتمتع من غير كراهة. انتهى.
وأما حديث (٢) معاوية: أنه ﷺ نهى أن يقرن بين الحج والعمرة فقد أنكره الصحابة.
٣ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: يَا أَصْحَابُ رَسُولَ الله ﷺ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهَ ﷺ نَهَى عَنْ كَذَا وَكَذَا، وَعَنْ رُكُوبِ جُلُودِ النِّمَارِ؟ قَالُوا نَعَمْ. قَالَ: فتعْلَمُونَ أنَّهُ نَهَى أَنْ يُقْرَنَ بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ؟ قَالُوا أَمَّا هذه فَلاَ. قَالَ: أَمَا إِنَّهَا مَعَهُنَّ وَلَكِنَّكُمْ نَسِيتُمْ. أخرجه أبو داود (٣). [صحيح دون: إلا النهي عن القران فهو شاذ] ..
قوله: "في حديث معاوية أخرجه أبو داود" قال الحافظ المنذري (٤): وقد اختلف في هذا الحديث اختلافاً كثيراً، فروي فيه كما ذكره وبيّنه وقال: قال الخطابي (٥): جواز القران بين الحج والعمرة إجماع من الأمة، ولا يجوز أن يتفقوا على جواز شيء منهي عنه.
٤ - وعن جابر وأبي سعيد ﵄ قَالَا: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ نَصْرُخُ بِالحَجِّ صُرَاخَاً. أخرجه مسلم (٦). [صحيح].
قوله: "في حديث جابر وأبي سعيد صراخاً" أي: يهل به ويرفع (٧) الصوت بالتلبية به. [١٣١ ب].
стр. 1464
الفصل الثاني: في القران
١ - [وعن أنس ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يلَبِّى بِالحَجِّ وَالعُمْرَةِ جَمِيعًا، قَالَ بَكْرُ بنُ عبدِ اللهِ المُزَنِيُّ: فَحَدَّثْتُ بِذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ ﵁ فَقَالَ: لَبَّى بِالحَجِّ مُفْرِداً وَحْدَهُ. قَالَ: فَلَقِيتُ أنَسًا فَحَدَّثْتُهُ بِذَلِكَ فَقَالَ: مَا تَعُدُّونَا إِلاَّ صِبْيَانًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا مَعًا". أخرجه الخمسة (١) وهذا لفظ الشيخين] (٢). [صحيح].
قوله: "الفصل الثاني في القران".
قوله: "في حديث أنس بكر بن عبد الله المزني" تابعي أدرك ثلاثين من فرسان مزينة منهم: عبد الله بن مغفل، ومعقل بن يسار، وكان عابداً من خيار الناس، سمع ابن عمر وأنس ابن مالك والحق في الرواية أن أنساً صادق وابن عمر كذلك [١٧٨/ أ] فإنه ﷺ لبّى أولاً بالحج ثم لبّى بها جميعاً كما قررناه.
٢ - وَعَنْ أَبِي وَائِلٍ ﵁ قَالَ الصُّبَيُّ بْنُ مَعْبَدٍ: كُنْتُ رَجُلاً أَعْرَابِيًّا نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمْتُ وَأَتَيْتُ رَجُلاً مِنْ عَشِيرَتِي يُقَالُ لَهُ: هُذَيْمُ بْنُ ثُرْمُلَةَ، فَقُلْتُ: لَهُ يَا هَنَاهُ! إِنِّي حَرِيصٌ عَلَى الجِهَادِ, وَإِنِّي وَجَدْتُ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ فَكَيْفَ لِي بِأَنْ أَجْمَعُ بَيْنَهُمَا؟ فَقَالَ: اجْمَعْهُمَا وَاذْبَحْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الهَدْيِ، فَأَهْلَلْتُ بِهِمَا، فَلمَّا أَتَيْتُ العُذَيْبَ لَقِيَنِي سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ وَزَيْدُ بْنُ صُوحَانَ وَأَنَا أُهِلُّ بِهِمَا مَعَاً، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ: مَا هَذَا بِأَفْقَهَ مِنْ بَعِيرِهِ، قَالَ: فَكَأَنَّمَا أُلْقِيَ عَلَىَّ جَبَلٌ حَتَّى أَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ القِصَّةَ وَأَنَا أُهِلُّ بِهِمَا جَمِيْعَاً. فَقَالَ عُمَرُ: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ ﷺ .
стр. 1465
أخرجه أبو داود (١) والنسائي (٢). [صحيح].
ومعنى "يا هناه" (٣) يا هذا.
قوله: "في حديث أبي وائل الصبي" (٤) بضم الصاد المهملة مصغراً، التغلبي بمثناة مخضرم عن عمر.
قوله: "هذيم" (٥) بالذال المعجمة مصغر وآخره ميم، وفي "الجامع" (٦) هديم بضم الهاء وفتح الدال المهملة وسكون الياء.
وقوله: "ابن ثرملة" (٧) بضم المثلثة وبالراء وضم الميم وباللام.
قوله: "يا هناه" قال ابن الأثير (٨): فيها لغات كثيرة هذا أحدها ومعناها [جميعها] (٩) النداء بالشخص المطلوب.
قوله: "سلمان بن ربيعة" (١٠) الباهلي، أدرك النبي ﷺ وليس له صحبة.
стр. 1466
و"صوحان" بضم الصاد المهملة وبالحاء المهملة وهو زيد أخو صعصعة (١).
قوله: "فقال عمر هديت لسنة نبيك" هذا يدل على اختلاف [١٣٢ ب] الروايات عن عمر في المتعة, وأنه قائل بسنيتها، وأنه نهى عنها وتقدم الكلام في ذلك.
٣ - وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ المِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ دَخَلَ عَلَى عَليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵄ بِالسُّقْيَا وَهُوَ يَنْجَعُ بَكَرَاتٍ لَهُ دَقِيقًا وَخَبَطًا، فَقَالَ: هَذَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ يَنْهَى عَنْ أَنْ يُقْرَنَ بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ. فَخَرَجَ عَليُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَعَلَى يَدَيْهِ أَثَرُ الدَّقِيقِ وَالخَبَطِ، - فَمَا أَنْسَى الخبَطَ والدَّقِيقِ عَلَى ذِرَاعَيْهِ - حَتَّى دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ فَقَالَ: أَنْتَ تَنْهَى أَنْ يُقْرَنَ بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ ﵁: ذَلِكَ رَأْيِيِ، فَخَرَجَ عَلِيٌّ مُغْضَبًا وَهُوَ يَقُولُ: لَبَّيْكَ اللهمَّ لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مَعًا. أخرجه مالك (٢). [موقوف ضعيف].
"ينجع" (٣) أي يعلِفُها النجيع وهو خبَط يُضربُ بالدقيق والماء ويوجر الجمل.
"وَالخَبَط" (٤) ورق يتناثر من الشجرة إذا ضربت بالعصا، وهو من علف الدواب.
قوله: "في حديث جعفر بن محمد بالسقيا" هو منزل بين مكة والمدينة قيل: هي على يومين من المدينة سميت بذلك لآبارٍ بها كثيرة (٥).
قوله: "ذلك رأيي" يدل [على] (٦) أنه ليس عند عثمان نص إنما هو رأي رآه مخالفاً للنص
стр. 1467
ولهذا أهلّ (١) علي ﵇ بهما بياناً للناس أنّ نهي عثمان لا دليل عليه.
٤ - وعن جابر ﵁ قَالَ: قَرَنَ رَسُولَ الله ﷺ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ فَطَافَ لهما طَوَافَاً وَاحِدَاً. أخرجه الترمذي (٢) والنسائي (٣). [صحيح].
قوله: "في حديث جابر طوافاً واحداً" هذا هو ما دلت عليه الأدلة أنه لا تثنى أعمال الحج على القارن وحديث ابن عمر كحديث جابر أيضاً.
........... (٤)
قوله: "في حديث ابن عباس وهو بوادي العقيق" وهو وادٍ بقرب البقيع بينه وبين المدينة أربعة أميال.
وَاحِدًا. وفي رواية: ثُمَّ انْطَلَقَ يُهِلُّ بِهِمَا جَمِيعًا حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، وَطَافَ بِالبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَنْحَرْ، وَلَمْ يَحْلِقْ، وَلَمْ يُقَصِّرْ، وَلَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ عَلَيْهِ حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ فَنَحَرَ وَحَلَقَ وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الأَوَّلِ. وَقَالَ كَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ الله ﷺ .
زاد في رواية: "وأهدى" أخرجه الثلاثة (١) والنسائي (٢). [صحيح].
قوله: "بقديد" بالقاف والمهملات [١٣٣ ب] مصغر قرية جامعة بين مكة والمدينة وفيه جواز تأخر [(٣)] الهدي عن ابتداء الإهلال.
قوله: "بطوافه الأول" أي: سعيه بين الصفا والمروة.
الفصل الثالث: في التمتع وفسخ الحج
فسخ الحج هو الإحرام بالحج لم يتحلل منه بعمل عمرة فيصير متمتعاً.
١ - عَنْ عَبْدِ الله بْنُ شَقِيقٍ قَالَ: كَانَ عُثْمَانُ ﵁ يَنْهَى عَنِ المُتْعَةِ، وَكَانَ عَلِيٌّ ﵁ يَأْمُرُ بِهَا، فَقَالَ عُثْمَانُ لِعَلِيٍّ ﵄ كَلِمَةً، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّا تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: أَجَلْ وَلَكِنَّا كُنَّا خَائِفِينَ. أخرجه مسلم (٤) والنسائي (٥). [صحيح].
قوله: "كلمة" أي: قال عثمان لعلي: دعنا عنك فقال علي: إني لا أستطيع أن أدعك، فلما رأى علي ذلك أهلّ بهما جميعاً.
стр. 1470
قوله: "ولكن كنا خائفين" قال النووي (١): لعلّه أشار إلى عمرة القضية سنة سبع، لكن لم يكن في تلك السنة حقيقة التمتع بل كانت عمرة وحدها. انتهى.
قال الحافظ (٢) بعد كلام النووي: قلت: هي - أي رواية عبد الله بن شقيق - رواية شاذة، فقد روى الحديث مروان بن الحكم وسعيد بن المسيب وهما أعلم من عبد الله بن شقيق فلم يقولا ذلك، والتمتع إنما كان في حجة الوداع وقد قال ابن مسعود كما ثبت عنه في الصحيح (٣) "كنا [١٣٤ ب] آمن ما يكون الناس" قال: وقال القرطبي (٤): قوله: "خائفين" أي: من أن يكون أجر من أفرد أعظم من أجر من تمتع، كذا قال وهو جمع حسن لكن لا يخفى بعده ثم ذكر احتمالاً من عنده فيه بعد وطول.
٢ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ: تَمتَّعَ رَسُولَ الله ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ ﵃، وَأَوَّلُ مَنْ نَهَى عَنْهَا مَعَاوِيَةُ. أخرجهُ الترمذي (٥) والنسائي (٦).
قوله: "في حديث ابن عباس وأول من نهى عنها معاوية" كأنّ المراد إشاعة النهي وإذاعته، وإلا فلا ريب أنه ثبت عن عمر النهي عنها وسمعته الآن في الرواية عن عثمان.
٣ - وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال: لقد تمتعنا مع رَسُولَ الله ﷺ ، وهذا يعني معاوية كافر بالعرش يعني بالعرش بيوت مكة في الجاهلية.
أخرجه مسلم (٧) [صحيح]
стр. 1471
ومالك (١) والترمذي (٢) والنسائي (٣) [حسن]، وهذا لفظ مسلم. [صحيح].
قوله: "في حديث سعد بن أبي وقاص: تمتعنا مع رَسُولَ اللهِ ﷺ وهذا - يعني معاوية - كافر بالعرش".
يريد سعد تمتعوا متعة مفردة معه ﷺ قبل فتح مكة وإسلام معاوية، وهي متعة القضاء سنة سبع، ولكن لا يخفى أنّ معاوية لا ينكر المتعة المفردة، إنما نهى وأنكر وادّعى أنه ﷺ نهى عن أن يقرن بين الحج والعمرة، لا أنه نهى عن مطلق العمرة، وكذلك عمر وعثمان نهيا عن الجمع بين الحج والعمرة.
وقوله: "بالعرش" بضم المهملة جمع عريش والمراد بها بيوت مكة، وإنما سميت بذلك؛ لأنها كانت عيدان تُنصب وتُظلَّل، وتسمى أيضاً عروشاً واحدها عَرْشٌ، قاله ابن الأثير (٤). [١٣٥ ب].
٤ - وَعَنْ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ الله ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحجِّ وَأَهْدَى، فَسَاقَ مَعَهُ الهدْيَ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ, وَبَدَأَ فَأَهَلَّ بِالعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالحَجِّ، وَتمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ، فَكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ، قَالَ لِلنَّاسِ: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لاَ يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِىَ حَجَّهُ, وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ, وَلْيُقَصِّرْ، وَلْيَحَلِّلْ، ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالحَجِّ وَلْيُهْدِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ". أخرجه الخمسة (٥) إلا الترمذي. [صحيح].
стр. 1472
قوله: "في حديث ابن عمر ومن لم يكن منكم أهدى" أي: لم يسق هدياً معه "فليطف بالبيت" أي: طواف العمرة.
"وبالصفا والمروة وليقصر" الحديث، هذا هو الفسخ الذي أمر ﷺ به أصحابه، وأوجبه عليهم، وشق عليهم ذلك وتعاظموه، وتكلموا فيه بكلام كثير فأحلّوا وأتوا النساء ولبسوا الثياب.
وقوله: "ثم ليهل بالحج" هذا الإهلال قد عيّن لهم وقته وهو يوم التروية، وأوجب عليهم الهدي أو الصيام لمن لم يجد هدياً، وقد فصل حديث ابن عباس الآتي ما أجمل في حديث ابن عمر هذا.
٥ - وَعَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: سُئِلَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ مُتْعَةِ الحجِّ، فَقَالَ أَهَلَّ المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ وَأَهْلَلْنَا، فَلمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اجْعَلُوا إِهْلاَلَكُمْ بِالحَجِّ عُمْرَةً إِلاَّ مَنْ قَلَّدَ الهَدْيَ"، فَطُفْنَا بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ، وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ وَقَالَ: "مَنْ قَلَّدَ الهَدْيَ فَإِنَّهُ لاَ يَحِلُّ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْىُ مَحِلَّهُ"، ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أَنْ نُهِلَّ بِالحَجِّ، فَإِذَا فَرَغْنَا مِنَ المنَاسِكِ جِئْنَا فَطُفْنَا بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوةِ وَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا، وَعَلَيْنَا الهَدْيُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ الآية. أخرجه (١) البخاري تعليقاً (٢). [صحيح].
٦ - وعن أبي ذر ﵁ قَالَ: كَانَتِ المُتْعَةُ فِي الحَجِّ لَأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ خَاصَّةً. أخرجه مسلم (٣) واللفظ له، وأبو داود (٤) والنسائي (٥). [صحيح موقوف].
стр. 1473
قوله: "وعن أبي ذر كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد خاصة" يريد كان فسخ الحج إلى المتعة خاصاً بأصحابه ﷺ دون غيرهم.
وهذه المسألة قد أطال ابن القيم (١) فيها المقال غاية الإطالة وردّ دعوى الاختصاص بل اختار أخيراً أنّ الفسخ عام للمسلمين إلى يوم القيامة, وأنه من دخل مكة حاجاً وطاف
стр. 1474
انفسخ حجه شاء أو أبى، وفي إرشادنا إلى كلامه كفاية، والدال على الخير كفاعله، إذ نقله واستيفاء (١) ما فيه يستغرق الكلام، ويخرج عن المرام من تأليف هذه التعليقة.
٧ - وعند أبي داود (٢): كَانَ أَبُو ذَرٍّ يَقُولُ فِيْمَنْ حَجَّ ثُمَّ فَسَخَهَا عُمْرَةً لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِلَّا لِلرَّكْبِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ رَسُولَ الله ﷺ خَاصَّةً. [صحيح موقوف].
٨ - وَعَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ المُتْعَةِ فَأَمَرَنِي بِهَا، وَسَأَلْتُهُ عَنِ الهَدْىِ فَقَالَ فِيهَا جَزُورٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ شَاةٌ أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ، قَالَ: وَكَأَنَّ نَاسًا كَرِهُوهَا، فَنِمْتُ فَرَأَيْتُ فِي المنَامِ قَائِلَاً يَقُولُ: عُمْرَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ وَحَجٌّ مَبْرُورٌ، فَأتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَأَخبرْتُهُ فَقَالَ: الله أَكْبَرُ سُنَّةُ أَبِي القَاسِمِ ﷺ . أخرجه الشيخان (٣). [صحيح].
قوله: "وعن أبي [١٣٦ ب] جمرة" (٤) بالجيم والراء هو نصر - بالصاد المهملة - بن عمران بن عصام بن صعصعة الضبعي، بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة النصري، روى عن ابن عباس وغيره وليس في البخاري ومسلم أبو جمرة سواه.
وقد روى عن ابن عباس جماعة كلهم أبو حمزة بالمهملة والزاي، إلّا هذا، فإنه بالجيم والراء إن أطلق، فإن أرادوا غيره مما هو بالمهملة قيّدوه بالاسم أو بالوصف أو باللقب.
وقال الحاكم أبو أحمد ليس في المحدثين من يكنى أبو جمرة سواه.
قوله: "فأخبرته" فقال لي: أقم عندي وأجعل لك سهماً من مالي، قال شعبة: فقلت: لم؟ فقال: للرؤيا التي رأيت.
стр. 1475
قوله: "فقال الله أكبر سنة أبي القاسم" [بفتح سنة أي: وافقت سنة أبي القاسم] (١) وكبّر سروراً بذلك سيما [١٧٩/ أ] وقد منع العمرة في أشهر الحج من منع سوى ابن عباس؛ لأنه من القائلين بعدم النهي عنها (٢).
٩ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: مَنِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى يُدْرِكَهُ الحَجُّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ إِنْ حَجَّ وَعَلَيْهِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الحجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ. أخرجه مالك (٣). [موقوف صحيح].
وقال (٤): وَذَلِكَ أَقَامَ حَتَّى أَتَى الحَجُّ ثُمَّ حَجَّ.
وله (٥) في أخرى قال: وَالله لَأَنْ أَعْتَمِرَ قَبْلَ الحجِّ وَأُهْدِيَ أَحَبُّ إِلَيِّ مِنْ أَنْ أَعْتَمِرَ بَعْدَ الحَجِّ فِي ذِي الحِجَّةِ. [موقوف صحيح].
١٠ - وعن عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي: أَنَّ رَجُلَاً سَأَلَ سَعِيْدَ بْنَ المُسِيبِ قَالَ: أعْتَمِرُ قَبْلَ أَن أَحُجّ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَدِ اعْتَمَرَ رَسُولَ الله ﷺ قَبْلِ أَنْ يَحِجّ (٦). [صحيح لغيره].
١١ - وعن ابن المسيب: أَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلْمَةَ اسْتَأْذَنَ عُمَرَ ﵁ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي شَوَّالٍ فَأَذِنَ لَهُ، فَاعْتَمَرَ ثُمَّ قَفَلَ إِلَى أَهْلِهِ وَلَمْ يَحِجّ (٧). [موقوف صحيح].