← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14309

التحبير لإيضاح معاني التيسير

الصنعاني

Полный текст (5 029 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

واعلم أن هذه الأحاديث التي سردها المصنف وقبله ابن الأثير في حقيقة الإيمان والإسلام هي، وإن اختلفت ألفاظها وعُدَّ في بعضها ما لم يعد في غيره فهي عائدة إلى مراد واحد وهو بيان الإيمان، وإيضاح مسماه وأوضح شيء في ذلك حديث جبريل (١) ولهذا سماه النبي ﷺ تعليماً للدين، وما عداه مما نقص عن الخصال التي عدت فيه كحديث الجارية (٢) الذي اقتصر فيه عن سؤالها عن الله وعن النبي ﷺ يحمل على أنه اقتصار على الأهم، وإلا فكل خصال الإيمان التي بني عليها مراده على أن بعض أحاديث هذا الفصل يدخل ويناسب الفصل الذي في مجاز الإيمان والإسلام. قوله: "أخرجه النسائي" هكذا في الجامع. وقول المصنف: "وهو طرف من حديث طويل أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي" هذا ليس في الجامع زاده المصنف (٣). الفصل الثالث: في المجاز أقول: هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له ولا بد له من علاقة وقرينة ومراده فيما [١٧/ أ] يستعمل فيه لفظ الإيمان مجازاً لا حقيقة، وهو أنه قد أتى إطلاق لفظ الإيمان على أحد أركانه من باب إطلاق اسم الكل على الجزء. ٢٧/ ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الإِيْمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ" وفي رواية: "بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيْمَانِ". أخرجه الخمسة.

стр. 177

زاد في رواية: "فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" (١) [صحيح]. قوله: "الإيمان بضع": أقول: - بكسر أوله، وحكي الفتح - لغة لعدد مبهم مقيد بما بين الثلاث إلى التسع، وفيه أقوال، وأما بضعة اللحم بالفتح لا غير. "وسبعون" [٤٥/ ب] هذا لفظ السنن الثلاث (٢) ورواية لمسلم بلفظ (٣): "سبعين". وقوله: "وفي رواية وستون" هي رواية البخاري (٤) واعلم أن القاعدة في علوم الحديث أ، هـ إذا انفرد البخاري قدم على غيره، وهنا قدم ابن الأثير (٥) رواية الثلاثة على رواية البخاري، وتبعه المصنف، وأنه كان على ابن الأثير سياق الأربع الروايات لأنه بصدد جمع متون الأصول الستة. وبقي رواية ثالثة، وهي في مسلم (٦) رواية بلفظ: "بضع وسبعون أو بضع وستون".

стр. 178

ورواية رابعة عند الترمذي بلفظ (١): "أربع وستون". قيل: وهي لا تخالف رواية البخاري لأن غاية ما فيها تعيين البضع أنه أربع، وهو أحد ما يطلق عليه لفظ البضع إلا أنه قال الحافظ (٢): أنها رواية معلولة، ثم اختلف العلماء في أي الروايات أرجح، فرجح البيهقي (٣) رواية البخاري بأنه المتيقن وما عداه مشكوك، ومنهم من رجح رواية الأكثر أعني: بضع وسبعون، وقد ذكر ذلك النووي في شرح مسلم (٤). وقوله: "شعبة" - بضم الشين المعجمة - أي: قطعة، والمراد الخصلة أو الجزء، وفي لفظ للترمذي (٥): "باباً" عوض "شعبة". أقول: بالمد هو لغة: تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به. وفي الشرع: خلوص يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق. ولا يقال: رب حياء يمنع عن قول الحق، أو فعل الخير فإن [٤٦/ ب] ذلك ليس حياءً شرعياً. قال ابن الصلاح: ذلك ليس بحياء، بل عجز وخور ومهابة، وإنما أفرد الحياء بالذكر وخصه من الشعب؛ لأنه كالداعي إلى باقي الشعب إذ الحي يخاف فضيحة الدنيا والآخرة، فيتألم وينزجر.

стр. 179

قال الشيخ ابن الصلاح. إن الكلام في تعيين هذه الشعب يطول، وقد صنفت في ذلك مصنفات، ومن أغزرها فوائد كتاب "المنهاج" (١) لأبي عبد الله الحليمي إمام الشافعيين ببخارى، وكان من رفعاء أئمة المسلمين وحذا حذوه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه الجليل الحفيل بـ "شعب الإيمان" (٢). قوله: "وزاد" أي: أبو هريرة. "في رواية" مسلم بلفظ (٣): "فأفضلها قول: لا إله إلا الله وأدناها إماطة" أي: إزالة ما يؤذي المسلمين في طرقهم من شوك وحجارة وقذر وعذرة، ومن ثمة نهى عن التخلي في الطرقات. وأسقط الترمذي (٤). قلت: وقد قال في روايته: حسن صحيح. قال النووي (٥): إن كمال الإيمان بالأعمال، وتمامه بالطاعات، وأن التزام هذه الطاعات وضم هذه الشعب من جملة التصديق والدلائل عليه، وأنها خلق أهل التصديق، فليست خارجة عن اسم الإيمان الشرعي ولا اللغوي، وقد نبه ﷺ على أن أفضلها: [التوحيد] (٦) المتعين على كل أحد، والذي لا يصح شيء من الشعب إلا بعد صحته، وأدناها ما يتوقع

стр. 180

ضرره بالمسلمين من إماطة الأذى عن طريقهم، وبقي بين هذين [الطريقين] (١) أعداد لو تكلف المجتهد تحصيلها بغلبة الظن وشدة التتبع لأمكنه، وقد فعل ذلك بعض من تقدم، وفي الحكم بأن ذلك مراد النبي ﷺ [٤٧/ ب] صعوبة، ثم إنه لا يلزم معرفة أعيانها، ولا يقدح جهل ذلك في الإيمان؛ إذ أصول الإيمان وفروعه معلومة محققة، والإيمان بأن هذا العدد واجب في الجملة. هذا كلام القاضي عياض (٢). قال ابن حبان (٣): تتبعتُ معنى هذا الحديث مُدِّة وعددت الطاعات، فإذا هي تزيدُ على هذا العدد شيئاً كثيراً، فرجعتُ إلى السنن، فعددتُ كل طاعةٍ عدَّها رسول الله ﷺ من الإيمان، فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين، فرجعتُ إلى كتاب الله فقرأته بالتدبر وعددت كُلَّ طاعةٍ عدَّها الله ونبيه ﷺ سبع وسبعون شعبة لا تزيد عليها ولا تنقص، فعلمتُ أنّ مراد رسول الله ﷺ أن هذا العدد في الكتاب والسنن. انتهى. قلت: وقد يقال: إنه ﷺ لم يبين عددها ليحافظ المؤمن على كل خصلة خير ورد فيها الوعد [١٨/ أ] بالإثابة كما قيل في إخفاء ليلة القدر وساعة الجمعة، ويمكن أنه لم يرد العدد المتابعة بل المبالغة نحو: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ (٤) ولا ينافيها ذكر البضع؛ لأنه في نفسه مجهول القدر، ويحتمل أن كل خصلة تحتها خلال من الخير، فإن مثل بر الوالدين فيه إنفاق المال لأجلهما وصلة أرحامهما وغير ذلك. ٢٨/ ٢ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيْهِ وَجَدَ بِهِنَّ طَعْمَ الإِيْمَانِ: مَنْ كَانَ الله وَرَسُولهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سُواهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدَاً لاَ يُحِبُّهُ إِلاَ للهِ، وَمَنْ يَكْفُرهُ

стр. 181

أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ تَعَالى مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ" أخرجه الخمسة إلا أبا داود (١) [صحيح]. وفي أخرى للنسائي (٢) ﵀ بعد قوله: "مما سواهما" وأن يحب في الله ويبغض في الله. [صحيح]. قوله: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان": أقول: قال النووي (٣): هذا حديث عظيم أصل من أصول الدين، ومعنى حلاوة الإيمان استلذاذه بالطاعات، وتحمل المشاق في رضى الله تعالى ورسوله، وإيثار ذلك على عرض الدنيا. انتهى. "وثلاث" مبتدأ، وإن كانت نكرة لأن التنوين عوض [المضاف] (٤) إليه، أي: ثلاث خصال. والجملة خبر. "وكن" من كان التامة [٤٨/ ب] أي: وجدن. "وحلاوة الإيمان" استعارة تخييلية شبه رغبة المؤمن في الإيمان بشيء حلو وأثبت له لازم ذلك الشيء، وأضاف إليه. وقوله: "من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" أول الثلاث، تفسير بعد الإبهام. قال بعضهم: المحبة مواطأة القلب على ما يرضاه الرب، فيحب ما أحب ويكره ما يكره.

стр. 182

وبالجملة أصل المحبة: الميل إلى ما نوى في المحب، ثم الميل قد يكون لما يستلذه الإنسان ويستحسنه كحسن الصورة والصوت [والطعم] (١) ونحوها. كمحبة الصالحين والعلماء، وأهل الفضل مطلقاً، وقد يكون لإحسانه إليه ودفع المضار والمكاره عنه، والعبد إذا تأمل أن المنعم بالذات هو الله تعالى، وأنه لا مانع ولا مانح سواه، وأن كل ما عداه وسائط يسخرهم له، وأن الرسول هو [الذي] (٢) يبين له مراد ربه اقتضى ذلك أن يتوجه بكليته نحوه، فلا يحب إلا ما يحبه ولا يحب من يحب إلا من أجله، ومن نظر في المعاني التي سردناها مما يستجلب المحبة وجدها كلها قد جمعها رسول الله من جمال الظاهر والباطن، وكمال خلال الكمال، وأنواع الفضائل وإحسانه إلى جميع العباد بهدايتهم الصراط المستقيم، ودوام النعيم والإنقاذ من الجحيم. وقوله: "مما سواهما" لم يقل: "ممن" ليعم من يعقل ومن لا يعقل. فإن قيل: قد نهى ﷺ الخطيب عن تثنيته لضمير الله وضميره ﷺ وجمعهما حيث قال: ومن يعصهما. قال: بئس الخطيب أنت! (٣) وهنا جمعهما؟ أجيب: بأن ذلك لأن مقام الخطابة يقتضي [٤٩/ ب] الإيضاح، وهنا المراد الإيجاز في اللفظ ليحفظ.

стр. 183

وقيل: بل الجمع خاص به ﷺ [لأن] (١) غيره إذا جمع أوهم إطلاقه التسوية بخلافه ﷺ فإن [منصبه] (٢) لا يتطرق إليه احتمال إيهام ذلك (٣). قوله: "ومن أحب عبداً لا يحبه إلا لله": أقول: لفظ البخاري (٤): "وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله" وهو لفظ مسلم (٥) ولفظ الترمذي (٦) أيضاً. قال يحيى بن معاذ (٧): حقيقة الحب في الله أن لا يزيده بالبر ولا ينقصه بالجفاء.

стр. 184

والمراد بالمرء: جنس المرء، والمراد به المؤمن فيكون حبه له لأجل إيمانه بالله فهو حب لله ولا يضره أن ينضاف إليه حبه لصداقة ورحامة وإحسان. قوله: "ومن يكره أن يعود في الكفر" لفظ الشيخين: "براءة يكره أن يعود في الكفر" وقوله: "بعد أن أنقذه الله منه" ليس في البخاري (١) هذا، وهو لأحد رواته. قال الحافظ ابن حجر (٢): والإنقاذ أعم من يكون بالعصمة منه ابتداءً بأن يولد على الإسلام ويستمر، أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، فعلى الأول يحمل قوله: يعود على الصيرورة بخلاف الثاني، فإن العود فيه على ظاهره. وزاد النسائي (٣): "وأن يحب في الله ويبغض في الله". أقول: وأتى بغيرها من الروايات، وقد تضمن قوله: "غيره" في الحديث الآخر: "وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله" [١٩/ أ] والبغض في الله هو: أن يبغض من يبغضه الله ممن عصاه، ونبذ طاعته وراءه، وقد حصر الإيمان في بعض الحديث على الحب في الله والبغض بلفظ: وهل الإيمان إلا الحب في الله والبغض] (٤) في الله [٥٠/ ب].

стр. 185

٢٩/ ٣ - وعنه ﵁ قَالَ: سمعتُ ﷺ يقول: "لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ والدهِ, وولَدِه، والنَّاسِ أَجْمَعِينَ" أخرجه الشيخان (١) والنسائي (٢). وفي أخرى للنسائي (٣) ﵀: "أَحَبَّ إِلَيْهِ مالِه وأهْلِه". قوله: "وعنه": أي: عن أنس (٤)، وترجمه البخاري بباب حب الرسول من الإيمان. قوله: "لا يؤمن أحدكم": المراد بالنفي نفي الكمال، ونفي اسم الشيء، بمعنى: نفي الكمال عنه مستفيض في كلامهم كقولهم: فلان ليس بإنسان، هكذا يقولونه، ولكن حب رسول الله ﷺ عمدة الإيمان، فلا بد منه في نفس الإيمان، فيحتمل إن أحببته على كل ما ذكر ليست شرطاً في الإيمان فيفهم أنها لنفي الكمال. وقوله: "أحب إليه": هو أفعل بمعنى: المفعول، وقال النحاة: إنه خلاف القياس والفصل بينه وبين مفعوله بقوله: "إليه" جائز، إنما يمتنع بالأجنبي. وقوله: "من والده" قُدِم للأكثرية، لأن كل ولد له والد من غير عكس، وهل تدخل الأم في لفظ الوالد؟ إن أريد به من له الولد فيتم، أو يقال: اكتفى بأحدهما كما يكتفى بأحد الضدين عن الآخر، والمراد الأعز به كأنه قال: من أعزته. وقد ثبت رواية بتقديم الولد على الوالد ولها وجه صحيح. قال الخطابي (٥): والمراد بالمحبة هنا حب الاختيار لا حب الطبع؛ لأن حب الإنسان نفسه طبع لا سبيل إلى قلبه،

стр. 186

فمعناه: لا تصدق في حبي يعني: في طاعتي نفسك، وتؤثر رضاي على هواك، وإن كان فيه هلاكك. انتهى. وقوله: "والناس أجمعين" يشمل النفس، أي: نفس المحب، وقد وقع التنصيص على النفس في رواية أخرى. قوله: وفي أخرى للنسائي: "أحب إليه من ماله وأهله". أقول: هكذا في الجامع (١)، وهي بهذا اللفظ في "صحيح مسلم" (٢) إنما قدم هنا [٥١/ ب] الأهل على المال. قال القرطبي (٣): كل من آمن بالنبي ﷺ إيماناً صحيحاً لا يخلو عن وجدان شيء من تلك المحبة الراجحة غير أنهم متفاوتون: فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى، ومنهم من أخذ بالحظ الأدنى كمن كان مستغرقاً بالشهوات محجوباً في الغفلات في أكثر الأوقات، لكن الكثير منهم إذا ذكر رسول الله ﷺ اشتاق إلى رؤيته بحيث يؤثرها على أهله وماله وولده ووالده. ٣٠/ ٤ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ" أخرجه الخمسة إلا أبا داود (٤)، وزاد النسائي في أخرى (٥): "من الخير" [صحيح].

стр. 187

قوله: "وعنه" أي: أنس، وهذا الحديث عقد له البخاري (١): باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وترجم له النووي (٢): بباب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه. والمراد من نفي الإيمان نفي كماله؛ لأنه لو لم يحب لأخيه ذلك لم يخرج عن الملة، ويكون كالمرتد قطعاً، فكان هذا قرينة على أنه مجاز أطلق الإيمان على الكامل منه, ثم نفى الكمال. قوله: "حتى يحبَ" بالنصب بحتى، وهي الجارة, وأنَّ بعدها مضمرة. وقوله: "لأخيه" أي: في الإيمان، فإن أخوة الإيمان التي حكم الله بها بين أهله آكد من أخوة النسب، بل أخوة النسب إنما تعتبر مع ثبوت الإيمان، وإلا فإنه لا يجوز له حُبُّ قريبه الكافر ولا توارث بينهما: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ (٣). وفي صحيح مسلم بلفظ (٤): "لأخيه أو لجاره" على الشك. وقوله: "ما يحب لنفسه" أي: من الخير كما صرحت به رواية النسائي (٥) وهي في رواية الإسماعيلي وابن مندة (٦).

стр. 188

والخير كلمة جامعة تعم الطاعات والمباحات الدنيوية والأخروية، وتخرج المنهيات لأن اسم الخير [٥٢/ ب] لا يتناولها، والمحبة [إرادة] (١) ما يعتقده خيراً. وتقدم البحث في المحبة وأسبابها. قالوا: والمراد أن يحب لأخيه أن يحصل لأخيه ما حصل له لامع سلبه عنه ولامع بقائه بعينه له إذ مقام الجوهر أو العرض بمحلين محال، هذا وقال الكرماني (٢): ومن الإيمان أن يبغض لأخيه من يبغضه لنفسه من الشر، ولم يذكره لأن حب الشيء مستلزم لبغض نقيضه، فترك التنصيص عليه اكتفاء. واعلم: أنه جعل الفقهاء حقيقة الموالاة أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، واستصعب هذا التكليف، ومن حقق لم يجد منه صعوبة أصلاً، لأن غايته أن يريد ويحب لأخيه في الإيمان ما يحبه لنفسه [٢٠/ أ]. وهذه إرادة قلبية ليس فيها فوات أمر بل فيها كمال إيمانه ولا تنقصه إرادته بغيره من ماله ولا حاله. ٣١/ ٥ - وعَنْ أَبي أُمَامَةَ ﵁ أن رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: "مَنْ أَحَبَّ لله، وَأَبْغَضَ لله، وَأَعْطَى لله، وَمَنَعَ لله فَقَدِ اسْتكمَلَ الإِيمَانَ" أخرجه أبو داود (٣) [حسن].

стр. 189

قوله: "وعن أبي أمامة". أقول: هو الباهلي. اسمه: صُدَيً (١) - بمهملتين مصغراً - ابن عَجْلان سكن مصر، ثم انتقل منها فسكن حمص ومات بها، وكان من المكثرين في الرواية عن رسول الله ﷺ ، وأكثر حديثه عند الشاميين، توفي سنة إحدى وثمانين، أو ست وثمانين، وهو آخر من مات من الصحابة بالشام. قوله: "من أحب لله ... " الحديث. أي: لوجهه وابتغاء مرضاته أيُّ محبوبٍ كان من عمل أو ترك أو شخص أو قول أو أيُّ محبوب قصد بحبه وجه الله؛ لأجل أنه تعالى يحبه ويريده ويرضاه. ومثله البغض يبغض لأجل أنه تعالى يكره ذلك وينهى عنه ويأمر بالبعد عنه، وهو أيضاً عام، ومثله الإعطاء والمنع، فالحديث شامل لاعتقادات كلها وشامل للأفعال كلها من عطاء ومنع، ومن لاحظ في ذلك [٥٣/ ب] وجه الله فقد بلغ غاية الإيمان به والانقياد لمراده، فلذا قال: فقد استكمل الإيمان. ٣٢/ ٦ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهمْ" أخرجه الترمذي (٢) والنسائي (٣) [صحيح]. قوله: "وعن أبي هريرة" عقد البخاري (٤) له باب: أيُّ الإسلام أفضل.

стр. 190

وذكر فيه حديث أبي موسى (١) أنهم قالوا: يا رسول الله! أي الإسلام أفضل؟ قال: "من سلم المسلمون من لسانه ويده". أقول: من أقواله الضارة في الدنيا والآخرة، فإن اللسان بيت كل شهر: "وهل يكب الناس على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم" (٢) وعبر باللسان ليدخل فيه من مدها لسخرية واستهزاء بالعباد. والسلامة من اليد تعم سلامته عن الضرب بها أو أخذ المال، أو كتب ما يضر المسلمين، فيدخل كَتْبُ كُتُبْ الضلالة من كُتُب الزنادقة والفلاسفة والباطنية، وكُتب الاستهزاء والسخرية، وكتب السحر. وعلى الجملة كل بدعة تضر العباد، ويدخل فيه كُتَّاب المكوس والمجابي ونحوها مما لا يسلم من ضره المسلمون. ويشمل الأحياء والأموات، فإنهم مسلمون، فالهاتك لأعراض الأموات لم يسلموا من لسانه، بل ويشمل الملائكة حفظته وغيرهم إذا أذاهم بارتكاب المعاصي، بل المباحات فإنه نهى ﷺ عن دخول المسجد لمن أكل الكراث وقال: "إن الملائكة [تتأذى] (٣) مما يتأذى منه بنو آدم". وعلى الجملة فهذا الحديث من جوامع الكلم، وفي الحديث جناس الاشتقاق والمراد به كامل الإسلام كما أنه المراد من قوله: "والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم" أو على أحدهما، وعلى أسرارهم، وغير ذلك، فهذا الذي استحق اسم المؤمن من الناس، والمراد من

стр. 191

عُرف بالأمانة وشُهر بها حتى أمنه الناس على ما ذكرناه، وأمنوه [على] (١) أديانهم من عالم بفتواه ومعلم بهدايته طريق الهدى، ويدخل تحته [٥٤/ ب] ما لا يتسع له هذا التحبير. وعبر في الأول بالمسلمين ليوافق حسن الاشتقاق، وإلا فالمراد الناس كما صرح في قسيمة بدخول من له ذمة وعهد. قوله: أخرجه الترمذي (٢) والنسائي (٣). قلت: وقال الترمذي: حديث أبي هريرة حسن صحيح. ٣٣/ ٧ - وعَنْ عبد الله بْنِ عَمْرٍو بن العاصِ ﵄ قَالَ: قالَ رَسُولَ الله ﷺ : "الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى الله عَنْهُ" أخرجه الخمسة إلا الترمذي (٤)، وهذا لفظ البخاري (٥) [صحيح]. • وفي أخرى للشيخين (٦) والنسائي (٧): أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يا رسولَ الله! أَيُّ الإِسْلاَمِ خَيْرٌ؟ قَالَ: "تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ، عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ" [صحيح]. قوله: عن عبد الله بن عمرو.

стр. 192

أقول: هو من بني هُصَيص بن كعب بن لؤي القرشيّ. قال ابن معين: كنيته أبو عبد الرحمن. قال ابن عبد البر (١): والأشهر أبو محمَّد كان أبوه أسنَّ منه باثنتي عشرة سنة. أسلم قبل أبيه، وكان حافظاً فاضلاً عالماً قرأ: [الكتب] (٢) واستأذن النبي ﷺ أن يكتب حديثه (٣) فأذن له. قال: يا رسول الله! أكتب كما أسمع منك في الرضى والغضب؟ قال: "نعم فإني لا أقول إلا حقاً" (٤). قلت: ويأتي في الاقتصاد بيان ما كان عليه من العبادة.

стр. 193

قال ابن عبد البر (١): واعتذر عن شهوده صفين، وأقسم أنه لم يَرْم فيها برمح ولا سهم، وإنما شهدها لعزيمة أبيه عليه في ذلك، وقد قال له رسول الله ﷺ : "أطع أباك" (٢)، وساق بسنده إلى أبي مليكة عن عبد الله بن عمرو أنه كان يقول: "مالي ولصفين مالٍ ولقتال المسلمين! والله لوددت أني متُّ قبل هذا بعشر سنين - ثم يقول -: أما والله ما ضربتُ فيها بسيف لا طعنتُ فيها برمح، ولا رميت بسهم، ولوددت أني لم أحضر شيئاً منها، واستغفر الله من ذلك وأتوب إليه". وأسنده من وجه آخر. واختلف في وفاته قال ابن حنبل: مات ليالي الحرَّة [٢١/ أ] في ولاية يزيد، وكان الحرَّة يوم الأربعاء لليلتين [٥٥/ ب] بقيتا من ذي الحجة سنة (٦٣) وفيه أقوال غير هذا، ثم في محل وفاته قيل: بالطائف، وقيل: بمصر، وقيل: بمكة، وقيل: بأرضه من فلسطين. قوله: "والمهاجر من هجر [ما] (٣) نهى الله عنه" قال الحافظ في "الفتح" (٤): هذه الهجرة ضربان: باطنة، وظاهرة، فالباطنة ترك ما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء والشيطان، والظاهرة الفرار بالدين من الفتن. قوله: "الخمسة إلا الترمذي". أقول: بل وإلا مسلماً فإنه لم يخرجه (٥). قال الحافظ في "الفتح" (٦) بعد سرده وشرحه: هذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم. انتهى.

стр. 194

وقد سبق للمصنف أنه إذا قال: الخمسة فهم من عدا مالكاً، فاستثنى من الخمسة الترمذي فبقي مسلم داخلاً في الأربعة، فكان عليه أن يستثنيه مع الترمذي. وأما ابن الأثير (١) فإنه قال - بعد سرده رواية البخاري التي ذكرها المصنف -: وأخرجه مسلم فقال: إن رجلاً سأل النبي ﷺ أي المسلمين خير؟ قال: "من سلم المسلمون من لسانه ويده" انتهى. ونعم. أخرج مسلم هذا من حديث عبد الله من طريق آخر، والحاصل أنه لا يصح ضم مسلم إلى من أخرج لفظ البخاري كما فعل المصنف، وإن أتى بلفظ مسلم ابن الأثير. قوله: "هذا لفظ البخاري". زاد ابن الأثير (٢): وأبي داود (٣) والنسائي (٤) إلا أن النسائي قال: "من هجر ما حرم الله". قوله: "أي الإسلام خير" أي: خصاله. عقد له البخاري (٥) ترجمة بقوله: باب إطعامُ الطعامِ من الإيمان. وقوله: "يطعم الطعام" هو في تقدير [المصدر] (٦) [أي] (٧): [أَنْ] (٨) يطعم من باب [٥٦/ ب] تسمع بالمعيدي، وهو من هجر جانب اللفظ إلى جانب المعنى.

стр. 195

وقوله: "وتقرأ" بلفظ مضارع القراءة بمعنى: يقول. وقوله: "من عرف ومن لم يعرف" أي: لا تخص به أحداً تكبراً وتصنعاً، بل تعظيماً لشعار الإسلام، ومراعاة لأخوة المسلم. فإن قيل: اللفظ عام فيدخل الكافر والفاسق؟ أجيب: بأنه مخصوص بأدلة أخرى. ٣٤/ ٨ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِي ﵁ قال: قال رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: "إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتَادُ الْمَسَاجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالإِيمَانِ، فَإِنَّ الله تَعَالَى يَقُوْلُ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (١) الآيَةَ. أخرجه الترمذي (٢) [ضعيف]. قوله: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان". أقول: أي: معتادة لأداء الطاعات والعبادات، وفي البخاري (٣) أن أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله: "رجل قلبه معلق بالمساجد كما خرج منها عاد إليها". والاستدلال بالآية دال على أنه بالعمارة التعبد والطاعة، ويحتمل حمل يعتادها بذلك، وبالتنظيف والتطييب، فيشمل الأمرين كما في بعض كتب التفسير.

стр. 196

قوله: "أخرجه الترمذي". أقول: أخرجه في تفسير سورة براءة، ورواه بلفظ (١): (يتعاهد)، وبلفظ (٢): (يعتاد) وقال: "فاشهدوا له بالإيمان" قال الله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٣) فقط، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. ٣٥/ ٩ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ثَلاَثَةٌ مِنْ أَصْلِ الإِيَمانِ: الْكَفُّ عَمَّنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله، وَلاَ تُكَفِّرْهُ بِذَنْبٍ، وَلاَ تُخْرِجْهُ عَنِ الإِسْلاَمِ بِعَمَلٍ، وَالْجِهَادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِيَ الله إِلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخِرُ أُمَّتِي الدَّجَّالَ، لاَ يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ، وَلاَ عَدْلُ عَادِلٍ وَالإِيمَانُ بِالأَقْدَارِ" أخرجه أبو داود (٤). [ضعيف]. قوله: "ثلاثة من أصل الإيمان: الكف عمن قال: لا إله إلا الله". أقول: أي: كف اللسان عن ذمه كما أشار إليه، ولا يكفره بذنب ولا يخرجه عن الإسلام. (الواو) في: "ولا يكفره" في رواية أبي داود: "بعمل" فإنه مع قوله لكلمة التوحيد قد حقن دمه وماله وعرضه، وصار من جملة المسلمين. وفيه رد على الخوارج المكفرين بالذنوب، وهذا [٥٧/ ب] الأصل متفق عليه، وهو مخصص بمن قالها ولم يأت بحقها من لوازمها من بقية أركان الإسلام.

стр. 197

والأصل الثاني: مضي الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا، فإنه واجب وفرض كفاية ما بقيت دار الدنيا، سواءً كان القتال لذلك مع خليفة جائر أو عادل. وهو رد على من زعم أنه لا جهاد إلا مع إمام حق عادل. والأصل الثالث: قوله: "والإيمان بالأقدار" تقدم فيه الكلام. "أخرجه أبو داود". قلت: أخرجه في باب الغزو مع أئمة الجور. ٣٦/ ١٠ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَن نَاسَاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلُوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ. قَالَ: "وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ". قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: "ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ". أخرجه مسلم (١)، وأبو داود (٢). [صحيح]. • وفي أخرى (٣): الحمدُ للهِ الذي ردَّ كَيدَه إلى الوسوَسة" [صحيح]. • ولمسلم (٤) ﵀ عن ابن مسْعُود ﵁ قالوا: يا رسول الله! إنَّ أَحَدَنا ليَجدُ في نفسه ما لأنْ يَحترِق حتى يصيرَ حَمَمَة أو يَخرَّ من السماء إلى الأرض أحبُّ إليه منْ أن يتكلم به، قال: ذلك محضُ الإيمان. ومعنى: "المحض" الخالصُ.

стр. 198

قوله: "وعن أبي هريرة أن أناساً". أقول: عقد له النووي ترجمة في شرح مسلم (١) بلفظ: باب: بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها. قوله: "ذلك صريح الإيمان" [٢٢/ أ] يريد أن استعظامكم الكلام به هو صريح الإيمان، فإن استعظام هذا وشدة الخوف منه من التكلم به فضلاً عن اعتقاده، إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالاً محققاً، وانتفت عنه الشبهة والشكوك. قوله: "الذي رد كيده إلى الوسوسة" معناه: أن الشيطان إنما يوسوس لمن أيس من إغوائه، فيكيد عليه بالوسوسة لعجزه عن إغوائه، وأما الكافر فإنه يأتيه من حيث شاء، ولا يقتصر في حقه على الوسوسة، بل يتلاعب به كيف أراد. قلت: وزاد مسلم (٢) أنه قال ﷺ : "فمن وجد ذلك فليقل: آمنت بالله"، وفي لفظ فيه (٣): "فليستعذ بالله ولينته". فمراده بالأمر الأمر بالإعراض عن هذا الخاطر الباطل، والالتجاء إلى الله في إذهابه [٥٨] قال المازري (٤): أمرهم أن يدفعوا الخواطر بالإعراض عنها والرد لها من غير استدلال، ولا نظر في إبطالها. قال: والذي يقال في هذا المعنى: أن الخواطر على قسمين: فأما التي ليست بمستقرة ولا اجتلبتها شبهة طرأت، فهي تدفع بالإعراض عنها، وعلى هذا يحمل الحديث، وعلى حملها يطلق اسم الوسوسة. فأما الخواطر المستقرة التي أوجبتها الشبهة، فإنها لا تدفع إلا باستدلال ونظر. انتهى. قوله: "حممة" الحُممة: بالضم للمهملة الفحمة جمعها حمم.

стр. 199

الباب الثاني: (في أحكام الإيمان والإسلام) وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول: في حكم الإقرار بالشهادتين (١) ٣٧/ ١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ, وَيُؤْتُوا [٥٩/ ب] الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالُهمْ إِلاَّ بِحَقِّ الإِسْلاَمِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله" أخرجه الشيخان (٢)، ولم يذكر مسلم: "إلا بحق الإسلام" [صحيح]. ٣٨/ ٢ - وعَنْ عبيد الله بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ الله ﷺ جَالِسٌ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَسَارَّهُ فَلَمْ نَدْرَ مَا سَارَّهُ بِهِ حَتَّى جَهَرَ رَسُولُ الله ﷺ فَإِذَا هُوَ يَسْتَأْذِنُهُ في قَتْلِ رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ حِينَ جَهَرَ: "أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله". فَقَالَ الرَّجُلُ: بَلَى، وَلاَ شَهَادَةَ لَهُ. فَقَالَ: "أَلَيْسَ يُصَلِّي؟ " [٦٠/ ب] قَالَ: بَلَى، وَلاَ صَلاَةَ لَهُ. فَقَالَ ﷺ : "أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي الله عَنْ قَتلِهم" أخرجه مالك (٣) [صحيح].

стр. 200

٣٩/ ٣ - وَعَنْ طَارِق الأشجعي ﵁ قال: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله، وَكفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ الله، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى الله" أخرجه مسلم (١) [صحيح]. وفي أخرى له (٢): من وحَّد الله، وذكر مثله [٦١/ ب]. الفصل [الثاني] (٣): في أحكام البيعة ٤٠/ ١ - عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: لَنَا رَسُولُ الله ﷺ فِي مَجْلِسٍ فقال: "أَلاَ تبَايِعُونِي عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِالله شَيْئًا، وَلاَ تَسْرِقُوا، وَلاَ تَزْنُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْس التي حَرَّمَ الله إلَّا بِالحَقَّ" (٤) [صحيح]. وفي أخرى: "وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ، وَلاَ تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلاَ تَعْصُونِي فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى الله، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ الله عَلَيه فَأَمْرُهُ إِلَى الله تَعالى، إِنْ شَاءَ عَفا عَنْه وإنْ شَاء عَذبُه فبايعناهُ على ذَلِكْ" أخرجه الخمسة إلا أبا داود (٥) [صحيح].

стр. 201

• وزاد النسائي (١) في أخرى بعد قوله: "فأجره على الله تعالى"، "وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأُخذَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهْوَ كَفَّارةٌ لَهُ وَطَهُورٌ". • وفي أخرى للثلاثة (٢) والنسائي (٣): بَايَعْت رَسُولَ الله ﷺ علَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ في الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَنْ لاَ نُنَازِعَ لأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا لاَ نَخَافُ فِي الله لَوْمَةَ لاَئِمٍ". • وفي أخرى (٤): أَنْ لاَ نُنَازِع الأَمْرَ أَهْلَهُ, إِلاَّ أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ. والبواح: الظاهرُ الذي لا يحتملُ التأويلَ. أقول: ذكر المصنف في هذا الفصل أربعة أحاديث، وفي الجامع ذكر فيه تسعة أحاديث. قال ابن الأثير في "النهاية" (٥): وفي الحديث قال: "ألا تُبايعونِي على الإسلام؟ ". هو عبارة عن المُعَاقَدة عليه والمُعَاهدة كأنَّ كلَّ واحد منهم باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالِصَة نفسِه وطاعته ودَخِيلةَ أمره". الحديث الأول: قوله: "على أن لا تشركوا" هو المباح عليه، وذكر أربعاً هي أمهات الكبائر في حق الله وحق العباد فيما يتعلق بالأموال والفروج والدماء، وكل المباح عليه نفي لما أن من لازم عدم

стр. 202

الإشراك التوحيد؛ للعلم بأن كل مكلف مأمور به, والشرك: الكفر كما في "النهاية" (١) وفيها أنه فعل الكفر على أربع: • إما كفر إنكار بأن لا يعرف الله أصلاً ولا يعترف به. قلت: وهذا لا وجود له إذ الكل من الكفار يعترفون بالله حتى الفلاسفة المنكرين لحدوث العالم، فإنهم يعترفون، لكنهم يسمونه علة. • قال: وكفر جحود. ككفر إبليس فإنه يعرف الله بقلبه ولا يقر بلسانه. قلت: فيه تأمل بل هو مقر بلسانه: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ (٢) ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦)﴾ (٣) وغير ذلك. إنما كفره بعدم امتثاله لأمر الله وإصراره على عصيانه كبراً وحسداً كما قال تعالى له: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ (٤) الآية، فكفره [٦٣/ ب] من القسم الآتي، وهو قول ابن الأثير. • وكفر عناد، وهو أن يقر بقلبه، ويعترف بلسانه، ولا يدين حسداً وبغياً ككفر أبي جهل وأضرابه. قلت: فكفر إبليس من هذا القسم. • قال: وكفر نفاق، وهو أن يقر بلسانه ولا يعتقد بقلبه. انتهى. وسرقه كما في "القاموس" (٥) سرقه واسَترَقَهُ جاءَ مُسْتتِراً إلى حِرْزٍ، فأخذَ مالاً لغيرِه.

стр. 203

وقوله: "إلا بالحق" وذلك كالقتل قصاصاً، أو قتل الزاني المحصن، أو المبدل لدينه، فإن هذا قتل بالحق. "وفي أخرى" أقول: هي رواية البخاري. "ولا تقتلوا أولادكم" كان أهل الجاهلية يقتلون أولادهم لأحد أمرين: الأول: لئلا يأكل معه طعامه، إما لقلة الطعام وحاجة الآباء، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ (١) أي: لأجل إملاقكم وفقركم، ولذا وعدهم تعالى بالرزق فقال: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ (٢) وقدم الآباء هنا لحاجتهم. أو لغير قلة، بل الآباء في غنى، لكن يقتلون الأولاد خشية أن يفتقروا إن قاموا بإطعامهم، وهؤلاء هم الذين أشار الله إليهم بقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ (٣) أي: لخشية أن تفتقروا، ولذا وعد الأولاد والآباء بالرزق فقال: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ (٤) وقدم الأولاد هنا؛ لأنهم الفقراء والآباء أغنياء، فلله كلام الله وما ينطوي عليه. والثاني: من حوامل قتل الآباء للأبناء. قتلهم البنات [٦٤/ ب] خشية العار، وهذه هي الموؤدة التي ذكرها الله تعالى، ولذا عده ﷺ من أعظم الأمور بعد الشك في حديث مسلم (٥): "وأن تقتل ولدك مخافة أن يأكل معك" [٢٣/ أ].

стр. 204

قوله: "ببهتان" في "النهاية" (١): وفي حديث بيعة النساء: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ﴾ هو الباطل الذي يتحير منه، وهو من البُهْت التَّحيِّر، والألِف والنُّون زائدتان، والبُهْتُ (٢): الكذب والافتراء. انتهى. وفسر البهتان في بيعة النساء بأن يأتين بولد من غير أزواجهن فينسبنه إليهم. وقوله: "ولا تعصوني في معروف". قيد له، وإلِّا فكل ما يأمر به معروف إشارة إلى أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وهذه البيعة هي بلفظ: بيعة النساء المذكورة في القرآن. وقد روى الطبراني (٣) من حديث جرير: بايعنا رسول الله ﷺ مثل بيعة النساء في القرآن. وفي "فتح الباري" (٤): البهتان: الكذب الذي يبهت سامعه. وقوله: "بين أيديكم وأرجلكم" نسب إلى الأيدي لأن غالب كسب الرجل بيديه ومنه بما كسبت أيديكم، وذكر الأرجل تأكيداً، وقيل: يحتمل أن يراد بما بين الأيدي والأرجل القلب؛ لأنه هو الذي يترجم اللسان عنه، فلذا نسب إليه الافتراء كان المراد لا ترمون أحداً بكذب تزورونه في أنفسكم، ثم تبهتون به صاحبكم بألسنتكم. واقتصر على المنهيات دون المأمورات قيل: لأن المأمورات قد دخلت في قوله: "ولا تعصون" والعصيان مخالفة الأمر والحكمة في التنصيص على المنهيات دون المأمورات أن الكف أيسر من إنشاء الفعل، ولأن اجتناب الفاسد مقدم على اجتلاب المصالح.

стр. 205

وقوله: "فمن وفى منكم" أي: ثبت [٦٥/ ب] على العهد يروي (وفى) بالتخفيف والتشديد، وهما بمعنى. "فأجره على الله" تعظيم وتفخيم لما وعد به على الوفاء، وجاء صريحاً تعيين العوض بالجنة. قوله: "ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله". أقول: لفظ البخاري (١): "ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فهو كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئاً، ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفى عنه، وإن شاء عاقبه, فبايعناه على ذلك". انتهى. وهو هكذا في الجامع (٢) وفيه زيادة بعد قوله: "كفارة له وطهور" ونسب ابن الأثير اللفظ إلى البخاري (٣) ومسلم (٤)، فقول المصنف: "وزاد النسائي ... " إلى آخره في أخرى بعد قوله: "فأجره على الله" هذه الزيادة هي لفظ الشيخين كما قاله ابن الأثير، وساقها في لفظهما، فلا وجه لحذف "المصنف" لها، وإفراد نسبتها إلى النسائي، فراجعت النسائي (٥) فرأيت لفظه: "فمن وفي منكم فأجره على الله" ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له". انتهى بلفظه فظهر وهم "المصنف" في أنه جعل لفظ الشيخين للنسائي، وليس له، ولنرجع إلى الشرح.

стр. 206

قوله: "فأخذ به في الدنيا". أقول: لفظه في الجامع (١) وفي البخاري (٢) فعوقب به في الدنيا فهو، أي: العقاب كفارة له. قال القاضي عياض (٣): ذهب أكثر العلماء إلى أن الحدود كفارات، واستدلوا بهذا الحديث، ومنهم من وقف لحديث أبي هريرة (٤) أنه ﷺ قال: "لا أدري الحدود كفارة لأهلها أم لا؟ " قال: لكن حديث عبادة أصح إسناداً. قلت: صحح ابن حجر (٥) إسناده، ثم قال: وإذا كان صحيحاً فالجمع الذي جمع به القاضي حسن، يريد أنه قال القاضي: ويمكن على طريق الجمع بينهما أن يكون حديث أبي هريرة ورد أولاً قبل أن يعلمه الله، ثم أعلمه بعد ذلك. انتهى. قال النووي (٦): عموم هذا الحديث أي: حديث [٦٦/ ب] عبادة مخصوص بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ (٧) فالمرتد إذا قتل على ارتداده لا يكون القتل له كفارة.

стр. 207

قال الحافظ ابن حجر (١): قلت: وهذا بناء على أن قوله شيئاً من ذلك يتناول جميع ما ذكر وهو ظاهر، وقد قيل: يحتمل أن يكون المراد ما ذكر بعد الشرك بقرينة أن المخاطب بذلك المسلمون، فلا يدخل حتى يحتاج إلى إخراجه ويؤيده رواية مسلم (٢): "من أتى منكم حداً" إذ القتل على الشرك لا يسمى حداً، لكن يعكر على هذا القائل أن الفاء في قوله: "فمن" ترتب ما بعدها على ما قبلها، وخطاب المسلمين بذلك لا يمنع التحذير من الإشراك. فالصواب ما قال النووي. اهـ والقول بأنه أريد بالإشراك في الحديث الرياء غير صحيح، لأن عرف أنه إذا أطلق الشرك إنما يريد به مقابل التوحيد [٢٤/ أ] , [ولأنَّ] (٣) قوله: أنه قال فعوقب، أي: في الدنيا والرياء لا عقاب فيه في الدنيا. وقوله: "فعوقب" أعم من أن تكون العقوبة حداً أو تعزيراً فيدخل فيه الجلد والقطع في السرقة وتعزيز الأب على قتل ولده مثلاً، وإن كان قد قيل: إن قتل القاتل ليس إلا ردع لغيره، وإلا فإن للمقتول في الآخرة الطلب بدمه؛ لأنه لم يصل إليه حق، وتعقب بأنه قد صار إليه حق، وأي حق، فإن المقتول ظلماً تكفر عنه ذنوبه بالقتل كما ثبت في الحديث: "أن السيْفَ مَحَّاءْ للخطايَا" صححه ابن حبان (٤) وغيره، وأي حق يصل إليه أعظم من هذا، وهل يدخل في العقوبة المذكورة المصائب الدنيوية من الأسقام والألم وغيرها؟

стр. 208

قال الحافظ ابن حجر (١): فيه نظر، ويدل للمنع قوله: "ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله" فإن هذه المصائب لا تنافي الستر، لكن بينت الأحاديث الكثيرة أن المصائب تكفر الذنوب، فيحتمل أن يراد أنها تكفر ما لا حدَّ فيه، ويفيد الحديث إن إقامة الحد على من وجب عليه كفارة لذنبه [٦٧/ ب] ولو لم يتب، وهو قول الجمهور. وقيل: لا بد من التوبة وهو قول المعتزلة، ووافقهم ابن حزم، ومن المفسرين البغوي وطائفة، واستدلوا بآية المحاربين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (٢). وأجيب: بأنه في عقوبة الدنيا، ولذلك قيدت بالقدرة عليه. قلت: ولأنه من القول بأنه آية المحاربين مخصوصة بإسقاط توبتهم لعقوبتهم، وإلا فإن التائب من الشرب والسرقة وغيرهما مما فيه حد لا يسقط بالتوبة حدَّه في الدنيا. قوله: "فهو إلى الله". أقول: هذا لفظ البخاري، وفيه رد على الخوارج الذين يكفرون بالذنوب، وعلى المعتزلة الذين يوجبون [تعذيب] (٣) الفاسق إذا مات بلا توبة. واعلم أنه اشتمل الحديث من أحكام البيعة على ثلاثة أحكام: الأولى: من وفى فأجره على الله. الثاني: من أصاب شيئاً مما نهى عنه، فعوقب كان كفارة. والثالث: إن لم يعاقب بأن ستره الله, فأمره إليه إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه.

стр. 209

قوله: "وفي أخرى للثلاثة وللنسائي". أقول: يأتي من حديث عبادة: "على السمع والطاعة" أي: له ﷺ في كل ما يقوله، ويأمر به في العسر واليسر. أي: في الرخاء والشدة والمنشط والمكره. في "النهاية" (١): المَنْشَط: مَفْعَل من النَّشاط، وهو الأمر الذي تَنْشَط له وتَخِفُّ إليه وتُؤثِرُ فعله وهو مصدر بمعنى: النشاط. والمكره: المكروه وهو أيضاً مصدر مثله. وفسر المنشط أيضاً بالمحبوب. والأثرة: بفتح الهمزة والمثلثة، ويقال: بضم الهمزة، وإسكان الثاء فراء في "النهاية" (٢): الأثرة: بفتح الهمزة والثاء الاسم من أثر يؤثر إيثاراً إذا أعطى. وفي "غريب الجامع" (٣): الأثَرَةُ: الاستبشارُ بالشيء، والإنفرادُ به، والمرادُ في الحديث: إنْ مُنِعْنَا حقَّنا من الغنائم، والفيء، وأُعطِي غيرنا، نَصْبِرْ على ذلك، "وعلى أن لا ننازع الأمر أهله" المراد بالأمر: الأمارة، أي: لا نجاذب أهل الأمارة أمارتهم بالخروج عليهم، والخلاف وإثارة الفتنة، وتأتي أبحاث في الباب [٦٨/ ب]. واعلم أن هذا أخذ بيعة منه ﷺ لكل من يأتي من الأمة، وأنهم يطيعون أمراءهم، وإن استأثروا عليهم، وليس هذا من صفاته ﷺ ولا من أخلاقه، بل من صفات خلفاء السوء الذين يأتون من بعده، ويأتي تحقيق ذلك في محله. وقوله: "وأن نقول بالحق أين ما كنا [٢٥/ أ] لا نخاف في الله" أي: لأجله: "لومة لائم" يلومنا على قول الحق والتكلم به، وقول الحق سبيل إبلاغ الشرائع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعطفه على النهي عن منازعة الأمر للتنبيه على أن الصبر على أمراء الجور وعدم

стр. 210

نزاعهم لا يكون سبباً لكتم الحق، بل يصبر عليهم ويتكلم [٦٩/ ب] بالحق، ولا يطيعهم في معصية، بل إن أمروه بها قال: هذه لا تحل ويبين أنها معصية. وقوله: "إلَّا أن يروا كفراً بواحاً" لفظه في "الجامع" (١): وفي رواية بمعناه وفيه: "لا ينازع الأمر أهله. قال: إلا أن تروا كفراً بواحاً" الحديث. "والبَواح": - بفتح الموحدة وتخفيف الواو - فسره المصنف بما ترى، وفسره ابن الأثير (٢) بالجهاد من باح بالشيء يبوح به إذا أعلنه. وقال "البرهان": الحجة والدليل. واعلم أنه استعمل حديث عُبادة الأخير على وجوب طاعة ذوي الأمر في كل حال من الأحوال الخمسة، وعلى عدم منازعة أهل الأمر، وعلى قوله الحق في كل حال ما لم يؤد إلى فتنة، وإلى أنكر مما أنكره لأدلة في ذلك. قال النووي (٣): فإذا خاف من ذلك على نفسه وماله أو على غيره سقط الإنكار بيده ولسانه ووجبت كراهية فعلته، هذا مذهبنا. وعلى وجوب منازعة أولي الأمر إن أتوا كفراً بواحاً فهما حكمان: الطاعة على كل حال، وقتالهم عند الكفر البواح. وقال النووي (٤): معنى الحديث لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكراً محققاً تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك، فأنكروه

стр. 211

عليهم وقولوا بالحق حيثما كنتم، وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين. انتهى. قلت: ودعواه الإجماع باطلة فقد قال القاضي عياض (١): إنه قد ادعى الإجماع على هذا أبو بكر بن مجاهد، وقد رد عليه بعضهم بقيام الحسن وابن الزبير، وأهل المدينة على بني أمية وبقيام جماعة عظيمة من التابعين والصدر الأول مع ابن الأشعث على الحجاج. وتأول هذا القائل قوله: "وأن لا ننازع الأمر أهله" في أئمة العدل. وقد قيل: إن خروج من خرج على الحجاج لتغييره الشريعة، وظهور شعار الكفر. قال القاضي عياض (٢): لو طرأ عليه كفر أو تغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك فإن لم يقع ذلك لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر، ولا يجب على المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه، فإن تحققوا لم يجب القيام وليهاجر المسلم من أرضه إلى غيرها، ويفر بدينه. انتهى. قلت: وهذا مبني على إيجاب الهجرة من دار الفسق والحق عدم وجوبها ما لم يحمل فيها على ارتكاب المعصية. ٤١/ ٢ - وعَن عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الأَشْجَعِيُّ ﵁ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ تِسْعَةً، أَوْ ثَمَانِيَةً، أَوْ سَبْعَةً فَقَالَ: "أَلاَ تُبَايِعُونَ رَسُولَ الله ﷺ " فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ الله! فَعَلَى مَا نُبَايِعُكَ يا رسول الله؟! قَالَ: "عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا الله وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَتُطِيعُوا، وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً, وَلاَ تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا". فَلَقَدْ رأيْتُ بَعْضُ أُولَئِكَ

стр. 212

النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ. أخرجه مسلم (١)، وأبو داود (٢)، والنسائي (٣). [صحيح]. قوله: "وعن عوف بن مالك الأشجعي". أقول: في "الاستيعاب" (٤): يكنى أبو عبد الرحمن، ويقالُ: أبو حماد، ويقالُ: [أبو عمرو] (٥) وأول مشاهده خيبر، وكانت معه راية أشجع يوم الفتح. سكن الشام وعمر ومات في خلافة عبد الملك بن مروان سنة (٧٣) روى عنه جماعة. فقال: "ألا تبايعوني". أقول: الحديث اشتمل على ما اشتمل عليه ما قبله. قال النووي (٦): المبايعة: المعاهدة، وهي مأخوذة من البيع، لأن كل واحد كان يمد يده إلى صاحبه، وكذا هذه البيعة يكون بأخذ الكف، وقيل: سميت مبايعة لما فيها من المعاوضة لما وعدهم الله من عظيم الجزاء. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (٧).

стр. 213

قوله: "وأسر كلمة خفية" فسرها قوله: "ولا تسألوا الناس شيئاً" وهو حث على العفة، وإفراد الله بإنزال الحاجات به وعدم سؤال أحد من العباد شيئاً من الأشياء، ويأتي تحريم السؤال وجواز ما يجوز منه [٧١/ ب]. ٤٢/ ٣ - وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: كُنَّا إذا بايَعْنَا رَسُولَ الله قال: ﷺ : عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فَيَقُولُ لَنَا: "فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ" أخرجه الستة (١). [صحيح]. الحديث الثالث: تقدم معناه، وفيه زيادة أنه كان ﷺ يلقنهم: "فيما استطعتم". قال النووي (٢): وهذا من كمال شفقته ورأفته بأمته يلقنهم أن يقول أحد: فيما استطعت لئلا يدخل في عموم تنفيذ ما لا يطيقه، وفيه: أنه إذا رأى الإنسان من يلتزم ما لا يطيقه ينبغي له أن يقول: لا تلتزم ما لا تطيق فيضرك تنفيذه، وهو من نحو قوله ﷺ : "عليكم من الأعمال ما تطيقونه" (٣) انتهى. والحديث فيه حكم واحد، وهو أنه لا تكليف إلا بما يطاق. الحديث الرابع: ٤٣/ ٤ - وعَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَتَيْتُ النَّبي ﷺ فِي نِسْوَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله! نُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ لاَ نُشْرِكَ بِالله شَيْئًا، وَلاَ نَسْرِقَ، وَلاَ نَزْنِي، وَلاَ نَأْتِي بِبُهْتَانٍ نَفْتَرِيهِ بَيْنَ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا، وَلاَ نَعْصِيَكَ فِي مَعْرُوفٍ، قَالَ: "فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَقْتُنَّ". فقلنا: الله وَرَسُوُلهُ أَرْحَمُ بِنَا مِنَّا بأنْفُسِنَا، هَلُمَّ نُبَايِعْكَ. قال سفيان ﵀: تعني صافحنا؟ فقال: "إِنِّي لاَ

стр. 214

أُصَافِحُ النِّسَاءَ، إنَّمَا قَوْلي لمِائَةِ امْرَأَةٍ كَقَوْلي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ مِثْلِ قَوْلي لامْرَأَةٍ واحِدَةٍ" أخرجه مالك (١) والترمذي (٢) والنسائي (٣). [صحيح]. ٤٤/ ٥ - وللشيخين (٤) وأبي داود (٥) رحمهم الله تعالى عن عائشة ﵂: مَا مَسَّ رَسُولُ الله ﷺ يَدَ امْرأَةٍ قَطُّ إِلاَّ أَنْ يَأْخذَ عَلَيْهَا، فَإِذَا أَخَذَ عَلَيْهَا فَأَعْطَتْهُ قَالَ: "اذْهَبِي فَقَدْ بَايَعْتُكِ". [صحيح]. قوله: "وعن أميمة بنت رقيقة": أقول: في التقريب (٦): أميمة بنت رقيقة - بالتصغير فيهما - وفي "الاستيعاب" (٧): أميمة بنت رُقَيقة أمها رقيقة بنت خُويلد بن أسد بن عبد العزَّى (٨) أخت خَديجة زوج النبي ﷺ ، وأميمة بنت عبد [بن] (٩) بَجاد وهو - بكسر الباء الموحدة - من بني تَيمْ مُرَّة روى عن أميمة محمد بن المنكدر وابنتها حكيمة بنت أمية [٢٦/ أ].

стр. 215

قوله: "فقلنا: نبايعك": أقول: من الطالِبات للبيعة، وكأنهن قد علمن بآية بيعة النساء فبايعن بما اشتملت عليه، [وتقدم] (١) تفسير البهتان بأنهن: [لا] (٢) يأتين بولد من غير أزواجهن [فيلصقنه] (٣) بهم كذباً وافتراءً. قوله: "فقال: فيما استطعتن وأطقتن"، هذا ينبغي أن يعاد إلى عدم العصيان في معروف لا إلى الخمسة الأولى، فإنها مطاقة ولا يباح منها شيء. قوله: "لا أصافح النساء". قال النووي (٤): فيه أن بيعة النساء الكلام من غير أخذ كف، وفيه: أن بيعة الرجال بأخذ الكف مع الكلام، وفيه: أن [٧٢/ ب] كلام الأجنبية يباح سماعه عند الحاجة، وأن صوتها ليس بعورة، وأنه لا يمس بشرة الأجنبية من غير ضرورة، فإن كان ضرورة كطب وحجامة وقلع ضرس وكحل عين ونحوها ما لم توجد امرأة تفعل جاز للرجل الأجنبي فيه للضرورة. قوله: "إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة" قيل: فيه قلب، والمراد إنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة لأن غالب الخطاب مع الواحد فما فوقه دون المائة ويحتمل أن لا قلب، والمراد: إنما قولي للكثير كقولي للقليل.
следующие страницы →