← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14309

التحبير لإيضاح معاني التيسير

الصنعاني

Полный текст (5 029 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

برمي الجمار، ويوم النحر أوّلها، وقد بّين في رواية الهرماس بن زياد الباهلي عند أبي داود (١): "أنه ﷺ خطب [٢٢٤ ب] الناس على ناقته العضباء يوم الأضحى بمنى" فحديث أبي داود الذي أتى به المصنف: "أنّه ﷺ خطب على بغلة شهباء" [هي] (٢): خطبته ثاني أيام التشريق، والله أعلم. قال بعض الشافعية (٣): خطب الحج المشروعة عندنا أربع (٤)، أولها: بمكة عند الكعبة في اليوم السابع من ذي الحجة، والثانية: بنمرة يوم عرفة، والثالثة: بمنى يوم النحر، والرابعة: بمنى في الثاني من أيام التشريق، وكلها خطب فردة بعد صلاة الظهر إلاّ التي بنمرة فإنها خطبتان, وقبل صلاة الظهر، وبعد الزوال. انتهى. قلت: أهمل خطبة يوم عرفة في الموقف إلاّ أن يريد بها خطبة نمرة، ولم نجد رواية: "أنه ﷺ خطب بنمرة (٥) بل خطب يوم عرفة في محل وقوفه عند الصخرات وهو على راحلته".

стр. 1682

الفصل الثالث: في حج الصبي ١ - عن ابن عباس ﵄ قال: لَقِيَ رسولُ الله ﷺ رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ. فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ مِنْهُمْ صَبِيًّا. فَقَالَتْ: أَلِهَذا حجٌّ؟ قال: "نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ". أخرجه مسلم (١) ومالك (٢) وأبو داود (٣) والنسائي (٤). [صحيح]. قوله: "في حديث ابن عباس: بالروحاء" (٥) هي قرية جامعة على ليلتين من المدينة. قوله: "قال: نعم ولك أجر"، فيه دليل على صحة حج الصبي والحج به، وهو مذهب كافة (٦) العلماء من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم وأنه يثاب عليه ويترتب عليه أحكام الحج لكنه لا يجزئه عن حجة الإِسلام، وخالف أبو حنيفة (٧) فقال: لا يصح منه حج ولا إحرام ولا ثواب فيه ولا يترتب عليه شيء من الأحكام وإنما يحج به ليتمرن ويتعلم ويتجنب محظوراته بالتعلم وكذلك سائر عبادات الصبي، والدليل مع الجمهور (٨) وهو حديث ابن عباس هذا، وقوله: "ولك أجر" [٢٢٥ ب] أي: بسبب حملها له وتجنيبها إياه ما يجتنب المحرم.

стр. 1683

قالوا: ويحرم عنه من يلي (١) ماله من أب أو جد أو وصي أو قيّم من جهة القاضي أو القاضي، وأما الأم فلا يصح إحرامها عنه إلاّ أن تكون وصيّة أو قيّمة من جهة القاضي، قالوا: وهذا كله في غير المميز، وأمّا المميز فيأذن له وليه، ولا يصح بدون إذن وليه، وإحرام الولي عن غير المميز أن يقول بقلبه: جعلته محرمًا هكذا. قيل في تفسير الحديث: وهذه قيود لم يدل (٢) عليها الحديث هذا، إنما تصيدوها من القواعد التي قعدت. ٢ - وعن السائب بن يزيد ﵄ قال: حجَّ بِي أبي ﵁ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مَعَ رَسولِ الله ﷺ وَأَنا ابنُ سَبْعٍ سِنينَ. أخرجه البخاري (٣) والترمذي (٤). [صحيح]. ٣ - وعن جابر ﵁ قال: كُنَّا نُلَبِّي عن النساء والصبيان.

стр. 1684

أخرجه الترمذي (١) وقال (٢): حديث غريب. وَقَدْ أَجَمَعَ (٣) أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ المَرْأَةَ لاَ يُلَبِّي عَنْهَا غَيْرُهَا. قوله: "في حديث جابر: فكنّا نلبي عن النساء والصبيان". قلت: كذا هنا ومثله في الجامع (٤)، والذي في الترمذي بلفظ: "وكنّا نلبي عن النساء ونرمي الصبيان"، قال أبو عيسى (٥): هذا حديث غريب، ولا نعرفه إلاّ من هذا الوجه. وقد أجمع أهل العلم أنّ المرأة لا يلبي عنها غيرها ويكره لها رفع الصوت بالتلبية. انتهى. الفصل الرابع: في الاشتراط في الحج ١ - عن عائشة ﵂ قالت: دَخَلَ رسولُ الله ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ ﵂ فَقَالَ: "لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الحَجَّ؟ ". فَقَالَتْ: وَالله مَا أَجِدُنِي إِلاَّ وَجِعَةً. فَقَالَ: "حُجِّي وَاشْتَرِطِي، وَقُولِي: اللهمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي". أخرجه الشيخان (٦) والنسائي (٧). [صحيح].

стр. 1685

قوله: "على بضاعة" (١) بضم الضاد المعجمة فموحدّة. "بنت الزبير" أي: ابن عبد المطلب بنت عمِّ رسول الله ﷺ . قوله: "حجي واشترطي وقولي [٢٠٦/ أ]: اللهم محلي حيث حبستني" هذا بيان للفظ الاشتراط، وهو دليل لمن يقول: إنّ للحاج والمعتمر أن يشترط [٢٢٦ ب] في إحرامه أنه إن مرض تحلّل، وهو مذهب الشافعي (٢) وحجّته هذا الحديث الصريح، وذهب مالك (٣) وأبو حنيفة (٤) وبعض التابعين أنّه لا يصح هذا الاشتراط، وحملوا الحديث على أنه قصة عين وأنه خاص بضباعة، وأشار القاضي (٥) إلى تضعيف هذا الحديث فإنه قال: قال الأصيلي (٦): لا يثبت في الاشتراط إسناد صحيح، وهذا الذي (٧) عرض به القاضي غلط فاحش جدًا، نبّهت عليه لئلا يغتر به؛ لأنّ حديث ضباعة (٨) مشهور في الصحيحين وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وسائر كتب الحديث المعتمدة بأسانيد كثيرة عن جماعة من الصحابة. وفيما ذكره مسلم من تنوع طرقه أبلغ كفاية وفيه: أنّ المرض لا يبيح التحلل من دون اشتراط حال الإحرام، ويأتي أنّ ابن عمر كان ينكر الاشتراط. قلت: وكأنه لم يبلغه حديث ضباعة.

стр. 1686

٢ - وللترمذي (١) قال: كَانَ ابن عُمَرُ ﵄ يُنْكِرُ الاشْتِرَاطَ فِي الحجِّ ويقُولُ: أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنّةَ نَبِيَّكُمْ ﷺ ؟ [صحيح]. قوله: "وللترمذي". قلت: وقال: حديث حسن صحيح. وزاد النسائي (٢): أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ. فَإِنْ حَبَسَ أَحَدَكُمْ حَابِسٌ فَلْيَأْتِ الْبَيْتَ وَليَطُفْ بِهِ وبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ لْيَحْلِقْ أَوْ لِيُقَصِّرْ ثُمَّ ليُحِلَّ وَعَلَيْهِ الحَجُّ مِنْ قَابِلٍ. [صحيح]. قوله: "زاد النسائي: أنه لم يشترط هذه الزيادة" هي دليل ابن عمر في إنكاره الاشتراط، ولا يخفى أنه دليل غير ناهض؛ لأنه تثبت "السنة" بقوله ﷺ كما تثبت بفعله، ويريد ابن عمر أنه لو كان سنة لاشترطه ﷺ ، وزيادة النسائي دالة أنه أخرج حديث ابن عمر (٣) فلا وجه للاقتصار على الترمذي في إخراجه له. الفصل الخامس: في حمل السلاح في الحرم ١ - عن ابن جُريج قال: أصَابَ ابْنِ عُمَرَ سِنَانُ رمحٍ في أخْمَص قَدَمِهِ بِمِنًى فجاء الحَجّاجُ يعودُه. فقال: لَوْ نَعْلَمُ مَنْ أَصَابَكَ؟ فَقَالَ: أَنْتَ أَصَبْتَنِي. قَالَ: وَكَيْفَ؟ قَالَ: حَمَلْتَ

стр. 1687

السِّلاَحَ فِي يَوْمٍ لَمْ يَكُنْ يُحْمَلُ فِيه، وَأَدْخَلْتَ السِّلاَحَ الحَرَمَ ولم يكُنْ السِّلاحُ يَدْخُلَ الحَرَمَ. أخرجه البخاري (١). [صحيح]. قوله: "في حديث ابن عمر: أنت أصبتني" نسب الإصابة إلى الحجّاج؛ لأنه أمر به فتسبب عنه إصابة السنان [٢٢٧ ب] لابن عمر، وحكى الزبير بن بكار (٢): أنّ عبد الملك لمّا كتب إلى الحجاج أن لا يخالف ابن عمر شقّ عليه وأجرّ رجلاً معه حربة مسمومة فلصق ذلك الرجل به، فأمر الحربة على قدمه فمرض منها أيامًا ومات سنة أربع وسبعين بعد قتل ابن الزبير بسنة. ٢ - وعن الَبرَاء بن عازب ﵄ قال: لما صالحَ النّبيُّ ﷺ أهلُ الحُديْبِيَّةِ صَالَحَهُمْ عَلَى أنْ [لا يَدْخُلُوهَا] (٣) إلا بجُلْبان السِّلاَحِ الْقِرَابُ بما فيه. أخرجه الشيخان (٤) وأبو داود (٥). [صحيح]. قوله: "في حديث البراء على أن [لاَ يَدْخُلُوهَا] (٦) أي: النبي ﷺ وأصحابه في العام القابل. قوله: "إلاّ بِجُلْبَان السلاح" هو بضم الجيم وتخفيف اللام، قال ابن الأثير (٧): جلبان السلاح القراب بما فيه، ومثل القراب الغمد، والجلبان شِبه الجراب من الأدم، يوضع فيه

стр. 1688

السيف مغمودًا، وَيطرَح فيه الراكبُ سوطَه وأدَاته، ويعلَّقه [في] (١) آخرة الرحل أو واسطته، وقد روي بضم اللام وتشديد الباء وهو أوعيةُ السلاح [بما فيها] (٢). انتهى. قلت: ولا يخفى أنه ليس في الحديث دليل على أنّه لا يحمل السلاح في مكة؛ لأن هذا شرط (٣) شرطه الكفار في الصلح بينهم وبين رسول الله ﷺ . الفصل السادس: في ماء زمزم في ماء زمزم أحاديث كثيرة قى فضله وإغنائه عن الطعام والشراب.

стр. 1689

وفي أنَّه: "لما شرب له" (١) وهنا أراد بعض مما أتي فيه. قال البخاري (٢): وسميت زمزم لكثرتها، يقال: ماء زمزم أي كثير. قال الحافظ (٣): وقيل: لاجتماعها، وعن مجاهد (٤): إنما سميت زمزم لأنها مشتقة من الهزمة، والهزمة (٥) الغمز بالعقب في الأرض. ١ - عن ابن عباس ﵄ قال: سَقيتُ النَّبيَّ ﷺ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ فشرِبَ وهوَ قائمٌ. أخرجه الشيخان (٦). [صحيح]. قوله: "فشرب وهو قائم" قد استشكل شربه قائمًا مع ثبوت نهيه عنه, وأجيب بأنه فعله لبيان الجواز، وأنّ النهي ليس للتحريم، وفي البخاري (٧): "فحلف عكرمة ما كان يومئذٍ إلاّ على بعير فلم يشرب قائمًا؛ لأنه كان على بعير راكبًا". ٢ - وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ أمَرَ رِّجُلاً مِنْ قُرَيْش في المُدَّة أن يَأتِيَه بَماءِ زمْزَمَ إلى الحُدَيْبيَّةِ. فَذهَبَ بِهِ إلى المَدِينَةِ (٨). أخرجه رزين.

стр. 1690

والمراد "بِالمُدَّةِ" هنا: مدة المُهادنة. قوله: "فذهب به إلى المدينة" فيه شرعية حمل ماء زمزم إلى البلاد [٢٢٨ ب] النائية عنه لبركته, وقد أخرج الترمذي (١) عن عائشة: "أنها كانت تحمل ماء زمزم وتخبر أنّ النبي ﷺ كان يحمله"، ولو أتى به المصنف عوضًا عن حديث رزين لكان أولى. الفصل السابع: في أحاديث متفرقة ١ - عن عائشة ﵂ قالت: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! أَلاَ تبني لَكَ بِمِنًى بَيْتًا يُظِلُّكَ مِنَ الشَّمْسِ؟ فَقَالَ: "لاَ. إِنَّمَا هُوَ مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ إِلَيْهِ". أخرجه أبو داود (٢) والترمذي (٣). [ضعيف]. قوله: "في حديث عائشة: منى مناخ من سبق إليه" بالنون والخاء المعجمة من الإناخة (٤): الإقامة والنزول، وفيه دليل على أنه لا يتحجر أحد منها محلاً في منى بل كل من سبق إلى محل فهو أولى به. قوله: "أخرجه أبو داود والترمذي" وقال الترمذي (٥): إنه حديث حسن إلاّ أنه ليس فيه "من الشمس" بل "يظلّك" فقط.

стр. 1691

٢ - وعن أبي واقِدِ اللَّيْثيّ ﵁ قال: سمعت النَّبيَّ ﷺ يقولُ لِأَزْوَاجِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "هذه ثُمَّ ظُهُورُ الحُصْرِ". أخرجه أبو داود (١). [صحيح لغيره]. "الحُصْر" جمع حَصير، والمراد: لا تخرجْنَ من بيوتكن بعد هذهِ الحجة. قوله: "في حديث أبي واقد: هذه ثم ظهور الحصر" زاد ابن سعد من حديث أبي هريرة (٢): "فكنّ نساء النبي ﷺ يحججن إلاّ زينب وسودة فقلن: لا تحركنا دابة بعد رسول الله ﷺ ". وتأول غيرهما من أمهات المؤمنين بأنّ المراد بالحديث أنه لا يجب عليهن غير تلك الحجة، ويؤيد ذلك قوله ﷺ حديث عائشة (٣): "لكن أفضل الجهاد الحج والعمرة"، وكان عمر متوقفًا في ذلك ثم ظهر له الجواز فأذن لهن، وتبعه على ذلك جماعة من الصحابة وغيرهم من غير نكير [٢٠٧ أ]. ٣ - وعن إبراهيم عن أبيه عن جده: أَنَّ عُمَرَ ﵁ أَذِنَ لأَزْوَاجِ النَّبِيَّ ﷺ في آخر حَجَّةِ حَجَّهَا، يَعْني: في الحَجِّ، وَبَعَثَ مَعَهُنَّ عَبْدَ الرَّحْمنِ بن عَوْفٍ وَعُثْمانَ بنَ عَفَّانَ. أخرجه البخاري (٤).

стр. 1692

وقال البرقاني (١): هو إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. قال الحميدي: في هذا نظر، قلت: لعله إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، والله أعلم. قوله: "وعن إبراهيم عن أبيه عن جده". قوله: "أخرجه البخاري" قال الحميدي: هكذا أخرجه البخاري قال: قال لي محمَّد بن أحمد: حدثنا إبراهيم عن أبيه عن جده. قال الحميدي: قال [٢٢٩ ب] البرقاني، بكسر الموحدة, ففي "القاموس" (٢): إنه بالكسر قرية بخوارزم وقرية بجرجان كأنه من أحدهما, ولمّا ذكر البخاري إبراهيم غير منسوب، فقال البرقاني: إنه إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. قال الحميدي (٣): وفي هامش "الجامع الكبير" ما لفظه: والصواب أنه إبراهيم بن سعد ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف كما ذكره الحافظ ابن حجر في آخر تراجم من اسمه أحمد ولم يتميز من "مقدمة الفتح" (٤). انتهى. قلت: لكنه لم يبيّن أنه المراد هنا. قوله: "قلت لعلّه إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي".

стр. 1693

قلت: قال عليه (١) الأشخر يردّه - أي كلام المصنف -: إنّ إبراهيم الذي ذكره ليس له رواية عن أبيه، إنما يروي عن جدّه عبد الله بن أبي ربيعة. انتهى. قلت: وذكره الحافظ في "مقدمة الفتح" (٢) وقال: إنه قال ابن القطان: لا يعرف حاله إلاّ أنه قال الحافظ (٣): قلت: روى عنه جماعة ووثّقه ابن حبان. وله في الصحيح (٤) حديث واحد في كتاب الأطعمة. انتهى. ٤ - وعن ابن عمر ﵄ قال: سُئِلَ رسولُ الله ﷺ عَنْ الحاجَ قال: "الشَّعِثُ التَّفِلُ". قِيلَ: وأيُّ الحَجِّ أفْضَل؟ قال: "الْعَجُّ وَالثَّجُّ"، قِيلَ: وَمَا السَّبِيْلُ؟ " قال: الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ. أخرجه الترمذي (٥). [ضعيف جداً دون قوله: "العج والثج"]. "الشَّعِثُ" (٦): البعيد الْعَهْدِ بِتَسْرِيح شعره وغسله. "والتفلُ" (٧): التارك للطِّيب واستعماله.

стр. 1694

"وَالْعَجُّ" (١): رَفْعُ الصّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ. وَ"الثَّجُّ" (٢): سَيَلاُ الدَّمِ من الْهَدْيِ. قوله: "في حديث ابن عمر: الشعث التفل" يأتي تفسيرهما، وهما بفتح أولهما وكسر ثانيهما. قوله: "أخرجه الترمذي": قلت: لم يخرّج منه (٣) إلاّ قوله: "وقال: يا رسول الله ما يوجب الحج؟ قال: الزاد والراحلة". وبوّب له (٤): باب ما جاء في إيجاب "الحج"، وقال (٥): قال أبو عيسى: هذا حديث حسن والعمل عليه عند أهل العلم: أنّ الرجل إذا وجد زاداً وراحلة وجب عليه الحج ثم قال: وإبراهيم بن يزيد هو الخوزيُّ المكيُّ، وقد تكلم فيه بعض أهل الحديث من قبل حفظه. انتهى. قلت: في "التقريب" (٦) إبراهيم بن يزيد الخوزي بضم المعجمة وبالزاي، أبو إسماعيل المكي مولى بني أمية, متروك الحديث. انتهى. [٢٣٠ ب]. وعليه رمز الترمذي وابن ماجه، وفي "الميزان" (٧): قال أحمد والنسائي: متروك، وقال ابن معين: ليس بثقة، ونقل عن ابن عدي: إنه يكتب حديثه.

стр. 1695

٥ - وعن أبي هريرة ﵁: أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسولُ الله! عَليَّ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، وَعَليَّ دَيْنٌ. قال: "اقْضِ دينَك". أخرجه رزين. قوله: "في حديث أبي هريرة: اقض دينك" دليل للقائلين: بأنّ دين العبيد (١) أقدم من دين الله، وتقدمت المسألة قريبًا, ولكن هذا الحديث لم يخرجه أهل الأمهات، فلا يتم به الاستدلال. ٦ - وعن ثمامة قال: حَجَّ أَنَسٌ ﵁ عَلَى رَحْلٍ، وَلَمْ يَكُنْ شَحِيحًا، وَحَدَّثَ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ حَجَّ عَلَى رَحْلٍ وَكَانَتْ زَامِلَتَهُ. أخرجه البخاري (٢). "عَلَى رَحْلٍ" أي: قتب لا في مَحْملِ ونحوه. قوله: "في حديث ثمامة" وهو بضم المثلثة، وهو ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري، قاضي البصرة تابعي سمع جدّه أنسًا. قوله: "على رحل" بفتح الراء وسكون الحاء المهملة يأتي "تفسيره". قوله: "ولم يكن شحيحًا" أي: بل فعل ذلك تواضعًا لا بخلاً. قوله: "وكانت زاملته" (٣) الزاملة بالزاي: البعير الذي يحمل عليه الطعام والمتاع من الزمل وهو الحمل، والمراد: الإخبار بأنه ﷺ لم يكن معه زاملة تحمل طعامه، ومتاعه بل كان ذلك محمولاً معه على راحلته، فكانت هي الزاملة والراحلة.

стр. 1696

أخرج سعيد بن منصور (١) عن هشام بن عروة قال: كان الناس يحجون وتحتهم كل [أزودتهم] (٢)، وكان أوّل من حج على [زمل] (٣) وليس تحته شيء عثمان بن عفان. قوله: "أي قتب" (٤) بالقاف فمثناة فوقية فموحّدة رحل صغير. ٧ - وعن عبيد بن جُريج قال: قُلتُ لِابنِ عُمرَ ﵄: رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا. قَالَ: مَا هِيَ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ؟ قَالَ: رَأَيْتُكَ لاَ تَمَسُّ مِنَ الأَرْكَانِ إِلاَّ الْيَمانِييْنِ، وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ، وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الْهِلاَلَ وَلَمْ تُهِلَّ أنتَ حَتَّى يَكُونَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ. فَقَالَ: أَمَّا الأَرْكَانُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ الله ﷺ يَمَسُّ إلاّ اليَمانِيْينِ، وأمَّا النِّعَالُ السِّبْتيَة فإنِّي رأيتُ رسولَ الله ﷺ يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيتَوَضَّأُ فِيهَا. فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا. وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَصْبُغُ بِهَا فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا. وَأَمَّا الإِهْلاَلُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ الله ﷺ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ. أخرجه الثلاثة (٥) وأبو داود (٦). [صحيح]. "النِّعَالُ" السبتية (٧) التي لا شعر عليها كأن شعرها قد سُبت: أي حُلِقَ عنها.

стр. 1697

قوله: "وعن عبيد بن جريج" قال ابن الأثير: هو عبيد بن جريج (١) مولى بني تيم، وقيل: التميمي المدني يعد في التابعين عزيز الحديث سمع عبد الله بن عمر والحارث بن البرصاء. انتهى. قوله: "لا تمس من الأركان" أي: أركان الكعبة "إلاّ اليمانيين" تقدم الكلام [٢٣١ ب] في هذا والمراد: مسها عند الطواف بالاستلام لها. قوله: "يصبغ بالصفرة" قال المازري (٢): قيل: المراد سبع الشعر وقيل: صبغ الثوب، قال: والأشبه أن يكون صبغ الثياب؛ لأنه أخبر أنّ النبي ﷺ صبغ، ولم ينقل عنه أنه صبغ شعره, قال القاضي عياض (٣): هذا أظهر الوجهين. قوله: "إذا رأوا الهلال" أي: هلال ذي الحجة, ولم تهل حتى يكون يوم التروية الثامن من ذي الحجة. قوله: "التي ليس فيها شعر" هذا تفسير للسبتية. قوله: "فإني رأيت رسول الله ﷺ : يصبغ بها" قيل: هذا مخالف لحديث أنس في اللباس [٢٠٨/ أ]: "أنه ﷺ لم يصبغ" وجمع بينهما الطبري (٤) بأن: من أثبت فإنه حكى ما شاهد، وكان ذلك في بعض الأحيان، ومن نفى فهو محمول على الأكثر الأغلب من حاله. قوله: "يهل حتى تنبعث به راحلته" هو حكاية عن إهلاله ﷺ في [عمرة وحجة] (٥)، وإلاّ فإنّه ﷺ لم يحرم من مكة، وابن عمر سئل عن إهلاله إذا كان بمكة؛ ولأنّه ﷺ أمر

стр. 1698

الذين كانوا معه في حجته وفسخوا حجهم بأن يهلوا يوم التروية. الباب الخامس عشر: في حج النبي ﷺ وعمرته ١ - عن جابر ﵁ قال: حَجَّ النَّبيُّ ﷺ حَجَّتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ، وَحَجَّةً بَعْدَ مَا هَاجَرَ مَعَهَا عُمْرَةٌ، فَسَاقَ ثَلاَثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً. وَجَاءَ عَليٌّ ﵁ مِنَ الْيَمَنِ بِبَقِيَّتِهَا فِيهَا جَمَلٌ فِي أَنْفِهِ بُرَةٌ مِنْ فِضَّةٍ فَنَحَرَهَا فأمر النَّبِيُّ ﷺ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَطُبِخَتْ وَشَرِبَ مِنْ مَرَقِهَا. أخرجه الترمذي (١). [صحيح]. قوله: "في حديث جابر: أخرجه الترمذي" (٢). قلت: وقال (٣): هذا حديث غريب من حديث سفيان لا نعرفه إلاّ من حديث زيد بن حباب، ورأيت عبد الله بن عبد الرحمن رَوَي هذا الحديث [٢٣٢ ب] في كتبه عن عبد الله بن أبي زياد. قال: وسألت محمداً عن هذا فلم يعرفه من حديث الثوري عن جعفر عن أبيه عن جابر عن النبي ﷺ ورأيته لم يعد هذا الحديث محفوظًا. وقال: إنما يروى عن الثوري عن ابن إسحاق عن مجاهد مرسلاً. حدثنا إسحاق بن منصور قال: حدثنا حبّان بن هلال قال: حدثنا همام قال: حدثنا قتادة قال: قلت لأنس بن مالك: كم حج رسول الله ﷺ . قال: حجة واحدة، واعتمر أربع عمر ... " الحديث (٤).

стр. 1699

قال أبو عيسى (١): هذا حديث حسن صحيح، وحَبَّان بن هلال أبو حبيب البصري هو جليل ثقة، وثّقه يحيى بن سعيد القطان. انتهى كلامه. قوله (٢): زيد بن حُباب، في "التقريب" (٣): زيد بن الحُباب بضم المهملة وموحدتين، أصله من خراسان، وكان بالكوفة ورحل في طلب الحديث فأكثر منه وهو صدوق يخطئ في حديث الثوري. انتهى. وفي "الميزان" (٤): أحاديثه عن الثوري مقلوبة، وقال أحمد (٥): صدوق كثير الخطأ. انتهى. نعم، وجمل أبي جهل الذي في أنفه بُرة إنما أهداه ﷺ في عمرته في الحديبية، هذا المحفوظ في كتب الحديث (٦) والسيرة (٧). ٢ - وعن عروة بن الزبير قال: كُنْتُ أنَّا وَابْنُ عُمَرَ ﵄ مُسْتَنِدَيْنِ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ ﵂ وَأَنَا أَسْمَعُ صوْتَهَا بِالسِّوَاكِ تَسْتَنُّ. فَقُلْتُ: يَا أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! أعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ في رَجَبٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂: أَيُّ أُمَّتَاهُ أَلاَ تَسْمَعِينَ مَا يَقُولُ أبو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَتْ: وَمَا

стр. 1700

يَقُولُ؟ قُلْتُ: يَقُولُ: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي رَجَبٍ. فَقَالَتْ: يَغْفِرُ الله لأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَعَمْرِي مَا اعْتَمَرَ في رَجَبٍ ولاَ اعْتَمَرَ مِنْ عُمْرَةٍ إِلاَّ وَإِنَّهُ لمَعَهُ. وَابْنُ عُمَرَ يَسْتَمِعُ فَمَا قَالَ: لاَ وَلاَ قال: نَعَمْ. سَكَتَ. أخرجه الخمسة (١) إلا النسائي. [صحيح]. قوله: "في حديث عروة بن الزبير: تستن" بالسين المهملة فمثناة قوقية فنون, قال ابن الأثير (٢): الاستنان: التسوك بالسواك. وقوله: "لعمري ما اعتمر في رجب قط" ابن عمر أثبت عمرته ﷺ في رجب وعائشة نفت ذلك وأقرّها ابن عمر ولم يرد عليها فدلّ على صحة كلامها، قالوا: سكوته دليل على اشتباه الأمر عليه أو نسيانه. وقال القرطبي (٣): عدم إنكاره على عائشة، يدل أنه كان على وهم وأنّه رجع لقولها. قوله: "أخرجه الخمسة". قلت: بألفاظ مختلفة ساقها ابن الأثير (٤) والمراد منها [٢٣٣ ب] هل اعتمر ﷺ في رجب أم لا؟ ولذا بوّب الترمذي (٥): باب ما جاء في عمرة رجب, ثم قال بعد إخراجه (٦).

стр. 1701

قال أبو عيسى (١): هذا حديث غريب، سمعت محمدًا يقول: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة ابن الزبير. انتهى. وهذا الذي وقع لابن عمر عدّه أئمة الحديث من سفر الوهم من زمان إلى زمان، واتفقوا على أنّه ﷺ لم يعتمر في رجب (٢) وقرروا أنّ عمره ﷺ الأربع كلها في ذي القعدة كما يأتي في حديث ابن عباس. ٣ - وعن ابن عباس ﵄ قال: اعْتَمَرَ النَبيُّ ﷺ أَرْبَعَ عُمَرٍ: عُمْرَةَ الحُدَيْبِيَةِ، وعُمرةَ الثَّانِيَةَ مِنْ قَابِلٍ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ في ذِي الْقَعْدَة، وعُمرةَ الثّالِثَة مِنَ الجِعرَّانَةِ، وَالرَّابِعَةَ [الَّتِي] (٣) مَعَ حَجَّتِهِ. أخرجه أبو داود (٤) والترمذي (٥). [صحيح]. قوله: "الحديبية وعمرة القضاء" هاتان في ذي القعدة (٦) اتفاقًا وعمرة الجعرانة بعد قسمته غنائم الطائف والعمرة مع حجته؛ لأنه كان قارنًا. ٤ - وعن عروة قال: اعتمرَ رسولُ الله ﷺ ثَلاَثَ عُمَرٍ إِحْدَاهُنَّ في شَوَّالِ، وثنتانِ في ذِي الْقَعْدةِ. أخرجه مالك (٧).

стр. 1702

قوله: "في حديث عروة ثلاث عمر" كأنه يريد المنفردات كما يدل له حديث مالك [الآتي] (١)، والرابعة مع حجته. وقوله: "إحداهن في شوال" كأنه يريد [بها] (٢) عمرة الجعرانة؛ لأنه قد قيل: إنها كانت في آخر شوال، وفي رواية الشيخين (٣) من حديث أنس: "أنه ﷺ اعتمر أربع عمر كلها في القعدة إلاّ التي مع حجته" يريد بأنها كانت أعمالها من الطواف والسعي في ذي الحجة، وأمّا الإحرام بها فقد كان في ذي القعدة لما تقرر من أنّه ﷺ خرج من المدينة لخمس بقين من ذي القعدة، وأهلّ بالحج والعمرة، فمن قال: كلها أي الأربع في ذي القعدة فهو صحيح، ومن استثنى عمرته مع حجته فهو صحيح. ٥ - وعن مالك (٤): أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنّ الَّنَّبِيَّ ﷺ : اعْتَمَرَ ثَلاَثًا، عَام الحُدَيْبِيَّة، وَعَامَ الْقَضِيَّةِ وَعَامَ الجِعرَّانَةِ. [صحيح لغيره]. ٦ - وعن ابن عمر ﵄ قال: كُنَّا نَتَحَدَّثُ عَنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ ورسولَ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَلاَ نَدْرِي مَا حَجَّةُ الْوَدَاعِ، حَتى حَمِدَ الله تَعَالى وَأثنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ المَسِيحَ الدَّجَّالَ فَأطْنَبَ في ذِكْرِهِ وَقَالَ: "مَا بَعَثَ الله مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أنذَرَهُ أُمَّتَهُ, لَقَدْ أنذَرَهُ نُوحٌ وَالنَّبِيُّونَ بَعْده، وإنَّهُ يَخْرُجُ فِيكُمْ، فما خَفِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ شَأْنِهِ فَلَيْسَ يَخْفَى عَلَيْكُمْ إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وإنَّهُ أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى، كأنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طافِيَةٌ ألاّ وإنّ الله تَعَالَى حَرّم عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالكُمْ كحُرْمَةِ يَوْمِكمْ هَذَا في بَلَدكُمْ هذَا. ألاَ هَلْ بَلَّغْتُ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قال: اللهمَّ اشْهَدْ ثَلاَثًا. وَيْلكُمْ أَوْ

стр. 1703

وَيْحَكُمْ لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كفّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ". أخرجه الشيخان (١) واللفظ للبخاري. [صحيح]. قوله: "في حديث ابن عمر: وما ندي ما حجة الوداع" حجة هنا بفتح الحاء وكسرها والوداع بفتح الواو، وسميت بذلك؛ لأنه ﷺ ودّع الناس فيها وعلّمهم في خطبته [٢٣٤ ب] أمور دينهم وأوصاهم بتبليغ الشريعة فقال: "ليبلغ الشاهد منكم الغائب" [فقول] (٢) ابن عمر: "لا ندري ما حجة الوداع" كأنه شيء ذكره لهم النبي ﷺ وما فهموه فتحدثوا به، والمراد به وداع النبي ﷺ لأمته حين وقعت وفاته عقيبها بقليل ففهموا ذلك. وفي "الفتح" (٣): لما قال البخاري: "فودَّع الناس" وقع في طريق ضعيفة عند البيهقي [من] (٤) حديث ابن عمر سبب ذلك ولفظه: "أنزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ على رسول الله ﷺ في وسط أيام التشريق، وعرف أنه الوداعُ، فأمر براحلته القصواء فرحلت له فركب ووقف [٢٠٩/ أ] بالعقبة، فاجتمع الناس إليه فقال: يا أيها الناس! .. " فذكر الحديث. واعلم أنه حذف المصنف من آخر الحديث قول الراوي: "فطفق النبي ﷺ يقول: "اللهمَّ اشهْد [ثم ودّع] (٥) الناس فقالوا: هذه حجة الوداع" انتهى. ففي هذه بيان قول ابن عمر: ما كنا ندري ... إلى آخره، وأحاديث الدجّال ستأتي في الفتن.

стр. 1704

قوله: "دماءكم وأموالكم" سقط من نسخ التيسير ومن "الجامع" الكبير لفظ: "وأعراضكم" فإنه ثابت في البخاري (١) في رواية ابن عمر. وهو أيضاً ثابت في رواية (٢) ابن عباس، وفي رواية أبي بكرة (٣)، فإنّ البخاري أخرج هذا الحديث عن الثلاثة. قوله: "اللهم فاشهد" إنما قال ذلك أنه كان فرضًا عليه أن يبلغ، فأشهد الله على أنه أدّى ما أوجبه عليه. قوله: "ثلاثًا" كرّر قوله: "اللهم فاشهد" ثلاث مرات. قوله: "أخرجه الشيخان واللفظ للبخاري" إلاّ أنه قال ابن الأثير (٤) بعد هذا: وأخرج مسلم (٥) طرفًا منه وهو قوله: "ويحكم" أو قال: "ويلكم" إلى قوله: "بعض"، وأخرج أيضاً البخاري (٦) هذا الفصل مفردًا [٢٣٥ ب]، وأخرجا (٧) جميعًا الفصل الذي فيه: "أتدرون أي يوم هذا؟ " وتحريم الدماء والأعراض في موضع بعده، دون ذكر الدجال [ولا ترجعوا] (٨) بعدي كفاراً". انتهى.

стр. 1705

وبهذا يعرف أنّ المراد من قولهم: أخرجه الشيخان أنهما اتفقا على إخراجه في الجملة بمعناه، وإن لم يسرد لفظه، ولذا قال: واللفظ للبخاري. وقول ابن الأثير (١): وتحريم الدماء والأعراض سقط عليه لفظ: "الأموال" وقد عرفناك قريبًا أنّ الثلاثة الألفاظ: "الدماء والأموال والأعراض" ثابتة في رواية الثلاثة من الصحابة، على أنّ أكثر ألفاظ هذه الرواية عن ابن عمر ليست موجودة في خطبة الحج الذي السياق فيها, ولعلّ البخاري كرّرها في موضع آخر بهذه الألفاظ. ٧ - وعن ابن عباس ﵄ قال: انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ منَ المَدِينَةِ، بَعْدَ مَا ترَجَّلَ وَادَّهَنَ وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ, فَلَمْ يَنْهَ عَنْ شَيءٍ مِنَ الأَرْدِيَةِ وَالأُزْرِ تُلْبَسُ إِلاَّ المُزَعْفَرَةَ الَّتِي تَرْدعُ عَلَى الجِلْدِ، فَأَصْبَحَ بِذِي الحُلَيْفَة, فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ، أَهَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَقَلَّدَ بُدْنَة، وَذَلِكَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، وَقَدِمَ مَكَّةَ لأَرْبَعٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الحَجَّةِ, وَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوةِ، وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ أَجْلِ بُدْنِهِ؛ لأَنَّهُ قَلَّدَهَا، ثُمَّ نَزَلَ بِأَعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الحَجُونِ، وَهْوَ مُهِلٌّ بِالحَجِّ، وَلَمْ يَقْرَبِ الْكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوةِ، ثُمَّ يُقَصِّرُوا رُءُوسِهِمْ ثُمَّ يَحِلُّوا، وَذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بَدَنَةٌ قَلَّدَهَا، وَمَنْ كَانَتْ مَعَهُ امْرَأَتُهُ فَهِيَ لَهُ حَلاَلٌ، وَالطِّيبُ وَالثِّيَابُ. أخرجه البخاري (٢). "تَرْدَعُ" (٣) بعين مهملة: أي: تنْفُضُ صِبغها عليه.

стр. 1706

قوله: "في حديث ابن عباس: بعد ما تَرَجَّل" بفتح المثناة الفوقية [فراء ساكنة] (١) فجيم مشددة، والترجل: تسريح الشعر. قوله: "فأصبح بذي الحليفة" أي: وصل إليها نهارًا، ثم بات بها كما ثبت صريحًا في غيره. قوله: "وذلك لخمس بقين من ذي القعدة" اسم الإشارة إلى مصدر: "انطلق" في أول الحديث، أي: وانطلاقه من المدينة لخمس، لا أنّ المراد "وذلك" أي: إهلاله وأصحابه، أو الاستواء على البيداء كما تفيده الروايات الثانية الثابتة، واختلف في تعيين (٢) يوم خروجه من المدينة فقيل: يوم الخميس، وإليه جنح ابن حزم، وقيل: يوم السبت، وإليه جنح ابن القيم، وبيّن في الهدي (٣) أدلة القولين، فمن [أحبَّ] (٤) راجعه. وقال [٢٣٦ ب] الحافظ ابن حجر (٥): يؤيد أنّ خروجه كان يوم السبت ما رواه ابن سعد والحاكم في "الإكليل" (٦): أنّ خروجه ﷺ من المدينة كان يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة. قوله: "لأربع خلون من ذي الحجة" يقتضي أن يكون دخلها صبح يوم الأحد، وبه صرّح الواقدي كما قاله ابن حجر (٧).

стр. 1707

قوله: "وأمر أصحابه" هذا هو الفسخ الذي أمرهم ﷺ به. قوله: "والطيب والثياب" أي: كذلك له حلال. ٨ - وعن علي ﵁ قال: وَقَفَ رَسُولُ الله ﷺ بِعَرَفَةَ وَقَالَ: "هَذِهِ عَرَفَةُ وَهُوَ المَوْقِفُ وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ". ثُمَّ أَفَاضَ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَجَعَلَ يُشِيرُ بِيَدِهِ عَلَى هَيْئَتِهِ وَالنَّاسُ يَضْرِبُونَ يَمِينًا وَشِمَالاً لاَ يَلْتَفِتُ إِلَيْهِمْ. وَيَقُولُ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! عَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ". ثُمَّ أَتَى جَمْعًا فَصَلَّى بِهِمُ الصَّلاتَيْنِ جَمِيعًا. فَلمَّا أَصْبَحَ أَتَى قُزَحَ فَوَقَفَ عَلَيْهِ. وَقَالَ: "هَذَا قُزَحُ، وَهُوَ المَوْقِفُ وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ". ثُمَّ أَفَاضَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى وَادِي مُحَسِّرٍ، فَقَرَعَ نَاقَتَهُ فَخَبَّتْ حَتَّى جَاوَزَ الْوَادِيَ فَوَقَفَ وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ، ثُمَّ أتى الجمْرَةَ فَرَمَاهَا، ثُمَّ أتى إِلَى المَنْحَرَ فَقَالَ: "هَذَا المَنْحَرُ وَمِنًى كلُّهَا مَنْحَرٌ". وَاسْتَفْتَتْهُ جَارِيَةٌ شَابَّةٌ مِنْ خَثْعَمٍ قَالَتْ: يَا رَسولَ الله إنّ أبِي شَيْخٌ كَبِير قَدْ أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ الله تَعَالَى في الحَجِّ، أَفَيُجْزِي أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟ قَالَ: "حُجِّي عَنْ أَبِيكِ". قَالَ: وَلَوَى عُنُقَ الْفَضْلِ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ ﵁: يَا رَسُولَ الله! لِمَ لَوَيْتَ عُنُقَ ابْنِ عَمِّكَ؟ قَالَ: "رَأَيْتُ شَابًّا وَشَابَّةً، فَلَمْ آمَنِ الشَّيْطَانَ عَلَيْهِمَا". فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنِّي أَفَضْتُ قَبْلَ أَنْ أَحْلِقَ؟ فقَالَ: "احْلِقْ وَلاَ حَرَجَ". وَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! إِنِّي ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ فَقَالَ: "ارْمِ وَلاَ حَرَجَ". قَالَ: ثُمَّ أتى الْبَيْتَ فَطَافَ بِهِ ثُمَّ أتى زَمْزَمَ فَقَالَ: "يَا بَني عَبْدِ المُطَّلِبِ! لَوْلاَ أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَيْهِ لنَزَعْتُ". أخرجه الترمذي (١). قوله: "في حديث علي ﵁ ": تقدمت أكثر فصوله والكلام عليها [٢١٠/ أ].

стр. 1708

كتاب: الحدود جمع حد (١)، والحد أصله ما يحجر به بين الشيئين فيمنع اختلاطهما، سميت هذه العقوبات (٢) حدودًا لكونها تمنع عن المعاودة، ويطلق الحد على التقدير، وهذه الحدود مقدرة من الشارع، ويطلق الحد (٣) على نفس المعاصي نحو قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ (٤)، وعلى فعل فيه شيء مقدر نحو [قوله تعالى] (٥): ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (٦). [وفيه سبعة أبواب الباب الأول: في حد الردة، وقطع الطريق] (٧) قوله: "في حد الردة" في "التعريفات" (٨): الردة لغة: الرجوع [٢٣٧ ب] عن الشيء إلى غيره, وشرعاً: قطعُ الإِسلامِ بنيَّةٍ أو قولٍ أو فعلٍ مُكَفِّرٍ. انتهى.

стр. 1709

١ - عن زيد بن أسلم ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: "مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاضْربُوا عُنُقَهُ" أخرجه مالك (١) [صحيح لغيره]. وقال في "تفسيره" (٢) معناه: أَنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ الإِسْلاَمِ إِلَى غَيْرهِ مِثْلُ الزَّنَادِقَةِ وَأَشْبَاهِهِمْ، فَأَولَئِكَ إِذَا ظُهِرَ عَلَيْهِمْ يُقْتَلُونَ وَلاَ يُسْتَتَابُون؛ لأَنَّهُ لاَ تُعْرَفُ تَوْبَتُهُمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُسِرُّونَ الْكُفْرَ، وَيُعْلِنُونَ الإِسْلاَمَ، فَلاَ أَرَى أَنْ يُسْتَتَابَ هَؤُلاَءِ إِذَا ظَهَرَ عَلَى كُفْرِهِمْ بِمَا يَثْبُتُ بهِ. قَالَ: وَالْأَمْرُ عِنْدَنا أنّ مَنْ خَرَجَ مِنَ الإِسْلامِ إِلى الْرِّدَّةِ أَنْ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ، وَإِلاَ قُتِلَ. قَالَ: وَمَعْنَى قَوْلُهُ ﷺ : "مَنْ ترَكَ دِيْنَهُ فَاقْتُلُوهُ" أَيْ: مَنْ خَرَجَ مِنَ الإِسْلامِ إِلى غَيْرِهِ، لاَ مَنْ خَرَجَ مِنْ دِيْنٍ غَيْرِ الإِسْلاَمِ إِلَى غَيْرِهِ، كَمَنْ خَرَجَ مِنْ يَهُودِيَّةٍ إِلَى نَصْرَانِيةٍ، أَوْ مَجُوسِيَّةٍ، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْذِّمَّةِ لَمْ يُسْتَتَبْ وَلَمْ يُقْتَلْ. قوله: "أخرجه مالك وقال" أي: مالك. قوله: "مثل الزنادقة" جمع زنديق، في "القاموس" (٣): بالكسر من الثَّنَويَّة أو القائل: بالنور والظلمة، أو من لا يؤمن بالآخرة وبالربوبية، أو من يبطن الكفر ويظهر الإيمان, أو هو معرَّب جمعه زنادقة وزناديق. انتهى.

стр. 1710

قوله: "إذا أظهر عليهم" مغير صيغة أي: اطلع على ذلك منهم يقتلون للأمر بقتلهم. قوله: "لأنها لا تعرف توبتهم" إلى آخره، هذا بيان تفسير الزندقة بإبطان الكفر وإظهار الإسلام (١). قوله: "فلا أرى أن يستتاب هؤلاء" أفاد أنه رأي له علّله بأنهم يظهرون خلاف ما يضمرون، فإظهارهم التوبة غير مقبول منهم. وفي قوله: "فاقتلوه" بالفاء دليل على تعقيب القتل للتغيير بلا مهلة وانتظار استتابته. قوله: "بما يثبت به" من إقرارهم أو شهادة عادلة. قوله: "والأمر عندنا أنّ من خرج من الإِسلام إلى الردة أن يستتاب" فرّق مالك بين الزنادقة، وقد فسّرهم بما عرفت فقال: "لا يستتابون (٢) ولا تقبل لهم توبة"، وبين من ارتد من الإِسلام إلى الكفر فقال: "يستتاب", وللعلماء خلاف مبسوط في شروح الحديث وكتب

стр. 1711

الفروع في المسألتين، والذي اختاره مالك (١) من عدم استتابة من ذكر خلاف [ما ذكره مالك فيما رواه عن عمر فإنه اختار استتابة المرتد وظاهره مطلقًا, ولك أن تحمله على المرتد عن الإِسلام] (٢)، وهي المسألة الثانية لمالك فيكون موافقًا لفتوى عمر، والقرينة على ذلك أنه لم يكن اعتقاد الزنادقة قد عرف في عصر عمر ومن قبله، فليس فيه إلاّ تبديل الإِسلام بالكفر، وهو المراد في الحديث الصحيح (٣): "ولا يحل دم امرئ مسلم إلاّ بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان .. " الحديث، والحديث الذي رواه مالك عن عمر لم يذكره المصنف، وذكره ابن الأثير (٤) [٢٣٨ ب] فقال: عبد الرحمن بن محمَّد بن عبد الله بن عبدٍ القاري عن أبيه قال: قدم على عمر ابن الخطاب في زمن خلافته رجل من اليمن من قبل أبي موسى الأشعري، فسأله عمر عن الناس، ثم قال: هل كان فيكم من مغربة خبر؟ قال: نعم، رجل كفر بعد إسلامه، قال: فما فعلتم؟ قال: قرّبناه فضربنا عنقه، قال: فهلاّ حبستموه ثلاثًا أطعمتموه كل يوم رغيفًا

стр. 1712

واستتبتموه لعله يتوب ويراجع أمر الله؟ اللهمَّ إني لم أحضُرْ ولم آمر، ولم أرضَ إذ بلغني". أخرجه "الموطأ" (١). انتهى. ٢ - وعن ابن عباس ﵄ قال: كَانَ عَبْدُ الله بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي السَّرْحِ يَكْتُبُ لِرَسُول الله ﷺ ، فَأَزَلَّهُ الشَّيْطَانُ، فَلَحِقَ بِالْكُفَّارِ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبيُّ ﷺ أَنْ يُقْتَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَاسْتَجَارَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ ﵁، فَأَجَارَهُ ﷺ . أخرجه أبو داود (٢)، وتقدم في حديث طويل في تفسير سورة النحل من رواية النسائي (٣). قوله: "في حديث ابن عباس: ابن أبي السرح" هو بالتنكير في "الجامع" (٤) ابن أبي سرح. قوله: "فأزله الشيطان فلحق بالكفار" ذكر أبو عمر في "الاستيعاب" (٥): عبد الله بن سعد بن أبي سرح أنه أسلم قبل الفتح وهاجر، وكان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ ثم ارتدّ مشركًا وصار إلى قريش بمكة وقال لهم: إني كنت أصرف محمدًا حيث أريد، كان يملي عليّ عزيز حكيم، فأقول: أو عليٌّ حكيم، فيقول: نعم كل صواب، فلما كان يوم الفتح أمر رسول الله ﷺ بقتله، ففرّ عبد الله إلى عثمان، وكان أخاه من الرضاعة فغيبّه عثمان حتى أتى به إلى رسول الله ﷺ بعد ما أطمأن أهل مكة فاستأمنه له، فصمت رسول الله ﷺ طويلاً، ثم قال: نعم، فلما انصرف عثمان قال رسول الله ﷺ لمن حوله: "ما صمتُّ إلاّ ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه"، فقال له رجل من الأنصار: هلاّ أومأت إليّ يا رسول الله، فقال النبي ﷺ : "لا ينبغي أن يكون له خائنة الأعين".

стр. 1713

ثم أسلم ابن أبي سرح عام الفتح وحسن إسلامه، ولم يظهر عليه شيء ينكر عليه بعد ذلك. ثم ولاّه عثمان بعد ذلك مصر في سنة خمس وعشرين، وفتح على يديه إفريقية سنة سبع وعشرين. انتهى. قوله: "وتقدم في حديث طويل" هذا زيادة من المصنف لم يذكرها ابن الأثير. ٣ - وعن أنس ﵁: أَنَّ نَاسًا مِنْ عُكْلٍ وَعُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَتَكَلَّمُوا بِالإِسْلاَمِ وَقَالُوا: يَا رَسولُ الله! إِنَّا كُنَّا أَهْلَ ضَرْعٍ، وَلمْ نَكُنْ أَهْلَ رِيفٍ. وَاسْتَوْخَمُوا المَدِينَةَ فَأَمَرَ لَهُمْ بِذَوْدٍ وَرَاعٍ، [وَأَمَرَهُمْ] (١) أَنْ يَخْرُجُوا فِيهِ، فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِنَاحِيَةَ الحَرَّةِ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ، وَقَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ فَبَلَغَ ذلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَبَعَثَ الطَّلَبَ في آثَارِهِمْ فَأَمَرَ بِهِمْ فَسَمَّرُوا أَعْيُنَهُمْ، وَقَطَّعُوا أَيْدِيَهُمْ، وَتُرِكُوا فِي نَاحِيَةِ الحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا عَلَى حَالهِمْ. أخرجه الخمسة (٢). قوله: "أَهْلَ ضَرْعٍ" (٣) أي: بادية وماشية، "ولم نكن أهل ريف" الرِّيفُ: الأرض ذات الزرع والخصب. قوله: "في حديث أنس: من عكل [٢٤٠ ب] " بضم العين المهملة وسكون الكاف، و"عرينة" بضمها أيضاً بعد الراء مثناة تحتية فنون، قبيلتان.

стр. 1714

وعند أبي عوانة (١) عن أنس: "كانوا أربعة من عرينة وثلاثة من عكل". وللبخاري (٢) في الدّيات: أنهم ثمانية [٢١١/ أ]، وكان الثامن من غير القبيلتين أو من أتباعهم، وعكل: قبيلة من بني تميم الرباب، وعرينة: حي من بجيلة وكان قدومهم على ما ذكر ابن إسحاق بعد غزوة ذي قرد وكانت في جمادى الآخرة سنة ست. قوله: "استوخموها" في رواية لمسلم (٣): "فاجتووها" بالجيم والمثناة فوق، معناه: استوخموها، كما فسّره في الرواية الأخرى: أي لم توافقهم فكرهوها لسقم أصابهم قال: وهو مشتق من الجوى (٤) وهو داء في الجوف. قوله: "وسمر أعينهم" في أكثر النسخ: سمل باللام عوض الراء، قال النووي في شرح مسلم (٥): هكذا هو في معظم النسخ "سمل" باللام، ومعناه باللام: نقاها وأذهب ما فيها، ومعنى "سمر" (٦) بالراء أكحلها بمسامير محماة, وقيل: هما بمعنى. قوله: "حتى ماتوا" قال النووي (٧): هذا الحديث أصل في عقوبة المحاربين وهو موافق لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٨).

стр. 1715

واختلف (١) العلماء في المراد بهذه الآية الكريمة، فقال بعضهم: هي للتخيير، فيخير الإِمام بين هذه الأمور إلاّ أن يكون المحارب قد قتل فيتمم قتله. وقال أبو حنيفة (٢) وأبو مصعب المالكي: الإِمام بالخيار وإن قتلوا (٣)، وقال الشافعي (٤) وآخرون: هي على التقسيم، فإن قتلوا ولم يأخذوا [٢٤٠ ب] المال قتلوا، وإن قتلوا وأخذوه قتلوا وصلبوا، وإن أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، فإن أخافوا السبيل ولم يأخذوا شيئًا ولم يقتلوا طلبوا حتى يعزروا، وهو المراد بالنفي عندنا، قال أصحابنا: لأنّ ضرورة هذه الأفعال تختلف فكانت عقوباتها مختلفة ولم تكن للتخيير، وثبتت هذه المعاقبة في الصحراء وهل تثبت في الأمصار؟ فيه اختلاف، قال أبو حنيفة (٥): لا تثبت، وقال مالك (٦) والشافعي (٧): تثبت.

стр. 1716

قال القاضي (١): واختلف العلماء في معنى حديث العرنيين هذا، فقال بعض السلف: كان هذا قبل نزول الحدود وآية المحاربة والنهي عن المثلة وهو منسوخ. وقيل: ليس بمنسوخ وفيهم نزلت آية المحاربة, وإنما فعل النبي ﷺ بهم ما فعل قصاصًا؛ لأنّهم فعلوا [بالرعاة] (٢) حينئذٍ مثل ذلك، وقد رواه مسلم (٣) في بعض طرقه، ورواه ابن إسحاق وموسى بن عقبة وأهل السِّيَر والترمذي (٤)، وقال بعضهم: النهي عن المثلة نهي تنزيه وليس بحرام. انتهى كلامه. إلاّ أنه بالرواية الآتية بعد هذه تدل على القول بنسخ الآية وهو قوله: ٤ - وعن أبي الزناد قال: لمَّا قَطَعَ النَّبيُّ الَّذِينَ سَرَقُوا لِقَاحَهُ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ بِالنَّارِ عَاتَبَهُ الله تَعَالَى فِي ذَلِكَ وَنَزَلَ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية. أخرجه أبو داود (٥) والنسائي (٦). [ضعيف]. "وعن أبي الزناد" (٧) هو بكسر الزاي فنون بعد الألف دال مهملة, وهو عبد الله بن ذكوان القرشي المدني ثقة فقيه.

стр. 1717

قوله: "لقاحه" (١) جمع لقحة، بفتح اللام وكسرها وهي الناقة ذات الدر، وهذا الحديث مرسل. "فائدة": زعم الواقدي أنهم صلبوا، قال ابن حجر (٢): والروايات الصحيحة ترده لكن عند أبي عوانة (٣) من طريق: "أنه صلب اثنان وسمل اثنان" فإن صحّ ذلك فهو أول صلب وقع في الإِسلام، وأمّا المثلة فإنها وقعت على سبيل القصاص [لأنهم] (٤) مثلوا بالراعي كما نقله أهل المغازي (٥)، ولمسلم (٦) عن أنس: "أنهم سملوا أعين الرعاة [٢٤١ ب] ". الباب الثاني: في حد الزنا [وفيه فصلان] (٧) من أبواب الحدود في حد الزنا، في التعريفات (٨) أنه شرعاً: إيلاج الحشفة بفرج محرم بعينه خال عن شبهة مشتهى، وقيل: هو وطء في قبل خال عن ملك ونكاح وشبهة. انتهى.

стр. 1718

الفصل الأول: في أحكامه ١ - عن ابن عباس ﵄ قال: سَمِعْتُ عُمَرَ ﵁ يَخْطُبُ وَيَقُولُ: إِنَّ الله تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا، وَرَجَمَ رَسُولُ الله ﷺ ورَجَمْنَا بَعْدِهِ، وَأَخْشى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَنٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجِدُ الرَّجْمِ فِي كِتَابِ الله تَعَالَى فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا الله تَعَالَى فِي كِتَابِه، فإِنَّ الرَّجْمُ في كِتَابِ الله حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إذَا أَحْصَنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ قامَتِ الْبَيِّنَةُ، أَوْ كانَ حَمْلٌ، أَوِ اعْتِرافٌ، وَالله لَوْلاَ أَنْ يَقُولَ النَّاسُ: زَادَ في كِتَابِ الله تَعَالَى لَكَتَبْتُهَا. أخرجه الستة (١). [صحيح]. قوله: "في حديث عمر: فكان مما أنزل عليه آية الرجم" قال النووي (٢): أراد بآية الرجم "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة". انتهى. ويظهر من رواية الكتاب: أن الآية لفظها: حق على من زنى إذا أحصن ... إلى آخره، ويحتمل أنّ أحد اللفظين رواية بالمعنى. قال النووي (٣): أجمع العلماء أنّ الرجم لا يكون إلاّ على من زنى وهو محصن، وأجمعوا على أنّ البينّة: أربعة شهداء ذكور عدول، هذا إذا شهدوا على نفس الزنا, ولا يقبل دون الأربعة، وأجمعوا على وجوب الرجم على من اعترف بالزنا وهو محصن يصح إقراره بالحد، واختلفوا في اشتراط تكرار إقراره أربع مرات.

стр. 1719

فقال أبو حنيفة (١) والكوفيون (٢) وأحمد (٣): لا بد من تكرار الإقرار أربع مرات، وقال الشافعي (٤) ومالك (٥) وغيرهما (٦): يثبت الإقرار به [مرة] (٧) واحدة ويرجم، واحتجوا بحديث: "اغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها", ولم يشترط عدداً، وحديث العامرية ليس فيه إقرارها أربع مرات. انتهى. والظاهر مع من لم يشترط تكرار الإقرار؛ لأنّ ماعزًا كرر الإقرار مراراً بغير أمرٍ منه ﷺ ، وأما الحبل وحده، فمذهب (٨) عمر بن الخطاب وجوب الحدِّ به إذا لم يكن لها زوج ولا سيد، وتابعه مالك (٩) وأصحابه فقالوا: إذا حبلت ولا يعلم لها زوج ولا سيد ولا عرفنا إكراهها لزمه الحد إلاّ أن [٢٤٢ ب] تكون غريبة طارئة وتدّعي أنه من زوج أو سيد، قالوا: ولا يقبل دعواها الإكراه إلاّ أن تقوم بذلك بينة عند الإكراه قبل ظهور الحمل.

стр. 1720

وقال الشافعي (١) وأبو حنيفة (٢) والجمهور (٣): لا حدّ عليها بمجرد الحبل سواء كانت لها زوج أو سيد أو لا، وسواء الغريبة وغيرها، وسواء ادّعت الإكراه وسكتت لا حدّ عليها مطلقًا إلاّ ببينة أو اعتراف؛ لأنّ الحدود تسقط بالشبهات. انتهى كلامه. وما ذهب إليه الجمهور في الحبل قوي [٢١٢/ أ]، ولكن ذكر عمر للرجم على المنبر وسكوت الصحابة وغيرهم من الحاضرين دليل على ثبوت الرجم (٤). وقوله: "وأخشى إن طال بالناس زمان .. " إلى آخره، هذا الذي خشيه عمر قد وقع من الخوارج (٥) ومن وافقهم وهذا من دلائل أنه محدث. قوله: "إذا أحصن" المراد به هنا من له زوجة عقد عليها ودخل بها وأصابها كأن نفسه أحصنته, أي: جعلته في حصن من العفة أو منعه من عمل الفاحشة. قال ابن المنذر (٦): أجمعوا على أنه لا يكون الإحصان بالنكاح الفاسد، وخالف أبو ثور. ٢ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قَالَ الله تَعَالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ الآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿سَبِيلًا﴾ (٧)، فَذَكَرَ الرجُلَ بَعْدَ المَرْأَةِ، ثمَّ جَمَعَهُمَا فَقَالَ: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ (٨) الآية, فَنَسَخَ الله ذَلِكَ بِآيَةِ الجَلْدِ، فَقَالَ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ
следующие страницы →