قال القاضي (١): واختلف العلماء في معنى حديث العرنيين هذا، فقال بعض السلف: كان هذا قبل نزول الحدود وآية المحاربة والنهي عن المثلة وهو منسوخ.
وقيل: ليس بمنسوخ وفيهم نزلت آية المحاربة, وإنما فعل النبي ﷺ بهم ما فعل قصاصًا؛ لأنّهم فعلوا [بالرعاة] (٢) حينئذٍ مثل ذلك، وقد رواه مسلم (٣) في بعض طرقه، ورواه ابن إسحاق وموسى بن عقبة وأهل السِّيَر والترمذي (٤)، وقال بعضهم: النهي عن المثلة نهي تنزيه وليس بحرام. انتهى كلامه.
إلاّ أنه بالرواية الآتية بعد هذه تدل على القول بنسخ الآية وهو قوله:
٤ - وعن أبي الزناد قال: لمَّا قَطَعَ النَّبيُّ الَّذِينَ سَرَقُوا لِقَاحَهُ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ بِالنَّارِ عَاتَبَهُ الله تَعَالَى فِي ذَلِكَ وَنَزَلَ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية. أخرجه أبو داود (٥) والنسائي (٦). [ضعيف].
"وعن أبي الزناد" (٧) هو بكسر الزاي فنون بعد الألف دال مهملة, وهو عبد الله بن ذكوان القرشي المدني ثقة فقيه.
стр. 1717
قوله: "لقاحه" (١) جمع لقحة، بفتح اللام وكسرها وهي الناقة ذات الدر، وهذا الحديث مرسل.
"فائدة": زعم الواقدي أنهم صلبوا، قال ابن حجر (٢): والروايات الصحيحة ترده لكن عند أبي عوانة (٣) من طريق: "أنه صلب اثنان وسمل اثنان" فإن صحّ ذلك فهو أول صلب وقع في الإِسلام، وأمّا المثلة فإنها وقعت على سبيل القصاص [لأنهم] (٤) مثلوا بالراعي كما نقله أهل المغازي (٥)، ولمسلم (٦) عن أنس: "أنهم سملوا أعين الرعاة [٢٤١ ب] ".
الباب الثاني: في حد الزنا [وفيه فصلان] (٧)
من أبواب الحدود في حد الزنا، في التعريفات (٨) أنه شرعاً: إيلاج الحشفة بفرج محرم بعينه خال عن شبهة مشتهى، وقيل: هو وطء في قبل خال عن ملك ونكاح وشبهة. انتهى.
стр. 1718
الفصل الأول: في أحكامه
١ - عن ابن عباس ﵄ قال: سَمِعْتُ عُمَرَ ﵁ يَخْطُبُ وَيَقُولُ: إِنَّ الله تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا، وَرَجَمَ رَسُولُ الله ﷺ ورَجَمْنَا بَعْدِهِ، وَأَخْشى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَنٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجِدُ الرَّجْمِ فِي كِتَابِ الله تَعَالَى فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا الله تَعَالَى فِي كِتَابِه، فإِنَّ الرَّجْمُ في كِتَابِ الله حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إذَا أَحْصَنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ قامَتِ الْبَيِّنَةُ، أَوْ كانَ حَمْلٌ، أَوِ اعْتِرافٌ، وَالله لَوْلاَ أَنْ يَقُولَ النَّاسُ: زَادَ في كِتَابِ الله تَعَالَى لَكَتَبْتُهَا. أخرجه الستة (١). [صحيح].
قوله: "في حديث عمر: فكان مما أنزل عليه آية الرجم" قال النووي (٢): أراد بآية الرجم "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة". انتهى.
ويظهر من رواية الكتاب: أن الآية لفظها: حق على من زنى إذا أحصن ... إلى آخره، ويحتمل أنّ أحد اللفظين رواية بالمعنى.
قال النووي (٣): أجمع العلماء أنّ الرجم لا يكون إلاّ على من زنى وهو محصن، وأجمعوا على أنّ البينّة: أربعة شهداء ذكور عدول، هذا إذا شهدوا على نفس الزنا, ولا يقبل دون الأربعة، وأجمعوا على وجوب الرجم على من اعترف بالزنا وهو محصن يصح إقراره بالحد، واختلفوا في اشتراط تكرار إقراره أربع مرات.
стр. 1719
فقال أبو حنيفة (١) والكوفيون (٢) وأحمد (٣): لا بد من تكرار الإقرار أربع مرات، وقال الشافعي (٤) ومالك (٥) وغيرهما (٦): يثبت الإقرار به [مرة] (٧) واحدة ويرجم، واحتجوا بحديث: "اغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها", ولم يشترط عدداً، وحديث العامرية ليس فيه إقرارها أربع مرات. انتهى.
والظاهر مع من لم يشترط تكرار الإقرار؛ لأنّ ماعزًا كرر الإقرار مراراً بغير أمرٍ منه ﷺ ، وأما الحبل وحده، فمذهب (٨) عمر بن الخطاب وجوب الحدِّ به إذا لم يكن لها زوج ولا سيد، وتابعه مالك (٩) وأصحابه فقالوا: إذا حبلت ولا يعلم لها زوج ولا سيد ولا عرفنا إكراهها لزمه الحد إلاّ أن [٢٤٢ ب] تكون غريبة طارئة وتدّعي أنه من زوج أو سيد، قالوا: ولا يقبل دعواها الإكراه إلاّ أن تقوم بذلك بينة عند الإكراه قبل ظهور الحمل.
стр. 1720
وقال الشافعي (١) وأبو حنيفة (٢) والجمهور (٣): لا حدّ عليها بمجرد الحبل سواء كانت لها زوج أو سيد أو لا، وسواء الغريبة وغيرها، وسواء ادّعت الإكراه وسكتت لا حدّ عليها مطلقًا إلاّ ببينة أو اعتراف؛ لأنّ الحدود تسقط بالشبهات. انتهى كلامه.
وما ذهب إليه الجمهور في الحبل قوي [٢١٢/ أ]، ولكن ذكر عمر للرجم على المنبر وسكوت الصحابة وغيرهم من الحاضرين دليل على ثبوت الرجم (٤).
وقوله: "وأخشى إن طال بالناس زمان .. " إلى آخره، هذا الذي خشيه عمر قد وقع من الخوارج (٥) ومن وافقهم وهذا من دلائل أنه محدث.
قوله: "إذا أحصن" المراد به هنا من له زوجة عقد عليها ودخل بها وأصابها كأن نفسه أحصنته, أي: جعلته في حصن من العفة أو منعه من عمل الفاحشة.
قال ابن المنذر (٦): أجمعوا على أنه لا يكون الإحصان بالنكاح الفاسد، وخالف أبو ثور.
٢ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قَالَ الله تَعَالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ الآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿سَبِيلًا﴾ (٧)، فَذَكَرَ الرجُلَ بَعْدَ المَرْأَةِ، ثمَّ جَمَعَهُمَا فَقَالَ: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ (٨) الآية, فَنَسَخَ الله ذَلِكَ بِآيَةِ الجَلْدِ، فَقَالَ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ
стр. 1721
وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (١)، ثُمَّ نَزَلَت آَيَةُ الْرَّجْمِ في الْنُّوْرِ، فَكَانَ الأّوَّلُ لِلْبِكْرِ، ثُمَّ رَفعَتْهُ آَيَةُ الرَّجْمِ مِنَ الْتِلاَوَة، وَبَقِيَ الحُكْمُ بِهَا. أخرجه أبو داود (٢) إلى قوله: ﴿مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [إسناده حسن]، وأخرج باقيه رزين.
قوله: "في حديث ابن عباس: يأتين الفاحشة" في "الفتح" (٣): هي كل ما اشتد قبحه من الذنوب فعلًا أو قولًا، وكذا الفحشاء ومنه الكلام الفاحش، ويطلق غالبًا على الزنا فاحشة ومنه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ (٤)، وأطلق على اللواط باللام العهدية في قول لوط لقومه: ﴿لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ (٥) ومن [ثمة] (٦) كان حدّه حد الزاني على الأكثر. انتهى.
قوله: "إلى قوله: سبيلاً" فإنه تعالى أمر باستشهاد أربعة من المؤمنين على أنهن أتين الفاحشة [٢٤٣ ب]، وبعد الإشهاد أمر بإمساكهن في البيوت، أي: حبسهن فيها، وجعل له غاية هي وفاتهن، أو جعله تعالى لهن سبيلاً، وقد جعله تعالى كما في الحديث الذي أخرجه الشافعي (٧) ومسلم (٨) وأبو داود (٩) والترمذي (١٠).
стр. 1722
وغيرهم (١) من حديث عبادة بن الصامت: "أنه أخذه ﷺ كهيئة الغشي لما يجد من ثقل ذلك فأنزل الله عليه [في] (٢) ذات يوم فلما سري عنه قال: "خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، الثيب جلد مائة يرجم بالحجارة, والبكر جلد مائة ثم نفي سنة".
وفي رواية أحمد (٣) عن سلمة بن المحبق قال: قال رسول الله ﷺ : "خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم".
قوله: "ثم ذكر الرجل بعد المرأة" أخرج ابن جرير (٤) وابن المنذر (٥) وابن أبي حاتم (٦) والبيهقي في سننه (٧) عن ابن عباس في قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٦] الآية، قال: "كان الرجل إذا زنى أوذي بالتَّعيير وضُرب بالنِّعال، فأنزل الله بعد هذه الآية: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، فإن كانا محصنين رجما سنة رسول الله ﷺ .
قوله: "ثم جمعهما" أي: النساء والرجال بقوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ فإنّ المراد باللذان المرأة والرجل، ويوضحه ما أخرجه ابن أبي حاتم (٨) عن سعيد بن جبير.
стр. 1723
"واللذان" قال: يعني البكرين اللذين لم يحصنا، "يأتيانها" يعني: الفاحشة وهي الزنا، "منكم" يعني: من المسلمين، "فآذوهما" يعني: باللسان بالتَّعيير والكلام القبيح لهما بما عملا، وليس عليهما حبس؛ لأنهما بكران، لكن يعيرا ليتوبا ويندما، "فإن تابا" يعني: من الفاحشة، "وأصلحا" [٢٤٤ ب] يعني: العمل، "فأعرضوا عنهما" يعني: لا تسمعوهما الأذى بعد التوبة. انتهى.
إلاّ أنّ تخصيصه بالبكرين خلاف ظاهر عمومه، والحاصل أنّ الآية دلت على أن من زنى من نساء المؤمنين بعد ثبوته، عقوبتها الحبس في البيوت ولا تعيير ولا أذى، وعلى من أتى فاحشة الزنا من الرجال عقوبته أن يؤذى ويعير لا غير ثم نسخ الله الحكمين معًا بالجلد.
قوله: "ثم نزلت آية (١) الرجم في النور" هي التي تقدم لفظها، وأنه نسخ اللفظ وبقي الحكم كما قال، ثم رفعت آية الرجم من التلاوة، في هذه زيادة رزين لم نجد من أخرجها.
قال النووي (٢): واعلم أنّ المراد [بالبكر] (٣): من لم يجامع في نكاح صحيح، وهو حر بالغ عاقل سواء كان جماعًا بوطء شبهة أو نكاح فاسد أو غيرهما أو لا، والمراد بالثيب: من جامع في دهره مرة في نكاح صحيح وهو بالغ عاقل حر، والرجل والمرأة في هذا سواء، وسواء في هذا كله المسلم والكافر والرشيد والمحجور عليه [لسفه] (٤).
وأما قوله ﷺ : "البكر بالبكر والثيب بالثيب"، فليس هو على سبيل الاشتراط بل حد البكر الجلد والتغريب، سواء زنى ببكر أو بثيب، وحد الثيب الرجم سواء زنى بثيب أو ببكر فهو شبيه بالتقييد الذي يخرج على الغالب. انتهى كلامه.
стр. 1724
٣ - وعن أبي هريرة ﵁: أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ﵁ قَالَ: يَا رَسُولَ الله: أَرَأَيْتَ لَوْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلاً أُمْهِلُهُ حَتَّى آتِىَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ فَقَالَ ﷺ : "نَعَمْ". أخرجه مسلم (١)، ومالك (٢)، وأبو داود (٣). [صحيح].
وفي أخرى لمسلم (٤)، وأبي داود (٥) قال: أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتهُ رَجُلاً أَيَقْتُلُهُ؟ قَالَ رسول الله ﷺ : لاَ. قَالَ سَعْدٌ: بَلَى وَالّذِي أَكْرَمَكَ بِالحقِّ إِنْ كُنْتُ لأُعَاجِلُهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ ذَلِكَ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اسْمَعُوا إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ". [صحيح].
قوله: "في حديث أبي هريرة: أرأيت" أي: أخبرني عن حكم ما أذكره من أني لو وجدت مع امرأتي رجلاً، أي: مخالطًا مجامعًا لها كما يدل له قوله: أمهله حتى آتي بأربعة شهداء، فقال رسول الله ﷺ : "نعم"، أي: أمهله، أي: لا تباشره بالقتل، لا أنه أمر بإقراره على ارتكابه الفاحشة، بل المراد إذا تعذر منعه عنها إلا بقتله فلا تقتله؛ لأنّ الإنكار باللسان أو اليد واجب، لكنه هنا يؤدي إلى أنكر منه وهو سفك الدم الحرام.
وفي "شرح مسلم" (٦): أنه اختلف العلماء فيمن قتل رجلاً وزعم أنه وجده قد زنى بامرأته فقال جمهورهم: لا يقبل قوله بل يلزمه القصاص إلاّ أن تقوم بذلك بيّنة [أو] (٧)
стр. 1725
يعترف به ورثة القتيل، والبينة أربعة من عدول الرجال يشهدون على نفس الزنا، ويكون القتيل محصنًا، وأمّا فيما بينه وبن الله [٢٤٥ ب] فإن كان صادقًا فلا شيء عليه.
وقال بعض أصحابنا (١): [٢١٣/ أ] يجب على كل من قتل زانيًا محصنًا القصاص ما لم يأمر السلطان بقتله، قال: والصواب الأول وجاء عن بعض السلف تصديقه أنه زنى بامرأته وقتله لذلك. انتهى.
وفي قوله ﷺ : "نعم" أي: أمهله، دليل أنه لا يحل قتله، وفي تقريره يقول: إن قتله قتلتموه, دليل أنه يقتل به، ولعلّ الذي صوب كلامهم النووي (٢) يقولون: قد شمله قوله ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم إلاّ بإحدى ثلاث, وعدّ منها: أو زنًا بعد إحصان" (٣)، ولكن الظاهر أنه من الحدود التي لا تقام إلاّ بإذن السلطان.
قوله في حديث سعد الثاني: "بلى والذي بعثك بالحق" قال الماوردي (٤): ليس هو رداً من سعد لقول النبي ﷺ ومخالفة لأمره ﷺ ، وإنما معناه الإخبار عن [حال] (٥) الإنسان عند رؤيته الرجل مع امرأته واستيلاء الغضب عليه، فإنه حينئذٍ يعاجله بالسيف وإن كان عاصيًا.
وأمّا السيد فقال ابن الأنباري وغيره (٦): هو الذي يفوق قومه في الفخر، وهو أيضاً الرئيس، ومعناه: تعجبوا من قول سيّدكم.
стр. 1726
٤ - وعن أبي هريرة، وزيد بن خالد ﵄ قالا: سُئِلَ رسول الله ﷺ عَن الأمَةِ إذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصِنْ فَقَالَ: "إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ". أخرجه الستة (١) إلا النسائي. [صحيح].
وقال مالك (٢): "الضّفِيرُ": الحبل.
وفي رواية (٣): "فَيَجْلِدُهَا وَلاَ يُثَرِّبْ (٤) عَليْهَا". [صحيح].
قوله: "في حديث أبي هريرة: فاجلدوها" الخطاب لملاّك العبيد والإماء؛ لأنه قد ثبت مبنياً في حديث علي الآتي وفي غيره خطاباً للسيد.
قال النووي (٥): فيه أنّ السيد يقيم الحد على عبده وأمته, وهذا مذهبنا ومذهب مالك (٦) وأحمد (٧) وجماهير العلماء (٨) من الصحابة والتابعين فمن بعدهم.
стр. 1727
وقال أبو حنيفة (١): في طائفة ليس له ذلك، وهذا الحديث صريح في الدلالة للجمهور.
قوله: "ثم بيعوها" قال النووي (٢): هذا [٢٤٦ ب] البيع مستحب لا واجب عندنا، وعند الجمهور، وقال داود وأهل الظاهر (٣): هو واجب وفيه جواز بيع الشيء الثمين بثمن حقير، وهذا مجمع عليه إذا كان البائع عالمًا به، وإن كان جاهلاً فكذلك عندنا وعند الجمهور (٤)، ولأصحاب مالك فيه خلاف، وهذا البيع المأمور به يلزم صاحبه أن يبين حالها للمشتري؛ لأنه عيب والإخبار بالعيب واجب، فإن قيل: كيف يكره شيئًا ويرتضيه لأخيه المسلم؟ فالجواب: لعلها أن تستعف عند المشتري ليعفها بنفسه أو يصونها عن ذلك بهيبته أو بالإحسان إليها أو بالتوسعة عليها أو يزوجها أو غير ذلك.
٥ - وعن أبي عبد الرحمن السُّلَمِيِّ ﵁ قال: خَطَبَ عَليٌّ ﵁ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! أَقِيمُوا الحُدُودَ عَلَى أَرِقَّائِكُمْ مَنْ أَحْصَنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصِنْ، فَإِنْ أَمَةً لِلنَّبي ﷺ زنَتْ فَأَمَرَني أَنْ أَجْلِدَهَا فَأتَيْتُهَا، فَإِذَا هِيَ حَدِيثَةُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ فَخَشِيتُ إِنْ أَنَا جَلَدْتُهَا قَتَلْتُهَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ للنَّبيِّ ﷺ فَقَالَ: "أَحْسَنْتَ، اتْرُكْهَا حَتَّى تَتَماثَلَ". أخرجه مسلم (٥)، وأبو داود (٦) والترمذي (٧). [صحيح].
قوله: "في حديث علي ﵁: من أحصن منهم ومن لم يحصن".
стр. 1728
قال الطحاوي (١): في الرواية الأولى لم يذكر أحد من الرواة قوله: "وإن لم يحصن" غير مالك، وأشار به إلى تضعيفها، وأنكر الحفّاظ هذا على الطحاوي وقالوا: بل روى هذه اللفظة (٢) أيضاً ابن عيينة ويحيى بن سعيد عن ابن شهاب كما قال مالك (٣)، فحصل أنّ هذه اللفظة صحيحة وليس فيها حكم مخالف؛ لأنّ الأمة تجلد نصف جلد الحرة سواء كانت محصنة بالتزويج أم لا، وفي هذا الحديث بيان من لم يحصن، وقوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٤) [فيه بيان من أحصنت] (٥) فحصل من الآية الكريمة والحديث بيان أنّ الأمة المحصنة بالتزويج وغير المحصنة تجلد، وهو معنى ما قاله علي ﵁ وخطب الناس به.
فإن قلت (٦): فما الحكمة في التقييد في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ مع أنّ عليها نصف جلد الحرة سواء كانت الأمة محصنة أم لا؟
فالجواب (٧): أنّ الآية نبهت على أنّ الأمة، وإن كانت مزوجة لا يجب عليها إلاّ نصف جلد الحرة؛ لأنه الذي ينتصف وأمّا الرجم فلا ينتصف، فليس مراد الآية بلا شك.
فليس للأمة المزوّجة الموطوءة في النكاح حكم الحرة الموطوءة في النكاح، فبينت الآية هذا لئلا يتوهم متوهم أنّ الأمة المزوجة ترجم [٢٤٧ ب] وقد أجمعوا أنها لا ترجم، وأمّا غير
стр. 1729
المزوجة فقد علمنا أنّ عليها نصف جلد المزوجة بالأحاديث "الصحيحة" منها حديث مالك هذا وباقي الروايات المطلقة (١): "إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها"، وهذا يتناول المزوجة وغيرها، وهذا الذي ذكرنا من وجوب نصف (٢) الجلد على الأمة سواء كانت مزوجة أم لا.
стр. 1730
هو مذهب الشافعي (١) ومالك (٢) وأبي حنيفة (٣) وأحمد (٤) وجماهير علماء الأمة.
وقال جماعة من السلف: لا حدّ على من لم تكن مزوجة من الإماء والعبيد. وممن قال به ابن عباس (٥) وطاوس (٦) وعطاء وابن جريج وأبو عبيدة. انتهى كلام النووي (٧).
قوله: "فقال: أحسنت" فيه أنّ الجلد واجب على الأَمَةِ الزانية، وأنّ النفساء والمريضة ونحوها يؤخر جلدهما إلى أن تبرأ.
قوله: "تتماثل" في "القاموس" (٨): تماثل العليل: قارب البرء. انتهى.
هذا وقد أخرج أبو داود (٩) في باب ترجمة: باب في إقامة الحد على المريض وذكر فيه حديث العليل الذي أصاب المرأة فأمر ﷺ أن يأخذوا غصنًا به مائة شمراخ فيضربونه به مائة بها ضربة واحدة. انتهى.
стр. 1731
وهو يعارض حديث (١) علي ﵁، فإن تساويا إسنادًا فلا بد من الجمع بينهما بأن ذلك المريض لا يرجى برؤه فرخص في ضربه بمائة شمراخ، وأما المرأة فيرجى برؤها فأخّره على أنّ في حديث علي ﵁ عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، لا يحتج به. انتهى.
وقال أبو داود (٢) بعد سياقه الحديثين: والأوّل أصح يريد به حديث الذي ضرب بالشماريخ؛ لأنه ساقهما في باب واحد وقدّم حديث الشماريخ [٢١٤/ أ].
٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قَضَى رسولُ الله ﷺ أنَّ عَلَى الْعَبْدِ نِصْفَ حَدِّ الحُرِّ في الحَدِّ الَّذِي يَتبَعَّضُ كَزِنَا الْبِكْرِ، وَالْقَذْفِ وَشُرْبِ الخَمْرِ.
قوله: [٢٤٨ ب] "في حديث أبي هريرة: الذي يتبعض" هو احتراز عن الرجم.
٧ - وعن ابن عمر ﵄: أَنَّهُ أَقَامَ حَدًّا عَلَى بَعْض إِمَائِهِ فَجَعَلَ يَضْرِبُ رِجْلَيْهَا وَسَاقَيْهَا، فَقَالَ لَهُ سَالِمٌ ﵀: أَيْنَ قَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ فَقَالَ: أَترَانِي أَشْفَقْتُ عَلَيْهَا. إنَّ الله [تَعَالَى] (٣) لَمْ يَأْمُرْنِي [أَنْ أَقْتُلَهَا] (٤). أخرجهما رزين.
٨ - وعن وائل بن حجر ﵁ قال: خَرَجَتِ امْرَأَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ تُرِيدُ الصَّلاَةَ فتَلَقَّاهَا رَجُلٌ فتَجَلَّلَهَا فَقَضَى حَاجَتَهُ مِنْهَا، فَصَاحَتْ فَانْطَلَقَ، وَمَرَّ عَلَيْهَا رَجُلٌ، فقَالَتْ: إِنَّ ذلِكَ الرَّجُلَ فَعَلَ بِي كَذَا وَكَذَا، فَمَرتْ بِعِصَابَةٍ مِن المُهَاجِرِينَ، فَقَالَتْ: إِنَّ ذَاكَ الرَّجُلُ فَعَلَ بِي كَذَا وَكَذَا، فَانْطلَقُوا فَأَخَذُوا الرَّجُلَ الَّذِي ظَنَنْتُ أَنَّهُ وَقَعَ عَلَيْهَا فَأَتَوْهَا بِهِ، فَقَالَت: نَعَمْ هُوَ هَذَا. فَأَتَوا بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَلمَّا أَمَرَ بِهِ ليُرْجَمْ قَامَ صَاحِبُهَا الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: يَا رسولَ الله! أَنَا صَاحِبُهَا، فقَالَ لَهَا: "اذْهَبِي فَقَدْ غَفَرَ الله لك"، وَقَالَ لِلرَّجُلِ قَوْلاً
стр. 1732
حَسْنًا، وَأَمرَ بِالْرَجُلِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهَا أَنْ يُرْجَمُ فَرُجِمَ، وَقَالَ: "لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا أَهْلْ المَدِيْنَةِ لَقبِلَ مِنْهُمْ".
وزاد الترمذي: وَلَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ جَعَلَ لَهَا مَهْراً.
أخرجه أبو داود (١) والترمذي (٢). [إسناده حسن].
قوله: "في حديث وائل بن حجر: تجللها رجل" بالجيم أي: غطّاها بثوبه.
قوله: "فقد غفر الله لك" أي: ذنوبك، وأمّا [ذنب] (٣) الإكراه الذي وقع عليها فلا ذنب عليها فيه.
"وقال للرجل قولاً حسناً" أي: الرجل الذي ظنت المرأة أنّه الواقع عليها.
"وأمر بالرجل الذي وقع عليها أن يرجم" بإقراره وفيه: أنه لم يطلب منه تكرير الإقرار فهو من أدلة القائلين: أنه يكفي مرة.
قوله: "أخرجه أبو داود والترمذي".
قلت: وقال (٤): هذا حديث حسن غريب صحيح، وعلقمة بن وائل بن حجر سمع من أبيه، وهو أكبر من عبد الجبار بن وائل، وعبد الجبَّار بن وائل لم يسمع من أبيه. انتهى كلامه.
стр. 1733
وقد أخرج الترمذي (١) هذا الحديث في أوّل الباب عن عبد الجبار بن وائل بأخصر مما ذكره المصنف، ثم قال (٢): هذا حديث غريب وليس إسناده بمتصل، وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه - يريد به رواية علقمة بن وائل التي ساقها المصنف وصحّحها الترمذي -، سمعت محمداً يقول: عبد الجبار بن وائل بن حجر لم يسمع من أبيه ولا أدركه, يقال: أنه ولد بعد موت أبيه بأشهر. انتهى.
٩ - وعن ابن عباس ﵄ قال: أُتِيَ عُمَرُ بِمَجْنُونَةٍ قَدْ زَنَتْ فَاسْتَشَارَ فِيهَا أُنَاسًا، فَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُرْجَمَ، فَمَرَّ بِهَا عَلِيٌّ ﵁، فَقَالَ: مَا شَأْنُ هَذِهِ؟ فَقَالُوا: مَجْنُونَةُ بَنِي فُلاَنٍ زَنَتْ، فَأَمَرَ بِهَا عُمَرُ ﵁ أَنْ تُرْجَمَ. فَقَالَ: ارْجِعُوا بِهَا، ثُمَّ أَتَاهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: "رُفِعَ الْقَلَمَ عَنْ ثَلاَثٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظ, وَعَنِ المَعْتُوهِ حَتَّى يَبْرَأ، وَإِنَّ هذه مَعْتُوهَةُ بَني فُلاَنٍ، لَعَلَّ الَّذِي أَتَاهَا أَتَاهَا وَهِيَ في بَلاَئِهَا، فَخَلّى سَبِيلهَا. أخرجه أبو داود (٣). [صحيح].
قوله: "في حديث ابن عباس: فاستشار فيها أناسًا" فيه حذف، أي: فأشاروا عليه أن ترَجُم.
قال الشيخ (٤): [أَيأْمر] (٥) عمر برجم مجنونة مطبق عليها الجنون، ولا يجوز أن يخفى هذا عليه، ولا على أحدٍ ممن [٢٤٩ ب] بحضرته، ولكن هذه امرأة كانت تُجنُّ مرة وتفيق أخرى،
стр. 1734
فرأى عمران لا يُسقط [عنها] (١) الحد لما يصيبها من الجنون، إذ كان الزنا منها في حالة الإفاقة، ورأى علي أن الجنون شبهة يُدرأُ بها الحد على من يُبتلى به، والحدود تدرأ بالشبهات.
قوله: "أخرجه أبو داود".
قلت: ترجم (٢) له بباب في المجنون يسرق أو يصيب حدًّا، وزاد بعد قوله: "في بلائها".
قال (٣): فقال عمر ﵁: لا أدري، فقال علي ﵁: وأنا لا أدري.
وفي لفظ لأبي داود (٤): "أنه قال عمر بعد أن أتم علي كلامه وأملاه الحديث قال: بلى، قال: فما بال هذه ترجم؟ قال: لا شيء، قال: فأرسِلها، قال: فأرسَلها، قال: فجعل يُكبِّر".
وفي لفظ آخر لأبي داود (٥): أنه قال عمر لعلي بعد أن أملاه الحديث: صدقت، قال: فخلّي عنها".
ومرادهما: لا يدريان أصابها وهي زائلة العقل أم لا؟ إلاّ أنّ بلاها الذي يأتيها شبهة يسقط بها الحد، وهذا الحديث قال المنذري (٦): فيه عطاء بن السائب، قال أيوب: هو ثقة، وقال ابن معين: لا يحتج به، وأخرجه النسائي (٧) من حديث أبي حصين عثمان بن عاصم
стр. 1735
الأسدي عن أبي ظبيان عن علي قال (١): وهو أولى بالصواب من حديث (٢) عطاء، وأبو حصين أثبت من عطاء. انتهى.
١٠ - وعن حبيب بن سالم ﵁: أَنَّ رَجُلاً يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُنَيْنٍ وَقَعَ عَلَى جارِيَةِ امْرَأَتِهِ، فَرُفِعَ إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁ وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْكُوفَةِ فَقَالَ: لأَقْضَينَّ فِيكَ بِقَضَاءٍ قَضى بِهِ رَسُولُ الله ﷺ : إِنْ كَانَتْ أَحَلَّتْهَا لَكَ جَلَدْتُكَ مِائَةً جَلْدَةٍ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَحَلَّتْهَا لَكَ رَجَمْتُكَ بِالحِجَارَةِ، فَوَجَدُوهُ قَدْ أَحَلَّتْهَا لَهُ فَجَلَدَهُ مِائَةً جَلْدَةٍ. أخرجه أصحاب السنن (٣). [ضعيف].
قوله: "في حديث النعمان بن بشير، عبد الرحمن بن حنين" هو بضم الحاء المهملة ونونين بينهما مثناة تحتية.
قوله: "أخرجه أصحاب السنن".
стр. 1736
قلت: [٢٥٠ ب] وقال الترمذي (١): حديث النعمان في إسناده اضطراب، سمعت محمداً يقول: لم يسمع قتادة من حبيب بن سالم هذا الحديث، إنما رواه عن خالد بن عرفطة.
قال (٢): وسألت محمداً فقال: أنا أتقي هذا الحديث، وقال النسائي: أحاديث النعمان هذه مضطربة، وقال الخطابي (٣): هذا الحديث غير متصل (٤). انتهى.
قلت: وأخرج أبو داود (٥) غيره، وكلها كما قال النسائي (٦): لا تصح هذه الأحاديث.
١١ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ المُحَبَّقِ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قضَى فِي رَجُلٍ وَقَعَ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ، إِنْ كَانَ اسْتكْرَهَهَا أَنَّهَا حُرَّةٌ، وَعَلَيْهِ لِسَيِّدَتِهَا مِثْلُهَا، وإنْ كَانَتْ طَاوَعَتْهُ فَهِيَ لَهُ وَعَلَيْهِ لِسَيِّدَتِهَا مِثْلُهَا. أخرجه أبو داود (٧) والنسائي (٨). [ضعيف].
قوله: "وعن سلمة بن المحبق" بضم الميم فحاء مهملة فموحدة مشددة فقاف.
قال ابن الأثير (٩): وأصحاب الحديث يفتحون الباء، قال: واسم المحبق صخر.
قوله: "أخرجه أبو داود والنسائي".
стр. 1737
قلت: وقال النسائي (١): لا تصح هذه الأحاديث، قال الترمذي (٢): قد اختلف أهل العلم في الرجل يقع على جارية امرأته، فرأى غير واحد من أصحاب النبي ﷺ منهم علي وابن عمر أن عليه الرجم، وقال ابن مسعود (٣): ليس عليه حدٌ لكن يعزر، وذهب أحمد (٤) وإسحاق إلى ما روى (٥) النعمان بن بشير. انتهى.
وقال الخطابي (٦) في حديث سلمة بن المحبق: هذا حديث منكر لا تقوم به حجة ولا أعلم أحداً من الفقهاء قال به، وفيه أمور تخالف الأصول منها إيجاب المثل في الحيوان، ومنها [٢١٥/ أ] استجلاب الملك بالزنا، ومنها إسقاط الحد عن البدن، وإيجاب العقوبة في المال، وهذه أمور كلها منكرة لا تخرج على مذهب أحد من الفقهاء، وخليق [أن] (٧) يكون هذا الحديث منسوخاً إن كان له أصل في الرواية.
١٢ - وَعَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: مَرَّ بِي خَالِي أبو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ وَمَعَهُ لِوَاءٌ فَقُلْتُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ الله ﷺ إلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ أَنْ آتِيَهُ بِرَأْسِهِ. أخرجه أصحاب "السنن" (٨). [صحيح].
стр. 1738
"اللواء" الراية.
قوله: "في حديث البراء إلى رجل" قال المفضل بن غسان العلالي [٢٥١ ب] أنه منظور ابن زبان بن سيار بن عمرو الفزاري، قال الفضل بن طاهر: لم يؤيد ذلك بدليل عليه.
قوله: "أن آتيه برأسه" قال الشيخ (١)، ما معناه: إنما أمر بقتله لزناه [ولخطيئة] (٢) زيادة الحرمة في أمه، وهذا مذهب أحمد بن حنبل (٣) فيمن نكح ذات محرم أنه يقتل ويؤخذ ماله، وكذلك قال إسحاق على ظاهر الحديث.
وذهب الحسن البصري (٤) ومالك (٥) والشافعي (٦) أنّ عليه الحد.
قوله: "أخرجه أصحاب "السنن".
قلت: وقال الترمذي (٧): حسن غريب.
١٣ - وعن ابن عباس ﵄ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "مَنْ وَقَعَ عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ، أَوْ قَالَ: مَنْ نَكَحَ مَحْرَمَاً فَاقْتُلُوهُ". أخرجه رزين.
١٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ رَجُلاً كَانَ يُتَّهَمُ بِأُمِّ وَلَدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ لِعَليٍّ ﵁: "اذْهَبْ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ"، فَأَتَاهُ فَإِذَا هُوَ فِي رَكِيٍّ يَتَبَرَّدُ، فَقَالَ لَهُ: اخْرُجْ. فَنَاوَلَهُ يَدَهُ فَأَخْرَجَهُ، فَإِذَا هُوَ مَجْبُوبٌ لَيْسَ لَهُ ذَكَرٌ، فَكَفَّ عَنْهُ وَأَخْبَرَ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَحَسَّنَ فِعْلَهُ.
стр. 1739
زاد في رواية وقال: "الشاهد يرى ما لا يرى الغائب". أخرجه مسلم (١). [صحيح].
قوله: "في حديث أنس إلى رجل كان يتهم" هو مأمور القبطي الذي أهداه للنبي ﷺ المقوقس صاحب مصر وكان خصيّاً.
قوله: "فإذا هو في ركي" (٢) بفتح الراء وتشديد المثناة التحتية هو البئر.
قوله: "فإذا هو مجبوب" أي: مجبوب الذكر والأنثيين، وذلك أبلغ في الخصي لعدم آلة النكاح، فإن قلت: كيف يأمر ﷺ بضرب عنقه في تهمة ثم في زنا؟ قلت: المراد: في تهمة وقعت له ﷺ من كلام الناس، وكأنه قد علم اختلاطه بها في الجملة، وكأنه من الاجتهاد الذي يجوز فيه الخطأ، وهو جائز، ثم تداركه الله، وأمّا كونه قتل في حد فلأنه بتهجمه على فراش رسول الله ﷺ وهو مملوك له عظمت خطيئته فاستحق ذلك (٣).
١٥ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: أَتَى النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ فَأَقَرَّ عِنْدَهُ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ سَمَّاهَا لَهُ, فَبَعَثَ ﷺ إِلَى المَرْأَةِ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَأَنْكَرَتْ أَنْ تَكُونَ زَنَتْ فَجَلَدَهُ الحَدَّ وَتَرَكَهَا (٤). [صحيح].
стр. 1740
قوله: "في حديث سهل [٢٥٢ ب] بن سهل فجلده الحد" يحتمل أنه حد الزنا الذي أقر به، وهو من أدلة الحد بالإقرار مرة واحدة، ويحتمل أن المراد حد القذف ويحتمل أن يراد الحدان معاً، أي: جلده الحد الواجب عن إقراره، ورميه المرأة، وحديث ابن عباس (١) يؤيد هذا؛ لأنه قال فجلده مائة ثم قال فجلده ثمانين، ويحتمل أنه رجل واحد اختلفت عبارة الروايتين لقصته.
١٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَجُلاً مِنْ بَكْرِ بْنِ لَيْثٍ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَأَقَرَّ عِنْدَه أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَجَلَدَهُ مِائَةَ جَلْدَة وَكَانَ بِكْرًا، ثُمَّ سَأَلَهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى المَرْأَةِ فَقَالَتْ كَذَبَ وَالله يَا رَسُولَ اللهِ، فَجَلَدَهُ حَدَّ الْفِرْيَةِ ثَمَانِينَ (٢). أخرجهما أبو داود. [منكر]
قوله: "أخرجهما" أي: حديث سهل وابن عباس، قلت: ترجم (٣) لهما: باب إذا أقر الرجل بالزنا ولم تقر المرأة، وحديث ابن عباس أخرجه النسائي (٤) كما قاله المنذري وقال - أي المنذري (٥) -: في إسناده القاسم بن فياض تكلم فيه غير واحد.
لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ". ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ. أخرجه مسلم (١) وأبو داود (٢). [صحيح].
قوله: "في حديث بريدة فطهرني" دليل أنه قد علم أن الحدود كفارات كما ورد صريحاً في حديث (٣) عبادة "ومن فعل شيئاً من ذلك فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له".
قال ابن حجر (٤): ولا نعلم في هذا خلافاً فأراد تكفير ما توسخ به من المعصية.
في مسلم (٥): فقال ﷺ : "ويحك ارجع، فاستغفر الله وتب إليه، فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول الله".
وفي مسلم (٦): أنه ﷺ قال لماعز: "أحقٌ ما بلغني عنك؟ قال: وما بلغك عني، قال: بلغني أنك وقعت بجارية آل فلان، قال: نعم، فشهد أربع شهادات ثم أمر به فرجم".
стр. 1743
قال النووي (١): هكذا وقع [٢٥٣ ب] في هذه الرواية, والمشهور في الروايات أنه أتى إلى النبي ﷺ فقال: طهرني، قال العلماء: لا تنافي بين الروايتين، فيكون قد جيء به إلى النبي ﷺ من غير استدعاء، فقال النبي ﷺ للذي أرسله "لو سترته بثوبك يا هزال! لكان خيراً لك" (٢)، وكان ماعز عند هزال، فقال النبي ﷺ لماعز بعد أن ذكر له الذين حضروا ما جرى له "أحقٌ ما بلغني عنك". إلى آخره. انتهى.
قوله: "حفر له حفرة ثم رجم" وفي مسلم (٣) رواية أخرى بلفظ "فما حفرنا له".
قال النووي (٤): في الحفر للمرجوم والمرجومة مذاهب للعلماء، قال مالك (٥) وأبو حنيفة (٦) وأحمد (٧) في المشهور عندهم: لا يحفر لواحد منهما، وقال قتادة (٨) وأبو ثور (٩) وأبو حنيفة (١٠) في رواية: يحفر لهما، وقال بعض المالكية (١١): يحفر لمن يرجم بالبينة لا لمن يرجم بالإقرار، ثم ذكر (١٢) أقوالاً لأصحابه الشافعية لا دليل عليها.
стр. 1744
ورواية مسلم (١) الأخرى بلفظ "فما أوثقناه ولا حفرنا له" تعارض رواية الحفر فأخذ به من قال: لا يحفر، ولكن رواية الإثبات مقدمة على رواية النفي.
قوله: "إما لا" هو بكسر الهمزة من إما وتشديد الميم، وبالإمالة، ومعناه: إذا أبيت أن تستري على نفسك وتتوبي عن قولك فاذهبي حتى تلدي فترجمي بعد ذلك. [٢١٦/ أ].
قوله: "فقالت يا رسول الله! هذا قد فطمته وقد أكل الطعام .. الحديث"، وفي "صحيح مسلم" (٢) رواية تعارض هذه مع اتفاقهما في "صحيحه" وهي "أنها جاءت الغامدية بالصبي بعد ولادته, فقال النبي ﷺ : إذاً لا نرجمها وندع ولدها صغيراً ليس له من يرضعه، فقام رجل من الأنصار فقال: إليّ رضاعه يا نبي الله! [٢٥٤ ب] قال: فارجمها"، وفي هذه الرواية أنه ﷺ إنما أمر برجمها بعد تمام رضاعه وأكل الصبي الطعام.
قال النووي (٣): فيجب تأويل الأولى وحملها على وفق الثانية؛ لأنها قضية واحدة، والروايتان صحيحتان، والثانية منهما صريحة لا يمكن تأويلها، والأولى ليست صريحة، فيتعين تأويل الأولى، ويكون قوله في الرواية الأولى: قام رجل من الأنصار فقال: إليّ رضاعه، إنما قاله بعد الفطام، وأراد بالرضاع كفالته وتربيته، وسماه رضاعاً مجازاً. انتهى. ولا يخلو عن تأمل.
стр. 1745
[قال] (١) واعلم أن مذهب الشافعي (٢) وأحمد (٣) وإسحاق (٤)، والمشهور من مذهب مالك (٥): أنها لا ترجم حتى تجد من يرضعه، فإن لم تجد أرضعته حتى تفطمه ثم رجمت.
وقال أبو حنيفة (٦) ورواية عن مالك (٧): إذا وضعته رجمت ولا تنتظر حصول مرضعه.
قوله: "لو تابها صاحب مكس لغفر له".
[المكاس] (٨) هو الذي يعشر أموال المسلمين، ويأخذ من التجار والمختلفين إذا مروا عليه وعبروا به مكسًا باسم العشر أو المجبى، أو أي عبارة عبرها، والمراد أنها بذلت المرأة نفسها للقتل بأشد القتلات, فلو جعل الله هذا توبة لمكاس لقبلت توبته مع عظم ذنبه، فكيف لا تقبل توبة المرأة المرجومة وهو نظير قوله في الرواية الأخرى (٩) "أنها تكفي سبعين من أهل المدينة"، المراد: أنها لو كانت التوبة مما يتجزأ وتصح توبة إنسان عن غيره لكفت سبعين عاصياً تفرق بينهم، والله أعلم.
стр. 1746
قال النووي (١): فيه أنّ المكس من أعظم المعاصي والذنوب الموبقات، وذلك لكثرة مطالبات الناس له [بظلاماتهم] (٢) عنده، وتكرر ذلك منه وانتهابه للناس، وأخذ أموالهم بغير حقها، وصرفها في غير وجهها.
وفيه (٣): أنّ توبة الزاني لا تسقط عنه حد الزنا، وكذا حد السرقة والشرب، وهذا أحد القولين في مذهبنا (٤) ومذهب مالك (٥)، والثاني: أنها تسقط ذلك، وأما توبة المحارب قبل القدرة عليه فتسقط حد المحاربة بلا خلاف عندنا، وعن ابن عباس وغيره لا تسقط. انتهى.
قلت: الآية قد استثنت التائبين بقوله تعالى [٢٥٥ ب]: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (٦)، فلذا ذهب الشافعية (٧) إلى السقوط، فإن قيل: المكاس لو تاب غفر له ما بينه وبين الله، وأمّا حقوق المخلوقين فهي من الذنب الذي لا يترك ولا تذهبه من ذمته التوبة.
قلت: يحتمل أنه لو تاب توبة محققة فلعل الله يرضي عنه غرماؤه في الآخرة من عنده.
قوله: "فصلى عليها" يحتمل أنه مبني للمعلوم.
قال القاضي (٨): هو بفتح الصاد واللام عند جماهير رواة "صحيح مسلم".
стр. 1747
قلت: ويدل له ما في الرواية الأخرى (١) بلفظ: "فقال له عمر: نصلي عليها يا نبي الله وقد زنت".
قال القاضي (٢): وعند الطبري: بضم الصاد، قال: وكذا هو في رواية ابن أبي شيبة (٣) وأبي داود (٤)، قال: وفي رواية لأبي داود: "فأمرهم أن يصلوا عليها".
قال القاضي (٥): ولم يذكر مسلم صلاته ﷺ على ماعز، وقد ذكرها البخاري (٦). انتهى.
٢ - وعن جابر ﵁ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ برَجُلٍ زَنَى فَجُلِدَ الحدُّ، ثُمَّ أُخْبِرَ أَنَّهُ مُحْصِنٌ فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ. أخرجه أبو داود (٧). [إسناده ضعيف].
قوله: "في حديث جابر أخرجه أبو داود".
قلت: وقال (٨) في رواية فيه: قال أبو داود: روى هذا الحديث محمَّد بن بكير البرساني عن ابن جريج، موقوفاً على جابر.
стр. 1748
ورواه (١) بنحوه ابن وهب، ولم يذكر النبي ﷺ ، قال: "إن رجلاً زنى فلم يعلم بإحصانه فجلد ثم علم بإحصانه فرجم". انتهى.
٣ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أنَّه ﵁ قَالَ: أَتَتْ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ رَسُولَ الله ﷺ وهِيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولُ الله! أَصَبْتُ حَدَاً فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا نَبِيّ الله ﷺ وَلِيِّهَا فَقَالَ: "أَحْسِنْ إِلَيْهَا، فَإِذَا وَضَعَتْ فَائْتِني بِهَا"، فَفَعَلْ، فَأَمَرَ بِهَا فَشُدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ عُمَرُ: أتُصَلِّي عَلَيْهَا وَقَدْ زَنَتْ؟ فَقَالَ ﷺ : "لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَينَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لله ". أخرجه الخمسة (٢) إلا البخاري. [صحيح].
قوله: "في حديث عمران بن حصين فقال: أحسن إليها" قال في "شرح مسلم" (٣): هذا "الإحسان له سببان: أحدهما: الخوف عليها من أقاربها أن تحملهم الغيرة وتخوف العار بهم أن يؤذوها، فأوصى بالإحسان إليها تحذيراً لهم من ذلك.
والثاني: أمر به رحمة لها إذ [قد] (٤) تابت [وحرص] (٥) على الإحسان إليها لما في نفوس الناس من النفرة عن مثلها، وإسماعها الكلام المؤذي [٢٥٦ ب] ونحو ذلك، فنهى عن هذا كله.
стр. 1749
وفيه أنها لا ترجم الحبلى حتى تضع، سواء كان حملها من زنا أو غيره، وهذا مجمع عليه لئلا يقتل جنينها، وكذا لو كان حدها الجلد وهي حامل، لم تجلد بالإجماع حتى تضع، وكذا إذا وجب عليها القصاص وهي حامل لا يقتص منها حتى تضع.
قوله: "فشدت عليها ثيابها" (١) هو هكذا في روايات، وفي أخرى (٢) "شكت" بالكاف وهي بمعنى شدت، وهما في مسلم.
قال النووي (٣): فيه استحباب جمع ثيابها عليها وشدّها بحيث لا تنكشف في تقلبها وتكرار اضطرابها، واتفق العلماء على أنها لا ترجم إلا قاعدة، وأمّا الرجل فجمهورهم أنه يرجم قائماً، وقال مالك (٤): قاعداً، وقال غيره: يتخير الإِمام بينهما. [٢١٧/ أ].
قوله: " [لقد] (٥) تابت توبة ... الحديث" فإن قيل: ما بال ماعز والغامدية لم يقنعا بالتوبة وهي محصلة لغرضهما وهو سقوط الإثم، بل أصرا على الإقرار و [أحبَّا] (٦) الرجم؟
فالجواب: أن حصول البراءة بالحد وسقوط الإثم متيقن على كل حال لا سيما وإقامة الحد بأمره ﷺ ، وأما التوبة فقد لا تكون نصوحاً وأن يخل بشيء من شروطها فتبقى المعصية وإثمها دائماً عليه فأراد البراءة بطريق متيقن دونما يتطرق إليه الاحتمال هذا.
وأما هل يحد المحصن أولاً ثم يرجم فيأتي الكلام عليه في حديث علي ﵁.
стр. 1750
٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ ﵄: أَنَّ أَعْرَابِيَّاً أَتَى النَّبِيّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسولَ الله! أنشُدُكَ بِالله إِلاَّ قَضيْتَ لِي بِكِتَابِ الله تَعَالَى. فَقَالَ الآخَرُ، وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ: نَعَمْ فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ الله تَعَالَى، وَائْذَنْ لِي. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "قُلْ". فَقَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، وإنِّي أُخبرْتُ [أَنَّ] (١) عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ. فَقَالَ "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ: لأَقْضَينَّ بَيْنكُمَا بِكِتَابِ الله تَعَالَى، الْوَليدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، اغْدُ يَا أُنَيْسُ - لِرَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ - إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا"، فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعترفَتْ، فَأَمَرَ بِهَا النّبيّ ﷺ فَرُجِمَتْ. أخرجه الستة (٢). [صحيح].
وقال مالك (٣) "الْعَسِيفُ" الأجير.
قوله: "في حديث أبي هريرة وزيد بن خالد أنشدك الله" هو بفتح الهمزة وسكون النون وضم الشين المعجمة، أي: أنشدك رافعاً نشدي، أي صوتي، وفي نسخ التيسير هنا: بالله، بإثبات الموحدة، وفي "الصحيحين": الله بحذفها.
قال الحافظ ابن حجر (٤): ضمن أنشدك أذكرك، فحذف الباء [٢٥٧ ب] وكأن إثباتها رواية أحد من أخرجه.
стр. 1751
قوله: "وكان أفقه منه" في شرح الترمذي (١): يحتمل أن [يكون] (٢) الراوي كان عارفاً بهما قبل أن يتحاكما، فوصف الثاني بأنه أفقه من الأول، إما مطلقاً [أو] (٣) في هذه القصة الخاصة.
قوله: "قال: قل" ظاهر السياق بأنه الثاني، وجزم الكرماني (٤) بأن القائل هو الأول ورده ابن حجر.
قوله: "إن ابني" زاد في البخاري "هذا" قال ابن حجر (٥): فيه دليل أن الابن كان حاضراً فأشار إليه. وخلا معظم الروايات عن [هذه اللفظة] (٦) [] (٧).
قوله: "كان عسيفاً" بفتح المهملة بعدها مهملة بزنة أجير، ومعناه سمي الأجير عسيفاً؛ لأن المستأجر يعسفه في العمل والعسف الجور (٨).
قوله: "على هذا" في "الفتح" (٩): ضمن على معنى عند، بدليل رواية عمرو بن شعيب.
وفي رواية: "في أهل هذا".
стр. 1752
قوله: "بمائة شاة ووليدة" هي الجارية, وفي رواية "وخادم" (١)، وفي رواية مالك (٢) "وجارية لي".
قوله: "جلد مائة" بالإضافة للأكثر، وقرأه بعضهم بتنوين جلد مرفوع، وتنوين مائة منصوب على التمييز. قال الحافظ (٣): ولم تثبت به رواية.
قوله: بكتاب الله، أي: بحكمه؛ لأن الرجم والتغريب ليسا في القرآن.
قوله: "وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام" محمول على أن الولد (٤) كان بكر وعلى أنه اعترف بالزنا، وإلا فإقرار الأب عليه لا يقبل، أو يكون هذا فتيا، أي: إن كان ابنك زنى وهو بكر فعليه كذا وكذا.
قوله: "ردّ عليك" أي: مردودة عليك ومعناه يجب ردّه؛ لأن الحدود لا تقبل الفداء.
قوله: "يا أنيس" مصغر أنس, وهو أنيس (٥) بن الضحاك الأسلمي على الصحيح المشهور وغلط من زعم أنه أنس بن [٢٥٨ ب] مالك صغّره ﷺ عند خطابه.
وهذا محمول على إعلامها بأن هذا الرجل قذفها بابنه, وأنّ لها عليه حد القذف فتطالبه به أو تعفو، إلا أن تعترف بالزنا، فلا حد عليه، ويجب عليها الرجم إن كانت محصنة، فذهب إليها أنيس فأخبرها فاعترفت بالزنا فرجمها.
стр. 1753
قال النووي (١): ولا بد من هذ التأويل؛ لأن ظاهره أنه بعث [لطلب إقامة] (٢) حد الزنا وهو غيرمراد؛ لأن حد الزنا لا يحتاط له بالتجسس [والتفتيش] (٣) عنه بل لو أقرّ به الزاني استحب تلقينه الرجوع كما سبق فحينئذ يتعين تأويل الذي ذكرناه, واختلف (٤) أصحابنا في البعث: هل يجب على القاضي إذا قذف إنسان معين في محله أن يبعث إليه ليعرفه حقه من حد القذف أم لا يجب؟ والأصح وجوبه. انتهى.
وفي الحديث إيجاب التغريب (٥) وفيه خلاف للحنفية (٦) والهادوية (٧).
قال ابن المنذر (٨) [أقسم] (٩) النبي ﷺ في قصة العسيف أنه يقضي بكتاب الله [تعالى] (١٠) ثم قال: إنّ عليه جلد مائة وتغريب عام، وهو المبيّن لكتاب الله [تعالى] (١١).
وقد بيّنا أدلة المخالفين والكلام عليها في شرح "بلوغ المرام" (١٢)، وأنّ الحق ثبوت التغريب لأدلته.
стр. 1754
٥ - وعن مالك (١) ﵁ قال: بلغني أن عثمان ﵁ أتى بامرأة ولدت في ستة أشهر فأمر برجمها، فقال علي ﵁: إن الله تعالى يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ , وقال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾، فالحمل ستة أشهر، فأمر عثمان بردها فوجدت قد رجمت. [موقوف صحيح].
قوله: "في حديث مالك أن علياً ﵁ قال: فالحمل ستة أشهر".
يريد أقله لأن آية البقرة دلت على أن مدة الرضاعة لمن أراد أن يتمها حولين ودلت آية الأحقاف على أنّ مدة الرضاع والحمل ثلاثون شهراً، فكانت دالة على أن أقل الحمل ستة أشهر لقوله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ﴾ (٢) أي: عن الرضاع ﴿ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (٣) والقصة [خرجها] (٤).
أيضاً ابن المنذر (٥) وابن أبي حاتم (٦) وفيها: "فقال علي: أما سمعت الله يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ [٢١٨/ أ] شَهْرًا﴾ (٧) وقال: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ (٨) فلم تجده بقي إلا ستة أشهر"، قال عثمان: والله [٢٥٩ ب] ما فطنت لهذا، عليّ بالمرأة، فوجدوها قد فرغ منها، وكان من قولها لأختها: يا أخيّة لا تحزني، فوالله ما كشف فرجي أحد قط غيره, فشبّ الغلام بعد
стр. 1755
لأختها: يا أخيّة لا تحزني، فوالله ما كشف فرجي أحد قط غيره، فشبّ الغلام بعد فاعترف به الرجل، وكان أشبه الناس به. الحديث.
واتفق مثلها لعلي مع عمر كما أخرجه عبد الرزاق (١) وعبد بن حميد (٢) وابن المنذر (٣) من طريق قتادة وفيه: قال: رفع إلى عمر امرأة ولدت لستة أشهر فسأل عنها أصحاب النبي ﷺ ، فقال علي: لا رجم عليها، ألا ترى أن الله يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ﴾، وساق كما سلف، فتركها عمر، قال: ثم بلغنا أنها ولدت آخر لستة أشهر.
ومثلها وقعت لابن عباس مع عمر كما أخرجه عبد الرزاق (٤) وابن المنذر (٥)، وذكر ابن عباس كما ذكر علي في الآية.
قلت: ولا يخفى أن حديث مالك الذي أتى المصنف [به] (٦) لا يطابق الترجمة؛ لأنها فيمن حده رسول الله ﷺ ، إنما تناسب ترجمة ابن الأثير (٧) التي سقناها.
٦ - وعن أبي إسحاق الشيباني ﵁ قال: سَأَلْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى هَلْ رَجَمَ رسولُ الله ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: قَبْلَ سُورَةِ النُّورِ، أَوْ بَعْدَهَا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي.