قوله: "وكان أفقه منه" في شرح الترمذي (١): يحتمل أن [يكون] (٢) الراوي كان عارفاً بهما قبل أن يتحاكما، فوصف الثاني بأنه أفقه من الأول، إما مطلقاً [أو] (٣) في هذه القصة الخاصة.
قوله: "قال: قل" ظاهر السياق بأنه الثاني، وجزم الكرماني (٤) بأن القائل هو الأول ورده ابن حجر.
قوله: "إن ابني" زاد في البخاري "هذا" قال ابن حجر (٥): فيه دليل أن الابن كان حاضراً فأشار إليه. وخلا معظم الروايات عن [هذه اللفظة] (٦) [] (٧).
قوله: "كان عسيفاً" بفتح المهملة بعدها مهملة بزنة أجير، ومعناه سمي الأجير عسيفاً؛ لأن المستأجر يعسفه في العمل والعسف الجور (٨).
قوله: "على هذا" في "الفتح" (٩): ضمن على معنى عند، بدليل رواية عمرو بن شعيب.
وفي رواية: "في أهل هذا".
стр. 1752
قوله: "بمائة شاة ووليدة" هي الجارية, وفي رواية "وخادم" (١)، وفي رواية مالك (٢) "وجارية لي".
قوله: "جلد مائة" بالإضافة للأكثر، وقرأه بعضهم بتنوين جلد مرفوع، وتنوين مائة منصوب على التمييز. قال الحافظ (٣): ولم تثبت به رواية.
قوله: بكتاب الله، أي: بحكمه؛ لأن الرجم والتغريب ليسا في القرآن.
قوله: "وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام" محمول على أن الولد (٤) كان بكر وعلى أنه اعترف بالزنا، وإلا فإقرار الأب عليه لا يقبل، أو يكون هذا فتيا، أي: إن كان ابنك زنى وهو بكر فعليه كذا وكذا.
قوله: "ردّ عليك" أي: مردودة عليك ومعناه يجب ردّه؛ لأن الحدود لا تقبل الفداء.
قوله: "يا أنيس" مصغر أنس, وهو أنيس (٥) بن الضحاك الأسلمي على الصحيح المشهور وغلط من زعم أنه أنس بن [٢٥٨ ب] مالك صغّره ﷺ عند خطابه.
وهذا محمول على إعلامها بأن هذا الرجل قذفها بابنه, وأنّ لها عليه حد القذف فتطالبه به أو تعفو، إلا أن تعترف بالزنا، فلا حد عليه، ويجب عليها الرجم إن كانت محصنة، فذهب إليها أنيس فأخبرها فاعترفت بالزنا فرجمها.
стр. 1753
قال النووي (١): ولا بد من هذ التأويل؛ لأن ظاهره أنه بعث [لطلب إقامة] (٢) حد الزنا وهو غيرمراد؛ لأن حد الزنا لا يحتاط له بالتجسس [والتفتيش] (٣) عنه بل لو أقرّ به الزاني استحب تلقينه الرجوع كما سبق فحينئذ يتعين تأويل الذي ذكرناه, واختلف (٤) أصحابنا في البعث: هل يجب على القاضي إذا قذف إنسان معين في محله أن يبعث إليه ليعرفه حقه من حد القذف أم لا يجب؟ والأصح وجوبه. انتهى.
وفي الحديث إيجاب التغريب (٥) وفيه خلاف للحنفية (٦) والهادوية (٧).
قال ابن المنذر (٨) [أقسم] (٩) النبي ﷺ في قصة العسيف أنه يقضي بكتاب الله [تعالى] (١٠) ثم قال: إنّ عليه جلد مائة وتغريب عام، وهو المبيّن لكتاب الله [تعالى] (١١).
وقد بيّنا أدلة المخالفين والكلام عليها في شرح "بلوغ المرام" (١٢)، وأنّ الحق ثبوت التغريب لأدلته.
стр. 1754
٥ - وعن مالك (١) ﵁ قال: بلغني أن عثمان ﵁ أتى بامرأة ولدت في ستة أشهر فأمر برجمها، فقال علي ﵁: إن الله تعالى يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ , وقال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾، فالحمل ستة أشهر، فأمر عثمان بردها فوجدت قد رجمت. [موقوف صحيح].
قوله: "في حديث مالك أن علياً ﵁ قال: فالحمل ستة أشهر".
يريد أقله لأن آية البقرة دلت على أن مدة الرضاعة لمن أراد أن يتمها حولين ودلت آية الأحقاف على أنّ مدة الرضاع والحمل ثلاثون شهراً، فكانت دالة على أن أقل الحمل ستة أشهر لقوله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ﴾ (٢) أي: عن الرضاع ﴿ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (٣) والقصة [خرجها] (٤).
أيضاً ابن المنذر (٥) وابن أبي حاتم (٦) وفيها: "فقال علي: أما سمعت الله يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ [٢١٨/ أ] شَهْرًا﴾ (٧) وقال: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ (٨) فلم تجده بقي إلا ستة أشهر"، قال عثمان: والله [٢٥٩ ب] ما فطنت لهذا، عليّ بالمرأة، فوجدوها قد فرغ منها، وكان من قولها لأختها: يا أخيّة لا تحزني، فوالله ما كشف فرجي أحد قط غيره, فشبّ الغلام بعد
стр. 1755
لأختها: يا أخيّة لا تحزني، فوالله ما كشف فرجي أحد قط غيره، فشبّ الغلام بعد فاعترف به الرجل، وكان أشبه الناس به. الحديث.
واتفق مثلها لعلي مع عمر كما أخرجه عبد الرزاق (١) وعبد بن حميد (٢) وابن المنذر (٣) من طريق قتادة وفيه: قال: رفع إلى عمر امرأة ولدت لستة أشهر فسأل عنها أصحاب النبي ﷺ ، فقال علي: لا رجم عليها، ألا ترى أن الله يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ﴾، وساق كما سلف، فتركها عمر، قال: ثم بلغنا أنها ولدت آخر لستة أشهر.
ومثلها وقعت لابن عباس مع عمر كما أخرجه عبد الرزاق (٤) وابن المنذر (٥)، وذكر ابن عباس كما ذكر علي في الآية.
قلت: ولا يخفى أن حديث مالك الذي أتى المصنف [به] (٦) لا يطابق الترجمة؛ لأنها فيمن حده رسول الله ﷺ ، إنما تناسب ترجمة ابن الأثير (٧) التي سقناها.
٦ - وعن أبي إسحاق الشيباني ﵁ قال: سَأَلْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى هَلْ رَجَمَ رسولُ الله ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: قَبْلَ سُورَةِ النُّورِ، أَوْ بَعْدَهَا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي.
стр. 1756
أخرجه الشيخان (١). [صحيح].
قوله: [قال] (٢) "لا أدري".
قلت: يريد السائل أنّ الرجم إن كان وقع قبل سورة النور، فيمكن أن يدعى نسخة لما فيها من النص على أنّ حدَّ الزاني الجلد، وإن كان وقع بعدها فيمكن أن يستدل به على نسخ الجلد في حق المحصن، والمسئول قال: لا أدري، فيقال له (٣): وإن لم يدر ابن أبي أوفى فقد قام (٤) الدليل على أنّ الرجم بعد سورة النور؛ لأن نزولها في قصة الإفك سنة أربع أو خمس، والرجم كان بعد ذلك فإنه حضره أبو هريرة، وإنما أسلم سنة سبع، وحضره ابن عباس، وإنما جاء مع أمه سنة [٢٦٠ ب] سبع.
٦ - وَعَنْ الشَّعْبِيَّ ﵁: أَنَّ عَلِيَّاً ﵁ حِينَ رَجَمَ المَرْأَةَ, ضَرَبَهَا يَوْمَ الخَمِيسِ، وَرَجَمَهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَقَالَ: جَلَدْتُهَا بِكِتَابِ الله، وَرَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ الله ﷺ . أخرجه البخاري (٥).
قوله: "وعن الشعبي" قال الأئمة: لم يثبت (٦) سماع الشعبي من علي ﵁.
قوله: "حين رجم المرأة" اسمها شراحة (٧) بضم الشين المعجمة وبالراء، الهمدانية.
стр. 1757
قوله: "ضربها" أي: جلدها جلد [الزنا] (١) وفيه حجة لن يرى الجمع بين الجلد والرجم على الثيب المحصن، وإليه ذهب الحسن البصري (٢)، وبه قال إسحاق بن راهويه (٣).
وروي عن عمر بن الخطاب رجم ولم يجلد، وإليه ذهب عامة الفقهاء (٤)، ورأوا أنّ الجلد منسوخ بالرجم، قالوا: وقد رجم (٥) ﷺ ماعزاً ولم يجلده، وكذلك الغامدية، وكذلك المرأة التي أمر ﷺ أنيساً أن يرجمها، ورجم اليهوديين ولم يجلدهما.
قوله: "ورجمها يوم الجمعة وقال: جلدتها بكتاب الله" أي: بحكمه، حيث قال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ (٦) الآية.
وقوله: "ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ " [أي] (٧) فإنه ﷺ رجم ماعزاً وغيره ممن ذكرنا، وهذه سنة فعلية، والقولية حديث عبادة عند مسلم (٨) بلفظ: "الثيب بالثيب جلد مائة والرجم .. الحديث"، وفي رواية: أنه قيل لعلي ﵁: جمعت بين حدين، فذكره.
стр. 1758
وقال الأكثرون (١): لا يجمع بينهما، وحديث عبادة منسوخ، قالوا: والناسخ ما ثبت في
قصة ماعز، وهي متأخرة عن حديث عبادة؛ لأن حديث عبادة ناسخ لما شرع أولاً من حبس
الزاني في البيوت، فنسخ الحبس بالجلد، وزيد في حق الثيب الرجم، وذلك صريح في حديث
عبادة، ثم نسخ الجلد في حق الثيب، وذلك بالاقتصار في حق من رجمهم رسول الله صلى الله عليه [٢٦١ ب] وآله وسلم على الرجم، وقد أجيب (٢) بأنّ عدم ذكر الجلد فيما ذكر ترك ذكره لوضوحه، ولكونه الأصل فلا يرد ما وقع من التصريح به بالاحتمال، وقد ثبت الجمع بينهما بحديث عبادة، وعمل علي ﵁ به، والجمع هو الذي قررناه واخترناه في "منحة الغفار على ضوء النهار" (٣).
٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: زَنَى رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ فَإِنَّهُ نَبِيٌّ بُعِثَ بِالتَّخْفِيفِ، فَإِنْ أَفْتَانَا بِفُتْيَا دُونَ الرَّجْمِ قَبِلْنَاهَا وَاحْتَجَجْنَا عِنْدَ اللهِ تعالى بِهَا، قُلْنَا: فُتْيَا نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِكَ، فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فِي المَسْجِدِ فِي أَصْحَابِهِ، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ! مَا تَرَى فِي رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا؟ فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى أَتَى
فيه ومفعال غريب في المكان، قاله في "النهاية" (١).
قوله: "ما تجدون في التوراة" قال الباجي (٢): يحتمل أن يكون أعلم بالوحي أن حكم الرجم فيها ثابت على ما شرع لم يلحقه تبديل، ويحتمل أن يكون علم ذلك بإخبار عبد الله بن سلام أو غيره، وقوله: ما تجدون، قال العلماء (٣): هذا السؤال ليس لتقليدهم ولا لمعرفة الحكم منهم، وإنَّما هو لإلزامهم بما يعتقدونه في كتابهم.
قوله: "يحمم" (٤) بالحاء المهملة أي: يصب عليه ماء حار مخلوط بالرماد، وقيل: يسوّد وجهه بالفحم، والتجبيه (٥): بالجيم فموحدة فمثناة تحتية, من جبهة الرجل إذا قابلته بما يكره من قول أو فعل، وقيل: هي بوزن تذكرة ومعناها الركوب معكوساً وهو الذي في [٢١٩/ أ] الرواية هنا، وهو مدرج من كلام الزهري؛ لأن أصل الحديث من روايته وحاصله [٢٦٢ ب] إحتمال أنه من الجبْه من جبهه وهو الاستقبال بالمكروه أو من التجبيه.
стр. 1761
قوله: "وسكت شاب منهم" في حديث جابر عند أبي داود (١) فقال ﷺ : "ائتوني بأعلم رجلين منكم"، وفي حديث ابن عباس (٢): "فأتوه برجلين أحدهما شاب والآخر شيخ قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر".
وفي رواية (٣): "أن الشاب ابن صوريا".
قوله: "فرجمهما" قال النووي (٤): في هذا دليل على وجوب حد الزنا على الكافر، وأنه يصح نكاحه؛ لأنه لا يجب الرجم إلا على المحصن، فلو لم يصح نكاحه لم يثبت إحصانه، ولم يرجم، وفيه: أن الكفار (٥) مخاطبون بفروع الشرع، وفيه: أن الكفار إذا تحاكموا إلينا حكم القاضي بينهم بحكم شرعنا. انتهى.
فإن قيل: هل رجمهما ﷺ بالبينة أم بالإقرار؟ قيل: الظاهر أنه بالإقرار، وقد جاء في "سنن أبي داود" (٦) وغيره: أنه شهد عليهما أربعة منهم رأوا ذكره في فرجها، فإن صح هذا فإن كان الشهود مسلمين فظاهر، وإن كانوا يهوداً فلا اعتبار بشهادتهم، ويتعين أنه كان الرجم عن إقرارهما.
стр. 1762
وقال المالكية (١) ومعظم الحنفية (٢) وربيعة شيخ مالك (٣): شرط الإحصان الإسلام، قالوا: وإنما رجمهما ﷺ بحكم التوراة, وليس هو من حكم الإسلام في شيء، وإنما هو من باب تنفيذ الحكم عليهم بما في كتابهم، فإنّ في التوراة الرجم على المحصن وغير المحصن، ورده الحافظ ابن حجر (٤) فإن الروايات أنه لا رجم إلا على المحصن من اليهود قال ابن العربي (٥): في الحديث أن الإسلام ليس شرطاً في الإحصان، ثم ذكر توجيهاً لمن قال إن الإسلام شرطه ورده وقال: الحق أحق أن يتبع ولو [٢٦٣ ب] جاءوني لحكمت عليهم بالرجم ولم أعتبر الإسلام في الإحصان. انتهى، وما أحسن ما قاله!.
وأما قول الحافظ فإن صحّ هذا - أي حديث الإتيان بالشهود - هو حديث رواه أبو داود (٦) بلفظ: "فدعا رَسُولَ اللهِ ﷺ بالشهود فجاءوا أربعة فشهدوا".
والظاهر أنهم من اليهود إذ يبعد اطلاع المسلمين على رؤية الزانيين من اليهود، وأنهم رأوا ذكر الزاني في فرج المرأة مثل الميل في المكحلة.
فالظاهر قبول شهادة اليهود بهذا، وإن كان قال المنذري (٧): فيه مجالد بن سعيد وهو ضعيف.
стр. 1763
قوله: "ارتخصتم" في "القاموس" (١) ارتخص افتضح، كأن المراد هنا: افتضحتم بمخالفة حكم الله الذي في التوراة، أو افتضحتم لما قلتم بفضحهم.
٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ امْرَأَةً مِنْهُمْ وَرجُلاً زَنَيَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟ "، فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلاَمٍ: كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ، فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ ثُمَّ جَعَلَ يَقْرَأُ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلاَمٍ: ارْفَعْ يَدَكَ. فَرَفَعَ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ فَقَالُوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْنِي عَلَى المَرْأَةِ يَقِيهَا الحِجَارَةَ. أخرجه الستة (٢) إلا النسائي. [صحيح].
قوله: "في حديث ابن عمر فأتوا بالتوراة" فيه دليل على أن ألفاظ التوراة لم تحرف، وإنما حرفت معانيها إذ لو كانت حرفت ألفاظها لما بقيت حجة، ولا أمر الله ورسوله بالإتيان بها.
قوله: "يحنى على المرأة" بضم حرف المضارعة فحاء ساكنة فنون، قال ابن الأثير (٣): أحنى عليه يحني إذا أكب عليه يقيه بنفسه شيئاً يؤذيه, وحانى تحاني فاعل يفاعل منه.
الباب الثالث: في حديث اللواط وإتيان البهيمة
١ - عن ابن عباس ﵄ قال: قَالَ النَبِيّ ﷺ : "مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوْطٍ فَاقْتُلُوْا الْفَاعِلَ وْالمَفْعُولَ بِهِ". أخرجه الترمذي (٤). [صحيح].
стр. 1764
قال: وكذا روي (١) عن أبي هريرة.
ولأبي داود (٢) عن ابن عباس: فِي الْبِكْرِ يُوجَدُ عَلَى الُّلوطِيَّةِ أَنَّهُ يُرْجَمُ [موقوف بسند صحيح].
قوله: "في حديث ابن عباس أخرجه الترمذي".
قلت: وقال (٣) وإنما يعرف هذا الحديث عن ابن عباس عن النبي ﷺ من هذا الوجه.
وروى محمد بن إسحاق هذا الحديث عن عمرو بن أبي عمرو فقال: "ملعون من عمل عمل قوم [٢٦٤ ب] لوط" ولم يذكر فيه القتل (٤). انتهى كلامه.
قلت: وحديث ابن عباس هذا أخرجه أيضاً أبو داود (٥) بلفظه: وقال المنذري (٦): ما قاله الترمذي من أنه من حديث عمرو بن أبي عمرو.
стр. 1765
[قال (١): وعمرو بن أبي عمرو] (٢) مولى المطلب، قال ابن معين: ينكر عليه حديث (٣) "اقتلوا الفاعل والمفعول". انتهى.
إذا عرفت هذا فكان على المصنف أن يقول: أخرجه الترمذي (٤) وأبو داود (٥)، لكنه تبع ابن الأثير، فإنه اقتصر على نسبته إلى الترمذي فقط وهو تقصير.
قوله: "وقال" يريد الترمذي (٦) "وكذا روي عن أبي هريرة".
قلت: وساقه بإسناده [٢٢٠/ أ] ثم قال: هذا حديث في إسناده مقال ولا نعلم أحداً رواه عن سهل بن أبي صالح غير عاصم بن عمر العمري، وعاصم بن عمر يضعف في الحديث من قبل حفظه. انتهى كلامه على حديث أبي هريرة الذي أشار إليه المصنف.
قوله: "ولأبي داود عن ابن عباس".
قلت: وأخرجه النسائي وقال: عن سعيد بن جبير (٧) كما قاله المنذري (٨).
٢ - وعنه ﵁: أَنَّ عَلِيَّاً (٩) ﵁ أَحْرَقَهُمَا.
стр. 1766
وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ (١) ﵁ هَدَمَ عَلَيْهُمَا حَائِطَاً. أخرجه رزين.
قوله: "أخرجه رزين".
قلت: قال الحافظ المنذري (٢): حرّق اللوطية بالنار أربعة من الخلفاء: أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن الزبير، وهشام بن عبد الملك. انتهى.
وقال ابن القيم في كتاب "الداء والدواء" (٣): أنه أطبق أصحاب رَسُولَ اللهِ ﷺ على قتل اللوطي ولم يختلف فيه اثنان، وإنما اختلفت أقوالهم في صفة قتله، فظنّ بعضهم أن ذلك اختلاف منهم في قتله، وهي بينهم مسألة إجماع لا مسألة نزاع، وثبت عنه صلى الله عليه [٢٦٥ ب] وآله وسلم لعن (٤) من عمل عمل قوم لوط، ولم يأت لعن للزاني في حديث قط.
٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبيّ ﷺ "مَلْعُونٌ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوْطٍ" (٥). أخرجه رزين.
قوله: "وعنه" أي [أبي هريرة] (٦).
"ملعون من عمل عمل قوم لوط" إلى قوله: "أخرجه رزين".
стр. 1767
قلت: بل أخرجه الترمذي (١) عن عمرو بن أبي عمرو، وقدمنا كلامه، [وأنه وزاد] (٢)، وذكر فيه "ملعون من أتى بهيمة".
٤ - وعن جابر ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبيّ ﷺ : "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي عَمَلُ قَوْمِ لُوْطٍ". أخرجه الترمذي (٣). [ضعيف].
قوله: "في حديث جابر وأخرجه الترمذي".
قلت: وقال (٤) هذا حديث حسن غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه عن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب عن جابر. انتهى.
وفي "التقريب" (٥): عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب الهاشمي، إلى أن قال: صدوق في حديثه لين، ويقال: تغير بآخره. انتهى.
٥ - وعن أبي هريرة ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأةً فِي دُبُرهَا". أخرجه أبو داود (٦). [حسن].
стр. 1768
٦ - وعن ابن عباس ﵄: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لَا يَنْظُرُ اللهُ تَعَالَى إِلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلَاً، أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا". أخرجه الترمذي (١). [حسن لغيره].
قوله: "في حديث ابن عباس لا ينظر الله .. إلى آخره، أخرجه الترمذي".
قلت: وقال (٢) حسن غريب.
٧ - وعنه ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ, وَاقْتُلُوهَا مَعَهُ"، فَقِيْلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا شَأْنُ الْبَهِيمَةِ؟ قَالَ: أُرَاهُ لِئَلَّا يُؤْكَلَ لَحَمُهَا أَوْ يُنْتَفَعَ بِهَا وَقَدْ فُعِلَ بِهاَ ذَلِكَ. أخرجه أبو داود (٣) والترمذي (٤). [إسناده حسن].
ولهما (٥) أيضاً عنه, قال: "لَيْسَ عَلَى الَّذِي يَأْتِيَ الْبَهِيْمَةَ حَدٌّ". [حسن].
стр. 1769
قوله: "في حديث ابن عباس فقيل لابن عباس ما شأن البهيمة" في الحديث هذا قال: ما سمعت من رَسُولَ اللهِ ﷺ في ذلك شيئاً ولكن أراه .. إلى آخره.
قوله: "أخرجه الترمذي وأبو داود".
قلت: وأخرجه النسائي (١)، قال البخاري (٢): عمرو صدوق [و] (٣) لكنه روى عن عكرمة مناكير. انتهى.
ويريد بعمرو عمرو بن أبي عمرو؛ لأنه الذي رواه عن عكرمة عن ابن عباس.
وقال أبو داود (٤) بعد إخراجه: ليس هذا الحديث بالقوي. انتهى.
وقال الترمذي (٥): هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس، ثم ذكر حديث ابن عباس "أنه من أتى بهيمة فلا حد عليه" وقال هو أصح من الحديث الأول، وأراد بالأول هو الذي ساقه "المصنف" من قتل البهيمة والفاعل. [٢٦٦ ب].
الباب الرابع: في حد القذف
١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لمَّا نَزَلَ عُذْرِي قَامَ النَّبِيُّ ﷺ علَى المِنْبَرِ فَذَكَرَ ذَلكَ وَتَلاَ، - تَعْنِي الْقُرْآنَ - فَلمَّا نَزَلَ مِنَ المِنْبَرِ أَمَرَ [بِرَجُلَيْنِ] (٦) وَالمَرْأَةِ فَضُرُبوا حَدَّهُمْ. [حسن].
تَعْنِي حَسَّانَ بْن ثَابِتٍ، وَمِسْطَحَ بْن أُثَاثَةَ، وَحَمْنَةَ بْنْتَ جَحْشٍ. أخرجه أبو داود (٧).
стр. 1770
قوله: "في حديث عائشة أخرجه أبو داود".
قلت: أخرجه عن عائشة إلى قولها: (١) "حدهم" وأخرج عن محمد بن إسحاق هذا الحديث ولم يذكر عائشة وقال فيه: "وأمر برجلين وامرأة ممن تكلم بالفاحشة حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة"، قال النفيلي (٢): ويقولون المرأة: حمنة بنت جحش.
إذا عرفت هذا فقد داخل المصنف الحديثين بما أوهم أن تعين الرجلين والمرأة ثابت في حديث أبي داود عن عائشة، وليس كذلك؛ فإن هذا التعيين من حديث ابن إسحاق ولهم فيه مقال ولا كلام في صحة تعيين الثلاثة بأحاديث ثابتة صحيحة.
لكن هذا الذي صنعه المصنف فيه ما ذكرناه، وفيه ابن الأثير (٣) فقد ساق الروايتين كما هما في أبي داود فساق حديث عائشة إلى قولها "حدهم" ثم قال: وفي رواية عن محمد بن إسحاق - لم يذكر عائشة - قال: "فأمر برجلين وامرأة ممن تكلم بالفاحشة حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة"، قال النفيلي: ويقولون المرأة حمنة بنت جحش.
أخرجه أبو داود (٤)، هذا لفظ ابن الأثير.
وهو لفظ أبي داود إلا أن نسخ أبي داود في الرواية عن عائشة قتيبة بن سعيد ونسخه في الرواية عن أبي إسحاق النفيلي، لكن هذا سهَّل بعد فصل الروايتين.
стр. 1771
٢ - وَعَنْ أَبِي الزِّنَادِ ﵁ قَالَ: جَلَدَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ عَبْدًا فِي فِرْيَةٍ ثَمَانِينَ. قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: فَسَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: أَدْرَكْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَالخُلَفَاءَ، وَهَلمَّ جَرًّا فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا جَلَدَ عَبْدًا فِي فِرْيَةٍ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَيِنَ. أخرجه مالك (١). [مقطوع صحيح].
قوله: "وعن أبي الزناد" وقدمنا أنه عبد الله (٢) بن ذكوان وأنه فقيه ثقة.
قوله: "عبد الله بن عامر بن ربيعة" (٣) هو العنزي، حليف بني عدي، أبو محمد المدني، ولد على عهد النبي صلى الله [٢٦٧ ب] عليه وآله وسلم ولأبيه صحبة.
قوله: "جلد عبداً في فرية أكثر من أربعين".
قلت: وذلك أنه ينصف له (٤) حد القذف كما ينصف له حد الزنا قياساً له على الأمة الزانية التي قال الله في حقها: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، فألحق العلماء العبيد بالإماء، وألحقوا حدّ القذف بحد الزنا، وكان عمر بن عبد العزيز لا يرى هذا الإلحاق اجتهاداً منه.
стр. 1772
٣ - عن ابن عباس ﵄ قال: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "إِذَا قَالَ رَجُلٍ لِرَجُلٍ: يَا يَهُوْدِيُّ! فَاضْرِبُوْهُ عِشْرِيْنَ، فَإِنْ قَالَ: يَا مُخَنَّثُ! فَمِثْلُهُ، وَمَنْ وَقَعَ عَلَى ذَاتِ محْرَمٍ فَاقْتُلُوْهُ, هَذَا إِذَا عَلِمَ. أخرجه الترمذي (١). [ضعيف].
قوله: "في حديث ابن عباس أخرجه الترمذي".
قلت: ثم قال (٢): هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإبراهيم [٢٢١/ أ] بن إسماعيل يضعف في الحديث.
قال: وقد روي عن النبي ﷺ من غير وجه روايات البراء بن عازب (٣) وقرة بن إياس المزني: "أن رجلاً تزوج امرأة أبيه فأمر النبي ﷺ بقتله".
والعمل (٤) على هذا عند أصحابنا قالوا: من أتى ذات محرم وهو يعلم فعليه القتل، وقال أحمد: من تزوج أمه قتل، وقال إسحاق: من وقع على ذات محرم قتل. انتهى.
الباب الخامس: في حد السرقة
عرفوا السرقة (٥) بأخذ شيء خفية ليس للآخذ أخذه.
стр. 1773
قال القاضي عياض (١): صان الله الأموال بإيجاب القطع على السارق، ولم يجعل ذلك في غير السرقة كالاختلاس والانتهاب والغصب؛ لأن ذلك قليل بالنسبة إلى السرقة وإلا [ما كان] (٢) استرجاع هذا النوع بالاستعداء إلى ولاة الأمور، ويسهل إقامة البينة عليه بخلاف السرقة، فإنه [٢٦٨ ب] يندر إقامة البينة عليها، فعظم أمرها واشتدت عقوبتها لتكون أبلغ في الزجر عنها. انتهى (٣).
جعل فيه ابن الأثير (٤) أربعة فصول: الأول في موجب القطع، وذكر حديث عائشة، بدأ به كما بدأ به المصنف.
١ - عن عائشة ﵂ قَالَتْ: لَمْ تُقْطَعُ يَدُ سَارِقٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَدْنَى مِنْ ثَمَنِ المِجَنِّ تُرْسٌ أَوْ جَحَفَةُ، وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذَا ثَمَنٍ (٥). [صحيح].
قوله: "في حديث عائشة ترس أو جحفة" بدل من المجن وهو بكسر الميم، والجحفة ترس صغير لما أنزل الله آية السرقة مجملة بينها الحديث، إلا أن حديث عائشة هذا مجمل أيضاً بالنسبة إلى ما تأخر من الأزمنة عن عصرها، وأما في عصرها فلعله كان معروفاً قدر ثمنه
стр. 1774
[ويأتي] (١) حديث ابن عمر أن قيمة المجن كان ثلاثة دراهم وهو ربع الدينار كما صرح به في غيره، إذ الدينار باثني عشر درهما.
واعلم أنه قد أجمع المسلمون على قطع السارق في الجملة (٢) وان اختلفوا في فروع منه فاختلفوا في اشتراط النصاب وقدره، فقال أهل الظاهر (٣): يقطع سارق القليل والكثير، وحكي عن الحسن (٤)، واحتجوا بعموم الآية، واشترط جماهير العلماء (٥) النصاب واختلفوا في قدره؛ فقال الشافعي (٦): هو ربع دينار ذهباً، أو ما قيمته ذلك سواء كانت قيمته ثلاثة دراهم أو أقل أو أكثر، وقال آخرون: يقطع في ربع دينار أو ثلاثة دراهم وما قيمته ذلك وهو مذهب مالك (٧) وأحمد (٨) وإسحاق (٩).
وقال أبو حنيفة (١٠) والهادوية (١١): لا قطع إلا في عشرة دراهم أو ما قيمته ذلك.
والتفاصيل وذكر راجح الأقوال في المطولات ويأتي بعض ذلك.
стр. 1775
فمن أدلة الثلاثة الدراهم حديث ابن عمر الذي أخرجه الستة (١)، ومن أدلة الأولين الذين لا يعتبرون نصاباً حديث (٢) أبي هريرة وقوله فيه: "يسرق البيضة فتقطع يده" فإن البيضة ظاهرة في المعروفة، والحبل عام لكل حبل، وتأويل الأعمش (٣) ببيضة الحديد وحبل السفينة مثلاً، خلاف الظاهر.
قال النووي (٤): وبلاغة الكلام تأباه لأنه لا يذم في العادة [٢٦٩ ب] من خاطر بيده في شيء له قدر يريد وبيضة الحديد والحبل لهما قدر وقيمة، وإنما يذم من خاطر بها فيما لا قدر له فهو موضع تقليل لا تكثير.
٢ - وَعَنْ ابن عُمَر ﵄ قَالَ: قَطَعَ النَّبيّ ﷺ سَارِقَاً فِي مجنٍّ قِيْمتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ. أخرجهما الستة (٥). [صحيح].
وقوله: "في حديث ابن عمر قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم" لا ينفي القطع فيما دونه، وكذا مفهوم حديث عائشة: ما طال علي ولا نسيت القطع في ربع دينار فصاعداً (٦).
стр. 1776
قال الحافظ (١): وهو وإن لم يكن مرفوعاً لكنه في معنى المرفوع، فإن عدم القطع فيما دونه مفهوم، إلا أنه قد رواه النسائي (٢) بلفظ: "لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً"، وهو مفهوم حصر قوي قد قيل بأنه منطوق.
وقد حققنا في حواشي "ضوء النهار" (٣) تحقيقاً شافياً وسقنا الأدلة، ورجح لنا أن قدر النصاب ربع دينار لأدلة ناهضة.
٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَعَنَ الله السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُه وَيَسْرِقُ الحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ".
قال الأعمش: وكانوا يرون أنه بيض الحديد، وإن من الحبال ما يساوي دراهم. أخرجه الشيخان (٤) والنسائي (٥). [صحيح].
٤ - عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ المَخْزُومِيِّ ﵁: أُتِيَ النَّبِيَّ ﷺ بِلِصٍّ قَدِ اعْتَرَفَ وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ، فَقَالَ لَهُ: "مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ؟ "، فَقَالَ: بَلَى، فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا كلُّ ذَلِكَ يَعْتَرِفُ فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَ وَجِيءَ بِهِ فَقَالَ ﷺ : "اسْتَغْفِرِ الله وَتُبْ إِلَيْهِ"، فَقَالَ: أَسْتَغْفِرُ الله تَعَالَى وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، فَقَالَ ﷺ : "اللهمَّ تُبْ عَلَيْهِ"، ثَلاَثًا. أخرجه أبو داود (٦) والنسائي (٧). [ضعيف].
стр. 1777
قوله: "في حديث أبي أمية المخزومي أخرجه أبو داود".
قلت: وبوب له باب: في التلقين في الحد، ثم قال أبو داود (١): رواه عمرو بن عاصم عن همام عن إسحاق بن عبد الله قال: عن أبي أمية - رجل من الأنصار - عن النبي ﷺ .
قال المنذري (٢): وأخرجه النسائي (٣) وابن ماجه (٤) وذكر الخطابي (٥) أن في إسناد هذا الحديث مقالاً، إذ رواه رجل مجهول لم يكن حجة. انتهى.
стр. 1778
وكأنه (١) يشير إلى أن أبا المنذر مولى أبي ذر لم يرو عنه إلا إسحاق بن عبد الله. انتهى.
قلت: وقوله: رجل من الأنصار يحتمل أنه غير صحابي فيكون مرسلاً.
٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ المَرْأَةِ المَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالَوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلاَّ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ﵄، حِبُّ رَسُولِ الله ﷺ ، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ ﵁، فَقَالَ: "أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ الله تَعَالَى؟ "، ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ ترَكُوهُ, وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ اللهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ ابْنةَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا". أخرجه الخمسة (٢). [صحيح].
وفي رواية أبي داود (٣) والنسائي (٤) عن ابن عمر ﵄: أَنَّ امْرَأَةً مَخْزُومِيَّةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ المتَاعَ.
زاد النسائي (٥): عَلَى أَلْسِنَة جَارَاتِهَا وَتَجْحدُهُ فَأَمَرَ النبيُّ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا. [صحيح].
قوله: "في حديث عائشة المخزومية" قال النووي: اسمها فاطمة (٦) بنت الأسود بن عبد الأسد [٢٧٠ ب] المخزومية.
стр. 1779
قوله: "ومن يجتري عليه إلا أسامة حب رسول الله ﷺ ".
هو بكسر الحاء، أي: محبوبه ومعنى، يجترئ، يتجاسر عليه بطريق الإدلال، وفي هذه منقبة ظاهرة لأسامة، قاله النووي (١). [٢٢٢/ أ].
قوله: "أتشفع في حديث من حدود الله" قال النووي (٢): قد أجمع العلماء على تحريم الشفاعة في الحد بعد بلوغه إلى الإمام لهذه الأحاديث، وأنه يحرم التشفيع فيه، فأما قبل بلوغه إلى الإمام فقد أجاز الشفاعة فيه أكثر العلماء إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب شر وأذى للناس، فإن كان لم يشفع فيه, وأما المعاصي التي لا حد فيها، وإنما فيها التعزيز فتجوز الشفاعة فيها والتشفيع، سواء بلغت الإمام أم لا؛ لأنها أهون ثم الشفاعة فيها مستحبة.
قوله: "وايم الله لو أن فاطمة" فيه دليل بجواز (٣) الحلف من غير استحلاف وهو مستحب إذا كان فيه تفخيم لأمر مطلوب كما في الحديث، وقد كثرت نظائره في الحديث.
قوله: "وفي رواية أبي داود والنسائي ... الحديث".
قلت: وهو في "صحيح مسلم" (٤) بلفظ: "كان امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها"، هذا لفظه فلا وجه لتخصيص أبي داود والنسائي بذلك.
قال النووي (٥) في شرحه: قال العلماء أنها قطعت بالسرقة، وإنما ذكرت العارية تعريفاً لها ووصفاً لا أنها سبب القطع.
стр. 1780
وقد ذكر مسلم (١) هذا الحديث في سائر الطرق المصرحة بأنها سرقت وقطعت فيتعين (٢) حمل هذه الرواية على ذلك جمعاً بين الروايتين فإنها قضية واحدة [٢٧١ ب] مع أن جماعة من الأئمة قالوا: إن هذه الرواية شاذة فإنها مخالفة لجماهير الرواة والشاذ لا يعمل به.
قال جماهير (٣) العلماء وفقهاء الأمصار: لا يقطع من جحد العارية، وتأولوا هذا الحديث بما ذكرناه. انتهى.
وقد أطال الحافظ ابن حجر (٤) في الكلام على رواية: "أنها جحدت العارية فقطعت" وذكر أنه انفرد بها مسلم - أي: عن البخاري -.
فالعجب من ابن الأثير (٥) حيث لم ينسبها إلا إلى النسائي وأبي داود وتبعه المصنف، وقد استشكلت رواية القطع في الجحد بأنه لا حرز، وبأنه خيانة ولا قطع في خيانة, فأحسن الكلام كلام النووي (٦) في ترجيح رواية السرقة أو الجمع بين الروايتين بما ذكر.
٦ - وعن ابن عمرو بن العاص ﵄ قَالَ: سُئِلَ النبي ﷺ عَنِ الثَّمَر المُعَلَّقِ، فَقَالَ: مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِيْ حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلَا شَيْء عَلَيْهِ. أخرجه أصحاب السنن (٧)، وهذا لفظ الترمذي. [حسن].
стр. 1781
وزاد أبو داود (١) والنسائي (٢): "وَمَنْ خَرَجَ مِنْهُ بِشَيْءٍ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ، وَمَنْ سَرَقَ شَيْئًا مِنْهُ بَعْدَ أَنْ يُئْوِيَهُ الجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ المِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ، وَمَنْ سَرَقَ دُونَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ". [حسن].
وزاد النسائي (٣): "وَلَا قَطْعَ فِي حَرِيسَةِ الجَبَلِ، فَإِذَا ضَمَّهَا المُرَاحُ قُطَعَتْ فِي ثَمَنِ المِجَنِّ. [حسن].
"الخُبنَةُ" (٤) مَا يحمل في الحضن، وقيل: ما يؤخذ في خبنة الثوب، وهو ذيله.
"وَالحَريْسَةُ" (٥) السرقة.
"وَحَرِيسَةَ الجَبَلِ" (٦) أيضاً: الشاة التي يدركها الليل قبل أن تصل إلى مأواها.
"وَالمُرَاحُ" (٧) بضم الميم، الموضع الذي تأوي إليه الماشية ليلاً.
قوله: "في حديث ابن عمرو وسئل عن الثمر المعلق" هو الذي في شجره، قاله ابن الأثير (٨) وهذا لفظ الترمذي وقال (٩): حسن.
стр. 1782
وقوله: "خبنة" بضم الخاء المعجمة فموحدة ساكنة فنون فتاء تأنيث، يأتي تفسيرها، وفي رواية أبي داود: "فعليه غرامة مثله" في التيسير هكذا مثله.
وهي رواية في أبي داود (١)، وفي رواية: "مثليه" بالتثنية وهي لفظ "الجامع الكبير" فصحح عليها، وتكررت في "الجامع" (٢) في ثلاثة مواضع بالتثنية، فما كان للمصنف إفرادها، وهذه اللفظ هي من أدلة العقوبة بالمال.
قوله: "الجرين" (٣) بالجيم موضع الثمر الذي يجفف فيه مثل البيدر للحنطة.
قوله: [٢٧٢ ب] "حريسة الجبل" قال ابن الأثير (٤): منهم من يجعل الحريسة السرقة نفسها، فقال: حرس يحرس حرساً إذا سرق، ومنهم من يجعلها المحروسة, يعني: ليس فيما يحرس بالجبل إذا سرق قطع؛ لأنه ليس بموضع حرز، وحريسة الجبل أيضاً الشاة التي يدركها الليل قبل أن تصل إلى مأواها. انتهى.
وحريسة (٥) بالحاء المهملة فراء فمثناة تحتية فسين مهملة، والجبل بالجيم.
٧ - وعن جابر ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "لَا قَطْعَ فِي كَثَرٍ، وَلَا ثَمَر مُعَلّق، وَلَا حَرِيسَةِ جَبَلٍ، وَلَا عَلَى خِيَانَةٍ، وَلَا فِي انْتِهَابٍ وَلَا خَلِيْسَةٍ. أخرجه رزين.
"الْكَثَرُ" جمار النخل (٦).
стр. 1783
"وَالخَلِيسَةُ" (١) الشيء المختلس المسلوب المنهوب.
قوله: "أخرجه رزين".
قلت: بل [أخرج] (٢) الترمذي (٣) عن جابر: "ليس على خائن، ولا منتهب، ولا مختلس قطع".
قال الترمذي (٤): هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم. انتهى.
وروى الترمذي (٥) أيضاً حديث: "لا قطع في ثمر ولا كثر" فالعجب عدول المصنف إلى رواية رزين المجهولة مع وجود المخرجة!
стр. 1784
وابن الأثير (١) قد أتى بالروايتين رواية الترمذي ورواية رزين، فلو أتى المصنف برواية الترمذي لكان أولى كما لا يخفى [٢٢٣/ أ].
٨ - وَعَنْ جَابِرِ ﵁ قَالَ: جِيءَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ بِسَارِقٍ فَقَالَ: "اقْتُلُوهُ". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله! إِنَّمَا سَرَقَ. قَالَ: "اقْطَعُوهُ". فَقُطِعَ، ثُمَّ جِيءَ بهِ الثَّانِيَةَ فَقَالَ: "اقْتُلُوهُ". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله! إِنَّمَا سَرَقَ. فَقَالَ: "اقْطَعُوهُ". فَقُطِعَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: "اقْتُلُوهُ"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله! إِنَّمَا سَرَقَ، فَقَالَ: "اقْطَعُوهُ". ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الرَّابِعَةَ فَقَالَ "اقْتُلُوهُ". قَالُوا يَا رَسُولَ الله إِنَّمَا سَرَقَ. قَالَ "اقْطَعُوهُ". فَأُتِىَ بِهِ الخَامِسَةَ فَقَالَ: "اقْتُلُوهُ". قَالَ جَابِرٌ ﵁: فَانْطَلَقْنَا بِهِ فَقَتَلْنَاهُ, ثُمَّ اجْتَرَرْنَاهُ فَأَلْقَيْنَاهُ فِي بِئْرٍ، وَرَمَيْنَا عَلَيْهِ بِالحِجَارَةِ. أخرجه أبو داود (٢) والنسائي (٣). [ضعيف].
قوله: "في حديث جابر أخرجه أبو داود" وقال المنذري (٤): وأخرجه النسائي (٥) وقال: منكر، ومصعب بن ثابت ليس بالقوي في الحديث. انتهى.
ومصعب ضعّفه غير واحد، والحديث لا يثبت، والإجماع من الأمة على أنه لا يقتل. انتهى.
وقال الشيخ (٦): هذا الحديث في إسناده مقال.
стр. 1785
وقد عارضه الحديث الصحيح (١) الذي لا مقال [٢٧٣ ب] في سنده وهو أن النبي ﷺ قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان, أو زنا بعد إحصان, أو قتل نفس بغير حق". انتهى.
قلت: ويبعده ويزيد نكاره (٢): أن النبي ﷺ يقول: اقتلوه، فيقولون له: إنما سرق، كيف يأمر بقتله قبل أن يعلم ذنبه؟ وقد كان في الحدود بخصوصها يستثبت زيادة على كل شيء، بل ويلقن [بما] (٣) يسقطها، وهنا يأمر بقتله قبل علمه ماذا ذنبه! هذا من أمحل المحال.
٩ - وعن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "إذَا سَرَقَ الْعَبْدُ فَبِيْعُوهُ وَلَوْ بِنَشٍّ". أخرجه أبو داود (٤) والنسائي (٥). [ضعيف].
"النَّشُّ" (٦) النصف من كل شيء.
١٠ - وَعَنْ أَزْهَرُ بْنُ عَبْدِ الله الحَرَازِيُّ: أَنَّ قَوْمًا مِنَ الْكَلاَعِيِّينَ سُرِقَ لَهُمْ مَتاَعٌ فَاتَّهَمُوا أُنَاسًا مِنَ الحَاكَةِ, فَأَتَوُا بِهِمْ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ﵁، فَحَبَسَهُمْ أَيَّامًا, ثُمَّ خلَّى سَبِيلَهُمْ، فَأَتَوُا
стр. 1786
النُّعْمَانَ فَقَالُوا: خَلَّيْتَ سَبِيلَهُمْ بِغَيْرِ ضَرْبٍ وَلاَ امْتِحَانٍ، فَقَالَ لهمْ النُّعْمَانُ: مَا شِئْتُمْ، إِنْ شِئْتُمْ أَنْ ضَربْتُهُم فَإِنْ خَرَجَ مَتَاعُكُمْ فَذَاكَ، وَإِلاَّ أَخَذْتُ لهمْ مِنْ ظُهُورِكُمْ مِثْلَ مَا أَخَذْتُ مِنْ ظُهُورِهِمْ، فَقَالُوا هَذَا حُكْمُكَ؟ فَقَالَ هَذَا حُكْمُ الله، وَحُكْمُ رَسُولِهِ ﷺ . أخرجه أبو داود (١) والنسائي (٢). [ضعيف].
قوله: "وعن أزهر بن عبد الله الحرازي" بفتح الحاء المهملة فراء فألف فزاي نسبة إلى حراز، قال الذهبي في "الميزان" (٣): إنه ناصبي كان يسب علياً ﵇.
قلت: فلا تقبل روايته ولا كرامة، وكيف يقبل من سب عليا وبغضه، وقد صح "أن بغضه نفاق" (٤)، ولا تقبل لمنافق رواية.
стр. 1787
وثبت أن سباب المؤمن فسوق (١)، وكيف يسب رئيس المؤمنين؟
قوله: "أخرجه أبو داود والنسائي".
قلت: وكنت سئلت عن هذا الحديث هل هو حجة في ضرب المتهم؟ فأجبت بما حاصله: أن فيه عندهما أزهر، حاله ما عرفت وفيه بقية بن الوليد.
قال الذهبي في "الميزان" (٢): ولأئمة الحديث كلام كثير في بقية بن الوليد، قال فيه أبو حاتم (٣): لا يحتج به، وقال فيه علي بن مسهر: أحاديث بقية ليست نقية، فكن منها على تقية. انتهى. ولأئمة الحديث كلام كثير في بقية ما بين جرح وتعديل.
وأما النعمان بن بشير فهو وإن كان صحابياً صغيراً [٢٧٤ ب] فلهم فيه كلام.
قال الإمام العلامة الكبير محمد بن إبراهيم الوزير في كتابه "قبول البشرى" (٤) ما لفظه: النعمان بن بشير كان من المستمرين على حرب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇، وولده - يريد الحسين - مع معاوية ويزيد، ولم يزل مع معاوية ثم مع يزيد، وتولى حمص ليزيد ثم كان زبيرياً.
стр. 1788
والقول بخلافة يزيد من أبعد البعيد (١) بعد قتله الحسين وقتله خيار أصحاب رَسُولَ اللهِ ﷺ وخيار التابعين -[يعني] (٢) يوم الحرة - واستباحة حرم رَسُولَ الله ﷺ ، وإدخاله (٣) الخيل والدواب تبول فيه، مع إدمانه السكر والفجور وإعلانه بذلك، وطلب البيعة من الناس على أنهم عبيد له مع أنه مختلف في صحبته لرسول الله ﷺ . انتهى كلامه.
وقوله (٤): "في صحبته" أي: صحبة (٥) النعمان وذلك؛ لأنه كان صغيراً في عهده ﷺ .
стр. 1789
وكثير من الأئمة يشترط في صحة الصحبة طول المجالسة (١)، ومن اشترط هذا لا يعد صحابياً مع أن في قوله: "هذا حكم الله وحكم رسوله ﷺ "، يحتمل أنه اجتهاد منه، أي: الحكم الذي ذكره من ضرب المتهم - اسم مفعول - فإن لم يصح عنده ما اتهم به ضرب المتهم - اسم فاعل - فإن هذا ما وقع منه ﷺ في شيء من أحكامه ولا فتاويه قط.
ثم يقال: إن كان ضربه على حق لتعلق التهمة به فلم [ضربنا] (٢) المتهم فإنه لا ذنب له ولا قصاص عليه, فهذا يدلك أنه اجتهاد من النعمان، وكأنه يريد أنه حكم الله ورسوله؛ لأنه قد أذن الله في الاجتهاد إلا أنه يستلزم نسبة كل اجتهاد إلى الله ورسوله، وعلى ذهني أن الإمامية تقول بهذا.
стр. 1790
وقال أبو داود (١): إنما أرهبهم بهذا القول؛ لأنه لا يجب الضرب إلا بعد الاعتراف. انتهى.
واعلم أن السيد محمد بن إبراهيم قائل بقبول رواية فساق (٢) التأويل مقرر له في جميع مؤلفاته، ونقل الإجماع [٢٧٥ ب] عليه من عشر طرق.
لكنه هنا لما ذكر عن النعمان ما ذكر رآه ليس أهلاً لقبول روايته لتساهله في الدين ونصرته الظالمين على المتقين.
وقد ذكر في "العواصم" (٣) و"تنقيح الأنظار" (٤) أن قولهم: الصحابة كلهم عدول (٥)، يريدون أن الغلبة هي الأصل فيهم وقد يخرج عنها من عرفت بدعته وتساهله كالوليد بن عقبة وغيره.
١١ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ: "كَيْفَ أنتَ إِذَا أَصَابَ النَّاسَ مَوْتٌ، يَكُونُ الْبَيْتُ فِيهِ بِالْوَصِيفِ" - يَعْنِى الْقَبْرَ - قُلْتُ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، أَوْ مَا خَارَ