← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14309

التحبير لإيضاح معاني التيسير

الصنعاني

Полный текст (5 029 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

النُّعْمَانَ فَقَالُوا: خَلَّيْتَ سَبِيلَهُمْ بِغَيْرِ ضَرْبٍ وَلاَ امْتِحَانٍ، فَقَالَ لهمْ النُّعْمَانُ: مَا شِئْتُمْ، إِنْ شِئْتُمْ أَنْ ضَربْتُهُم فَإِنْ خَرَجَ مَتَاعُكُمْ فَذَاكَ، وَإِلاَّ أَخَذْتُ لهمْ مِنْ ظُهُورِكُمْ مِثْلَ مَا أَخَذْتُ مِنْ ظُهُورِهِمْ، فَقَالُوا هَذَا حُكْمُكَ؟ فَقَالَ هَذَا حُكْمُ الله، وَحُكْمُ رَسُولِهِ ﷺ . أخرجه أبو داود (١) والنسائي (٢). [ضعيف]. قوله: "وعن أزهر بن عبد الله الحرازي" بفتح الحاء المهملة فراء فألف فزاي نسبة إلى حراز، قال الذهبي في "الميزان" (٣): إنه ناصبي كان يسب علياً ﵇. قلت: فلا تقبل روايته ولا كرامة، وكيف يقبل من سب عليا وبغضه، وقد صح "أن بغضه نفاق" (٤)، ولا تقبل لمنافق رواية.

стр. 1787

وثبت أن سباب المؤمن فسوق (١)، وكيف يسب رئيس المؤمنين؟ قوله: "أخرجه أبو داود والنسائي". قلت: وكنت سئلت عن هذا الحديث هل هو حجة في ضرب المتهم؟ فأجبت بما حاصله: أن فيه عندهما أزهر، حاله ما عرفت وفيه بقية بن الوليد. قال الذهبي في "الميزان" (٢): ولأئمة الحديث كلام كثير في بقية بن الوليد، قال فيه أبو حاتم (٣): لا يحتج به، وقال فيه علي بن مسهر: أحاديث بقية ليست نقية، فكن منها على تقية. انتهى. ولأئمة الحديث كلام كثير في بقية ما بين جرح وتعديل. وأما النعمان بن بشير فهو وإن كان صحابياً صغيراً [٢٧٤ ب] فلهم فيه كلام. قال الإمام العلامة الكبير محمد بن إبراهيم الوزير في كتابه "قبول البشرى" (٤) ما لفظه: النعمان بن بشير كان من المستمرين على حرب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇، وولده - يريد الحسين - مع معاوية ويزيد، ولم يزل مع معاوية ثم مع يزيد، وتولى حمص ليزيد ثم كان زبيرياً.

стр. 1788

والقول بخلافة يزيد من أبعد البعيد (١) بعد قتله الحسين وقتله خيار أصحاب رَسُولَ اللهِ ﷺ وخيار التابعين -[يعني] (٢) يوم الحرة - واستباحة حرم رَسُولَ الله ﷺ ، وإدخاله (٣) الخيل والدواب تبول فيه، مع إدمانه السكر والفجور وإعلانه بذلك، وطلب البيعة من الناس على أنهم عبيد له مع أنه مختلف في صحبته لرسول الله ﷺ . انتهى كلامه. وقوله (٤): "في صحبته" أي: صحبة (٥) النعمان وذلك؛ لأنه كان صغيراً في عهده ﷺ .

стр. 1789

وكثير من الأئمة يشترط في صحة الصحبة طول المجالسة (١)، ومن اشترط هذا لا يعد صحابياً مع أن في قوله: "هذا حكم الله وحكم رسوله ﷺ "، يحتمل أنه اجتهاد منه، أي: الحكم الذي ذكره من ضرب المتهم - اسم مفعول - فإن لم يصح عنده ما اتهم به ضرب المتهم - اسم فاعل - فإن هذا ما وقع منه ﷺ في شيء من أحكامه ولا فتاويه قط. ثم يقال: إن كان ضربه على حق لتعلق التهمة به فلم [ضربنا] (٢) المتهم فإنه لا ذنب له ولا قصاص عليه, فهذا يدلك أنه اجتهاد من النعمان، وكأنه يريد أنه حكم الله ورسوله؛ لأنه قد أذن الله في الاجتهاد إلا أنه يستلزم نسبة كل اجتهاد إلى الله ورسوله، وعلى ذهني أن الإمامية تقول بهذا.

стр. 1790

وقال أبو داود (١): إنما أرهبهم بهذا القول؛ لأنه لا يجب الضرب إلا بعد الاعتراف. انتهى. واعلم أن السيد محمد بن إبراهيم قائل بقبول رواية فساق (٢) التأويل مقرر له في جميع مؤلفاته، ونقل الإجماع [٢٧٥ ب] عليه من عشر طرق. لكنه هنا لما ذكر عن النعمان ما ذكر رآه ليس أهلاً لقبول روايته لتساهله في الدين ونصرته الظالمين على المتقين. وقد ذكر في "العواصم" (٣) و"تنقيح الأنظار" (٤) أن قولهم: الصحابة كلهم عدول (٥)، يريدون أن الغلبة هي الأصل فيهم وقد يخرج عنها من عرفت بدعته وتساهله كالوليد بن عقبة وغيره. ١١ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ: "كَيْفَ أنتَ إِذَا أَصَابَ النَّاسَ مَوْتٌ، يَكُونُ الْبَيْتُ فِيهِ بِالْوَصِيفِ" - يَعْنِى الْقَبْرَ - قُلْتُ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، أَوْ مَا خَارَ

стр. 1791

الله لِي وَرَسُولُهُ؟ قَالَ: "عَلَيْكَ بِالصَّبْرِ"، أَوْ قَالَ: "تَصْبِرُ"، قَالَ حَمَّادُ: فَبِهَذَا أَخَذَ مَنْ ذَهَبَ إلَى قَطْعِ النَّبَّاشِ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى المَيَّتِ بَيْتَهُ. أخرجه أبو داود (١). [صحيح]. "الْبَيْتُ" القبر، والمراد أن الموت يكثر حتى يباع موضع قبر بعبد (٢). قوله: "في حديث أبي ذر يكون البيت فيه بالوصيف" فسر البيت بالقبر وكأنه مدرج من أحد الرواة، زاد في أبي داود بعد قوله: "الله ورسوله أعلم، قال: أو ما خار اللهِ لي ورسوله". انتهى. والمراد أن الفضاء من الأرض يضيق عن القبور، ويشتغل الناس بأنفسهم عن الحفر حتى يبلغ قيمة القبر قيمة العبد. وأبو داود ترجم له: باب (٣) الحجة في قطع النباش وذلك أنه ﷺ سمى (٤) القبر بيتا والبيت حرز. والسارق من الحرز يقطع إذا بلغت [سرقته] (٥) نصاب ما يقطع فيه. ١٢ - وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : "لَا يَغْرَّمُ صَاحِبُ سَرِقَةٍ إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ" (٦). [ضعيف].

стр. 1792

قوله: "في حديث عبد الرحمن بن عوف لا يغرم صاحب سرقة إذا أقيم عليه الحد". قال ابن عبد البر (١): لا تقوم به حجة، وقال ابن العربي (٢): باطل، ووجهه أنه لا يملك السارق ما سرقه بقطع يده، قالوا: وهذا في العين التالفة، وأما العين الباقية فهي باقية على ملك المسروق فيقبضها بعينها، والمسألة مبسوطة في محلّها وبسطناها في حواشي "ضوء النهار" (٣) بحمد الله. [٢٢٤/ أ] [٢٧٦ ب]. ١٣ - وَعَنْ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرِ ﵁ أَنَّ النّبيّ ﷺ قَضَى أَنَّهُ إِذَا وَجَدَهَا - يَعْنِي السَّرْقَة - فِي يَدِ الرَّجُلِ غَيْرِ المُتَّهَمِ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ بِمَا اشْتَرَاهَا، وَإِنْ شَاءَ اتَّبَعَ سَارِقَهُ، وَقَضَى بِذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ

стр. 1793

وَعُمَرُ ﵄ (١). أخرجهما النسائي. [صحيح الإسناد ولكن] الصواب: أسيد بن ظهير، قاله الألباني. ١٤ - وَعَنْ جُنَادة بن أمية عن بسر بن أرطأة ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "لَا تُقْطَعُ الْأَيْدِي فِي السَّفَرِ". أخرجه أصحاب "السنن" (٢)، [صحيح]. وعند الترمذي: في الْغَزْوِ قوله: "وعن بسر بن أرطأة" (٣) بضم الباء وسين مهملة ساكنة، وبسر في صحبته اختلاف، وكان ابن معين لا يحسن الثناء عليه، وغمزه الدارقطني، قاله المنذري (٤). ولأهل الحديث فيه كلام كثير وله أمور موحشة دالة على التساهل في الدين، ليس بأهل أن يروى عنه.

стр. 1794

والحديث له سبب ذكره أبو داود (١) قال: كنا مع بسر بن أرطأة في البحر فأتي بسارق يقال له: مصدر قد سرق بختية, فقال: سمعت رَسُولَ اللهِ ﷺ ... الحديث". قال الشيخ (٢): يشبه أن يكون سرق البختية في البر، ورفعوه إليه في البحر فقال عند ذلك هذا القول، وهذا الحديث إن ثبت فيشبه أنه إنما أسقط عنه الحد؛ لأنه لم يكن إماماً إنما كان أميراً وصاحب جيش، وأمير الجيوش لا يقيم الحدود في أرض الحرب على مذاهب بعض الفقهاء. انتهى كلامه. قلت: ولا يخفى أن قول لقطعته لا يناسب هذا الاعتذار بل صريح كلامه أنه ترك ذلك للحديث الذي سمعه. قوله: "وعند الترمذي في الغزو". قلت: وترجم (٣) له: باب لا تقطع الأيدي في الغزو، ومثله ترجم له أبو داود (٤)، ولكن الترمذي قال بعد روايته: هذا حديث غريب. وقد رواه غير ابن لهيعة بهذا الإسناد [(٥)] نحو هذا، ويقال: بسر بن أبي أرطأة أيضاً. والعمل على هذا عند بعض أهل العلم منهم الأوزاعي (٦) لا يرون أن تقام الحدود في الغزو بحضرة العدو مخافة أن يلحق من يقام عليه الحد بالعدو، فإذا خرج الإمام من دار أرض العدو إلى دار الإسلام أقام الحد على من أصابه. انتهى.

стр. 1795

قلت: والأوزاعي رأى المصلحة في تأخير إقامة الحد لا أنه عمل بحديث بسر ثم إنه عمم الأوزاعي الحدود كلها، وحديث بسر في القطع. واعلم أنه قد تكلم [٢٧٧ ب] العلماء في بسر؛ فقال الذهبي في "الميزان" (١): بسر بن أبي أرطأة يقال له صحبة وقيل لا، وقال الواقدي: قبض النبي ﷺ وبسر صغير لم يسمع منه، وقال ابن معين (٢): كان رجل سوء، أهل المدينة ينكرون أن يكون له صحبة. انتهى. وقال ابن عبد البر في "الاستيعاب" (٣): يقال أنه لم يسمع من النبي ﷺ ، هذا قول الواقدي وابن معين وأحمد وغيرهم، وقالوا: خرف في آخر عمره, وكان ابن معين يقول: لا تصح له صحبة، وكان يقول فيه: رجل سوء. قال أبو عمر - يعني ابن عبد البر (٤) - قال: ذلك - أي ابن معين - لأمور عظائم ركبها في الإسلام فيما نقله أهل الأخبار وأهل الحديث أيضاً، ذبحه ابني عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، وهما صغيران بين يدي أمهما، وكان معاوية قد استعمله على اليمن أيام صفين، وكان عليها عبيد الله بن العباس لعلي ﵁، فهرب عبيد الله حين أحس ببسر بن أرطأة، ونزلها بسر فقضى فيها هذه القضية الشنعاء.

стр. 1796

قال أبو الحسن الدارقطني (١): بسر بن أرطأة أبو عبد الرحمن كانت له صحبة، ولم يكن له استقامة بعد النبي ﷺ ، وهو الذي قتل طفلين لعبيد الله بن العباس ابن عبد المطلب باليمن، وهما: عبد الرحمن وقثم، ابنا عبيد الله بن العباس. وذكر ابن عبد البر (٢): أنه قدم بسر المدينة وفيها أبو أيوب الأنصاري صاحب رَسُولَ الله ﷺ عامل لعلي ﵁، فلحق بعلي ﵁ ودخل بسر المدينة وصعد منبرها وقال: أين شيخي [٢٧٨ ب] الذي عهدته هنا بالأمس - يعني عثمان -، ثم قال: يا أهل المدينة! والله لولا ما عهد [إليه] (٣) معاوية ما تركت فيها محتلماً إلا قتلته. وأطال ابن عبد البر (٤) في مساويه ومخازيه, فليس أهلاً لأن يروي عنه، وذكر أن له حديثين عنه ﷺ أحدهما هذا الذي كلامنا فيه، وحديث (٥): "اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة". ١٥ - وَعَنِ الشَّعْبِيِّ ﵁: أَنَّ رَجُلَيْنِ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ فَقَطَعَهُ عَلِيٌّ ﵁، ثُمَّ ذَهَبَا وَجَاءَا بِآخَرَ وَقَالاَ: أَخْطَأْنَا فِي الْأَوَّلِ، فَأَبْطَلَ عَلِيُّ ﵁ شَهَادَتَهُمَا، وَغَرَّمْهُمَا دِيَةَ الْأَوَّلِ وَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا لَقَطَعْتُكُمَا. أخرجه البخاري (٦) ترجمة.

стр. 1797

قوله: "عن الشعبي" إلى آخره. [٢٢٥/ أ]. [................................] (١). الباب السادس: في حد الخمر عقد البخاري في "صحيحه" (٢) باباً في أن الخمر كل ما خامر العقل من الشراب، ثم ذكر (٣) قول عمر "والخمر ما خامر العقل". قال الحافظ ابن حجر (٤): أي غطاه أو خالطه ولم يتركه على حاله وهو من مجاز التشبيه، والعقل هو آلة التمييز, فلذلك حرم ما غطاه أو غيره؛ لأن بذلك يزول الإدراك الذي طلبه الله من العباد ليقوموا بحقوقه. انتهى. ١ - عَن أَنَسٍ ﵁ قَالَ: ضَرَبَ النَّبيُّ ﷺ فِي الخَمْرِ بِالجَرِيْدِ وَالنَّعَالِ وَجَلَدَ أَبُوْ بَكْرٍ ﵁ أَرْبَعِينَ. أخرجه الخمسة (٥) إلا النسائي. [صحيح]. وفي رواية للترمذي (٦): أُتِيَ رسولَ اللهِ ﷺ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الخَمْرَ فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ, وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلمَّا كَانَ عُمَرُ ﵁ اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ:

стр. 1798

أَخَفُّ الحُدُودِ ثَمَانُونَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ ﵁. [صحيح]. قوله: "في حديث أنس أن رسول الله ﷺ جلد في الخمر" قال النووي (١): قد أجمع المسلمون على تحريم الخمر، وأجمعوا على وجوب الحد على شاربها سواء شرب قليلاً أم كثيراً، وأجمعوا على أنه لا يقتل شاربها وإن تكرر ذلك منه [٢٧٩ ب]. هكذا حكى الإجماع فيه الترمذي وخلائق. قوله: "بالجريد" هي من أعواد النخل والنعال المعروف بوّب له البخاري (٢): باب الضرب بالجريد والنعال. قال الحافظ ابن حجر (٣): أشار بذلك إلى أنه لا يشترط الجلد، وقد اختلف فى ذلك على ثلاثة أقوال، وهي أوجه عند الشافعية (٤): أصّحها يجوز الجلد بالسوط، ويجوز الاقتصار على الضرب بالأيدي والنعال والثياب. ثانيها: يتعين الجلد. ثالثها: يتعين الضرب: وحجة الراجح أنه فعل في عهده ﷺ ولم يثبت نسخه، والجلد في عهد الصحابة، فدلَّ على جوازه، ولم يعين في هذا الجلد النبوي، عدداً إلا أنه يأتي قريباً تعيين ذلك بأنه أربعون. وأما قوله "بالجريد والنعال" فقال النووي (٥) أيضاً: إنه أجمع العلماء على حصول حد الخمر بالجريد والنعال، وأطراف الثياب، واختلفوا في جوازه بالسوط وهما وجهان لأصحابنا

стр. 1799

الأصح الجواز، وشذ بعض أصحابنا فشرط فيه السوط وقال: لا يجوز بالثياب والنعال، وهذا غلط فاحش مردود على قائله لمنابذته لصريح هذه الأحاديث. انتهى. قوله: "في رواية الترمذي فجلده بجريدة" هكذا بالإفراد هنا، وفي "الجامع" (١) والذي في الترمذي "بجريدتين" بلفظ التثنية. قال النووي (٢): في رواية مثل هذه اختلفوا في معناه فأصحابنا يقولون معناه: كانت الجريدتان مفردتين جلد بكل واحد منهما عدداً حتى كمل من الجميع أربعون. وقال آخرون: ممن يرى أن جلد الخمر ثمانون، معناه: أنه جمعهما وجلده بهما أربعين جلدة فيكون المبلغ ثمانين، وتأويل أصحابنا أظهر؛ لأن الرواية الأخرى مبينة [٢٨٠ ب] لهذه، وأيضاً حديث (٣) علي ﵁ مبين لها. انتهى. قلت: بل آخر حديث (٤) الترمذي وهو صريح أنه ليس في عصره ﷺ إلا الأربعون، ويدل له قوله "فلما كان عمر - أي [خلافته] (٥) أو في خلافته - استشار الناس. قوله: "استشار الناس" فيه دليل على أنه ﷺ لم يعين (٦) في الخمر حداً معيناً، بل كان يقتصر في ضرب الشارب على ما يليق به، فلما كثر الشرب في زمن عمر استشار الصحابة، ولو كان عندهم عن النبي ﷺ شيء محدود لما تجاوزوه كما لم يتجاوزوا حدّ القذف، ولو كثر القاذفون أو بالغوا في الفحش.

стр. 1800

فاقتضى رأيهم أن يجعلوه كحدّ القذف، وقد أجيب بأنهم لم يتجاوزوا الأربعين التي وردت عند النبي ﷺ من طرق كثيرة، ولكنهم زادوا عليها تعزيزاً لا حداً. قوله: "أخف الحدود" بنصب أخف، أي [اجلده أخف الحدود] (١) وقوله "ثمانون" خبر مبتدأ محذوف، أي: هو وذلك حد القذف، كما في نص القرآن، وكأنه يريد عبد الرحمن إلحاق حد الخمر بحد القذف، ولا أدري بأي جامع ذلك؟ ثم إنه قياس في الحدود وفيه خلاف كثير، قال النووي في "شرح مسلم" (٢): هكذا في مسلم (٣)، وغيره أن عبد الرحمن هو الذي أشار بهذا. وفي "الموطأ" وغيره: أنه علي بن أبي طالب ﵁ وكلاهما (٤) صحيح وأشارا جميعاً. ولعل عبد الرحمن هو الذي بدر بهذا القول فوافقه علي وغيره فنسب ذلك في رواية إلى عبد الرحمن لسبقه، ونسب في رواية إلى علي لفضيلته وكثرة علمه ورجاحته على عبد الرحمن ﵃ أجمعين.

стр. 1801

٢ - وَعَنْ ثَوْرِ بْنِ [زَيْدٍ] (١) الدِّيلِىِّ: أَنَّ عُمَرَ ﵁ اسْتَشَارَ فِي حَدِّ الخَمْرِ، فَقَالَ لَهُ عَليُّ: أَرَى أَنْ تَجْلِدَهُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً، فَإِنَّهُ إِذَا شَرِبَ سَكِرَ، وَإِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى. فَجَلَدَ عُمَرُ ﵁ فِي حَدِّ الخَمْرِ. أخرجه مالك (٢). [موقوف ضعيف]. قوله: "في حديث ثور بن يزيد فإنه إذا شرب سكر [٢٢٦/ أ] وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى". تمامه في "الاستذكار" (٣) "وعلى المفتري ثمانون جلدة"، كأنه قياس افترى في تقدير: إذا سكر افترى، والافتراء هو الكذب، وهو يجري في كل خبر فيصير من افترائه: أن زيداً سرق أو قتل أو نهب المال أو قذف المحصنات، فما وجه قصر الافتراء [٢٨١ ب]. على القذف بخصوصه حتى يلحق به في حده, ثم هذا أمر فرضي أنه إذا سكر افترى، فإنه قد يسكر ولا يفتري، فكيف يجعل حد الفرية محققاً بأمر مفروض، ثم إنه إذا افترى الفرية الخاصة بالقذف

стр. 1802

فهذا حدُّ القذف، فأين حد السكر؟ ثم إنه إذا افترى وهو سكران فإنه لا حكم لفريته ولا يحدَّ لها. وبالجملة هذا الأثر (١) لا يسفر وجه الاستدلال به. قوله: "أخرجه مالك" قلت: قال أبو عمر بن عبد البر في "الاستذكار" (٢): هذا حديث منقطع من رواية مالك، وقد روي متصلاً في حديث ابن عباس، ذكره الطحاوي (٣) في كتاب "أحكام القرآن"، وساقه بطوله. ٣ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَزْهَرِ ﵁ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بشَارِبٍ خَمرٍ وَهُوَ بِحُنَيْنٍ فَحَثَى فِي وَجْهِهِ التُّرَابَ، ثُمَّ أَمَرَ أَصْحَابَهُ فَضَربُوهُ بِنِعَالهِمْ، وَمَا كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ حَتَّى قَالَ لهمُ: "ارْفَعُوا"، ثُمَّ جَلَدَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ أَرْبَعِينَ، ثُمَّ جَلَدَ عُمَرُ ﵁ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتهِ أَرْبَعِينَ، ثُمَّ جَلَدَ ثَمَانِينَ فِي آخِرِ خِلاَفَتِهِ، وَجَلَدَ عُثْمَانُ ﵁ الحَدَّيْنِ كِلَيْهِمَا ثَمَانِينَ وَأَرْبَعِينَ، ثُمَّ أَثْبَتَ مُعَاوِيَةُ الحَدَّ ثَمَانِينَ. أخرجه أبو داود (٤). [حسن]. قوله: "في حديث عبد الرحمن بن أزهر أخرجه أبو داود". قلت: قال المنذري (٥): فيه انقطاع.

стр. 1803

٤ - وعن علي ﵁ قَالَ: جَلَدَ رَسُولَ ﷺ أَرْبَعِيْنَ، وَأَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِيْنَ، وَعُمَرَ ثَمَانِيْنَ، وَكُلٌّ سُنَّة. أخرجه مسلم (١) وأبو داود (٢). [صحيح]. قوله: "في حديث علي ﵇ وكل سنة". قال النووي (٣): فيه دليل أن علياً ﵁ كان معظماً لآثار عمر ﵁، وأن حكمه وقوله سنة وأمره حق، وكذلك أبو بكر ﵁ خلاف ما تكذبه الشيعة. انتهى. وفي "فتح الباري" (٤): وأما قول علي ﵁ "وكل سنة" فمعناه أن الاقتصار على الأربعين سنة النبي ﷺ ، فصار إليها أبو بكر، والوصول إلى الثمانين سنة عمر ﵁، ردّاً للشاربين الذين احتقروا العقوبة الأولى. انتهى. واعلم أنه قال علي ﵁ بذلك حين جلد الوليد بن عقبة كما في رواية حصين ابن المنذر وهو أبو ساسان قال: "شهدت عثمان [٢٨٢ ب] بن عفان ﵁ أتى بالوليد قد صلى الصبح ركعتين ثم قال: أزيدكم، فشهد عليه رجلان أحدهما حمران أنه شرب الخمر وشهد [آخر] (٥) أنه رآه يتقيأ فقال عثمان: إنه لم يتقيأ حتى شربها فقال: يا علي! قم فاجلد, فقال علي: قم يا حسن فاجلده, فقال الحسن: ولِّ حارها من (٦) تولى قارَّها، فكأنه وجد عليه, فقال: يا

стр. 1804

عبد الله بن جعفر! قم فاجلده, فجلده وعلي يعد حتى بلغ أربعين، ثم قال: أمسك، جلد النبي ﷺ ... الحديث". أخرجه (١) من ذكر المصنف. ٥ - وعن ابن عمر ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ إِلَى الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ". أخرجه أبو داود (٢) [بإسناد ضعيف]، والنسائي (٣). [صحيح]. وفي أخرى لأبي داود (٤) عن قبيصة بن ذؤيب ﵁: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أَتِيَ بِرَجُلٍ شَرِبَ الخَمْرَ فَجَلَدَ, ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ, ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ, ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ, وَرَفَعَ الْقَتْلَ، وَكَانَتْ رُخْصَةً. [ضعيف مرسل]. قوله: "في حديث ابن عمر فاقتلوه" اتفقوا على نسخ [العمل] (٥) بالحديث الذي بعده وهو قوله "فرفع القتل وكان رخصة".

стр. 1805

قال الترمذي (١): والعمل على هذا عند عامة أهل العلم، لا نعلم بينهم اختلاف في ذلك في القديم والحديث، ومما يقوي هذا ما روي عن النبي ﷺ من أوجه كثيرة أنه قال: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: "النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه" (٢). انتهى بلفظه. وفي "فتح الباري" (٣): وقد استقر الإجماع على ثبوت [الحد] (٤) وأن لا قتل فيه، إلا أنه نقل عن بعض أهل الظاهر (٥) القول [بعدم الأمر [بالقتل] (٦) وأنه يقتل في الرابعة] (٧). قال (٨): واستمر عليه ابن حزم واحتج له وادعى أنه لا إجماع. وقال ابن عبد البر (٩): تأييد النسخ أنه أتي إليه ﷺ بالرجل الذي يسمى عبد الله، ويلقب حماراً، وكان يُضحك النبي ﷺ أكثر من خمسين مرة - يريد وهو سكران - ولم يزد ﷺ على جلده ويأتي حديثاً قريباً.

стр. 1806

٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمْ يَقِتْ فِي الخَمْرِ حَدًّا، وَأَنَّ رَجُلَاً شَرِبَ فَسَكِرَ فَلُقِيَ يَمِيلُ بها الْفَجِّ، فَأُتي بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَلمَّا حَاذَى بِدَارِ الْعَبَّاسِ ﵁ انْفَلَتَ، فَدَخَلَ عَلَى الْعَبَّاسِ فَالْتَزَمَهُ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَضَحِكَ وَقَالَ: "أَفعَلَهَا"، وَلَمْ يَأْمُرْ فِيهِ بِشَيْءٍ. أخرجه أبو داود (١). [إسناده ضعيف]. ومعنى "لَم يُقِتْ" بضم أوله وكسر ثانيه, لم يقدر ولم يحده بعدد مخصوص. قوله: "في حديث ابن عباس ولم يأمر فيه بشيء" قال الخطابي (٢): يحتمل أن يكون [إنما لم] (٣) يتعرض له بعد دخول دار العباس من أجل أنَّه لم يكن ثبت عليه [٢٨٣ ب] الحدّ بإقراره أو شهادة عدول، وإنما لقي بها [الطريق] (٤) يميل فظن به السكر فلم يكشف ﷺ عنه ذلك وتركه. ٧ - وَعَنْ عُمَيْرَ بْنَ سَعِيدٍ النَّخَعِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا ﵁ يَقُولُ: مَا كُنْتُ لأُقِيمَ عَلَى أَحَدٍ حَدًّا فَيَمُوتَ، فَأَجِدَ فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْئَاً إِلاَّ صَاحِبَ الخَمْرِ، فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ وَدَيْتُهُ، فَإِنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمْ يَسُنَّهُ. أخرجه الشيخان (٥). [صحيح]. وأبو داود (٦)، وقال: لَمْ يُسَنَّ فِيْهِ شَيْئَاً إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ قُلْنَاهُ نَحْنُ. [صحيح].

стр. 1807

قوله: "وعن عمير بن سعد" بالتصغير (١) في الأول، وبإثبات الياء في الثاني، وحذف الياء فيهما غلط وتصحيف. قوله: "في حديث علي فإنه لو مات وديته" أي: أعطيت ديته لمن يستحقها، وقد وقع الاتفاق (٢) على أن من مات في الحد لا ضمان على قاتله إلا في حد الخمر، فخالف فيه علي ﵁، وقال الشافعي (٣): إن ضرب بغير السوط فلا ضمان، وإن ضرب بالسوط ضمن، والدية في ذلك على عاقلة الإمام، وذلك لو مات فيما زاد على الأربعين قالوا: وقد أجمع العلماء (٤) على من حده الإمام أو نائبه الحد الشرعي فمات، فإنه لا دية فيه ولا كفارة، لا على الإمام ولا جلاده، ولا بيت المال، وأما من مات بالتعزير فمذهب الشافعية ضمانه بالدية والكفارة، فالدية على عاقلة الإمام والكفارة في مال الإمام. وقال جماهير العلماء (٥): لا ضمان فيه على الإمام ولا عاقلته ولا بيت المال. قوله: "لم يَسُنَّهْ" أي: لم يسن فيه عدداً معيناً، واعلم أنه قد تعارض النقل عن علي ﵁ في هذا، فهنا قال في هذه الرواية: "أنه ﷺ لم يَسُنَّ حد الشرب [٢٢٧/ أ] ". وتقدم عنه قريباً رواية أنه قال: "جلد رَسُولَ الله ﷺ أربعين" ... الحديث. قال [٢٨٤ ب] الحافظ ابن حجر (٦): والجمع بين حديث علي ﵁ المصرح أن النبي ﷺ جلد أربعين، وأنه سنة وبين قوله في هذا الحديث "أنه لم يسنه" يحمل النفي على أنه لم يحد

стр. 1808

الثمانين، أي لم يسن شيئاً زائداً على الأربعين، ويؤيده قوله: وإنما هو شيء صنعناه نحن، يشير إلى رأيه على عمر، فعلى هذا فقوله "لو مات لوديته" أي: في الأربعين يزيده, وبذلك جزم البيهقي (١) وابن حزم (٢). ويحتمل أن [يكون] (٣) قوله "لم يسنه" الضمير للصفة، وكونها تسقط الجلد، أي: لم يسن الجلد بالسوط، وإنما كان يضرب فيه بالنعال وغيرها، كما تقدم ذكره, أشار إليه البيهقي، وقال ابن حزم (٤): لو جاء عن غير علي ﵇ من الصحابة في حكم واحد أنه مسنون وأنه غير مسنون لوجب حمل أحدهما على عين ما حمل عليه الآخر فضلاً عن علي ﵇ مع سعة علمه وقوة فهمه، وإذا تعارض خبر عمير بن سعيد وخبر أبي ساسان، فخبر أبي ساسان أولى بالقبول؛ لأنه مصرح فيه برفع الحديث عن علي، وخبر عمير موقوف على علي ﵇، وإذا تعارض المرفوع والموقوف قدم المرفوع. انتهى. ٨ - وعن ابن شهاب ﵁: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ حَدِّ الْعَبْدِ فِي الخَمْرِ، فَقِيْلَ: بَلَغَنِي أَنَّ عَلَيْهِ نِصْفَ حَدِّ الحُرِّ. أخرجه مالك (٥). [موقوف ضعيف]. قوله: "في رواية ابن شهاب بلغني أن عليه نصف حد الحر" لم يذكر عمن بلغه, فهو منقطع، ومن بلغه عنه مجهول، ولم يأت بسنة صريحة في ذلك، وتنصيف الحد إنما ورد في الأمة إذا أحصنت فأتت بفاحشة, وأقاس العلماء العبد عليها، وأمّا حد الخمر فلم يأت فيه إلا

стр. 1809

عموم حديث علي ﵇ -عند أبي داود (١) مرفوعاً بلفظ: "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم" وهو عند مسلم (٢) موقوف، فعموم الحدود تقضي بإقامة المالك الحد على مملوكه من ذكر وأنثى حد سرقة أو زنا. وقد ثبت عن ابن عمر (٣) "أنه قطع عبداً له سرق، وجلد عبداً له زنى" وثبت عن عائشة (٤) [٢٨٥ ب]: "قطعت يد عبد سرق"، وعن فاطمة (٥) ﵂: "أنها جلدت أمة كانت لها زنت". ٩ - وعن ابن المسيب قال: غَرَّبَ عُمَرَ ﵁ رَبِيعَةَ بْنَ أُمَيَّةَ فِي الخَمْرِ إِلَى خَيْبَرَ، فَلَحِقَ بِهِرَقْلَ فتنَصَّرَ، فَقَالَ عُمَرَ: لَا أُغَرِّبُ بَعْدَهُ مُسْلِمَاً. أخرجه النسائي (٦). [ضعيف].

стр. 1810

قوله: "في حديث ابن المسيب ربيعة بن أمية" قال ابن الأثير (١): هو ربيعة بن أمية بن خلف الجمحي، غربه عمر إلى خيبر فلحق بقصير فتنصر، قال: وأقام متنصراً حياة عمر، فلما ولي عثمان أرسل إليه أبا الأعور السلمي يقول له: يراجع الإسلام فلم يجبه إلى ذلك. انتهى. قوله: "لا أغرب بعده مسلماً" نظراً منه إلى ترجيح مصلحة إسلامه على مفسدة كفره وردّته، ثم إن هذا اجتهاد من عمر قياساً على تغريب الزاني فإن الأمر بالتغريب إنما ورد في البكر الزاني، ولذا قال عمر "لا أغرب بعده مسلماً" في شرب الخمر لا الزاني فقد ورد به النص. ١٠ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁: أَنَّ رَجُلاً كَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ الله ﷺ أَحْيَانَاً، وَكَانَ رَسُولَ الله ﷺ قدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ، فَأُتِىَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اللهمَّ الْعَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ، فَقَالَ ﷺ : "لاَ تَلْعَنُوهُ، فَوَالله مَا عَلِمْتُ [إلا] (٢) أَنَّهُ يُحِبُّ الله وَرَسُولَهُ". أخرجه البخاري (٣). [صحيح]. وفي رواية لأبي داود (٤) عن أبي هريرة ﵁: "لَا تَقُولُوا هَذَا، وَلَكِنْ قُوْلُوا: اللهمَّ ارْحَمْهُ، اللهمَّ تُبْ عَلَيْهِ. [صحيح]. قوله: "في حديث عمر كان يلقب حماراً" واسمه عبد الله كما في البخاري (٥) فإنه قال: "إن رجلاً كان على عهد رسول الله ﷺ كان يسمى عبد الله ويلقب حماراً".

стр. 1811

قوله: "يضحك النبي ﷺ " أي: يقول بحضرته أو يفعل ما يضحك منه. وقد أخرج أبو يعلى (١) من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم: "أن رجلاً كان يلقب حماراً، كان يهدي للنبي ﷺ العكة من السمن والعسل، فإذا جاء صاحبه يتقاضاه جاء به إلى النبي ﷺ فقال: "اعط هذا متاعه, فما يزيد النبي ﷺ أن يتبسم ويأمر به [٢٨٦ ب] فيعطى". وفي رواية (١): "وكان لا يدخل المدينة طرفة إلا اشترى منها ثم جاء فقال: يا رسول الله! هذا أهديته, فإذا جاء صاحبها يطلب ثمنه جاء به وقال: اعط هذا الثمن، فيقول: "ألم تهده؟ فيقول: ليس عندي، فيضحك ويأمر لصاحبه بثمنه". قوله: "قد جلده في الشراب" أي: بسبب شربه (١) الشراب، وكان فيه مضمرة، أي: كان قد جلده. قوله: "رجل من القوم" وقع في رواية الواقدي (١) فقال عمر. قوله: "لا تلعنوه" في رواية الواقدي (١) "لا تفعل يا عمر". قوله: "فوالله ما علمت إنه يحب الله ورسوله". قال الطيبي (٢): ما (٣) نافية؛ لاقتضاء القسم أنه يتلقى بحرف النفي، وبأن، واللام، وأنه بكسر الهمزة، وقيل: بفتحها مفعول علمت.

стр. 1812

وقد أطال في "الفتح" (١) نقل الأقوال في توجيه إعرابه، وفيه (٢) جواز [التلقيب] (٣) وهو محمول على أنه كان لا يكرهه أو أنه ذكر على سبيل التعريف لكثرة من كان يسمى بعبد الله، وفيه الرد على من زعم أن مرتكب (٤) الكبيرة كافر للنهي عن لعنه، والأمر بالدعاء له. وفيه (٥) أنه لا تنافي بين ارتكاب الكبيرة وثبوت محبة الله ورسوله في قلب المرتكب. ويحتمل أن يكون بقاء محبة الله في قلب العاصي مقيد بما إذا ندم على ارتكاب المعصية وأقيم عليه الحد [٢٢٨/ أ] فكفر عنه الذنب. وفيه: أن أحاديث (٦) نفي الإيمان عن شارب الخمر ليس المراد زواله بالكلية، بل نفي كماله، وفيه ما يدل على نسخ الأمر بقتل شارب الخمر في الرابعة أو الخامسة فإنه ذكر ابن عبد البر (٧) أنه أتي به أكثر من خمسين مرة. قوله: "ولكن قولوا: اللهم ارحمه وتب عليه" أي: أبدلوا اللعنة بالدعاء له بالرحمة والتوبة، وفيه جواز الدعاء للفسّاق بالرحمة والتوبة, أو وجوب ذلك للأمر به والنهي عن اللعن، ومعنى "تب عليه" وفّقه للتوبة. [٢٨٧ ب].

стр. 1813

الباب السابع: في الشفاعة، والتسامح في الحدود ١ - عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي رَاشِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ تعالى، فَقَدْ ضَادَّ الله ، وَمَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللهِ تَعَالَى حَتَّى يَنْزِعَ، وَمَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ أَسْكَنَهُ الله رَدْغَةَ الخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ، وَمَنْ أَعَانَ عَلَى خُصُومَةٍ بِظُلْمٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ الله تَعَالَى". أخرجه أبو داود (١). [صحيح]. "الرَّدْغَةُ": بسكون الدال وتحريكها بعدها غين معجمة: الطين والوحل الكثير. قوله: "عن يحيى بن أبي راشد" هو يحيى (٢) بن راشد الدمشقي، سمع ابن عمر، وروى عنه عمارة بن غزية في الحدود. قال ابن الأثير (٣): ونسخ التيسير يحيى بن أبي راشد، ولفظ "سنن أبي داود" (٤) و"الجامع" (٥) وغيرهما (٦) ابن راشد بدون لفظ أبي. قوله: "من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله" أي: صار ممانعاً لله كما يمانع الضد ضده عن مراده، وهو تحريم للشفاعة في الحدود بعد بلوغها إلى الإمام لا قبله, فإنه

стр. 1814

يجوز، بل يندب كما أفاده حديث "تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب". أخرجه أبو داود (١). ومثل ما قال ﷺ لهزال في قصة ماعز: "لو سترته بثوبك كان خيراً لك". أخرجه أبو داود (٢)، ومثل قوله ﷺ لصفوان: "هذا قبل أن تأتيني به" (٣) بل لقن ﷺ السارق أن يقول ما يسقط معه القطع بقوله ﷺ : "ما أخالك سرقت" (٤) مرتين أو ثلاثاً. قوله: "ومن خاصم في باطل وهو يعلمه" أي: يعلم كونه باطلاً يجادل فيه ليدحض به الحق، وهذا يشمل كل من جادل بباطل من المتمذهبة وأهل علم الكلام، ويدخل فيه دخولاً أولياً كثير من الذين يتوكلون عند الحكام في الخصومات. قوله: "ومن قال في مؤمن ما ليس فيه" أي: مما يسوءه ويشونه [٢٨٨ ب] ويحط من شأنه لا من قال فيه خيراً ليصلح بينه وبين خصمه, فقد أباح ذلك الشارع.

стр. 1815

قوله: "ردغة الخبال" بفتح الراء ودال مهملة وغين معجمة، والخبال بفتح الخاء المعجمة فموحدة. قال ابن الأثير (١): عصارة أهل النار، قال: والردغة بفتح الدال وسكونها الماء والطين. قوله: "حتى يخرج مما قال" أي: في المؤمن وخروجه عنه بعد الموت لا يتم؛ لأنه لا يخرج إلا بالتوبة، ولا توبة بعد الموت، فليس إلا العذاب كما يشاءه الله أو عفو المؤمن عنه. واعلم أن حديث أبي داود عن يحيى بن [] (٢) راشد انتهى إلى هنا، وأما قوله: "ومن أعان على خصومة بظلم فقد جاء بغضب من الله"، فليس من رواية يحيى بن راشد، بل أخرجها أبو داود (٣) رواية منفصلة من طريق أخرى عن نافع عن ابن عمر، إلا أن في هذه الطريق كما قال المنذري (٤) مطر بن طهمان الوراق، وقد ضعفه غير واحد، وفيه أيضاً المثنى بن يزيد، وهو مجهول، انتهى كلام المنذري (٥). وهو كما قال، فالعجب من سياق المصنف للروايتين وخلط المضعفة بالصحيحة، وما كان يحسن ذلك، فهو نوع من الغش فإنه صريح في أن هذه الزيادة من رواية يحيى بن راشد، وليست من روايته، بل عن نافع عن ابن عمر، وأما ابن الأثير في "الجامع" (٦) فإنه ساق في الأولى إلى قوله: "مما قال" ثم قال: "زاد في رواية: "ومن أعان" إلى آخر الحديث، ثم قال:

стр. 1816

أخرجه أبو داود، فهو وإن كان [قد] (١) أهمل تضعيف الثانية فقد أفاد أنه رواية أخرى، وليس من طريقته بيان التضعيف وغيره فلا أعتراض عليه. ٢ - وَعَن الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ ﵁: أَنَّهُ لَقِيَ رَجلاً قَدْ أَخَذَ سَارِقًا يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِهِ إِلَى السُّلْطَانِ فَشَفَعَ لَهُ الزُّبَيْرُ لِيُرْسِلَهُ, فَقَالَ: لاَ، حَتَّى أَبْلُغَ بِهِ إِلَى السُّلْطَانَ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: إِنَّمَا الشَّفَاعَةُ قَبْلَ أَنْ يُبَلَّغُ السُّلْطَانُ، فَإِذَا بُلِّغَ السُّلْطَانَ لعِنَ الله الشَّافِعَ وَالمُشَفِّعَ. أخرجه مالك (٢). [موقوف صحيح]. قوله: "فشفع له الزبير" معنى الشفاعة [٢٨٩ ب] كلام الشفيع إلى من هو فوقه في حاجة يسألها (٣) لغيره, وهي من الشفع الذي هو خلاف الوتر، كأنه بانضمامه إلى المشفوع له صارا شفعاً. قوله: "لعن الشافع [والمشفع] " (٤) بكسر الفاء, وذلك لأنهما تعاونا على إسقاط حق الله وما شرعه من الزواجر. ٣ - وَعَنْ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ ﵁: أَنَّهُ توَسَّدَ رِدَاءَهُ فِي المَسْجِدِ، وَنَامَ فَجَاءَهُ سَارِقٌ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ, فَأَخَذَ صَفوَانُ السَّارِقَ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فأَمَرَ بِهِ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ, فَقَالَ صَفْوَانُ:

стр. 1817

إِنِّي لَمْ أُرِدْ هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ, هُوَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَهَلاَّ قَبْلَ أَنْ تَأْتِينِي بِهِ". أخرجه الأربعة (١) إلا الترمذي. [صحيح]. ٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ادْرَءُوا الحُدودَ عَنِ المُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِن كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سبِيلهُ, فَإِنَّ الإِمَامَ أَنْ يُخْطئَ فِي الْعَفْو خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ". أخرجه الترمذي (٢). [صعيف]. ولأبي داود عنها (٣): أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَقُولُ: "أَقِيْلُوا ذَوِيْ الهيْئَاتِ عَثرَاتِهِمْ إِلَّا الحُدُودَ. [صحيح]. قوله: "في حديث عائشة أخرجه الترمذي".

стр. 1818

قلت: وقال (١): حديث عائشة لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث محمد بن ربيعة عن يزيد ابن زياد الدمشقي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ﷺ ، ورواه وكيع عن يزيد بن زياد نحوه ولم يرفعه، ورواية وكيع أصح. وقد روي نحو هذا عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ أنهم قالوا مثل ذلك، ويزيد بن زياد الدمشقي ضعيف في الحديث، انتهى كلامه. قوله: "ولأبي داود عنها أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود" قال الشافعي (٢): وذووا الهيئة من لم يظهر منه ريبة، وفيه دليل أن الإمام يخير في التعزير إن شاء عزر، وإن شاء ترك، إذ لو كان التعزير واجباً لكان ذوو الهيئة وغيرهم سواء في ذلك. ورواية أبي داود قال فيها المنذري (٣): في إسناده عبد الملك بن زيد العدوي وهو ضعيف. انتهى. ٥ - وَعَنْ ابْنِ المُسَيَّبِ ﵁: أَنَّ رَجُلَاً مِنْ أَسْلَمَ يُقَالُ لَهُ هَزَّالٌ شَكَا رَجُلاً إلى رَسُولَ الله ﷺ بِالزِّنَا، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِل: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الْآيَةَ, فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "يَا هَزَّالُ! لَوْ سَتَرْتَهُ بِرِدَائِكَ لَكَانَ خَيْرًا لَكَ". أخرجه مالك (٤)، وأبو داود (٥). [حسن].

стр. 1819

قوله: "في [٢٩٠ ب] حديث ابن المسيب يقال له: هزال" بفتح الهاء وتشديد الزاي، وهو ذياب بن بريدة، وقيل ابن بريد الأسلمي، وهو صاحب [٢٢٩/ أ] الجارية التي وقع عليها ماعز، قاله الكاشغري. وسبب قوله ﷺ لهزال: "لو سترته لكان خيراً لك"، ما رواه أبو داود (١) وغيره عن محمد بن المنكدر: أن هزالاً أمر ماعزاً أن يأتي النبي ﷺ . وروي (٢) في موضع آخر أن [ماعزاً] (٣) كان يتيماً في حجر هزال، فأصاب جارية من الحي فقال هزال: ائت النبي ﷺ لعله يستغفر لك، وذكر الحديث في قصة رجمه. ٦ - وعن هانئ بن نيار ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ إِلَّا فِي حَدِّ مِنْ حُدُودِ الله تَعَالَى". أخرجه الشيخان (٤) وأبو داود (٥). [صحيح]. قوله: "وعن هانئ بن نيار" هو خال البراء بن عازب، وهو هاني بن نيار بن عمرو البلوي، حليف الأنصار غلبت عليه كنيته (٦).

стр. 1820

قوله: "لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله" قال النووي (١): ضبطوا الجلد بوجهين: أحدهما بفتح الياء وكسر اللام، والثاني بضم الياء وفتح اللام، وكلاهما صحيح، ذكر العلماء (٢) أنه حديث منسوخ بعمل الصحابة على خلافه من غير إنكار. فقالت الشافعية (٣): تجوز الزيادة على عشرة أسواط، واختلف العلماء (٤) في التعزير هل يقتصر فيه على عشرة أسواط فما دونها، ولا تجوز الزيادة أو تجوز؟ فقال أحمد (٥) وجماعة (٦): لا تجوز، وذهب الجمهور الصحابة والتابعين فمن بعدهم إلى جوازها، ثم اختلفوا؛ فقال طائفة: لا ضبط لعدد الضربات، بل ذلك إلى رأي (٧) الإمام، وله أن يزيد على قدر الحدود؛ لأن عمر ضرب من نقش على خاتمه مائة, وقالت طائفة (٨): لا يبلغ به أربعين، وآخرون (٩) لا يبلغ به ثمانين، وفيه أقوال أُخر كلها من غير دليل ناهض. ٧ - وعن حكيم بن حزام ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يُسْتَقَادَ فِي المَسْجِدِ، وَأَنْ تُنْشَدُ فِيْهِ الْأَشْعَارُ، وَأَنْ تُقَامَ فِيْهِ الحُدُودَ. أخرجه أبو داود (١٠). [حسن لغيره].

стр. 1821

٨ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الأَنْصَارِ قَالَ: اشْتَكَى رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ حَتَّى أُضْنِىَ، فَعَادَ جِلْدَةً عَلَى عَظْمٍ، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ جَارِيَةٌ لِبَعْضِهِمْ فَهَشَّ بها فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ رِجَالُ مِنْ قَوْمِهِ يَعُودُونَهُ، فَأَخبَرَهُمْ بِذَلِكَ، وَقَالَ: اسْتَفْتُوا لِي رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَإِنِّي وَقَعْتُ عَلَى جَارِيَةٍ دَخَلَتْ عَلَيَّ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَالُوا مَا رَأَيْنَا بِأَحَدٍ مِنَ الضُّرِّ مِثْلَ الَّذِي هُوَ بِهِ، وَلَوْ حَمَلْنَاهُ إِلَيْكَ لَتَفَسَّخَتْ عِظَامُهُ، مَا هُوَ إِلاَّ جِلْدٌ عَلَى عَظْمٍ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَأْخُذُوا لَهُ مِائَةَ شِمْرَاخٍ فَيَضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدة أخرجه أبو داود (١) والنسائي (٢). [صحيح]. قوله: "في حديث أبي أمامة حتى أضني" أي: أصابه الضنا وهو شدة المرض وسوء الحال [٢٩١ ب] حتى ينحل بدنه من الهزال، وفيه من الفقه أن المريض إذا كان ميئوساً منه ومن معاودة الصحة والقوة له، وقد وجب عليه حد يتناول بالضرب الخفيف الذي لا يجهده، وممن قال بهذا الشافعي وجماعة من العلماء، وقال مالك (٣) وأصحاب (٤) الرأي لا يعرف الحد إلا حداً واحداً، والمريض والزمن في ذلك سواء، ولا يخفى أنه ردٌّ للحديث.

стр. 1822

٩ - وَعَنْ عَليٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَصَابَ حَدًّا فَعُجِّلَ عُقُوبَتُهُ فِي الدُّنْيَا، فَالله أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُثَنَّىَ عَلَى عَبْدِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الآخِرَةِ, وَمَنْ أَصَابَ حَدًّا فَسَتَرَهُ الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَفَا عَنْهُ, فَالله أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَعُودَ فِي شَيْءٍ قَدْ عَفَا عَنْهُ". أخرجه الترمذي (١). [صحيح]. قوله: "في حديث علي فالله أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه" الحديث في "الصحيحين" (٢) بأبسط من هذا ولفظه: "أنه ﷺ قال لأصحابه: بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئاً من ذلك فعوقب به. فهو كفارة, ومن أصاب شيئاً من ذلك فستره الله عليه فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه". وهو في "سنن الترمذي" (٣) بهذا اللفظ من حديث عبادة بن الصامت ثم قال (٤): وفي الباب عن علي، وجرير بن عبد الله، وخزيمة بن ثابت، قال: وحديث عبادة حديث حسن صحيح. وقال الشافعي (٥): لم أسمع في هذا الباب أن الحد يكون كفارة لأهله شيئاً أحسن من هذا الحديث، وقال الشافعي: واجب لمن أذنب ذنباً [٢٩٢ ب] فستره الله عليه أن يستر نفسه ويتوب فيما بينه وبين ربه. انتهى.

стр. 1823

ولفظ حديث علي كما ذكر لم أجده في الترمذي، وإنما رأيت قوله: وفي الباب (١) عن علي. وفي "شرح مسلم" (٢) على الحديث المذكور ما لفظه: واعلم أن هذا الحديث عام مخصوص، وموضع التخصيص قوله: "ومن أصاب شيئاً من ذلك .. إلى آخره" المراد به ما سوى الشرك، وإلا فإن الشرك لا يغفر له، ولا تكون عقوبته كفارة له. وفي هذا الحديث فوائد منها (٣): تحريم هذه المذكورات، وما في معناها، ومنها الدلالة لمذهب أهل الحق أن المعاصي غير الكفر لا يقطع لصاحبها بالنار إذا مات ولم يتب منها، بل هو في مشيئة الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه، ومنها أن من ارتكب ذنباً يوجب الحد فحد سقط الإثم. قال القاضي (٤): قال أكثر العلماء: الحدود كفارة استدلالاً بهذا الحديث، قال: ومنهم من وقفه بحديث أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: "لا أدري الحدود كفارة" (٥) قال: ولكن

стр. 1824

[حديث عبادة] (١) الذي نحن فيه أصح إسناداً، ولا تعارض بين الحديثين، فيحتمل أن حديث أبي هريرة قبل حديث عبادة، فلم يعلم ﷺ ثم علم. انتهى. ١٠ - وعنه ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاَثةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ, وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمُ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ. أخرجه أبو داود (٢) والترمذي (٣). [صحيح]. وزاد أبو داود (٤) في أخرى: "وَعَنِ الخَرِفِ". قوله: "وعنه" أي: علي ﵇ "رفع القلم" أي: قلم الحفظة الذين يكتبون ما على العباد من الخطايا، لا قلم كتابة الخير، فإنه يكتب للصبي لحديث (٥): "ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر"، ويقاس عليه النائم، والذي لا يعقل، فلو أتوا بشيء يوجب حداً على غيرهم لما وجب عليهم فضلاً من الله. قلت: وزاد في أخرى: "وعن الخرف" مثلث الراء هو فساد (٦) العقل مع [الكبر] (٧)، وله ألفاظ في مسلم هذا أحدها. [٢٣٠/ أ] [٢٩٣ ب].

стр. 1825

كتاب: الحضانة في "التعريفات" (١): الحضانة لغة: تربية الولد، وشرعاً: معاقدة على حفظ من لا يستقل بحفظ نفسه من نحو طفل، وعلى تربيته وتعهده. انتهى. وهي بفتح الحاء فعل الحاضنة وهي المربية للطفل. ١ - عَنْ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵁ قَالَ: أَتَتْ امْرَأةً النَّبيَّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَثَدْيِيِ لَهُ سِقَاءً، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإِنَّ أَباهُ طَلَّقَنِي وَأَرَادَ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنِّي، فَقَالَ ﷺ : "أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي" أخرجه أبو داود (٢). [حسن]. قوله: "في حديث عمرو بن شعيب أن امرأة" إلى قوله: "أنت أحق به ما لم تنكحي". قال ابن القيم (٣): هذا حديث احتاج الناس إلى عمرو بن شعيب ولم يجدوا بدًّا [] (٤) من الاحتجاج به، ومدار الحديث عليه، وليس عن النبي ﷺ حديث في سقوط الحضانة بالتزويج غير هذا، وقد ذهب إليه الأئمة الأربعة وغيرهم.
следующие страницы →