٨ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الأَنْصَارِ قَالَ: اشْتَكَى رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ حَتَّى أُضْنِىَ، فَعَادَ جِلْدَةً عَلَى عَظْمٍ، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ جَارِيَةٌ لِبَعْضِهِمْ فَهَشَّ بها فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ رِجَالُ مِنْ قَوْمِهِ يَعُودُونَهُ، فَأَخبَرَهُمْ بِذَلِكَ، وَقَالَ: اسْتَفْتُوا لِي رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَإِنِّي وَقَعْتُ عَلَى جَارِيَةٍ دَخَلَتْ عَلَيَّ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَالُوا مَا رَأَيْنَا بِأَحَدٍ مِنَ الضُّرِّ مِثْلَ الَّذِي هُوَ بِهِ، وَلَوْ حَمَلْنَاهُ إِلَيْكَ لَتَفَسَّخَتْ عِظَامُهُ، مَا هُوَ إِلاَّ جِلْدٌ عَلَى عَظْمٍ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَأْخُذُوا لَهُ مِائَةَ شِمْرَاخٍ فَيَضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدة أخرجه أبو داود (١) والنسائي (٢). [صحيح].
قوله: "في حديث أبي أمامة حتى أضني" أي: أصابه الضنا وهو شدة المرض وسوء الحال [٢٩١ ب] حتى ينحل بدنه من الهزال، وفيه من الفقه أن المريض إذا كان ميئوساً منه ومن معاودة الصحة والقوة له، وقد وجب عليه حد يتناول بالضرب الخفيف الذي لا يجهده، وممن قال بهذا الشافعي وجماعة من العلماء، وقال مالك (٣) وأصحاب (٤) الرأي لا يعرف الحد إلا حداً واحداً، والمريض والزمن في ذلك سواء، ولا يخفى أنه ردٌّ للحديث.
стр. 1822
٩ - وَعَنْ عَليٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَصَابَ حَدًّا فَعُجِّلَ عُقُوبَتُهُ فِي الدُّنْيَا، فَالله أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُثَنَّىَ عَلَى عَبْدِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الآخِرَةِ, وَمَنْ أَصَابَ حَدًّا فَسَتَرَهُ الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَفَا عَنْهُ, فَالله أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَعُودَ فِي شَيْءٍ قَدْ عَفَا عَنْهُ". أخرجه الترمذي (١). [صحيح].
قوله: "في حديث علي فالله أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه" الحديث في "الصحيحين" (٢) بأبسط من هذا ولفظه: "أنه ﷺ قال لأصحابه: بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئاً من ذلك فعوقب به. فهو كفارة, ومن أصاب شيئاً من ذلك فستره الله عليه فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه".
وهو في "سنن الترمذي" (٣) بهذا اللفظ من حديث عبادة بن الصامت ثم قال (٤): وفي الباب عن علي، وجرير بن عبد الله، وخزيمة بن ثابت، قال: وحديث عبادة حديث حسن صحيح.
وقال الشافعي (٥): لم أسمع في هذا الباب أن الحد يكون كفارة لأهله شيئاً أحسن من هذا الحديث، وقال الشافعي: واجب لمن أذنب ذنباً [٢٩٢ ب] فستره الله عليه أن يستر نفسه ويتوب فيما بينه وبين ربه. انتهى.
стр. 1823
ولفظ حديث علي كما ذكر لم أجده في الترمذي، وإنما رأيت قوله: وفي الباب (١) عن علي.
وفي "شرح مسلم" (٢) على الحديث المذكور ما لفظه: واعلم أن هذا الحديث عام مخصوص، وموضع التخصيص قوله: "ومن أصاب شيئاً من ذلك .. إلى آخره" المراد به ما سوى الشرك، وإلا فإن الشرك لا يغفر له، ولا تكون عقوبته كفارة له.
وفي هذا الحديث فوائد منها (٣): تحريم هذه المذكورات، وما في معناها، ومنها الدلالة لمذهب أهل الحق أن المعاصي غير الكفر لا يقطع لصاحبها بالنار إذا مات ولم يتب منها، بل هو في مشيئة الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه، ومنها أن من ارتكب ذنباً يوجب الحد فحد سقط الإثم.
قال القاضي (٤): قال أكثر العلماء: الحدود كفارة استدلالاً بهذا الحديث، قال: ومنهم من وقفه بحديث أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: "لا أدري الحدود كفارة" (٥) قال: ولكن
стр. 1824
[حديث عبادة] (١) الذي نحن فيه أصح إسناداً، ولا تعارض بين الحديثين، فيحتمل أن حديث أبي هريرة قبل حديث عبادة، فلم يعلم ﷺ ثم علم. انتهى.
١٠ - وعنه ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاَثةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ, وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمُ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ. أخرجه أبو داود (٢) والترمذي (٣). [صحيح].
وزاد أبو داود (٤) في أخرى: "وَعَنِ الخَرِفِ".
قوله: "وعنه" أي: علي ﵇ "رفع القلم" أي: قلم الحفظة الذين يكتبون ما على العباد من الخطايا، لا قلم كتابة الخير، فإنه يكتب للصبي لحديث (٥): "ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر"، ويقاس عليه النائم، والذي لا يعقل، فلو أتوا بشيء يوجب حداً على غيرهم لما وجب عليهم فضلاً من الله.
قلت: وزاد في أخرى: "وعن الخرف" مثلث الراء هو فساد (٦) العقل مع [الكبر] (٧)، وله ألفاظ في مسلم هذا أحدها. [٢٣٠/ أ] [٢٩٣ ب].
стр. 1825
كتاب: الحضانة
في "التعريفات" (١): الحضانة لغة: تربية الولد، وشرعاً: معاقدة على حفظ من لا يستقل بحفظ نفسه من نحو طفل، وعلى تربيته وتعهده. انتهى.
وهي بفتح الحاء فعل الحاضنة وهي المربية للطفل.
١ - عَنْ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵁ قَالَ: أَتَتْ امْرَأةً النَّبيَّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَثَدْيِيِ لَهُ سِقَاءً، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإِنَّ أَباهُ طَلَّقَنِي وَأَرَادَ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنِّي، فَقَالَ ﷺ : "أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي" أخرجه أبو داود (٢). [حسن].
قوله: "في حديث عمرو بن شعيب أن امرأة" إلى قوله: "أنت أحق به ما لم تنكحي".
قال ابن القيم (٣): هذا حديث احتاج الناس إلى عمرو بن شعيب ولم يجدوا بدًّا [] (٤) من الاحتجاج به، ومدار الحديث عليه، وليس عن النبي ﷺ حديث في سقوط الحضانة بالتزويج غير هذا، وقد ذهب إليه الأئمة الأربعة وغيرهم.
стр. 1826
وقولها "كان بطني له وعاء" إلى آخره تريد [كما] (١) أنها اختصت به في هذه المواطن الثلاثة والأب لم يشاركها فيهن، نبهت بهذا الاختصاص الذي لم يشاركها فيه الأب على الاختصاص الذي طلبته بالاستيفاء والمخاصمة.
و [في] (٢) هذا دليل على اعتبار (٣) المعاني والعلل، وتأثيرها في الأحكام وإناطتها بها، وذلك مستقر في [الفطرة] (٤) السليمة حتى فطر النساء، وهذا الوصف الذي أدلت به المرأة وجعلته سبباً لتعليق الحكم بمكة وقد قرره النبي ﷺ ورتب عليه أثره.
قوله: "ما لم تنكحي" اختلف فيه: هل هو تعليل (٥) أو توقيت؟ فإذا قيل بالأول فتزوجت ثم طلقت - مثلاً - عادت لها الحضانة؛ لأن الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها، فإذا طلقت زالت العلة وزال حكمها وهو قول الأكثر (٦).
وإذا قيل بالثاني فلا يعود لها حق الحضانة إذا طلقت.
стр. 1827
واختلف (١) هل المراد بنكاحها مجرد العقد أو [٢٩٤ ب] هو مع الدخول؟ على قولين (٢).
قال ابن القيم (٣): والحديث يحتمل الأمرين، والأشبه سقوط حضانتها بالعقد؛ لأنها حينئذ صارت مظنة الإشتغال عن الولد، والتهيؤ للدخول، والأخذ في أسبابه، وهذا قول الجمهور.
٢ - وعن أبي هريرة ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَيَّرَ غُلَامَاً بَيْنَ أَبِيْهِ وَأُمِّهِ، فَاخْتَارَ أُمِّهِ، فَأَخَذَ بِيَدِهَا فَانْطَلَقَتْ بِهِ. أخرجه أصحاب "السنن" (٤)، وهذا لفظ الترمذي. [صحيح].
قوله: "في حديث أبي هريرة خير غلاماً بين أبيه وأمه" لفظه في أبي داود "أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عنبة وقد نفعني، فقال
стр. 1828
النبي ﷺ : "استهما عليه"، فقال زوجها: من يحاقني في ولدي، فقال النبي ﷺ :"هذا أبوك وهذا أمك، فخذ بيد أيَّهما شئت, فأخذ بيد أمه، فانطلقت به".
قوله: "أخرجه أصحاب "السنن" واللفظ للترمذي".
قلت: وقال (١) إنه حديث حسن صحيح، والظاهر في شرعية تخيير الغلام بين أبويه ذكراً كان أو أنثى، وهذا بعد القرعة؛ لأنه قال: "استهما عليه" أي: بالقرعة وذلك؛ لأن القرعة طريق شرعية (٢) عند تساوي المستحقين، وقد تساوي الأبوان، فالقياس تقديم أحدهما بالقرعة، وإن أبيا القرعة خير الصبي فيرجح باختياره.
وقد ثبت هذا التخيير في حكم عمر بن الخطاب كما أخرجه عبد الرزاق (٣)، وأنه اختار أمه.
وحكم به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، كما أخرجه الشافعي (٤) عن عمارة الجرمي قال: خيرني علي ﵇ بين أمي وعمي ثم قال لأخ لي أصغر مني: "وهذا أيضاً لو بلغ مبلغ هذا خيرته".
وقال (٥) في الحديث في رواية أخرى "وكنت ابن سبع سنين أو ثمان".
فحديث عمرو بن شعيب وقوله ﷺ : "أنتِ أحق به"، في طفل صغير، وأحاديث التخيير في من له تمييز ولذا قال: "وقد سقاني من بئر أبي عنبة ونفعني".
стр. 1829
٣ - وَعَنْ عَليٍّ ﵁ قَالَ: خَرَجَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ إِلَى مَكَّةَ فَقَدِمَ بِابْنَةِ حَمْزَةَ فَقَالَ جَعْفَرٌ ﵁: أَنَّا آخُذُهَا، أنَّا أَحَقُّ بِهَا، وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّي، وَعِنْدِي خَالَتُهَا، وَإِنَّمَا الخَالَةُ أُمٌّ، وَقَالَ عَليٌّ ﵁: أَنَا أَحَقُّ بِهَا، هِيَ ابْنَةُ عَمِّي، وَعِنْدِي ابْنَةُ رَسُولِ الله ﷺ ، فَهِيَ أَحَقُّ بِهَا، وَقَالَ زَيْدٌ ﵁: أَنَا أَحَقُّ بِهَا، هِيَ ابْنَةُ أَخِي، وَإِنَّمَا خَرَجْتُ إِلَيْهَا، وَقَدِمْتُ بِهَا، فَقَضَى بِهَا رَسُولَ الله ﷺ لجِعْفَر، وَقَالَ: "إِنَّمَا الخَالَةُ أُمٌّ". أخرجه أبو داود (١). [صحيح].
قوله: "في حديث علي ﵇ خرج زيد بن حارثة" الحديث، وأخرجه أبو داود (٢) [٢٩٥ ب] عن علي ﵇ بلفظ: "لما خرجنا من مكة تبعتنا ابنة حمزة تنادي: يا عم، يا عم، فتناولها علي فأخذ بيدها وقال: دونك ابنة عمك, فحملتها، فقص الخبر [وفيه] (٣) فقضى بها النبي ﷺ لخالتها وقال: "الخالة بمنزلة الأم". انتهى.
وهذا كان في عمرة (٤) القضاء فيحمل قوله: "خرج زيد بن حارثة" أي: في عمرة القضاء، وأنه كان معها حين نادت: يا عم يا عم، وكأنها أرادت يا عم، رَسُولَ الله ﷺ ، وهو وإن لم يكن عمها بل ابن عمها، أو تريد علياً فكذلك فإنه ابن عمها.
стр. 1830
وقول زيد "فإنما خرجت إليها وقدمت بها" يحتمل أنه خرج من منزله بمكة ليخرجها، وقدم بها إلى النبي ﷺ في الطريق بعد خروجهم من مكة.
والحديث أفاد أن الخالة أحق، وأنها كالأم في استحقاق الحضانة.
واعلم (١) أنه قد أشكل الحديث؛ لأن الخالة مزوجة فهي زوجة جعفر، والمرأة إذا تزوجت سقط حقها من الحضانة كما تقدم قريباً، وأجيب عن الإشكال أن زواجة الحاضنة لا يسقط حقها من حضانة البنت كما هو أحد الروايتين عن أحمد (٢) وأحد قولي العلماء، وحجته هذا الحديث، الثاني: أن نكاحها بقريب من الطفل، لا يسقط حقها من الحضانة وجعفر ابن عمها.
الثالث: أن الزوج (٣) إذا رضي بالحضانة، وأثر كون الطفل عنده فقي حجره لم تسقط الحضانة، هذا هو الصحيح، وهو مبني على أن سقوط [٢٣١/ أ] الحضانة بالنكاح (٤) هو مراعاة لحق الزوج، فإنه يتنغص عليه الاستمتاع المطلوب من المرأة بحضانتها ولد غيره، فإذا
стр. 1831
آثر الزوج ذلك وطلبه وحرص عليه زالت المفسدة التي لأجلها سقطت الحضانة، والمقتضى قائم فيترتب عليه أثره.
قوله: "وقضى بها [٢٩٦ ب] لجعفر" تسامح وإلا فالقضاء بها للخالة، ولذا قال "الخالة بمنزلة الأم".
كتاب: الحسد
في "التعريفات" (١) أنه: تمني زوال النعمة عن مستحقٍ لها، ويُقال: ظلم ذي النّعمة بتمني زوالها عنه وصيرورتها إلى الحاسد.
١ - عَنِ بْنَ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "لاَ حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ، رَجُلٌ آتَاهُ الله الحِكْمَةَ, فَهْوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله مَالاً فَسُلِّطَهُ عَلَى هَلكَتِهِ فِي الحَقِّ". أخرجه الشيخان (٢). [صحيح].
قوله: "في حديث ابن مسعود لا حسد" المراد بالحسد (٣) هنا المنافسة، والفرق بين الحسد والمنافسة، أن المنافسة المبادرة إلى الكمال الذي تشاهده من غيرك فتنافسه فيه حتى تلحقه أو تجاوزه فهو من شرف النفس وعلو الهمة وكبر القدر وطلب المعالي.
стр. 1832
والحسد خلق نفس ذميمة وضيعة ساقطة ليس فيها حرص على الخير ولا همة عليه، فلعجزها ودنائتها تحسد من يكسب الخير والمحامد، ويفوز بها دونها، فتمني أنه لو فاته كسبها حتى يساويها في عدم الهمة في كسب الخير، ومراد الحديث: لا غبطة إلا في هاتين الخصلتين، فعبّر بالحسد عن الغبطة اتساعاً في ذلك لتقاربهما.
وقال الكرماني (١): يحتمل أن يكون الحديث من قبيل قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ (٢) كأنه قيل: لا حسد إلا في هاتين والذي فيهما غبطة فلا حسد أصلاً، فإن قيل (٣): الحسد قد يكون في غيرهما فما وجه الحصر قيل: إما لأن القصد لا حسد جائز في شيء إلاّ في اثنتين، أو: لا رخصة في الحسد إلا فيهما ونحو ذلك، قال الخطابي (٤) معنى الحديث "الترغيب" في التصدق وتعلم العلم.
وقال ابن بطال (٥): إن الغني إذا قام بشروط المال وفعل فيه ما يرضي الله كان أفضل من الفقير العاجز.
وقال عبد الله بن أحمد: إنه وجد الحديث في "المسند" بخط أبيه "لا تنافس [٢٩٧ ب] بينكم إلا في اثنتين"، فعلى هذا معناه: نفي مشروعية الحسد أو النهي عنه إلا في الخصلتين المذكورتين.
قوله: "رجل آتاه الله الحكمة" وهي العلم والعمل به، ويأتي في حديث ابن عمر "آتاه الله القرآن" فيحتمل أنه المراد بالحكمة هنا.
стр. 1833
وقوله: "فهو يقتضي بها ويعلمها" أي: يبذلها تعليماً للعباد وإبلاغاً للحجة، وفي "النهاية" (١): القضاء أصله القطع والفصل، يقال: قضى إذا فصل وحكم، وقضاء الشيء إحكامه وإمضاؤه والبلوغ منه بمعنى الحلق. انتهى.
قوله: "على هلكته" بفتح اللام (٢) أي: إهلاكه، وعبّر بذلك ليدل على أنه لا يبقى منه شيئاً.
وقوله: "في الحق" أي: في الطاعات ليزيل عنه إيهام الإسراف المذموم.
٢ - وعن ابن عمر ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لاَ حَسَدَ إِلاَّ عَلَى اثْنَتَيْن: رَجُلٌ آتَاهُ الله الْقُرْآنَ، فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُل أَعْطَاهُ الله مَالاً فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ". أخرجه الشيخان (٣) والترمذي (٤). [صحيح].
قوله: "في حديث ابن عمر فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار" أي: ساعات ليله وساعات نهاره, ومعنى قيامه به تلاوته وتدبره وتفسيره وتعليمه العباد.
٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "إِيَّاكُمْ وَالحَسَدَ، فَإِنَّهُ يَأْكُلُ الحَسَنَاتِ كَمَا تأْكُلُ النَّارُ الحَطَبَ، أَوْ قَالَ الْعُشْبَ. أخرجه أَبو داود (٥). [حسن بشواهده].
стр. 1834
قوله: "في حديث أبي هريرة إياكم والحسد" تحذير من الاتصاف به، في "النهاية" (١): الحسد أن يرى الرجل [على أخيه] (٢) نعمة فيتمنَّى أن تزول عنه, وتكون له دونه، [والغبطة] (٣) أن يتمنى أن يكون له مثلها ولا يتمنَّى زوالها عنه. انتهى.
فالحديث تحذير عن ذلك فإن تمني زوال (٤) النعمة عمن أنعم الله عليه قبيح، بل الإنسان مأمور أن يرى لأخيه ما يرى لنفسه، وهو يحب دوام النعمة عليه فيجب عليه أن يحب لأخيه ذلك فكيف يحب زوال نعمته؟ وانتقالها إليه، بل يسأل الله [٢٩٨ ب] أن يديم نعمته على أخيه ويرزقه مثل ما رزقه.
قوله: "كما تأكل النار الحطب أو قال العشب" شك من الراوي أي: حسنات الحاسد يذهبها الحسد (٥) كما تذهب النار الحطب، وهذا من بديع الكلام، فإنه لما كان الحسد جمرة تلتهب في فؤاد الحاسد أكلت نار حسده حسناته، فلم يحصل من حسده إلا التهاب قلبه،
стр. 1835
وذهاب حسناته، ومن حسده لا يؤثر فيه حسده شيئاً، بل ربما زاده الله خيراً عقوبة للحاسد؛ لأنه لم يرض بقسمة الله له ولا لأخيه، فعاقبه الله بأن زاد المحسود من فضله ما يغيظ به الحاسد.
ودواء (١) داء الحسد أن يعلم العبد أنه إضرار بنفسه فيجاهدها بتركه وسؤال الله من فضله [٢٣٢/ أ].
стр. 1836
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1837
ولذا قيل (١):
ألا قل لمن بات لي حاسداً ... أتدري على من أسأت الأدب؟
أسأت على الله في فعله ... [لأنك] (٢) لم ترض لي ما وهب (٣)
وفي إحياء علوم (٤) الدين أبحاث واسعة في الحسد.
٤ - وَعَنْ الزُّبَيْرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلكُمُ: الحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ، وَهِيَ الحَالِقَةُ، أَمَا إِنِّي لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لاَ تَدْخُلُون الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا تَحَابُّونَ بِهِ؟ أَفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ". أخرجه الترمذي (٥). [حسن لغيره].
стр. 1838
قوله: "في حديث الزبير دب إليكم داء الأمم من قبلكم الحسد والبغضاء" هما بدل من داء الأمم أو عطف بيان له، وهو تحذير وتنبيه على افتقاد أنفسهم هل حصل ذلك فيهم فيطهرون أخلاقهم عنهما، فإن الحسد داء ضرره على الحاسد كما عرفناك.
وداء البغضاء كذلك، إلا أن التباغض يتعدى ضرره فيسعى كل باغض في ضرّ أخيه، وهو خلاف ما أمر به, ولذا حذّر تعالى المؤمنين من اتخاذ بطانة من دونهم، وأنها ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ (١) وعرفوا [٢٩٩ ب] البغض (٢) بأنه نفور النفس عن الشيء الذي يرغب عنه، وهو ضد الحب فإنه انجذاب النفس إلى الشيء الذي يرغب فيه.
قوله: "وهي" أي: البغضاء "الحالقة" ويحتمل والمذكورة من الحسد والبغضاء.
"تحلق الدين" شبه ما ذكر بالموسى والنورة ونحوهما ما يقلع الشعر من البدن، فلا يبقى له أثر، كذلك ما ذكر يقلع الدين من القلب، فلا يبقى له أثر، فإن الحاسد والباغض لا يبقى في قلبه رقة ولا رأفة ولا محبة ولا نصيحة لمن يحسده ويبغضه، وهو مراد الشيطان الذي أخبر الله به عباده في شربهم الخمر بقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ (٣).
قوله: "ولا تؤمنوا حتى تحابوا"، أقسم ﷺ أنهم لا يدخلون الجنة حتى يؤمنوا، فإنه لا يدخلها إلا مؤمن، ولذا كان ﷺ كثيراً ما يأمر من ينادي أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة،
стр. 1839
وأخبر بأنهم لا يؤمنون حتى يحب بعضهم بعضاً، فالتّحاب مراد لله بين عباده، ولذا يغفر كل اثنين وخميس للعباد، إلا المتهاجرين (١) ومن بينهم شحناء فيقال: اتركوهما حتى يصطلحا، ثم دلّهم ﷺ على سبب التّحاب وهو إفشاء (٢) السلام بينهم أي: نشره.
كتاب: الحرص
في "التعريفات" (٣): الحرص فرط الشهوة وفرط الإرادة.
وقال أبو البقاء: شدة الإنكماش على الشيء والجد في طلبه، وعبّر عنه بعضهم بقوله طلب الشيء باجتهاد في إصابته.
стр. 1840
وقال [الحرالي] (١): هو طلب الاستغراق فيما فيه الحظ. انتهى.
١ - عن أنس ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَيَشِبُّ فِيْهِ اثْنَتَانِ: الحِرْصُّ عَلَى المَالِ، وْالحِرْصُ عَلَى الْعُمُرْ". أخرجه الشيخان (٢) والترمذي (٣). [صحيح].
قوله: "في حديث أنس [٣٠٠ ب] يهرم المرء" الهرم الكبر، وفي حديث آخر (٤) "إن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء إلا الهرم".
في "النهاية" (٥): جعل الهرم داء؛ لأن الموت يتعقبه كالأدواء.
قوله: "ويشب فيه اثنتان" بفتح المثناة التحتية وفتح الشين المعجمة وهو بمعنى: قلب الشيخ (٦) شاب على حب اثنتين، والحرص على الدنيا وحب المكاثرة فيها مذموم.
٣ - وعن أنس ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لاَبْتَغَى إليهما ثَالِثًا، وَلاَ يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلاَّ التُّرَابُ، وَيَتُوبُ الله عَلَى مَنْ تَابَ". أخرجه الشيخان (١)، وهذا لفظهما، والترمذي (٢) بمعناه. [صحيح].
قوله: "لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب" أي: لا يزال حريصاً على الدنيا حتى يموت ويمتلئ قلبه (٣) من تراب قبره، وهذا الحديث خرج على حكم غالب بني آدم في الحرص على
стр. 1844
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1845
الدنيا، ويؤيده قوله: "ويتوب الله على من تاب"، ومعناه: أن الله يقبل التوبة من الحرص المذموم وغيره مما يذم، وهو تحذير من الحرص وحب المال وإخبار بأنه يكون ذلك مع الهرم الذي ينبغي معه خلاف ذلك، وأن يجاهد نفسه في دفع الأمرين عنها.
كتاب: الحياء
الحياء: بالمد هو: لغة تغير وانكسار يلحق الإنسان من خوف ما يعاب، وشرعاً: خلق يبعث على (١) اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق.
وفي "التعريفات" (٢): الحياء انقباض النفس عن عادة انبساطها في ظاهر البدن، لمواجهة ما تراه نقصاً حيثُ يتعذّرُ عليها الفرار بالبدن.
وقيل: انقباض [٣٠١ ب] النفس عن شيء حذراً من الملام، وهو نوعان نفساني: وهو المخلوق في النفوس كلِّها كالحياء عن كشف العورة والجماع بين الناس، وإيماني: وهو أن يمتنع المسلم عن فعل المحرم خوفاً من الله. انتهى.
١ - عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اسْتَحْيُوا مِنَ الله حَقَّ الحَيَاءِ"، قُلْنَا: إِنَّا لَنَسْتَحْيِي مِنَ اللهِ يا رسولَ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ: قَالَ: "لَيْسَ ذَلكَ، وَلَكِنَّ الِاسْتِحْيَاءَ مِنَ الله حَقَّ الحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، الْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وتَذْكُر المَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَآثَرَ الْآَخِرَة عَلَى الْأُوْلَى، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ". أخرجه الترمذي (٣). [صحيح].
стр. 1846
والمراد (١) "بما وعى الرأس" السمع والبصر واللسان، و"بما حوى البطن" المأكول والمشروب، والمراد: الحث على طلب الحلال من الرزق، واستعمال هذه الجوارح في مرضاة الله تعالى.
قوله: "في حديث ابن مسعود حق الحياء" من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: الحياء (٢) الحق الذي لا باطل فيه، وفيه إشارة إلى أن من الحياء ما هو باطل، وهو الذي يفضي بصاحبه إلى الإخلال بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقوله: "أن يحفظ الرأس وما وعى [٢٣٣/ أ] " يقال: وعاه يعيه، أي: حفظه، والرأس قد جعله وعاءً وحافظاً للسمع والبصر واللسان والأنف, والمصنف ترك ذكرها ولا بد منها، فهي مما يحفظ عن شم المحرم والاستنشاق به وغير ذلك، وحفظ الرأس نفسه أن لا يحلقه إلا لله ولا يكرم شعره بالترجيل والدهن إلا لمقصد صالح لا لغيره من التزين في محلات الزينة, وحفظ اللسان أن لا ينطق إلا بخير ولا يحبسها عن ذكر، وأمر بمعروف أو نهي عن منكر، وإرشاد إلى علم، وأن لا يلوك بها حراماً وغير ذلك.
стр. 1847
وقال ﷺ : "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" (١)، وآفات اللسان التي يجب حفظها منها كثيرة وقد بسطها الغزالي في "الإحياء" (٢) كما بسط آفات غيرها من الجوارح، وحفظ العين، ألا ينظر بها محرماً ولا سيما مما نهى الشارع عنه، وحفظ السمع أن يصونه عما نهى عنه الشارع، وحفظ الأنف عما ذكرناه وغيره، وقد بسطنا الكلام أكثر من هذا في "التنوير شرح الجامع الصغير" (٣).
قوله: "والبطن وما حوى" أي: يحفظه وهي [٣٠٢ ب] كلمة جامعة كالأولى، فإن البطن قد حوى أشرف مضغة في الإنسان وهي القلب، فإنه معدن الخير والشر، وهي المضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله، وإن فسدت فسد الجسد كله وهو مقر الإيمان والكفر والاعتقادات الحقة والباطلة، ومحطُّ رحال الوساس، وهو الملك الذي سائر الجوارح خدم له وجواسيس تابعة بالخير والشر، وجميع الحواس طلائعه ورسله، وقد بسطنا هذا في "التنوير" في شرح هذا الحديث في حرف الهمزة.
قوله: "ويتذكر الموت والبِلَى" بكسر الموحدة من بلي الثوب يبلى بلاً، وبلاء وقد أكثر في الأحاديث التوصية بذكر الموت، وبيّن ﷺ فائدة ذكره بأنه يوسع على العبد ضيق عيشه، ويضيق على الموسع سعيه، وبأنه يمحص الذنوب ويزهد في الدنيا.
стр. 1848
قوله: "ومن [ذكر] (١) الآخرة" أي: نعيمها الذي أعدّه الله لأوليائه ترك زينة الحياة الدنيا ذكرها الله في قوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ (٢) الآية، وقي قوله: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٣) وليس المراد أن لا يكون له أهل ولا مال، فإنه قد كان للأنبياء ﵈ أهل ومال, إنما المراد أن لا يجعلها أكبر همه وجل [مطلبه] (٤) كما قال ﷺ : "اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا" (٥)، وهو المراد من قوله: ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨)﴾ (٦).
قوله: "فمن فعل ذلك" أي: كل ما ذكر منه استحيا من الله حق الحياء، فلا يتصف به إلا من اتصف بما ذكر. [٣٠٣ ب].
قوله: "أخرجه الترمذي".
стр. 1849
قلت: زاد في "الجامع الصغير" (١) أحمد (٢) والحاكم (٣) والبيهقي في "الشعب" (٤) ورمز السيوطي لصحته.
قال شارحه: لعله اغترار منه بتصحيح الحاكم وتقرير الذهبي، وليس بسديد فقد تعقب بأن فيه أبان بن إسحاق قال الأزدي: تركوه, لكن وثّقه العجلي عن الصباح بن مرة، قال في "الميزان" (٥): واهٍ (٦).
وقاله الترمذي (٧): غريب، لا نعرفه إلا من حديث أبان ابن إسحاق عن الصباح، قال المنذري (٨): وأبان فيه مقال, والصباح مختلف فيه, وقيل إنه موقوف.
٢ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولَ الله ﷺ أَشَدَّ حَيَاءِ مِنَ العْذْرَاءَ فِي خِدْرِهَا، وكَانَ إِذَا رَأَى شَيْئَاً يَكْرَهُهُ [عَرَفْنَاهُ] (٩) في وَجْهِهِ. أخرجه الشيخان (١٠). [صحيح].
قوله: "في حديث الخدري من العذراء في خدرها" العذراء: البكر، وخدرها: سترها.
стр. 1850
٣ - وعن زيد بن طلحة بن ركانة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقَاً، وَخلُقُ الْإِسْلَامِ الحَيَاءُ". أخرجه مالك (١). [صحيح لغيره].
٤ - وعن أنس ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيَّ ﷺ : "مَا كَانَ الْفُحْشُ فِي شَيْء إِلَّا شَانَهُ، وَمَا كَانَ الحَيَاءَ فِي شَيْء إِلَّا زَانَهُ". أخرجه الترمذي (٢). [صحيح].
стр. 1851
حرف الخاء
أي: المعجمة
[وفيه خمسة كتب:
الخلق، الخوف، خلق العالم، الخلافة، الخلع
كتاب: الخلق] (١)
قوله: "كتاب الخلق" بضم الخاء واللام، في "التعريفات" (٢): الخلق بالضم هيئةٌ للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال [بيسر] (٣) من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن [كانت] (٤) الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة عقلاً وشرعاً بسهولةٍ، سميت الهيئةُ خُلقاً حسناً، وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة خلقاً سيئاً بضده.
١ - عن معاذ بن جبل ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "يَا مُعَاذ! أَحْسِنْ خُلُقَكَ لِلنَّاسِ". أخرجه مالك (٥). [حسن بشواهده].
قوله: "يا معاذ! أحسن خلقك للناس" في "الجامع" أنه قال معاذ: "كان آخر ما أوصاني رَسُولَ اللهِ ﷺ وضعت رجلي في الغرز أن قال: يا معاذ! ... " الحديث، وهذا كأنه حين أرسله إلى اليمن وأحق الناس بحسن الخلق أمراؤهم [٢٣٤/ أ]، ولقد وصف الله رَسُولَه
стр. 1852
- ﷺ أنه على خلق عظيم، وفي حسن الخلق [٣٠٤ ب] والحث عليها عدة أحاديث (١) وجمع حسن الخلق من قال:
طلاقه الوجه وكف الأذى ... وبذلك المعروف حسن الخلق
وهذا نظم لما أخرجه الترمذي (٢) عن عبد الله بن المبارك، أنه وصف حسن الخلق قال: هو بسط الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى. انتهى.
وقال البرهان: القُراطي:
بمكارم الأخلاق كن متخلقاً ... ليفوح مسك ثنائك العطر الشذي
وانفع صديقك إن أردت صداقة ... وادفع عدوك بالتي فإذا الذي (٣)
стр. 1853
٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "أَكْمَلُ المؤْمِنِينَ إِيْمَانَاً أَحْسَنُهُمْ خُلُقَاً، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِأَهْلِهِ" (١). [صحيح].
٣ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : "مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ الله تَعَالَى لَيَبْغَضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ" (٢). أخرجهما أبو داود والترمذي. [صحيح].
وفي رواية الترمذي (٣): "وَإِنَّ صَاحِبَ حُسْنِ الخُلْقُ لِيَبْلُغَ بِهِ دَرَجَةَ صَاحِبِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ. [صحيح].
"الْبَذَاءَةُ" (٤) الفحش في النطق.
قوله: "أخرجهما أبو داود والترمذي".
قلت: وقال الترمذي (٥) في الأول: هذا حديث حسن صحيح، وقال في الثاني (٦) بعد أن ذكره بلفظ: عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: سمعت رَسُولَ اللهِ ﷺ يقول: "ما من شيء
стр. 1854
يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق، وإنّ صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة"، ثم قال: هذا حديث غريب من هذا الوجه. انتهى.
فقول المصنف: وفي رواية الترمذي: أي في إحدى روايته، وإلا فإنه روى الأولى بزيادة: "فإن الله يبغض الفاحش البذيء"، وليست في الرواية الثانية, وزاد في الثانية ما ذكره المصنف، وابن الأثير (١) فصل الروايات وألفاظها.
٤ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِليَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنكُمْ أَخْلاَقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِليَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالمتشَدِّقُونَ وَالمتفَيْهِقُونَ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، مَا المتفَيْهِقُونَ؟ قَالَ: "المتكَبِّرُونَ". أخرجه الترمذي (٢). [صحيح].
"الثَّرْثَارُونَ" الذين يكثرون من الكلام تكلفاً وخروجاً عن حد الواجب (٣).
"وَالمُتَشَدِّقُون" الذين يتكلمون بملء أفواههم تفاصحاً وتعظيماً لنطقهم (٤).
"وَالمُتَفَيْهِقُونَ" الذين يتوسعوا في الكلام، ويفتحون به أفواههم، مأخوذ من الفهق، وهو الامتلاء (٥).
стр. 1855
قوله: "في حديث جابر يا رسول الله! ما المتفيهقون [٣٠٥ ب] " لفظه في الترمذي: "قالوا: يا رسول الله! قد علمنا الثرثارين والمتشدقين، فما المتفيهقون؟ ".
قوله: "أخرجه الترمذي" ثم قال (١): هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
قوله: "الثرثارون" وفي الترمذي (٢): الثرثار هو كثير الكلام، والمتشدق هو الذي يتطاول على الناس في الكلام ويبذو عليهم. انتهى.
ولم يُفسِّر المتفيهقون اكتفاء بتفسير رَسُولَ اللهِ ﷺ بأنهم المتكبرون.
والمصنف فسره به. بما ترى أخذاً من كلام ابن الأثير، فإنه فسرهم بتفسير المصنف، وفي "القاموس" (٣): تفيهق في كلامه تنطع وتوسع كأنه ملأ به فيه. انتهى.
ولم يذكر من معانيه التكبر وهو مضبوط بالموحدة بعد الكاف في نسخ "الجامع" والتيسير.
ولكنه لم يأت في اللغة تفسير التفيهق بالتكبر، ولو ضبط بالمثلثة أي: المتكثرون في الكلام المتوسعون فيه لكان صحيحاً، إلا أنها تكون معاني الثلاثة الألفاظ متقاربة فلينظر.
٥ - وعن النواس بن سمعان ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ الله ﷺ عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ، فَقَالَ: "اْلِبِرِّ حُسْنَ الخُلُقِ، وَالْإِثْمُ: مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهْ النَّاسُ". أخرجه مسلم (٤) والترمذي (٥). [صحيح].
стр. 1856
"حَاكَ" أي تردد في الصدر.
قوله: "وعن النواس بن سمعان" بفتح النون وتشديد الواو آخره سين مهملة، وسمعان بكسر السين المهملة فميم فعين مهملة، صحابي سكن الشام وهو معدود فيهم.
قوله: "عن البر" بكسر الموحدة، في "النهاية" (١) أنه الإحسان، وفي أسماء الله البر بفتحها وهو العطوف على عباده، ولم يأت البار في أسمائه، وفسّره ﷺ بحسن الخلق؛ لأنه جامع لكل إحسان، ولهذا كان يدعو به في صلواته "اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت".
وَ"الإثم" بكسر الهمزة فمثلثة الذنب فسّره ﷺ بما حاك في الصدر وفي لفظ "ما حاك في نفسك" أي: أثر فيها [٣٠٦ ب] ورسخ.
يقال: ما يحك كلامك في فلان، أي: ما يؤثر فيه، كذا في "النهاية" (٢)، وفي "غريب الجامع" (٣): يقال: حاك هذا الأمر في صدري إذا دار في خاطرك وفكرت فيه، والمصنف فسّره بما ترى.
قوله: "وكرهت أن يطلع عليه الناس" فيه دليل أنّ الله جعل في القلوب إدراكاً للذنوب، وأن الشيء الذي يكره اطلاع الناس عليه دليل على أنه من الإثم، وهذا هو الذي يعبر عنه بالزاجر، وإليه أشار الشاعر بقوله:
لا تنته الأنفس عن غيّها ... ما لم يكن منها لها زاجرُ
стр. 1857
وهو معنى الحديث الآخر "استفت قلبك وإن أفتاك المفتون" (١) وفي معناه أحاديث.
كتاب: الخوف
في "التعريفات" (٢): الخوف توقع مكروه، أو فوتُ محبوب، ذكره ابن الكمال (٣)، وقال الحرالّي (٤): حذر النفس من أمور ظاهرها تضره, وقال التفتازاني (٥): غم يلحق الإنسان مما يتوقعه من السوء.
وقال الراغب (٦): توقع مكروه عن إمارة مظنونة أو معلومة، كما أن الرجاء توقع محبوب كذلك وضده الأمن، ويستعمل في الأمور الدنيوية والأخروية. انتهى.
١ - وعن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ المَنْزِلِ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ الله غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ الله الجَنَّةُ". أخرجه الترمذي (٧). [صحيح لغيره].
стр. 1858
قوله: "في حديث أبي هريرة [٢٣٥/ أ] من خاف أدلج" ابن الأثير (١) الإدلاج مخففاً السير من أول الليل، والإدلاج مثقلاً السير من آخره, والمراد بالإدلاج [ها] (٢) هنا التشمير في أول الأمر، فإنّ من سار من أول الليل كان جديراً ببلوغ المنزل. انتهى.
قوله: "سلعة الله" السلعة المتاع كما في "القاموس" (٣)، شبّه الجنة بالمتاع بجامع أنها معروضة على العباد بثمن سهل هو الطاعة.
في الحديث [٣٠٧ ب] حث على المسارعة مأخوذ من ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ (٤)، ومن ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (٥)، وإنما كانت سلعة الله غالية؛ لأنها لا توجد إلا بالتشمير لها والخوف من فوتها والاجتهاد فيما يقرب إليها.
قوله: "أخرجه الترمذي" وقال حسن.
٢ - وعن أنس ﵁: دَخَلَ رَسُولَ الله ﷺ عَلَى شَابٍ وَهُوَ فِي المَوْتِ، فَقَالَ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ فَقَالَ: أَرْجُو الله [تَعَالَى] (٦) يَا رَسُولَ الله، وَأَخَافُ ذُنُوبي، فَقَالَ ﷺ : "مَا اجْتَمَعَا فِي قَلْبِ
стр. 1859
عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا المَوْطِنِ إلَّا أَعْطَاهُ الله مَا يَرْجُو، وَآمَنَهُ ممَّا يَخَافُ. أخرجه الترمذي (١). [إسناده حسن].
قوله: "في حديث أنس كيف تجدك" بفتح المثناة الفوقية, أي: كيف تجد نفسك، ولمّا كان "وجد" من أفعال (٢) أي بضمير الفاعل والمفعول لشيء واحد.
قوله: "قال أرجو الله" لسعة رحمته وعفوه وكرمه، و"أخاف ذنوبي" لئلا أعاقب بها.
قوله: "ما اجتمعا" أي: رجاء الله وخوف الذنوب في قلب عبد يكون راجياً خائفاً في مثل هذا الموطن، وهو قرب لقاء الله؛ لأنه قال: "وهو في الموت" أي: في سياقه "إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف"، والعبد إذا نظر إلى نفسه وعيوبه وآفات جهله انفتح له باب الخوف، وإذا نظر إلى سعة فضل الله وكرمه وبره انفتح له باب الرجاء، ولذا قيل في حد الرجاء (٣) هو النظر إلى سعة رحمة الله ويقال الخوف والرجاء كجناحي (٤) طائر إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه، وإذا انقص أحدهما وقع النقص، وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت، وهنا مسألة
стр. 1860
اختلفوا فيها وهي - أي الرجاء - أيحمل رجاء المحسن ثواب إحسانه أو رجاء المذنب المسيء التائب مغفرة ربه وعفوه.
فطائفة رجحت رجاء المحسن بقوة أسباب الرجاء معه, وطائفة رجحت رجاء المذنب؛ لأن رجاءه مجرد عن علمه رؤية العمل مقرون بذله رؤية الذنب.
قاله يحيى بن معاذ (١): "يكاد رجائي لك [٣٠٨ ب] مع الذنوب يغلب رجائي لك مع الأعمال؛ لأني أجدني أعتمد في الأعماله على الإخلاص, وكيف أحرزها، وأنا بالآفات معروف؟ وأجدني في الذنوب أعتمد على عفوك وكيف لا تغفرها وأنت بالجود موصوف؟ ".
وقال أيضاً: "إلهي أجلُّ العطايا في قلبي رجاؤك، وأعذب الكلام على لساني ثناؤك, وأحبُّ الساعات إلي ساعة يكون فيها لقاؤك".
٣ - وعن عائشة ﵂ قَالَتْ: "مَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ مُسْتَجْمِعَاً قَطَّ ضَاحِكَاً حَتَّى أَرَى مِنْهُ لهَوَاتَهِ، إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ". أخرجه الخمسة (٢) إلا النسائي. [صحيح].
وزاد البخاري (٣) في رواية: وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا عُرفَ فِي وَجْهِهِ, قَفلْتُ: يَا رَسُولَ الله! النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْغَيْمَ فَرِحُوا رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ المَطَرُ، وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَ غَيْمًا عُرِفَ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهَةُ, فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ! مَا يُؤْمِنُني أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ [] (٤) عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ فَقَالُوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ ". [صحيح]