عليهم وقولوا بالحق حيثما كنتم، وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين. انتهى.
قلت: ودعواه الإجماع باطلة فقد قال القاضي عياض (١): إنه قد ادعى الإجماع على هذا أبو بكر بن مجاهد، وقد رد عليه بعضهم بقيام الحسن وابن الزبير، وأهل المدينة على بني أمية وبقيام جماعة عظيمة من التابعين والصدر الأول مع ابن الأشعث على الحجاج.
وتأول هذا القائل قوله: "وأن لا ننازع الأمر أهله" في أئمة العدل. وقد قيل: إن خروج من خرج على الحجاج لتغييره الشريعة، وظهور شعار الكفر.
قال القاضي عياض (٢): لو طرأ عليه كفر أو تغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك فإن لم يقع ذلك لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر، ولا يجب على المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه، فإن تحققوا لم يجب القيام وليهاجر المسلم من أرضه إلى غيرها، ويفر بدينه. انتهى.
قلت: وهذا مبني على إيجاب الهجرة من دار الفسق والحق عدم وجوبها ما لم يحمل فيها على ارتكاب المعصية.
٤١/ ٢ - وعَن عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الأَشْجَعِيُّ ﵁ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ تِسْعَةً، أَوْ ثَمَانِيَةً، أَوْ سَبْعَةً فَقَالَ: "أَلاَ تُبَايِعُونَ رَسُولَ الله ﷺ " فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ الله! فَعَلَى مَا نُبَايِعُكَ يا رسول الله؟! قَالَ: "عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا الله وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَتُطِيعُوا، وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً, وَلاَ تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا". فَلَقَدْ رأيْتُ بَعْضُ أُولَئِكَ
стр. 212
النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ. أخرجه مسلم (١)، وأبو داود (٢)، والنسائي (٣). [صحيح].
قوله: "وعن عوف بن مالك الأشجعي".
أقول: في "الاستيعاب" (٤): يكنى أبو عبد الرحمن، ويقالُ: أبو حماد، ويقالُ: [أبو عمرو] (٥) وأول مشاهده خيبر، وكانت معه راية أشجع يوم الفتح.
سكن الشام وعمر ومات في خلافة عبد الملك بن مروان سنة (٧٣) روى عنه جماعة.
فقال: "ألا تبايعوني".
أقول: الحديث اشتمل على ما اشتمل عليه ما قبله.
قال النووي (٦): المبايعة: المعاهدة، وهي مأخوذة من البيع، لأن كل واحد كان يمد يده إلى صاحبه، وكذا هذه البيعة يكون بأخذ الكف، وقيل: سميت مبايعة لما فيها من المعاوضة لما وعدهم الله من عظيم الجزاء.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (٧).
стр. 213
قوله: "وأسر كلمة خفية" فسرها قوله: "ولا تسألوا الناس شيئاً" وهو حث على العفة، وإفراد الله بإنزال الحاجات به وعدم سؤال أحد من العباد شيئاً من الأشياء، ويأتي تحريم السؤال وجواز ما يجوز منه [٧١/ ب].
٤٢/ ٣ - وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: كُنَّا إذا بايَعْنَا رَسُولَ الله قال: ﷺ : عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فَيَقُولُ لَنَا: "فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ" أخرجه الستة (١). [صحيح].
الحديث الثالث: تقدم معناه، وفيه زيادة أنه كان ﷺ يلقنهم: "فيما استطعتم".
قال النووي (٢): وهذا من كمال شفقته ورأفته بأمته يلقنهم أن يقول أحد: فيما استطعت لئلا يدخل في عموم تنفيذ ما لا يطيقه، وفيه: أنه إذا رأى الإنسان من يلتزم ما لا يطيقه ينبغي له أن يقول: لا تلتزم ما لا تطيق فيضرك تنفيذه، وهو من نحو قوله ﷺ : "عليكم من الأعمال ما تطيقونه" (٣) انتهى.
والحديث فيه حكم واحد، وهو أنه لا تكليف إلا بما يطاق.
الحديث الرابع:
٤٣/ ٤ - وعَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَتَيْتُ النَّبي ﷺ فِي نِسْوَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله! نُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ لاَ نُشْرِكَ بِالله شَيْئًا، وَلاَ نَسْرِقَ، وَلاَ نَزْنِي، وَلاَ نَأْتِي بِبُهْتَانٍ نَفْتَرِيهِ بَيْنَ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا، وَلاَ نَعْصِيَكَ فِي مَعْرُوفٍ، قَالَ: "فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَقْتُنَّ". فقلنا: الله وَرَسُوُلهُ أَرْحَمُ بِنَا مِنَّا بأنْفُسِنَا، هَلُمَّ نُبَايِعْكَ. قال سفيان ﵀: تعني صافحنا؟ فقال: "إِنِّي لاَ
стр. 214
أُصَافِحُ النِّسَاءَ، إنَّمَا قَوْلي لمِائَةِ امْرَأَةٍ كَقَوْلي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ مِثْلِ قَوْلي لامْرَأَةٍ واحِدَةٍ" أخرجه مالك (١) والترمذي (٢) والنسائي (٣). [صحيح].
٤٤/ ٥ - وللشيخين (٤) وأبي داود (٥) رحمهم الله تعالى عن عائشة ﵂: مَا مَسَّ رَسُولُ الله ﷺ يَدَ امْرأَةٍ قَطُّ إِلاَّ أَنْ يَأْخذَ عَلَيْهَا، فَإِذَا أَخَذَ عَلَيْهَا فَأَعْطَتْهُ قَالَ: "اذْهَبِي فَقَدْ بَايَعْتُكِ". [صحيح].
قوله: "وعن أميمة بنت رقيقة":
أقول: في التقريب (٦): أميمة بنت رقيقة - بالتصغير فيهما - وفي "الاستيعاب" (٧): أميمة بنت رُقَيقة أمها رقيقة بنت خُويلد بن أسد بن عبد العزَّى (٨) أخت خَديجة زوج النبي ﷺ ، وأميمة بنت عبد [بن] (٩) بَجاد وهو - بكسر الباء الموحدة - من بني تَيمْ مُرَّة روى عن أميمة محمد بن المنكدر وابنتها حكيمة بنت أمية [٢٦/ أ].
стр. 215
قوله: "فقلنا: نبايعك":
أقول: من الطالِبات للبيعة، وكأنهن قد علمن بآية بيعة النساء فبايعن بما اشتملت عليه، [وتقدم] (١) تفسير البهتان بأنهن: [لا] (٢) يأتين بولد من غير أزواجهن [فيلصقنه] (٣) بهم كذباً وافتراءً.
قوله: "فقال: فيما استطعتن وأطقتن"، هذا ينبغي أن يعاد إلى عدم العصيان في معروف لا إلى الخمسة الأولى، فإنها مطاقة ولا يباح منها شيء.
قوله: "لا أصافح النساء".
قال النووي (٤): فيه أن بيعة النساء الكلام من غير أخذ كف، وفيه: أن بيعة الرجال بأخذ الكف مع الكلام، وفيه: أن [٧٢/ ب] كلام الأجنبية يباح سماعه عند الحاجة، وأن صوتها ليس بعورة، وأنه لا يمس بشرة الأجنبية من غير ضرورة، فإن كان ضرورة كطب وحجامة وقلع ضرس وكحل عين ونحوها ما لم توجد امرأة تفعل جاز للرجل الأجنبي فيه للضرورة.
قوله: "إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة" قيل: فيه قلب، والمراد إنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة لأن غالب الخطاب مع الواحد فما فوقه دون المائة ويحتمل أن لا قلب، والمراد: إنما قولي للكثير كقولي للقليل.
стр. 216
قوله: "إلا أن يأخذ عليها" قال النووي (١): هذا استثناء منقطع وتقدير الكلام: ما مس امرأة قط، لكن يأخذ عليها البيعة بالكلام، فإذا أخذها بالكلام قال: اذهبي فقد بايعتك.
وهذا الحديث فيه من الأحكام ما في غيره، وأفاد عدم مصافحة النساء.
الفصل الثالث: في أحكام متفرقة (٢)
الفصل الثالث من فصول أحكام الإيمان والإسلام: في أحكام متفرقة عدَّ فيه المصنف أربعة أحاديث .. خمسة أحاديث.
٤٥/ ١ - عَن عَمْرِو بْنِ الأَحْوَصِ ﵁ قال: شَهِدتُ حِجَّةَ الْوَدَاعِ مَعَ النبي ﷺ فَحَمِدَ الله وَأثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَّرَ وَوَعَظَ، ثُمَّ قَالَ: "أَيُّ يَوْمٍ أَحْرَمُ؟ أَيُّ يَوْمٍ أَحْرَمُ؟ أَيُّ يَوْمٍ أَحْرَمُ" قَالَ: فَقَالَ النَّاسُ: يَوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَرِ، قَالَ: "فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا في بَلَدِكُمْ هَذَا في شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلاَ لاَ يَجْنِي جَانٍ إِلاَّ عَلَى نَفْسِهِ، وَلاَ يَجْنِي وَالِدٌ عَلَى وَلَدهِ، وَلاَ وَلَدٌ عَلَى وَالِدهِ، أَلاَ إِنَّ الْمُسْلِمَ أَخُو الْمُسْلِمِ، فَلَيْسَ يَحِلُّ لمُسْلِمٍ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ إِلاَّ مَا أَحَلَّ مِنْ نَفْسِهِ، أَلاَ وَإِنَّ كُلَّ رِبًا في الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ - غَيْرَ رِبَا الْعَبَّاسِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، أَلاَ وَإِنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ في الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ دَمٍ أَضَعهُ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ دَمُ الْحَارِثِ بْنِ عبد المُطَّلِبِ كَانَ مُسْتَرْضِعًا في بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، أَلاَ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّهُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجعِ، وَاضْرُبوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِنْ أَطَعْنكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً، أَلاَ إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا: فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ فَلاَ يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، وَلاَ يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ مَنْ
стр. 217
تَكْرَهُونَ، أَلاَ وَإِن حَقَّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ، ألَا وإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبَد فِي بلدِكُمْ هذا أبداً، وَلَكِنْ ستكونُ لهُ طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم وسيرضى به" أخرجه الترمذي (١) وصححه. [صحيح].
"عوان": أي: أسيرات.
الأول: "عن عمرو بن أبي الأحوص" أي: ابن جعفر الجشمي له صحبة ورواية.
ولكن الذي في الجامع: عن سليمان بن عمرو بن الأحوص قال: حدثني أبي أنه شهد حجة الوداع، فحذف المصنف سليمان وقال: أبي الأحوص، ولا بأس بحذف سليمان الراوي عن أبيه لأن أباه هو الصحابي الراوي.
في "الاستيعاب" (٢): عمرو بن الأحوص بن جعفر بن كلاب [الجُشَمي] (٣) الكلابي: اختلف في نسبه.
هو والد سليمان بن عمرو، روى [٧٣/ ب] عنه ابنه سليمان بن عمرو بن الأحوص حديثه عن النبي ﷺ في خطبته في حجة الوداع (٤)، وفي رمي الجمار أيضاً، وحديثه في الخطبة عن النبي ﷺ صحيح.
стр. 218
قوله: "حجة الوداع".
أقول: هي حجته ﷺ سنة عشر من الهجرة تأتي صفتها. وسميت بالوداع لأنه ﷺ ودع الناس وقال: "لعلِّي لا أحج بعد عامي هذا".
وقوله: "فحمد الله وأثنى عليه" لم يعين اليوم الذي خطب فيه، وقد ثبت أنه خطب في عرفات، وفي منى، ولكنه قد عينه حديث ابن عباس عند البخاري (١) [أنه] (٢) يوم النحر.
قوله: "ثم قال ثلاثاً" لفظ الجامع (٣): ثم قال: "أي يوم أحَرم؟ أي يوم أحرَم؟ أي يوم أحرم؟ "
قوله: "قالوا" لفظ الجامع (٤): قال الناس: يوم الحج الأكبر يا رسول الله! وفيه دليل أنهم قد علموا عظمة يوم الحج الأكبر.
واختلف الناس في تعيينه قال ابن الأثير (٥): يوم النحر، وقيل: هو يوم عرفة، وإنما سُميَ الحجّ الأكبر، لأنهم يسمُّون العمرةَ: الحجَّ الأصغر.
"وأعراضكم" العرض: النفس، وقيل: الحسب قاله ابن الأثير في غريب الجامع (٥).
стр. 219
وفي "النهاية" (١) له: العِرْض: موضعُ المدْح والذَّم من الإنسان، سواءً كان في نفسه أو في سَلَفه أو مَنْ يَلْزمه أمْرُه. وقيل: هو جَانبُه الذي يَصُوُنه وحَسَبه، ويُحَامِي عنه أن يُنْتَقَص، ويُثْلَبَ. وقال ابن قتيبة: عِرْضُ الإنسان نَفْسُه وبدَنُه لا غيرُ. انتهى.
قوله: "لا يجني جانٍ".
أقول: الجنايَةُ: الذَّنْبُ ما يفعله الإنسان مما يوجب عليه الجزاء، إمَّا في الدنيا؛ وإما في الآخرة. ويريده ﷺ : أنَّه لا يُطالبُ بجناية الجاني [٧٤/ ب] غُيرُه، من أقاربه وأباعِدِه، وقد فسَّره في الحديث: "لا يجني ولدٌ ولا يجني والدٌ على ولده" أي: إذا جنى أحدهما لا يطالَبُ به الآخر، وقد كان ذلك معتاداً بين العرب [قاله] (٢) ابن الأثير (٣).
قلت: وهو الآن باقٍ في بوادي اليمن وغيرها.
قوله: "عوان" - بالعين المهملة - جمع عانية، وهي مؤنثة العاني: الأسير شبه. النساء بالأسرى عند الرجال، لتحكمهم فيهن، واستيلائهم عليهن قوله: [٧٥/ ب] [٢٧/ أ].
٤٦/ ٢ - وعَن ابْن عُمَر ﵄ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "أَلاَ أَيُّ شَهْرٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمَ حُرْمَةً؟ " قَالُوا: أَلاَ شَهْرُنَا هَذَا، قَالَ: "أَلاَ أَيُّ بَلَدٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟ " قَالُوا: أَلاَ بَلَدُنَا هَذَا، قَالَ: "أَلاَ أَيُّ يَوْمٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟ " قَالُوا: أَلاَ يَوْمُنَا هَذَا، قَالَ: "فَإِنَّ الله تَعَالَى قَدْ حَرَّمَ دمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ، إِلاَّ بِحَقِّهَا، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ" - ثَلاَثًا كُلُّ ذَلِكَ يُجِيبُونَهُ [٧٦/ ب] أَلاَ نَعَمْ - قَالَ: "وَيْحكُمْ -
زاد مسلم (١) ﵀: قَالَ ثُمَّ انْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ فَذَبَحَهُمَا، وَإِلَى جُزَيْعَةٍ مِنَ الْغَنَمِ فَقَسَمَهَا بَيْنَنَا.
وزاد رُزينٌ ﵀ في آخره: ثَلاَثٌ لا يُغَلُّ عَليْهِنَّ قَلْبُ مؤمن أبداً: إِخْلاصُ العَمَلِ للهِ، وَمُنَاصَحَةُ ولاة الأمر، وَلُزُومِ جماعة المسلمينَ، فَإِنَّ دَّعْوَتهم تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ" قال ابن الأثير (٢): ولم أرَ هذه الزيادة في الأصول.
"الجزيعة" بالزاي: القطعةُ من الغَنمِ، وقولُهُ: "لا يُغلُّ" بضم الياء من الإغلال وهو الخيانة. وقيل: بفتحها من الحقدِ، والمعنى: أن هذه الخلال الثلاث تُسْتصلَحُ بها القلوبُ فمنْ تمَسكَ بها طهُر قلبه من الخيانةِ والدغَّلِ والشر [٧٩/ ب].
٤٨/ ٤ - وعَنِ هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ يقول: اقرءوا: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ فَأبوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ, كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ " حَتَّى تَكُونوا أنْتُم تَجِدُونها" قَالَوا: يا رسول الله! أفرأيت من يموتُ صَغِيْراً؟ قال: "أعلمُ بما كانوا عاملين". أخرجه الستة إلا النسائي (٣)، وهذا لفظُ الشيخين، وللباقين بنحوه.
وفي أخرى (٤): "ما منْ مولودٍ يولدُ إلا وهوَ على [٨٠/ ب] هذه الملة حتى يُبينَ عنه لسانهُ" [صحيح].
стр. 222
[] (١) وإنما دعا بذلك لما أوحى الله: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ (٢).
قلت: لا يخفى أن نوحاً قال: ﴿مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ والولدان لا يسمون كافرين كيف وهم مولودون على الفطرة، فلا دليل في الآية.
وأما أنهم أغرقوا، فهكذا جرت حكمة الله في إهلاك الكفرة تعميم إنزال العذاب الدنيوي بالجميع من صغير وكبير وعاقل ومجنون، فلا دليل فيه على كفر الولدان.
قال: وأما حديث: "هم من آبائهم" فذاك ورد في حكم الحرب.
وأما ما رواه أحمد (٣) من حديث عائشة سألت رسول الله ﷺ عن ولدان المسلمين؟ قال: "في الجنة" وعن أولاد المشركين؟ قال: "في النار" فقلت: يا رسول الله! لم يدركوا الأعمال! قال: "ربك أعلم بما كانوا عاملين لو شئت أسمعتك تضاغيهم في النار" فهو حديث ضعيف جداً، لأن في إسناده أبا عقيل مولى بهية، وهو متروك.
الثالث: أنهم في برزخ بين الجنة والنار؛ لأنهم لم يعملوا حسنات يدخلون بها الجنة، ولا سيئات يدخلون بها النار (٤).
стр. 223
الرابع: انهم خدم أهل الجنة، وفيه حديث عراس (١) ضعيف.
الخامس: أنهم يصيرون تراباً (٢).
стр. 224
السادس: أنهم يمتحنون في الآخرة بأن ترفع لهم نار، فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً، ومن أبى عذب.
أخرجه البزار من حديث أنس (١) وأبي سعيد (٢).
стр. 225
وحكى البيهقي في كتاب الاعتقاد (١) أنه المذهب الصحيح.
السابع: الوقف، هذا خلاصة ما في المسألة. والحق الأول عقلاً ونقلاً.
قوله: "الستة إلا النسائي".
قلت: وقال الترمذي: حسن صحيح.
"وهذا لفظ الشيخين" أقول: ساق ابن الأثير (٢) ألفاظهما، وفيها بعض اختلاف ثم قال: هذه طرق البخاري ومسلم.
قوله: "وفي أخرى".
أقول: أي: لمسلم (٣) كما [١٨/ ب] يفيده بيان ابن الأثير ولفظه: "ما من مولود يولد إلا وهو على الملة" زاد في أخرى (٤): "على هذه الملة حتى يبن عنه لسانه" والمراد بالملة ملة الإسلام كما عرفت أنها المراد بالفطرة.
стр. 226
الباب الثالث: (في أحاديث متفرقة تتعلق بالإيمان والإسلام)
قوله: "عدَّ فيه أربعة أحاديث، وفي الجامع خمسة, الأول":
٤٩/ ١ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كمثلُ الزَّرْعِ لاَ تَزَالُ الرِّيحُ تُميلُهُ وَلاَ يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يُصِيبُهُ الْبَلاَءُ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ شَجَرَةِ الأَرْزِ لاَ تَهْتَزُ حَتَّى تَسْتَحْصِدَ". أخرجه البخاري (١) والترمذي (٢). [صحيح].
الأرز: بسكون الراء: شجر الصنوبر.
قوله: "مثل المؤمن" أي: صفته العجيبة الشأن مثل آية الزرع.
أقول: في البخاري (٣) لفظين كلاهما بلفظ: "كخامة الزرع" عقد له باب ما جاء في كفارة المرض (٤).
"والخامة" - بالخاء المعجمة وتخفيف الميم - هي: الطاقة الطرية اللِّيّنَةُ، ووجه الشبه أشار إليه قوله: "لا تزال [الريح] (٥) تميله" وفي لفظ لمسلم (٦): تُفيئُه الريح تصرعها مرة وتعدلها أخرى، ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء" فقد شبه البلاء بالريح، والمؤمن بخامة الزرع والجامع أنهما لا يزالان في استقامة تارة وسلامة، وفي عناء أخرى.
стр. 227
وقوله: "ومثل المنافق" وفي لفظ البخاري (١): "الفاجر" ولمسلم (٢): "الكافر".
"كشجرة الأرزة" - بفتح الهمزة وبسكون الراء - في الأكثر، كما قال المصنف. وقيل: بتحريكها. قيل: إنه الصنوبر، وأنه لا يحمل شيئاً، وإنما يستخرج من أعاجزه وعروقه الدلف. وقيل: إنه العرعر. وقيل: شجر بالشام. وقيل: إنه شجر مقتدر صلب لا تحركه هبوب الرياح. ذِكْرَه وجه الشبه بين الفاجر، وهذه الشجرة بقوله: "لا يهتز حتى يستحصد" أي: يطلب الحصاد ويهيأ له.
قال المهلب: معنى الحديث: أن المؤمن حيث جاءه أمر الله انطاع له، فإن وقع له خير فرح به وشكر، وإن وقع له مكروه صبر ورجا فيه الأجر والخير، فإذا اندفع عنه اعتدل شاكراً.
والكافر لا يتفقد الله باختباره، بل يحصل له التيسير في الدنيا ليتعسر عليه الحال في المعاد حتى إذا أراد الله هلاكه قصمه، فيكون موته أشد عذاباً عليه، وأكثر ألماً خروج نفسه.
الحديث الثاني:
٥٠/ ٢ - وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "مَثَلُ المؤمِن كمَثلِ شجرةٍ خَضْراء لاَ يَسْقُطُ وَرَقُهَا وَلاَ يَتَحَاتُّ" فَقَالَ الْقَوْمُ: هِي شَجَرَةُ كَذَا. هِي شَجَرَةُ كَذَا، فَأَرَدْتُ أَنْ أقُولَ هِي النَّخْلَةُ. وَأَنَا غُلاَمٌ شَابٌّ فَاسْتَحْيَيْتُ، فَقَالَ: "هِي النَّخْلَةُ" أخرجه الشيخان (٣) [صحيح].
قوله: "وعن ابن عمر".
стр. 228
أقول: أخرجه البخاري (١) في مواضع [٨٢/ ب].
وقوله: "لا يسقط ورقها" وهو وجه الشبه. قال الحافظ (٢): ووجه الشبه بين النخلة والمسلم من جهة عدم سقوط الورق ما زاده الحارث بن أبي أسامة (٣) في هذا الحديث من وجه آخر عن ابن عمر، ولفظه قال: كنا يوماً عند النبي ﷺ ذات يوم فقال: "إن مثل المؤمن كمثل شجرة لا تسقط لها أنملة، أتدرون ما هي؟ " قالوا: لا. قال: هي النخلة لا تسقط لها أنملة، ولا تسقط لمؤمن دعوة".
قال: وقوله: "النخلة" موجود في جميع أجزائها مستمر في جميع أحوالها، فمن حين تطلع إلى أن تبسر تؤكل أنواعاً، ثم بعد ذلك ينتفع بجميع أجزائها حتى النوى في علف الدواب والليف في الحبال، وغير ذلك مما لا يخفى، وكذلك بركة المسلم عامة في جميع الأحوال ونفعه مستمر له ولغيره حتى بعد موته.
قوله: "فقال القوم: هي شجرة كذا".
أقول: لأنه قال ﷺ للمخاطبين: "فحدثوني ما هي" وبوب له البخاري (٤) باب: قول المحدث حديثاً.
стр. 229
قوله: "فاستحييت" زاد البخاري في روايته: "فأردت أن أقول: هي النخلة فإذا أنا أصغر القوم". وله عدة ألفاظ عند البخاري [٢٨/ أ].
الثالث:
٥١/ ٣ - وعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الْكِلاَبِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ الله ضَرَبَ مَثَلاً صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا عَلَى كَنَفَي الصِّرَاطِ زُوران (١) " وفي رواية: سُورانِ لَهُمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ, عَلَى الأَبْوَابِ سُتُورٌ، وَدَاعٍ يَدْعُو عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ وَدَاعٍ يَدْعُو فَوْقَهُ: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ فالأَبْوَابُ الَّتِي عَلَى كَنَفَي الصِّرَاطِ حُدُودُ الله تَعالَى فَلاَ يَقَعُ أَحَدٌ في حُدُودِ الله حَتَّى يُكْشَفَ السِّتْرُ، وَالَّذِي يَدْعُو مِنْ فَوْقِهِ وَاعِظُ رَبِّهِ". أخرجه الترمذي (٢).
стр. 230
وفسره رزينٌ في حديث رواهُ عن ابنِ مسعودِ (١) ﵁: أنَّ الصِرَاط هوَ الإسلامُ، وأنَّ الأبوابَ محارمُ الله تعالى، والستورُ حدود الله، والداعي عَلَى رَأسِ الصراط هو القرآن، والداعي فوقهُ واعظُ الله تعالى في قلبِ كل مؤمنٍ".
قوله: "وعن النوَّاس" (٢) - بفتح النون وتشديد الواو - ابن سِمْعان - بكسر الميم المهملة وسكون الميم - وهو ابن خالد بن محمد بن عمر سكن الشام وهو معدود فيهم. روى عنه جبير بن نفير، وأبو إدريس الخولاني.
قوله: "إن الله ضرب مثلاً" أبدل منه قوله: "صراطاً مستقيماً" أي: سوران كما قاله المصنف فإنما هي في رواية ابن مسعود التي أتى بها عن رزين غير مسندة كما في الجامع (٣) وعبارة المصنف أنها رواية للترمذي، ولم يذكرها ابن الأثير عنه.
و"كنفي الصراط" جانباه، وفسر الأبواب بحدود الله، والمراد بها المعاصي مطلقاً التي فيها حد، والتي لا حد فيها.
стр. 231
وقوله: [٨٣/ ب]: "حتى يكشف الستر" وذلك الستر هو نهي الله عنها، وفسر الصراط في الرواية الأخرى بالإسلام. والأبواب بمحارم الله. أي: ما حرمه على عباده والستور حدود الله فمن انتهك المحارم هتك الستور.
وفسر الداعي فوق الصراط بالقرآن، والداعي فوقه [واعظ] (١) الله في كل مؤمن، ولا ريب في مطابقة هذا التفسير، فإن الإسلام هو الصراط المستقيم فقد ذهب أئمة التفسير إلى أن المراد من قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ هو دين الإسلام.
وتفسير الأبواب بما حرمه الله، فإنه جعل في جوانب الدين محرمات مالية وبدنية حض الدين باجتنابها، وقد سترها الله عن عباده بإيجاب الحدود فيها والعقوبات في الدنيا والآخرة، فلا يكشف العبد تلك الستور، فيقع في المحظور.
ثم تفسير الداعي بالقرآن يوافق أن هذا يهدي للتي هي أقوم: [ولأنها نهي الله عن قربان حدود الله] (٢) ويقول: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ (٣) ونحوها.
وواعظ الله في قلب المؤمن هو الواعظ الذي فوق القرآن، وإنما جعله فوقه لأن القرآن تفهم وتدبر ونفعه به، وقد جعل الله القلوب على فطرة صحيحة سليمة يدرك بها الحق حقاً والباطل باطلاً، ولذا وردت الأحاديث الآتية بلفظ: "استفت قلبك، وإن أفتاك المفتون" (٤)
стр. 232
وفي لفظ: "وإن أفتوك وأفتوك" ولذا قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ (١) وقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ (٢) فالقلوب مفطورة على إدراك كل خير، والنفرة عن كل شر. فطرةٌ لا تغيرها وتعميها وتذل [٨٤/ ب] إدراكها إلا ارتكاب الذنوب والإعراض عن زاجرها، فإن للقلوب زواجر تزجر عن القبائح، ولذا قيل:
لا تنتهي الأنفس عن غيها ... ما لم يكن منها لها زاجر
وثبت في الحديث الصحيح (٣): "إِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كله، وإذا فَسَدَت فَسَدَ الجَسَد كُلُّهُ" فالقلب هو الإنسان، ولذا يقال:
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
стр. 233
ولهذا يعاقب الله العبد على ذنوبه بتقليب قلبه قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ [٢٩/ أ] أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ (١) فأخبر أنه عاقبهم بتقليب القلوب لعدم انقيادهم أول مرة لما دعتهم إليه الرسل وقبلته القلوب، فردوا الداعيين من الرسل والقلوب فعوقبت بتقليبها حتى أبصرت الحق باطلاً والباطل حقاً كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥﴾ (٢) فجعل الحجاب على القلوب من فهم القرآن لكونهم لا يؤمنون بالآخرة، بل قال: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ (٣) الآية. وكقوله: ﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ (٤) وغيرها مما ملأ به القرآن وثبت في السنة أضعاف ذلك.
ففي مسلم (٥) حديث: "تُعْرَضُ الفِتَنُ على القُلوبِ [كالحصير] (٦) عوداً عوداً، فأيُّ قلبٍ أشربَها نُكتَ فيه نكتةٌ سودَاءُ ... " الحديث، وسيأتي شرحه إن شاء الله تعالى.
ولقد اتفق نكتة دالة على سلامة الفطر ما لم تغير [٨٥/ ب] إني سافرت في بعض الأعوام إلى مكة المشرفة من طريق الحجاز فتوسطنا في بلاد الحرامية، وهي ديار ليس فيها شريعة ولا يعرفون إسلاماً، فقعد عندي صَبيَّان لم يبلغا سن التمييز أو هما في أول بلوغها، فما زالا يسألاني سؤال الصِبيان فأكثرا عليَّ حتى رأيا خاتماً في كفي فقالا: بكم هذا؟ فمن النزق
стр. 234
قلت لهما: بمائة قرش. فنظر أحدهما إلى الآخر، وقال: تعجب من ربك كيف يودهم وهم يكذبون! فعجبت لهذه الفطرة التي هدتهما أولاً إلى أن الخاتم لا يبلغ هذه القيمة، ثم إلى الإقرار بالرب، ثم التعجب من حلمه، ثم معرفة أن الكذب معصية يستحق عليها العقوبة، وأن من العقوبة أن يحول بين العاصي وبن رده إلى وطنه وبلوغه مقصده.
ولقد كان عندي صبي في أيام يخدم في البيت، فكان لا يتكلم إلا صدقاً، فلما جالس الناس، وتعلم منهم الكذب أخذ من أخلاقهم فذكرت قول المعري:
ومن صحب الليالي علمته ... خداع الإلف والفعل المحالا
فالعبد مفطور على عدم الأخلاق القبيحة والصفات المذمومة حتى يأخذها من أبناء جنسه، وهذا البحث يناسب حديث: "كل مولود يولد على الفطرة" وله مناسبة هنا.
قوله: "أخرجه الترمذي".
قلت: وقال: حسن (١)، وأخرجه أحمد (٢) والنسائي (٣) وابن جرير (٤) وابن المنذر وأبو إسحاق، والحاكم (٥) وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٦) من حديث النواس.
قوله: "وفسره رزين" أي: فسره ابن مسعود (٧) فيما رواه رزين.
стр. 235
قلت: بل هذا التفسير في رواية النواس المسوقة [٨٦/ ب] هنا فيما أخرجه من ذكرنا بلفظ: "والصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوق واعظ الله في قلب كل مسلم"، هذا لفظه.
الحديث الرابع:
٥٢/ ٤ - وعَنِ أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "بَدَأَ الإِسْلاَمَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كما بَدَأَ فَطُوبَى للغُرَباء" أخرجه مسلم (١) [صحيح].
стр. 236
"عن أبي هريرة: بدأ الإسلام غريباً".
أقول: أي أهل الإسلام، وذلك لأنه كان في أول أمره كالغريب الوحيد الذي لا أهل له لقلة المسلمين: "وسيعود غريباً" في آخر الزمان لقلة أهل الإسلام المحقق السالمة عن الابتداع المجدد لحسن الاتباع، فيصيرون أيضاً كالغرباء.
وقوله: "فطوبى للغرباء" أي: الجنة لأولئك المسلمين الذين قلوا في أول الإسلام، وسيقلون في آخره، وإنما خصهم بصبرهم على أذية الكفار وأهل الابتداع".
стр. 237
وأخرج أحمد في المسند من حديث ابن عمر (١) مرفوعاً: "إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ".
وأخرجه ابن ماجه من حديث ابن مسعود (٢) بزيادة في آخره (٣)، وهي:
قيل: يا رسول الله! ومن الغرباء؟ قال: "النزاع من القبائل".
وأخرجه أبو بكر الآجري (٤): قيل: ومن هم يا رسول الله؟! قال: "الذين يصلحون إذا فسد الناس".
وخرجه عميرة وعنده قال: "الذين يفرون بدينهم من الفتن".
وخرجه الترمذي (٥) من حديث كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده [٣٠/ أ] عن النبي ﷺ : "إن الدين بدأ غريباً ويرجع غريباً، فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس بعدي من سنتي".
وأخرجه الطبراني (٦) من حديث جابر بن عبد الله مرفوعاً وفيه: قيل: من هم يا رسول الله؟! [٨٧/ ب] قال: "الذين يصلحون إذا فسد الناس".
стр. 238
وأخرجه أحمد والطبراني من حديث ابن عمر (١) عنه ﷺ قال: "طوبى للغرباء" قلنا: ومن الغرباء؟ قال: "ناس صالحون قليل في ناس سوء كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم".
فقوله: "غريباً" يفسره حديث عياض بن حمار الذي أخرجه مسلم (٢) وفيه: إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، فلما بُعث النبي ﷺ ودعا إلى الإسلام لم يستجب له في أول الأمر إلا الواحد بعد الواحد من كل قبيلة، وكان المستجيب له خائفاً من عشيرته وقبيلته يؤذى غاية الأذى ويُنال منه، وهو صابر على ذلك، وشردوا كل مشرد إلى الحبشة وغيرها، ثم ظهر الإسلام بعد الهجرة، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، ثم لم يزل بعد وفاته ﷺ ووفاة خلفائه الراشدين يظهر الابتداع والفتن والتحاسد على الدنيا، وسفك الدماء عليها، والمذاهب الباطلة، وتحزب الناس، وصار الدين في غربة أشد من الغربة الأولى، ورفعت سنن الهدى واتسع نطاق الابتداع وفاض. بحر مضلات الأهويه واتبع كلٌ هواه وكفَّرت كل طائفة الأخرى، وحصروا الدين على مذاهب ابتدعوها، وفرقوا الصلوات في حرم الله وشغلوا المسجد بعمارات سموها بالمقامات معارضة لله بتسمية مقام إبراهيم لموضع قدمي خليله، والخطب عظيم، والأقلام لا تبلغ نطقها بمثقال ذلك من ذلك الأمر الجسيم، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ومما قلته (٣) في ذلك تشكياً إلى الله:
بدأ الدين غريباً مثلما ... قاله خير الأنام الكرما [٨٨/ ب]
ولقد عاد كما قال لنا ... وهو الصادق حقاً كَلِما
стр. 239
قد رأينا كلما فاه به ... أنه أصدق شيء كَلِما
فاغتربنا بين إخوان لنا ... وقرابات وقوم عظما
فارحم الله ما نحن به ... إذ غدونا مثل من في فيه ما
غربة عمت وجاءت بِدَعٌ ... عمت الكون وزادته عما
ليت شعري والأماني ضلةٌ ... تنشر السنة يوماً علما
ويكون النصر فيها للهدى ... ويولي غيره منهزما
ونطوف البيت سبعاً لا نرى ... بدعة فيه ونأتي زمزما
ونصلي فيه خمساً [جمعها] (١) ... واحد ما فيه تفريق لما
قد نهى الله تعالى عنه في ... سورة الشورى فأين العلما
ما لكم مزقتم الدين أما ... قد نهيتم عنه نهياً محكما
وكذا في كل أرض بِدَعٌ ... لا أخص اليوم هذا الحرما
إنما هذا مثال فاعتبر ... وعليه قس تجدها ظلما
ظلمةٌ قد عمت الكون فما ... تنظر الأنوار إلا حلما [٨٩/ ب]
стр. 240
الكتاب الثاني (١): كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة [٣١/ ج]
أقول: هذه الترجمة لفظ البخاري (٢) قال الحافظ في "الفتح" (٣): الاعتصام افتعال من العصمة، والمراد امتثال قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ (٤) الآية.
قال الكرماني: هذه الترجمة منتزعة من قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾؛ لأنَّ المراد بالحبل الكتاب، والسنة على سبيل الاستعارة والجامع كونهما سبباً لحصول المقصود هو الثواب، والنجاة من العذاب، كما أنَّ الحبل سبب لحصول المقصود به من السقاء وغيره.
стр. 241
والمراد بالكتاب القرآن المتعبد بتلاوته، والسنة ما جاء عن النبي ﷺ من أقواله، وأفعاله، وتقريره.
قال ابن بطال (١): لا عصمة لأحد إلا في كتاب الله، أو سنة رسوله، أو في إجماع العلماء على معنى في أحدهما. انتهى.
وبه تعرف أنَّ المراد وجوب الاعتصام بما ذكر، فإنه لا عصمة لغير الكتاب والسنة، فهو يجب على كل مكلف معرفة ما يجب عليه مما دلاّ عليه.
[وفيه بابان] (٢):
الباب الأول: (في الاستمساك بهما)
أقول: في "القاموس" (٣): مسك به، وأمسك، وتماسك، واستمسك، ومسك احتبس واعتصم به.
والمصنف أخذ الترجمة من لفظ الحديث الآتي:
٥٣/ ١ - عَنْ مَالِكٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمسَّكْتُمْ بِهِمَا: كتَابَ الله وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ ﷺ " (٤). [صحيح لغيره].
стр. 242
قوله: إنه بلغه.
أقول: رواية البلاغ مرسلة، مجهول صحابيها.
قوله: "لن تضلّوا".
الضلال في "النهاية": الضياع، ومنه: ﴿ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وعبارة القاموس: الضلال: محركة ضد الهدى.
وقوله: "كتاب الله وسنة رسوله":
منصوبان بدلين من أمرين، ويصح رفعهما على الاستئناف، كأنه قيل: ما بهما ولا ريب أن الاعتصام بهما يؤمن معه من الضلال، وينال به الهدى، وإنما عبّر بعدم الضلال؛ لأنه الأمر المخوف؛ إذ به هلاك الدارين، فخصه ليعلم الأمر منه، ويعلم الطريق المقابلة، واللزوم أنهم يهتدون بهما إلى طريق النجاة.
٥٤/ ٢ - وعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي: أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ كِتَابُ الله حَبْلٌ مَمدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَىَّ الْحَوْضَ، فَانْظُرُوا كيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهَما". أخرجه الترمذي (١) [صحيح لغيره].
وقوله: الحديث الثاني: "أحدهما أعظم من الآخر وهو كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض".
في "النهاية" (٢) أي: نُور مَمْدُود يعني: نُورَ هُدَاه، والعرب تُشبه النُّور الممتدّ بالخيط، والحبل. انتهى.
стр. 243
وقد شمل ما فيه الكتاب تخليفه السنة؛ لأن الكتاب دل على الاهتداء بها: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١).
وقوله: وعدم الضلال لمن [٥٢/ ج] تمسك بهما واضح، فإنَّ الله أنزل كتابه نوراً وهدىً ورحمة: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٢) فكلُّ أخذ به قد أمن من الضلال، ووصل إلى الهدى، ومن الاهتداء به اتباع السنة، فإنه دلَّ على أنها بيان له، وإيضاح ليبين للناس ما نزل إليهم، وقد أكمل الله الدين بهما قال الله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٣).
فلم ينقل الله رسوله إلى دار البقاء إلا بعد كمال الدين، وإتمام النعمة ممن اتبع الهدى من غير الكتاب والسنة، فقد ضلَّ عن سواء السبيل، وكأنه يقول: الدين لم يتم، بل توفيته بآرائنا وتقليد علمائنا، كان خالف الكتاب والسنة، وعدم الضلال به لا يكون بمجرد وجود ألفاظه بين الأمة، بل باستخراج الأحكام الشرعية منه، ومعرفة المراد به، والعمل عادل عليه، والانتهاء بنواهيه، والائتمار بأوامره، وجعله إماماً يهتدى بهديه في كل ما دلّ عليه، ويدل له ما يأتي في صفته في حديث الترمذي الآتي في حرف التاء في التفسير (٤) من ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حديث جليل سيأتي إن شاء الله تعالى، وإذا عرفت أنه لم يتركه ﷺ بمجرد تلاوة ألفاظه، وإقامة حروفه والإعراض عن استنباط أحكامه، واقتباس أنواره، بل الأهم منه أن يوجد منه الأحكام، ويستخرج منه الشرائع، ويكون قدوة وإماماً.
стр. 244
وأمَّا قول من قال: إنه يعد للاجتهاد، فيأتي تحقيق ذلك في كتاب التفسير إن شاء الله تعالى.
وقوله: "أهل بيتي" بدل من عترتي، ففي "القاموس" (١) العِتْرة بكسر: نَسْل الرجُل ورهْطُه، وعشيرته الأدْنَوْن مِمَّن مَضَى وغَبَر. انتهى وفيه (٢) أن الآل أهل الرجل، وأتباعه وأوليائه. انتهى.
فعلى تقييده العترة لمن مضى وغبر قد قيده لفظ: "أهل بيتي" لما أبدله منه بالموجودين. ثم إنه اختلف العلماء قديماً وحديثاً من أراد بأهل بيته، ويأتي ذكر الخلاف فيه والأقوال في حرف الفاء إن شاء الله عند ذكر فضائل أهل بيته ﷺ ، وأما هنا فقد كفانا الراوي، وهو زيد بن أرقم فإنه فسرهم لما قيل له: من أهل بيته يا زيد! أليس نساؤه من أهل بيته؟ فقال: إن نساءه من أهل بيته, ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، قال له السائل: ومن هم؟ قال: هم آل علي، وآل عقيل، وال جعفر، وآل العباس، قال له: أكل هؤلاء حرم عليهم الصدقة؟ قال: نعم. وقد ثبت أحاديث: "إن الصدقة لا تحل لآل محمد وأهل بيته" (٣) وآل محمد بمعنى: واحد هنا.
стр. 245
وقوله: "لن يفترقا" كذا في الجامع (١) وفي الترمذي (٢): "ولن" بزيادة الواو.
واعلم أن حديث زيد بن أرقم سيأتي للمصنف في حرف الفاء فضل أهل البيت من رواية مسلم في صحيحه (٣) وفيه زيادة، وقد اختلف العلماء في المراد من التوصية بهم وبالكتاب.
فأما الكتاب فالاتفاق واقع بأنه توصية بالعمل به والانقياد لأحكامه والاتعاظ بمواعظه وغير ذلك من توقيره وتعظيمه وتلاوته وتعلمه وتعليمه، وأنه حجة يَنجي من الضلالة [والردة] (٤) أو يهدي إلى السلامة في الأولى والأخرى، وأن المتمسك به لا يضل أبداً.
وأما أهل البيت فحمله طائفة كبيرة على أن المراد بالتوصية [٥٣ أ/ ج] والإخبار بأن المتمسك بهم لن يضل أبداً هو المتمسك بما أجمعوا عليه (٥)، وأنه حجة يجب اتباعهم، ولا يجوز العدول عنها، قالوا: بدليل أن أفرادهم غير معصومين، وبدليل أنه لا حجة قائل بأن الواحد منهم حجة، وإن قيل به في علي ﵇، وأن كلامه حجة، لكن الحكم في الحديث عام لكل فرد منهم. قالوا: ومعنى أنهم لا يفارقون الكتاب أن إجماعهم حجة أبداً، وأنهما لن يفترقا في
стр. 246
صحبة كل واحد منهم إلى آخر دار التكليف وعبر بقوله ﷺ : "حتى يردا عليَّ الحوض" مبالغة، والمسألة مبسوطة في أصول الفقه سيما في الهداية شرح الغاية.
وقال آخرون: بل التوصية بأهل البيت توصية بتوقيرهم وتعظيمهم ومحبتهم والإحسان إلى محسنهم، والتجاوز عن مسيئهم واغتفار زلاتهم، كل ذلك لأجل قرابتهم من أشرف خلق الله كما يقال:
لعين تعدَّ ألف عين وتفتدى ... وتكرم ألف للحبيب المكرم
بل قيل ما هو أبلغ من هذا:
أحب لحبها السودان حتى ... أحب لحبها سود الكلاب
وقيل: رأى المجنون كلباً ذات يوم فمدَّ له من الإحسان ذيلاً فلاموه عليه وعنفوه، وقالوا: لم مددت إليه ذيلاً؟ فقال لهم:
دعوني إن عيني رأته ... مرة بفناء ليلى
فيا هذا! إذا كانت تحب وتكرم الكلاب لأجل مشابهة لونها لون الأحباب أو لأجل أنها رؤيت في عفا أبوابهم والأعتاب فكيف لا يكرم ابني المختار ويحبون حباً في الجهر والإسرار، ويكرمون لإكرامه، ويعظمون لاستعظامه، وتغفر لهم كل زلة ويتأول لكل زلة منهم عذراً وعلة، وهذا القول أقرب من الأول، وأعم لكل أفرادهم، وأشمل وأتم في توقير المصطفى، وأدخل وأعظم في امتثال أمره، وأبتل.
ويراد في قوله: "ما تمسكتم بهما" أن التمسك بالكتاب هو ما عرفته، والتمسك بالآل هو الاعتصام بحبهم ومعرفة حقهم كما سردناه، وأن رعاية حقهم سبب للهداية واللطف من أسباب الضلالة والغواية، ويدل على أن هذا المعنى المراد قوله ﷺ في هذا الحديث في رواية
стр. 247
زيد بن أرقم عند مسلم (١): "أذكركم الله في أهل بيتي .. أذكركم الله في أهل بيتي" كررها ثلاثاً؛ فإنها توصية تُنادي على طلب رعايتهم لا على أن إجماعهم حجة، وأي ملائمة لذلك للتذكير بالتكرير؟ ويدل له أيضاً حديث: "أحبوا أهل بيتي لمحبتي" (٢) لأنه قد أعلمه الله لما ينال آله من الأمة، وما اتفق عليهم ما علمه كل من له في العلم بالسير همة.
وأشار في الهمزية (٣) إلى شيء من ذلك حيث قال عند ذكر الحسنين ﵉:
وبريحانتين طيبهما منـ .... ـك الذي حملتهما الزهراء
من شهيدين ليس ينسى الـ ... طف مصابهما ولا كربلاء
ما رعى فيهما ذمامك مرؤ ... س وقد خان عهدك الرؤساء
أبدلوا التودد والحفيظة في القر ... بى وأبدت صنابها النافقاء [٥٣ ب/ ج]
وقست منهم قلوب على من ... بكت الأرض فقدهم والسماء
فابكهم ما استطعت إن قليلاً ... في عظيمٍ من المصاب البكاء
كل يوم وكل أرض بكربي ... منهم كربلا وعاشوراء
غير أني فوضت أمري إلى ... الله وتفويض الأمور براء
وقد ثبت أن الله أخبر رسوله ﷺ أن أمته تقتل ولده الحسين، وتذيقه، ومن معه كؤوس الحين، فلذا كرر التوصية بهم والتذكير فهذا وجه الأحاديث الواسعة والكلمات الجامعة منها ما ساقه ابن حجر في شرح الهمزية حيث قال:
стр. 248
وفي الحديث: "والذي نفسي بيده! لا يؤمن عبد حتى يحبني، ولا يحبني حتى يحب ذويَّ أنا حرب لمن حاربهم سلم لن سالمهم، وعدو لن عاداهم، ألا من آذى قرابتي فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله تعالى" وغيره مما في معناه.
قوله: "أخرجه الترمذي" (١) قلت: وقال: حسن غريب، ولكنه يأتي حديث زيد بن أرقم (٢) هذا بأبسط لفظ، وأصح إسناداً كما أشرنا إليه.
٥٥/ ٣ - وعَن الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ (٣) ﵁ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ الله ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ الله! كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ فَقَال: "أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى الله، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ, وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ [٩٠/ ب] يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِى فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كثيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيَّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكلَّ بِدْعَةٍ (٤) ضَلاَلَةٌ".