← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14309

التحبير لإيضاح معاني التيسير

الصنعاني

Полный текст (5 029 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

"حَاكَ" أي تردد في الصدر. قوله: "وعن النواس بن سمعان" بفتح النون وتشديد الواو آخره سين مهملة، وسمعان بكسر السين المهملة فميم فعين مهملة، صحابي سكن الشام وهو معدود فيهم. قوله: "عن البر" بكسر الموحدة، في "النهاية" (١) أنه الإحسان، وفي أسماء الله البر بفتحها وهو العطوف على عباده، ولم يأت البار في أسمائه، وفسّره ﷺ بحسن الخلق؛ لأنه جامع لكل إحسان، ولهذا كان يدعو به في صلواته "اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت". وَ"الإثم" بكسر الهمزة فمثلثة الذنب فسّره ﷺ بما حاك في الصدر وفي لفظ "ما حاك في نفسك" أي: أثر فيها [٣٠٦ ب] ورسخ. يقال: ما يحك كلامك في فلان، أي: ما يؤثر فيه، كذا في "النهاية" (٢)، وفي "غريب الجامع" (٣): يقال: حاك هذا الأمر في صدري إذا دار في خاطرك وفكرت فيه، والمصنف فسّره بما ترى. قوله: "وكرهت أن يطلع عليه الناس" فيه دليل أنّ الله جعل في القلوب إدراكاً للذنوب، وأن الشيء الذي يكره اطلاع الناس عليه دليل على أنه من الإثم، وهذا هو الذي يعبر عنه بالزاجر، وإليه أشار الشاعر بقوله: لا تنته الأنفس عن غيّها ... ما لم يكن منها لها زاجرُ

стр. 1857

وهو معنى الحديث الآخر "استفت قلبك وإن أفتاك المفتون" (١) وفي معناه أحاديث. كتاب: الخوف في "التعريفات" (٢): الخوف توقع مكروه، أو فوتُ محبوب، ذكره ابن الكمال (٣)، وقال الحرالّي (٤): حذر النفس من أمور ظاهرها تضره, وقال التفتازاني (٥): غم يلحق الإنسان مما يتوقعه من السوء. وقال الراغب (٦): توقع مكروه عن إمارة مظنونة أو معلومة، كما أن الرجاء توقع محبوب كذلك وضده الأمن، ويستعمل في الأمور الدنيوية والأخروية. انتهى. ١ - وعن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ المَنْزِلِ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ الله غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ الله الجَنَّةُ". أخرجه الترمذي (٧). [صحيح لغيره].

стр. 1858

قوله: "في حديث أبي هريرة [٢٣٥/ أ] من خاف أدلج" ابن الأثير (١) الإدلاج مخففاً السير من أول الليل، والإدلاج مثقلاً السير من آخره, والمراد بالإدلاج [ها] (٢) هنا التشمير في أول الأمر، فإنّ من سار من أول الليل كان جديراً ببلوغ المنزل. انتهى. قوله: "سلعة الله" السلعة المتاع كما في "القاموس" (٣)، شبّه الجنة بالمتاع بجامع أنها معروضة على العباد بثمن سهل هو الطاعة. في الحديث [٣٠٧ ب] حث على المسارعة مأخوذ من ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ (٤)، ومن ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (٥)، وإنما كانت سلعة الله غالية؛ لأنها لا توجد إلا بالتشمير لها والخوف من فوتها والاجتهاد فيما يقرب إليها. قوله: "أخرجه الترمذي" وقال حسن. ٢ - وعن أنس ﵁: دَخَلَ رَسُولَ الله ﷺ عَلَى شَابٍ وَهُوَ فِي المَوْتِ، فَقَالَ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ فَقَالَ: أَرْجُو الله [تَعَالَى] (٦) يَا رَسُولَ الله، وَأَخَافُ ذُنُوبي، فَقَالَ ﷺ : "مَا اجْتَمَعَا فِي قَلْبِ

стр. 1859

عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا المَوْطِنِ إلَّا أَعْطَاهُ الله مَا يَرْجُو، وَآمَنَهُ ممَّا يَخَافُ. أخرجه الترمذي (١). [إسناده حسن]. قوله: "في حديث أنس كيف تجدك" بفتح المثناة الفوقية, أي: كيف تجد نفسك، ولمّا كان "وجد" من أفعال (٢) أي بضمير الفاعل والمفعول لشيء واحد. قوله: "قال أرجو الله" لسعة رحمته وعفوه وكرمه، و"أخاف ذنوبي" لئلا أعاقب بها. قوله: "ما اجتمعا" أي: رجاء الله وخوف الذنوب في قلب عبد يكون راجياً خائفاً في مثل هذا الموطن، وهو قرب لقاء الله؛ لأنه قال: "وهو في الموت" أي: في سياقه "إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف"، والعبد إذا نظر إلى نفسه وعيوبه وآفات جهله انفتح له باب الخوف، وإذا نظر إلى سعة فضل الله وكرمه وبره انفتح له باب الرجاء، ولذا قيل في حد الرجاء (٣) هو النظر إلى سعة رحمة الله ويقال الخوف والرجاء كجناحي (٤) طائر إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه، وإذا انقص أحدهما وقع النقص، وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت، وهنا مسألة

стр. 1860

اختلفوا فيها وهي - أي الرجاء - أيحمل رجاء المحسن ثواب إحسانه أو رجاء المذنب المسيء التائب مغفرة ربه وعفوه. فطائفة رجحت رجاء المحسن بقوة أسباب الرجاء معه, وطائفة رجحت رجاء المذنب؛ لأن رجاءه مجرد عن علمه رؤية العمل مقرون بذله رؤية الذنب. قاله يحيى بن معاذ (١): "يكاد رجائي لك [٣٠٨ ب] مع الذنوب يغلب رجائي لك مع الأعمال؛ لأني أجدني أعتمد في الأعماله على الإخلاص, وكيف أحرزها، وأنا بالآفات معروف؟ وأجدني في الذنوب أعتمد على عفوك وكيف لا تغفرها وأنت بالجود موصوف؟ ". وقال أيضاً: "إلهي أجلُّ العطايا في قلبي رجاؤك، وأعذب الكلام على لساني ثناؤك, وأحبُّ الساعات إلي ساعة يكون فيها لقاؤك". ٣ - وعن عائشة ﵂ قَالَتْ: "مَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ مُسْتَجْمِعَاً قَطَّ ضَاحِكَاً حَتَّى أَرَى مِنْهُ لهَوَاتَهِ، إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ". أخرجه الخمسة (٢) إلا النسائي. [صحيح]. وزاد البخاري (٣) في رواية: وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا عُرفَ فِي وَجْهِهِ, قَفلْتُ: يَا رَسُولَ الله! النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْغَيْمَ فَرِحُوا رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ المَطَرُ، وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَ غَيْمًا عُرِفَ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهَةُ, فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ! مَا يُؤْمِنُني أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ [] (٤) عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ فَقَالُوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ ". [صحيح]

стр. 1861

قوله: "في حديث عائشة: ما رأيته ﷺ ضاحكاً مستجمعاً [ضحكاً] " (١). أي: مستغرقاً في ضحكه, وكأنها فهمت أن ذلك من خوفه من ربه, وقد ورد في أحاديث "أنه ضحك حتى بدت نواجذه" (٢)، ولكنه نادر، ويحتمل أن بدو نواجذه لا يستلزم رؤية لهواته التي نفت رؤيتها عائشة، واللهوات (٣) جمع لهاة وهي اللحمات في أقصى سقف الفم، ومنه حديث الشاة المسمومة "فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله ﷺ " (٤). قوله: "في حديث عائشة عرفت في وجهه" [أي] (٥) الكراهة والمخافة. قوله: "ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، [قد] (٦) عُذب قوم بالريح .. " الحديث، أي: أنّه ﷺ يخشى أن يكون فيه عذاب على من يستحق العذاب من الكفار والمنافقين، فقد كان في المدينة منهم قوم، وكان ﷺ يحب عفو الله، ويترقب طاعة من عصاه، ويرجو لهم رحمة الله، أو أن يخرج عن أصلابهم من يتقي الله. قإن قلت: قد قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ (٧)، وهو إخبار أنه تعالى لا ينزل عذاباً على من فيهم رسول الله ﷺ . [٢٣٦/ أ] [٣٠٩ ب].

стр. 1862

٤ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لاَ تَسْمَعُونَ، أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لهَا أَنْ تَئِطَّ, مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلاَّ فِيْهِ وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ للهِ تَعَالَى سَاجِدًا، وَالله لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثيرًا، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ، وَلخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى الله تَعَالَى، لَوَدِدْتُ أَنِّي شَجَرَة تُعْضَدُ. أخرجه الترمذي (١). [حسن لغيره]. ومعنى "أطتِ (٢) السماءُ"، أي كثرة ما فيها من الملائكة قد أثقلها حتى أطت: أي صوتت وهذا مثل (٣)، وإيذان بكثرة الملائكة، وإن لم يكن ثم أطيط "والجؤار" (٤): الصياح: أي تستغيثون، وقوله "لَوَدِدْتُ أَنِّي شَجَرَة تُعْضَدُ" مدرج في الحديث من قول أبي ذر. قوله: "في حديث أبي ذر إني أرى ما لا ترون" إخبارٌ منه ﷺ بأنه يرى ما لا يراه العباد من عجاب ملكوت الله من ملائكة وغيرهم، وأنه يسمع ما لا تسمعونه من الوحي وغيره، وهو توطئة لقوله "أطت السماء" ويأتي تفسير الأطيط.

стр. 1863

قوله: "الصعدات" (١) مثل طريق وطرق وطرقات وهي جمع صعد، وهو جمع صعيد (٢)، وهو التراب والمراد. قوله: "والله لو تعلمون ما أعلم" أي: من قدرة الله وعظمته، وقيل: من الأهوال والعقوبات "لضحكتم (٣) قليلاً ولبكيتم كثيراً" يحتمل أنه أريد لضحكتم تعجباً من غفلتكم وإهمالكم ما ينفعكم، وإعراضكم عنه، لا لضحكتم سروراً، فإن الذي عليه ﷺ من الأهوال لا تقتضي ضحكاً ولا سروراً. ويحتمل ضحكتم سروراً مما ترونه من سعة الرحمة، إلا أن قرينة السياق لا توافق هذا، فإن قلت: فما باله ﷺ مع علمه بما يوجب ما ذكره من البكاء والخروج وترك التلذذ بالنساء لم يفعل ذلك؟ قلتُ: يحتمل أنّ المراد لو تعلمون ما أعلم مما أُعِدَّ لكم، وأمّا هو ﷺ فهو [من] (٤) عباده المخلصين لم يعد له شيء من تلك الأهوال، فإن الله قد أجاره من كل هول، بل أجاره وأجار به عباده وشفّعه فيهم، ويحتمل أنه ﷺ لقوة ما أعطاه الله من قوة الإيمان ومعرفة المقامات العليّة والأمور الإلهية لم يحصل بعد علمه ما لو علموه لاتّفق لهم ما ذكره [٣١٠ ب] فإنّ الله أعطاه قوة قلب أقدره بها على رؤية السماوات وما فيها من عظم الآيات، ولذا قال تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ (٥)، ولا ينافي هذا

стр. 1864

كونه أخوف العباد لله وأخشاهم له، ولا كونه شيبه قوارع الآيات، لكل مقام مقال، فإن قلتَ: فما فائدة إخبارهم بهذا؟ قلتُ: إعلامهم بما عند الله من العقاب مثل الإخبار بأحوال النار وما فيها، والمنة عليهم بأنّ الله لطف بهم فلم يعلمهم بما يوجب ترك ما أباحه لهم من اللذات وغير ذلك. قوله: "ولوّددت ... " إلى آخره، مدرج في الحديث، ساقه في "الجامع" (١) سياقاً واحداً، ثم قال: وفي رواية: "أن أبا ذر قال: لوددت أني كنت شجرة تعضد" ويروى عن أبي ذر موقوفاً، أخرجه الترمذي (٢) وقال (٣): حسن. قال ابن الأثير (٤): وأخرجه البخاري (٥) والترمذي (٦) عن أبي هريرة قال: قال رَسُولَ اللهِ ﷺ : "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً" قال الترمذي (٧): صحيح. ٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رَسُولَ اللهِ ﷺ : "لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته, ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة لما قنط من جنته" (٨). أخرجه رزين. [صحيح].

стр. 1865

٦ - وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَامِرِ بْنُ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيُّ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﵄: هَل تَدْرِي مَا قَالَ أَبِي لأَبِيكَ؟ قُلْتُ: لاَ، قَالَ: إِنَّ أَبِي قَالَ لأَبِيكَ: يَا أَبا مُوسَى! هَلْ يَسُرُّكَ إِسْلاَمُنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهِجْرَتُنَا مَعَهُ، وَجِهَادُنَا مَعَهُ، وَعَمَلُنَا كُلُّهُ مَعَهُ يُرَدُّ لَنَا، وَأَنَّ كُلَّ عَمَلٍ عَمِلْنَاهُ بَعْدَهُ نَجَوْنَا مِنْهُ كَفَافًا رَأْسًا بِرَأْسٍ، فَقَالَ أبوك لِأَبِي لاَ وَاللهِ، قَدْ جَاهَدْنَا بَعْدَهُ, وَصَلَّيْنَا، وَصُمْنَا، وَعَمِلْنَا خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَسْلَمَ عَلَى أَيْدِينَا بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَإِنَّا لَنَرْجُو أجْرَ ذَلِكَ. قَالَ أَبِي: لَكِنِّي أنَّا وَالَّذِي نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ! لَوَدِدْتُ أَنَّ ذَلِكَ يُرَدُّ لَنَا، وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ عَمِلْنَاهُ بَعْدَهُ نَجَوْنَا مِنْهُ كَفَافًا رَأْسًا بِرَأْسٍ. فَقُلْتُ: إِنَّ أَباكَ وَاللهِ خَيْرٌ مِنْ أَبِي. أخرجه البخاري (١). [صحيح] قوله: "في حديث أبي بردة ما قال أبي" أي: عمر بن الخطاب لأبيك أبي موسى. قوله: "يرد لنا" أي: يثبت كما في "النهاية" (٢). قوله: "فقلت إن أباك خير من أبي" القائل "فقلت" هو أبو بردة خاطب بذلك ابن عمر يريد أن عمر خير من أبي موسى، وأراد من (٣) الحيثية المذكورة [والأمر المقرر] (٤) أن عمر خير [٣١١ ب] من أبي موسى عند جميع الطوائف، لكن لا يمتنع أن يفوق المفضول بخصلة لا تستلزم الأفضلية المطلقة, ومع هذا فإنّ عمر في هذه الخصلة المذكورة أفضل من أبي موسى؛

стр. 1866

لأن مقام الخوف أفضل من مقام الرجاء، فالعلم محيط بأن الآدمي لا يخلو عن [تقصير ما] (١) في كل ما يريد من الخير. وإنما قال عمر ذلك هضماً لنفسه وإلا فمثله في الفضائل والكمالات أشهر من أن يذكر. قال في "فتح الباري" (٢)، وهذا الحديث لم أجده (٣) في كتاب الخوف. كتاب: خلق العالم الخلق (٤): الإيجاد من العلم، والعالم كل ما سوى الله من السموات والأرض وما فيهما. روي (٥) أنّ ابن عباس "سأله رجل فقال: مم خلق الخلق؟ فقال: من الماء والنور والظلمة والريح والتراب، فقال الرجل: مم خلق هؤلاء؟ فتلا ابن عباس: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ (٦) فقال: ما كان ليأتي بهذا إلا رجل من بيت النبي ﷺ ". قال البيهقي: أراد حصول الجميع منه من خلقه وإيجاده واختراعه خلق الماء أولاً وما شاء من خلقه لا عن أصل ولا على مثال سبق ثم جعله أصلاً كما خلق ما بعده فهو المبدع والباري لا إله غيره ولا خالق سواه. انتهى. ١ - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصيْنٍ ﵄ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَتَى نَاسٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَقَالَ: "اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بَني تَمِيمٍ"، فَقَالُوا: قَدْ بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا، مَرَّتَيْنِ، فتغَيَّر وَجْهُهُ، ثُمَّ

стр. 1867

دَخَلَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ: "اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا أَهْلَ الْيَمَنِ، إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَميِمٍ"، قَالُوا: قَبِلْنَا يَا رَسُولَ الله، ثُمَّ قَالُوا: جِئْنَاكَ لِنَتَفَقَّهُ فِي الدِّيْنِ، وَلْنَسْأَلَكَ عَنْ أَوَّلَ هَذَا الأَمْرِ مَا كَانَ؟ قَالَ: "كَانَ الله تَعَالَى وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ". أخرجه البخاري (١) والترمذي (٢). [صحيح]. قوله: "في حديث [٢٣٧/ أ] عمران بن حصين اقبلوا البشرى" بضم أوله وسكون المعجمة والقصر أي: اقبلوا مني ما يقتضي أن تبشروا إذا أخذتم بالجنة، كالتفقه في الدين والعمل به. قوله: "فقالوا بشرتنا [٣١٢ ب] فأعطنا" قائل ذلك الأقرع بن حابس، وتغير وجهه ﷺ ، إمّا للإشفاق عليهم كيف آثروا الدنيا، وإما لكونه لم يحضره ما يعطيهم يتألفهم (٣). قوله: "عن هذا الأمر" أي: الحاضر الموجود (٤)، والأمر يطلق ويراد به المأمور، ويراد به الشأن والحكم والحث على الفعل [و] (٥) غير ذلك. قوله: "كان الله ولم يكن شيء قَبْلَه" فيه دلالة على أنه لم يكن شيء غيره لا الماء ولا العرش ولا غيرهما، غذ كل ذلك غير الله، ويكون معنى قوله "وكان عرشه على الماء" أنه خلق الماء سابقاً، ثم خلق العرش على الماء، وفيه دليل لمن قال إن أول ما خلق الله الماء، وأوجد منه سائر الأجرام.

стр. 1868

قال الطيبي (١): إن قوله "وكان عرشه على الماء" فصل مستقل؛ لأن القديم من لم يسبقه شيء ولم يعارضه في [الأزلية] (٢) لكن أشار بقوله "وكان عرشه على الماء" أي: أنّ الماء والعرش كان مبدأ هذا العالم لكونهما خلقا قبل خلق السموات والأرض فلم يكن تحت العرش إذ ذاك إلا الماء. وروى السدي (٣) في تفسيره بأسانيد متعددة أنّ الله لم يخلق شيئاً مما خلق قبل الماء. وقد روى عبادة بن الصامت مرفوعاً: "أول ما خلق الله [القلم] (٤) ... "، [رواه] (٥) أحمد (٦) والترمذي (٧) وصححه, فيجمع بينه وبين حديث الكتاب بأنّ المراد بالأولوية بالنسبة إلى ما عدا الماء والعرش، وأما حديث (٨) "أول ما خلق الله العقل" فليس له طريق ثبت.

стр. 1869

قوله: "وكتب" أي قدّر "في الذكر" أي: في محل الذكر، أي اللوح المحفوظ (١)، كل شيء من الكائنات. ٢ - وعن أبي رزين العقيلي ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْل أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ؟ قَالَ: "كَانَ فِي عَمَاءِ، وَمَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ، وَمَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ، وَخَلَقَ عَرْشَهُ عَلَى المَاءُ". قال أحمد، قال يزيد: "الْعَمَاء": أي ليس معه شيء. أخرجه الترمذي (٢). [ضعيف]. قوله: "في حديث أبي رزين كان في عماء" قال البيهقي في "الأسماء والصفات" (٣): وجدته في كتابي "في عماء" مقيداً بالمد. انتهى. والعماء في اللغة (٤) [٣١٣ ب] السحاب الرقيق، وقيل الكثيف، وقيل هو الضباب، والضباب الذي يغشى الأرض كالغبار والسخم، ولا بد في الحديث من حذف مضاف تقديره: كان عرش ربنا فحذف كقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ (٥) أي: أمر الله، ويدل على هذا المحذوف قوله: "وكان عرشه على الماء".

стр. 1870

وحكى عن بعضهم "في عمى" مقصور وهو كل ما لا تدركه الفطن، قال (١) الأزهري (٢): قال أبو عبيد (٣): إنما تأولنا هذا الحديث عن كلام العرب المنقول عنهم، وإلا فلا ندري كيف كان ذلك العما؟ فنحن نؤمن به ولا نكيف صفته, قاله ابن الأثير (٤). قوله: "ما فوقه هواء" أي: ما فوق السحاب وكذلك قوله "وما تحته هواء" أي: ما تحت السحاب، وقد قيل إن ذلك من العمى مقصور (٥)، أي: لا شيء ثابت؛ لأنه مما يعمى على الخلق لكونه غير شيء، فكأنه قال في جوابه: كان قبل أن يخلق خلقه، ولا شيء غيره كما في حديث عمران بن حصين ما فوقه هواء وما تحته هواء "أي ليس فوق العماء الذي هو لا شيء موجود هواء ولا تحته هواء، لأن ذلك إذا كان غير شيء لم يثبت له هواء بوجه، قاله البيهقي في "الأسماء والصفات" (٦). واعلم أن أغرب ما رأيت تفسير العماء بنور (٧) النبي ﷺ ، فسّره به الشيخ إبراهيم الكردي في كتابه "قصد السبيل"، وأطال فيه وقال: إنّ النور يسمى عماء، قال؛ لأنه تعالى

стр. 1871

سمى النبي ﷺ رحمة في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ [٣١٤] إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ (١) وسمى الغيث رحمة في قوله ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (٢)، واستدل بحديث جابر المروي في "المواهب اللدنية" حيث قال: "قلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي أخبرني عن أول شيء خلق الله قبل الأشياء فقال: يا جابر! إن الله خلق قبل الأشياء نور نبيّك من نوره فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيت شاء الله ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ولا جنة ولا نار ولا ملك ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا جني ولا إنسي، فلما أراد الله أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء فخلق من الجزء الأول حملة العرش، ومن الثاني الكرسي، ومن الثالث باقي الملائكة, ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء فخلق من الأول السماوات ومن الثاني الأرضين، ومن الثالث الجنة والنار ثم قسم الرابع أربعة [٢٣٨/ أ] الحديث. وأطال في "قصد السبيل" بيان ذلك، وأنّ نوره ﷺ أصل الأشياء كلها. ٣ - وَعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ﵁ قَالَ: قَالَ عُمَرَ بِن الخَطّاب ﵁: قَامَ فِينَا رَسُولَ الله ﷺ مقَامًا، فَأَخْبَرَنَا عَنْ بَدْءِ الخَلْقِ حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الجنَّةِ الجنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، حَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ, وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ. أخرجه البخاري (٣). [صحيح]. قوله: "في حديث عمر حتى دخل أهل الجنة الجنة" قال الحافظ في "الفتح" (٤): هي غاية, لقوله: "أخبرنا عن مبتدأ الخلق شيئاً بعد شيء ... إلى أن انتهى إلى الإخبار عن حال

стр. 1872

استقرار أهل الجنة في الجنة, وأهل النار في النار، ووضع الماضي موضع المضارع مبالغة للتحقق المستفاد من خبر الصادق. وكان السياق يقتضي أن يقول: حتى يدخل، ودلّ ذلك على أنه أخبر في المجلس الواحد بجميع أحوال المخلوقات منذ ابتدأت إلى أن تفنى إلى أن تبعث، فشمل ذلك الإخبار عن المبدأ والمعاش والمعاد، وفي تيسير ذلك كله في مجلس واحد من [خوارق العادات] (١)، ويقرب ذلك مع معجزاته أنه ﷺ أعطي جوامع الكلم، ومثل هذا من جهة أخرى ما رواه الترمذي (٢) [٣١٥ ب] من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كتابان فقال للذي في يده اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً، ثم قال بهذا في شماله مثله في أهل النار، وقال في آخره: وقال بيده فنبذهما، ثم قال: [فرغ] (٣) ربكم من العباد فريقاً في الجنة وفريقاً في السعير، وإسناده حسن (٤).

стр. 1873

ووجه (١) الشبه بينهما أن الأول فيه تيسير القول الكثير في الزمن القليل، وهذا فيه تيسير الجرم الواسع في الظرف الضيق، فظاهر قوله "فنبذهما" بعد قوله "وفي يده كتابان" أنهما كانا مرئيين لهم، والله أعلم. قال (٢): ولحديث الباب شاهد من حديث حذيفة (٣)، وسيأتي في القدر، ومن حديث أبي زيد الأنصاري، أخرجه أحمد (٤) ومسلم (٥) قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر، ثم نزل فصلى بنا الظهر، ثم صعد المنبر فخطبنا ثم العصر كذلك حتى غابت الشمس، فحدّثنا بما كان وما هو كائن فأعلمنا أحفظنا"، لفظ أحمد، وأخرجه من حديث أبي سعيد (٦) مختصراً ومطولاً. وأخرجه الترمذي (٧) من حديثه مطولاً وترجم له (٨):

стр. 1874

باب ما قام به النبي ﷺ مما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم ساقه بلفظ "صلى لنا رَسُولَ الله ﷺ يوماً صلاة العصر ثم قام يحدِّثنا فلم يدع شيئاً يكون إلى قيام الساعة إلا [٣١٦ ب] أخبرنا به حفظه من حفظه ونسيه من نسيه .... "، ثم ساق الحديث وقال (١): حسن. انتهى. ٤ - وعن ابن مسعود ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "لمَّا خَلَقَ الله تَعَالَى الْعَقْلَ قَالَ لَهُ: أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ، فَقَالَ: مَا خَلَقْتُ خَلْقَاً أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْكَ، وَلَا أَرْكبُكَ إِلَّا فِي أَحَبِّ الخَلْقِ إِلَيَّ. أخرجه رزين (٢). [موضوع]. قوله: "في حديث ابن مسعود أخرجه رزين" تقدم قريباً فيما نقلناه عن الحافظ ابن حجر (٣)، أنه حديث ليس له إسناد. وقال بعض (٤) الأئمة: كل حديث في العقل فإنه غير صحيح.

стр. 1875

٥ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولَ الله ﷺ : "أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلاَئِكَةِ الله مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ: إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ". أخرجه أبو داود (١). [صحيح]. قوله: "في حديث جابر أذن لي" إنما قدم ﷺ هذه المقدمة قبل التحديث؛ لأنه قد ثبت عنه الأمر بأن يحدث عنه الناس بما يعرفون، فأخبر قبل التحديث بأن الله أذن له أن يحدث بالأمر المستغرب [وليلقوا] (٢) أسماعهم لما يلقيه ويمليه. قوله: "ما بين شحمة أذنيه" هو موضع خزق القرط، وهو مالان من أسفلها، كما في "النهاية" (٣). "إلى عاتقه" هو موضع الرداء من المنكب، أو بين المنكب والعاتق، كما في "القاموس" (٤). قوله: "مسيرة سبعمائة سنة" وأخرج الطبراني في "الأوسط" (٥) من حديث أنس مرفوعاً: "أُذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش رجلاه في الأرض السفلى وعلى قرنه العرش، وبين شحمة أذنيه وعاتقه خفقان الطير سبعمائة عام", وتمامه كما في "الجامع الصغير" (٦): "يقول سبحانك حيث كنت"، يحتمل أنه بفتح الضمير خطاباً له تعالى: أي حيث كان علمك وقدرتك فيشمل كل ذرة من ذرات الكون، ويحتمل أنه بضمها أي: حيث كنت

стр. 1876

أنا، أي: أنزهك في أي محل حللت، وفي أي مكان سكنت، وهذا يحتمل أنه ملك واحد أجمله ﷺ في رواية، وفسّره في أخرى. أي أجمل مسافة ما بين شحمة أذنيه وعاتقه في حديث "خفقان الطير" وفسّره في رواية [٢٣٩/ أ] الكتاب. قوله: "أخرجه أبو داود" زاد في "الجامع الصغير" (١)، و"الضياء في المختارة" ورمز لصحته [٣١٧ ب]. ٦ - وَعَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا فِي الْبَطْحَاءِ فِي عِصَابَةٍ فِيهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، إِذْ مَرَّتْ بِهِمْ سَحَابَةٌ فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ ﷺ : "هَلْ تَدْرُونَ مَا اسْمُ هَذِهِ؟ ". قَالُوا: نَعَمْ، هَذَا السَّحَابَ. قَالَ: "وَالمُزْنَ". قَالُوا وَالمُزْنَ. فَقَالَ ﷺ : "وَالْعَنَانَ". قَالُوا وَالْعَنَانَ. ثُمَّ قَالَ ﷺ : "هَلْ تَدْرُونَ كَمْ بُعْدُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ". قَالُوا: لاَ وَالله. قَالَ: "فَإِنَّ بُعْدَ مَا بَيْنَهُمَا إِمَّا قَالَ: وَاحِدَةٌ، أَوِ اثْنَتَانِ أَوْ ثَلاَثٌ، وَسَبْعُونَ سَنَةً, وَبُعْدَ السَّمَاءُ الَتِي فَوْقَهَا كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ حَتَّى عَدَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ كَذَلِكْ، "ثُمَّ فَوْقَ السّماءِ السَّابِعَةِ بَحْرٌ بَيْنَ أَعْلاَهُ وأسْفَلِهِ كَمَا مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، وَفَوْقَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَوْعَالٍ بَيْنَ أَظْلاَفِهِنْ وَرُكَبِهِنْ كَمَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ فَوْقُ ظُهُورِهِنُ الْعَرْشُ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلاَهُ مِثْلُ مَا بَيْنَ السَّمَاءٍ إِلَى السَّمَاءٍ، وَالله فَوْقَ ذَلِكَ". أخرجه أبو داود (٢) والترمذي (٣). [ضعيف].

стр. 1877

وفي رواية: لم يعزها صاحب "جامع الأصول" إلى أحد من الكتب الستة: عن قتادة، وعبد الله قالا: بَيْنَمَا رَسُولَ اللهِ ﷺ جَالِسٌ مَعَ أَصْحَابُهُ، إِذْ مَرَّتْ سَحَائِبُ، فَقَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا هَذَا؟ هَذَا الْعَنَانُ، هَذِه رَوَايَا الأَرْضِ يَسُوقُهَا الله تَعَالَى إِلَى قَوْمٍ لاَ يَعْبُدُونَهُ"، ثُمَّ قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا هَذِهِ السَّمَاءُ؟ مَوْجٌ مَكْفُوفٌ، وَسَقْفٌ مَحْفُوظٌ". وَفَوْقَ ذَلِكَ سَمَاءٌ أُخْرَى، حَتَّى عَدَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ يَقُولُ: أتَدْرُونَ مَا بَيْنَهُما؟ ثُمَّ يَقُولُ: خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، ثُمَّ قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا فَوْقَ ذَلِكَ؟ فَوْقَ ذَلِكَ المَاءِ، وَفَوْقَ الماءِ الْعَرْشِ، وَالله فَوْقَ الْعَرْشِ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِنْ أَعْمَالِ بَني آَدَمَ، ثُمَّ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا هَذِهِ الْأَرْضُ؟ قَالَ: تَحْتَهَا أُخْرَى بَيْنَهُما خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، حَتَّى عَدَّ سَبْعَ أَرَضِيْنَ (١). وذكر الحديث. قوله: "في حديث العباس هذه السحاب" سميت سحاباً؛ لأنه يسحب بسرعة، قيل: إنه كالمنخل يخرج منه المطر قطرة قطرة ولا تلتقي فيه قطرتان في الجو، إذ لو خرج منه إسبالاً غرق ما أتى كطوفان نوح. قوله: "إمّا قال واحدة" هذا شك من الراوي، وقد اختلف الخبر الوارد في قدر مسافة ما بين السماء والأرض، ففي هذه الرواية الترديد بين إحدى إلى ثلاثة وسبعين. وفي رواية للترمذي (٢) "أن بينهما مائة عام" وللطبراني (٣) "خمسمائة عام".

стр. 1878

وفي رواية (١): "بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كل سماء خمسمائة عام، وغلظ كل سماء مائة عام، وبين السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي وبين الماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش". قالوا: والجمع بين الروايات أن تحمل الخمسمائة على السير البطيء كسير الماشي على هيئته، ويحمل السبعين على السير السريع كسير السعاة ولو التحديد بالزيادة على السبعين لحملنا السبعين [٣١٨ ب] على المبالغة ولا تنافي الخمسمائة، ذكر هذا الحافظ في "الفتح" (٢). وقال الحافظ البيهقي (٣): رواية "مسيرة خمسمائة عام" أشهر فيما بين الناس ويحتمل أن يختلف ذلك باختلاف قوة السير وضعفه وخفته وثقله. قوله: "وفي رواية" إلى قوله: "عن قتادة وعبد الله" هو إذا أُطلق ابن مسعود، وليس يراد هنا وإلا لقدمه على قتادة فلعله عبد الله (٤) بن عميرة بفتح أوله، كوفي روى هذا الحديث عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب مرفوعاً. قال البخاري (٥): لا نعلم له سماعاً من العباس.

стр. 1879

٧ - وعن عبد الله ﵁ قَالَ: خَلَقَ الله سَبْعَ سَمَوَاتٍ غِلَظُ كُلِّ وَاحِدَة مَسيرَةُ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ (١). [إسناده حسن]. قلت: ورواية قتادة في "جامع الترمذي" (٢) مرفوعة عن الحسن عن أبي هريرة بتقديم وتأخير وزيادة ونقص، والله أعلم. "الْأوْعَالُ": تيوس الجبال، واحدها وَعِل. قوله: "في حديث عبد الله غلظ كل واحد" قال ابن عباس: كل سماء مطبقة على الأخرى كالقبة، وسماء الدنيا ملتزمة أطرافها بالأرض، كذا نُقل عنه. قوله: "عن الحسن عن أبي هريرة". قلت: وفيها أيضاً اانقطاع؛ لأن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، وأثبت بعض المحدثين سماعه، فعليه هي أصح من التي قبلها، وعلى القول الأول يتعارضان وهو اختيار البيهقي، ولهذا جمع بينهما في كتاب "الأسماء والصفات" (٣). ٨ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: أَتَى أَعْرَابِيٌّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! جُهِدَتِ الأَنْفُسُ، وَضَاعَتِ الْعِيَالُ، وَهَلَكَتِ الأَنْعَامُ، وَنُهِكَتِ الأَمْوَالُ، فَاسْتَسْقِ لَنَا، فَإِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِكَ عَلَى الله تَعَالَى، وَنَسْتَشْفِعُ بِالله عَلَيْكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَيْحَكَ أَتَدْرِي مَا تَقُولُ" وَسَبَّحَ ﷺ ، فَمَا زَالَ يُسَبِّحُ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَالَ: "وَيْحَكَ إِنَّهُ لاَ يُسْتَشْفَعُ بِالله تَعَالَى عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، شَأْنُ اللهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَيْحَكَ، أَتَدْرِي مَا الله: إِنَّ

стр. 1880

عَرْشَهُ عَلَى سَمَوَاتِهِ - لهَكَذَا - وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ: مِثْلَ الْقُبَّةِ عَلَيْهِ, وإنَّهُ لَيَئِطَّ أَطِيطَ الرَّحْلِ بِالرَّاكِبِ" (١) أخرجهما أبو داود. قوله: "في حديث جبير بن مطعم وقال بأصابعه مثل القبة" قال الخطابي (٢) ﵀: هذا الكلام إذا جرى على ظاهره كان فيه نوع من الكيفية, والكيفية عن الله سبحانه وعن صفاته منفية، فعلم أن ليس المراد منه تحقيق هذه الصفة ولا تحديده على هذه الهيئة, وأنما هو كلام تقريب، أريد به تقرير عظمة الله وجلاله, وأنه إنما قصد به إفهام السائل من حيث يدرك فهمه، إذ كان أعرابياً جلفاً لا علم له بمعاني [ما دق] (٣) من الكلام، وفي الكلام حذف [٣١٩ ب] وإضمار فمعنى قوله: "أتدري ما الله؟ " معناه: أتدري ما عظمة الله وجلاله؟ وقوله: "حتى لتأط به" معناه أنه تعجز عن عظمته وجلاله حتى تئط له، إذ كان معلوماً أن أطيط الرجل بالراكب إنما يكون لقوة ما فوقه, ولعجزه عن احتماله، فقرر بهذا النوع من التمثيل عنده معنى عظمة الله وجلاله، وارتفاع عرشه ليعلم أنّ الموصوف يعلو الشأن وجلالة القدر، وفخامة الذكر لا يجعل شفيعاً إلى من هو دونه في القدر وأسفل منه في الدرجة، وتعالى الله أن يكون مشبهاً بشيء أو متكيفاً بصورة خلق أو مدركاً بحد ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (٤) انتهى (٥). ٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أخذَ رَسُولُ الله ﷺ بِيَدِي، فَقَالَ: "خَلَقَ الله التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وخَلَقَ فِيهَا الجِبَالَ يَوْمَ الأَحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ، وَخَلَقَ المَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلاَثَاءِ،

стр. 1881

وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ ﵇ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الُجمعَةِ فِي آخِرِ الخَلْقِ فِى آخِرِ سَاعَةٍ مِن ساعَاتِ النَّهارِ فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ". أخرجه مسلم (١). [صحيح]. قوله: "في حديث أبي هريرة خلق الله التربة يوم السبت" في تفسير (٢) ابن كثير في سورة (٣) الأعراف أن يوم السبت لم يقع فيه خلق؛ لأنه اليوم السابع. قوله: "النور" بالراء وروي بالنون أي الحوت. "أخرجه مسلم" تكلم عليه النووي والبخاري (٤) وغير واحد من الحفاظ، وجعلوه من كلام كعب أن أبا هريرة إنما سمعه منه فاشتبه على بعض الرواة فجعله مرفوعاً، قاله ابن كثير في تفسيره (٥). وقال البيهقي في كتاب "الأسماء والصفات" (٦): وزعم بعض أهل العلم بالحديث أنه غير محفوظ بمخالفته ما عليه أهل التفسير وأهل التواريخ.

стр. 1882

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1883

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1884

١٠ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولَ الله ﷺ فِي المَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسُ، فَقَالَ: "يَا أَبا ذَرٍّ! أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ"، فَقُلْتُ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "تَذْهَبُ لِتَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَسْتَأْذِنَ فَيُؤْذَنَ لهَا، وَيُوشِكُ أَنْ تَسْجُدَ فَلاَ يُقْبَلَ مِنْهَا، وَتَسْتَأْذِنَ فَلاَ يُؤْذَنَ لهَا، وَيُقَالُ لهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ, فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَىَ ﴿وَالشَّمْسُ

стр. 1885

تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ [يس: ٣٨] ". أخرجه الشيخان (١) والترمذي (٢). [صحيح]. قوله: "وعن أبي ذر". قلت: تقدم بلفظه في تفسير سورة "يس" وتقدم الكلام عليه مستوفى. ١١ - وعن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يُكَوَّرَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". أخرجه البخاري (٣). [صحيح]. "التَّكْويرُ": لف العمامة، والمراد أن السماء والأرض تجمعان، وتلفان كما تلف العمامة (٤). قوله: "وعن أبي هريرة". قوله: "يكوّران" زاد البزار (٥) "في النار" قال الخطابي (٦): وليس ذلك تعذيباً لهما، بل تبكيتاً لمن كان يعبدهما في الدنيا كما أنّ في النار ملائكة العذاب، وليست معذبة لهم بل وقيل

стр. 1886

أنهما خلقا من النار فأعيدا إليها. ١٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سَأَلتْ يَهُودُ رَسُولَ الله ﷺ عَنِ الرَّعْدِ مَا هُوَ؟ قَالَ: "مَلَكٌ مُوَكَلٌ بِالسَّحَابِ وَمَعَهُ مَخَارِيقُ مِنْ نَارٍ يَسُوقَها حَيْثُ شَاءَ الله". قَالُوا: فَمَا هَذَا الصَّوْتُ الَّذِي نَسْمَعُ؟ قَالَ: "زَجْرُهُ بِالسَّحَابِ حَتَّى تَنْتَهِي إِلَى حَيْثُ أُمِرَتْ". قَالُوا: صَدَقْتَ، فَأَخْبِرْنَا عَمَّا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ قَالَ: "اشْتَكَى عِرْقَ النَّسَا فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا يُلاَئِمُهُ, يَعْنِي الْعِرْقَ إِلاَّ لحُومَ الإِبِلِ وَأَلْبَانَهَا، فَلِذَلِكَ حَرَّمَهَا". قَالُوا صَدَقْتَ. أخرجه الترمذي (١). [حسن]. "المَخارِيقُ": جمع مخراق، وهو في الأصل، منديل يفتل ويلوى ويجعل كالحبل تتضارب به الصبيان (٢). قوله: "عرق النسا" بفتح النون والقصر عرق يخرج من الورك يستبطن (٣) الفخذين حتى يمرّ بالعرقوب حتى يبلغ الحافر، ويأتي في الطب النبوي. قوله: "أخرجه الترمذي". قلت: وقال (٤) هذا حديث حسن غريب وفي نسخة حسن صحيح غريب.

стр. 1887

١٣ - وعن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ: رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ". أخرجه الشيخان (١) والترمذي (٢). [صحيح]. قوله: "اشتكت النار" اختلف في هذه الشكوى هل هي بلسان المقال أو الحال، واختار كلاً طائفة. وقال ابن عبد البر (٣): لكلا القولين وجه ونظائر والأول أرجح. وقال عياض (٤) إنه الأظهر، وقال القرطبي (٥): لا إحالة في حمل اللفظ على حقيقته، وإذا أخبر الصادق بأمر جائز لم يحتج إلى تأويله فحمله على الحقيقة أولى. وقال الزين (٦) ابن المنير: المختار حمله على الحقيقة لصلاحية القدرة لذلك. قلت: ويؤيده قوله فقالت: فإنَّه في لسان المقال. [٢٤٠/ أ]. قوله: "بنفسين" بفتح الفاء، والنفس هو ما يخرج من الجوف، ويدخل فيه من الهواء. قوله: "نفس في الشتاء ونفس في الصيف" بالجر فيهما على البدل أو البيان، ويجوز الرفع، والمصدرية.

стр. 1888

قوله: "أشد" يجوز الكسر فيه, بمعنى البدل، قال ابن [٣٢١ ب] (١) حجر: لكنه في روايتنا بالرفع. قال البيضاوي (٢): هو خبر مبتدأ محذوف تقديره فذاك أشد، والمراد بالزمهرير شدة البرد، واستشكل وجوده في النار ولا إشكال؛ لأن المراد بالنار محلها وفيها طبقة زمهريرية وسياق القصة قد يتوهم منها مشروعية تأخير الصلاة في وقت شدة البرد، ولم يقل به أحد؛ لأنها تكون غالباً في وقت الصبح، فلا تزول إلا بطلوع الشمس، فلو أخرت لخرج الوقت، قاله في "الفتح" (٣). ١٤ - وعن قتادة ﵁ قَالَ: خُلْقَتْ هَذِهِ النُّجُومُ لِثَلَاثِ: جَعَلَهَا الله زِيْنَةً لِلسَّمَاءِ، وَرُجُوْمَاً لِلشّيَاطِيْنِ، وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَىَ بِهَا، فَمَنْ تَأَوَّلَ فِيْهَا غيْرَ ذَلِكَ، فَقَدْ أَخْطَأَ حَظَّهُ، وَأَضَاعَ نَصِيْبَهُ، وَتَكَلَّفَ مَا لَا يَعْنِيْهِ، وَمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَمَا عَجَزَ عَنْ عِلْمِهِ الْأَنْبِيَاءُ وْالمَلَائِكَةُ، وَالله مَا جَعَل الله فِي نَجْمٍ حَيَاةَ أَحَدٍ، وَلَا رِزْقِهِ، وَلَا مَوْتِهِ، إِنَّمَا يَفْتَرُونَ عَلَى الله الْكَذِبَ، وَيَتَعَلَّلُونَ بِالنُّجُومِ. أخرجه البخاري (٤) استشهاداً إلى قوله ما لا علم له به، وأخرج باقيه رزين.

стр. 1889

قوله: "في حديث قتادة جعلها زينة للسماء" وهو صريح قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ (١). قوله: "وعلامات" هو صريح: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ (٢). قوله: "فمن تأول فيها غير ذلك" كالذين يجعلون لها أحكاماً من سعادة ونحاسة وغير ذلك، فقد تكلم بما لا علم لديه. والحديث ظاهر [أنه] (٣) موقوف على قتادة، والبخاري (٤) أخرجه تعليقاً فقال: قال قتادة. قال ابن حجر (٥): وصله عبد بن حميد من طريق شيبان عنه به, وزاد في آخره: "وإنّ [ناساً] (٦) أحدثوا في هذه النجوم كهانة: من غرس بنجم كذا كان كذا، ومن سافر بنجم كذا كان كذا، ولعمري ما من النجوم نجم إلا يولد به الطويل والقصير، والأحمر والأبيض، والحسن والذميم، وما علم هذه النجوم، وهذه الدابة وهذا الطائر [بشيء من الغيب] (٧). انتهى.

стр. 1890

قال الداودي (١): قول قتادة في النجوم حسن إلا قوله: "أخطأ وأضاع نصيبه"، فإنه قصر في ذلك، بل من قال [٣٢٢ ب] ذلك كافر (٢). انتهى. ١٥ - وَعَن أَبُي مُوسَى ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ الله تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الأَرْضِ، مِنْهُمُ الأَحْمَرُ وَالأَبْيَضُ وَالأَسْوَدُ، وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالسَّهْلُ وَالحَزْنُ، وَالخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ". أخرجه أبو داود (٣) والترمذي (٤). [صحيح]. قوله: "في حديث أبي موسى فجاء بنو آدم على قدر الأرض" ومثله ما أخرجه ابن جرير (٥) عن علي ﵇: "إن آدم خلق من أديم الأرض فيه الطيب والصالح والرديء، فكل ذلك أنتَ رآءٍ في ولده". وفي الباب عدة أحاديث بمعناه، وقد قال الله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ (٦) وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ (٧) فقد قدّر الاختلاف في الألوان قبل إيجادهم.

стр. 1891

قوله: "أخرجه أبو داود والترمذي". قلت: وصحّحه وأخرجه ابن سعد (١) وعبد بن حميد (٢)، والحكيم في "نوادر الأصول" (٣)، وابن جرير (٤)، وابن المنذر (٥)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٦)، والحاكم (٧) وصححه، وابن مردويه (٨)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٩). وأخرج ابن جرير (١٠) والبيهقي في "الأسماء والصفات" (١١)، وابن عساكر (١٢) عن ابن مسعود وناس من الصحابة قالوا: "بعث الله جبريل إلى الأرض ليأتيه بطين منها، فقالت الأرض: أعوذ بالله منك أن تقبض مني، فرجع ولم يأخذ شيئاً وقال: يا رب! إنها عاذت بك فأعذتها، فبعث ملك الموت فعاذت منه قال: أنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض وخلط ولم يأخذ من مكان واحد وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين .. " الحديث.

стр. 1892

١٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لمَّا خَلَقَ الله تَعَالَى آدَمَ ﵇، وَنَفَخَ فيهِ الرُّوحَ عَطَسَ، فَقَالَ الحَمْدُ لله، فَحَمِدَ الله بِإِذْنِهِ، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: يَرْحَمُكَ الله يَا آدَمُ، اذْهَبْ إِلَى أُولَئِكَ المَلاَئِكَةِ إِلَى مَلإٍ مِنْهُمْ جُلُوسٍ فَقُلِ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ. فَقَالُوا: وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ بَنِيكَ بَيْنَهُمْ. فَقَالَ الله تَعَالَى: وَيَدَاهُ مَقْبُوضَتَانِ اخْتَرْ أَيَّهُمَا شِئْتَ قَالَ: اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي، وكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ مُبَارَكَةٌ، فَبَسَطَهَا، فَإِذَا فِيهَا آدَمُ وَذَرِّيَّتُهُ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ! مَا هَؤُلاَءِ؟ قَالَ: هَؤُلاَءِ ذُرِّيَّتُكَ فَإذَا كُلُّ إِنْسَانٍ مَكْتُوبٌ عُمْرُهُ بَيْنَ عَيْنيْهِ، وَإِذَا فِيهِمْ رَجُلٌ مِنْ أَضْوَئِهِمْ. فَقَالَ: يَا رَبِّ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: ابْنُكَ دَاوُدُ، وَقَدْ كَتَبْتُ لَهُ عُمْرَ أَرْبَعِينَ سَنَةً. قَالَ: زِدْ فِي عُمُرِهِ. قَالَ: ذَاكَ الَّذِي كَتَبْتُ لَهُ. قَالَ: أَيْ رَبِّ! فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُ لَهُ مِنْ عُمْرِي سِتِّينَ سَنةً, قَالَ: أنْتَ وَذَاكَ. قَالَ ثُمَّ أُسْكِنَ الجَنَّةَ مَا شَاءَ الله، ثُمَّ أُهْبِطَ مِنْهَا، وَكَانَ آدَمُ ﵇ يَعُدُّ لِنَفْسِهِ. فَأَتَاهُ مَلَكُ المَوْتِ، فَقَالَ لَهُ: قَدْ عَجِلْتَ، أَلَيْسَ قَدْ كُتِبَ لِي أَلْفُ سَنَةٍ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنَّكَ جَعَلْتَ لِابْنِكَ دَاوُدَ مِنْهَا سِتَّينَ سَنَةً، فَجَحَدَ آدَمُ، فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَنَسِيَ فَنَسِيَتْ ذُرَّيَّتُهُ. قَالَ: فَمِنْ يَوْمِئِذٍ أُمِرَ بِالْكِتَابِ وَالشُّهُودِ". أخرجه الترمذي (١)، [صحيح] وتقدم في [تفسير] (٢) سورة الأعراف: بدون هذا. قوله: "في حديث أبي هريرة وقد جعلت [٣٢٣ ب] له عمر أربعين سنة". تقدم في تفسير الأعراف في حديث أبي هريرة "أنه سأل آدم ربه فقال: رب كم جعلت عمره؟ قاله: ستين سنة، قال: رب زده من عمري أربعين سنة. قوله: "فجحد فجحدت ذريته" أي أنه تخلّق الأبناء بخلق الآباء في الجحد والنسيان، وجحد الذرية ما حكاه الله عنهم من تكذيب العهد الذي عهده تعالى إليهم، والنسيان من آدم

стр. 1893

أراد به أكله من الشجرة كما قال تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ (١)، وفيه أن أخلاق الآباء يرثها الأبناء، ولذا قال قوم مريم: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)﴾ (٢)، وقال أولاد [يعقوب] (٣): ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ (٤)، فأهل الخير لا يأتي منهم الشر، وأهل الشر لا يستنكر منهم إتيانه منهم. قوله: "فمن يومئذ" أي: من يوم إذ جحد آدم "أمر الله بالكتاب" أي: كتب ما يحتاج إلى الكتب مما يجوز إنكاره والشهود عليه. قوله: "وتقدم في سورة الأعراف" أي: من حديث أبي هريرة وتخريج الترمذي وتصحيحه له. ١٧ - وعن عائشة ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "خُلِقَتِ المَلَائِكَةُ مِنَ نُورٍ، وَخُلِقَ الجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آَدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ". أخرجه مسلم (٥). [صحيح]. قوله: [٣٢٤ ب] "في حديث عائشة من مارج من نار" قال ابن عباس (٦): مارج من نار، من لهبها من وسطها، وعنه (٧): خالص النار، وعن مجاهد (٨) من مارج من نار قال: اللهب الأخضر والأصفر الذي يعلو النار.

стр. 1894

قوله: "والملائكة" جمع ملك بفتح اللام فقيل: مخفف عن مالك، وقيل: من [الألوكة] (١) وهي الرسالة (٢). قال جمهور أهل الكلام من المسلمين: الملائكة أجسام لطيفة، أعطيت قدرة على التشكل بأشكال مختلفة، ومسكنها السموات وأبعد من قال أنها الكواكب أو أنها الأنفس الخيرية التي فارقت أجسامها، وغير ذلك من الأقوال التي لا يوجد [٢٤١/ أ] في الأدلة السمعية شيء منها. وقد جاء في كثرة الملائكة وصفاتهم أحاديث منها حديث "أطت السماء" وفيه: "ما فيها موضع أربع أصابع إلا وعليها ملك ساجد .. " الحديث، تقدم من أخرجه. ولفظ السماء للجنس يشمل السبع السموات، ويدل له ما أخرجه الطبراني (٣) من حديث جابر مرفوعاً: "ما في السموات السبع موضع قدم ولا شبر ولا كف إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد"، ومنهم الملائكة الذين ينزلون في السحاب، والملائكة الذين يدخلون البيت المعمور، ففي حديث أخرجه [الطبري] (٤) عن قتادة (٥) عن رسول الله ﷺ قال:

стр. 1895

"البيت المعمور مسجد في السماء بحذاء الكعبة لو خرّ لخرّ عليها، يدخله سبعون ألف ملك كل يوم إذا خرجوا منه، لا يعودوا" (١). وروى ابن مردويه (٢) وابن أبي حاتم (٣) من حديث أبي هريرة مرفوعاً وفيه: "وفي السماء نهر يقال له الحيوان يدخله جبريل [٣٢٥ ب] كل يوم فينغمس فيه ثم يخرج فينتفض فيخر منه سبعون ألف قطرة يخلق الله من كل قطرة ملكاً، منهم الذين يصلون فيه - أي في البيت المعمور - ثم لا يعودون". وإسناد حديث أبي هريرة [ضعيف] (٤) ومنهم الملائكة الذين يكتبون الناس يوم الجمعة وغير ذلك. قال الحافظ ابن حجر (٥): وقد اشتمل كتاب العظمة (٦) لأبي الشيخ من ذكر الملائكة على أحاديث وآثار كثيرة فليطلبها منه من أراد الوقوف على ذلك، وفي كلام أمير المؤمنين عليّ ﵇ في ذكر الملائكة، منهم الأمناء على وحيه، والحفظة لعباده، والسدنة بجناته. قوله: "أخرجه مسلم".
следующие страницы →