قوله: "أخرجه أبو داود والترمذي".
قلت: وصحّحه وأخرجه ابن سعد (١) وعبد بن حميد (٢)، والحكيم في "نوادر الأصول" (٣)، وابن جرير (٤)، وابن المنذر (٥)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٦)، والحاكم (٧) وصححه، وابن مردويه (٨)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٩).
وأخرج ابن جرير (١٠) والبيهقي في "الأسماء والصفات" (١١)، وابن عساكر (١٢) عن ابن مسعود وناس من الصحابة قالوا: "بعث الله جبريل إلى الأرض ليأتيه بطين منها، فقالت الأرض: أعوذ بالله منك أن تقبض مني، فرجع ولم يأخذ شيئاً وقال: يا رب! إنها عاذت بك فأعذتها، فبعث ملك الموت فعاذت منه قال: أنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض وخلط ولم يأخذ من مكان واحد وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين .. " الحديث.
стр. 1892
١٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لمَّا خَلَقَ الله تَعَالَى آدَمَ ﵇، وَنَفَخَ فيهِ الرُّوحَ عَطَسَ، فَقَالَ الحَمْدُ لله، فَحَمِدَ الله بِإِذْنِهِ، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: يَرْحَمُكَ الله يَا آدَمُ، اذْهَبْ إِلَى أُولَئِكَ المَلاَئِكَةِ إِلَى مَلإٍ مِنْهُمْ جُلُوسٍ فَقُلِ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ. فَقَالُوا: وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ بَنِيكَ بَيْنَهُمْ. فَقَالَ الله تَعَالَى: وَيَدَاهُ مَقْبُوضَتَانِ اخْتَرْ أَيَّهُمَا شِئْتَ قَالَ: اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي، وكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ مُبَارَكَةٌ، فَبَسَطَهَا، فَإِذَا فِيهَا آدَمُ وَذَرِّيَّتُهُ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ! مَا هَؤُلاَءِ؟ قَالَ: هَؤُلاَءِ ذُرِّيَّتُكَ فَإذَا كُلُّ إِنْسَانٍ مَكْتُوبٌ عُمْرُهُ بَيْنَ عَيْنيْهِ، وَإِذَا فِيهِمْ رَجُلٌ مِنْ أَضْوَئِهِمْ. فَقَالَ: يَا رَبِّ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: ابْنُكَ دَاوُدُ، وَقَدْ كَتَبْتُ لَهُ عُمْرَ أَرْبَعِينَ سَنَةً. قَالَ: زِدْ فِي عُمُرِهِ. قَالَ: ذَاكَ الَّذِي كَتَبْتُ لَهُ. قَالَ: أَيْ رَبِّ! فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُ لَهُ مِنْ عُمْرِي سِتِّينَ سَنةً, قَالَ: أنْتَ وَذَاكَ. قَالَ ثُمَّ أُسْكِنَ الجَنَّةَ مَا شَاءَ الله، ثُمَّ أُهْبِطَ مِنْهَا، وَكَانَ آدَمُ ﵇ يَعُدُّ لِنَفْسِهِ. فَأَتَاهُ مَلَكُ المَوْتِ، فَقَالَ لَهُ: قَدْ عَجِلْتَ، أَلَيْسَ قَدْ كُتِبَ لِي أَلْفُ سَنَةٍ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنَّكَ جَعَلْتَ لِابْنِكَ دَاوُدَ مِنْهَا سِتَّينَ سَنَةً، فَجَحَدَ آدَمُ، فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَنَسِيَ فَنَسِيَتْ ذُرَّيَّتُهُ. قَالَ: فَمِنْ يَوْمِئِذٍ أُمِرَ بِالْكِتَابِ وَالشُّهُودِ". أخرجه الترمذي (١)، [صحيح] وتقدم في [تفسير] (٢) سورة الأعراف: بدون هذا.
قوله: "في حديث أبي هريرة وقد جعلت [٣٢٣ ب] له عمر أربعين سنة".
تقدم في تفسير الأعراف في حديث أبي هريرة "أنه سأل آدم ربه فقال: رب كم جعلت عمره؟ قاله: ستين سنة، قال: رب زده من عمري أربعين سنة.
قوله: "فجحد فجحدت ذريته" أي أنه تخلّق الأبناء بخلق الآباء في الجحد والنسيان، وجحد الذرية ما حكاه الله عنهم من تكذيب العهد الذي عهده تعالى إليهم، والنسيان من آدم
стр. 1893
أراد به أكله من الشجرة كما قال تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ (١)، وفيه أن أخلاق الآباء يرثها الأبناء، ولذا قال قوم مريم: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)﴾ (٢)، وقال أولاد [يعقوب] (٣): ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ (٤)، فأهل الخير لا يأتي منهم الشر، وأهل الشر لا يستنكر منهم إتيانه منهم.
قوله: "فمن يومئذ" أي: من يوم إذ جحد آدم "أمر الله بالكتاب" أي: كتب ما يحتاج إلى الكتب مما يجوز إنكاره والشهود عليه.
قوله: "وتقدم في سورة الأعراف" أي: من حديث أبي هريرة وتخريج الترمذي وتصحيحه له.
١٧ - وعن عائشة ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "خُلِقَتِ المَلَائِكَةُ مِنَ نُورٍ، وَخُلِقَ الجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آَدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ". أخرجه مسلم (٥). [صحيح].
قوله: [٣٢٤ ب] "في حديث عائشة من مارج من نار" قال ابن عباس (٦): مارج من نار، من لهبها من وسطها، وعنه (٧): خالص النار، وعن مجاهد (٨) من مارج من نار قال: اللهب الأخضر والأصفر الذي يعلو النار.
стр. 1894
قوله: "والملائكة" جمع ملك بفتح اللام فقيل: مخفف عن مالك، وقيل: من [الألوكة] (١) وهي الرسالة (٢).
قال جمهور أهل الكلام من المسلمين: الملائكة أجسام لطيفة، أعطيت قدرة على التشكل بأشكال مختلفة، ومسكنها السموات وأبعد من قال أنها الكواكب أو أنها الأنفس الخيرية التي فارقت أجسامها، وغير ذلك من الأقوال التي لا يوجد [٢٤١/ أ] في الأدلة السمعية شيء منها.
وقد جاء في كثرة الملائكة وصفاتهم أحاديث منها حديث "أطت السماء" وفيه: "ما فيها موضع أربع أصابع إلا وعليها ملك ساجد .. " الحديث، تقدم من أخرجه.
ولفظ السماء للجنس يشمل السبع السموات، ويدل له ما أخرجه الطبراني (٣) من حديث جابر مرفوعاً: "ما في السموات السبع موضع قدم ولا شبر ولا كف إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد"، ومنهم الملائكة الذين ينزلون في السحاب، والملائكة الذين يدخلون البيت المعمور، ففي حديث أخرجه [الطبري] (٤) عن قتادة (٥) عن رسول الله ﷺ قال:
стр. 1895
"البيت المعمور مسجد في السماء بحذاء الكعبة لو خرّ لخرّ عليها، يدخله سبعون ألف ملك كل يوم إذا خرجوا منه، لا يعودوا" (١).
وروى ابن مردويه (٢) وابن أبي حاتم (٣) من حديث أبي هريرة مرفوعاً وفيه: "وفي السماء نهر يقال له الحيوان يدخله جبريل [٣٢٥ ب] كل يوم فينغمس فيه ثم يخرج فينتفض فيخر منه سبعون ألف قطرة يخلق الله من كل قطرة ملكاً، منهم الذين يصلون فيه - أي في البيت المعمور - ثم لا يعودون". وإسناد حديث أبي هريرة [ضعيف] (٤) ومنهم الملائكة الذين يكتبون الناس يوم الجمعة وغير ذلك.
قال الحافظ ابن حجر (٥): وقد اشتمل كتاب العظمة (٦) لأبي الشيخ من ذكر الملائكة على أحاديث وآثار كثيرة فليطلبها منه من أراد الوقوف على ذلك، وفي كلام أمير المؤمنين عليّ ﵇ في ذكر الملائكة، منهم الأمناء على وحيه، والحفظة لعباده، والسدنة بجناته.
قوله: "أخرجه مسلم".
стр. 1896
قلت: وأخرجه عبد بن حميد (١)، وابن المنذر (٢)، وابن مردويه (٣)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٤).
١٨ - وعن ابن عمر ﵄ قَالَ: لاَ وَالله مَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعِيسَى أَحْمَرُ، وَلَكِنْ قَالَ: "بَيْنَمَا أنَّا نَائِمٌ رَأَيتُنيْ أَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ سَبْطُ الشَّعَرِ، يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، يَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءً، أَوْ يُهَرَاقُ مَاءً، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: ابْنُ مَرْيَمَ، فَذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ، فَإِذَا رَجُلٌ أَحْمَرُ جَسِيمٌ، جَعْدُ الشَّعَرِ، أَعْوَرُ عَيْنِهِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا الدَّجَّالُ، وَأَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ابْنُ قَطَنٍ".
قال الزهري: رَجُلٌ مِن خُزَاعَةَ هَلَكَ فِي الجَاهِلِيّةِ، أخرجه الثلاثة (٥)، ولم يخرج مسلم قول الزهري. [صحيح].
قوله: "في حديث ابن عمر لا والله ما قال النبي ﷺ لعيسى أحمر".
اللام (٦) في قوله: "لعيسى" بمعنى عن، وهي مثل قوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ (٧)، ظنّ ابن عمر أن الوصف اشتبه على الراوي، وأن
стр. 1897
الموصوف بكونه أحمر هو الدجال لا عيسى، وقرب ذلك أن كلاً منهما يقال له المسيح، وهي صفة مدح لعيسى وصفة ذم للدجال.
وكأن (١) ابن عمر قد سمع سماعاً جزماً في وصف عيسى بأنه آدم فساغ له الحلف على ذلك لما غلب على ظنه أنه من وصفه بأنه أحمر واهم.
واعلم أنه وقع في نعت عيسى أنه أحمر، والأحمر عند العرب الشديد البياض مع الحمرة، والأدم الأسمر، ويمكن الجمع بينهما بأنه أحمر لونه بسبب، كالتعب وهو في الأصل [٣٢٦ ب] أسمر، وقد وافق أبو هريرة على أنّ عيسى أحمر، فظهر أنّ ابن عمر أنكر شيئاً حفظه غيره، وورد أيضاً في شعر عيسى [أنه سبط كما هنا ووقع في أخرى أنه جعد (٢) وجمع بينهما] (٣) أن السبط شعره، والجعد جسمه لا شعره، والمراد بذلك اجتماعه واكتنازه (٤).
قوله: "سبط (٥) الشعر" بفتح المهملة وكسر الموحدة أي: ليس بجعد، وهو نعت لشعر رأسه.
قوله: "يهادى" (٦) أي: يمشي مائلاً بينهما.
قوله: "ينطف" بكسر الطاء المهملة أي: يقطر ومنه النطفة.
стр. 1898
قوله: "أعور عينه اليمنى" كذا بالإضافة، وعينه بالجر وهو للأكثر من إضافة الموصوف إلى صفته وهو جائز عند الكوفيين، وتقديره (١) عند البصريين عين صفحة وجهه اليمنى.
قوله: "طافية" أي: بارزة، وهو من طفا الشيء يطفو بغير همز، إذا علا على غيره وشبهها بالعنبة التي تقع في العنقود بارزة عن نظائرها.
قوله: "أقرب الناس به شبهاً ابن قطن" بفتح القاف والمهملة، قال ابن حجر (٢): قلت: اسمه عبد العزى بن قطن بن عمرو بن جندب (٣).
قوله: "هلك في الجاهلية" قد أتى في رواية "أنه قال ابن قطن: يا رسول الله! هل يضرني شبهه بي؟ قال: لا أنت مسلم، وهو كافر، فينظر أيهما أصح.
قوله: "ولم يخرج مسلم قول الزهري" بأنه من خزاعة هلك في الجاهلية لكنه قال ابن حجر (٤): إنّ كلام الزهري وردّ الإسناد المذكور. [٢٤٢/ أ] [٣٢٧ ب].
١٩ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "عُرِضَ عَلَيَّ الأَنْبِيَاءُ ﵈، فَإِذَا مُوسَى ﵇ ضَرْبٌ مِنَ الرِّجَالِ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَرَأَيْتُ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ ﵇ فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا صَاحِبُكُمْ - يَعْنى نَفْسَهُ - وَرَأَيْتُ جبرِيلَ ﵇ فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ".
стр. 1899
أخرجه مسلم (١) والترمذي (٢). [صحيح].
٢٠ - وعن سمرة بن جندب ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "سَامٌ أَبُوْ الْعَرَبِ، وَيَافِثٌ أَبُو الرُّومِ، وَحَامٌ أَبُو الحَبَشِ". أخرجه الترمذي (٣). [ضعيف].
٢١ - وعن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "إِنَّ زَكرِيَّا كَانَ نَجَّارَاً". أخرجه مسلم (٤). [صحيح].
стр. 1900
كتاب: الخلافة والإمارة
الخلافة مأخوذة من قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (١).
[وفيه بابان
الباب الاول: في [أحكامهما] (٢)
وفيه: ستة فصول] (٣)
[الفصل الأول: في الأئمة من قريش] (٤)
١ - عن جابر ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فَي الخَيْرِ وَالشَّرِّ". أخرجه مسلم (٥). [صحيح].
قوله: "تبع لقريش" قيل هو خبر على ظاهره، وقيل: معناه الأمر.
قوله: "في الخير والشر" معناه: في الإسلام والجاهلية؛ لأنهم كانوا الجاهلية رؤساء العرب [و] (٦) أصحاب حرم الله، وكانت العرب تنتظر بإسلامها إسلامهم، فلما أسلموا وفتحت مكة تبعهم الناس، وجاءت وفود العرب من كل جهة، ودخل الناس بها دين الله أفواجاً، وكذلك في الإسلام هم أصحاب الخلافة والناس تبع لهم فيها، فبين ﷺ أن هذا الحكم مستمر فيهم إلى آخر الدنيا ما بقي من الناس اثنان، وقد ظهر ما قاله ﷺ فمن زمنه إلى
стр. 1901
الآن الخلافة في قريش: أي لا يزال منهم خليفة، وإلا فإنه قد زال عنهم الكبرى من الخلافة بملك التتار [والأروام] (١) والحرمين ومصر والشام وغيرها، وهو تصديق لقوله ﷺ : "إن أول من سلب الأمة ملكها بنو قنطوراء"، فإنه أخرج الطبراني في "الكبير" (٢) من حديث ابن مسعود مرفوعاً: اتركوا الترك ما تركوكم، فإن أول من يسلب أمتي ملكهم بنو قنطوراء" بفتح القاف وسكون النون وضم الطاء المهملة وألف [مقصورة] (٣).
[قال] (٤) في التنوير شرح (٥) "الجامع الصغير": إنه قال السيوطي [٣٢٨ ب] في "مرقاة الصعود" يقال أنها اسم جارية كانت لإبراهيم ﵇ والترك من نسلها، وقيل: أراد بهم يأجوج ومأجوج، والأول أظهر، وهذا الحديث قال في التنوير: إنه قال الهيثمي (٦): فيه مروان
стр. 1902
بن سالم متروك، وقال السمهودي (١): قد أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٢) و"الصغير" (٣) بإسناد حسن.
ولم يصب ابن الجوزي (٤) حيث جزم بوضعه وقد جمع فيه الضياء جزءاً. انتهى.
وأما قريش ففي "القاموس" (٥) قرشه يقرشه ويقرشه أي بكسر الراء وضمها قطعه وجمعه من ها هنا وها هنا وضم بعضه إلى بعض، ومنه قريش لتجمعهم إلى الحرم، أو لأنهم كانوا يتقرشون البياعات فيشتروا، أو لأن النضر بن كنانة اجتمع في ثوبه يوماً، فقالوا: تقرش، أو لأنه جاء إلى قومه فقالوا كأنه جمل قرشي أي: شديد، أو لأن قصياً كان يقال له القرشي ... إلى أن قال: أو سميت بمصغر القرش وهو دابة بحرية تخافها دواب البحر كلها.
стр. 1903
وذكر غير هذا، وهذا الأخير هو الذي أخرجه البيهقي في "الدلائل" (١) عن أبي ريحانة العامري، أن معاوية قال لابن عباس: لم سميت قريش قريشاً؟ قال: بدابة تكون في البحر أعظم دوابه، يقال لها القرش لا تمر بشيء من الغث والسمين إلا أكلته، قال [أنشدني] (٢) في ذلك، فأنشدته شعر الجمحي إذ يقول:
وقريش هي التي تسكن البحـ ... ـر بها سُمِّيت قريش قريشا
تأكل الغثَّ والسمين ولا تتـ ... ركْ يوماً لذي جناحَيْنِ ريشا
هكذا في البلاد حي قريش ... يأكلون البلاد أكلاً كَمِيشا
ولهم آخر الزمان نبيٌّ ... يكثر القتل فيهم والخُمُوشا
وفي "الكشاف" (٣): وقريش ولد النضر بن كنانة، وذكر في وجه التسمية ما ذكره ابن عباس [٣٢٩ ب] وأنشد أول بيت من هذه الأبيات، قال: والتصغير فيها للتعظيم.
قال ابن سعد في "الطبقات" (٤): حدثني هشام بن الكلبي قال: علمني أبي وأنا غلام نسب النبي ﷺ فقال: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر، وإليه جماع قريش، وما كان فوق فهر ليس بقرشي بل هو كناني.
٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولِ الله ﷺ : "النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ، مُسْلِمُهُمْ تَبَعٌ لمُسْلِمِهِمْ، وَكَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِرِهِمْ، النَّاسُ مَعَادِنُ، خِيَارُهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي
стр. 1904
الْإِسْلَامِ، إِذَا فَقُهُوا، وَتَجِدُونَ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ أَشَدَّ النَّاسِ كَرَاهَةً لِهَذَا الشَّأْنِ حَتَّى يَقَعَ فِيهِ. أخرجه الشيخان (١). [صحيح].
قوله: "في حديث أبي هريرة في هذا الشأن" أي: الولاية والإمارة.
قوله: "معادن" أي: أصولاً مختلفة، وهو جمع معدن وهو الشيء المستقر في الأرض فتارة يكون نفيسًا وتارة يكون خسيسًا وكذلك الناس.
قوله: "أشد الناس كراهة" أي: للدخول فيه؛ لأن ذلك إنما يكون من متانة الدين ورصانة العقل.
قوله: "إذا فقهوا فيه" إشارة إلى أن الشرف الإسلامي (٢) لا يتم إلا بالتفقه في الدين، وعلى هذا فينقسم الناس أربعة أقسام.
الأول: شريف في الجاهلية أسلم وتفقّه, ويقابله مشروف في الجاهلية أسلم ولم يتفقّه.
الثاني: شريف في الجاهلية أسلم ولم يتفقه, ويقابله مشروف في الجاهلية أسلم وتفقه.
والرابع (٣): شريف في الجاهلية لم يسلم وتفقه، ويقابله مشروف أسلم ولم يتفقه. وأرفع الأقسام أولها:
стр. 1905
قوله: "حتى يقع فيه" (١) أي: في ذلك غاية الكراهة؛ لأن الغالب حصول الشيء لمن يكرهه (٢) وصرفه عمن يحرص عليه.
٣ - وعن ابن عمر ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولِ الله ﷺ : "لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنْهُمُ اثْنَانِ". أخرجه الشيخان (٣). [صحيح].
قوله: "في حديث ابن عمر لا يزال [٣٣٠ ب] هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان".
هو بمعنى الأمر وإلا فقد خرج الأمر عنهم من أكثر من مائتي سنة، ويحتمل أن يكون على ظاهره، لكنه مقيد بقوله في الحديث الآخر "ما أقاموا الدين ولم يخرج عنهم إلا وقد انتهكوا حرماته" قاله في "التوشيح".
٤ - وَعَنْ سَفِينَةُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الخِلاَفَةُ فِي أُمَّتِي ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ مُلْكٌ بَعْدَ ذَلِكَ". قَالَ سَعِيْدُ بْنُ جَمْهَانَ: ثُمَّ قَالَ: أَمْسِكْ خِلاَفَةَ أَبِي بَكْرٍ، وَخِلاَفَةَ عُمَرَ وَخِلاَفَةَ عُثْمَانَ، وَخِلاَفَةَ عَليٍّ ﵃، فَوَجَدْنَاهَا ثَلاَثِينَ سَنَةً. فَقِيْلَ: إِنَّ بَنِي أُمَيَّةَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الخِلاَفَةَ فِيهِمْ، فَقَالَ: كَذَبُوا بَنُو الزَّرْقَاءِ، بَلْ هُمْ مُلُوكٌ مِنْ شَرِّ المُلُوكِ. أخرجه أبو داود (٤)، والترمذي (٥). [صحيح].
стр. 1906
والمراد ببني الزرقاء بنو مروان.
قوله: "في حديث سفينة قال سعيد بن جهمان" بضم الجيم وسكون الميم وبالنون الأسلمي تابعي بصري [٢٤٣/ أ]، وفي رواية: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة, ثم تصير ملكاً عضوضاً" أي: يصيب الرعية منه عسف وظلم [فكأنهم] (١) يعضون فيه عضّاً.
قوله: "فوجدناها ثلاثين سنة" يريد بأيام الحسن وهي ستة أشهر.
قوله: "فقيل إن بني أمية ... " إلى آخره، لفظ "الجامع" فقال سعيد.
قوله: "قال كذبوا" أي: قال سفينة، وفي رواية: "إنه لما قال سفينة "عليا" قال له سعيد: إنّ هؤلاء يزعمون أن علياً ليس بخليفة، قال: كذبت أستاه بني الزرقاء - يعني بني مروان -.
قوله: "كذبوا بنو الزرقاء" الزرقاء كما قال ابن الأثير (٢) هي بنت موهب جدة مروان بن الحكم، وكانت من بغايا الجاهلية ذوات الرايات. انتهى.
وقال الأصفهاني في كتاب "الأمثال" (٣): الزرقاء هي أم أمية بن عبد شمس، واسمها أرنب الأمثال، قال: وكانت في الجاهلية من ذوات الرايات.
قال السهيلي (٤): وقد نهي عن الطعن في الأنساب ولو لم يجب الكف عن سب [٣٣١ ب] بني أمية إلا لأجل عثمان بن عفان لكان حرياً بذلك.
стр. 1907
٥ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولِ الله ﷺ : "لاَ يَزَالُ هَذَا الدِّينُ عَزِيزًا مَنِيعًا إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ، قِيْلَ: ثُمَّ يَكُونُ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ يَكُونُ الهْرَجُ". أخرجه الخمسة (١) إلا النسائي إلى قوله من قريش. [صحيح].
وأخرج باقيه أبو داود (٢) "الْهَرْجُ" (٣): الفتنة والاختلاط. [صحيح].
قوله: "إلى اثني عشر خليفة كلهم من قريش" قال القاضي عياض (٤): هذا مخالف لحديث "الخلافة عن بعدي ثلاثون سنة" فإنه لم يكن في ثلاثين سنة إلا الخلفاء الراشدون الأربعة, والأشهر التي بويع فيها الحسن بن علي ﵁.
وجوابه (٥): أن المراد بحديث "الخلافة بعدي ثلاثون سنة" خلافة النبوة، كما جاء مفسراً في بعض الروايات "خلافة النبوة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً" ولم يشترط هذا في الاثني عشر.
قال (٦): ويحتمل أن يكون المراد بالإثني عشر هذا العدد مستحقي الخلافة العادلين، وقد مضى منهم من علم الله، ولا بد من تمام هذا العدد قبل قيام الساعة.
стр. 1908
قال (١): وقد يكون المراد من يعز الإسلام في زمنه ويجتمع المسلمون عليه كما جاء في "سنن أبي داود" (٢): "كلهم تجتمع عليه الأمة" [وهذا قد وجد قبل اضطراب بني أمية واختلافهم في زمن يزيد بن الوليد وخرج عليه بنو العباس] (٣) ويحتمل وجوهاً أخر، والله أعلم بمراد نبيه ﷺ .
قال الحافظ ابن حجر (٤): كلام القاضي عياض أحسن ما قيل في الحديث وأرجحه، وقد تشعب الكلام فيه من أول تاريخ الخلفاء.
وقال ابن حجر في "الصواعق" ما حاصله: إن حديث "الخلافة ثلاثون سنة" أي: الكاملة والخلافة تطلق على الملك وهي المراد، هذا معنى كلامه وهو يلاقي لفظ "خلافة النبوة".
واعلم أن الحافظ السيوطي عين الاثنتي عشر وعد منهم يزيد بن معاوية وغيره من جبابرة المروانية وقد رددنا عليه في رسالة مستقلة أتينا فيها أنه لا سبيل إلى تعيينهم [٣٣٢ ب] لأنه أمر فعلي ولم يأت عنه ﷺ حرف واحد بتعيينهم، فالواجب الإيمان بصدقه ﷺ وإن لم نعرف أعيانهم.
стр. 1909
الفصل الثاني: في من تصلح إمامته وإمارته
١ - عن أبي سعيد ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "إِذَا بُويعَ لخَلِيْفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآَخِرَ مِنْهُمَا". أخرجه مسلم (١). [صحيح].
قوله: "في حديث أبي سعيد فاقتلوا الآخر منهما" ظاهر الحديث أن الآخر باغٍ ومثير فتنة، وأنه إذا لم يندفع شره إلا بقتله قتل، وهو شامل له قوله تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ (٢) ويوضحه حديث عرفجة بن شريح عند مسلم (٣) أيضاً كما يأتي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه" أخرجه مسلم (٤) من طريق يونس بن أبي يعفور عن أبيه عن زياد بن [علاقة] (٥) عن عرفجة.
وروى مسلم (٦) وأبو داود (٧) والنسائي (٨) من ثمان طرق، لمسلم (٩) منها ست طرق كلها عن زياد بن علاقة عن عرفجة سمعت النبي ﷺ يقول: "من أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهم جميع فاضربوا رأسه بالسيف كائناً من كان".
стр. 1910
وزياد بن علاقة متفق عليه عند الجماعة ولم يتكلم عليه بشيء، وعرفجة صحابي (١) كوفي مشهور، روى عنه، جماعه فالحديث صحيح بالرواية الثابتة على شرط الجماعة، والله أعلم.
وأما حديث "الأئمة من قريش"، الذي تقدم أول الباب فقال الحافظ ابن حجر أنه قد جمع فيه تأليفاً سمّاه: "لذة العيش بطرق الأئمة من قريش" (٢).
٢ - وَعَنْ عَرْفَجَةَ بْن شُرَيح ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ". أخرجه مسلم (٣). [صحيح].
٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولِ الله ﷺ : "كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ ﵈، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِى، وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ، قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: أَوْفُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّلِ, ثُمَّ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ، وَاسْأَلُوا الله تَعَالَى الَّذِي لَكُمْ، فَإِنَّ الله تَعَالَى سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ". أخرجه الشيخان (٤). [صحيح].
قوله: "في حديث أبي هريرة تسوسهم الأنبياء" أي: يتولون [أمروهم] (٥) كما يفعل [٣٣٣ ب] الأمراء والولاة بالرعية.
стр. 1911
والسياسة [القيام] (١) على الشيء بما يصلحه، وفي هذا الحديث جواز أن يقال: هلك فلان إذا مات، وقال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ (٢).
قوله: "فيكثر" بالمثلثة من الكثرة هذا هو الصواب، قال القاضي (٣): وضبطه بعضهم فيكبر بالباء (٤) الموحدة، كأنه من إكبار قبيح فعالهم وهذا تصحيف.
وفي هذا الحديث معجزة ظاهرة لرسول الله ﷺ ، ومعنى هذا الحديث: إذا بويع لخليفة بعد خليفة فبيعة الأول صحيحة, يجب الوفاء بها وبيعة الثاني باطلة يحرم الوفاء بها، ويحرم عليه طلبها وسواءً عقدوا للثاني عالمين بعقد [الأول] (٥) أم جاهلين، وسواء كانا [٢٤٤/ أ] في بلد أو بلدين، أو أحدهما في بلد الإمام المنفصل، والآخر في غيره، هذا [هو] (٦) الصواب الذي عليه أصحابنا وجماهير العلماء، قاله النووي في "شرح مسلم".
стр. 1912
٤ - وعن أنس ﵁ قَالَ: استَخْلَفَ رَسُولِ ﷺ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى المَدِينَةِ مَرَّتَيْنِ. أخرجه أبو داود (١). [صحيح].
قوله: "في حديث أنس استخلف ابن أم مكتوم" قال ابن الأثير (٢): هو عمرو بن قيس ابن زائدة من بني عامر بن لؤي القرشي، وقيل اسمه: عبد الله بن عمرو، والأول أكثر وأشهر، وأم مكتوم اسمها عاتكة بنت عبد الله المخزومية، وهو ابن خال خديجة بنت خويلد أسلم قديماً بمكة, وكان من المهاجرين الأولين مع مصعب بن عمير.
قوله: "مرتين" قال ابن الأثير (٣): إنه استخلفه رسول الله ﷺ ثلاث عشرة مرة في غزواته على المدينة، وكان ضريراً مات بالمدينة وقيل: قتل شهيداً بالقادسية. انتهى.
فقوله "مرتين" لا مفهوم له، قيل: ويحتمل أنه استخلفه مرتين على المدينة وباقي المرات استخلفه على الصلاة لكنه [٣٣٤ ب] قال أبو عمر بن عبد البر في "الاستيعاب" (٤): أنه ﷺ استخلف ابن أم مكتوم على المدينة ثلاثة عشر مرة وعدّها.
ثم قال: وأما رواية قتادة عن أنس أن النبي ﷺ استخلفه مرتين، فلم يبلغه ما بلغ غيره. انتهى.
стр. 1913
وقال الخطابي (١): إنما ولاه الصلاة بالمدينة دون القضايا والأحكام؛ لأن الضرير لا يجوز له أن يقضي بين الناس؛ لأنه لا يدرك الأشخاص ولا يثبت الأعيان (٢)، وإنما ولاه الإمامة إكراماً له وإجلالاً لما عاتبه الله في أمره بقوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢)﴾، وفيه دليل على أن إمامة الضرير غير مكروهة. انتهى.
وترجم له في "الاستيعاب" فيمن اسمه عبد الله (٣) وفيمن اسمه عمرو (٤)؛ لأنه قد وقع خلاف في اسمه.
٥ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَقَدْ نَفَعَنِي الله تَعَالَى بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ الله ﷺ أَيَّامَ الجَمَلِ، بَعْدَ مَا كِدْتُ أَنْ أَلْحَقَ بِأَصْحَابِ الجَمَلِ فَأُقَاتِلَ مَعَهُم، قَالَ لمَّا بَلَغَ رَسُولَ الله ﷺ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بنْتَ كِسْرَى, قَالَ: "لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً". أخرجه البخاري (٥) والترمذي (٦) والنسائي (٧). [صحيح].
стр. 1914
وزاد الترمذي (١): فَلمَّا قَدِمَتْ عَائِشَةُ الْبَصْرَةَ ذَكَرْتُ ذَلِكَ فَعَصَمَنِي الله تَعَالَى بِهِ. [صحيح].
قوله: "أبو بكرة" اسمه نفيع، مصغر بن مسروح (٢)، وقيل: ابن الحارث بن كلدة وهو من ثقيف، وكان أبو بكرة يقول: أنا مولى رسول الله ﷺ ويأبى أن ينتسب، وكان قد نزل يوم الطائف من حصن الطائف وأسلم وأعتقه رسول الله ﷺ مع غلمان من غلمان أهل الطائف نزلوا إليه ﷺ فأعتق الجميع، كان أبو بكرة من فضلاء الصحابة، وكان مثل النصل من العبادة، توفي بالبصرة سنة إحدى وقيل اثنتن وخمسين، وأوصى أن يصلي عليه أبو برزة الأسلمي فصلى عليه، وكان أولاده أشرافاً بالبصرة بالولايات والعلم، وله عقب كثير، قيل: أن رَسُولِ الله ﷺ كناه بأبي بكرة؛ لأنه تعلق ببكرة من حصن الطائف فنزل إليه ﷺ .
قوله: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" هو دليل على العمل بالعموم، وأنه معنى لغوي تعرفه العرب بالسليقة؛ لأن لفظ "قوم" ولفظ "امرأة" (٣) نكرتان وقعتا في سياق النفي فعمتا كل قوم وكل امرأة، والمراد الولاية في الأمور لعظائم فلا يعارضه قوله [٣٣٥ ب] في الحديث الآتي: "والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسئولة عن رعيتها" (٤).
[قال الخطابي (٥): اشتركوا - أي الإمام ومن ذكر في التسمية، أي في الوصف بالراعي، ورعايتهم مختلفة، فرعاية الإمام الأعظم حياطة الشريعة وإقامة الحدود والعدل في الحكم، ورعاية الرجل أهله بسياسة أمورهم وإيصال حقوقهم، ورعاية المرأة تدبير أمر البيت
стр. 1915
والأولاد والخدم، والنصيحة للزوج في كل ذلك، ورعاية الخادم حفظ ما تحت يده والقيام بما يجب عليه من خدمته. انتهى (١)]. [قوله: "وكلكم مسئول عن رعيته" قيل: دخل في هذا العموم المنفرد الذي لا زوج له ولا خادم ولا ولد، فإنه يصدق عليه أنه راع على جوارحه حتى يعمل المأمورات، ويجتنب المنهيات فعلاً ونطقاً واعتقاداً (٢)].
الفصل الثالث: في ما يجب على الإمام وعلى الأمير
١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ, فَالإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ, وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ, وَالمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، قَالَ: فَسَمِعْتُ هَؤْلَاءِ مِنَ النَّبيِّ ﷺ ، وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَالرَّجُلُ فِي مَالِ أَبِيهِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ". أخرجه الخمسة (٣) إلا النسائي.
قوله: "عن ابن عمر كلكم راع" الراعي هو الحافظ (٤) المؤتمن الملتزم صلاح ما قام عليه وهو ما تحت نظره, فأفاد أن كل من بنظره شيء فإنه مخاطب بالقيام بمصالحه والعدل فيه في دينه ودنياه ومتعلقاته، وهو المراد من قوله "وكلكم مسئول عن رعيته" أي: يسأله الله عنها هل قام بما يجب عليه مما ذكر أو لا؟ ثم بيّن ﷺ أحوال الرعاة بقوله: "فالإمام راع .... " إلى آخر الحديث، فالأول الراعي العام الذي كل راع من رعيته.
стр. 1916
قوله: "والمرأة راعية في بيت زوجها" قيل: فيه دليل (١) على سقوط القطع عن المرأة إذا سرقت من مال زوجها.
قوله: "والرجل راع في أهل بيته [٣٣٦ ب] " فيه دليل على أنه يقيم الحد على عبيده وإمائه، وقد جاء حديث "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم" (٢).
٢ - وَعَنْ أَبِي مَرْيَمَ الأَزْدِيَّ ﵁ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى مُعَاوِيَةَ ﵁ فَقَالَ: مَا أنْعَمَنَا بِكَ أَبَا فُلاَنٍ؟ قُلْتُ: حَدِيثًا سمِعْتُهُ مِنْ رَسُولَ الله ﷺ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "مَنْ وَلاَّهُ الله شَيْئًا مِنْ أَمُورِ المُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمُ احْتَجَبَ الله تَعَالَى عَنْهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، قَالَ: فَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ رَجُلًا عَلَى حَوَائِجِ النَّاسِ. أخرجه أبو داود (٣) والترمذي (٤). [صحيح].
"مَا أَنْعَمنَا بِكَ" يريد ما أعمدك إلينا، وما جاء بك، قال الخطابي (٥): وإما يقال: ذلك لمن يعتد بزيارته ويفرح بلقائه.
стр. 1917
قوله: "وعن أبي مريم الأزدي" اسمه عمرو بن مرة يروي حديثين هذا أحدهما والثاني في أعلام النبوة.
قوله: "فجعل رجلاً على حوائج الناس" هذا مبني على أنه فهم أن المراد إبلاغ حوائج الناس إليه وإن لم يباشر ذلك وهو معلوم من المراد، فإنه ليس المراد إلا قضاء حوائج الناس بنفسه أو بواسطة.
قوله (١): "لمن يعتد بزيارته ويفرح بلقائه" كأنه أخذه من قوله: "ما أنعمنا بك" فإنه دلّ أنه عدّ قدومه عليه نعمة.
وفي "الجامع" (٢) قال الخطابي (٣): أحسبه مأخوذ من قولهم ونعمة عين، أي: قرة عين، وإنما يقال ذلك لمن يعتد بزيارته ويفرح بلقائه كأنه يقول: ما الذي أطلعك علينا وحبانا بلقائك، ومن ذلك قولهم: أنعم صباحاً - في التحية -.
٣ - وَعَنْ اَبْنِ عَمْرٍو بْن الْعَاص ﵄ قَالَ: قَالَ النّبيُّ ﷺ : "إِنَّ المُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا". أخرجه مسلم (٤) والنسائي (٥). [صحيح].
стр. 1918
قوله: "في حديث ابن [عمرو] (١) [٢٤٥/ أ]: إن المقسطين عند الله يوم القيامة على منابر من نور".
قال القاضي (٢): يحتمل أنهم على منابر حقيقة ويحتمل أنه كنّى عن المنازل الرفيعة، قال النووي (٣): والظاهر الأول وهو يتضمن المنازل الرفيعة والمنابر جمع منبر وسمي بذلك لارتفاعه.
قوله: "عن يمين الرحمن" هو من أحاديث الصفات، قال القاضي (٤): المراد بكونهم عن يمين الرحمن الحالة الحسنة (٥) والمنزلة الرفيعة يقال: [٣٣٧ ب] أتاه عن يمينه إذا جاءه من الجهة المحمودة، والعرب تنسب المحمود والأحسن إلى اليمين، وضده إلى اليسار واليمين مأخوذة من اليمن.
قوله: "وكلتا يديه يمين" قال القاضي (٦) - أيضاً -:
стр. 1919
هو تنبيه على أنه ليس المراد الجارحة (١) تعالى الله عن ذلك.
стр. 1920
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1921
قوله: "الذين يعدلون ... " إلى آخره، يريد أن هذا الفضل إنما هو لمن عدل فيما تقلد من خلافة أو إمارة أو قضاء أو حسبة، أو نظر على يتيم أو صدقة أو وقف فيما يلزمه من حقوق أهله ونحو ذلك.
٤ - وَعَنِ الحَسَنِ الْبَصْريّ عَنْ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولِ الله ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَستَرْعِيهِ الله رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلاَّ حَرَّمَ الله عَلَيْهِ الجَنَّةَ". أخرجه الشيخان (١). [صحيح].
وفي أخرى لمسلم (٢) عن الحَسَنِ الْبَصْريّ: أَنَّ عَائِذَ بْنَ عَمْرٍو ﵁، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ ، دَخَلَ عَلَى عُبَيْدِ الله بْنِ زِيَادٍ فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ:
стр. 1922
"إِنَّ شَرَّ [الرِّعَاءِ] (١) الحُطَمَةُ, فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ". فَقَالَ: اجْلِسْ، إِنَّمَا أَنْتَ مِنْ نُخَالَةِ أَصْحَابِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: وَهَلْ كَانَتْ لهمْ نُخَالَةٌ؟ إِنَّمَا كَانَتِ النُّخَالَةُ بَعْدَهُمْ وَفى غَيْرِهِمْ. [صحيح].
قوله: "في حديث الحسن البصري عن معقل بن يسار" الحديث له سبب كما في "الجامع" (٢) وهو أن عبيد الله بن زياد عاد معقل بن يسار المزني في مرضه الذي مات فيه فقال معقل: إني محدثك حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ لو علمت أن لي حياة ما حدثتك، إني سمعت رسول الله ﷺ ... الحديث.
قوله فيه: "لو علمت أن لي حياة" قال النووي (٣): يحتمل أنه كان يخاف على نفسه قبل هذا الحال ورأى وجوب تبليغ العلم الذي عنده قبل موته لئلا يكون مضيعاً له، وقد أمرنا كلنا بالتبليغ. انتهى.
قوله: "في حديث عائذ بن عمرو" (٤) بالمثناة التحتية وبالذال المعجمة، هو أبو هبيرة بضم الهاء وفتح الموحدة، هو من أصحاب الشجرة سكن البصرة، وحديثه في البصريين. [٣٣٨ ب].
قوله: "يموت يوم يموت" فيه دليل على أنّ التوبة قبل حالة الموت تنفع.
стр. 1923
قوله: "إلا حرم الله عليه الجنة" أي: دخلوها، قال النووي (١): إنه يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون مستحلاً لغشهم فتحرم عليه الجنة ويخلد في النار.
والثاني: أنه لا يستحله فيمنع من دخولها أول وهلة مع الفائزين، وفي هذا دليل على وجوب النصيحة على الوالي لرعيته والاجتهاد في مصالحهم، والنصيحة لهم في دينهم ودنياهم.
قوله: "في حديث الحسن - أيضاً - الحطمة" (٢) بالحاء المهملة بوزن الهمزة, قالوا: هو العنيف في رعيته لا يرفق بها في سوقها ومرعاها، بل يحطمها في ذلك في سقيها وغيره ويرجم بعضها ببعض بحيث يؤذيها ويحطمها.
قوله: "إنما أنت من نخالتهم" (٣) يريد لست من فضلائهم وعلمائهم، وأهل المراتب منهم بل من سقطهم، والنخالة والحثالة والحشافة بمعنى واحد.
قوله: "وهل كانت لهم نخالة، إنما النخالة بعدهم وفي غيرهم" قال النووي (٤): هذا من جزل الكلام وفصيحه، وصدقه الذي ينقاد له كل مسلم، فإن الصحابة ﵃ كلهم هم صفوة الناس وسادات الأمة، وأفضل ممن بعدهم وكلهم عدول قدوة لا نخالة فيهم، وإنما التخليط ممن بعدهم وفيمن بعدهم كانت النخالة. انتهى.
والنخالة بضم النون والخاء المعجمة هي قشور الدقيق وهي استعارة هنا.
٥ - وَعَنْ عَدِىِّ بْنِ عَمِيرَةَ الْكِنْدِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ كَانَ غُلُولاً يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ", فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ:
стр. 1924
اقْبَلْ عَنِّى عَمَلَكَ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: "وَمَا لَكَ؟ " قَالَ: سَمِعْتُكَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: "وَأَنَا أَقُولُهُ الآنَ مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ فَلْيَجِئْ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ أَخَذَ، وَمَا نُهِىَ عَنْهُ انْتَهَى". أخرجه مسلم (١). [صحيح].
قوله: "في حديث عدي (٢) [٣٣٩ ب] بن عميرة" بفتح المهملة وكسر الميم وفتح الراء، صحابي سكن الكوفة ثم سكن الجزيرة ومات بها.
قال القاضي (٣): لا يعرف أحد في الرجال يقال له عميرة بالضم، بل كلهم بالفتح، وجاء في النساء الأمران. قوله: "مخيطاً" بكسر الميم وسكون الخاء، الإبرة, و"الغلول" السرقة من الغنيمة والفيء.
٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى الله تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَدْنَاهُمْ مِنْة مَجْلِسًا إِمَامٌ عَادِلٌ، وَأَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَبْعَدَهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا إِمَامٌ جَائِرٌ". أخرجه الترمذي (٤). [ضعيف].
стр. 1925
الفصل الرابع: في كراهية الإمارة
١ - وَعَنْ المِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ ﵁ قَالَ: ضَرَبَ رَسُولَ الله ﷺ مَنْكِبِي وَقَالَ: "أَفْلَحْتَ يَا قُدَيْمُ، إِنْ مُتَّ وَلَمْ تَكُنْ أَمِيرًا، وَلاَ كَاتِبًا، وَلاَ عَرِيفًا". أَخرجه أبو داود (١). [ضعيف].
قوله: "يا قديم" هو تصغير مقدام، تصغير الترخيم بحذف زوائده من الميم والألف؛ لأنه من قدم والتصغير هنا للتلطف وحسن الخطاب من باب يا بني، والحديث خطاب منه ﷺ للمقدام بن معد يكرب الراوي.
قوله: "ولم تكن أميراً" جملة حالية من فاعل مت، أي: نلت الفلاح إن مت والحال ما فكر من عدم اتصافك بالإمارة, والأمير من يلي أمور الناس يأمرهم وينهاهم، فعيل بمعنى فاعل، وإنما علّق الفلاح بذلك لما في الإمارة من الخطر الذي لا يكاد ينجو منه أحد.
قوله: "ولا كاتبًا" أي: للسلطان وفروعه لما فيه من الخطر؛ لأن كاتب الأمير يده ولسانه.
قوله: "ولا عريفاً" بعين مهملة وراء مكسورة مشددة ومثناة تحتية، وما في "النهاية" (٢) أنه القيم بأمور القبيلة والجماعة من الناس، يلي أمورهم [٢٤٦/ أ] ويتعرف الأمير منه أموالهم [٣٤٠ ب] فعيل بمعنى فاعل والحديث تحذير عن الإمارة ومتعلقاتها.
٢ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسولَ الله! أَلاَ تَسْتَعْمِلُنِي، فَضَرَبَ بِيَدهِ عَلَى مَنْكِبِي، ثُمَّ قَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ! إِنَّكَ ضَعِيفٌ, وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ, وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ, إِلَّا مَنْ أخَذَهَا بِحَقِّهَا, وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا".
стр. 1926
أخرجه مسلم (١)، وأبو داود (٢). [صحيح].
ولأبي داود في أخرى (٣): "يَا أَبا ذَرٍّ! إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لاَ تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ وَلاَ تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ". [صحيح].
وله (٤) في أخرى قال: قَالَ رَسُولِ الله ﷺ : "إِنَّ الْعِرافَة حَقٌّ، وَلَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ عُرَفاءَ، وَلَكِنَّ الْعُرَفاءَ فِي النَّارِ". [ضعيف].
قوله: "في حديث أبي ذر يا أبا ذر [إني] (٥) أراك ضعيفا" الحديث، قال النووي في "شرح مسلم" (٦): هذا الحديث أصل عظيم في اجتناب الولاية سيما لمن كان فيه ضعف عن القيام بوظائف تلك الولاية، وأمّا الخزي والندامة فهو لمن لم يكن [أهلاً] (٧) لها، أو كان أهلاً ولم يعدل فيها فيخزيه الله يوم القيامة ويفضحه ويندم على ما كان فرط، وأمّا من كان أهلاً للولاية وعدل فيها فله فضل عظيم تظاهرت به الأحاديث الصحيحة كحديث "سبعة يظلهم الله في ظله" (٨) والحديث "إنّ المقسطين على منابر من نور" (٩) وغير ذلك.
стр. 1927
وإجماع المسلمين منعقد عليه ولكثرة الخطر حذّره النبي ﷺ منها، وكذا حذّر العلماء وامتنع خلائق من السلف وصبروا على الأذى حين امتنعوا. انتهى.
قوله: "العرافة حق" قال في "النهاية" (١) بعد تفسير العريف بما قدّمناه قريباً أنّ العرافة عمل العريف، وقوله "حق" أي: مصلحة للناس ورفق في أمورهم وأحوالهم.
وقوله: "العرفاء في النار" تحذير (٢) من التعرض للرئاسة لما في ذلك من الفتنة وأنه إذا لم يقم بحقه أثم واستحق العقوبة.
٣ - وَعَن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولِ الله ﷺ : "يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ! لاَ تَسْأَلِ الإِمَارَةَ, فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وإِنْ أُعْطِيْتُهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ, وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ". أخرجه الخمسة (٣). [صحيح].
قوله: "وعن عبد الرحمن [٣٤١ ب] بن سمرة" بن أبي حبيب بن عبد شمس، يكنى أبا سعيد، أسلم يوم "الفتح" كان (٤) اسمه عبد الكعبة، فغيّر النبي ﷺ اسمه.
قوله: "وكلت إليها" أي: أسلمت إليها ولم يكن معك إعانة بخلاف ما إذا حصلت بغير مسألة، وفيه تحريم سؤال الولايات من القضاء والحسبة وغيرها، والحديث الآخر دل على أنه لا يجوز تولية من يسأل الإمارة أي حديث "إنا لا نولي عملنا من سأله أو حرص
стр. 1928
عليه" (١)، وفيه دليل على أن من يسألها لم يكن له من الله إعانة، فلا يكون فيه كفاية لذلك العمل فلا ينبغي أن يولى ولا تحل توليته.
ولا إله إلا الله فقد انقلبت الأمور الشرعية فصار لا يولى إلا من طلب الولاية وبالغ في طلبها، وبذل الرشوة فيها وتوصّل بالشفعاء.
٤ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَا وَرَجُلاَنِ مِنْ بَنِي عَمِّى، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَا رَسُولَ الله! أَمِّرْنَا عَلَى بَعْضِ مَا وَلاَّكَ اللهُ تَعَالَى. وَقَالَ الآخَرُ: مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: "إِنَّا وَالله لاَ نُوَلِّي هَذَا الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ أَوْ أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ". أخرجه الخمسة (٢) إلا الترمذي. [صحيح].
قوله: "في حديث أبي موسى إنا والله لا نولي ... " الحديث، في إقسامه ﷺ دليل تحريم تولية من طلب الولاية، ووجه تحريم ذلك ظاهر، فإنه لا يعان من الله تعالى عليها كما صرح به حديث عبد الرحمن بن سمرة، ومن لا يعينه الله لم يكن كفؤاً لما وليه بسؤال، ولا تحل ولاية من ليس بكفؤ، ولما في سؤاله من التهمة، ولما في حرصه من إظهار حب الرياسة. [٣٤٢ ب].
الفصل الخامس: في وجوب طاعة الإمام والأمير
١ - عن أنس ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : "اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وإِنْ اسْتُعُمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيْبَةٌ, مَا أَقَامَ فِيكُمْ كِتَابَ اللهَ تَعَالَى". أخرجه البخاري (٣). [صحيح].
стр. 1929
جعل "الزَّبِيبَةَ" (١) مثلاً في سواد رأس الأسود، وجعودة شعره.
قوله: "في حديث أنس وإن استعمل " بضم المثناة على البناء للمجهول، أي: جعل عاملاً في ولاية عامة أو خاصة كإقامة الصلاة وجباية الخراج ونحو ذلك.
قوله: "كأن رأسه زبيبة" بالزاي والموحدة، واحدة الزبيب المعروف المأكول شبه بذلك لصغر رأسه، وذلك معروف في الحبشة، وقيل: لسواده، وقيل: لقصر شعر رأسه وتعلفه، ولما تقرر أنّ الأئمة من قريش، فقيل: أراد ﷺ هنا إذا ولاه الإمام، أو تغلب على البلاد بشوكته وجنده، ولا يجوز عقد الولاية له بعقد الاختيار؛ لأن من شرطها الحرية (٢) ولكن شرط السمع [له] (٣) والطاعة بقوله: "ما أقام فيكم كتاب الله" أي: ما عمل فيكم بالقرآن، وهكذا هو في "الجامع".
لكن في البخاري (٤) في كتاب الأحكام روى حديث أنس هذا وليس فيه لفظ: "ما أقام فيكم كتاب الله" وقال ابن حجر في "الفتح" (٥): في شرح حديث أنس: ولمسلم (٦) من حديث أم الحصين "اسمعوا وأطيعوا، ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله". انتهى.
ويدل على أنه ليس في البخاري ذكر التقييد بكتاب الله في رواية أنس وقد ذكر البخاري (٧) حديث أنس في باب إمامة العبد في كتاب الصلاة وليس فيه التقييد أيضاً، فينظر
стр. 1930
هل ذكره في غير هذين المحلين وذكر التقييد، فإني لم أجده في البخاري، والذي في مسلم بلفظ [٣٤٣ ب] "يقودكم بكتاب الله"، وابن الأثير و [تبعه] (١) المصنف أتيا بلفظ: "ما أقام فيكم كتاب [الله] " (٢) ونسباه إلى البخاري.
٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولِ الله ﷺ : "مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ الله، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى الله، وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي". أخرجه الشيخان (٣) والنسائي (٤). [صحيح].
قوله: "في حديث أبي هريرة من أطاعني فقد أطاع الله" وذلك؛ لأن الله أمر بطاعة رسوله، وأمر الرسول بطاعة الأمير فتلازمت الطاعة.
قال الشافعي في "الأم" (٥): كانت قريش ومن يليها [٢٤٧/ أ] من العرب لا يعرفون الإمارة وكانوا يمتنعون من الأمراء، فقال ﷺ هذا القول يحثّهم على طاعة من يؤمرهم عليهم والانقياد لهم وعدم الخروج عليهم لئلا تفترق الكلمة.
٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولِ الله ﷺ : "عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ, فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ". أخرجه الخمسة (٦). [صحيح].