← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14309

التحبير لإيضاح معاني التيسير

الصنعاني

Полный текст (5 029 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

أخرجه مسلم (١)، وأبو داود (٢). [صحيح]. ولأبي داود في أخرى (٣): "يَا أَبا ذَرٍّ! إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لاَ تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ وَلاَ تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ". [صحيح]. وله (٤) في أخرى قال: قَالَ رَسُولِ الله ﷺ : "إِنَّ الْعِرافَة حَقٌّ، وَلَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ عُرَفاءَ، وَلَكِنَّ الْعُرَفاءَ فِي النَّارِ". [ضعيف]. قوله: "في حديث أبي ذر يا أبا ذر [إني] (٥) أراك ضعيفا" الحديث، قال النووي في "شرح مسلم" (٦): هذا الحديث أصل عظيم في اجتناب الولاية سيما لمن كان فيه ضعف عن القيام بوظائف تلك الولاية، وأمّا الخزي والندامة فهو لمن لم يكن [أهلاً] (٧) لها، أو كان أهلاً ولم يعدل فيها فيخزيه الله يوم القيامة ويفضحه ويندم على ما كان فرط، وأمّا من كان أهلاً للولاية وعدل فيها فله فضل عظيم تظاهرت به الأحاديث الصحيحة كحديث "سبعة يظلهم الله في ظله" (٨) والحديث "إنّ المقسطين على منابر من نور" (٩) وغير ذلك.

стр. 1927

وإجماع المسلمين منعقد عليه ولكثرة الخطر حذّره النبي ﷺ منها، وكذا حذّر العلماء وامتنع خلائق من السلف وصبروا على الأذى حين امتنعوا. انتهى. قوله: "العرافة حق" قال في "النهاية" (١) بعد تفسير العريف بما قدّمناه قريباً أنّ العرافة عمل العريف، وقوله "حق" أي: مصلحة للناس ورفق في أمورهم وأحوالهم. وقوله: "العرفاء في النار" تحذير (٢) من التعرض للرئاسة لما في ذلك من الفتنة وأنه إذا لم يقم بحقه أثم واستحق العقوبة. ٣ - وَعَن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولِ الله ﷺ : "يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ! لاَ تَسْأَلِ الإِمَارَةَ, فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وإِنْ أُعْطِيْتُهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ, وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ". أخرجه الخمسة (٣). [صحيح]. قوله: "وعن عبد الرحمن [٣٤١ ب] بن سمرة" بن أبي حبيب بن عبد شمس، يكنى أبا سعيد، أسلم يوم "الفتح" كان (٤) اسمه عبد الكعبة، فغيّر النبي ﷺ اسمه. قوله: "وكلت إليها" أي: أسلمت إليها ولم يكن معك إعانة بخلاف ما إذا حصلت بغير مسألة، وفيه تحريم سؤال الولايات من القضاء والحسبة وغيرها، والحديث الآخر دل على أنه لا يجوز تولية من يسأل الإمارة أي حديث "إنا لا نولي عملنا من سأله أو حرص

стр. 1928

عليه" (١)، وفيه دليل على أن من يسألها لم يكن له من الله إعانة، فلا يكون فيه كفاية لذلك العمل فلا ينبغي أن يولى ولا تحل توليته. ولا إله إلا الله فقد انقلبت الأمور الشرعية فصار لا يولى إلا من طلب الولاية وبالغ في طلبها، وبذل الرشوة فيها وتوصّل بالشفعاء. ٤ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَا وَرَجُلاَنِ مِنْ بَنِي عَمِّى، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَا رَسُولَ الله! أَمِّرْنَا عَلَى بَعْضِ مَا وَلاَّكَ اللهُ تَعَالَى. وَقَالَ الآخَرُ: مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: "إِنَّا وَالله لاَ نُوَلِّي هَذَا الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ أَوْ أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ". أخرجه الخمسة (٢) إلا الترمذي. [صحيح]. قوله: "في حديث أبي موسى إنا والله لا نولي ... " الحديث، في إقسامه ﷺ دليل تحريم تولية من طلب الولاية، ووجه تحريم ذلك ظاهر، فإنه لا يعان من الله تعالى عليها كما صرح به حديث عبد الرحمن بن سمرة، ومن لا يعينه الله لم يكن كفؤاً لما وليه بسؤال، ولا تحل ولاية من ليس بكفؤ، ولما في سؤاله من التهمة، ولما في حرصه من إظهار حب الرياسة. [٣٤٢ ب]. الفصل الخامس: في وجوب طاعة الإمام والأمير ١ - عن أنس ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : "اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وإِنْ اسْتُعُمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيْبَةٌ, مَا أَقَامَ فِيكُمْ كِتَابَ اللهَ تَعَالَى". أخرجه البخاري (٣). [صحيح].

стр. 1929

جعل "الزَّبِيبَةَ" (١) مثلاً في سواد رأس الأسود، وجعودة شعره. قوله: "في حديث أنس وإن استعمل " بضم المثناة على البناء للمجهول، أي: جعل عاملاً في ولاية عامة أو خاصة كإقامة الصلاة وجباية الخراج ونحو ذلك. قوله: "كأن رأسه زبيبة" بالزاي والموحدة، واحدة الزبيب المعروف المأكول شبه بذلك لصغر رأسه، وذلك معروف في الحبشة، وقيل: لسواده، وقيل: لقصر شعر رأسه وتعلفه، ولما تقرر أنّ الأئمة من قريش، فقيل: أراد ﷺ هنا إذا ولاه الإمام، أو تغلب على البلاد بشوكته وجنده، ولا يجوز عقد الولاية له بعقد الاختيار؛ لأن من شرطها الحرية (٢) ولكن شرط السمع [له] (٣) والطاعة بقوله: "ما أقام فيكم كتاب الله" أي: ما عمل فيكم بالقرآن، وهكذا هو في "الجامع". لكن في البخاري (٤) في كتاب الأحكام روى حديث أنس هذا وليس فيه لفظ: "ما أقام فيكم كتاب الله" وقال ابن حجر في "الفتح" (٥): في شرح حديث أنس: ولمسلم (٦) من حديث أم الحصين "اسمعوا وأطيعوا، ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله". انتهى. ويدل على أنه ليس في البخاري ذكر التقييد بكتاب الله في رواية أنس وقد ذكر البخاري (٧) حديث أنس في باب إمامة العبد في كتاب الصلاة وليس فيه التقييد أيضاً، فينظر

стр. 1930

هل ذكره في غير هذين المحلين وذكر التقييد، فإني لم أجده في البخاري، والذي في مسلم بلفظ [٣٤٣ ب] "يقودكم بكتاب الله"، وابن الأثير و [تبعه] (١) المصنف أتيا بلفظ: "ما أقام فيكم كتاب [الله] " (٢) ونسباه إلى البخاري. ٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولِ الله ﷺ : "مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ الله، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى الله، وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي". أخرجه الشيخان (٣) والنسائي (٤). [صحيح]. قوله: "في حديث أبي هريرة من أطاعني فقد أطاع الله" وذلك؛ لأن الله أمر بطاعة رسوله، وأمر الرسول بطاعة الأمير فتلازمت الطاعة. قال الشافعي في "الأم" (٥): كانت قريش ومن يليها [٢٤٧/ أ] من العرب لا يعرفون الإمارة وكانوا يمتنعون من الأمراء، فقال ﷺ هذا القول يحثّهم على طاعة من يؤمرهم عليهم والانقياد لهم وعدم الخروج عليهم لئلا تفترق الكلمة. ٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولِ الله ﷺ : "عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ, فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ". أخرجه الخمسة (٦). [صحيح].

стр. 1931

قوله: "ما لم يؤمر بمعصية" هذا يقيد ما أطلق في الأحاديث من الأمر بالسمع والطاعة [ولو لحبشي] (١). قوله: "فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" أي: لا يجب ذلك بل يحرم على من كان قادراً على الامتناع، وفي حديث معاذ عند أحمد (٢) "لا طاعة لمن لم يطع الله" وعنده وعند البزار (٣) من حديث عمران بن حصين والحكم بن عمرو الغفاري "لا طاعة في معصية الله".

стр. 1932

قال الحافظ ابن حجر (١): وسنده قوي وأما حديث الأمر بالسمع والطاعة ما لم تروا كفراً بواحاً، فالمراد بيان وقت خلع من رأوا منه كفراً بواحاً، وأنه يجب على كل مسلم القيام في ذلك فمن قدر على ذلك فله الثواب، ومن داهن فعليه الإثم، ومن عجز وجبت عليه الهجرة. وهذه الأحاديث في الخليفة الأمر بالمعصية، فإنها لا تجب طاعته فيها ولا ينعزل ويجب [٣٤٤ ب] الخروج عليه بأمره بها. ٤ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولِ الله ﷺ : "أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِخِيَارِ أُمَرَائِكُمْ وَشِرَارِهِمْ؟ خِيَارُهُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَتَدْعُونَ لهُمْ وَيَدْعُونَ لَكُمْ، وَشِرَارُ أُمَرَائِكُمُ: الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ". أخرجه الترمذي (٢). [صحيح]. قوله: "في حديث عمر ﵁ خياراً أمرائكم الذين تحبونهم ويحبونكم" وذلك أنه لا تلقى محبة الأمير في قلب رعيته إلا لعدله وحسن رعايته لرعيته, وقيامه بحق الله، وهو أيضاً لا يحبهم إلا لحسن انقيادهم للحق، فيلقي الله محبتهم في قلبه كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ (٣)، وعكس ذلك في العصاة من الطائفتين. قوله: "أخرجه الترمذي". قلت: وقال (٤): هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن أبي حميد، ومحمد يضعف في الحديث. انتهى.

стр. 1933

٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولِ الله ﷺ : "مَنْ خَرَجَ عَنِ الطَّاعَةِ, وَفَارَقَ الجَمَاعَةَ، فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيّةً". أخرجه الشيخان (١). [صحيح]. وفي رواية: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولِ الله ﷺ : "مَنْ خَرَجَ عَنِ الطَّاعَةِ, وَفَارَقَ الجَمَاعَةَ، فَمَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ، يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ, أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً, فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِى يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، وَلاَ يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا وَلاَ يَفِي بِعَهْدِ ذِي عَهْدِهَا، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ". أخرجه مسلم (٢) والنسائي (٣). [صحيح]. قوله: "في حديث أبي هريرة من فارق الجماعة". قال ابن الأثير (٤): معناه كل جماعة عقدت عقداً يوافق الكتاب والسنة فلا يجوز لأحدهم أن يفارقهم في ذلك العقد فإن خالفهم فقد استحق الوعيد. قوله: "إلا مات ميتة جاهلية" أي: تشبه ميتة أهل الجاهلية من بعض الوجوه أي: من حيث أنه لا إمام لهم، و"ميتة" بكسر الميم أي حالة موتته كموت أهل الجاهلية, قيل: وهو وارد مورد الزجر والتنفير. قوله: "تحت راية عميّة" بكسر المهملة وضمها وكسر الميم مشددة، وبالمثناة التحتية مشددة، هو الأمر الأعمى الذي لا يستبين [٣٤٥ ب] وجهه، قاله أحمد بن حنبل (٥) وغيره.

стр. 1934

وفي "النهاية" (١) قيل: هو فعيلة من العماء الضلالة كالقتال في العصبية والأهواء. قوله: "يغضب لعصبية" الألفاظ الثلاثة بالعين والصاد المهملتين هذا هو الصواب، وحكى القاضي عياض (٢) أنه بالضاد والغين المعجمتين في الألفاظ الثلاثة ومعناه: أنه لشهوة نفسه وغضبه لها. قوله: "لا يتحاشى" (٣) أي: لا يكترث لفعله فيها ولا يخاف وباله وعقوبته. ٦ - وعن أبي بكرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولِ الله ﷺ : "مَنْ أَهَانَ سُلْطَانَ الله فِي الْأَرْضِ أَهَانَهُ الله تَعَالَى". أخرجه الترمذي (٤). [صحيح]. قوله: "من أهان سلطان الله في الأرض" المراد بالسلطان الدليل والبرهان، وسلطان الله في الأرض هو القرآن، فمن أهانه ولم يعمل به ولا قام بما أمر به ونهى عنه أهانه الله بكل نوع من الإهانة. ويحتمل أن يراد به الخليفة كما يدل له ذكر المحدثين له هنا، فالمراد به سلطان الحق الواجب الطاعة، وإهانته الإعراض عما يجب من امتثال أوامره واجتناب مخالفته، والخروج عليه وشق عصا المسلمين وعليه يدل سبب رواية أبي بكرة للحديث، فإنه قال زياد بن كسيب العدوي: كنت مع أبي بكرة تحت منبر ابن عامر وهو يخطب وعليه ثياب رقاق، فقال أبو بلال: انظروا إلى أميرنا يلبس ثياب الفساق، ويعظ فقال أبو بكرة، اسكت، سمعت رَسُولِ الله ﷺ ... وذكر الحديث.

стр. 1935

قوله: "أخرجه الترمذي". قلت: وقال (١): حسن غريب. الفصل السادس: في أعوان الأئمة والأمراء [٣٤٦ ب] ١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أَرَادَ الله بِالأَمِيرِ خَيْرًا جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ، وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ, وَإِذَا أَرَادَ الله بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ سُوءٍ، إِنْ نَسِيَ لَمْ يُذَكِّرْهُ وَإِنْ ذَكَرَ لَمْ يُعِنْهُ". أخرجه أبو داود (٢) والنسائي (٣). [صحيح]. قوله: "في حديث عائشة إذا أراد الله بالأمير خيراً" إرادة الله الخير بعبده تفضل منه وإحسان جزاءً على عمل صالح أسلفه العبد أو نية حسنة، أو محض فضل منه تعالى، فإرادته الخير بالعبد من باب تيسير اليسرى الذي أفاده قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ (٤)، وهو كزيادته الهدى لمن اهتدى ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ (٥). [٢٤٨/ أ]. قوله: "بالأمير" هو ذو الإمارة والولاية، ولو على أهله كما سلف في حديث (٦) "كلكم راع".

стр. 1936

قوله: "جعل له وزير صدق" في "الكشاف" (١): الوزير من الوزر؛ لأنه يتحمل عن الملك أوزاره ومؤنه، أو من الوزر؛ لأن الملك يعتصم برأيه ويلجئ إليه أموره، أو من المؤازرة وهي المعاونة. انتهى. وقوله: "صدق" أي صادق فالمصدر بمعنى اسم الفاعل وضع موضعه مبالغة، إن نسي الأمير ذكره الوزير ما نسيه من مصالح عباده ونفسه، وإن ذكر أعانه على فعل ما ذكره بيده ولسانه ونفسه. قوله: "وإذا أراد الله به غير ذلك" أي غير الخير، لم يقل: وإن أراد به شراً، كما أنه تعالى حكى عن الجن أنهم قالوا: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾ (٢) فعبروا عن صنعة إرادة الشر تأدباً. كذلك "جعل له وزير سوء" ووصفه بما هو كاشف بمعنى السوء بقوله "إن نسي لم يذكره" أي: مع أنه ذاكره لما نسيه الأمير، ويحتمل أنهما ينسيان معاً عقوبة لهما وخذلاناً ليفوت ما فيه صلاح دولتهما، وإن ذكر لم يعنه فلا يتم له مراده، وفيه أن الوزير هو القائد للأمير إلى الخير والشر. [قوله] (٣): "أخرجه أبو داود والنسائي" زاد في "الجامع الصغير" (٤): والبيهقي في [٣٤٧ ب] "شعب الإيمان"، قال في "الرياض": رواه أبو داود على شرط مسلم، لكن جرى العراقي على ضعفه، وقال: ضعفه ابن عدي وغيره.

стр. 1937

٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولِ الله ﷺ : "مَا بَعَثَ الله تَعاَلىَ مِنْ نَبِيٍّ وَلاَ اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ إِلاَّ كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالمَعْرُوفِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ, وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ, وَالمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ الله تَعَالَى". أخرجه البخاري (١) والنسائي (٢). [صحيح]. قوله: "في حديث أبي سعيد وأبي هريرة إلا كانت له بطانتان" في "النهاية" (٣): بطانة الرجل صاحب سره وداخلة أمره الذي يشاوره في أحواله. انتهى. والمراد أن لكل نبي وخليفة جلساء صالحون وجلساء على غير ذلك، فالبطانة الأولى تأمره بالمعروف، وتحضه عليه، والبطانة الأخرى بخلاف ذلك، والمعصوم من العصمة وهي المنعة، والعاصم المانع "من عصم الله" أي: منعه بإلطافه عن متابعة البطانة الطالحة. قال المهلب (٤): غرضه إثبات الأمور لله، فهو الذي يعصم من نزغات الشياطين، فالمعصوم من عصمه الله لا من عصم نفسه. قال البخاري (٥): "البطانة الدخلاء" وهو (٦) بضم وفتح جمع دخيل، وهو الذي يدخل على الرئيس في مكان خلوته، ويفضي إليه بسره، ويصدقه فيما يخبره به مما يخفى عليه من أمر رعيته، ويعمل بمقتضاه.

стр. 1938

وقد استشكل (١) هذا التقسيم بالنسبة إلى النبي؛ لأنه وإن جاز عقلاً أن يكون فيمن يداخله [من يكون] (٢) من أهل الشر لكنه لا يتصور منه أن يصغي إليه، ويعمل بقوله لوجود العصمة وأجيب: بأن في بقية الحديث الإشارة إلى سلامة النبي من ذلك بقوله: "والمعصوم من عصمه الله"، فلا يلزم من وجود من يشير على النبي بالشر أن يقبل منه. انتهى. وقيل: أراد بالبطانتين: القلب والنفس، فالقلب يأمر بالطاعة، والنفس تأمر بالمعصية، ولكل جنود، فأيهما غلب فيه مال الإنسان إلى ما غلب. والصحيح: أن البطانة خواص الإنسان الذين يستنبطون أمره, وجلساؤه، ومشاوروه, وأهل سره، والحديث تحذير للإنسان من خلطائه وجلسائه الذين يجرونه إلى الشر، وحث على العمل بما تدعو إليه بطانة الخير ومعرفة هذه من هذه أن كل من دعاه إلى الخير وحثه عليه فهو من بطانة الخير، ولا ينافي حديث "جعل له وزيراً صالحاً" لأن هذا مسوق لبيان أنه لا يخلو الإنسان [٣٤٨ ب] عن أهل الشر ومخالطته لهم ودعوتهم له إلى الشر. ٣ - وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ : "أُعِيذُكَ بِالله يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ! مِنْ أُمَرَاءَ يَكُونُونَ مِنْ بَعْدِي، مَنْ غَشِىَ أَبْوَابَهُمْ وَصَدَّقَهُمْ فِي كَذِبِهِمْ، وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ، وَلاَ يَرِدُ عَلىَّ حَوْضَ، وَمَنْ لَمْ يَغْشَ أَبْوَابَهُمْ، وَلَمْ يُصَدِّقْهُمْ فِي كَذِبِهِمْ، وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَهُوَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ, وَسَيَرِدُ عَلَىَّ الحَوْضَ، يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ! الصَّلاَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ حَصِينَةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ. يَا كَعْبُ بْنَ

стр. 1939

عُجْرَةَ! إِنَّهُ لاَ يَربُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ إِلاَّ كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ". أخرجه الترمذي (١)، وهذا لفظه والنسائي (٢) بمعناه. [صحيح]. "السُّحْتُ" (٣): الحرام من المكسب، والمطعم، والمشرب. قوله: "كعب بن عجرة" (٤) بضم العين المهملة وسكون الجيم وبالراء، وعجرة هو ابن أمية بن عدي البلوي، بفتح الموحدة وفتح اللام، قيل: إنه حليف للأنصار، وقال الواقدي (٥): ليس حليفاً لهم، بل هو من أنفسهم نزل الكوفة ومات بالمدينة سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث وخمسين. وألفاظ الحديث واضحة ومعناه الإخبار بأنه يكون بعده ﷺ أمراء تحيف فحذّر من غشيان أبوابهم وهو الإتيان إليهم، ومن تصديقهم في كذبهم، ومن إعانتهم على ظلمهم، وأخبره أن الصلاة برهان أي: حجة للعبد على صحة إيمانه, والصوم حصن يتحصن به صاحبه من عذاب الله، والصدقة تطفئ الخطيئة؛ لأن الخطيئة نار في قلب العبد ونار في الآخرة في بدنه, وهو حث على الثلاثة. قوله: "أخرجه الترمذي وهذا لفظه" (٦).

стр. 1940

قلت: صدره فيه (١): عن كعب بن عجرة قال: خرج إلينا رسول الله ﷺ ونحن تسعة خمسة وأربعة أحد العددين من العرب والآخر من العجم قال: "اسمعوا: هل سمعتم أنه سيكون بعدي أمراء ... ". الحديث. قال الترمذي (٢): هذا حديث صحيح (٣) غريب لا نعرفه من حديث مسعر، إلا من هذا الوجه - إلى أن قال - وفي الباب عن حذيفة وابن عمر. [٣٤٩ ب]. ٤ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ﵁ قَالَ: قَال كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، وَعَمْرِو بْنِ الأَسْوَدِ, وَالمِقْدَامِ ﵁ قَالَ رَسُولِ الله ﷺ : "إِذَا ابْتَغَى الأَمِيرَ الرِّيبَةَ فِي النَّاسِ أَفْسَدَهُمْ". أخرجه أبو داود (٤). [صحيح لغيره]. "وَالرِّيبَةُ": التهمة، والمراد أن الإمام إذا اتَّهم رعيتَّه، وخامرهم بسوء الظن فيهم، أداهم ذلك إلى ارتكاب ما ظن فيهم ففسدوا (٥). الباب الثاني: في ذكر الخلفاء الراشدين وبيعتهم ﵃ - ١ - عَن ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ عَلِيَّاً ﵁ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ النبيّ ﷺ فِي وَجَعِهِ الَّذِى تُوُفِّيَ فِيهِ، فَقَالَ النَّاسُ: يَا أَبَا الحَسَن! كَيْفَ أَصْبَحَ رَسُولُ الله ﷺ ، فَقَالَ: أَصْبَحَ بِحَمْدِ الله بَارِئًا، فَأَخَذَ بِيَدهِ الْعَبَّاسُ ﵁ فَقَالَ: أَنْتَ وَالله بَعْدَ ثَلاَثٍ عَبْدُ الْعَصَا، وَإِنِّي وَالله لأُرَى رَسُولَ الله ﷺ سَيتَوَفَّى مِنْ وَجَعِهِ هَذَا، إِنِّي لأَعْرِفُ وُجُوهَ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ عِنْدَ المَوْتِ، فَاذْهَبْ بِنَا إِلَيْهِ

стр. 1941

نَسْأَلْهُ فِيمَنْ هَذَا الأَمْرُ، إِنْ كَانَ فِينَا عَلِمْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِنَا كَلَّمْنَاهُ فَأَوْصىَ بِنَا، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: أَمَا وَالله لَئِنْ سَأَلْنَاهَا فَمَنَعَنَاهَا لاَ يُعْطِينَاهَا النَّاسُ بَعْدَهُ, وَإِنِّي وَالله لاَ أَسْأَلُهَا. أخرجه البخاري (١). [صحيح]. قوله: "عَبْدُ الْعَصى" (٢) أي مقهور محكوم عليك ممن يتولى الخلافة. قوله: "في حديث ابن عباس بارئاً" اسم فاعل من برأ إذا أفاق من المرض. قوله: "لأرى" بفتح الهمزة من الاعتقاد وبضمها من الظن، وهذا قاله العباس مستنداً إلى التجربة. قوله: "وإني والله لا أسألها" أي: الخلافة، وفي رواية أنه قال علي ﵇: "وهل يطمع في هذا الأمر غيرنا؟ قال العباس: أظن والله سيكون. قوله: "لا يعطيناها الناس" ويحتجون بمنع رسول الله ﷺ إياهم. وفي رواية للشعبي مرسلة: "فلما قبض ﷺ قال العباس لعلي: ابسط يدك أبايعك ويبايعك الناس فلم يفعل". وفي رواية (٣): "قال علي: يا ليتني! أطعت عباساً، يا ليتني أطعت عباساً". قال عبد الرزاق (٤): كان معمر يقول لنا: أيهما كان أصوب رأياً؟ فنقول: العباس، فيأبى ويقول: لو كان أعطاها عليا فمنعه الناس لكفروا. انتهى.

стр. 1942

والحديث دليل أنه لم ينص ﷺ على أحد بالخلافة بعده، إذ لو كان نص على أحد لما قال العباس لعلي ﵇ بما قال، ولا أجاب عليه بما أجاب، وللناس خلاف طويل، وقال وقيل في هذه المسألة ولسنا بذكره نطيل [٢٤٩/ أ]، ويأتي طرف من ذلك قريباً. [٣٥٠ ب]. ٢ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: أَتَتْ امْرَأَةً النبيّ ﷺ فَكَلَّمَتْهُ فِي شَيْءٍ فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ، فَقَالَتْ: فَإِنْ لَمْ أَجِدْكَ: كَأَنَّهَا تَعْنِى المَوْتَ. قَالَ "فَإِنْ لَمْ تَجِدِيني فَأْتِى أَبَا بَكْرٍ". أخرجه الشيخان (١) والترمذي (٢). [صحيح]. قوله: "في حديث جبير بن مطعم كأنها تعني الموت" هذا ظنٌ من قائله، بل يحتمل أنها تريد: إن لم أجدك بارزاً للناس فأمرها أن تأتي أبا بكر؛ لأنه يبلغ إليه حاجتها، فقد كان أكثر الصحابة ملازمة لرسول الله ﷺ وإن كانت أرادت الموت فقد علم ﷺ بكل كائنة بعده، وعلم أن أبا بكر يلي أمر الأمة بإرادة الله وإن لم ينص ﷺ على أنه الخليفة من بعده، فمن استدل به على أنه ﷺ استخلف أبا بكر فلا يتم له الاستدلال. قال الحافظ ابن حجر (٣) في قول عمر فيما أخرجه البخاري (٤) وغيره (٥): "إن استخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني رَسُولِ الله ﷺ "، فيه رد على من جزم كالطبري [ومثل بكر بن عبد الواحد] (٦)، وبعده ابن حزم: أن النبي ﷺ استخلف أبا بكر، ووجهه جزم عمر بأنه ﷺ لم يستخلف.

стр. 1943

قال: لكن (١) تمسك من خالفه بإطباق الناس على تسمية أبي بكر خليفة رَسُولِ الله. قلت: ولا يخفى أن التسمية يكفي فيها أدنى ملابسة فإنه يصدق عليه أنه خليفة رسول الله، في إبلاغ الشرائع عنه وتنفيذها ونحو ذلك. قال ابن حجر (٢): وقول الراوندية: أن النبي ﷺ نص على العباس، وقول الرافضة (٣): أنه نص على علي ﵇ ووجه الرد عليهم إطباق الصحابة على مبايعة أبي بكر [وعلى طاعته] (٤). قلت: وقول عمر "لم يستخلف" وتقرير الله له عليه، وتقرير الصحابة لكلامه، دليل أنه ﷺ لم يستخلف أحداً. [٣٥١ ب]. ٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: تُوُفِّيَ رَسُولِ الله ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ بِالسُّنْحِ، فَقَامَ عُمَرُ ﵁ يَقُولُ: وَاللهِ مَا مَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ولَيَبْعَثَنَّهُ اللهُ تَعَالَى، فَيَقْطَعَنَّ أَيْدِيَ رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، فَكَشَفَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ فقَبَّلَهُ وَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَالَّذِي نَفْسِى بِيَدِهِ لاَ يُذِيقُكَ اللهُ المَوْتَتَيْنِ أَبَدًا. ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: أَيُّهَا الحَالِفُ عَلَى رِسْلِكَ، فَلمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ جَلَسَ عُمَرُ ﵄ فَحَمِدَ اللهُ أَبُو بَكْر وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَلَا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ فَإِنَّ الله حَيٌّ لاَ يَمُوتُ، وَتَلَا: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ (٥) , ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ

стр. 1944

عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ (١)، فَنَشَجَ النَّاسُ يَبْكُونَ، وَاجْتَمَعَ الأَنْصَارُ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ﵁ فِى سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ, فَقَالُوا مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ, فَذَهَبَ إِلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ ﵃، فَذَهَبَ عُمَرُ يَتكَلَّمُ، فَأَسْكَتَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁، فَكَانَ عُمَرُ ﵁ يَقُولُ: وَالله مَا أَرَدْتُ بِذَاكَ إِلاَّ أَنِّي قَدْ هَيَّأْتُ كَلاَمًا أَعْجَبَني خَشِيتُ أَنْ لاَ يُبْلِغَهُ أَبُو بَكْرٍ، فتكَلَّمَ وَالله أَبُو بَكْرٍ، فَوَالله مَا زَوَّرْتُ فِي نَفْسِي كَلَامَاً إِلَّا وَأَتَى عَلَيْهِ وَأَبْلَغَ، وَكَانَ فِى كَلاَمِهِ: نَحْنُ الأُمَرَاءُ وَأَنْتُمُ الْوُزَرَاءُ، فَقَامَ حُبَابُ بْنُ المُنْذِرِ فَقَالَ: لاَ وَالله لاَ نَفْعَلُ، مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لاَ وَلَكِنَّا الأُمَرَاءُ وَأَنْتُمُ الْوُزَرَاءُ. زاد رزين: لَنْ يُعْرَفَ هَذَا الأَمْرُ إِلاَّ لِهَذَا الحيِّ مِنْ قُرَيْشٍ، هُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ دَارَاً وَأَعْرَبُهُمْ أَحْسَابَاً، فَبَايِعُوا عُمَرَ، أَوْ أَبَا عُبَيْدَةَ، فَقَالَ عُمَرُ: بَلْ ونُبَايَعكَ أَنْتَ، فَأَنْتَ سَيِّدِنَا وَخَيْرُنَا وَأَحَبَّنَا إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَأَخَذَ عُمَرَ ﵁ بِيَدِهِ فَبَايَعَهُ، وَبَايَعَهُ النَّاسُ، فَقَالَ قَائِلٌ: قَتَلْتُمْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، فَقَالَ عُمَرُ: قَتَلَهُ الله تَعَالَى، قَالَتْ: فَمَا كَانَ مِنْ خُطْبَتَيْهِمَا مِنْ خُطْبَةٍ إِلا نَفَعَ الله بِهَا، لَقَدْ خَوَّفَ عُمَرُ النَّاسَ، وَإِنْ فِيْهِمْ لِنِفَاقَاً، فَرَدَّهُمُ الله تَعَالَى بِذَلِكَ، ثُمَّ لَقَدْ بَصَّرَ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ فِي الله تَعَالَى وَعَرَّفَهُمُ الحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِمْ وَخَرَجُوا بِهِ يَتْلُونَ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ (٢) الآية. أخرجه البخاري (٣) والنسائي (٤).

стр. 1945

قلت: وقوله زاد رزين: كذا في "التجريد"، وأصله وهذه الزيادة بعينها في "صحيح البخاري" والله أعلم. "السُّنُحُ" (١): بضم السين المهملة والنون، وقيل بسكون النون: موضع بعوالي المدينة فيه منازل بني الحارث بن الخزرج، وقوله "لا يذيقك الله الموتتين" أي في الدنيا، قال ذلك أبو بكر ردًا لقول عمر: إن الله سيبعث نبيه فيقطع أيدي رجال وأرجلهم، "والسقيفة" الصُّفَّة (٢) في البيت، "والنشيج": تردد صوت الباكي في صدره من غير انتحاب (٣). قوله: "في حديث عائشة وأبو بكر بالسنح" هو بضم المهملة وسكون النون وضبطه أبو عبيد البكري بضمها وقال: إنها منازل بني الخزرج بالعوالي. وقوله: "يعني بالعالية" العالية والعوالي هي أماكن بأعلى أراضي المدينة، وأدناها من المدينة على أربعة أميال، وأبعدها من جهة نجد ثمانية، وكان عند أصهاره من الأنصار على ميل من المسجد النبوي وهو أول العالية. قوله: "يقول والله ما مات رَسُولِ الله ﷺ " حلف عمر مبني على علمه الذي أدّاه إليه اجتهاده، قاله في "الفتح" (٤). قوله: [في حديث عائشة] (٥): "ليبعثنه الله" أي: من غشيته، وأراد بأيدي رجال وأرجلهم المنافقين. قوله: "لا يذيقك الله الموتتين أبداً".

стр. 1946

قال الحافظ ابن حجر (١): إنه مشكل وعنه أجوبة فقيل: هو على حقيقته، وأشار بذلك إلى الرد على من زعم أنه سيجيء فيقطع أيدي رجال؛ لأنه لو صح ذلك للزم أن يموت موتة أخرى، فأخبر أنه أكرم على الله من أن يجمع عليه موتتين كما جمعها على غيره كالذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، وكالذي مر على قرية، قال: وهذا أوضح الأجوبة وأسلمها. وقيل (٢): أراد لا يموت موتة أخرى في القبر كغيره إذ يحيا ليال ثم يموت، وهذا جواب الداودي. وقيل (٣): لا يجمع موت نفسك وموت شريعتك. قال ابن حجر (٤) [٣٥٢ ب] في محل آخر: وأغرب من قال المراد بالموتة الأخرى موت الشريعة أي: لا يجمع الله عليك موتك وموت شريعتك، قال: هذا القائل: ويؤيده قول أبي بكر بعد ذلك في خطبته: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. قال (٥): وقيل كنى بالموت الثاني عن الكرب، أي: لا يلقى بعد هذا الموت كرباً آخر. قوله: "وتلا ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ والتي بعدها".

стр. 1947

قال الكرماني (١): قلت: ليس في القرآن أن النبي ﷺ قد مات، ثم أجاب بأن أبا بكر تلاها؛ لأن النبي ﷺ قد مات، يريد أن إخبار الله بأنه ﷺ ميت قد وقع مخبره في الخارج. قوله: "ما زوَّرت في نفسي" (٢) بزاي وراء، أي: هيأتُ وحسنت. قوله: "حباب بن المنذر" (٣) بضم الحاء المهملة فموحدة خفيفة وآخره موحدة. قوله: "قتلتم سعد" أي: كدتم تقتلونه، وقيل: كناية عن الإعراض والخذلان. قال ابن حجر (٤): يردّه ما وقع في رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب "فقائل قائل من الأنصار: اتقوا سعد بن عبادة [٣٥٣ ب] لا تطئوه, فقال عمر: اقتلوه قتله الله"، نعم لم يرد عمر قتله حقيقة، وفي حديث مالك "إنّ عمر قال ذلك وهو مغضب". قوله: "لن يعرف" بضم أوله على البناء للمجهول وفي رواية مالك "لن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش" (٥). قوله: "فما كان من خطبتيهما من خطبة إلا نفع الله بها" أي: من خطبتي أبي بكر وعمر، ومن الأولى تبعيضية، أو بيانية، والثانية: زائدة ثم شرحت ذلك بقولها: "لقد خوّف عمر الناس" أي: بقوله المذكور "وإن فيهم لنفاقاً" أي: بعضهم منافق. قوله: "كذا في التجريد" أي: للبارزة. "وأصله" أي: كتاب ابن الأثير وهو كذلك فيه، أي: في "الجامع" (٦) [٢٥٠/ أ] بلفظ:

стр. 1948

زاد رزين، وهي في البخاري كما قاله المصنف (١). ٤ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كُنْتُ أُقْرِئُ رِجَالاً مِنَ المُهَاجِرِينَ مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَقَالَ: لَوْ رَأَيْتَ رَجُلاً أَتَى عُمَرَ الْيَوْمَ فَقَالَ: هَلْ لَكَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! فِي فُلاَنٍ يَقُولُ: لَوْ قَدْ مَاتَ عُمَرُ لَقَدْ تبَايَعْتُ فُلاَنًا، فَوَالله مَا كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ ﵁ إِلاَّ فَلْتَةً، فَتَمَّتْ، فَغَضِبَ عُمَرُ فَقَالَ: إِنِّي إِنْ شَاءَ الله لَقَائِمٌ الْعَشِيَّةَ فِي النَّاسِ، فَمُحَذِّرُهُمْ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْصِبُوهُمْ أُمُورَهُمْ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! لاَ تَفْعَلْ، فَإِنَّ المَوْسِمَ يَجْمَعُ رَعَاعَ النَّاسِ وَغَوْغَاءَهُمْ، وإِنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَغْلِبُونَ عَلَى قُرْبِكَ حِينَ تَقُومُ فِى النَّاسِ، وَأَنَا أَخْشَى أَنْ تَقُومَ، فَتَقُولَ مَقَالَةً يُطَيِّرُهَا أولَئِكَ عَنْكَ كُلُّ مَطِيرٍ، وَأَنْ لاَ يَعُوهَا، وَأَنْ لاَ يَضَعُوهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا، فَأَمْهِلْ حَتَّى تَقْدَمَ المَدِينَةَ فَإِنَّهَا دَارُ الهجْرَةِ وَالسُّنَّةِ، فتخْلُصَ بِأَهْلِ الْفِقْهِ وَأَشْرَافِ النَّاسِ، فتَقُولَ مَا قُلْتَ مُتَمَكِّنًا، فَيَعِى أَهْلُ الْعِلْمِ مَقَالَتَكَ، وَيَضَعُونَهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا، فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا وَالله إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى لأقومَنَّ بِذَلِكَ أَوَّلَ مَقَامٍ أَقُومُهُ بِالمَدِينَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ فِي عَقِبِ ذِي الحَجَّةِ, فَلمَّا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ عَجِلْتُ بِالرَّواحِ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ. زاد رزين: فَخَرَجْتُ فِي صَكَّةِ عُمَيِّ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الحَدِيْثُ الْأوَّلِ فَقَالَ: حَتَّى أَجِدَ سَعِيدَ ابْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ جَالِسًا إِلَى رُكْنِ المِنْبَرِ، فَجَلَسْتُ حَوْلَهُ تَمَسُّ رُكْبَتِي رُكْبَتَهُ، فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ خَرَجَ عُمَرُ ﵁، فَلمَّا رَأَيْتُهُ مُقْبِلًا قُلْتُ لِسَعِيدِ: لَيَقُولَنَّ الْعَشِيَّةَ عَلَى هَذَا المِنْبَرِ مَقَالَةً لَمْ يَقُلْهَا مُنْذُ اسْتُخْلِفَ، فَأَنْكَرَ عَلَيَّ وَقَالَ: ومَا عَسَى أَنْ يَقُولَ مَا لَمْ يَقُلْ قَبْلَهُ, فَجَلَسَ عُمَرُ عَلَى المِنْبَرِ، فَلمَّا سَكَتَ المؤذِّنُ قَامَ فَأَثْنَى عَلَى الله بِمَا هُوَ أَهْلُهُ, ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي قَائِل لَكُمْ مَقَالَةً قَدْ قُدِّرَ أَنْ أَقُولَهَا، لاَ أَدْرِي لَعَلَّهَا بَيْنَ يَدَىْ أَجَلِي، فَمَنْ عَقَلَهَا وَوَعَاهَا فَلْيُحَدِّثْ بِهَا حَيْثُ انْتَهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، وَمَنْ خَشِيَ أَنْ لاَ يَعْقِلَهَا فَلاَ أُحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَكْذِبَ عَلَيَّ، إِنَّ الله بَعَثَ مُحَمَّدًا

стр. 1949

- ﷺ بِالحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللهُ عليهِ آيَةُ الرَّجْمِ، "وَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيْثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ المَذْكُورِ فِي أَوَّلِ بَابِ حَدِّ الزِّنَا" ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ قَائِلًا يَقُولُ: لَوْ قَدْ مَاتَ عُمَرُ لَبَايَعْتُ فُلاَنًا، فَلاَ يَغتَرَّنَّ امْرُؤٌ أَنْ يَقُولَ إِنَّمَا كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ فَلْتَةً وَتَمَّتْ، أَلاَ وَإِنَّهَا قَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ الله وَقَى شَرَّهَا، وَلَيْسَ فِيْكُمْ مَنْ تُقْطَعُ إِلَيْهِ الأَعْنَاقُ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ ﵁، وَإِنَّهُ كَانَ مِنْ خَبرِنَا حِينَ تُوفَّي رسولَ اللهِ ﷺ ، أَنَّ الأَنْصَارَ خَالَفُونَا، وَاجْتَمَعُوا بِأَسْرِهِمْ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ وَتَخَلَّفَ عَنَّا عِليٌّ وَالزُّبَيْرُ ﵄ وَمَنْ مَعَهُمَا، وَاجْتَمَعَ المُهَاجِرُونَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَقُلْتُ لأَبِي بَكْرٍ: يَا أَبَا بَكْرٍ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى إِخْوَانِنَا هَؤُلاَءِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَانْطَلَقْنَا نُرِيدُهُمْ فَلمَّا دَنَوْنَا مِنْهُمْ لَقِيَنَا رَجُلاَنِ صَالِحَانِ، فَذَكَرَا مَا تَمَالأ عَلَيْهِ الْقَوْمُ فَقَالاَ أَيْنَ تُرِيدُونَ يَا مَعْشَرَ المُهَاجِرِينَ؟ فَقُلْنَا: نُرِيدُ إِخْوَانَنَا مِنَ الأَنْصَارِ. فَقَالاَ: لاَ عَلَيْكُمْ أَنْ لاَ تَقْرَبُوهُمُ اقْضُوا أَمْرَكُمْ. فَقُلْتُ: وَالله لَنَأْتِيَنَّهُمْ. فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَاهُمْ، فَإِذَا رَجُلٌ مُزَمَّلٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا هَذَا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ. فَقُلْتُ: مَا لَه؟ قَالُوا يُوعَكُ. فَلمَّا جَلَسْنَا قَلِيلًا تَشَهَّدَ خَطِيبُهُمْ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَنَحْنُ أَنْصَارُ الله تَعَالَى، وَكَتِيبَةُ الإِسْلاَمِ، وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ المُهَاجِرِينَ رَهْطٌ مِنّا، وَقَدْ دَفَّتْ دَافَّةٌ مِنْ قَوْمِكُمْ، فَإِذَا هُمْ أَرَادُوا أَنْ يَخْتَزِلُونَا مِنْ أَصْلِنَا وَأَنْ يَحْضُنُونَا مِنَ الأَمْرِ فَلمَّا سَكَتَ أَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، وَكُنْتُ قد زَوَّرْتُ مَقَالَةً أَعْجَبَتْنِى أُرِيدُ أَنْ أقدِّمَهَا بينَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ، وَكُنْتُ أُدَارِي مِنْهُ بَعْضَ الحَدِّ فَلمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى رِسْلِكَ. فَكَرِهْتُ أَنْ أُغْضِبَهُ، فَتَكَلَّمَ وَكَانَ هُوَ أَحْلَمَ مِنِّي وَأَوْفَرَ، وَاللهِ مَا تَرَكَ مِنْ كَلِمَةٍ أَعْجَبَتْنِى فِى تَزْوِيرِي إِلاَّ قَالَ فِي بَدِيهَتِهِ مِثْلَهَا، أَوْ أَفْضَلَ مِنْهَا، حَتَّى سَكَتَ وَقَالَ مَا ذَكَرْتُمْ فِيكُمْ مِنْ خيرٍ فَأَنْتُمْ لَهُ أَهْلٌ، وَلَنْ يُعْرَفَ هَذَا الأَمْرُ إِلاَّ لِهَذَا الحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ، هُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ نَسَبًا وَدَارًا، وَقَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، فَبَايِعُوا أَيهما شِئْتُمْ. فَأَخَذَ بِيَدِي وَبِيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرَّاحِ، وَهْوَ جَالِسٌ بَيْنَنَا، فَلَمْ أَكْرَهْ مِمَّا قَالَ غيْرَهَا، كَانَ وَالله أَنْ أقدَّمَ فَتُضْرَبَ عُنُقِي لاَ يُقْرَبُنِي ذَلِكَ مِنْ إِثْمٍ، أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَأَمَّرَ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ، اللهمَّ إِلاَّ أَنْ تُسَوِّلَ لِي

стр. 1950

نَفْسِي عِنْدَ المَوْتِ شَيْئًا لاَ أَجِدُهُ الآنَ، فَقَالَ: قَائِلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أَنا جُذَيْلُهَا المُحَكَّكُ، وَعُذَيْقُهَا المُرَجَّبُ، مِنَّا أَمِيرٌ, وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ, فَكَثُرَ اللَّغَطُ، وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ حَتَّى فَرِقْتُ مِنَ الِاخْتِلاَفِ. فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَدَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ. فَبَايَعْتُهُ وَبَايَعَهُ المُهَاجِرُونَ، ثُمَّ بَايَعَهُ الأَنْصَارُ، وَنَزَوْنَا عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ قَتَلْتُمْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، فَقُلْتُ قَتَلَ الله سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ. قَالَ عُمَرُ ﵁: وَإِنَّا وَالله مَا وَجَدْنَا فِيمَا حَضَرْنَا مِنْ أَمْرِنا أَقْوَى مِنْ مُبَايَعَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁، خَشِينَا إِنْ فَارَقْنَا الْقَوْمَ، وَلَمْ تَكُنْ بَيْعَةٌ أَنْ يُبَايِعُوا رَجُلاً مِنْهُمْ بَعْدَنَا، فَإِمَّا بَايَعْنَاهُمْ عَلَى مَا لاَ نَرْضَى، وَإِمَّا نُخَالِفُهُمْ فَيَكُونُ فَسَادٌ, فَمَنْ بَايَعَ رَجُلاً عَلَى غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَلاَ يُتَابَعُ هُوَ وَلاَ الَّذِى بَايَعَهُ تَغِرَّةً أَنْ يُقْتَلاَ. أخرجه الشيخان (١)، وهذا لفظ البخاري، وهو عند مسلم مختصر حديث الرجم. "الفلتة" (٢): الفجأة "وغوغاء الناس" (٣) الذين يكثرون الضجة ونحوها من غير تثبت "وزاغت الشمس" مالت عن كبد السماء، "وصكة عمى": كناية عن شدة الحر وقت الهاجرة غاية القيظ (٤)، وقوله: "فلم أنشب" أي فلم ألبث، "وتقطع إليه الأعناق" أعناق المطي، "والمزمل" المغطى، "وظهراني القوم": بينهم، "والوعك" (٥): الحمى.

стр. 1951

"والدافة" (١) الجماعة من الناس يقصدون المصر. "يختزلونا": يقطعونا عن مرادنا. "يحضنونا" (٢): بضاد معجمة: ينحونا عنه، وينفردون به، ومعنى "زودت": زينت وهيأت، و"تسول لي نفسي": تحسن وتزين "اللغط" كثرت الأصوات واختلافها. ومعنى "جذيلها المحكك (٣)، وعذيقها المرجب" (٤): أي (٥) أني ذو رأي يستشفى به في الحوادث لا سيما في هذه الحادثة، وإني في ذلك كالعود الذي يشفى الجرباء وكالنخلة الكثيرة الحمل. ومعنى "نزونا" وثبنا، وقوله: "تغرة أن يقتلا" فيه مضاف محذوف تقديره خوف تغرة أن يقتلا، أي خوف إيقاعهما في القتل، والتغرة (٦) مصدر أغررته إذا ألقيته في الغرر، وهي من الغرر.

стр. 1952

قوله: "في حديث ابن عباس كنت أقرئ رجالاً من المهاجرين منهم عبد الرحمن ابن عوف". قال ابن الجوزي (١): في إقراء ابن عباس لمثل عبد الرحمن بن عوف تنبيه على أخذ العلم [٣٥٤ ب] من أهله، وإن صغرت أسنانهم، وقلّت أقدارهم، وقد كان حكيم بن حزام يقرأ على معاذ بن جبل فقيل له: تقرأ على هذا الغلام الخزرجي؟ فقال: إنما أهلكنا التكبر. قوله: "في فلان" قال الحافظ في مقدمة "الفتح": في مسند البزار والجعديات بإسناد ضعيف، بأن المراد أن يبايع له طلحة بن عبيد الله، ولم يسم القائل ثم وجدته في الأنساب للبلاذري بإسناد قوي من رواية هشام بن يوسف عن معمر عن الزهري بالإسناد المذكور في الأصل ولفظه: "قال عمر: بلغني أن الزبير قال: لو قد مات عمر بايعنا عليّاً" .. الحديث، وهذا أصح. انتهى. قوله: "فلتة" هي بفتح الفاء وسكون اللام، أي: فجأة لم يتقدمها تدبير ولا مشاورة. قوله: "غوغاء الناس" (٢) بمعجمتين وسكون الواو، وأصله صغار الجراد يبدأ في الطيران، ويطلق على السفلة المسرعين إلى الشر، والرعاع السفلة وأخلاط الناس. قوله: "في عقب ذي الحجة" قال أهل اللغة (٣): يقال جاء فلان عقب الشهر، إذا جاء بعد فراغه، وجاء في عقبه إذا جاء وقد بقيت منه بقية وليس في الحديث رواية معينة لأحدهما فحق على رواته أن يلفظوا باللغتين فيكون لافظاً بالمروي بيقين، وهكذا كل لفظة فيها لغتان ولم يتعين فيه لفظ الرواية. [٣٥٥ ب].

стр. 1953

قوله: "صكة عمي" بفتح الصاد المهملة وتشديد الكاف، وعمي تصغير أعمى مرخماً، وقيل: هو اسم (١) رجل من العمالقة أغار على قوم ظهراً فاستأصلهم فنسب الوقت إليه، وقيل: هو كناية عن شدة الحر ووقت الهاجرة، يقال: جاء صكة عمي، أي: في وقت الهاجرة وغاية القيظ، وذلك أنّ الإنسان إذا خرج وقت الهاجرة لا يكاد يملأ عينيه من نور الشمس أرادوا أنه يصير أعمى. قوله: "فلم أنشب أن خرج عمر" أي: لم ألبث، وأصله من نشبت في الشيء إذا علقت به. قوله: "لعلها بين يدي أجلي" هي من الأمور التي جرت على لسانه, فكانت كما قال، فإنه طعن عقب ذلك بأيام يسير قبل الجمعة الأخرى. قوله: "إن قائلاً" هو طلحة بن عبيد الله. وقوله: "لبايعت فلاناً" هو علي ﵇. قوله: "ولكن وقى الله شرها" أي: وقاهم ما في العجلة غالباً من الشر. قوله: "وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق [٣٥٦ ب] مثل أبي بكر" قال الخطابي (٢): يريد أن السابق منكم لا يلحق بالفضل، لا يصل إلى منزلة أبي بكر، فلا يطمع أحد منكم أن يقع له مثل ما وقع لأبي بكر من المبايعة له أولاً في الملأ اليسير، ثم إجماع الناس وعدم اختلافهم عليه لما تحققوا من استحقاقه فلم يحتاجوا في أمره إلى نظر ولا إلى مشاورة وليس غيره في ذلك مثله.

стр. 1954

قوله: "وإنه كان من خبرنا" بالموحدة وروي بالمثناة التحتية، فالضمير على الأول للشأن وعلى الثاني لأبي بكر والسياق يناسب الأول. قوله: "رجلان صالحان" هما عويم بن ساعدة ومعن بن عدي (١). قوله: "فذكرا ما تمالأ عليه القوم" تمالأ بفتح التاء، القوم على الأمر إذا اجتمع رأيهم عليه واتفقوا فيه، والتمالي المعاونة أيضاً والمراد به اتفاقهم على أن يبايعوا سعد بن عبادة. قوله: "مزمل" (٢) بزاي وتشديد الميم المفتوحة، أي: ملفلف. قوله: "بين ظهرانيهم" بفتح المعجمة والنون، أي في وسطهم. قوله: "يوعك" (٣) بضم أوله وفتح المهملة، أي: يحصل له الوعك وهو الحمى بنافض. قوله: "خطيبهم" قال ابن حجر (٤): لم أقف على اسمه، وكان ثابت بن قيس خطيب الأنصار، كأنه هو. قوله: "كتيبة الإِسلام" الكتيبة: بمثناة فوقية وموحّدة بزنة عظيمة، وهي الجيش المجتمع الذي [٣٥٧ ب] [لا ينتشر] (٥) وأطلق عليهم ذلك مبالغة. قوله: "رهط" أي عدد يسير بالنسبة إلى عدد الأنصار.

стр. 1955

وقوله: "وقد دفت دافة من قومكم" (١) بالدال المهملة والفاء، أي: عدد قليل. قال الخطابي (٢): يريد أنكم قوم طَرَأةٌ غرباء، أقبلتم من مكة إلينا [تريدون أن تستأثروا علينا] (٣). قوله: "يختزلونا" بمعجمة وزاي، أي: تقتطعونا عن الأمر وتنفردوا به دوننا، والمراد بالأصل هنا ما يستحقونه من الإمرة. "وأن يحضنونا" بحاء مهملة وضاد معجمة فنون، قال ابن الأثير (٤): يقال حضنت الرجل عن الأمر حضناً وحضانة إذا نحيته عنه وانفردت به دونه. قوله: "على رسلك" بكسر الراء وسكون المهملة، ويجوز "الفتح" أي: على مهلك (٥)، بفتحتين. قوله: "أن أغضبه" بغين وضاد معجمتين ثم موحدة من الغضب، وفي رواية في البخاري بالمهملتين (٦) ومثناة تحتية من العصيان.

стр. 1956

قوله: "بعض الحد" أي: أدافع غضبه, قال ابن الأثير (١): الحد والحدة سواء, من الغضب، يقال: حد يحد حدّا وحدة إذا غضب، والمداراة (٢) بالهمزة المدافعة بلين وسكون وبغير همز الخديعة والمكر، وقيل هما لغتان بمعنى. قوله: "بديهته" البديهة ضد التروي والتفكر. قوله: "تسول" سولت له نفسا شيئاً زينته له وحسنته إليه. [٣٥٨ ب]. قوله: "جذيلها" (٣) تصغير الجذل وهو عود ينصب للإبل الجربي [تحتك] (٤) به فتشفى و"المحكك" الذي أكثر به الاحتكاك حتى صار أملس. قوله: "وعذيقها" (٥) تصغير العذق بفتح العين وهي النخلة. قوله: "المرجب" "المسند" بالرجبة (٦) وهي خشبة [٢٥١/ أ] ذات شعبتين، وذلك إذا طالت الشجرة وكثر حملها اتخذوا ذلك لها لضعفها عن كثرة حملها، والمعنى: أني في ذلك كالعود الذي يشفي الجربى، وكالنخلة الكثيرة العمل من توفر مواد الآراء عندي. ثم إنه أشار بالرأي الصائب عنده، فقال: "منا أمير ومنكم أمير". قوله: "اللغط" هو كثرة الأصوات واختلافها، والفرق الخوف والفزع (٧).

стр. 1957

قوله: "ونزونا" النزو الوثب ومنه نزا التيس على أنثاه (١). قوله: "تغرة" (٢) بفتح المثناة من فوق فغين معجمة فراء مشددة مصدرة غررته إذا ألقيته في الغرر، وهي من التغرير كالتعلة من التعليل، وفي الكلام مضاف محذوف تقديره: خوف تغرة أن يقتلا، أي: خوف إيقاعهما في القتل، وانتصاب الخوف على أنه مفعول له، فحذف المضاف الذي هو الخوف [٣٥٩ ب] وأقام المضاف إليه الذي هو التغرة مقامه. ويجوز أن يكون قوله "أن يقتلا" بدلاً من تغرة, ويكون المضاف أيضاً محذوفاً كالأول، ومن أضاف "تغرة" إلى أن يقتلا، فمعناه خوف [تغرة] (٣) قتلهما على طريقة قوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (٤). ومعنى الحديث: أن البيعة حقها أن تقع صادرة عن المشورة والاتفاق، فإذا استبد رجلان دون الجماعة بمبايعة أحدهما للآخر فذلك تظاهر منهما بشق العصا وإطراح الجماعة، فإن عقد لأحد فلا يكون المعقود له واحد منهما, وليكونا معزولين من الطائفة التي تتفق على تمييز الإِمام منها؛ لأنه إن عقد لواحد منهما وهما قد ارتكبا تلك الفعلة الشنيعة التي فارقت الجماعة من التهاون بهم والاستغناء عن رأيهم لم يؤمن أن يقولا قوله. ["تدبر" ما دبرت (٥) الرجل أدبره إذا أتبعته وكنت خلفه في أي معنى كان. قوله: "يزعجه" ينهضه بسرعة. [٣٦٠ ب].

стр. 1958

قوله: "عقرتُ" أي: دهشت، بكسر القاف وأصله في الرجل تسلمه قوائمه فلا يستطيع أن يقاتل من الخوف والدهش (١)] والمصنف قد شرح كثيراً من ألفاظ الحديث (٢). ٥ - وعن عائشة ﵂ قالت: أَتَتْ فاِطِمَةُ وَالْعَبَّاسُ ﵄ أَبا بَكْرٍ ﵁ يَلْتَمِسَانِ مِيْرَاثَهُمَا مِنْ رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَ أبو بَكْرٍ ﵁: سَمِعْتُ رَسُولِ الله ﷺ يَقُولُ: لَا نُورثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمّدٍ في هَذَا المَالِ، وَإنِّي وَالله لَا أَدعُ أَمْرَاً رَأَيْتُ رَسُولِ الله ﷺ يَصْنَعُهُ إِلَّا صنَعْتُهُ, إِنِّي أَخْشَى إِنْ ترَكْتُ شِيْئَاً مِنْ أَمْرِه أَنْ أُزِيغَ، فَهَجَرَتْهُ فَاطِمةُ ﵂ فَلَمْ تكلِّمُهُ حَتَّى مَاتَتْ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُر، فَدَفَنَهَا عَلِيّ ﵁ لَيْلَاً، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أبا بَكْرٍ، وَكَانَ لِعَليٍّ وَجْهٌ مِنَ النَّاسِ حَيَاةَ فَاطِمَة ﵂، فَلمَّا مَاتَتْ انْصَرَفَتْ وُجُوهِ النَّاسِ عَنْهُ، فَقَالَ رَجُلٌ للزُّهْرِيُّ ﵀: وَلَمْ يُبايُعُه عَلَى سِتَّةٌ أَشهُرٍ، قَالَ: لَا، وَالله وَلَا أَحَدٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، فَلمَّا رَأَى عَلِيّ ﵁ انْصِرَافَ وُجُوْهِ النَّاسِ عَنْهُ ضرَعَ إِلَى مُصَالِحَةِ أَبِيْ بَكْرٍ ﵁، فَأَرْسَلُ إِلَيْهِ أَنِ ائْتِنَا وَلَا يَأْتِنَا مَعَك أَحَدٍ، وَكَرِهَ أَنْ يَأْتِيِهِ عُمَر لمَّا عَلِمَ مِنْ شِدِّتِهِ، فَقَالَ عُمَرَ ﵁: لَا تَأْتِهِم وَحْدَكَ، فَقَالَ أَبُوْ بَكْرٍ ﵁: وَالله لآتيَنَّهُمْ وَحْدِي، مَا عَسَى أَنْ يَصْنَعُوا بِي، فَانْطَلَقَ أبو بَكْرٍ ﵁ فَدَخَلَ عَلَى عَلِيٍّ ﵁، وَقَدْ جَمَعَ بَنِي هَاشِمٍ عِنْدَهُ، فَقَامَ فَحِمَدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْه ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ: فَلَمْ يَمْنَعْنَا أَنْ نبايِعَكَ يَا أَبا بَكْرٍ إِنْكَارٌ لِفَضِيْلتكَ، وَلَا نَفَاسَةُ عَلَيْكَ، وَلَكِنَّا كُنَّا نَرَى أَنَّ لَنَا فِي هَذَا الْأَمْرُ حَقَّا فَاسْتَبْدَدْتُمْ عَلَيْنَا، ثُمَّ ذَكَرَ قَرَابَتَهُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ وَحَقَّهُمْ فَلَمْ يَزَلْ عِليٌّ ﵁ يَذْكُرُ حَتَّى بَكَى أَبُو بَكْرٍ ﵁، فَصمَتْ عَليٌّ ﵁، فتشَهَّدَ أبو بَكْرٍ ﵁ فَحِمَدَ الله تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْه ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ: فَوالله لَقَرَابَةُ رَسُولِ الله ﷺ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلُ مِنْ قَرَاَبَتِيِ، وَإنِّي وَالله مَا أَلُوْتُ في هَذِهِ الْأَمْوَالِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ عَنِ الخَيْرِ، وَلَكِنِّيْ سَمْعْتُ رَسُولِ الله

стр. 1959

- ﷺ يَقُولُ: لَا نُوْرَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ, إِنَّمَا يَأْكُلُ آل مَحُمَّدٍ في هَذَا المَالُ، وَإِنَي وَالله لَا أَدعُ أَمْرَاً صَنَعَهُ رَسُولِ الله ﷺ إِلاَّ صَنَعْتُهُ إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى، فَقَالَ عَليٌّ ﵁: مَوْعِدُكَ لِلْبَيْعَةِ الْعَشِيّةُ، فَلمَّا صَلَّى أَبُو بَكْر ﵁ الظُّهْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ يَعْذُرَ عَلِيَّاً ﵁ بِبَعْضِ مَا اعْتَذَرَ بِهِ، ثُمَّ قَامَ عَلِيٌّ ﵁ فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ ﵁، وَذَكَرَ فَضِيْلَتَهُ وَسِابِقَتَهُ، ثُمَّ قَامَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَبَايَعَهُ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ عَلَى عَليٌّ ﵁ فَقَالُوْا: أَصَبْتَ وَأَحْسَنْتَ، فَكَانَ النَّاسُ إِلَى عَليٌّ ﵁ قَرِيْبًا حينَ رَاجَعَ الْأَمْرَ المَعْرُوفَ. أخرجه الشيخان (١)، واللفظ لمسلم. "ضرع" (٢): أي خضع، وانقاد "والنفاسة" (٣): الحسد، ومعنى "ما ألوت" (٤) بالقصر: أي ما قصَّرت. قوله: "في حديث عائشة لا نورث ما تركناه صدقة". قال الحافظ ابن حجر (٥): الذي توارد عليه أهل الحديث في القديم والحديث أن "لا نورث" بالنون و"صدقة" بالرفع، وأن الكلام جملتان "ما تركنا" في موضع الرفع بالابتداء،

стр. 1960

و"صدقة" خبره، ويؤيده وروده في بعض طرق الصحيح "ما تركنا فهو صدقة" (١). قال (٢): وفي هذه القصة رد على من روى "لا يورث" بالتحتانية وله "صدقة" بالنصب على الحال وهي دعوى من بعض الرافضة. قد احتج بعض أهل الحديث على بعض الإمامية بأن أبا بكر احتج بهذا الكلام على فاطمة فيما [التمسته منه] (٣) من الذي خلفه رَسُول الله ﷺ من الأراضي وهما من أفصح الفصحاء، وأعلم بمدلولات الألفاظ. انتهى. قلت: بل ولأنه يكون إخباره ﷺ بذلك لا فائدة فيه بل مثل السماء فوقنا؛ لأنه معلوم أنه الذي تركه وهو صدقة, أنه لا يكون ميراثاً بين قرابته, فإنه لا يورث إلا ما كان ملكاً للميت. قوله: "أن أزيغ" (٤) زاغ عن الحق إذا مال عنه. قوله: "فهجرته فاطمة" في البخاري (٥) "فغضبت فاطمة فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته". انتهى. قوله: "فلم تكلمه حتى ماتت" قال الحافظ (٦) [٣٦١ ب]: ووقع عند عمر بن شبة من وجه آخر عن معمر "فلم تكلمه في ذلك المال"، وكذا نقل الترمذي عن بعض مشائخه، وتعقب بأن قوله "غضبت" يدلس على أنها امتنعت من الكلام جملة وهذا صريح الهجر. انتهى.

стр. 1961

قلت: ولا أدري من أين عرف هجرها أبا بكر فإنه لا ريب أنها أجنبية بالنسبة إلى أبي بكر لا يحل لها مواجهته ولا له مواجهتها، وإذا كان كذلك فما معنى نسبة الهجر إليها له فإن التزاور، والتواصل، والاجتماع الذي هو ضد الهجر إنما يكون بين الحريم والرجال، إذا كان تحل المواجهة بينهم وتجوز الخلوة بهن ونحو ذلك، والبتول ﵂ أجنبية عن أبي بكر قطعاً، وقد أذن للأجنبي إذا سأل نساء رَسُولِ الله ﷺ متاعاً أن يسألوهن من وراء حجاب، فلا يتحقق هجرها إياه من وراء الحجاب، إلا إذا ثبت أنه وصل إليها ثم ردته من منزلها ولم تخاطبه، وهذا شيء لم ينقل أصلاً فلينظر. وقد نقل في "الفتح" (١) عن بعض الأئمة: إنما [كان هجرها] (٢) انقباضاً عن لقائه، والاجتماع به وليس ذلك من الهجران المحرم، فإن شرطه أن يلتقيا ويعرض هذا وهذا، وكأن فاطمة ﵍ لما خرجت غضبى من عند أبي بكر تمادت في اشتغالها بحزنها ثم بمرضها. انتهى. وقوله (٣) "عن لقائه والاجتماع به" فيه ما عرفت من أنه أجنبي عنها فلا تلاقي بينهما ولا اجتماع. قال ابن حجر (٤): وأما سبب غضبها مع احتجاج أبي بكر بالحديث المذكور فلاعتقادها [٣٦٢ ب] تأويل الحديث على خلاف ما تمسك به أبو بكر، فإنها اعتقدت تخصيص العموم في قوله "لا نورث"، ورأت [٢٥٢/ أ] أن منافع ما خلفه ﷺ من أرض وعقار لا يمتنع أن

стр. 1962

يورث عنه، وتمسك أبو بكر بالعموم، واختلفا في أمر محتمل للتأويل، فلما صمم على ذلك [امتنعت] (١) عن الاجتماع به لذلك. انتهى. ولا يخفى أن هذا مبني على صحة هجرها إياه، على أنّا ننازع في غضبها أيضاً فإنها ﵂ أجلّ قدراً وأعظم تقوى وأوفر عقلاً أن تغضب في منعها من أمر قد روي فيه مانعها عن النبي ﷺ نصّاً سمعه منه، ولم تكن ذات حرص على الدنيا فقد قنعت [عن] (٢) خادم (٣) تخدمها بما علمها رَسُولِ الله ﷺ من التسبيح والتحميد والتكبير عند [النوم] (٤) وأخبرها أنه خير لها من خادم، وكان يكره لها رسول الله ﷺ كما هو معلوم، وغاية الواقع أن البتول ﵂ طلبت ميراثها فأخبرها من طلبته منه أنه نص ﷺ بأنه لا يورث، وأن الذي تركه صدقة فقبلت ذلك ولم تشتم - وحاشاها - أبا بكر ولا كذّبته فيما رواه ولا كررت الطلب بعد ذلك فما معنى غضبها وهجرها له، وإن كان الأمران قد صارا قطعيين عند المتعصبين، بل عند الناس أجمعين، حتى قال القائل من الآل: أتموت البتول غضبى ونرضى ... ما كذا تفعل البنون الكرام

стр. 1963

قال الحافظ ابن حجر (١): "أنها تأولت واختلفت هي وأبي بكر في أمر محتمل" كلام غير صحيح، فإنها بعد أن روى لها الحديث أبو بكر لم تنازع، ولا وقع منها ما يدل على شيء مما ذكر، ولا طلبت بعد رواية الحديث حتى يقال: تأولت، بل قنعت وقالت: لا أكلمك في ذلك. وأما ما اشتهر من أنها بعد ذلك طلبت ما ذكر، وأنه أنحلها رسول الله ﷺ وجاءت بعلي وأم أيمن يشهدان لها، وقال لها أبو بكر: رجل مع الرجل، أو امرة مع المرأة، فهذه رواية لم نقف عليها في شيء من كتب الحديث [٣٦٣ ب] والسيرة، والله أعلم بالسريرة والحقيقة. وقول عائشة "أنها غضبت وهجرت" محمول على فهمها ذلك من القرائن، والفهم منها يخطئ ويصيب، وليس كالرواية بالمعنى، فإنها عن لفظ سمعه الراوي فعبّر عنه بلفظ مرادف له بخلاف هذه القصة، فإنه عبر عنها بما فهمه من القرائن، لا عن لفظ صدر من البتول دال على غضبها، وما كل قرينة صحيحة سيما عن الأمر الوجداني القلبي، فليتأمل من له إنصاف وإخلاص وكيف تغضب بضعة الرسول من الحق؟ - حاشا -. قوله: "فدفنها علي ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر" ليس في هذا ما يدل على غضبها ولا هجرها؛ لأن الدافن لها علي ﵇، ودفن الليل ليس منهياً عنه، وعدم إيذان أبي بكر يحتمل أنه لكون الدفن ليلاً، فكره علي ﵇ إيقاظ أبي بكر من نومه، والإيذان ليس بواجب، بل قال

стр. 1964

بعض الصحابة: إنه يخاف أن يكون نعياً وهو منهي عنه، وقد دفن الصحابة بعض أصحابه ﷺ ليلاً ولم يؤذنون، ولما أخبره بموته ودفنه قال "هلا آذنتموني" (١). قوله: "وجه من الناس حياة فاطمة"، قال ابن الأثير (٢): [يقال] (٣) لفلان وجه من الناس، أي حرمة ومنزلة. زاد في البخاري (٤): "فلما توفيت استنكر عليٌّ وجوه الناس". قال المازري (٥): والعذر لعلي ﵇ في تخلفه مع ما اعتذر هو به أنه يكفي" في بيعة الإِمام أن تقع من أهل الحل والعقد ولا يجب "الاستيعاب", ولا يلزم أن كل أحد يحضر عنده. قوله: "لما يعلم من شدته [٣٦٤ ب] "، فخشوا من حضوره كثرة المعاتبة التي تؤدي خلاف ما قصدوه من المصافاة (٦). قوله: "لا تأتهم وحدك" هذا خشية من عمر أن يغلظوا على أبي بكر في العتاب. قوله: "ولا نفاسة عليك" المنافسة الحرص على الغلبة والإنفراد بالمحروص عليه، يقال: نفست عليه أنفس نفاسة قاله ابن الأثير (٧).

стр. 1965

قوله: "في هذا الأمر" أي: الخلافة، أي: يظن أو يعتقد أنه لا بد من مشاورتنا كما يدل له "فاستبديتم علينا" والاستبداد بالأمر الانفراد به دون غيرك. قوله: " [ثم] (١) قال أما بعد فوالله لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي". لا يخفى أن هذا ليس جواباً عما ذكره علي ﵇؛ لأنه ذكر الاستبداد الذي وقع منهم في أمر الخلافة فأعرض أبو بكر عن جواب هذا، وسلك الأسلوب المحكم كأنه يريد في نفسه أن ذلك أمر قد وقع، وقد انقاد له الناس، وأنه لا حاجة إلى الخوض فيه والاعتذار عنه، وغايته أن أمير المؤمنين ﵇ لم يقل: كنت أنا أحق بهذا الأمر حتى يحتاج إلى الجواب، بل ذكر أنه كان الأولى أن لا تستبدوا بالأمر دون بني هاشم. قوله: "ألوت" (٢) يقال: ألى يألو إذا قصّر، وفلان لا يألوك نصحاً لا يقصر. قال القرطبي (٣): من تأمل ما دار بين أبي بكر وعلي من المعاتبة والاعتذار وما تضمن ذلك من الإنصاف عرف أن بعضهم كان يعترف بفضل الآخر وأن قلوبهم كانت متفقة على الاحترام والمحبة، وإن كان الطبع البشري قد يغلب أحياناً لكن الديانة ترد ذلك، والله أعلم. انتهى.
следующие страницы →